######OpenITI# #META# URI: 1331JurjiZaydan.SalahDinAyyubi.Hindawi39482082 #META# Tags: novels #META# ID: 39482082 #META# Title: صـلاح الـدين الأيـوبي #META# AuthorID: 40590249 #META# Author: جُرجي زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أبطال الرواية‏ # مراجع رواية صلاح الدين الأيوبي‏ # 1 - فذلكة تاريخية‏ # 2 - الخليفة العاضد وصلاح الدين‏ # 3 - أبو الحسن والحشاشون‏ # 4 - سيدة الملك‏ # 5 - عماد الدين‏ # 6 - الهكاري وقراقوش‏ # 7 - آخرة الفاطميين‏ # 8 - السلطان نور الدين‏ # 9 - عند زعيم الحشاشين‏ # 10 - مقتل أبي الحسن‏ # 11 - هناء الحبيبين‏ # أبطال الرواية‏ # مراجع رواية صلاح الدين الأيوبي‏ # 1 - فذلكة تاريخية‏ # 2 - الخليفة العاضد وصلاح الدين‏ # 3 - أبو الحسن والحشاشون‏ # 4 - سيدة الملك‏ # 5 - عماد الدين‏ # 6 - الهكاري وقراقوش‏ # 7 - آخرة الفاطميين‏ # 8 - السلطان نور الدين‏ # 9 - عند زعيم الحشاشين‏ # 10 - مقتل أبي الحسن‏ # 11 - هناء الحبيبين‏ # | صلاح الدين الأيوبي # | صلاح الدين الأيوبي # تأليف # جرجي زيدان # | أبطال الرواية # الخليفة العاضد: # آخر الخلفاء الفاطميين. # ست الملك: # أخت العاضد. # السلطان صلاح الدين الأيوبي. # نجم الدين: # والد صلاح الدين. # بهاء الدين قراقوش: # وزير صلاح الدين. # عماد الدين: # من خاصة صلاح الدين. # عيسى الهكاري: # من خاصة صلاح الدين. # أبو الحسن: # محتال طامع في الخلافة. # السلطان نور الدين زنكي: # صاحب الشام. # راشد الدين سنان: # زعيم الإسماعيلية ~~(الحشاشين). # | مراجع رواية صلاح الدين الأيوبي # هذه المراجع التي اعتمد عليها المؤلف في تأليف الرواية ووقائعها التاريخية: # تاريخ ابن الأثير. # تاريخ الدولة السلجوقية. # تاريخ التمدن الإسلامي لجرجي زيدان. # الهلال، مجلد 19. # تاريخ المقريزي. # طبقات الأطباء. # حسن المحاضرة. # تاريخ مصر الحديث لجرجي زيدان. # كتاب الروضتين. # ابن خلكان. # Burckhardt, Travels in Syria and Holy Land, London, 1822, ~~10 ~~. # الفصل الأول # | فذلكة تاريخية # كان دخول مصر في حوزة الفاطميين أو العبيديين سنة 358ه. على يد القائد جوهر، فبادت بذلك ~~دولة الإخشيد وخرجت مصر من حوزة الدولة العباسية؛ لأنها كانت في زمن الطولونيين والإخشيديين ~~- مع استقلال هاتين الدولتين بالحكومة - تحت رعاية الخليفة العباسي في بغداد، فكان هو ~~يثبتهم على الإمارة ويبعث إليهم بالخلع أو بكتاب التولية (الفرمان) على نحو ما كان يفعل ~~السلطان العثماني بأمراء مصر، أما إدارة الحكومة الداخلية وسائر أعمالها فكان يجريها الأمير ~~الطولوني أو الإخشيدي مستقلا دون مراجعة بغداد، وهو يشبه ما يعبر عنه كتاب هذا العصر ms001 ~~بالاستقلال الإداري، على تفاوت في درجات ذلك الاستقلال. # فلما دخلت مصر في حوزة الفاطميين تغيرت حالها السياسية وأصبحت دولة مستقلة استقلالا ~~تاما، لا تراجع أحدا ولا تعترف بسيادة أحد غير الخليفة الفاطمي المقيم ~~بالقاهرة. # وهي أول مرة استقلت فيها مصر بالسيادة بعد الإسلام. وبقيت الخلافة العباسية في بغداد كما ~~كانت، وظهرت الخلافة الأموية بالأندلس في بني مروان. فأصبحت المملكة الإسلامية يتنازعها ~~ثلاثة خلفاء، كل منهم يجعل لنفسه الحق في الخلافة الحقيقية وينكرها على الآخرين. وكان ~~النزاع على أشده بين خليفة بغداد وخليفة القاهرة. كما كان بينهما اختلاف في المذهب، ~~فالخلافة العباسية سنية، بينما الفاطمية شيعية. وهو في أصله تنازع سياسي أدخلوا فيه الدين ~~وسيلة لتأييد دعواهم. # والدولة الفاطمية أول دولة شيعية تسمي ملوكها بالخلفاء. وعاصرتها دولة أخرى شيعية في ~~العراقين وفارس، وهي الدولة البويهية، لكن ملوكها لم يسموا أنفسهم خلفاء ولا ادعوا نسبا ~~قرشيا يؤهلهم لذلك، بل حافظوا على الخلافة العباسية مع اعتقادهم أن أصحابها اغتصبوها من ~~مستحقيها. وإنما استبقوها ليحكموا بها العامة، وأشار بعضهم على معز الدولة البويهي بعد قيام ~~الدولة الفاطمية أن ينقل الخلافة إلى الفاطميين أو غيره من العلويين فاعترض عليه بعض خاصته ~~قائلا: «ليس هذا برأي فإنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة، ولو ~~أمرتهم لقتلوه مستحلين دمه. ومتى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك ~~صحة خلافته، فلو أمرهم بقتلك لقتلوك.» فرجع معز الدولة عن عزمه. # استقرت الخلافة الفاطمية بمصر، والخلفاء العباسيون في بغداد، وأتباعهم السنيون في أنحاء ~~العالم ينكرون على الفاطميين صحة انتسابهم إلى فاطمة الزهراء وهم لا يبالون. وإنما كان ~~يهمهم تأييد سلطانهم بالسيف والدهاء ولا سيما في أوائل دولتهم. فإن المعز لدين الله لما بنى ~~له جوهر مدينة القاهرة ودعاه إليها خرج الناس للقائه، فاجتمع به أناس من الأشراف وفيهم عبد ~~الله بن طباطبا المشهور، فتقدم إلى الخليفة المعز وقال له: «إلى من ينتسب مولانا؟» فقال ~~له: «سنعقد مجلسا نجمعكم فيه ونسرد عليكم نسبنا.» ms002 ولما استقر المعز في القصر جمع الناس في ~~مجلس عام، وجلس لهم وقال: «هل بقي من رؤسائكم أحد؟» قالوا: «لم يبق معتبر.» فسل سيفه ~~وقال لهم: «هذا نسبي.» ونثر عليهم ذهبا كثيرا وقال: «هذا حبسي.» فقالوا جميعا: «سمعنا ~~وأطعنا.» # وقد توالى على مصر الفاطميين أحد عشر خليفة، حكموا مائتي عام ونيفا (من سنة 358 حتى ~~567ه). أولهم المعز لدين الله، وآخرهم العاضد لدين الله. ومرت الدولة في أثنائها بثلاثة ~~أدوار: كانت في أول أمرها قائمة بالعرب والبربر وهم الذين فتحوا مصر مع جوهر، فكان النفوذ ~~مشتركا بين هذين العنصرين. ثم صار إلى البربر، ثم إلى الأتراك. كما انتقل النفوذ في الدولة ~~العباسية من العرب والفرس إلى الأتراك. # وكان السبب في تكاثر الأتراك بمصر أنه لما مات الخليفة الحاكم بأمر الله وخلفه ابنه ~~الظاهر لإعزاز دين الله سنة 411ه أكثر من اللهو والقصف، ومال إلى الأتراك والمشارقة فانحط ~~جانب البربر، وما زال قدرهم يتناقص حتى كاد يتلاشى. فلما ملك المستنصر سنة 427ه بعد ~~الظاهر، كانت أمه سوداء فاستكثرت في جنوده من العبيد أبناء جلدتها حتى بلغوا ألف عبد أسود. ~~وكان ابنها يستكثر من الأتراك، فأصبح الجند طائفتين كبيرتين تتنافسان وتتسابقان إلى ~~الاستئثار بالنفوذ، وإلى التنافس إلى حرب أتعبت مصر واضطر الخليفة إلى استنصار صاحب الشام ~~فأتاه أمير الجيوش بدر الجمالي من سوريا، وهو أرمني الأصل، فقتل أهل الدولة وأقام بمصر ~~جندا من الأرمن والأتراك، وصار معظم الجيوش منهم، وذهب نفوذ البربر وصاروا من جملة الرعية ~~ولم يبق لهم شأن في الدولة بعد أن كانوا وجوهها وأكابر أهلها. # وكان السلاجقة في أثناء ذلك قد غلبوا على العراق وفارس، وذهبت دولة آل بويه وضعف أمر ~~الشيعة هناك، وولي السلاجقة مماليكهم وقوادهم (الأتابكة) على الولايات، واستقل كل منهم ~~بولايته، ومنهم نور الدين زنكي في الشام. وكان في جملة قواد نور الدين جماعة من شجعان ~~الأكراد، منهم: نجم الدين أيوب، وأخوه أسد الدين شركويه، وقد بلغنا عنده منزلة رفيعة. وكانت ~~خلافة مصر قد أفضت سنة ms003 556ه إلى العاضد لدين الله بن يوسف، وكان ضعيف الرأي، وقد غلب ~~وزراؤه على دولته وتنافسوا في الاستئثار بالنفوذ وطال تنافسهم حتى خربوا البلاد، والخليفة ~~لا يستطيع عملا. # وكان في جملة المتنافسين وزير اسمه «شاور» غلب على أمره، فذهب إلى نور الدين زنكي ~~واستنجده على رجل آخر كان ينافسه في الوزارة، فاغتنم نور الدين تلك الفرصة للاستيلاء على ~~مصر، وأنجده بأسد الدين شركويه في جند من المماليك، فرد الوزارة إلى شاور، وصار هذا يدفع ~~ثلث خراج مصر إلى نور الدين. # وكانت الحروب الصليبية في تلك الفترة قد احتدمت فزاد تدخل نور الدين في شئون مصر، ونائبه ~~فيها شركويه ومعه ابن أخيه «يوسف ابن نجم الدين» وهو صلاح الدين الأيوبي. # ومات شركويه بمصر سنة 564ه فخلفه صلاح الدين في منصب النيابة وسمي وزيرا، فاتخذ صلاح ~~الدين ذلك وسيلة إلى الاستقلال بسلطنة مصر لنفسه. وهو ما تبسطه هذه الرواية. # الفصل الثاني # | الخليفة العاضد وصلاح الدين # قال العم حسن لعمر المكاري: «انهض يا أخي، أما كفاك نوما والقاهرة تضج والناس يتراكضون؟ ~~قم وانج بحمارك.» # فأجاب عمر قائلا: «إلى أين؟ ولماذا؟ هل أحرقوا القاهرة كما أحرقوا الفسطاط؟ أم هناك ~~ضريبة جديدة علينا؟ تركت مواقف القاهرة وأتيت بحماري إلى هذا الموقف خارج باب الفتوح لأتخلص ~~من عدوانهم وعدوان الأتراك والأكراد و...» # فقاطعه العم حسن بقوله: «اسكت يا عمر، إن هؤلاء الأكراد كل الخير منهم. هل نسيت ما كنا ~~نقاسيه من العذاب قبلهم حتى إن أحدنا لم يكن يتحرك ما لم يضربوا عليه ضريبة؟ ومن كان يجسر ~~أن يذكر أبا بكر أو عمر رضي الله عنهما؟» # قال: «صدقت. إن والدي ندما على تسميتي بهذا الاسم! لكن ماذا جرى الآن يا عم حسن؟ هل ~~نقدر أن نتحرك وها أنت ذا تقول لي: «قم انج بحمارك».» # قال: «أقول ذلك؛ لأن الخليفة العاضد لدين الله خارج من قصره في موكبه، وستتبعه طائفة من ~~الأتراك وغيرهم، فربما سطا أحدهم على حمارك فيركبه. وربما أخذه لنفسه!» # قال: «الخليفة خارج من قصره؟ ms004 وأين نحن وقصره؟ إننا خارج القاهرة!» # قال: «إنه آت إلى هنا وسيخرج من باب الفتوح هذا.» # قال: «من هذا الباب؟ إلى أين؟» # قال: «إنه خارج لاستقبال نجم الدين أيوب.» # قال: «الخليفة خارج من القاهرة لاستقبال نجم الدين؟ من هو نجم الدين هذا؟» # قال: «هو والد صلاح الدين بن يوسف، جاء من الشام لزيارة ابنه.» # قال: «الله الله يا دنيا! الخليفة أمير المؤمنين ابن بنت الرسول، وظل الله في الأرض، ~~يخرج من قصره إلى خارج بلده لملاقاة والد وزيره! متى كان الخلفاء الفاطميون يفعلون ذلك يا ~~عم حسن؟» # قال: «تغيرت الأحوال يا صاحبي. إن الخليفة لم يبق له من الخلافة إلا الاسم، وصار النفوذ ~~إلى هذا الكردي. مسكين العاضد!» # قال: «مسكين؟ بل نحن المساكين، ولعل هذا الكردي أحسن منه.» # قال: «الكردي؟ أحسن من الخليفة؟ لا ...» # قال: «وما الذي يصيبنا من هؤلاء الحكام؟ إنهم يختصمون على الاستبداد فينا، وماذا يهمني إن ~~كان حاكمي كرديا أو عربيا أو هنديا. إنما المهم ألا يظلمني ... أليس كذلك؟» # قال: «اسكت، إنهم قادمون، ألا تسمع الأبواق والصنوج؟ انج بحمارك، أو خبئه في مكان ~~وتعال.» # قال: «ها أنا ذا ذاهب وسأرجع إليك على عجل لأرى موكب الخليفة. لقد طالما سمعت بهذا الموكب ~~وما يحف به من الفرسان وما يلبسه الخليفة من الجواهر والحرير و...» # قال: «أنا في انتظارك.» # قال: «لا. لا. الأحسن أن تتبعني أنت لتضع الحمار في هذا البيت، ثم نصعد إلى سطحه فنكون ~~أقدر على المشاهدة وأبعد من الخطر.» # قال: «إذن هيا بنا.» # ولما صعدا إلى السطح وأشرفا على الموكب قال عم حسن: «إنهم قادمون من القصر. وبعد قليل ~~يصلون إلى باب الفتوح هذا فنراهم وهم خارجون. ألا تسمع الضوضاء وقرقعة اللجم؟» قال: «نعم ~~أسمع، وأخاف أن يكون علينا خطر.» قال: «لا خطر، أراك تخاف من خيالك.» قال: «لا تؤاخذني يا ~~عم حسن، إن الملدوغ يخاف من جرة الحبل، وهؤلاء الجنود لم يخرجوا بمثل هذه الحركة إلا تعدوا ~~علينا وأخذوا دوابنا.» # قال: «أتى الموكب، انظر نظرة ms005 عامة إليه في هذا الشارع الداخلي قبل خروجه.» # قال: «إني أرى الأعلام تخفق، والخيول تصهل، والرماح تتلألأ، والسيوف تلمع، والشارع يموج ~~بمن فيه كالنيل في فيضانه. يا حفيظ! أشكرك يا عم حسن على هذه الفرجة ... قل لي الآن وقد أخذوا ~~يخرجون من باب الفتوح، من منهم هو الخليفة؟ هل هو هذا الراكب على هذا الفرس الأشهب وعليه ~~الثياب القصبية؟» # قال: «يظهر أنك لم تشاهد أحدا من رجال الدولة في حياتك. إن الذين يتقدمون موكب الخليفة ~~كثيرون. وهل تظن الخليفة يلبس القصب؟ إنه لباس بعض أتباعه. أما الذين تراهم في مقدمة الموكب ~~فهم الأمراء وأولادهم وأخلاط من العسكر، ووراءهم أرباب القصب ثم أرباب الأطواق والأساتذة ~~وهم أكبر رجال الدولة. انظر إلى ألبستهم الفاخرة التي تأخذ بالأبصار وإلى سروج خيولهم ~~المفضضة ومن في ركابهم من الخدم الأتراك وغيرهم. إن ذلك كله ليس شيئا بالنظر إلى موكب ~~الخليفة. انظر. انظر، هذا هو موكب الخليفة عند تلك المظلة.» # قال: «إن المظلة تغطيه فلا أراه جيدا. وإنما أرى فرسه وما يحدق بها من الأعلام والفرسان ~~بجانبه، من هم؟» # قال: «لا تستعجل في الاستفهام. إن الموكب يسير ببطء وأنا شارح لك كل شيء. هل ترى فرس ~~الخليفة؟ تأملها جيدا إن سرجها من الديباج الأحمر مصوغ بالذهب ومنزل فيه الميناء، ولو ~~تأملت مقدم السرج لرأيت عليه أحجارا كريمة. وفي عنق الفرس قلائد الذهب، ولو استطعت النظر ~~إلى قوائم الفرس لرأيت حولها الخلاخل الذهب. ويقدرون كل فرس بما عليها من العدة بألف دينار، ~~وأفراس الوزراء والأمراء أيضا في مثل هذا الترتيب وهي كلها في الأصل هدية من الخليفة يهبها ~~لأمرائه في الأعياد.» # قال: «هنيئا لك يا عم حسن، لا بد أنك ذقت الركوب على هذه الأفراس وأنت من غلمان القصر ~~الكبير.» # قال: «ذقت يا بني أشياء كثيرة كدت أنساها الآن. ورأيت جواهر ومصوغات تبهر العقل. فكيف بما ~~يلبسه الخليفة؟ انظر إلى هذه المظلة فإنها تشبه الهرم بشكلها وهي من الديباج الأزرق السماوي ~~وثوب الخليفة تحتها في هذا اللون ms006 أيضا. ولو كانت حمراء لكان ثوبه أحمر. انظر إلى الأهلة ~~الذهبية التي تتدلى من حواشي المظلة وكيف أن أضلاع المظلة أو قوائمها ملبسة بالذهب. وفي ~~قمتها رمانة ذهب كبيرة فوقها رمانة ذهب صغيرة مرصعة بالجواهر. انظر إلى لمعانها فإنه يخطف ~~البصر.» # قال: «صحيح. ولكني لا أرى حامل المظلة. وكيف يستطيع حملها وهي ثقيلة؟» # قال: «إن حاملها راكب فرسه بجانب فرس الخليفة. وللمظلة قناة يركزها ذلك الفارس في قربوس ~~فرسه. وهمه في أثناء الركوب أن يراقب موقف الخليفة من جهة الشمس بحيث لا تقع أشعتها ~~عليه.» # قال: «وماذا يحدث إذا وقعت الأشعة عليه؟ ها أنا ذا أرى رأس الخليفة، فإن صاحب المظلة ~~انحرف عنه. ما هذا الذي على رأسه؟» قال: «تمهل لأتم حديثي. انظر إلى هذه العمامة على رأس ~~الخليفة فإنها بيضاء وشكلها إهليجي. وفي أعلاها فوق الجبهة حلية بشكل الهلال من ياقوت أحمر ~~ليس له مثال في الدنيا، وفي وسط الهلال جوهرة عظيمة مشهورة يقال لها اليتيمة لا يعرف لها ~~قيمة. ويقال إن وزنها 7 دراهم ووزن الهلال كله 11 مثقالا وبدائرة اليتيمة قصبة زمرد ذبابي ~~له قدر عظيم.» # قال: «يا حفيظ! يا حفيظ! أتكون مثل هذه الجواهر عند هذا الرجل بلا فائدة والناس في مملكته ~~يتضورون جوعا وهو يأخذ أموالهم ظلما! آه يا عم حسن لقد أوجع قلبي هذا المنظر!» # قال: «اسكت يا شيخ إن النعم من عند الله يؤتيها من يشاء. ولعلك لو عرفت ما في قلب هذا ~~الخليفة لم تحسده على هذه الجواهر. لكن ما لنا ولهذا الآن. اسمع، ألا ترى الفارس الذي إلى ~~يسار الخليفة وفي يده منديل أبيض؟» # قال: «نعم أراه، ماذا يوجد في هذا المنديل؟» قال: «في هذا المنديل الدواة الثمينة التي هي ~~من أعاجيب الزمان، فإنها من الذهب وحليتها من المرجان. انظر إلى يمين الخليفة تر فارسا ~~آخر يحمل سيفا حليته من الذهب مرصعة بالجوهر، وهو معمد لا يظهر إلا رأسه وحامله يقال له ~~«حامل السيف» وهو من أصحاب الرتب العالية. وانظر إلى ms007 حوالي فرس الخليفة فإنك تجد عشرات من ~~الصبيان وعليهم المناديل وأوساطهم مشدودة بمناديل وفيها السيوف، وفي أيديهم الحراب مشهورة، ~~وهم بجانبي الخليفة كالجناحين. وبينهما فسحة أمام وجه الفرس ليس فيها أحد. وبالقرب من عنق ~~الفرس صقلبيان يحملان المذبتين وهما مرفوعتان كالنخلتين لذب ما يسقط من طائر أو ~~غيره.» # قال: «إني أرى فارسا فخما يذهب ويجيء إلى يسار الموكب ويأمر وينهي، من هو؟» # قال: «هذا والي القاهرة يحافظ على ترتيب الموكب ليسهل مروره ويمنع الازدحام. انظر إلى ~~الذين وراء دابة الخليفة. هناك جماعة من الصبيان يقال لهم صبيان الركاب يحملون الصماصم ~~المصقولة المذهبة بدل السيوف المحدبة، وبأيديهم الدبابيس من الكيمخت الأحمر والأسود ورءوسها ~~مدورة مضرسة، وبعضهم يحملون عمد الحديد وبين أيديهم لواء الحمد المختص بالخليفة وحوله 21 ~~راية على كل منها كتابة بالحرير تختلف ألوانها، أما الكتابة فهي «نصر من الله وفتح قريب» ~~ألم تقرأها؟» # فضحك عمر وقال: «من أين لي ذلك؟ إن أهلي لم يضعوني في الأزهر؛ لأن التعليم على مذهب ~~الشيعة وأهلي سنيون.» # فقطع العم حسن كلامه وقال: «فالآن صرت تقدر أن تتعلم؛ لأن صلاح الدين جعل التعليم فيه ~~عاما لكل المذاهب.» # قال عمر: «لقد تأخر علي بهذه النعمة، وهل بعد الأربعين من العمر تعليم؟ لنترك ذلك ~~لأولادنا. قل لي من هذا الذي أراه؟ إن موكبه لا يقل عن موكب الخليفة في شيء وأرى عليه ~~لباسا أفخر من لباسه!» # قال: «هذا هو يا صاحبي صلاح الدين الوزير. وهذا الثوب الذي عليه هو خلعة السلطة خلعها ~~عليه هذا الخليفة نفسه ثلاث سنوات. وهي كما ترى عمامة بيضاء من نسج تنيس. لها طرف مذهب ~~وتحتها ثوب ديبقي بطراز ذهب. وكذلك الجبة التي عليه فإن طرازها من الذهب، وفوق ذلك طيلسان ~~مطرز بالذهب. وانظر في عنقه هل ترى العقد؟ إنه من الجوهر يساوي عشرة آلاف دينار، وإلى جانبه ~~سيف محلى بخمسة آلاف دينار، وتحته فرس قيمتها ثمانية آلاف دينار. وعليها سرج مذهب وفي ~~رأسها مائتا حبة جوهر، وانظر إلى قوائمها فإن حولها ms008 أربعة عقود جوهر وعلى رأسها قصبة بذهب ~~وفيها شدة بياض بأعلام بيض. هذا هو صلاح الدين. إن منظره يدعو إلى الهيبة أكثر من منظر ~~الخليفة. انظر إلى هيبته وكيف أن الشجاعة ظاهرة في وجهه ولا يراه إنسان إلا احترمه وخافه. ~~والحق يقال إن الأمور الآن في يديه، وهو الآمر الناهي كما قلت لك. وانظر إلى الرجال ~~المحيطين بموكبه، وفيهم قوم يقال لهم صبيان الزرد من أقوياء الأجناد يختارهم لنفسه. وهم ~~مئات يمشون إلى الجانبين وبينهم فسحة أمامه مثل فسحة الخليفة. وراءه الطبول والصنوج ~~والصفافير ألا تسمع صوتها يدوي به البر؟ ووراء موكب الوزير يأتي حامل الرمح. تأمله فإنه ~~رمح لطيف في غلاف منظوم من اللؤلؤ وله سنان قصير بحلية من الذهب. ومعه درقة بكوامخ يقولون ~~إنها درقة حمزة بن عبد المطلب، رضي الله عنه.» # كان عمر الحمار يسمع كلام صديقه العم حسن وقد أخذته الدهشة، فلما سمع قوله درقة حمزة ~~بغت وقال: «درقة حمزة؟! حمزة بن عبد المطلب عم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؟!» # قال: «نعم هكذا يقولون. وقد آن لي أن أختصر لك الوصف؛ لأن الموكب لا يزال طويلا. فانظر ~~إلى ما وراء موكب الوزير إنك تجد فرقا من الأجناد المختلفة زمرة زمرة في عدة وافرة على ~~أربعة آلاف. ثم أصحاب الرايات ووراءهم طوائف من العسكر على اختلاف أجناسهم الأتراك والأكراد ~~والديلم وغيرهم.» # فقال عمر: «قف بالله قليلا وأخبرني عن فارس أراه راكبا بجانب صلاح الدين وعليه ثياب ~~فاخرة.» # قال: «إنه من بعض خاصته، ولكنه يحبه كثيرا ولا صبر له على فراقه واسمه عماد الدين.» # فبغت الحمار عند ذلك وقال: «ما بال هؤلاء لا يسمون اسما إلا منسوبا إلى الدين. هؤلاء ~~ثلاثة ذكرت لي أسماءهم: نور الدين وصلاح الدين ونجم الدين، وهذا عماد الدين.» # فقال العم حسن: «تلك عادتهم في التسمية. ها قد انتهى الموكب وقصصت عليك خبره، فأذن ~~بانصرافي.» # فقال: «مع السلامة أكثر الله خيرك.» # وانصرفا، وسار الموكب على هذه الصورة بعد خروجه من باب الفتوح والناس في ms009 أثره راكبين أو ~~مشاة، وآخرون وقفوا على أسطح المنازل يشرفون على الموكب وقد تصاعد الغبار حتى حجب وجه ~~السماء وغشي الرءوس والمناكب، ولم تبق فتاة ولا غلام إلا خرجا إلى الشارع أو صعدا إلى ~~السطح، والبسطاء يستغربون خروج الخليفة لاستقبال ذلك الكردي، والعارفون لا يرون فيه غرابة ~~لضعف أمر الخلافة. ~~••• # ما زال الموكب سائرا على هذه الصورة حتى وصل إلى مسجد التبر (في آخر الحسينية)، وأتت ~~البشائر باقتراب نجم الدين فالتقوا به هناك. وحالما تقابلا ترجل نجم الدين احتراما ~~للخليفة وكذلك فعل رجاله الذين معه وفيهم أخوه شمس الدين. وترجل صلاح الدين وقبل يدي ~~والده. فقبله والده، ولما رأى الموكب وما على ابنه من الخلع لم يتمالك عن البكاء من ~~الفرح وشكر الله على نعمه. وكان نجم الدين عاقلا مدبرا فترامى على يد الخليفة يقبلها ~~ويظهر امتنانه من ذلك الإكرام والخليفة يجيبه بلطف، لكنه لم يتحول عن فرسه. ثم عاد الموكب ~~بجلاله نحو القصرين، وقد ركب نجم الدين إلى جانب ابنه وبجانبهما عماد الدين الشاب الشجاع ~~وتحادثا مليا. وكان حديثهما بلغة لا يفهمها رجال العاضد وهي اللغة الكردية. وكان أكثر ~~الحديث عن نور الدين صاحب الشام وعن العاضد صاحب مصر. # أما الخليفة العاضد فلو دنوت منه تحت المظلة وتفرست في عينيه لرأيت الدمع يترقرق فيهما. ~~ولو جسست قلبه لسمعت خفقانه الشديد من الأسف والغم ولاضطراره إلى الخروج في هذا الموكب ~~لتكريم رجل يخافه على حياته كما يخافه على منصبه. ولكنه لم ير بدا من مسايرته، فكظم غيظه ~~لاستقبال والده. وذلك أثقل على قلبه من الجوع والعري. ولعله يتمنى أن يكون من بعض العامة ~~ولا يتحمل ذلك الضيم. # ووصل الموكب قبيل الغروب إلى القصر الكبير الشرقي من قصور القاهرة. وهو مجموع قصور ربما ~~زاد عددها على بضعة عشر قصرا، منها قصر الزمرد، وقصر المظفر، وقصر الإقبال، وقصر البحر، ~~وقصر الحريم، وقصر الشوك، ودار الوزارة، ودار الضيافة، ودار الضرب، وخزانة البنود، وخزانة ~~الكتب، وحجر الصبيان الحجرية وغيرها. وتسمى كلها معا القصر الكبير ms010 الشرقي. كما كانت ~~تسمى قصور عبد الحميد في الآستانة قصر يلدز. # وموضع القصر الكبير الشرقي الآن في شرقي القاهرة القديمة وشماليها فيما بين الأزهر وباب ~~الفتوح، ويدخل في ذلك خان الخليلي وبيت القاضي والجمالية والنحاسين. وقد سمي هذا القصر ~~بالشرقي؛ تمييزا له عن قصر آخر أصغر منه كان غربي القصر الشرقي، وبينهما ساحة يقال لها ~~الميدان بين القصرين. ووراء القصر الغربي نحو الغرب متنزه كبير يقال له البستان الكافوري ~~يحده من الغرب خليج القاهرة، وعلى هذا الخليج كانت متنزهات الخلفاء الفاطميين. # وكان في جملة أبنية القصر الكبير الشرقي بناء يسمونه قصر الذهب، كان الخليفة يجلس فيه ~~للناس في يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، فوقف الموكب عنده. # فترجل الخليفة ودخل القاعة المعدة للاستقبال وتسمى قاعة الذهب، يدخل إليها من باب يسمى ~~باب الذهب (حيث المارستان المنصوري في النحاسين). فجلس على سرير من الذهب في صدر القاعة، ~~يزن ألوف المثاقيل، وحوله ستر محلى بطراز من الذهب المرصع بالجواهر فيه خمسمائة وستون ~~قطعة جوهر مختلفة الألوان. وفوق السرير مظلة من ذهب وزنها ثلاثون ألف مثقال. وأكثر جدران ~~الغرفة مغطاة بستور الديباج المزركش. حتى إن الناظر إليها يحسب نفسه في حلم، ولا سيما متى ~~نظر إلى ما فوق عمامة العاضد من الجواهر المتلألئة. # وبعد جلوس الخليفة على سريره دخل الوزير صلاح الدين. فجلس في مرتبة خاصة به. ولم يؤذن في ~~الدخول يومئذ لأحد من رجال الدولة، وإنما جعلت الجلسة خاصة بإكرام نجم الدين. فأمر صاحب ~~الباب باستقباله وإدخاله عليه. فدخل نجم الدين وكان بهي الطلعة عظيم الهيبة فوقع من نفس ~~العاضد موقعا عظيما فأشار إليه بالجلوس ورحب به، فقعد نجم الدين باحترام. وكانت العادة ~~إذا دخل الوزير على الخليفة الفاطمي أن يقبل يد الخليفة ورجله، ولم يفعل صلاح الدين ذلك ~~ولا جعل والده يفعله، ولم يستغربه الخليفة. # وكان في جملة الحضور في تلك القاعة كهل ربعة دقيق العضل ممتقع اللون، قاعد في مجلس ~~أقارب الخليفة قعود من يريد الاستتار ويود ألا ينتبه إليه ms011 أحد، لكن صلاح الدين لمحه فعلم ~~من مجلسه أنه من بعض الأمراء ولم يكن رآه من قبل. # ولما استقر بالجالسين المقام بدأ العاضد بالكلام وهو يومئذ شاب لم يتجاوز الحادية ~~والعشرين من عمره مع أنه تولى الخلافة منذ عشر سنين (سنة 556ه)؛ لأنه كان عند مبايعته في ~~الحادية عشرة من عمره، والذي يراه الآن يحسبه في حدود الأربعين لكثرة ما كابده من الهموم ~~وتحمله من الإحن. وكان لا يقع نظره على صلاح الدين إلا ندم على استنجاده بنور الدين زنكي ~~صاحب الشام! ~~••• # لما جلس القوم، وجه الخليفة كلامه إلى نجم الدين قائلا: «عسى ألا يكون القائد نجم الدين قد تعب في أثناء الطريق.» # قال: «كلا يا سيدي، إن سفري كان غاية في الراحة، وخاصة لأني أتوقع التشرف بلقيا الإمام، ~~أعزه الله.» # فابتسم الخليفة ابتسامة مصطنعة وقال: «أهلا وسهلا بكم قد نزلتم على الرحب والسعة. وقد ~~أمرت أن تعد لمقامكم منظرة اللؤلؤة وهي أجمل قصورنا، بل أحد متنزهات الدنيا، فعسى أن تجدوا ~~فيها راحة.» # فتأدب نجم الدين في مجلسه وأبدى الاحترام وأثنى على الخليفة ثناء كثيرا. ثم قال صلاح ~~الدين: «إن تنازل مولانا بالخروج للقاء والدي نعمة لا أنساها له، نحن حينما كنا فإننا ندعو ~~له بطول البقاء.» # فحك الخليفة عثنونه بسبابته وتناول قضيب الخلافة من فوق الوسادة التي إلى جانبه (وهو ~~قصير مغشى بالذهب) وتشاغل بالنظر إليه. ثم سعل والتفت إلى نجم الدين وقال: «كيف فارقت ~~صديقنا الأتابك نور الدين؟» # فأجاب وهو يتلطف قائلا: «فارقته في خير، وقد حملني سلاما كثيرا ومودة لمولانا العاضد ~~- حفظه الله - وهو يدعو بطول بقائه ودوام سلامته.» # قال: «إني مسرور من صداقته وأرجو دوامها.» # قال: «إن ذلك شرف عظيم له، وقد كلفني أن أبلغ مولانا - أعزه الله - أنه هو ورجاله في ~~خدمته لنصرة الحق.» # فوقع هذا الكلام موقعا مؤلما من نفس العاضد؛ لأنه ذكره بالسبب الذي جره إلى هذه ~~المتاعب، فإنها تبدأ من استنصاره نور الدين. لكنه تجلد، والتفت إلى نجم الدين، ثم قال: ~~«لقد ms012 نصرنا غير مرة، جزاه الله خيرا. وقد كفينا الآن مئونة الاستنصار بوجود ولدكم الملك ~~الناصر.» وأشار إلى صلاح الدين. # فقال نجم الدين: «إن ولدنا من مواليكم يا سيدي ولا يدخر وسعا في خدمتكم والأخذ ~~بناصركم.» # فمد العاضد يده إلى عنقه واستخرج عقدا من الجوهر يشبه العقد الذي في عنق صلاح الدين ~~وقدمه إلى نجم الدين وهو يبتسم وقال: «هذه هدية منا تتذكرون بها هذه الزيارة أيها القائد ~~الباسل. وقد استحققت عندنا أن ندعوك (الملك الأفضل) وستحمل إليك الألطاف والهدايا إلى قصر ~~اللؤلؤة ونوليك الإقطاعات السنية، فإنك أهل لأكثر من ذلك.» # فوقف نجم الدين وتناول العقد وهو يقبل يد الخليفة. ثم قبل العقد ووضعه في عنقه وهو ~~يقول: «لقد غمرتني يا مولاي بنعم لا أستحقها. إن اللقب الذي خلعته علي فوق قدري ~~و...» # فقطع الخليفة كلامه قائلا: «بل أنت الملك الأفضل، كما أن نجلك الملك الناصر.» فكرر نجم ~~الدين شكره وجلس متأدبا. # ولاحت من صلاح الدين التفاتة إلى الكهل المتقدم ذكره فرأى في وجهه اهتماما وقد أبرقت ~~عيناه وكادتا تتقدان من التفكير فشغله أمره لحظة، وأدرك الخليفة اشتغاله بذلك وأراد تحويل ~~الأذهان عن هديته فوجه خطابه إلى صلاح الدين وقال وهو يشير بيده إلى ذلك الجليس: «أظنك لا ~~تعرف الشريف أبا الحسن، إنه من أعمامنا. كان في سفر وقد جاءنا من عهد قريب.» والتفت إلى أبي ~~الحسن وقال: «لا أظنك تحتاج إلى التعريف بوزيرنا الباسل أبي المظفر صلاح الدين.» # فأشار أبو الحسن بعينه ورأسه ويديه أنه شاكر لهذا التعريف، وانحنى كأنه يهم بالقيام، فقال ~~صلاح الدين: «سررت كثيرا بمعرفة هذا الشريف ويكفي أنه متصل النسب بمقام الخلافة.» # وكان نجم الدين في أثناء ذلك ينظر إلى أبي الحسن نظر المتفرس ولم يعجبه ما في سحنته من ~~الدهاء وما في عينيه من المكر. لكنه تجاهل وتوجه إلى الخليفة يبدي شكره على هذا ~~التعريف. # ثم وضع العاضد قضيب الخلافة من يده على الوسادة ففهم القوم أنه قد آن الذهاب، فاستأذن نجم ~~الدين بالانصراف وهم ms013 بوداع الخليفة. ثم تقدم صلاح الدين وودع الخليفة وأظهر أنه يهم ~~بتقبيل يده. فاجتذب الخليفة يده تلطفا. # خرج نجم الدين وابنه من مجلس الخليفة ورجالهما ينتظرونهما خارج القصر بالأفراس والسلاح، ~~وفيهم الشاب عماد الدين الذي كان راكبا بجانب صلاح الدين في الموكب ، يختصه بالالتفاف لما ~~يراه فيه من البسالة. وهو شاب في مقتبل العمر قلما يفارق ركاب صلاح الدين إلا لأمر مهم. ولم ~~يكن يراه أحد إلا أحبه لجماله وبسالته مع ذكاء وفصاحة. فلما خرج صلاح الدين صاح: «أين عماد ~~الدين؟» فتقدم الشاب وعيناه تتكلمان قبل لسانه، وقد لبس ثوبا من أثواب الحرس الخاص بصلاح ~~الدين وهو مؤلف من سروال قصير، وحول الخصر منطقة من جلد فيها عروة مذهبة، وفوقها دراعة ~~مطرزة بالقصب. وعلى رأسه عمامة صغيرة كالطاقية مزركشة بالقصب، وقد علق بمنطقته سيفا ~~قصيرا وغرس فيه خنجرا. فلما وقف بين يدي صلاح الدين قال له: «هلم بنا إلى منظرة اللؤلؤة، ~~فقد أمر الخليفة أن ينزل والدي هناك وأنا أنزل معه الآن.» # فقام عماد الدين بإرشاد الركاب إلى المنظرة على خليج القاهرة. فقطعوا الميدان بين القصرين ~~ومروا بجانب القصر الغربي إلى البستان الكافوري وانتهوا منه إلى المنظرة على ضفة الخليج ~~اليمنى؛ أي من جهة قصور الخلفاء المتقدم ذكرها. وهي تشرف على الخليج من الغرب، ووراء الخليج ~~غربا بركة كان يقال لها بطن البقرة ووراءها أرض الطبالة وبستان المقسي (الفجالة وباب ~~الشعرية وما يليهما الآن) ووراءها بركة الأزبكية إلى مجرى النيل. # وكانت المنظرة المذكورة من أجمل متنزهات القاهرة، لها حديقة تتصل بالخليج فيها الأشجار ~~والرياحين والأزهار. وفيها القاعات والمقصورات في أجمل ما يكون من الفرش الثمين الذي يشبه ~~ما كان للخلفاء في قصورهم، من ستائر الديباج المطرز بالذهب، والبسط المحوكة بالذهب؛ وسائر ~~الآنية من العاج وخشب الصندل، وفيها الأرائك والوسائد. وقد سرح في البستان مئات من الطيور ~~الداجنة على اختلاف أنواعها وألحانها بعضها في الأقفاص والبعض الآخر مطلق. وعلى ضفة الخليج ~~مجالس من الخشب كالشرفات قد فرشت بالسجاد، عليها المساند المزركشة ms014 وفوقها مظلات من الخشب ~~تعرش على النبات، وكل ما في المنظرة ثمين يستوقف النظر، وناهيك بأنها كانت متنزها للخلفاء ~~الفاطميين في إبان دولتهم. # وصل نجم الدين وابنه ومن في ركابهما من الحاشية، فتلقاهم غلمان المنظرة بالأطياب ~~والبخور، فدخلوا إلى قاعة كبيرة للاستراحة ومعهم بعض الخاصة من رجالهم. جلسوا ساعة لم يدر ~~فيها من الحديث غير العام المتعلق بالأسفار وما قد يراه المسافر في طريقه من التعب أو ~~الراحة. وتخلل الحديث طبعا ذكر الإفرنج (الصليبيين) الذين كانوا يومئذ أصحاب السيادة في ~~نواحي سوريا وفلسطين وكثير من مدنها. # ثم مالت الشمس إلى المغيب وقد أعدت مائدة العشاء، فتناوله معهما طائفة من الخاصة وفيهم ~~شمس الدين. فلما فرغوا من الطعام انصرف الخاصة كل منهم إلى فراشه في المنظرة وتركوا نجم ~~الدين وابنه على حدة؛ لعلمهم أن نجم الدين لم يأت مصر إلا لأمر مهم يريد أن يسره إلى صلاح ~~الدين. # اختلى نجم الدين بابنه في غرفة أنيرت بالشموع الضخمة وفيها ما تزن عدة أرطال. وقد رأى ~~نجم الدين في قصور القاهرة ما لم ير مثله في دمشق الشام. وما كاد يخلو بصلاح الدين حتى ~~اتكأ على وسادة وأشار إليه أن يقعد بين يديه وقد تخففا بلباس الرقاد. وفي يد نجم الدين ~~أنبوبة حرص عليها منذ بدل ثيابه. # فلما قعدا قال نجم الدين: «سرني يا يوسف ما رأيته من منزلتك عند هذا الرجل. ولكنني رأيتك ~~لا تحترمه كثيرا وهو يرى نفسه خليفة وملكا.» # فضحك صلاح الدين وقال: «هل يخيفك يا أبي أن يرى نفسه كذلك ونحن نعلم أنه أسيرنا ~~وصنيعنا؟» # فقطع نجم الدين كلامه قائلا: «ولكن الأمر لم يتم لنا بعد، فلا ضرر من المجاملة ومراعاة ~~العادات الجارية. على أنني أراك من الجهة الأخرى تحاذر غضب رجاله وأنصاره رغم ما يأتيك من ~~لدن نور الدين في أمر البيعة والدعوة للخليفة العباسي.» قال: «وكيف ذلك يا أبت؟» قال: «ألم ~~نكتب إليكم منذ عام أن تدعو للخليفة العباسي على منابر القاهرة. ولماذا هذا ~~التأخير؟» # فأطرق صلاح ms015 الدين لحظة وقد ظهر الاهتمام في محياه، ثم رفع بصره إلى أبيه وقال: «تدعوني ~~إلى المجاملة ثم تعاتبني على تأخير الدعوة. وليست تلك الدعوة إلا إعلان سيادة العباسيين على ~~مصر وسقوط دولة الفاطميين. ولا يخفى عليك ما يكون من تأثير ذلك في نفس هذا الخليفة المسكين. ~~وما الذي يهمنا من مصر غير أن يكون لنا فيها الكلمة النافذة والصوت المسموع والريع المطلوب؟ ~~لنترك هذا الخليفة الشاب يفرح بألقاب الخلفاء ومجاملاتهم حتى نرى ما يأتي به القدر. إن ~~إعلان سيادتنا على مصر أمر ميسور متى شئنا. وعهدي بك أنك تحب التؤدة.» # قال: «نعم يا بني، ولكن نور الدين يلح في ذلك، وقد وعد الخليفة العباسي المستنجد بالله أن ~~يدعو له على منابر مصر. فلما تأخرت الدعوة بعث الخليفة إليه يستبطئه فكتب نور الدين إليك ~~خطابا يستحثك فيه على ذلك. وقد أوفدني لتبليغك هذه الرسالة، وهذا هو كتابه.» ودفعه ~~إليه. # فتناول صلاح الدين الرسالة، وقرأها، وأكثر من الإمعان في فحواها ولا سيما قوله بعد التحريض ~~على إعلان الدعوة: «وهذا أمر تجب المبادرة إليه لتحظى بهذه الفضيلة الجليلة والمنقبة ~~النبيلة قبل هجوم الموت. ولا سيما أن أمام الوقت متطلع إلى ذلك بكليته وهو عنده من هم ~~أمنيته.» # وأطال صلاح الدين النظر في ذلك الكتاب، وأبوه يراقب ما يبدو في وجهه من التغيير وقد أدرك ~~ما في خاطره فقال: «ما بالك يا يوسف، وما الذي تحدثك نفسك به؟» # قال: «تحدثني نفسي بأمر لا تجهله يا سيدي.» # قال: «لا بد من إعلان الدعوة العباسية، هل ذلك صعب عليك؟» # قال: «كلا. ولكنني أراك تتجاهل أمرا آخر أضمره.» # قال: «فهمت مرادك، إنك تفكر في أمر نور الدين، وهل إذا أعلنت الدعوة في المساجد للعباسيين ~~تكون مصر ملحقة بالشام تابعة لنور الدين أم ...» # فأبرقت أسرة صلاح الدين ولمعت عيناه وأتم كلام أبيه قائلا: «أم لصلاح الدين ~~وحده؟» # فابتسم أبوه وقال: «إنك تتعجل أمرا لا بد من التؤدة فيه، إنما يهمنا الآن ~~الدعوة.» # قال: «أما الدعوة فسننظر في أمرها ms016 ولكنك لم توضح لي رأيك من الوجه الآخر.» قال: «وما هو؟» ~~قال: «أنت تعلمه ولكنك تريد أن تسمعه من فمي فاسمع. إني قد دبرت أمر مصر وضبطت شئونها ~~بسيفي وتدبيري وبسيف عمي من قبلي. ونور الدين قاعد في قصره بدمشق ومملكته واسعة ومماليكه ~~كثيرون. فهل من العدل أن تكون مصر له أيضا ونبقى نحن من خدمه أو قواده؟ ما الذي يمتاز به ~~نور الدين عنا؟ هل ابتاعنا بماله؟ نحن لسنا من مماليكه. إننا قواد. وهذه مصر يستحيل عليه ~~إخضاعها بدوني. فأنا لا أبايع للخليفة العباسي إلا على أن أكون صاحب مصر وليس نور ~~الدين.» # وما أتم كلامه حتى بان الغضب في جبينه مع الاهتمام، وتفرس في وجه أبيه ليرى رأيه في ~~ذلك. فابتسم نجم الدين وقال: «بورك فيك يا يوسف إنك تطلب السيادة، وأنت أهل لها، ولكن لكل ~~أجل كتاب.» # قال: «أحب أن أعلم رأيك، ألا ترى لي حقا فيما أقول؟» # فضحك نجم الدين ضحك استخفاف، وعبث بلحيته يمشطها بأصابعه ثم قال: «إن الحق يا بني للقوة، ~~تلك هي قاعدة أصحاب السياسة، وإلا لوجب علينا أن نخرج من هذا البلد ونتركه لأهله؛ لأن صاحبه ~~إنما استنجد الأتابك نور الدين على رجل من خاصته تمرد عليه، فأنجده بعمك أسد الدين وأنت ~~معه، وكان ينبغي لكما أن تخرجا من مصر بعد الفراغ من تلك المهمة وقبض ما تستحقانه من الأجر ~~على نصركما. فبقاؤك هنا سواء أكان باسم نور الدين أم باسمك إنما هو جشع. وإنما تعده حقا ~~إذا كنت قادرا على تنفيذه، فالحق هو القوة يا بني. تلك هي شريعة الفاتحين.» # وكانت حجة نجم الدين قوية إلى درجة لم يقو معها صلاح الدين على المدافعة وكاد يفحم. ~~لكنه طامع في البلد ويريد أن يتذرع بأية وسيلة كانت لبلوغ غايته. فنهض وهو يتشاغل بإصلاح ~~عمامته الصغيرة، ثم أخذ في فتل شاربيه وهو ينظر إلى أحد جدران الغرفة التي كانا فيها ويتأمل ~~صورا ملونة مرسومة هناك لم يشاهدها من قبل. وكان بجانب كل صورة ms017 رف لطيف مذهب. فتقدم نحو ~~الجدار وتفرس في الصور فرأى تحت كل صورة اسم صاحبها. وإذا هم من شعراء الدولة الفاطمية ~~الذين كانوا يفدون على الخلفاء في أيام مجدهم. وهنا تذكر حديثا سمعه عن الخليفة الآمر ~~بأحكام الله الفاطمي. ذلك أنه لما بنى منظرة بركة الحبش صور الشعراء على جدرانها كل شاعر ~~وبلده، ونظم كل واحد منهم يومئذ قطعة من الشعر في المدح نقشوها عند رأسه في الصورة. وبجانب ~~صورة كل منهم رف مذهب. فلما دخل الآمر وقرأ الأشعار أمر أن يوضع على كل رف صرة مختومة ~~فيهما خمسون دينارا وأن يدخل كل شاعر ويأخذ صرته بيده. # وقف صلاح الدين هنيهة عند تلك الصرة وهو غارق في الهواجس، فأدرك أبوه ما يجول في خاطره ~~فسكت ليرى ما يكون منه، وتشاغل بالنهوض أيضا ثم أظهر أنه يهم بالذهاب إلى الفراش وصلاح ~~الدين لا يستطيع رقادا قبل أن يوافقه أبوه على الطلب. فالتفت إليه وقال: «تمهل يا أبتاه. ~~إن هذا الخليفة دعانا إلى نصرته على الإفرنج، وأهل القاهرة أنفسهم راسلوا نور الدين وبذلوا ~~له ثلث بلاد مصر إقطاعا، وأن يقيم عمي أسد الدين عندهم وله الإقطاع هو ورجاله أيضا. لا أن ~~يقضي مهمته وينصرف كما تقول. ثم نكث وزيره شاور ولم يف بما وعد فقتلته أنا بيدي فصفا لنا ~~الجو. ولو لم أقتله لم يكن لنور الدين إقطاع ولا ...» # فقطع نجم الدين كلامه وهو يمشي نحوه وقال بلهجة الشيخ الوقور: «إنك تخاصم نور الدين على ~~غنيمة لا تزال في حوزة أصحابها، ولا يحق التنازع بينكما عليها إلا بعد إخراجها من قبضتهم. ~~وهذا لا يكون إلا بنقل الدعوة من الفاطميين إلى العباسيين ثم نرى بعد ذلك، وهذا يكفي ~~الآن.» # وكان لنجم الدين نفوذ على ابنه مثل نفوذ السحر، فاكتفى صلاح الدين بما سمعه وتحول وهو ~~يقول: «أظنك في حاجة إلى الرقاد يا أبي.» وأمر الخدم أن يهيئوا الفراش وذهب كل إلى منامه. # الفصل الثالث # | أبو الحسن والحشاشون # تركنا الخليفة العاضد في قاعة الذهب، ms018 بعد خروج نجم الدين وابنه، ولم يبق معه إلا أبو ~~الحسن. فلما خرج الكرديان أمر الحاجب أن يأتي بصاحب اللباس لينزع عنه ثيابه وحلاه؛ لأنه في ~~حاجة إلى الراحة وألا يأذن لأحد في الدخول. فأتى صاحب اللباس وأخذ في نزع العمامة وما عليها ~~من الجواهر ووضع كل قطعة في علبة خاصة بها وجاءت الوصائف يحملن الثوب الآخر ليلبسه الخليفة، ~~وقد تغيرت سحنته وانقبضت أساريره واحمرت عيناه وشعر ببرد طقطقت له أسنانه واصطكت ركبتاه ~~حتى لم يعد يستطيع الوقوف. فبادر أبو الحسن إليه فأسنده وبالغ في التخفيف عنه. ولكنه حالما ~~لمس يده أحس بحرارتها، فعلم أن الخليفة مصاب بالحمى لكنه لم يشأ أن يخوفه. # ولما فرغ الخليفة من تبديل الثياب، ألقى نفسه على السرير وقد أحس بانحطاط عزيمته. فقال ~~أبو الحسن: «بماذا تشعر مولاي أمير المؤمنين.» # قال: «أشعر بارتعاد مفاصلي وببرد يتمشى في ظهري، لا أظنه إلا من عواقب الكظم وتحمل ~~الضيم، آه يا أبا الحسن.» قال ذلك بصوت مختنق وترقرق الدمع في عينيه. # فبادر أبو الحسن إلى التهوين عليه فقال: «لكل أجل كتاب يا مولاي. ولا بد من زوال هذه ~~الأزمة.» # فقال وهو يلهث من شدة الحمى: «شعرت بهذه القشعريرة منذ ركبت في هذا الموكب لملاقاة هذا ~~الكردي. آه كيف أقوى على احتمالهم وقد سلبوني ما في يدي من سيادة وثروة؟ وأنا مع ذلك لا ~~أقدر إلا أن أجاملهم وألاطفهم وأرحب بهم.» # فمشط أبو الحسن لحيته بأنامله ثم قبض عليها وهو يتمتم كأنه يدعو أو يصلي ويظهر التقوى ~~وسعة الصدر وقال: «لا بد من الصبر يا مولاي، ولا شك أن الله سامع دعاءنا. فإني أصلي ليل ~~نهار وأطلب إليه تعالى أن ينصفك من هؤلاء الظالمين.» # فقال: «إلى متى الصبر يا أبا الحسن. كأنك لم تعلم بما فعلوه معي. ولم تسمع إلا مجاملتهم ~~لي بالكلام ومخاطبتي بالإمارة. إنهم لم يتركوا لي من هذه الإمارة إلا لفظها. إن يوسف صلاح ~~الدين هذا قد منع المؤذنين من الأذان بجملة «حي على خير العمل» ms019 كما كانوا يفعلون في دولتنا. ~~وعزل قضاة مصر لأنهم من شيعتنا، وولى قضاة شافعية على مذهبه، وقبض على مرافق البلاد بيد ~~من حديد، وتقول لي اصبر! أين الصبر؟» قال ذلك وغص بريقه. # وكان أبو الحسن صفراوي المزاج لمفاويه، لا يبدو في سحنته شيء من التأثرات مهما يبلغ من ~~تأثيرها في قلبه. أو لعل قلبه لا يتأثر إلا مما يريده، أو هو قادر على التظاهر بما يشاء من ~~غضب أو فرح أو حزن بغير أن يكون ذلك ناتجا عن تأثر قلبي. فلما سمع قول الخليفة تنحنح وأظهر ~~الاهتمام وقال: «لا أزال أقول اصبر. اتكل علي فإني باذل نفسي في سبيل هذا الأمر وهو يهمني ~~كما يهمك. أليست الدولة دولتنا والشيعة شيعتنا، وفي حياتها حياتنا وفي موتها موتنا. ثق أني ~~فاعل ما تريد، ولولا خوفي من أن أثقل عليك لذكرت لك التفاصيل. لكنك الآن في حاجة إلى الراحة ~~فامض إلى فراشك إذا شئت. وسأقص الخبر على الشريف الجليس وهو يقصه على مولاي.» # قال الخليفة وهو يتململ من القشعريرة: «افعل. إني ذاهب إلى دار النساء.» قال ذلك ونهض ~~فأعانه أبو الحسن على القيام، وأتى بعض الخصيان تعاونوا على حمله على محفة في دهليز يؤدي ~~إلى دار النساء، فودعه أبو الحسن وقال: «أنا ذاهب بأمرك إلى الشريف الجليس أقص عليه ما ~~يسرك ثم يلحق هو بك إلى دار النساء.» # فأشار الخليفة أن افعل. وكانت دار النساء قصرا قائما بنفسه لكنه يستطرق إلى قاعة الذهب ~~بممر مسقوف لانتقال الخليفة إليه متى شاء. وللقصر باب خاص عليه الحرس من الخصيان، وكان ~~رئيسهم من عهد غير بعيد خصيا يسمى مؤتمن الخلافة، فأتى عملا أغضب صلاح الدين فقتله وجعل ~~مكانه الطواشي بهاء الدين قراقوش أحد رجاله المخلصين. # وحالما صار العاضد في تلك الدار أنزلوه من المحفة، فمشى وهو يتوكأ على بعض الغلمان وهم ~~يظنونه يطلب الذهاب إلى حجرة إحدى نسائه. فإذا هو يشير إليهم أن يأخذوه إلى حجرة أخته سيدة ~~الملك، وكانت عاقلة حازمة يرتاح العاضد لحديثها ويستأنس ms020 بآرائها. كأنه وهو في تلك الحال أحس ~~بحاجته إلى رأيها. # ساروا به في رواق يؤدي إلى غرفتها وهي منفردة عن سائر غرف القصر، ولما بلغها نبأ قدومه ~~خرجت لاستقباله، وأعانته على الدخول إلى غرفتها، فجلس على مقعد وهي تقول له: «ما بال أمير ~~المؤمنين؟ ومم يشكو؟ روحي فداه.» # قال: «أشكو من برودة وقشعريرة. اصرفي الخدم، فإني أحب السكينة وألا يبقى في هذه الغرفة ~~غيرنا.» # ففعلت. وكانت سيدة الملك جميلة الخلقة طويلة القامة صبوحة الوجه، ذهبية الشعر جذابة ~~المنظر، إذا نظرت في وجهها شعرت بهيبة تنجلي في عينيها. وهي أكبر من أخيها الخليفة ببضع ~~سنين؛ إذ إنها في الخامسة والعشرين من العمر. # فلما خلت به جلست بجانبه على السرير وطوقت عنقه بيدها وهي تقول: «مم يشكو أخي - حماه ~~الله من كل أذى. إذا اعتل أمير المؤمنين اعتل الناس جميعا!» # فأسند رأسه إلى كتفها وتنفس الصعداء وهو يقول: «أشكو حسب الظاهر من حمى تنتابني، لكن ~~العلة الحقيقية في هذا القلب.» وأشار إلى صدره. ثم أرخى يده من شدة الحمى فجستها فرأتها ~~شديدة الحرارة فقالت: «هل أدعو لك الطبيب؟» # قال: «كلا. إن هذه الحمى ستنصرف الليلة، ولكن إذا كنت تعرفين طبيبا ينقذني من أولئك ~~الأكراد فعلي به.» # فأظهرت أنها تمازحه وقالت: «لو عرفت طبيبا في الهند وعلمت أنه يشفيك لذهبت إليه بنفسي ~~ولكن ...» # فرفع رأسه عن كتفها ليعاتبها بنظره. فوقعت عمامته فمد يده ليتناولها فتناولتها هي ووضعتها ~~على رأسه فقال: «إنك تتجاهلين يا سيدة الملك. إنك أفطن من ألا تنتبهي إلى مرادي.» # فضحكت وقالت: «هب أني فهمت مرادك، فأنا لا أرى الأمر يستوجب الاهتمام إلى هذا الحد. اصبر ~~لا بد من الفرج.» # فتنهد وهو ملق رأسه على كتفها، وحول عينيه نحو وجهها وقال: «لم أجد بين رجالي من ~~يسعفني في هذا الأمر إلا ابن عمنا أبو الحسن فإنه تقي غيور. وقد أكد لي أنه باذل جهده في ~~هذا السبيل.» # فلما سمعت اسم أبي الحسن أجفلت وكادت البغتة تظهر في وجهها لو لم تبادر ms021 إلى التجلد. ولو ~~انتبه العاضد وهو مستلق على صدرها لشعر بتسارع ضربات قلبها حالما سمعت ذلك الاسم. لكنه ~~تطرق شاغل من أمر نفسه. أما هي فتجلدت وقالت: «كيف أكد لك ذلك؟» # قال: «أكده لي اليوم وسيذكر تفصيله للشريف الجليس وهو يقصه علينا متى جاء بعد ~~قليل.» # قالت: «هل تصدق هذا الرجل؟» وبان الكدر في عينيها. # قال: «كيف لا أصدقه! إنه رجل محب مخلص ومن ذوي قرابتنا، وأنت تعلمين غيرته على ~~دولتنا.» # فهزت رأسها وسكتت، ولسان حالها يقول: «إنه منافق.» # فاعتدل العاضد في مجلسه؛ لأن الحمى أخذت في الهبوط واشتدت عزيمته، وقبض على يد أخته وهو ~~يقول: «أرى الحمى تخف وطأتها عني أليس كذلك؟ أنت يا سيدة الملك سيئة الظن في هذا الرجل منذ ~~عرفناه لغير سبب أو دليل، فإنه من أبناء عمنا. نعم إنه ليس من أحفاد الحافظ لدين الله جدنا. ~~ولكنه من أحفاد الآمر بأحكام الله فهو من أعمامنا.» # قالت: «فليكن ما شئت.» وتشاغلت بطرف ضفيرتها الذهبية تفتله بين أناملها وبان الغضب في ~~وجهها. # فقال: «وما الذي يغضبك من ذكره؟ إنك تكرهينه بلا سبب وهو بعكس ذلك. لم أسمع منه إلا ~~التعلق بك. إنه يتفانى في سبيل إرضائك.» # فنظرت إليه شزرا نظر العاتب وقالت: «أكثر الله خيره. إني لا ألتمس هذا الرضا.» # قال: «لا حاجة بنا إلى التمسك بالرفض وهو ابن عمنا.» # فقالت بصوت المرتاب: «ومن يؤكد لنا صدق انتسابه إلى الآمر؟ ليس عنده دليل غير شهادته ~~لنفسه ... دعنا منه إنه لا يستحق الاهتمام.» # قال: «إنك تظلمينه بهذا الحكم.» وأراد أن يتم كلامه فإذا بأحد الغلمان دخل ووقف فعلمت ~~سيدة الملك أنه آت بخبر فقالت: «ما وراءك؟» قال: «إن الشريف الجليس بباب القصر يطلب المثول ~~بين يدي مولانا أمير المؤمنين، والطواشي بهاء الدين قراقوش يمنعه.» # فالتفتت إلى الخليفة وسألته إذا كان يشعر براحة تؤهله لمجالسة الشريف الجليس فقال: «إني ~~أشعر براحة فليأت.» # فالتفتت إلى الغلام وقالت: «امض إلى الطواشي أنبئه أن أمير المؤمنين هنا يريد أن يرى ~~الشريف الجليس ms022 فلا يمنعه من الدخول.» # فمضى الغلام. وأحست سيدة الملك باستياء أخيها من معاملة بهاء الدين ولكنها تجاهلت. وبعد ~~قليل جاء الجليس، وهو شيخ طاعن في السن، يجالس الخليفة ويؤانسه ويحدثه وهو مستودع ~~أسراره. # فلما رآه الخليفة هش له وأمره بالجلوس بين يديه . ولم تحتجب سيدة الملك عنه؛ لأنه من ~~المقربين، وقد عرفته من صغرها، فاكتفت بتغطية شعرها والالتفاف بمطرف من الخز فوق أثوابها ~~وجلست على كرسي بجانب سرير أخيها. # أما الخليفة فنظر إلى الجليس نظر استفهام عما جاء به، فأدرك هذا غرضه فقال: «جئت للسؤال ~~عن صحة مولاي. فقد بلغني من الشريف أبي الحسن أنك أصبت بحمى. لا أصابك الله بسوء وأرواحنا ~~فداك.» # فابتسم وقد استلطف عبارة الجليس وقال: «إني بدعائك وحسن نيتك قد زال عني كل بأس، جس يدي، ~~قد ذهبت الحمى. ما الذي جئتنا به غير ذلك؟» فجس يده وأشار بعينيه إشارة الاقتناع وإن لم ~~يقتنع وقال: «نحمد الله على ذلك.» # فقال الخليفة: «قل ما الذي جئتنا به؟» قال: «خيرا إن شاء الله.» وظهر في ملامح وجهه أنه ~~يكتم شيئا لا يستحسن ذكره بين يدي سيدة الملك. # فأدركت ذلك ونهضت وقالت: «إذا كان وجودي يمنع الجليس من الكلام فإني خارجة.» فأمسك أخوها ~~بثوبها وقال: «اجلسي. لست ممن يكتم عنهم، تكلم يا عماه ما الذي جئت به؟» # قال: «إني جئت بأمر ذي بال. هل تأذن أن أقول كل شيء؟» # قال: «قل ولا تخف. ما الذي أطلعك عليه أبو الحسن من مساعيه في سبيل مصلحتنا؟ إنه محب ~~غيور.» # قال: «أصبت يا سيدي، إن أبا الحسن شديد الغيرة على منصب أمير المؤمنين، وهو ساع في ~~إنقاذنا من هذا العدو المقيم.» # قال الخليفة: «سمعته يقول ذلك لكنه وعد بتفصيله. فهل فصله لك؟» # قال: «فصله تفصيلا أعجبني.» # فتوجه الخليفة نحو الجليس بلهفة وقال: «وما هو؟» ~~••• # قال الجليس وهو يخفض صوته ويتطاول بعنقه كأنه يحاذر أن يسمعه أحد: «يرى أبو الحسن يا ~~مولاي أن العقدة التي يطلب حلها إنما هي يوسف صلاح الدين هذا. ms023 فإذا ذهب تخلصنا من كل هذه ~~الشرور ... وأبو الحسن يسعى في إنقاذنا منه.» # فقال العاضد: «وكيف ينقذنا؟» # فأشار الجليس بكفه على عنقه إشارة الذبح؛ يعني أنه يقتله. فبان الاستغراب في وجه ~~الخليفة وقال: «من يقتله؟ ليس في مصر كلها من يجسر أن يمد يده إليه.» # قال: «ليست هذه خطته. إنه سيقتل هذا الرجل بدون أن يعرف القاتل.» # قال: «وكيف يمكن ذلك؟» # قال: «ألا يعرف مولاي جماعة الباطنية أو الإسماعيلية؟!» # فأجفل العاضد عند سماع ذلك الاسم وقال: «نعم أسمع بهم، وأسمع أنهم من أنصارنا.» # قال: «أصلهم من شيعتنا ولكنهم الآن قوم شغلهم القتل.» # فقطع الخليفة كلامه وقال: «ليس هذا شأنهم اليوم فقط. أظنك حدثتني عن أفعالهم غير مرة. ألم ~~تقل لي إنهم قتلوا الملك الأفضل أمير الجيوش وزير الآمر بأحكام الله. وكان رئيسهم يومئذ ~~يدعى بهرام. وهم قتلوا نظام الملك وزير ملك شاه السلجوقي وقتلوا غيره؟» # قال: «نعم يا سيدي، لقد قتلوا كثيرين. هذا هو شغلهم.» # فقال العاضد: «من هو زعيمهم الآن وأين هم؟» # قال: «إن أصلهم يا سيدي من أتباع الحسن بن الصباح في زمن جدك الحاكم بأمر الله - رحمه ~~الله - أي منذ أكثر من مائة وخمسين سنة. فأقام حسن هذا في قلعة ألاموت قرب قزوين. وألف ~~جمعية من الفدائيين الذين لا يخافون الموت، ويعرفون بالحششة أو الحشاشين نسبة إلى عقار ~~مخدر يتناولونه يسمونه الحشيشة. وتوالى عليهم زعماء كثيرون في بلاد فارس والعراق والشام. ~~وزعيمهم الآن يقال له راشد الدين سنان يقيم في جبل السماق من أعمال حلب، يعتصم هناك ~~بالقلاع وعنده رجال مجربون يطيعونه حتى الموت. إذا أمر أحدهم بقتل ملك أو سلطان بادر إلى ~~الطاعة حالا. وقد قتلوا كثيرين كما ذكرت. وللشريف أبي الحسن صداقة شخصية مع سنان هذا ~~بالنظر إلى نسبه الشريف وله عليه دالة، فإذا أمره أن يبعث رجلا يقتل هذا الرجل ~~فعل.» # فبان البشر في عيني العاضد يخالطه الاستغراب وقال: «وكيف يستطيع القاتل أن ينجو من هذا ~~المعسكر؟ وكيف يصل إلى يوسف ودون الوصول إليه ms024 سدود وعراقيل كما تعلم؟» # قال: «إن هؤلاء الفدائيين يتنكرون عادة بألبسة السياس أو الخدم ويختلطون بالخدم زمنا ~~يترقبون الفرص، فإذا سنحت فرصة فعلوا فعلهم ثم لا يهمهم ماذا يصيبهم بعد ذلك ولا يبالون ~~بالموت؛ لأنهم يرون القتل في هذا السبيل حياة سعيدة .» # فالتفت الخليفة إلى أخته يلتمس مشاركتها إيه في الإعجاب. فرآها مطرقة تفكر فقال لها: ~~«أرأيت اهتمام هذا الشريف بمصلحتنا؟» # فظلت ساكتة ولم تجب. # فالتفت إلى الجليس وقال: «هل أخبرك متى يباشر هذا العمل؟» فتشاغل الشيخ بحك عثنونه وسعل ~~وتنحنح وبان الارتباك في عينيه، فلم ينتبه الخليفة له. أما سيدة الملك فلم يفتها ما ينطوي ~~تحت تلك الحركات، فأخذت تختلس النظر وتصيخ سمعها فإذا هو يقول: «إنه مولاي يشترط علي هذا ~~العمل شرطا واحدا. وإن مولاي يعلم أن أبا الحسن عريق في النسب الشريف. وهو أكبر أبناء ~~عمكم المرشحين لولاية العهد سنا و... و...» # فلحظت سيدة الملك غرضه فبادرت قائلة: «أظنه يشترط أن يكون وليا للعهد بعد أمير ~~المؤمنين.» # فأجاب الشريف بسرعة كأنه يعتذر عن تطاول أبي الحسن قائلا: «إن طلبه هذا من قبيل الجنون. ~~ولا معنى له؛ لأن مولانا أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه وعجل موتنا قبل أن يصاب بسوء - ~~ما زال شابا في مقتبل العمر، وأبو الحسن في حدود الكهولة. ولكنه يشترط ذلك ترضية لنفسه ~~على تحمل تلك المشقة، مع ما يحدق بها من الخطر. ومن يدري هل يبقى حيا يوما واحدا بعد ~~تنفيذ مهمته؟» # فقال الخليفة: «يشترط أن يكون ولي عهد الخلافة بعدي؟» # قال: «أطال الله عمر أمير المؤمنين. إن الرجل لا يرجو أن يتولى الملك ولكنه يحب أن يتمتع ~~بولاية العهد فقط على ما يظهر.» # فأطرق الخليفة وهو يعمل فكره، والتردد ظاهر في عينيه، ثم رفع بصره إلى الجليس وقال: ~~«وما رأيك؟» قال: «إذا أذن لي مولاي فإني أرى أن يوليه الولاية ويشترط في عقدها أن تكون ~~بعده إلى نجلكم سيدي الحامد لله الأمير داود ولي العهد الحقيقي، فإذا استطاع إنقاذنا من هذا ~~الكردي وإعادة ms025 النفوذ إلى مولاي أمير المؤمنين فإنه يكون قد استطاع عملا لم يستطعه سواه، ~~وتكون ولاية العهد ترضية معنوية له.» ~~••• # ولحظت سيدة الملك أن أخاها أوشك أن يقبل، وظهر لها من خلال حديثه أنه راض أن يزوجها به ~~وهي لا تقدر أن تتصوره ، بل هي تكرهه كرها شديدا لغير سبب سوى الشعور الذاتي. فإنها تتصور ~~فيه الخبث والخيانة، ثم هي منصفة لا ترى صلاح الدين يستحق القتل لأنه لم يعمل عملا يستوجب ~~ذلك، وإنما هي نعرة السيادة تحمل طلابها على انتحال الأسباب الباطلة. فنظرت إلى أخيها ~~وقالت: «تريد أن تقتل صلاح الدين وتستبدل به أبا الحسن هذا؟» # قال: «لا. لكنه إذا استطاع قتله سميته ولي العهد.» # قالت: «وماذا تفعل بداود ابنك؟» # قال: «يكون وليا للعهد بعده.» # قالت: «ولماذا هذا العمل. ولماذا تريد التخلص من صلاح الدين. وترتكب كل هذه الآثام ~~والأخطار في سبيل قتله. ماذا فعل؟» # قال: «تسألينني عما فعله كأنك لا تعلمينه؟» # قالت: «ربما كنت أعلمه، لكنني أحب أن أسمع ذلك من أمير المؤمنين.» # قال: «إنه جعل كل النفوذ له ولم يبق لي من السيادة غير الاسم.» # قالت: «وهل كان النفوذ إليك قبله؟ ألم يكن الوزراء هم أصحاب النفوذ، وكلهم من الأجانب ~~الأرمن أو الأتراك. وهذا كردي، وما الفرق بينهم؟» # فقال: «لكنه استبدل وغير وبدل و...» # فأحست أنها فازت عليه بالبرهان، فلم تصبر حتى يتم كلامه فقالت: «إذا كان قد استبد فإنما ~~استبد في رفع الظلم عن الناس. كانت المكوس لا تحتمل فرفعها أو خففها. ألأجل ذلك تدس ~~الدسائس عليه وتكيد المكايد لقتله؟ إن الساعين في ذلك هم طلاب السلطة. وهم يحسدون الرجل على ~~مكانته، ولذلك يثيرون غضب أمير المؤمنين عليه. وإذا شاء أخي أن يعرف حقيقة منزلة هذا الكردي ~~فليتذكر الطريقة التي استنجدنا بها سلطانه نور الدين. ألم ترسل شعورنا مع كتاب نور الدين ~~تقول فيه: «هذه شعور نسائي في قصري يستعن بك لتنقذهن من الصليبيين؟» فالرجل لبى الطلب ~~وأنجدك بأسد الدين وابن أخيه هذا يوسف صلاح الدين. هل ms026 يستنجد قائد بطريقة أذل من هذه؟ إن ~~شعري لا يزال ينقص تلك الخصلة التي قطعتها منه.» قالت ذلك وجست ضفائرها كأنها تتحقق من ذلك. ~~ثم عادت إلى الحديث فقالت: «ومع ذلك فقد اشترطنا لنور الدين أن نعطيه ثلث البلاد إقطاعا ~~غير إقطاع رجاله. ولما أتوا وأنقذونا من الإفرنج نسينا جميلهم وصار وزيرك شاور يدافعهم ~~ويماطلهم فقتلوه. ويشهد الله أن صلاح الدين أحسن قلبا وأشد إخلاصا لك من شاور هذا. لكننا ~~لم نستفد من هذا الحادث فشجعنا الخصي مؤتمن الخلافة قيم هذه الدار على مناهضة صلاح الدين ~~ورجاله حسدا منه. ألا يعلم مولاي وأخي ماذا فعل مؤتمن الخلافة؟ إنه اتفق مع جماعة من ~~المصريين على مكاتبة الصليبيين ليتحد معهم على قتل صلاح الدين. فهل فعل ذلك غيرة عليك أو ~~على الدولة؟ وبلغ خبره إلى صلاح الدين فقتله، فغضب خصيان القصر لمقتله لأنهم سود من جنسه ~~فاجتمع منهم خمسون ألفا وناهضوا رجال صلاح الدين، والتقى الجيشان أمام هذا القصر ونحن فيه. ~~لا أنسى هول ذلك اليوم ولا أنسى أمير المؤمنين يومئذ وقد جلس في المنظرة يشرف على المعركة، ~~ويشجع العبيد. فاشتدت عزائمهم وخاف صلاح الدين أن تعود العائدة عليه وعلى رجاله، فأمر ~~النفاطين أن يرموا قوارير النفط المشتعل على المنظرة وعلى القصر و...» # فقطع الخليفة كلامها قائلا: «ولكنني شجعت رجال صلاح الدين فأرسلت زعيم الخلافة يقول: ~~«دونكم والكلاب العبيد أخرجوهم من بلادكم.» فامتنعوا عن إرسال النفط.» # قالت: «ولكنك لم تقل ذلك إلا خوفا على المنظرة من الحريق.» وكانت سيدة الملك تتكلم ~~بحماسة وكل جوارحها تتكلم معها وقد توردت وجنتاها وأبرقت عيناها. فلما وصلت إلى ذكرى الحريق ~~امتقع لونها وتغيرت ملامحها كأنها فوجئت بذكرى محزنة فتوقفت عن الكلام. فاستغرب أخوها ~~تغيرها فجأة والتفت إلى الجليس فرآه ينظر إليها أيضا. # أما هي فتجلدت وعادت إلى الكلام قائلة: «ولم يكن كلامك وحده الذي أوقفهم.» # قال: «وكيف ذلك؟» # قالت: «دعنا من هذا الموضوع الآن؛ لأن في تذكره ما يؤلمني ويؤلمك، وأنت أحوج إلى الراحة ~~والسكينة.» وتشاغلت ms027 بإصلاح نقابها على رأسها، فجس العاضد يده وقال: «إني في خير ولا بأس بي ~~وقد زالت الحمى والحمد لله. قولي ما هو السبب الآخر.» فمدت يدها إلى جيبها واستخرجت خصلة من ~~الشعر ذهبية من لون شعرها ودفعتها إليه وهي تقول: «هل تعرف هذا الشعر؟» # فأجفل وقال: «هو شعرك. هذه هي الخصلة التي قطعتها من شعرك وأرسلتها في جملة شعور نسائي ~~إلى صاحب دمشق. من أين أتتك؟ وكيف وصلت إليك؟» قالت: «وصلت إلي في ذلك اليوم الذي نشبت ~~فيه الحرب بين عبيدنا ورجال صلاح الدين!» قال: «وكيف ذلك؟» قالت: «قد ذكرت أنت الآن أن صلاح ~~الدين منع رجاله من إرسال قوارير النفط قبل أن ينطلق منها شيء على القصر. قد يكون هذا ~~الواقع، لكنني أعلم أننا ونحن في هذا القصر وقلوبنا ترتجف هلعا والسهام تترامى علينا من ~~رجال صلاح الدين رأيت قارورة مشتعلة وقعت في الدار قرب حجرتي هذه لا أدري من أين أتت، فذعرت ~~وصحت بالخدم أن يتلافوا خطرها فلم يسمعني أحد لاشتغال الرجال برمي النشاب بعيدا عني. ~~وبينما أنا في ذلك وأهل القصر كل منهم في شاغل من نفسه، إذ رأيت رجلا متنكرا بثوب الخصيان ~~قد غطى وجهه باللثام وثب من داخل الدار لا أدري كيف دخلها. فذعرت ولكنني ظننته أسرع إلى ~~نجدتي فما عتمت أن رأيته أمسك بيدي وجذبني إليه كأنه يريد أن أتبعه، فتخلصت منه، فعاد ~~وأمسكني ثانية وجذبني إليه كأنه يريد أن يحملني ويطير بي. ولم يكن في هذه الغرفة أحد يراني ~~فصحت واستغثت فلم يسمع صوتي؛ لأن الضوضاء كانت قد ملأت هذا الفضاء، ثم جاء رجل آخر أعان ~~الأول على اجتذابي وهما يشيران إلي أن أتبعهما، وهددني أحدهما بخنجر استله من منطقته فأثر ~~في ذلك المنظر وخارت قواي. وكدت أغلب على أمري وقد ذهب نقابي وانحل شعري. وإني لفي ذلك ~~إذ رأيت شابا وثب نحوي يظهر من لباسه أنه من رجال صلاح الدين فأيقنت أنه سيعين ذينك ~~الرجلين علي، وإذا به صاح بهما صيحة الجبارين ms028 وخنجره مسلول في يده وأوشك أن يقتلهما، فلما ~~رأياه خافا وتركاني وعمدا إلى الفرار. وظل هو واقفا كالأسد ونظر إلي بلطف وقال: «من هم ~~أولئك الأنذال؟».» # قلت: «لا أعلم. ومن أنت وما تريد مني؟» # فقال: «لا تخافي يا سيدتي إني من رجال صلاح الدين المحاصرين لهذا القصر، ورأيت ذينك ~~الرجلين يعذبانك، وحالما رأيت شعرك الذهبي علمت أنك من نساء الخليفة فبادرت إلى إنقاذك ~~وأحمد الله أني قد فزت.» # فسألته: «هل يخشى علينا من الاحتراق.» فأكد لي أنهم لم يلقوا نفطا علينا وإنما كان ذلك ~~من بعض اللصوص رموا النفط من جهة أخرى لغرض لهم. ولعلهم أرادوا أن يشغلوا الناس بالنار ~~ويختطفوك.» # ولما وصلت سيدة الملك إلى هذه العبارة تغيرت سحنتها وتوردت وجنتاها وبلعت ريقها وهي تلهث ~~من التأثر. # وكان الخليفة والجليس يسمعان كلامها ويراعيان الحماسة التي كانت تتجلى في محياها، ولحظا ~~التغير الذي طرأ عليها عند ذكر ذلك الشاب، ولم ينتبها لما يخالج قلبها من جهته. فلما سكتت ~~قال العاضد: «من هو هذا الشاب؟ وكيف عرف أنك من نساء الخليفة؟ إنه لأمر غريب! كيف يعرفك ~~شاب غريب وأنت لا تخرجين إلا محتجبة؟ هو مع ذلك من رجال صلاح الدين. قولي الحق.» # قالت وهي تنظر إليه شزرا: «إنك تتهمني يا أمير المؤمنين. ولا مكان للريب. قد سألت الشاب ~~كيف عرفني فمد يده إلى جيبه واستخرج هذه الخصلة ودفعها إلي وقال: «أليست هذه من شعرك؟» ~~وأدناها من شعر رأسي فإذا هما بلون واحد.» # فابتدرها الخليفة قائلا: «مس شعرك بيده؟» # قالت: «لم يمسه، ولكنه أدناها من شعري. إنه شاب غير متهم وأنا مدينة له بحياتي وشرفي ~~ولولاه لذهبت فريسة ذينك الخائنين.» # قال: «ألم تعرفي من هما؟» # قالت: «لم أعرفهما يقينا، ولكنني كدت أعرف أحدهما.» # قال: «من هو؟» قالت: «لا أقول؛ لأني أخاف أن يخطئ ظني فأجلب الأذى لرجل بريء. ولولا ذلك ~~لأطلعتك على هذا الحادث من ذلك اليوم وقد مضى عليه الآن أكثر من سنة، ولم أذكره لك لئلا ~~ألقي الشك في خاطرك.» ms029 # فصاح العاضد وقد امتقع لونه من شدة الغضب: «لماذا لم تخبريني حتى الآن. أيصيبك مثل هذا ~~الأمر وتكتميه طول هذه المدة؟ من تجاسر على هذا العمل؟ من تظنين ذلك الرجل؟ قولي.» # قالت: «لا تغضب يا أخي. إني لم أقل ولا أقول الآن خوف الوقيعة بالأبرياء، وقد نجوت والحمد ~~لله. ولكنني قصرت في حق ذلك الشهم الذي أنقذني.» قالت ذلك وأبرقت عيناها، ولو تفحص أخوها ~~صدرها لرأى قلبها يخفق خفقانا سريعا. لكنه لم يفقه ذلك فقال: «لا تعرفين اسم الذي أنقذك، ~~من هو؟» # قالت: «لم أسأله عن اسمه، وكنت أتوقع أن يأتيك في اليوم التالي ويقص عليك ما وقع فتكافئه، ~~إنه لم يفعل. وأنا لم أتمكن من رؤيته، أما هو فبعد أن اطمأن علي وتحقق نجاتي من الخطر دفع ~~إلي هذه الخصلة وهو يقول: «خذي يا سيدتي هذه الخصلة من شعرك، صيانة لها من أن يمسها غير ~~مستحقيها. ولم يكن يجدر بالخليفة أن يرسلها وسيلة للاستغاثة.» قال ذلك وانصرف مسرعا سرعة ~~البرق ولم أعد أراه من ذلك الحين.» ~~••• # غلى صدر الخليفة من شدة الحنق ونسي ضعفه في ذلك اليوم، ونهض بسرعة فقبض على الخصلة ~~واجتذبها من يد سيدة الملك وجعل يتفرس فيها ويقابلها بسائر الشعر، فإذا هي منه فالتفت إلى ~~الجليس وقال: «ماذا ترى يا عماه؟ كيف يدخل الغرباء قصري ومعهم شعور نسائي؟ ولكن آه! أنا ~~المذنب لأني تسرعت في الاستغاثة فأرسلت شعور نسائي إلى صاحب دمشق، ولكن كيف وصلت هذه الخصلة ~~إلى هذا الشاب؟ وكيف احتفظ بها حتى عرف صاحبتها؟» # وكان الجليس يسمع ويرى وقد أخذته الدهشة، فلما رأى غضب الخليفة وشدة تأثره قال: «خفف عنك ~~يا سيدي. لكل شيء سبب، ولا يهمنا سبب وصول هذه الخصلة إلى ذلك الكردي بقدر ما يهمنا معرفة ~~الرجل المتنكر الذي أراد اختطاف مولاتي سيدة الملك. من يجسر على ذلك؟» # فالتفت العاضد إلى أخته وقال: «قولي. قولي من تتهمين؟ من هو ذلك النذل الذي تجاسر على ~~دخول قصري وخرق حرمتي؟» قال ذلك وهو يلهث ms030 وقد احمرت عيناه وأرجع الخصلة إليها ورجع إلى ~~مقعده وقد أحس بانحلال قواه. # فتقدمت أخته نحوه وأخذت تخفف عنه وتمسح جبينه وتقول له: «لا تغضب يا أخي. اسمح لي ألا ~~أذكر اسم الرجل الذي أتهمه؛ لأني اتهمته بالظن وبعض الظن إثم. وأنا واثقة أن هذه التهمة ~~مهما تكن ضعيفة فهي تكفي لإيقاع الأذى بصاحبها. فحرام علي أن أعرض نفسها ~~للهلاك.» # قال: «وحياة رأسي ألا قلت من هو ذلك الخائن، وأعدك ألا أسارع إلى الانتقام إلا بعد ~~التبصر.» # فأطرقت وهي تصلح نقابها على رأسها، ثم جعلت تلاعب خصلة الشعر بين أناملها وأخوها شاخص ~~فيها ينتظر نطقها، فلما استبطأ جوابها قال: «ما بالك لا تقولين؟» قالت: «بالله دعني. سأقول ~~لك ذلك بعد الآن، دعني أفكر قليلا ...» # فالتفت الشيخ الجليس إلى العاضد وقال: «دعها يا مولاي الآن ولا تغضبها. وستقول لنا. وليس ~~في الأمر ما يدعو إلى العجلة، ولنرجع الآن إلى ما كنا فيه من أمر النجاة من هؤلاء الأكراد. ~~ماذا رأى مولاي فيما عرضه علينا ابن عمه أبو الحسن؟» # فلما سمعت سيدة الملك ذلك الاسم مرة أخرى اقشعر بدنها، ولكنها تمالكت وصبرت لتسمع ما ~~يقوله أخوها فالتفت إلى الجليس وقال: «هو يعدنا بقتل الرجل ويطلب ولاية العهد مكافأة له. ~~فنحن نعده بذلك.» # قال: «وعد أمير المؤمنين يكفي، وقوله حجة، لكن أبا الحسن لا يصدقني فهل تكتب له ~~كلمة؟» # قال: «لا. لا. يكفي أن تقول له ذلك شفاها.» # فقال: «حسنا، سأقول له ذلك، ولكن هناك ...» وسكت وهو يتشاغل بحك لحيته كأنه يكتم أمرا آخر ~~يخاف المجاهرة به. # فقال العاضد: «ولكن هناك ماذا؟ قل.» # قال: «أخاف أن تغضب سيدتي الأميرة لأنها ...» وسكت. # فقالت: «ما الذي يغضبني، كيف عرفت أنه يغضبني؟» # فتبسم وقال: «قد أدركت من حديثك أنك لا تحبين أبا الحسن.» # فابتدرته قائلة: «ولماذا أحبه، وهل هو يتطلب مني ذلك؟» # قال: «لا. لكنه يلتمس التقرب من أمير المؤمنين والتشرف ب ...» # قالت: «بماذا؟» # فالتفت الجليس إلى العاضد وقال: «هل أقول يا مولاي؟» # قال: «قل بماذا ms031 يريد أن يتشرف؟ أظنني علمت مراده؛ لأنه طالما لمح إلى ذلك في حديثه معي، ~~والحق يقال إنه كفؤ لما يطلبه ...» # وتنحنح، ثم حول وجهه نحو سيدة الملك. # فأدركت ما يعنيه. وكان قد ذكر لها مرة قبل هذه رغبة أبي الحسن في الزواج بها فرفضت. فلما ~~سمعته يشير إلى ذلك تجاهلت وقالت: «لا أفهم مرادك. ماذا تعني؟» قال: «أظنك فهمت ما أعنيه.» ~~والتفت إلى الجليس وقال: «ما هو رأيك في هذا الأمر يا عماه؟ إني لا أرى أكفأ من أبي الحسن ~~لأختي.» # فاعتدل الجليس في مقعده وقال: «لا ريب أنه خير كفء لما يتصل به من النسب الشريف، فضلا عن ~~تعقله ودهائه. ويكفي ما رأيناه من تفانيه في مصلحة مولاي لإنقاذه من هؤلاء القوم. والذي ~~أراه أن نوافقه على هذا الطلب، فيهون عليه السكوت عن الشرط الآخر؛ أعني إذا كان جواب مولاي ~~من حيث خطبة مولاتي له بالإيجاب لا أظنه يشدد في طلب الشرط بولاية العهد، بل يكتفي بهذا؛ ~~لأنه شديد الاحترام لسيدة الملك، ويعد حصوله عليها منة كبرى. وعند ذلك يكون هو عونا لنا ~~فيما نريد بلا شرط.» # فلما سمعت سيدة الملك ذلك التصريح قالت وهي تتصنع خفض صوتها: «هو يطلب أن يتزوجني وأنت ~~تستحسن ذلك؟ وأحب أن أعرف رأي أخي أمير المؤمنين أيضا.» # فظنها تعني ما تقوله حقيقة وهو يريد أن تقبل طمعا في النجاة من صلاح الدين فقال: «وهذا ~~هو رأيي أيضا كما تعلمين من قبل.» # فأجابت ببرود: «لكنه ليس رأيي أنا.» وحولت وجهها عنه. # فقال العاضد: «يظهر أنك ما زلت على خطتك. إن أبا الحسن ليس في أهلنا جميعا من هو أكفأ ~~منه لك، هذا إلى تفانيه في خدمتنا.» # فقالت: «إني لا أطلب كفؤا ولا غير كفء، قلت لك من قبل إني لا أطلب الزواج. دعنا من هذا ~~الآن، وليطلب النصيب من طريق آخر.» # فقال الجليس: «ولكن يا سيدتي، إذا قبلت فإنك تخدمين مصلحة مولانا الأمير؛ لأن أبا الحسن ~~أقدر إنسان في الدنيا على إنقاذه.» # قالت وهي ms032 تنظر إليه نظر الاستخفاف: «إن أبا الحسن كاذب، إنه لا يستطيع شيئا من ~~ذلك.» # فضحك الجليس ضحك استعطاف وقال: «قد ظلمته بهذا الحكم يا سيدتي؛ لأني على يقين من تفانيه ~~في خدمة مولانا، وهو صادق الغيرة على شرف آل البيت؛ لأنه من صميمهم.» # فقالت: «وهو كاذب في هذا أيضا. إن آل البيت عرفوا بصدق اللهجة والإخلاص، وهذا رجل كاذب ~~منافق وكفى.» # فامتعض العاضد من حكمها بهذه الصراحة وقال: «لا دليل على ما تقولين غير قولك، وقد عرفت ~~الرجل من بضعة أعوام ولم أر منه إلا كل مودة وإخلاص، ولا أعلم كيف جاز لك الحكم عليه ~~بالكذب والنفاق؟ # قالت: «أما أنا فأعلم. وستبدي لك الأيام صدق قولي. أظنك قد تعبت يا أخي وأتأسف لأننا ~~شططنا بالحديث إلى هذا الحد. وأنت منحرف المزاج فاذهب إلى فراشك وسترى في الغد أني أقول ~~الحق.» # وكان العاضد قد تعب فعلا وكان لقولها تأثير شديد فيه ... فرأى أن يطيعها ويؤجل الأمر إلى ~~فرصة أخرى. فنهض الجليس وذهب كل إلى فراشه والخليفة أحوج إلى الرقاد. ~~••• # كان الجليس أقلهم رغبة في الرقاد لما أصابه من الفشل في المهمة التي كلفه أبو الحسن ~~بقضائها. وكان الجليس شيخا حسن الظن قد استهواه أبو الحسن بدهائه ومواعيده، وأقنعه ببرهانه ~~وذلاقة لسانه أن انتقال ولاية العهد إليه خير للدولة وله ولكل من فيها. ولم يكن عند الجليس ~~شك في اقتدار أبي الحسن على إنقاذ الدولة من صلاح الدين. فلما كلفه بهذه المهمة سعى فيها من ~~كل قلبه وصمم على ترغيب العاضد فيها وهو يعتقد أنه يخدم بها مصلحته. # فلما عاد بالفشل أصبح لا يدري كيف يبلغ أبا الحسن نتيجة تلك المهمة، فأعمل فكرته في تلطيف ~~الأسلوب حتى لا يثقل الأمر عليه. # وكان أبو الحسن نازلا في دار الأضياف على مقربة من القصر الغربي، وهي دار كبيرة كانت في ~~الأصل قصرا للمظفر بن أمير الجيوش أقام بها حتى توفي، فجعلت دارا لأضياف الأمراء ~~والوافدين من قبل الملوك، ويتولاها نائب يسمى عدي الملك ينوب ms033 عن صاحب الباب في لقاء هؤلاء ~~الضيوف وينزل كلا منهم في دار تصلح له ويقيم له من يقوم بخدمته. ثم صار صاحب دار ~~الأضياف يسمى في الدولة التركية «المهمندار». # وكان عدي الملك كثير العناية بابن الحسن لما رأى من تقربه إلى الخليفة ومنزلته عنده، ~~فأفرد له دارا خاصة وأمر الغلمان بخدمته. وكان أبو الحسن قد سحره بمظاهراته وبما يقصه عليه ~~من اقتداره وعلو منزلته. والدولة في أواخر أيامها تروج فيها السفاسف والمظاهرات ويتعلق ~~أصحابها بالأوهام دون الحقائق وبالقشور دون اللب. ويشتغل كل منهم بنفسه ويصبح همه الاحتفاظ ~~برزقه ورزق أهله وهو يتوقع زوال الدولة فلا يرجو ضمان ذلك فيها، فتطيش آماله وتتعلق بأضعف ~~الأسباب وأوهى المواعيد. والإنسان إذا تولاه اليأس في أمر صدق كل قول يعيد إليه الأمل ولو ~~كان ذلك القول من المستحيلات. ويتكاثر أهل الدسائس في مثل هذه الحال للاصطياد في الماء ~~فيزينون القول ويزوقون الأعمال فيصبح أكثر معول الناس على الظواهر. # وكان أبو الحسن من أولئك الصيادين، وهو من أهل الدهاء والذكاء قوي الحجة لا يبالي بما قد ~~يرتكب في سبيل الوصول إلى غرضه من قتل أو كذب أو تملق أو تزلف. والذكي الداهية إذا أغضى عن ~~مراعاة الذمة وصدق النية لا يعجزه الوصول إلى ما يبغيه من الأغراض. وكان أبو الحسن طامعا ~~في الخلافة أو ولاية العهد على الأقل كما تبين لك من حديث الجليس الشريف. فاتخذ كل وسيلة ~~تؤديه إلى ذلك الغرض. ومن جملة ذلك طلبه التزوج بسيدة الملك؛ لعلمه بنفوذها على أخيها ولأن ~~انتسابه إلى العلويين يتأيد بزواجها. حتى إنه يفضل التزوج بها أولا فيسهل عليه كل ما ~~يبغيه. لكنها لم تكن تحبه ولا تخلص له ولا كانت تعتقد صحة نسبه. # وفي الصباح التالي بكر الجليس إلى أبي الحسن في دار الأضياف قبل أن يطلبه الخليفة ~~لمجالسته. وكان أبو الحسن في انتظاره على مثل الجمر لكنه حالما جاءه الغلام ينبئه بمجيئه ~~نهض لاستقباله ورحب به وأظهر أنه لم يكن يتوقع مجيئه واهتمامه إلى هذا ms034 الحد، فابتدره ~~بالسؤال عن صحة الخليفة فقال: «فارقته مساء أمس أحسن حالا.» قال: «أرجو أن يكون العارض قد ~~زال بحول الله بزوال السبب.» # فأدرك الجليس غرضه فقال: «أرجو أن يزول السبب تماما، وعند ذلك نتحقق زوال المسبب.» قال: ~~«إن السبب لا بد من زواله بإذن الله. وهل تظنني أرجع عن هذا الأمر؟ إني أفعل ذلك لمصلحة ~~أمير المؤمنين. وأنا أحبه وأحترمه لا لغرض يهمني.» # فأعجب الجليس بطيب عنصره وازداد خجلا من التصريح له بما جرى أمس. ولحظ أبو الحسن سبب ~~ارتباكه؛ لأنه كان يتوقع رفض الخليفة طلبه، ويعلم أن سيدة الملك لا تقبل خطبته من أول طلب، ~~فتجاهل ونظر إلى الجليس وهو يظهر السذاجة وسلامة النية وقال: «إنما أرجو أن يطمئن مولانا ~~أمير المؤمنين منذ الآن أنه ناج من كل شر ليرتاح خاطره ويسترجع صحته. هل أقنعته ~~بذلك؟» # قال: «أكدت له عزمك وهو يعتقد اقتدارك على هذا الأمر لكنه.» وتشاغل بحك لحيته وقد ارتج ~~عليه. # فابتدره أبو الحسن قائلا: «أود أنك لم تفاتحه بما كنا تحادثنا به البارحة من حيث ولاية ~~العهد؛ لئلا يظنني أعلق أهمية على هذا الشرط. إني لم أعن اشتراطه، ولا جعلت نجاة الخليفة ~~متوقفة على إنفاذه لكنني متى وفقت إلى إنقاذه لا أظنه إلا فاعلا ذلك من نفسه.» # فلم يصبر الجليس إلى إتمام كلامه فقاطعه قائلا: «بارك الله فيك، وهذا ما كنت أتوقعه من ~~أريحيتك ولكنني صرحت بالأمر، و...» # فأسرع أبو الحسن قائلا: «ولا شك أن الأمر شق عليه؛ لأنه غريب على خاطره. ولكن هل ذكرت ~~ذلك في جلسة سرية؟» # قال: «لا. لم أوفق إلى ذلك، إذ قضت الأحوال أن أذكره له وهو في دار الحريم و...» فقال أبو ~~الحسن مسرعا: «وفي حضور أخته على ما أظن.» قال: «نعم هكذا حصل.» فقال: «لا بد أنها كانت ~~أكثر استغرابا منه. أنا لا ألومها على ذلك كما أني لم ألم أخاها. ولعلك ذكرت لهما شيئا ~~آخر غير ولاية العهد.» قال ذلك وهو ينظر في عيني الجليس ويظهر المداعبة. ms035 فابتسم الجليس ~~وقال: «نعم ذكرت لهما وتكلمت بما يمليه علي إخلاصي لك.» # قال هذا وبلع ريقه، فعلم أبو الحسن أن جوابها لم يكن بالرضا ولولا ذلك لانتهج الجليس ~~أسلوبا آخر في التبليغ فرأى أبو الحسن أن يغطي فشله بالدهاء فقال: «أتمنى أن تكون قد ترددت ~~في إجابة هذا الطلب أيضا.» فاستغرب تمنيه وقال: «نعم ترددت قليلا، وأظنها أجلت الحكم في ~~ذلك إلى ما بعد انقضاء هذه الأزمة أو ...» # قال: «كن صريحا يا عماه. إنها رفضت وقد تكون عالقة القلب بأحد، أو ... فليكن ما تريد. أنا ~~لا أعتب عليها، ولكني أعتب على أخيها الخليفة فإنه مطالب بسيرة أخته وسمعتها.» # قال: «أؤكد لك أن أمير المؤمنين حسن الظن بك.» فقال أبو الحسن وهو يتشاغل بتمشيط لحيته: ~~«يكفي. كنت أحسبها عاقلة كما يقولون، ولكن يظهر أنها لا تعرف مصلحة نفسها ولا لوم علي بعد ~~الآن.» لا أعني أني أكف عن فداء أمير المؤمنين بدمي. ولكنني لا أرى وجها للرفض. إلا أن ~~تكون مشغولة ببعض الرجال فهذا شيء آخر.» # قال: «كلا، لكنها قالت إنها لا تريد الزواج.» فضحك أبو الحسن وهو ينهض من مجلسه وقال: «لا ~~تريد أن تتزوج؟! هذا كلام غير معقول. ولكنها سترى بنفسها مضطرة للزواج بغيري وتندم.» # فنهض الجليس لنهوضه وصبر ليرى ما يريده، فقال أبو الحسن: «أظنني أخرتك عن مجالسة أمير ~~المؤمنين، وقد يكون في حاجة إليك، فأرجو أن تؤكد له أني مقيم على ولائه أفديه بروحي، ولا ~~تذكر له شيئا عن سيدة الملك. إنما أقول سامحها الله؛ لأنها لم تحسن المعاملة.» # فودعه الجليس وهو معجب بطيب سريرته وعلو همته وسعة صدره وعاد إلى منزله ينتظر أمر ~~الخليفة. # الفصل الرابع # | سيدة الملك # ما كاد أبو الحسن يخلو بنفسه حتى رفس الأرض برجله من الغضب، وقد أخذ الحنق منه مأخذا ~~عظيما وتمشى في الغرفة. ويداه متعانقتان وراء ظهره وهو يعمل فكرته، ويتشاغل حينا ~~بالنحنحة أو السعال أو بحك ذقنه أو يصلح عمامته. ثم وقف وقال يخاطب نفسه: «رفض العاضد أن ~~أكون ms036 ولي العهد بعده. لكنه سيراني خليفة. وأما تلك الملعونة أخته فإنها ما زالت ترفض الزواج ~~بي، وإن رفضها هذا لأشد وطأة على نفسي من رفض الخليفة، لكنها ستندم وتعود صاغرة متى رأت ما ~~يبلغ من كيدي. سوف تأتيني صاغرة باكية. وأظنها تحسبني مغرما بها وأني أريد التزوج بها عن ~~شغف بجمالها. لست ممن يتعلقون بهذه الأوهام. ليس في قلبي حب لأحد. لا أحب أحدا. إن حب ~~النساء من الأوهام الباطلة التي تصرف الرجل عن المطالب العالية. إني أطلب ما يقصر عنه أخوها ~~الخليفة نفسه. سأقتل صلاح الدين ولكن ليس إكراما لها ولا لأخيها. سأقتله ليخلو لي الجو. ~~سأقتله وأقتل العاضد وأقتل كل من يقف في سبيل وصولي إلى الخلافة. إنها حق لي.» قال ذلك ~~وكاد صوته يرتفع من عظم التأثر فانتبه لنفسه وسكت. # ثم مشى إلى غرفة داخلية أقفل بابها وراءه وقال وهو يشير بيده إشارة التهديد: «أما تلك ~~الخائنة فسأذيقها مر العذاب. سأجعلها تندم ولات ساعة مندم.» # ثم اشتغل بتبديل ثيابه وهو يعمل فكرته في تدبير الحيلة لإغاظة سيدة الملك قبل كل شيء. ~~فلما فرغ من اللبس أمر بالبغلة فأتته وركب إلى حيث يقيم صلاح الدين ووالده ورجال حاشيته. ~~وفي جملتهم رجل يقال له ضياء الدين عيسى الهكاري من الأمراء الصلاحية كبير القدر كان صلاح ~~الدين يعول عليه في الآراء والمشورات. وكان في مبدأ أمره يشتغل بالفقه بمدينة حلب فاتصل ~~بالأمير أسد الدين عم صلاح الدين وصار إمامه يصلي به. فلما توجه أسد الدين إلى مصر مع ~~بهاء الدين قراقوش صحبهما عيسى هذا وكان مخلصا لصلاح الدين. فلما توفي أسد الدين اتحد ~~عيسى وقراقوش على تنصيب صلاح الدين موضعه في الوزارة، ودققا الحيلة حتى بلغا المقصود. ~~فلذلك كان لعيسى دالة على صلاح الدين يخاطبه بما لا يقدر عليه غيره، وكان من الجهة الأخرى ~~علوي النسب فكان له مع أبي الحسن صداقة. وكان عيسى يحاسن أبا الحسن وفي نيته انه سيحتاج إلى ~~استخدامه في مصلحة صلاح الدين، فكان يكرمه ويرحب ms037 به وصلاح الدين لا يعلم؛ لأن أبا الحسن ~~كان يجتنب الاجتماع بصلاح الدين. وكان عيسى الهكاري في ذلك الحين في منظرة اللؤلؤة يجالس ~~صلاح الدين ويباحثه، ويرشد أباه نجم الدين إلى ما يسهل عليه المهمة التي جاء من أجلها إلى ~~مصر. # ركب أبو الحسن إلى منظرة اللؤلؤة لا يريد دخولها، ولكنه كان يعلم أن ضياء الدين الهكاري ~~يختلف إلى هناك في تلك الأيام، فتوقع أن يراه في الطريق فيظهر أنه التقى به مصادفة؛ ليهون ~~جره في الحديث عفوا إلى الغرض المطلوب. وكان يعلم أيضا أنه يتردد إلى دار العلم بجوار ~~القصر الصغير. ودار العلم هذه أنشأها الحاكم بأمر الله وجمع فيها الكتب وجعلها مباءة لطلاب ~~العلم للمطالعة أو النسخ. وفيها الأقلام والمحابر. ووقف على ذلك أماكن ينفق على دار العلم ~~من ريعها. وكان يجتمع فيها العلماء للمناظرة والمجادلة فأصبحت في أيام الأفضل ابن أمير ~~الجيوش مجتمعا للمجادلة الدينية الخطرة، فأمر الأفضل بمنع الجمهور من دخولها. لكنها ظلت ~~تحتوي على كثير من كتب الفقه والتاريخ فمن أحب من الخاصة أن يطالع شيئا منها أذن له، فكان ~~الهكاري من جملة المترددين إلى هناك. # فلما دنا أبو الحسن من منظرة اللؤلؤة سأل بعض الخدم عن الهكاري فقيل له إنه ذهب إلى دار ~~العلم. فحول شكيمة البغلة إلى هناك وأظهر أنه ذاهب لغرض آخر غير ملاقاته. فلما وصل الباب ~~منعه البواب من الدخول لأنه لا يعرفه، فلم يعرفه بنفسه بل قال: «أحب الاطلاع على بعض الكتب ~~وأعود.» فقال: «ذلك لا يجوز يا سيدي.» فقال: «كيف لا يجوز وقد علمت أن رجلا دخل هذه الدار ~~منذ هنيهة؟» فقال: «هو الفقيه ضياء الدين.» فأظهر أبو الحسن الاستغراب لوقوع هذه المصادفة ~~وقال: «الفقيه ضياء الدين هنا؟ إنه صديقي ... استأذنه في الدخول إليه.» قال: «من أقول له؟» ~~قال: «قل له أبو الحسن يطلب الدخول.» # فذهب البواب ثم عاد ومعه ضياء الدين. فلما وقع نظره على أبو الحسن أسرع إليه ورحب به ~~فتحول أبو الحسن عن البغلة ودخل مع ms038 الهكاري وهو يتظاهر أنه فرح بهذه المصادفة. وكان ضياء ~~الدين يلبس زي الأجناد ويعتم بعمائم الفقهاء فجمع بين اللباسين، فلما التقيا قال أبو الحسن ~~مداعبا: «إنك قد جمعت بين زي الجند وزي الفقهاء، فهل أنت فقيه الآن أو جندي؟» # قال: «إني فقيه في بحثي الآن.» # قال: «أما أنا فقد طلقت الفقه، وإنما جئت للمطالعة في بعض الكتب لغرض علمي.» قال ذلك ~~ومشى، فدخل ضياء الدين معه وهو يقول: «تفضل ادخل، لعلك تبحث في مسألة لغوية؟» قال: «كلا، ~~إني لا أرى ذلك نافعا الآن، ولكنني أطلب مسألة تاريخية، أحب الاطلاع على تاريخ السلاجقة ~~فإن هؤلاء القوم أشداء ولهم تاريخ مجيد.» # فالتفت ضياء الدين إليه وقال: «أظنك تحب البحث عن سبب مقتل نظام الملك. مسكين!» قال: «لا. ~~فإن قاتله من الإسماعيلية أصحاب شيخ الجبل ... أليس كذلك؟ ليس لهذا جئت. ولكنني أريد الاطلاع ~~على أصل هذه الدولة.» # قال: «اتبعني إلى خزانة كتب التاريخ.» ~~••• # مشى أبو الحسن في أثره حتى أدخله غرفة فيها رفوف عديدة رتبت فيها الكتب حسب منوعات ~~العصور. وساعده ضياء الدين حتى جمع له بضعة كتب تبحث في الدولة السلجوقية ومبدأ أمرها. ~~فتناولها أبو الحسن وأخذ يقلب فيها وهو يقول: «فتش معي عن كتاب فيه ترجمة طغرل بك مؤسس ~~هذه الدولة إنه كان رجلا شديدا.» # وبعد البحث وقف ضياء الدين على كتاب فيه سيرة طغرل بك دفعه إليه فتناوله أبو الحسن وهو ~~يقول: «أظنني شغلتك عما جئت لأجله.» # قال: «كلا، بل أنا في غاية السرور من هذه المصادفة؛ لأني أحب أن أعرف تاريخ هذا الرجل ~~مؤسس هذه الدولة التي ملأت الدنيا فتحا. تفضل اقعد.» وأشار إلى طراحة على مقعد بالقرب منه. ~~فقعد أبو الحسن وقعد الهكاري بين يديه وأخذ كتابا آخر دفعه إليه أبو الحسن فجعل يقلب ~~أوراقه وعيناه في الكتاب الذي يقرأ أبو الحسن فيه. فرآه وقف عند صفحة وجعل يقرأها ويعيد ~~قراءتها ويهز رأسه إعجابا أو استغرابا. ثم قلبها وقرأ غيرها حتى فرغ من الكتاب فوضعه ~~بجانبه وتناول غيره. ms039 فاشتاق ضياء الدين إلى مطالعة الصفحة التي رأى أبا الحسن يحدق فيها. ~~فتناول الكتاب وهو يتوهم أنه فعل ذلك خلسة وأبو الحسن لا يعلم. ففتح تلك الصفحة فإذا هي ~~تبحث في خطبة طغرل بك لابنة الخليفة القائم بأمر الله العباسي سنة 454ه. وكيف أن السلطان ~~طغرل بك وهو تركي طلب أن يتزوج بابنة هذا الخليفة مما لم يجسر عليه أحد قبله. وأن بعض ~~القضاة أخبر الخليفة يومئذ أن غرض السلطان من هذا الزواج أن يأتيه من بنت الخليفة غلام فيه ~~الدم العباسي. فيوليه الخلافة بهذه الحجة وتتوالى الخلافة في أعقابه وتخرج من العباسيين. ~~وأن الخليفة انزعج لهذا الطلب واستعطف السلطان أن يعفيه من الإجابة إلى طلبه. فأبى ألا ~~يجاب بحيث اضطر الخليفة إلى إجابته وزوجه ابنته. لكن طغرل بك مات في تلك السنة ولم يرزق ~~من امرأته هذه أولادا. # وكان ضياء الدين يقرأ ذلك وأبو الحسن يظهر أنه يقرأ في كتاب آخر وعيناه تختلسان النظر ~~إلى الهكاري. فلما علم أنه فرغ من قراءة ذلك الفصل رفع نظره إليه وقال: «أرأيت شجاعة طغرل ~~بك، وكيف أنه استطاع بحكمته وتعقله تأسيس هذه الدولة التي لولاها لم يكن صاحب الشام ولا ~~صاحب العراق ولا غيرهما.» # قال: «نعم إنه رجل ذو بطش غريب وأنا أستغرب الآن ما قرأته في هذه الصفحة من مطامعه في ~~الخلافة مما لم يطمع فيه أحد سواه من غير القرشيين فيما أظن.» # فتوجه أبو الحسن نحوه باهتمام وقال: «طمع فيها قبله عضد الدولة ابن بويه فأراد أن يزوج ~~الخليفة الطائع لله بابنته لتلد من الخليفة ولدا فيه من دمه فيجعل الخلافة فيه، فلم يوفق ~~إلى ذلك، وأما هذا فإنه خطا خطوة أكبر من تلك. أراد أن يتزوج هو ببنت الخليفة ليكون ابنها ~~فيه دم العباسيين، ولكن هل علمت كيف نجا الخليفة من هذا الخطر فحفظ الخلافة في ~~العباسيين؟» # فقال: «إنه نجا بالمصادفة.» # قال: «أتظن موت طغرل بك كان مصادفة؟ وهل يموت بالمصادفة على أثر ذلك العقد المغتصب؟ لا ~~أشك في ms040 أنهم سقوه السم. ولو أحسن الأسلوب لاحتاط لنفسه ونجا من ذلك الخطر ولم يذهب سعيه ~~عبثا.» # فقال: «وكيف يحتاط؟» قال يحتاط بألا يعرض نفسه للقتل بخطبة ابنة الخليفة فيظهر غرضه. ~~أعني لو طلب أن يتزوج أخت الخليفة أو إحدى بنات أعمامه مثلا لا أظنهم كانوا ينتبهون لغرضه. ~~فإذا ولدت له ولدا ذكرا كان فيه من الدم العباسي ما يكفي لادعاء حق الخلافة، ولكن ذلك ~~التركي كان قصير النظر.» # ونظرا إلى اهتمام ضياء الدين الهكاري بصلاح الدين وشغفه بتثبيت دولته كان كلما قرأ ~~تاريخا أو سمع حادثة مهمة طبق مغزاها على حال صلاح الدين لعله يستفيد منها ما يؤيد ~~دولته. فلما سمع كلام أبي الحسن انتبه إلى أن صلاح الدين يقدر أن يفعل ذلك بالتزوج من أخت ~~العاضد، وكان يسمع بجمالها وتعلقها، والعاضد أضعف من أن ينكر على صلاح الدين طلبه. وبذلك ~~تصير الدولة إليه حتى نور الدين قد يدخل في سلطانه. فأشرق وجهه لهذه الفكرة. وصمم أن ~~يفاتح صلاح الدين بها في ذلك اليوم. ولكنه تظاهر بأنه لم ينتبه لشيء وجعل يتشاغل بقراءة ~~فصول أخرى وأبو الحسن يظهر من الجهة الأخرى أنه يتكلم بكل سذاجة. ثم غير الحديث فسأل ~~ضياء الدين عن نجم الدين وهل هو مسرور من الإقامة في منظرة اللؤلؤة، فأجابه بما يقتضيه ~~المقام وأصبح ضياء الدين شديد الرغبة في انصراف أبي الحسن ليمضي في مهمته الجديدة. # وبعد قليل استأذن أبو الحسن في الانصراف وودع صديقه الهكاري، وعاد على بغلته إلى دار ~~الضيافة وهو يهمهم في أثناء الطريق ويكاد يخاطب البغلة من فرحه بانطلاء حيلته؛ إذ لم يشك أن ~~الهكاري ذاهب حالا إلى صلاح الدين ليحرضه على خطبة سيدة الملك. وهو يعلم يقينا أن ذلك ~~سيقع وقوع الصاعقة على رأسها ورأس أخيها، ولا يجدان سبيلا لرد طلب ذلك الخاطب القاهر إلا ~~إذا ادعيا أن الفتاة مخطوبة لابن عمها أي له (هو) فينال غرضه على أهون سبيل. ~~••• # لما ذهبت سيدة الملك إلى غرفتها لقيتها هناك حاضنتها وأخذت في مساعدتها ms041 على نزع ثيابها ~~استعدادا للرقاد، ولم تفاتحها بشيء من الحديث الذي جرى لها مع أخيها برغم شدة رغبتها في ~~ذلك - والخدم من أكثر الناس ميلا إلى استطلاع الأسرار لفراغ رءوسهم من المشاغل المهمة مع ~~اطلاعهم على مخبآت تجري في منازل أسيادهم، ووقوفهم أمامها وقوف المتفرج ينتقدون هذا ويحسنون ~~عمل ذاك على ما توحيه أغراضهم أو مداركهم، فيلذ لهم التحدث فيما بينهم كل واحد عما يعلمه من ~~أحوال مخدومه، ويندر فيهم من يحافظ على سر مولاه ويغار على سمعته، ويسعى في درء الشبهات ~~عنه - وكانت حاضنة سيدة الملك من هذا النوع واسمها ياقوتة، وقد ربيت في دار الخلافة وسيدة ~~الملك طفلة، فكانت لها عناية خاصة بها. فشبت سيدة الملك على الوثوق بها حتى جعلتها مستودع ~~أسرارها فلم يكن يفوتها شيء مما يخالج ضميرها. وذلك طبيعي في مثل حال هذه المرأة من الحجاب ~~في ذلك العصر، فإنها لا تختلط بالناس ولا تجد من تحادثه إلا الخدم. وكانت ياقوتة قد علمت ~~منذ جاء الخليفة أنه يشكو انحرافا وتلصصت من وراء الستر لتتسمع ما يدور من الحديث على عادة ~~أمثالها من حب الاطلاع ورغبة في خدمة سيدتها. ولم تتوقع أن يدور بين الخليفة وأخته ما دار. ~~فلما جاءت سيدة الملك لنزع ثيابها كانت ترجو أن تسمع منها شيئا جديدا ولحظت فيها تغيرا ~~يدل على قلقها واضطرابها. # فلما فرغت سيدة الملك من تبديل الثياب قعدت على سريرها وقد حلت شعرها الذهبي وأرسلته ~~ضفيرة واحدة إلى ظهرها وتنفست الصعداء وأطرقت، ولحظت ياقوتة في عيني سيدتها ما يشبه الدمع ~~فترامت على قدميها وأخذت تقبل ركبتيها وتقول: «ما بالك سيدتي، لماذا تبكين؟ وأظهرت أنها ~~لم تكن مطلعة على شيء. # فرفعت سيدة الملك عينيها إليها وبان الدمع فيهما وتنهدت ثانية وقالت: «تسألينني يا ياقوتة ~~عن سبب بكائي، وتستغربين حزني؟ ليس حزني غريبا، وإنما الغريب ألا أقضي يومي باكية نادبة!» ~~قالت ذلك وغصت بريقها. # فشاركتها ياقوتة البكاء لكنها أظهرت التجلد وقالت: «ماذا يجري يا سيدتي هل جرى شيء ~~جديد؟ # قالت: ms042 «ألا يكفي ما جرى مما تعلمينه؟ أنت عاقلة لا يخفى عليك شيء وتعلمين حالنا مع هؤلاء ~~الأكراد واستبدادهم في الدولة. وهذا أخي جاءني اليوم وقد أصابته الحمى من شدة الغيظ لما ~~صارت إليه الخلافة، فكيف لا أبكي؟» # قالت: «لا بأس من البكاء ولكن لا فائدة، وإنما الفائدة بالصبر والحكمة حتى يقضي الله بما ~~يشاء، فلكل أمر نهاية، وإنما ...» # فقطعت كلامها قائلة: «لا. لا. ليس لهذه الكارثة نهاية إلا بالموت، من ينقذنا من هؤلاء ~~الأكراد وقد وضعوا أيديهم في كل شيء حتى دارنا هذه فإن عليها حارسا من رجالهم؟» وبلعت ~~ريقها ومسحت دموعها وهي تستعد لاستئناف الحديث ثم قالت: «وهذا كله هين يا ياقوتة، كله هين ~~سهل بالنظر إلى أمر آخر جاءنا به الجليس من عند أبي الحسن في هذا اليوم.» # فتطاولت ياقوتة بعنقها وقالت: «وما هو يا سيدتي؟» # قالت: «جاءنا بمهمة يزعم أنها تنجينا من هذا الضنك. ولكنها إذا صحت أوقعتنا فيما هو أشد ~~وطأة وأصعب مراسا.» # قالت ياقوتة: «وهل أشد وطأة من هذه الحال يا سيدتي؟» # قالت: «نعم أشد وطأة منها أن يكون ذلك الكهل الوقح وليا للعهد بعد أخي - حفظه ~~الله.» # فأظهرت أنها لم تفهم مرادها فاستفهمتها فأوضحت لها شروطه التي تقدم بيانها ثم قالت: ~~«ولنفرض قدرة ذلك الشريف الكاذب على قتل صلاح الدين فإن صيرورة ولاية العهد إليه بدل ابن ~~أخي أصعب عندي من البقاء في حوزة صلاح الدين.» # فقالت ياقوتة وهي تظهر الاهتمام: «لا أرى رأيك في ذلك يا سيدتي، بل أعد سعي أبي الحسن ~~هذا بابا للفرج؛ لأنه إذا لم يستطع قتل صلاح الدين لا ينال شيئا. وإن استطاع فإن ولاية ~~العهد لا تصير إليه؛ لأن مولانا أمير المؤمنين شاب في مقتبل العمر، أطال الله بقاءه. ومن ~~يعلم المستقبل؟» # فلم تعد سيدة الملك تصبر على سماع هذا العذر، فنهضت فجأة ونهضت معها ياقوتة وهي تنتظر ما ~~تقوله فإذا هي تقول: «ولكنه يشترط أيضا شرطا آخر، الموت أهون علي من قبوله.» # وكانت ياقوتة تعلم برغبة أبي ms043 الحسن فيها، فأظهرت أنها فهمت مرادها فقالت: «إنك تكرهين هذا ~~الرجل كرها شديدا بلا سبب، اصبري يا سيدتي حتى أتم كلامي. إذا نظرنا في مطالبه وشروطه لا ~~نجد ما يبعث على هذا القلق. إن الرجل من أبناء عمك ويعرض أن يقتل أعدى عدو لنا وينقذ هذه ~~الدولة من الخطر الذي لم يقدر عليه أحد سواه، فإذا فاز صار وليا للعهد وتزوج بأخت الخليفة ~~ولا أظنك تستنكفين أن تكوني زوجة رجل أنقذ الدولة، وهو مع ذلك شريف النسب، تبصري فيما ~~أقول.» قالت ذلك وأكبت عليها وجعلت تقبلها وتضمها للتخفيف عنها. # فحولت سيدة الملك وجهها عنها نحو ستارة معلقة على الحائط عليها صور عربية وأظهرت أنها ~~تتأملها ولكنها لم تكن ترى شيئا لفرط اضطرابها وغضبها. وظلت ساكتة فظنتها ياقوتة تستسيغ ~~رأيها فعادت إلى الموضوع وأحاطت عنق سيدتها بذراعها وهي تقول: «لا تتعجلي يا سيدتي برأيك، ~~فكري في الأمر مليا، إن عليه يتوقف بقاء هذه الدولة وفضلا عن ذلك فإنك لا تجدين من أبناء ~~عمك من يستطيع هذا العمل، فلا باعث على النفور منه.» # فقطعت سيدة الملك كلامها وتحولت نحوها وقد بان الغضب في عينيها وقالت: «تقولين لا باعث ~~على هذا النفور؟» # قالت: «نعم أقول ذلك؛ لأني لا أرى باعثا. وإلا قولي ما يبعثك على رفضه؟» # قالت: «يبعثني على ذلك أني لا أطيق أن أرى هذا المنافق. إذا رأيته ارتعدت فرائصي من ~~رؤيته. تبا له كأن عينيه من نوافذ جهنم! إذا نظر إلي خيل لي أن الشيطان يطل من حدقتيه ~~ويهم بأن يأخذ بتلابيبي، دعيني لا أقدر أن أتصوره!» # فهزت ياقوتة رأسها هزة الإنكار وقالت: «يا للعجب إنك تكرهين هذا الرجل عفوا. أظنك ~~تظلمينه. لم أر منه ما يبعث على شيء من ذلك!» # قالت: «ألا ترين الشر في سحنته؟ إني أرى ذلك واضحا يكاد يلمس باليد. دعيني منه.» # قالت وهي ممسكة يدها تجلسها على السرير: «اقعدي يا سيدتي لأخاطبك كما تخاطب الأم ابنتها ~~وإن كنت لا أستحق هذا الشرف.» # فقعدت وهي تنظر في ms044 عيني ياقوتة فقالت ياقوتة: «إنك يا سيدتي شابة في مقتبل العمر وقد منحك ~~الله جمالا وتعقلا، ولا بد من أن تتزوجي بمن هو كفؤ لك وأنا لا أرى أكفأ من أبي الحسن ~~فإنه عريق في النسب العلوي الشريف.» # فوثبت سيدة الملك من السرير وقد تغيرت سحنتها وغلب عليها الغضب وقالت: «ليس الزواج ~~ضروريا لي. وإذا كان لا بد منه فلا يهمني أن يكون ذلك الزوج من النسب العلوي.» قالت ذلك ~~وتنهدت تنهدا عميقا وامتقع لونها ثم احمرت وجنتاها فجأة وبان الحياء في عينيها، فحولت ~~وجهها عن ياقوتة وغطت عينيها بكفيها. فاستغربت ياقوتة حركاتها وأدركت أن ذلك لا يبدو إلا من ~~فتاة عالقة القلب برجل يمنعها الحياء من ذكره، فغيرت لهجتها في الحديث وضمتها إلى صدرها ~~وقبلتها بين عينيها وقالت: «فهمت الآن شيئا لم أكن أعرفه من قبل، أنت عالقة القلب برجل ~~آخر.» # فنفرت سيدة الملك من هذا التعبير الصريح وتراجعت وهي ما زالت مطرقة وظلت ساكتة فتبعتها ~~ياقوتة وهي تقول: «لعلي بالغت في التصريح فوقعت عبارتي ثقيلة على سمعك. لكنني أرجو أن ~~تصدقيني الخبر. فأنا معك كل يوم وكل ساعة لا أفارقك ولا يدخل علينا أحد من الرجال غير أخيك ~~وبعض الأطفال من أبنائه وأبناء عمك فيبعد أن تكوني عالقة بأحد، لكني أرى دلائل الحب في ~~عينيك.» # فازداد احمرار وجهها وزاد حياؤها وهمت بالكلام ثم توقفت. فقالت ياقوتة: «قولي. لا تخافي. ~~هل تحبين أحدا؟» قالت: «دعيني يا خالة. دعيني من هذا البحث الآن. لا فائدة منه غير زيادة ~~الأشجان.» قالت ذلك وأظهرت أنها تميل إلى الرقاد فأعانتها ياقوتة حتى استلقت على السرير ~~ووضعت الغطاء عليها وجعلت تصلح ما يحيط بها من الملاءة والوسادة وهي تراقب ما يبدو منها، ~~فإذا آنست ميلها إلى الحديث استأنفته وإلا تركتها تنام. # أما سيدة الملك فإن الحديث هاج أشجانها ومالت إلى مفاتحة حاضنتها بما يكنه ضميرها، ولكن ~~الحياء كان غالبا عليها. وكانت تظن الحاضنة تصر من نفسها على استتمام الحديث، فلما رأتها ~~أطاعتها وأعانتها على ms045 الرقاد ندمت وأخذت تتذرع إلى استئناف الكلام، فأظهرت ضجرها من الغطاء ~~وتنهدت والتفتت إلى ياقوتة لفتة أثرت في أعماق قلبها فانحنت فوقها وهي جاثية بجانب السرير ~~وقالت: «ما بالك يا سيدتي يا حبيبتي، لماذا تكتمين همك عني؟» فقالت ولسانها يتلعثم: «أخاف ~~أن تضحكي مني أو تهزئي بي.» قالت: «معاذ الله أن أفعل ذلك! وكيف أفعله ولماذا؟» قالت: «لأني ~~أحب رجلا لا يخطر ببالك أني أحبه، ولو علم أخي به لاستغرب عملي وحسبني مجنونة!» وسكتت وهي ~~تتشاغل بإصلاح شعرها تحت رأسها ورفع الغطاء وإصلاحه. # فوقعت ياقوتة في حيرة ولم تفهم حقيقة مرادها أو لعلها أدركت قصدها وتجاهلت لتسمع زيادة، ~~ثم قالت: «لم أفهم يا سيدتي مرادك. من هو الرجل الذي وقع من نفسك هذا الموقع لا بد أن يكون ~~نادرة الزمان.» # قالت: «إنك تعرفينه جيدا. قد رأيته في هذه الدار كما رأيته. وشهدت أنت نفسك أنك لا ~~تعرفين أشرف منه خلقا ولا أكبر همة ولا أعز نفسا، رأيته وبيده خصلة الشعر التي كان أخي قد ~~بعث بها إلى صاحب دمشق يستغيث به باسم نساء قصره. إن أخي ارتكب بذلك ذلا لم يمحه إلا هذا، ~~فرد علي شعري بعد أن أنقذ حياتي من الموت ونجى شرفي من الدنس.» # فصاحت ياقوتة: «أظنك تعرفين الشاب الفردي.» # فابتدرتها بلهفة وقالت: «نعم إياه أعني. أعني ذلك الشهم الباسل!» قالت ذلك وقد عاد إليها ~~نشاطها وتحمست وبان الاهتمام في عينيها. # فتقدمت ياقوتة إليها وهي تبتسم وقد شاركتها ذلك الشعور وقالت: «الآن فهمت المراد. قد عرفت ~~الشاب جيدا ولا أنسى ذلك اليوم.» # فقالت سيدة الملك: «هل عرفت اسمه؟» فأطرقت الحاضنة وأعملت فكرتها كأنها تراجع ذاكرتها ثم ~~قالت: «نعم علمت اسمه، ولكن هل تعلمين أنت من هو وما هي علاقته بصلاح الدين عدونا الألد ~~الذي يشكو أخوك أمير المؤمنين ظلمه؟» قالت: «لا. لا أعلم.» قالت: «إنه من رجال خاصته، لا ~~يخطو خطوة إلا وهو معه!» # قالت وهي تبتسم: «فهو إذن قد نال ثمرة تلك المناقب السامية فتقدم عند مولاه. ms046 وما اسمه؟» ~~قالت: «اسمه عماد الدين. وكثيرا ما رأيته واقفا بباب قاعة الذهب في انتظار صلاح الدين وهو ~~عند مولانا أمير المؤمنين. ألم تشاهديه من نافذة قصرك؟» قالت: «لم أشاهده هناك، لكنني رأيته ~~غير مرة واقفا بباب هذا القصر يخاطب الأستاذ بهاء الدين قراقوش وعيناه لا ترتفعان إلى ~~النوافذ، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا كأنه لا يعرف أهل هذا القصر. وكثيرا ما وددت لو يرفع ~~بصره لعله يلتقي ببصري، وربما أقرأ في عينيه شيئا يدلني على رأيه في، فلم يزدني ذلك إلا ~~شغفا بمناقبه. اعذريني يا خالة. طالما كتمت هذا الحب حياء وخجلا وكنت أرى في كتمانه لذة. ~~أما الآن فقد بحت به وقضي الأمر.» # فقالت: «أنت يا سيدتي تحبين عماد الدين، خادم صلاح الدين! بالله ما هذا؟ كيف علقت به من ~~النظر إليه مرة واحدة. هذا أمر عجيب، إن بين أعمامك وفي قصور أخيك عشرات من الشبان أجمل ~~منه، ويقع نظرك عليهم منذ أعوام، وكلهم يتمنون نظرة منك ولكنك لم تكترثي لأحد منهم!» # فقالت سيدة الملك: «صدقت يا خالة إني أكثر منك استغرابا لما أصابني من تلك النظرة! ~~ولكنها في الحقيقة ليست نظرة. إنها ساعة أطول من العمر كله. كنت فيها بين الحياة والموت ~~فنظرت ذلك الشاب وأنا أكاد ألقى وجه ربي أو أتلطخ بالعار. فمد يده وأنقذني. فخيل لي أنه ~~ملاك هبط علي من السماء!» # قالت ذلك وعادت إلى الإطراق وقد توردت وجنتاها. # فقالت ياقوتة: «إذن أنت تحبين عماد الدين؟» # فأبرقت عيناها رغم ذبولهما من البكاء والانكسار وابتسمت ابتسامة لطفت ما تكاثف في وجهها ~~من الحزن، وأومأت برأسها أن «نعم»، وأسرعت إلى الغطاء فرفعته إلى رأسها استحياء. # وقع قولها عند ياقوتة موقع الاستغراب وقالت وهي تزيح الغطاء عن وجهها بلطف: «نعم يا سيدتي ~~إن عماد الدين شهم نادر المثال، ولكنه لا يليق بسيدة سليلة المعز لدين الله.» # فنهضت وقعدت وقد انحل شعرها حتى غطى كتفيها وخديها ونظرت إلى ياقوتة نظر العتاب وقالت: ~~«إن المعز - رحمه الله - لم يبلغ ms047 إلى هذا السؤدد ولا توارث أبناؤه هذا الملك الواسع إلا ~~بمناقبه وعلو همته وكرم أخلاقه. ومناقب عماد الدين لا تقل عنها شيئا. إنك تعلمين ما أتاه ~~هذا الشاب من المروءة يوم واقعة العبيد، وكيف تفانى في سبيل نجاتي وحمل إلي خصلة الشعر ~~ولا يعرفني. إن كنت فد نسيت ذلك فإني لا أنساه. لا أنسى يوم أتاني ذانك الشقيان وأرادا حملي ~~من الدار فأنقذني هذا الغريب منهما بغير ثواب يرجوه ولا عقاب يخافه، وإنما فعل ذلك مندفعا ~~بأخلاقه السامية! فأنا من أجل هذه الأخلاق أحببته ولم أنظر إلى أصله وفصله.» وتوقفت لحظة ~~وهي ترفع شعرها عن عينيها ثم قالت: «أتذكرين ذينك الرجلين اللذين هما بي في ذلك اليوم؟ ~~إذا علمت الآن أنهما من أبناء الملوك أو الخلفاء وطلبني أحدهما هل ترضين أن أكون زوجة ~~له؟» # قالت: «معاذ الله! إنهما ساقطا الهمة.» قالت: «اعلمي أن أحدهما يغلب على ظني أنه أبو ~~الحسن الشريف الذي ترغبونني فيه، والآخر خادم له استعان به لاختطافي في وسط الغوغاء بعد ~~أن علم أني لا أريده.» قالت ذلك وكأنها ندمت على ما فرط منها فسكتت وأطرقت. # فقالت ياقوتة وقد تولتها الدهشة: «هل أنت على يقين مما تقولين يا سيدتي؟» # قالت: «لا أقول إني على يقين، ولكنني أرجح هذا الظن كثيرا. ومع ذلك فأنا لا أقول هذا ولا ~~ذاك، وإنما أقول إني منذ رأيت عماد الدين وما أتاه من المروءة شعرت بشيء اجتذب قلبي نحوه، ~~وكنت أتوقع أن أراه مرة أخرى يأتي فيها إلى أخي يطلب مكافأة على صنيعه. فلما لم يأت ازددت ~~إعجابا به وارتفعت منزلته في قلبي وتحول الإعجاب إلى حب شديد.» ثم تنهدت وقالت: «ويلاه! ~~هل هو يشعر مثل شعوري؟» قالت ذلك وخنقتها العبرات ولم تعد تتمالك عن البكاء، والحاضنة ~~تستغرب هذا التعلق بنظرة واحدة فأخذت تخفف عنها وتقبلها وتقول لها «خففي عنك يا سيدتي ... ~~ارجعي إلى رشدك، إن مثلك لا يسترسل في عواطفه إلى هذا الحد مع شخص لم يره إلا بضع مرات ولا ms048 ~~يعرف شعوره من جهته، تجلدي وفكري في الأمر. لو فرضنا أنك وأنت في هذا الهيام علمت أن عماد ~~الدين يحب سواك كيف تكون حالك؟ تبصري قليلا.» # فاستجمعت سيدة الملك قواها واسترجعت رشدها وأطرقت وهي تتأمل في عبارة حاضنتها فرأت الحق ~~معها. ولكن الحب سلطان مستبد لا يذعن للحق ولا يعرف الصواب. وإنما يلذ له الاستبداد بلا سبب ~~والفتك بلا حساب. ولا يحلو الحب إلا أن يكون مستبدا؛ لأنه ومتى أذعن للأحكام العقلية ~~والأقيسة المنطقية أو الاعتبارات الاقتصادية صار معلما أو تاجرا أو فقيها. وإنما هو ~~سلطان مطلق لا يقيده دستور ولا يردعه خوف من عقاب. فهو لا يسأل عما يفعل ورعيته راضية ~~باستبداده تعد ظلمه عدلا وتحسب عسفه رفقا. # ذلك كان شعور سيدة الملك في تلك اللحظة كان عقلها يدلها على مكان الخطأ وهي لا تريد أن ~~تراه. فاسترسلت في عواطفها ونظرت إلى ياقوتة والاعتراف على شفتيها والإنكار في عينيها ~~وقالت: «صدقت يا خالة. ولكني لا أظنه يفعل ذلك ... لا. لا. ولن مهما يكن فإني لا أرى سبيلا ~~إلى غير ما ذكرت فدبريني برأيك.» # فتحيرت ياقوتة في الجواب ورأت الحديث قد طال وتوالت الغرائب التي كشفت لها في تلك ~~الليلة، فعزمت على استخدام الوقت للتفكير على انفراد لعلها تهتدي إلى حل يرضي سيدتها ويوافق ~~ضميرها. فترامت على يدي سيدتها تقبلهما وهي تقول: «خففي عنك يا مولاتي. إني أمتك أفديك ~~بروحي. كوني مطمئنة وقد تعبت اليوم من هذا الحديث، وآن الرقاد فتوسدي فراشك. وأمهليني لأنظر ~~في الأمر ولا بأس عليك في كل حال. فإن أخاك - حفظه الله - لا يجبرك على من لا تحبينه. وأنا ~~أعلم منزلتك عنده لكن لا بد من تدبير طريقة لمشاهدة عماد الدين. توسدي فراشك وها إني ~~ذاهبة. وسأفكر فيك كثيرا الليلة وأما أنت فلا أظنك تفكرين في.» وضحكت مداعبة ثم قالت: ~~«فكري فيمن تحبين.» فاستلطفت سيدة الملك تعبيرها؛ لأنه كان من أقصى أمانيها أن توافقها ~~ياقوتة على اعتقادها وتشعر معها بما في قلبها فيهون عليها كل شيء. ms049 فسري عنها وأطاعت ~~حاضنتها فرقدت وذهبت ياقوتة أيضا إلى فراشها. ~~••• # قضت سيدة الملك بقية الليل بين اليقظة والمنام لفرط قلقها وأفاقت في الصباح التالي على ~~صوت المؤذن لصلاة الصبح، ولم يكن يطلب منها القيام حينذاك لكنها لم تعد تستطيع رقادا. ~~فجعلت تتقلب على الفراش وأفكارها تائهة. وتذكرت أخاها وأحبت أن تعلم حاله بعد ذهابه من ~~عندها هل شفي مما كان فيه. فنهضت من الفراش والتفت بمطرف من الخز التماسا للدفء وخرجت ~~من غرفتها إلى ممر يؤدي إلى شرفة تطل على مصلى الخليفة، فرأت أخاها قد خرج للصلاة فاطمأن ~~بالها عليه. ولما عادت إلى فراشها استقبلتها الحاضنة وسألتها عن حالها وأخذت تحادثها ~~وتؤانسها ومشت معها إلى غرفتها وأعانتها في لبس ثيابها وأمرت بإعداد المائدة وجلست إليها ~~وهي تقول: «أطمئنك عن صحة سيدي أمير المؤمنين فإنه في خير.» # قالت: «عرفت ذلك من خروجه للصلاة، وأحمد الله على ذلك. ولكني أحب أن أراه.» # قالت: «سترينه الليلة بعد رجوعه من قصر الذهب والفراغ من مهام الدولة. هيا بنا إلى الطعام ~~الآن.» # فمشت إلى غرفة المائدة فتناولت الطعام وهي تتوقع أن تفاتحها ياقوتة بالحديث عن عماد الدين ~~فلم تفعل، فاستحيت هي أن تذكره. قضت نصف ذلك النهار وهي تتشاغل بشئون مختلفة. وأحست بعد ~~الغداء بميل إلى الرقاد من فرط تعب أمس فتوسدت فراشها فنامت ملء جفونها. وأفاقت وقد هدأت ~~أعصابها وهان عليها ما هي فيه بالنسبة إلى ما كانت عليه من التعب؛ لأن تعب الأعصاب يزيد ~~صاحبه قلقا ولا يريه الأمور إلا من وجهها الأسود. # فنهضت من الفراش وقد أشرق وجهها وعاد إليه ابتسامه وصفقت تطلب الحاضنة فأبطأت عليها. ثم ~~جاءتها وفي وجهها خبر فخفق قلب سيدة الملك عند رؤيتها ولم تصبر عن الاستفهام عما وراءها، ~~فقالت ياقوتة: «ما ورائي إلا الخير يا سيدتي هلم بنا.» فأجفلت وقالت: «إلى أين؟ قالت: «إلى ~~خزانة الجوهر.» # فأعرضت عنها إعراض المنكر لما يسمعه وقالت: «أين الجوهر إنهم لم يتركوا فيها شيئا.» ~~قالت: «إنهم أخذوا كثيرا وتركوا كثيرا. لكنني ms050 لا أدعوك للجوهر يا سيدتي وإنما أريد ذهابك ~~إلى تلك الخزانة لملاقاة سيدي أمير المؤمنين، فإنه أنفذ في طلبك إليه على أن توافيه إلى تلك ~~الخزانة لسبب لا أعلمه.» قالت بلهفة: «أخي يطلب ذهابي لملاقاته هناك؟» # قالت: «نعم يا سيدتي. ولا حاجة إلى تبديل ثيابك؛ لأنك تذهبين إلى ذلك المكان في ممر يؤدي ~~إليه لا تجدين فيه أحدا. هلم بنا.» # قالت ذلك وأشارت إليها أن تمشي فلفت رأسها بملاءة لازوردية اللون ومشت وهي تفكر فيما ~~عساه أن يكون الغرض من هذه الدعوة في ذلك النهار. # خرجا من قصر النساء إلى ممر أخلاه الخدم والجواري. فمرت سيدة الملك ولم تجد أحدا في ~~طريقها حتى أتت خزانة الجوهر. وهي غرف عديدة نصبت فيها الخزائن والرفوف وأقيمت فيها ~~الأرائك فوق الطنافس، ولم تكن دخلت تلك الدار من عهد طويل. ولكنها كانت تسمع بما تحوي من ~~الذخائر النفيسة والجواهر الثمينة وتعلم أنها أخذت في أيام المستنصر بالله أبي تميم لما ~~غلب على أمره منذ نحو مائة عام. ولم تكن تتوقع أن تجد فيها شيئا من الجوهر يستحق ~~الذكر. # وصلت إلى الباب فاستبقها الحاجب وأدخلها وأشار إلى ياقوتة بالانصراف فانصرفت. أما سيدة ~~الملك فدخلت وعيناها شائعتان تبحثان عن أخيها. فرأته جالسا في صدر القاعة الوسطى وحده على ~~مقعد، وقد تخفف بعمامة صغيرة وبيده سبحة يعد حباتها وهو مطرق يفكر. فلما أنبأه الحاجب ~~بمجيء أخته رفع بصره إليها وهش لها وأخذ يرحب بها فترامت عليه وسألته عن صحته فقال: «إني ~~والحمد لله في خير وعافية، وكيف أنت؟» # قالت: «طالما كان أمير المؤمنين سالما فأنا سالمة، أبقاه الله لنا ركنا وسندا.» قالت ~~ذلك وهي تقرأ في وجهه خبرا جديدا. ولكنها تجاهلت وخاطبته وهي تقعد على وسادة بالقرب منه ~~قائلة: «إني لم أدخل هذه الدار منذ سنين عديدة، وآخر مرة دخلتها كنت طفلة ولا أذكر أني علمت ~~ما فيها و...» # فقطع كلامها قائلا: «وماذا عساك أن تعلمي؟» كفى أن تسمعي بما كان فيها قبل عهد جدنا ~~الإمام المستنصر، ms051 رحمه الله. انظري إلى هذا الصندوق.» # فنظرت إليه وهو متقن الصنعة وعليه نقوش فظنته يلفت نظرها إلى نقشه فقالت: «إنه جميل.» ~~قال: «لا أعني جمال ظاهره، ولكنني أعني ما كان فيه من الحجارة الكريمة، أخبرني والدي - رحمه ~~الله - أنهم أخرجوا منه في زمن المستنصر سبعة أمداد زمرد قيمتها 300000 دينار، تخاطفها ~~الناس.» # فدهشت من ذلك وقالت: «إن ذلك غريب نادر.» قال: «ولو أسرد ما كان من التحف في هذه الدار ~~لاستغرق سردها فقط عدة ساعات، وإنما أذكر عقدا من الجواهر قيمته ثمانون ألف دينار بيع ~~يومئذ بألفي دينار. وأخذوا من خواتم الذهب والفضة فقط نحو 1200 خاتم فصوصها من الجواهر ~~المختلفة، فيها ثلاثة خواتم ذهب مربعة، على كل منها ثلاثة فصوص: أحدها زمرد والآخران ياقوت ~~سماقي ورماني، بيعت باثني عشر ألف دينار. غير ما أخرجوه من الجواهر ونحوها، فإنها كانت ~~تحصى بالويبة وتكال بالكيل. منها ويبة جواهر مشتراة في الأصل بسبعمائة ألف دينار باعوها ~~بعشرين ألف دينار. وطاووس ذهب مرصع بالجوهر عيناه من ياقوت أحمر وريشه من زجاج المينا ~~المجرى بالذهب على ألوان ريش الطاووس. غير التحف المتوارثة عن الخلفاء أو المنقولة إلينا من ~~العباسيين وغيرهم، ورقع للشطرنج أحجارها من الجواهر والذهب والفضة والعاج. كل هذه ومئات ~~مثلها أخذت في نكبة المستنصر ولا فائدة من الكلام الآن.» # فانقبضت نفس سيدة الملك مما سمعته وقالت: «إن مصيبتنا قديمة يا أخي. ولا فائدة من التذكار ~~الآن.» قالت ذلك وهي تتعجل ما في خاطر أخيها عن سبب استقدامها إليه. فقال: «صدقت ولكنني ~~أطمئنك أن أولئك اللصوص لم يأخذوا كل ما كان لنا، فإن بعض خواصنا وأهل بطانتنا المخلصين ~~يومئذ احتفظوا لنا ببعض ما كان من الذخائر ولا يزال مخبأ إلى الآن.» قال ذلك ونهض إلى ~~خزانة داخلة في الحائط لا تلفت الناظر إليها ففتحها بمفتاح استخرجه من جيبه، ومد يده فأخرج ~~منها علبة بها عقد من الجوهر يبهر النظر دفعه إليها فتناولته وجعلت تقلبه فقال لها: «خذيه ~~جربيه على عنقك.» فتراجعت وأعادته إلى ms052 العلبة. فمد يده وأخرجه وألبسها إياه في عنقها وقال: ~~«هذا لك.» # فأرادت أن ترجعه فمنعها وقال: «خذيه إنه لا يليق بأحد سواك.» واستخرج من علبة أخرى خاتما ~~حجارته من الزمرد والياقوت نحو الذي ذكره وألبسه إياها في إصبعها فلم يعجبها منه هذا الكرم ~~ولحظ استغرابها فقال: «لا تستغربي، ما ترينه فإن في هذه الخزائن تحفا أخرى لا يعلم بها ~~سواي، وسأدفعها كلها إليك لئلا تذهب كما ذهبت تلك.» # فتوسمت من كلامه شيئا يعنيه لسبب طرأ عليه، فقالت: «ماذا تعني يا أخي، معاذ الله أن يكون ~~ما تشير إليه. لا يتمتع بهذه الذخائر سواك وسوى أولادك.» قالت ذلك واختنق صوتها رغم ~~إرادتها، لكنها تجلدت وهمت أن تتم كلامها فلحظت في عيني أخيها شيئا كالدمع وهو ينظر ~~إليها نظر المستعطف. ثم قال: «أنت لا تريدين أن تبقي هذه التحف!» # أدركت ما يشير إليه من تمنعها عن قبول أبي الحسن زوجا لها بعد أن تكفل بقتل صلاح ~~الدين. فأحست بوخز الضمير وأثر فيها الأسلوب الذي اختاره أخوها لمعاتبتها. لكنها لا ~~تستطيع أن توافقه، ولا تعتقد أن أبا الحسن يستطيع القيام بوعده ولم تجد الوقت مناسبا ~~للدفاع في تلك الساعة فقالت: «أنت تعنفني يا أخي على أمر ليس في طاقتي، فأنا قد عاهدت نفسي ~~ألا أتزوج وإذا كان ذلك الرجل يقدر على شيء فليفعله ثم نرى ما يكون.» # فرأى في جوابها شبه الرضا فقال: «إنما المطلوب قبل كل شيء أن تظهري الرضا به ليقدم على ~~هذا العمل، أليس كذلك؟» قال ذلك وهو يبتسم ويهش ليسترضيها، فكادت تغلب على أمرها وأوشك أن ~~يحملها حبها لأخيها على أن توافقه، لكنها ما لبثت أن تصورت أبا الحسن فنفرت منه وتذكرت عماد ~~الدين فاختلج قلبها في صدرها وتوردت وجنتاها. # فظنها أخوها تريد إجابته لكنها تستحي فقال: «ما الذي يضرك أن تجيبي طلبي وهذا الرجل أكفأ ~~إنسان لك، فضلا عما وعدنا به من الخير؟ قولي إنك ترضينه خطيبا لك، وإذا كنت تحسبين قبولك ~~له مصيبة ... فإنها مصيبة صغرى.» وأبرقت ms053 عيناه كأنهما تنطقان بسر يكتمه. وتشاغل بعد حبات ~~سبحته. # فأطرقت سيدة الملك وأعملت فكرتها في كلام أخيها فخافت أن يصح ظنها فقالت: «ماذا تعني يا ~~أخي بالمصيبة الصغرى؟ وهل هناك مصيبة أكبر منها؟» ~~- «يا أختي أن يطلبك رجل أعجمي من غير أهلك لا قبل لنا برد طلبه، فهمت؟» # قال: «يتجاسر عليه الذي تجاسر على سلب حقوقنا من أيدينا واستبد بالأمر دوننا ونحن أحياء. ~~الرجل الذي نخاف سطوته ونحسب لحركاته ألف حساب. ألا يستطيع هذا الرجل أن يطلب الزواج ~~منك؟» # فبغتت واستبعدت ما يفهم من كلام أخيها فقالت: «صرح يا أخي بما تقول. هل تعني صلاح ~~الدين؟» قال: «نعم، إياه أعني، فما قولك؟» فتراجعت وقد اصطكت ركبتاها وارتعدت فرائصها ولم ~~تتمالك فجلست على المقعد وقد امتقع لونها وأوشك الدم أن يجمد في عروقها وسكتت. فقعد أخوها ~~بجانبها وأحاط كتفيها بذراعه ليلطف من بغتتها وقال: «إني أزعجتك بهذا الخبر ولكنك أحرجتني. ~~ولا تظني الأمر قد نفذ. إنه لم يطلبك صريحا بعد. لكن رجلا من خاصته جاءني في هذا الصباح ~~وفاجأني بهذه المصيبة بعد أن مهد للكلام بمقدمات طويلة عريضة إلى أن قال: «إن السلطان ~~صلاح الدين يريد أن يتشرف بهذا القران، فأحب أن يسألك عن طريقي قبل الإقدام على الطلب لعل ~~هناك مانعا».» # فقالت: «وبماذا أجبته؟» قال: «هممت أن أجيبه بأنك مخطوبة إلى أبي الحسن لعلمي أن هذه ~~الحجة تكفي للنجاة من هذه الورطة، لكني استمهلته في الجواب إلى الغد لأسألك، وقد اخترت هذا ~~المكان للمقابلة حتى لا يكون معنا ثالث. ها إني قد أطلعتك على جلية الأمر فما رأيك؟ ألا ~~ترين أن قبول ابن عمنا أولى؟» # ولم يكن العاضد ينتظر منها غير القبول فلما أبطأت في الجواب وهي مطرقة كرر السؤال، ~~أما هي فكانت تفكر في طريقة للنجاة من هذه الورطة؛ لأنها كانت لا تريد صلاح الدين ولا أبا ~~الحسن. لكنها تفضل عماد الدين على كليهما. وحدثتها نفسها أن تصرح له بما يكنه ضميرها ~~فخافت العاقبة. فلما كرر أخوها السؤال قالت: ms054 «صدقت، إن الاحتجاج بكوني مخطوبة قد يرجع ~~صلاح الدين عن عزمه. قل له إني مخطوبة إذا شئت ولا تذكر لمن.» # قال: «لكنه لا يصدق إلا إذا ذكرنا الخطيب لئلا يحسبنا نكذب لنتخلص منه. سأقول له إنك ~~مخطوبة لأبي الحسن.» # فابتدرته قائلة: «كلا. لا تقل هذا ؛ لأن ذلك لا يكون أبدا.» ولم تتمالك عن هذا التصريح ~~وقد ارتفع صوتها رغم إرادتها. # فبان الغضب في وجهه وقال: «كنت أجاملك وألاطفك قبل هذا المشكل. أما الآن فلا أرى لرفضك ~~معنى بعد أن بينت لك السبب. ليست هذه شعائر الأخت المحبة لأخيها. وأنت تعلمين ما وعدنا أبو ~~الحسن به. ولا شك أنه بعد أن يعلم أن صلاح الدين مناظره فيك سيزداد اهتماما في تنفيذ غرضه. ~~قولي إنك قبلته وإلا ضعف اعتقادي في تعقلك وصدق محبتك. واعلمي مع ذلك أن أمير المؤمنين ~~يخاطبك ويطلب ذلك منك وهو ولي أمرك.» قال ذلك بشيء من السلطة. # فعظم ذلك التهديد عليها وهبت الحمية في صدرها ورجعت إليها عزة نفسها، فنظرت إلى أخيها نظر ~~العاتب وقالت: «تهددني بما لك من السلطة علي، وبأنك ولي أمري؟ إن هذا لا يغير شيئا من ~~عزمي. وإذا شئت أن تنفذ هذه السلطة من نفسك فافعل. وأما أنا فيستحيل علي قبول ذلك المنافق ~~المرائي، وربما فضلت صلاح الدين عليه عند الضرورة. ولكنني لا أريد هذا ولا ذاك.» # فدهش العاضد لهذا التصريح وقال: «هل إلى هذا الحد تبلغ جسارتك وتخاطبينني بهذه القحة؟ ~~أظنني أخطأت لأني شاورتك في الأمر. وكان لي ألا أستشيرك لأني ولي أمرك من جملة وجوه. وأنا ~~فاعل ما أراه خيرا لك. إذ يظهر لي أنك مستمسكة بالخطأ لغير سبب أعلمه. لم يبق إلا أن ~~تخرجي للسوق وتختاري لك زوجا من المارة وأبناء السبيل! ليس ذلك من شأن بنات الخلفاء. إن ~~العناية جعلتك من طبقة الملوك وميزتك بالنسب الشريف فلا يجوز لك الاقتران بغير الأكفاء. ~~وهذا أبو الحسن ابن عمنا وهو أكفأ إنسان لك.» قال ذلك وتحفز للمسير كأنه قال ما لا يقبل ms055 ~~نقضا ولا إبراما. # أما هي فظلت واقفة وأوشكت أن تسقط على الأرض من التأثر؛ لأنها لا تقدر أن تبوح بما في ~~خاطرها بعد أن رأت أخاها يكبر تفضيلها صلاح الدين، فكيف لو علم أنها تحب خادمه. فرأت ~~السكوت في تلك الحال أولى وصممت أن تفعل ما يحلو لها ولو خالفت الشرع والعرف. فلما رأته ~~يتحرك للمسير مشت بهدوء وسكينة ولم تفه بكلمة فظنها شعرت بسلطته عليها فقبلت. فكتم فرحه ~~وظل على إظهار الغضب والعتب. # وحالما خرجت من الباب رأت حاضنتها تنتظرها في الممر فرافقتها إلى غرفتها وقد لحظت الحاضنة ~~تغيرا بينا في وجهها فأصبح همها استطلاع الخبر. # أما سيدة الملك فإنها صممت على عمل لا يخطر لحاضنتها ولا غيرها، وفضلت البقاء على كتمانه ~~لئلا تحول ياقوتة دون إنفاذه. خطر لها أن تستقدم عماد الدين وتفر معه من قصر أخيها وتنجو من ~~ذلك الأسر. ولكنها لا تستغني عن ياقوتة في البحث عنه واستقدامه فعزمت على كتمان ذلك ~~عنها. # أما ياقوتة فإنها تهيبت من غضب سيدتها. ورغم ما لها من الدالة عليها لم تجسر على ~~مخاطبتها. فأخذت تتذرع إلى استطلاع حالها بالتجاهل، فحالما دخلت الغرفة قالت لها: «ما لي ~~أرى سيدتي غاضبة؟ إني أرى في جيدك عقدا من الجوهر وفي إصبعك خاتما من الزمرد والياقوت لو ~~كانا لي لزالت عني هموم الدنيا.» # فانتبهت سيدة الملك إلى العقد والخاتم وكانت قد نسيتهما لفرط قلقها فنزعت العقد من عنقها ~~والخاتم من إصبعها ورمت بهما إلى الأرض، وجلست على السرير وهي تتنهد. # فالتقطت ياقوتة العقد والخاتم وهي تقول: «ما بالك يا سيدتي، ما الذي أغضبك؟ إذا كان هذا ~~العقد قد غيرك أعطيني إياه.» # قالت: «خذيه، بل هاتيه.» واسترجعته من يدها ووضعته في جيبها مع الخاتم. # فابتسمت ياقوتة على سبيل المداعبة وقالت: «إذا كنت قد غضبت من أمير المؤمنين فما هو ذنبي ~~يا سيدتي وأنا أتفانى في خدمتك؟» # فأظهرت الارتياح إلى قولها وكظمت غيظها وقالت: «بارك الله فيك دعيني الآن.» قالت: «لا. لا ~~أتركك حتى تقولي ms056 ماذا جرى بينك وبين مولانا أمير المؤمنين.» قالت: «إنه مولاك وليس مولاي!» ~~قالت: «إنه مولانا بحكم الله، أطال الله لنا بقاءه.» قالت: «أطال الله بقاءه لكنه ...» وسكتت ~~وقد شرقت بدموعها. # فقالت ياقوتة: «ما بالك قد غيرت عادتك معي، لماذا لا تشكين إلي همك لعلي أستطيع خدمتك ~~بشيء. ألم نكن على موعد للنظر في أمر عماد الدين؟» فلما سمعت اسم عماد الدين سري عنها وهان ~~عليها الصبر والتفتت إلى ياقوتة وابتسمت وعيناها تلمعان من الدمع. فأثر منظرها في ياقوتة ~~وأكبت على يديها تقبلهما وتقول: «بالله لا تغضبي يا سيدتي، ولا تعامليني بالجفاء. أفصحي لي ~~عما يكنه ضميرك وأنا أمتك أفديك بروحي. قولي لا تخافي.» # فتنهدت وهي تتجلد وقالت: «نعم كنا على موعد من أمر عماد الدين ماذا رأيت وماذا ~~دبرت؟» # قالت: «لم أر شيئا، إن الأمر لك وأنا طوع إرادتك، ماذا تريدين أن أفعل.» فنظرت إليها ~~نظرة اخترقت أحشاءها وقالت: «أريد أن يأتي عماد الدين إلى هنا في هذه الليلة!» قالت: «في ~~هذه الليلة؟ ولماذا؟» قالت: «لا تسأليني عن السبب. أنت تقولين إنك طوع إرادتي وهذه هي ~~إرادتي. أريد أن أرى عماد الدين هذه الليلة.» # قالت: «لك علي ذلك. خففي عنك الآن وارجعي إلى رشدك واحكي لي عما جرى لك اليوم مع سيدي ~~أمير المؤمنين.» # فلما اطمأن بالها من جهة استقدام عماد الدين خف قلقها فجلست وأمرت حاضنتها أن تجلس وقصت ~~عليها ما دار بينها وبين أخيها من أوله إلى آخره، فأثر ذلك في رأيها ورأت سيدتها أخطأت ~~بمقاومة الخليفة، ولكنها لم تجسر على تخطئتها فأظهرت أنها ترى رأيها على نية أن تعود إلى ~~البحث معها في الأمر بعد قليل، فطمأنتها أنها تفعل ما تريده وغيرت الحديث وشغلتها بمهام ~~أخرى. # الفصل الخامس # | عماد الدين # قد علمت من حديث العاضد وأخته أن صلاح الدين بعث يخطب سيدة الملك شفاها، وسبب ذلك أن ~~عيسى الهكاري لما خرج من دار العلم سار توا إلى صلاح الدين وأسرع في مقابلته على انفراد ~~في خلوة، وتطرق ms057 في الحديث إلى خطبة أخت الخليفة وأقنعه بما تقدم من الأدلة السياسية، ~~فاستحسن صلاح الدين رأيه واستمهله ليشاور أباه، فنهاه عن مشورته؛ إذ ربما اقتضى رأيه ملاطفة ~~الخليفة وهم لا يرون ذلك. وذكره الهكاري بسعيه في مصلحته منذ عرفه. فقال صلاح الدين: «إننا ~~قابضون على أزمة الدولة نفعل بها ما نشاء من عزل وتولية وغير ذلك، فكيف نطمع في ~~الخلافة؟! وهذا لم يقدم عليه أحد قبلنا من غير العرب، وأخاف أن نطلب الزيادة فنقع في ~~النقصان.» # فقال: «لا أعهدك ضعيف العزم يا مولاي، إذا كنت لا تعرف أحدا طلب الخلافة من غير العرب ~~ألا يجوز أن تطلبها أنت أو تمهدها لأولادك بسبب الاقتران بأخت الخليفة؟ زد على ذلك أن سيدة ~~الملك من أجمل النساء خلقة وأحسنهن ذكاء ودهاء. أما الخلافة فإذا طلبتها وأحوجنا النسب ~~القرشي فإنه ميسور؛ لأن كثيرين من الصحابة القرشيين تفرقوا بالفتح ونزل بعضهم في بلاد ~~الأكراد، فقد يكون جدك متسلسلا من أحدهم.» قال ذلك وهو يظهر الجد. وأدرك صلاح الدين أنه ~~يهون عليه ادعاء الخلافة بزواجه بأخت الخليفة، وإذا لزم النسب القرشي انتحل له نسبا ~~فيهم. ولكنه ما زال يتهيب من الإقدام على الخطبة، فلما رأى إلحاح عيسى قال له: «إذا لم ~~يكن بد من العمل برأيك، فاجعل ذلك منك على سبيل الاختبار بلا كتابة مني.» # قال: «إني فاعل ذلك، فأخاطب الخليفة في رغبتك وأرى ما يكون.» # قال: «حسنا.» وذهب الهكاري في تلك الساعة إلى العاضد وأطلعه على ذلك بأسلوب لطيف ~~فاستمهله في الجواب كما رأيت. # أما صلاح الدين فإنه بعد ذهاب الهكاري من عنده خلا بنفسه وراجع ما دار بينهما، فرأى أنه ~~تسرع في الأمر، وكان ينبغي أن يكاشف أباه قبل الإقدام عليه. لكنه أجل ذلك حتى يعود ~~الهكاري بالجواب وهو لا يزال في حل من الأمر. وبعد قليل أتاه غلام يدعوه إلى الطعام مع ~~أبيه في الجانب الآخر من قصر اللؤلؤة فمضى. وفيما هما في الغداء قال نجم الدين يخاطب ابنه ~~صلاح الدين: «يا يوسف ms058 لم أر عندكم اهتماما بميادين السباق. لا ينبغي أن تترك رجالك ~~يرتاحون طويلا. أنشئ لهم الميادين للمسابقة على الخيول، فإنهم بذلك تتقوى أبدانهم ~~ويشغلون عن الدسائس.» # قال: «صدقت يا أبي، ونحن لا يمضي أسبوع لا نجري فيه سباقا، فمن فاز بالسبق قدمناه ~~وخلعنا عليه. وأحب أن أجرب ذلك بين يديك في هذه الساعة، وسأختار من رجالي أمهرهم في ~~الركوب.» ونادى عماد الدين فأتى مسرعا وخفة الروح ظاهرة في وجهه والشجاعة تتجلى في عينيه ~~والنشاط ظاهر في انتصاب قامته وامتلاء عضله، فلما وقع نظر نجم الدين عليه استلطفه فأطال ~~النظر فيه وصلاح الدين يأمره أن يستعد للسباق مع آخرين سماهم. فأشار عماد الدين مطيعا ~~وانصرف، فتحول صلاح الدين إلى أبيه وهو يبتسم ابتسام الإعجاب وقال: «كيف رأيت هذا الشاب ~~يا أبي؟» # قال: «كنت عازما على أن أسألك عنه؛ لأنه وقع في نفسي موقعا جميلا وأتوسم فيه الشجاعة ~~والبسالة ولا أظنه إلا بالغا مقاما رفيعا بين رجالك.» # قال: «وكيف إذا رأيت مهارته في ركوب الخيل وخبرت أخلاقه الحميدة؟ كفى تفانيه في سبيل ~~خدمتي، إنه يحبني حبا مفرطا فلو قلت له ألق نفسك في النار لفعل.» # قال: «احرص عليه وقدمه.» # قال: «إني لا أترك فرصة تمر إلا أكرمته، وهو الآن من حرسي ويستحق أن يكون من كبار القواد ~~لكنه ما زال صغير السن وسيكون له شأن، وقد سرني أنك توسمت فيه ما توسمته أنا وتحققته ~~بالاختبار.» # فقال نجم الدين: «هل زوجته؟» فقال: «أردت تزويجه بجارية جميلة فلم أجد فيه ميلا ~~للزواج.» # فهز نجم الدين رأسه وقال: «تلك هي مناقب أصحاب المطامع طلاب السيادة، ينصرفون بكليتهم إلى ~~تلك المطامع فاحتفظ بالشاب.» # وبينما هما في ذلك إذ سمعا قرع الطبول استعدادا للسباق، فجلس صلاح الدين مع أبيه على ~~أريكة نصبوها لهما بين يدي القصر تشرف على حلبة السباق وفوقها مظلة من الحرير الملون. وأطلق ~~الفرسان الأعنة، وكان عماد الدين على جواد أزرق يمتاز عن سائر الجياد يعرفه الناظرون عن ~~بعد، ولحظ نجم الدين أنه يفوق ms059 سائر الفرسان بالخفة واللباقة. ولعبوا ألعابا عديدة وتسابقوا ~~وتراموا وكفة عماد الدين راجحة. # قضوا في ذلك بضع ساعات وصلاح الدين جالس مع أبيه تحت تلك المظلة. ثم أخذ الفرسان يتوافدون ~~للمرور أمام المظلة لإلقاء التحية وصلاح الدين يثني على مهارتهم ويكلمهم بما يقتضيه المقام، ~~حتى جاء عماد الدين فأمره صلاح الدين أن يترجل ويأتي إلى أبيه، فترجل ووقف بين يدي نجم ~~الدين وقوف الاحترام. فقال له: «يا عماد الدين، ستكون رجلا مقدما، ويسرني أنك حائز ~~إعجاب سلطانك.» # فأكب عماد الدين على يدي نجم الدين يقبلهما وقال: «إني عبد لمولاي السلطان أفديه بروحي. ~~وإذا قدر لي أن أكون شيئا مذكورا فيكون ذلك من فضله لا لاستحقاقي.» # فربت كتفه متلطفا وتناول خنجرا كان في منطقته ودفعه إليه وقال: «احتفظ بهذا بالخنجر ~~تذكارا مني.» # فأكبر عماد الدين هذا الإكرام من والد صلاح الدين وهو يعلم أن صلاح الدين نفسه يهابه، ~~فترامى على يديه يقبلهما. وكان صلاح الدين يخاطب بعض الفرسان فلما فرغ من خطابه تحول إلى ~~أبيه فوجده يخاطب عماد الدين فانبسطت نفسه لإعجابه بذلك الشاب، وقال: «يسرني أنك راض ~~عنه.» # فقال نجم الدين: «وهو جدير بذلك وأرى أن تقدمه وتجعله من خاصتك.» # قال: «هو من حرسي كما قلت لك.» # قال: «أحب أن يلازمك ولا يفارقك ليلا ولا نهارا، وأن تكون له دالة الصديق فيدخل عليك ~~بلا إذن.» # فالتفت صلاح الدين إلى عماد الدين وقال له: «أمر والدي بذلك، فأنت من الآن لا تفارقني في ~~حلي ولا ترحالي.» ونهض ومشى مع أبيه نحو القصر وعماد الدين يتبعهما. وأمر صلاح الدين ~~قيم القصر أن يختص عماد الدين بغرفة قرب غرفته ففعل، وأصبح عماد الدين لفرط امتنانه لا ~~يعرف كلاما يؤدي به ما في خاطره، ولكنه أضمر أن يتفانى في خدمة مولاه. ويغلب في صادقي ~~المودة والمخلصين في أعمالهم أن يكون لسانهم قصيرا فيعبرون عن شعورهم بالعمل دون ~~الكلام. # ولم يكن لهم في ذلك اليوم شاغل مهم، فبعد العشاء ذهب كل إلى غرفته وقضى نجم ms060 الدين ليلته ~~في غرفة ابنه صلاح الدين يتحادثان في شئون كثيرة ترجع إلى علاقة مصر بنور الدين. ثم انصرف ~~كل منهما إلى فراشه. ~~••• # بات صلاح الدين تلك الليلة كعادته وهو يفكر في أمر مصر ومطامعه فيها حتى غلب عليه النعاس ~~فنام، وفد أطفئت مصابيح القصر واطمأن الحراس إلا عماد الدين فإنه شعر بعد أن اختصه صلاح ~~الدين بقربه أنه يجب أن يكون أكثر يقظة وسهرا على حياته. فبات وهو يفكر في ذلك فحلم لفرط ~~قلقه أن صلاح الدين يناديه فنهض مذعورا وأصاخ بسمعه فلم يسمع شيئا، فحدثته نفسه أن ينهض ~~ويتسمع فخاف أن يوقظ مولاه وهو على يقين أنه سمع ذلك في الحلم. فعاد إلى فراشه وقد طار ~~نومه وكثر تقلبه بين اليقظة والمنام. وإذا هو يسمع وقع خطوات، فهب من رقاده وتسمع فلم ~~يسمع شيئا فغلب على خاطره أنه يسمع هاجسا. ونظر إلى السماء فعلم أن الفجر قريب ورأى أنه ~~لم يعد قادرا على الرقاد فلبس ثيابه. وحالما لاح الفجر خرج ليطل على غرفة صلاح الدين فرآها ~~مقفلة وكل شيء هادئ والحراس بالباب كالعادة فعاد إلى غرفته. # ولم تمض هنيهة حتى سمع صلاح الدين يناديه فلباه ودخل غرفته فرآه جالسا على سريره ~~بلباس النوم وقد أخذته الدهشة. فأسرع إليه وحياه، فصاح به صلاح الدين: «ما هذا؟» وأشار ~~إلى الوسادة عند رأسه. فتقدم عماد الدين فرأى خنجرا مسلولا عليه آثار دم قديم قد ألقي ~~عند موضع رأس صلاح الدين من الوسادة فأجفل وصاح: «من فعل هذا يا سيدي؟» قال: «لا أدري، ~~لكني صحوت في هذه الساعة فرأيت الحال كما تراها.» فأطرق عماد الدين يفكر فوقع بصره على ~~شيء عند قدمي السرير فإذا هو غمد ذلك الخنجر، فتناوله وتأمله فلم يذكر أنه يعرف صاحبه. ~~وبينما هو يتفرس فيه إذ رأى في جوفه بطاقة استخرجها ودفعها إلى مولاه ففضها وقرأها فبانت ~~البغتة في عينيه، ثم دفعها إلى عماد الدين وصفق فدخل عليه أحد الغلمان فأمره أن ينادي ~~الأمير نجم الدين والده حالا. ms061 # أما عماد الدين فإنه قرأ البطاقة وأعاد قراءتها وتناول الخنجر وتأمله وأعاد النظر فيه، ~~فقال صلاح الدين: «كيف يدخل الناس علي وأنا نائم داخل هذا القصر والأبواب موصدة ولا يشعر ~~أحد من الحراس؟» # فأحس عماد الدين أن التوبيخ موجه نحوه؛ لأنه أقرب الحراس إليه، فارتج عليه من شدة التأثر، ~~وهم أن يجيب وإذا بنجم الدين قد دخل، فلما رآهما في تلك الحال تناول البطاقة وقرأها وإذا ~~فيها: # من أحد مريدي سيد الإسماعيلية إلى يوسف صلاح الدين # اعلم يا يوسف أنك وإن أقفلت عليك الأبواب وأقمت الحراس لا تقدر أن تنجو من ~~القصاص. أراك قد بالغت في القحة وتطاولت وظلمت ونسيت شيخ الجبل زعيم الإسماعيليين. ~~لو أردت قتلك الليلة لما أبقيت عليك، ولكنني عفوت عنك وأنا منذرك أن تصلح من سيرك. ~~ولا تطمع أن تعرف من أنا، فإن ذلك بعيد المنال؛ إذ قد أكون أخاك أو خادمك أو ~~حارسك، وقد أكون خيطا في عمامتك أو شعرة في رأسك، وأنت لا تدري! وإنما أطلب منك أن ~~تلزم حدك والسلام. # فاستولى السكوت على الجميع لحظة. ثم أشار نجم الدين إلى عماد الدين أن يقفل الباب وأن ~~يجلسوا في خلوة لا يدخل عليهم أحد، ففعل وقلبه يتقد غيظا وقد ساءه حدوث هذا الأمر في ~~الليلة الأولى التي تولى فيها الحراسة الخاصة، وأصابه الجمود لا يدري ما يقول، وأدرك نجم ~~الدين قلقه فناداه وابتسم له وقال: «لا تضطرب يا بني ولا يداخلك خوف، إنكم لا تعرفون هؤلاء ~~القوم ولا أظن يوسف يعرفهم.» # فقال صلاح الدين: «أذكر أني عرفت عنهم شيئا. ولكن من هم الإسماعيلية هؤلاء؟ وما هذه ~~الجسارة؟ وكيف يستطيعون الدخول علي في غرفة نومي والحرس حولي. صدقوا، لم يكن يمنعهم شيء ~~من قتلي.» # فصاح عماد الدين: «خسئوا! إن ذلك بعيد عنهم. إنهم لا ينالون من مولاي السلطان شعرة قبل أن ~~يقتل زعيمهم اللعين.» ~~••• # جلس نجم الدين وأمر عماد الدين أن يجلس وقال: «هل تعرف من هو هذا الزعيم؟» قال: «كلا يا ~~سيدي. ومهما يكن ms062 من شأنه ...» # فقطع نجم الدين كلامه وقال: «تمهل يا شاب واسمع ما سأقصه على يوسف من خبر هذا الطاغية ~~الذي يسمي نفسه رئيس الإسماعيلية الذين هم في الحقيقة طائفة الحشيشية.» ووجه خطابه إلى ~~صلاح الدين وقال: «اعلم يا بني أن الإسماعيلية أو الباطنية أو الحشيشية طائفة من الشيعة لها ~~بالدولة العبيدية علاقة قل من يعرفها، ولذلك أحببت أن أفصلها لك. إن مذهب الإسماعيلية ~~كان مذهب هذه الدولة عند الفتح وقد نصروه ولا سيما الحاكم بأمر الله، فإنه أحياه ونشره ~~بمساعدة رجل فارسي اسمه حمزة الدرزي.» ~~«وفي أيامه ظهر رجل فارسي اسمه حسن بن الصباح له حديث طويل مع نظام الملك وعمر الخيام لا ~~محل له هنا، فأنشأ حسن هذا جمعية من الفدائيين وأقام في جبل «ألاموت» قرب قزوين منذ أكثر من ~~مائة سنة. وكان يغري رجاله بالفتك بمن شاء من كبار الرجال، ومن جملة الذين قتلوهم نظام ~~الملك وزير السلاجقة وكثيرون من القواد والملوك. كانوا يقتلون ولا يعرف قاتلوهم. أو إذا ~~عرفوا لا يبالون أن يقتلوا في سبيل تنفيذ أمر مولاهم!» # وكان صلاح الدين مصغيا لما يسمعه بكل جوارحه فقال: «كأني سمعت بشيء من هذا القبيل ... ~~ولكنني لم أكن أصدقه؛ إذ لا يعقل أن يعرض الرجل نفسه للقتل على هذه الصورة تنفيذا لأمر ~~مولاه فقط.» # فاعترض عماد الدين وعيناه تتقدان وقد هاجت الحمية في رأسه وقال: «نعم يا سيدي. هذا أمر ~~معقول. إن الرجل ليفدي مولاه بروحه إذا كان يحبه ويحترمه.» # فأدرك نجم الدين غرضه وقال: «بارك الله فيك يا بني، لكن مثلك قليل وأكثر الناس يفعلون ذلك ~~طمعا في شيء. أما الفدائيون هؤلاء فإنما يفعلون ما يفعلونه طاعة لرئيسهم وكفى. وقد اختلفوا ~~في سبب هذا التفاني، فيقول بعض العارفين إن ابن الصباح كان يستهويهم بالسحر أو يسقيهم ~~الحشيشة التي تأخذ بالعقل. ولذلك عرفوا بالحشيشية أو الحشاشين، ومهما يكن السبب فإن وجود ~~هذه الطائفة خطر على كبار الرجال.» ~~«وكان مقرها في زمن «ابن الصباح» في قزوين بعيدا عن هذه الديار. ms063 أما الآن فإن مركزها في ~~جبل السماق من أعمال حلب، ولهم فيه معاقل وحصون ودعاة في الأطراف، ولهذه الطائفة تاريخ طويل ~~قبل انتقالها إلى الشام، خلاصته أن الرياسة انتقلت بعد ابن الصباح إلى غيره وغيره، وكان ~~رابعهم في «ألاموت» منذ نحو خمسين سنة يسمى حسنا أيضا، ويضيفون إلى اسمه قولهم: «على ~~ذكره السلام»، وكانت دعوته قد انتشرت في الشام فلما فتحها الإفرنج قربوا الإسماعيليين ~~واستعانوا بهم على المسلمين في مواقع كثيرة سرا وجهرا. فأذن لهم ملك الإفرنج صاحب حلب أن ~~يقيموا في جبل السماق (جبل النصيرية) ونزلوا «بانياس» وزعيمهم يومئذ اسمه بهرام، وفي أيامه ~~تمكنوا من الفتك بطائفة من الملوك والقواد بمصر والشام، منهم الملك الأفضل أمير الجيوش ~~بمصر، ويقال إنهم فعلوا ذلك به؛ لأنه استبد بالآمر بأحكام الله. وبلغني أن الآمر تغلب ~~على بهرام وقتله لسبب لا أعلمه، ولعله ساءه قتل أمير الجيوش وإن كان قتله دفاعا عنه. ~~وطافوا برأس بهرام في شوارع القاهرة هذه، وقتلوا أيضا كثيرين من الإفرنج بحجج مختلفة، ومن ~~هؤلاء ريمون صاحب طرابلس. ولهم بجبل السماق عدة قلاع حتى الآن، منها مصياف ومرقب وعليقة ~~والرصافة وغيرها. وهم يعتصمون بها. أما زعيمهم الآن فأظنه أدهى الرؤساء جميعا، واسمه راشد ~~الدين سنان بن سليمان، وأصله من البصرة. خدم رئيس الإسماعيلية في «ألاموت» وتفقه في العلم ~~والفلسفة، ثم انتقل إلى الشام وأقام في حلب، وهو أعرج وقد تظاهر بالتقوى والتدين فاجتذب ~~العامة بذلك. ولا تجد شيئا يستهوي العامة مثل الدين. وبلغني من بعض رجالنا هناك أن سنانا ~~هذا كان يجلس للوعظ على صخرة وهو جامد مثلها، فكثر دعاته وكانت دعوته لهم أن يتعاونوا، ~~فتغلب على عقولهم بالدهاء أو السحر لا أعلم، حتى جعلوا أموالهم مشتركة بينهم حتى النساء ~~والبنات. ثم منعهم من ذلك.» ~~«وبلغ خبره إلى رئيس الإسماعيلية يومئذ في جبل السماق واسمه أبو محمد فاستقدمه إليه. ~~وبعد قليل خلفه وتسلم زعامة هذه الطائفة منذ بضع سنوات فقط. وقد سمعت خبره قبل سفري ~~بقليل، وهو الآن صاحب السطوة ms064 والكلمة النافذة، وقد التف حوله ألوف من الدعاة الفدائيين ~~الذين يفدونه بأرواحهم. إذا أمر أحدهم بقتل أمير أو ملك، فإنه سرعان ما يتنكر ويدخل في خدمة ~~ذلك الأمير أو الملك بصفة سائس أو خادم أو حارس. ولا يزال يترقب الفرص حتى تسنح له ويغمد ~~خنجره في صدره. فالحمد لله أنهم لم يفعلوا ذلك هذه المرة، ولكن تهديدهم هذا أثقل وقعا من ~~القتل!» ~~••• # كان صلاح الدين في أثناء سماع الحديث مطرقا يفكر، وعماد الدين يراعي حركات نجم الدين ~~بعينيه ويتلقف ألفاظه بأذنيه وقد هاجت أريحيته وجاشت الحماسة في صدره. فلما فرغ نجم الدين ~~من الكلام نظر إلى عماد الدين فرأى عينيه يكاد الشرر يتطاير منهما فتجاهل. # أما صلاح الدين فقال: «لا بد من وسيلة نتخذها لنتجنب شر هذه الطائفة. إننا غير متفرغين ~~لمراقبتها.» # فتصدى عماد الدين قائلا: «إن مراقبتها لا تفيد شيئا، ولا بد من قطع دابرها.» قال ذلك ~~وعيناه تدلان على ما يعنيه من العزم الأكيد. # فأجابه نجم الدين: «ماذا تعني؟» قال: «إذا أذن لي في إبداء الرأي فعندي أن أحسن دواء لهذا ~~الداء أن يقتل رئيس هذه العصابة فتتفرق عصابته.» فقال نجم الدين: «هذا أمر شاق لا سبيل ~~إليه؛ لأن القوم معتصمون في الجبال الوعرة وعيونهم مبثوثة في كل مكان. وقد علمنا الآن أن ~~منهم أناسا في هذا القصر فكيف يتأتى الوصول إلى رئيسهم وقتله؟» # قال عماد الدين: «إن من يحب مولاه يتفانى في خدمته كما قلت يا سيدي. فكما يستطيع ~~الإسماعيلي الملعون أن يدخل غرفة السلطان صلاح الدين ويعمل ما عمله، فيمكن لسواه أن يدخل ~~على زعيم الإسماعيلية ويغرس هذا الخنجر في صدره. وإذا قتل بعد ذلك فقد أدى واجبا لينقذ ~~أنفسا شريفة من الفتك؛ لأن هذا اللعين لا يتعمد إلا قتل العظماء. فالموت في سبيل قتله فخر ~~يتطلبه كل أبي النفس.» # فأحس نجم الدين أن الشاب يعني أن يذهب هو نفسه في هذه المهمة، فأراد أن يثني عزمه حرصا ~~على حياته لاعتقاده بالخطر الذي يهدده فقال: «إن ms065 هذا الأمر لا يقدم عليه إلا المجنون، ~~ولكنا لا نعدم وسيلة أخرى لاسترضائهم بالمال، فإنهم كثيرا ما يرتكبون القتل طمعا فيه؛ إذ ~~يغريهم بعض رجال السلطة بقتل أعدائهم.» # فقال عماد الدين: «صدقت يا سيدي قد يسترضون بالمال، ولكن هذا لا نهاية له. وأما إذا قتل ~~زعيمهم فإن دابرهم ينقطع.» # فقال: «ليس هذا بالرأي الصواب لأنه صعب، ولا تجد من يقدم عليه إذا عرف خطره.» # فقال عماد الدين وهو يشير بيده إلى صدره وعيناه تلمعان حماسة: «هذا عبدك عماد الدين ~~يقدم نفسه للقيام بهذه المهمة من هذه الساعة، وأرجو ألا ترد طلبي.» # فقال نجم الدين: «بارك الله فيك، إنها حمية يندر مثالها. ولكننا في حاجة إليك ~~هنا.» # فقال: «وما الفائدة من وجودي هنا وهذه أول ليلة من حراستي أوشك مولاي السلطان أن يقتل ~~فيها. أما ذهابي فأرجو أن يكون قاطعا فاصلا، أستحلفك برأس مولانا السلطان صلاح الدين أن ~~تأذن في قيامي بهذه المهمة وهذا شرف كبير لي.» # وكان صلاح الدين في أثناء هذا الجدال غارقا في التفكير في سبب وقوع هذا الأمر في هذه ~~الليلة، فلما سمع اسمه انتبه لما يقوله عماد الدين فأجابه قائلا: «إن هذه المهمة خطرة ~~جدا ونحن في حاجة إليك هنا.» قال: «أقسمت برأسك أن أذهب فأذن لي.» فالتفت صلاح الدين إلى ~~أبيه كأنه يستشيره، فقال نجم الدين: «أطعني ودع عنك هذا الخطر.» قال: «إني عبد مطيع ولكني ~~أقسمت برأس مولاي أني ذاهب في صباح الغد، وأحب أن يكون ذهابي سرا عن كل إنسان لا يعلم به ~~سواكما؛ لأننا أصبحنا لا نعرف صديقنا من عدونا، فلا ينبغي أن يعلم أحد بسبب ذهابي.» # فقال صلاح الدين: «إذا لم يكن بد من ذلك فامض، وفقك الله لما تريده، ولكنني كنت وأنتما ~~تتباحثان أفكر في السبب الذي أوجب وقوع هذا الأمر الليلة فلم أهتد. ولكنني ...» وتذكر خطبة ~~سيدة الملك على يد الهكاري فترجح له أن هذا الأمر هو الذي بعث على تحمس أحد الإسماعيلية ~~المستترين. ولكنه لم يجد هذا التعليل ms066 معقولا فسكت. # فلحظ أبوه تردده فقال له: «ما بالك يا يوسف؟ قل ما يخطر لك لعلك تتقي التصريح أمام عماد ~~الدين الذي يفديك بروحه.» فقال: «كلا يا أبت، ولكنني فكرت في سبب ما حصل الليلة فلم يستقم ~~حكمي ففضلت السكوت.» قال: «قل ما خطر لك .» قال: «أعترف لك يا أبي بأني ارتكبت خطأ في صباح ~~أمس ساقني إليه تسرعي بإغراء صديق لي حميم. وذلك أني أمضيت أمرا كان ينبغي قبل إمضائه أن ~~أستشيرك فيه، وها إني الآن ألاقي عاقبة تسرعي.» # قال: «ما ذلك؟» قال: «أتاني صديقنا عيسى الهكاري - وأنت تعلم صدق مودته لي ونصحه إياي - ~~فاقترح علي اقتراحا يرى فيه خيرا كبيرا لي فأطعته، ولكنني لم أكتب فيه كتابة، بل تركت ~~الأمر مبهما ريثما أستشيرك.» # فلم يعد نجم الدين يستطيع صبرا على فهم مراده فقال: «وما هو هذا الاقتراح؟» قال: «عرض ~~علي أن يخاطب الخليفة العاضد في أمر أخته سيدة الملك أن تكون زوجة لي.» فبانت البغتة في ~~وجه نجم الدين وصاح فيه: «وهل وافقته على ذلك؟» قال: «ترددت كثيرا، وأخيرا رضيت أن يكتفي ~~بالسؤال من عند نفسه.» قال: «ما زلت تقدم على أمور لا تليق بالسلاطين! ما لنا ولهذا الرجل ~~ولأهل بيته؟ لماذا نعرض نفسنا للفشل؟ هل تعرف الفتاة؟» # قال: «قيل لي إنها بارعة في الجمال جدا.» # وكان عماد الدين يسمع الحديث ساكتا، فعلم أنهم يتكلمان عن سيدة الملك وكان قد رآها يوم ~~واقعة العبيد وأرجع إليها خصلة الشعر كما تقدم، وقد استلطفها لكنه لم يحلم بالحصول عليها؛ ~~ولذلك شعر من طلب مولاه لها بلذة ممزوجة بالغيرة لذ له أن تكون تلك الفتاة الجميلة لسيده ~~أفضل من أن تكون لسواه، لكنه لما تصور ذلك أحس بالغيرة منه. ولحظ نجم الدين في وجهه فكرا ~~في الموضوع فقال له: «هل تعرف الفتاة يا عماد الدين؟» # قال: «أتيحت لي فرصة رأيتها وهي في أشد الاضطراب، أعني يوم واقعة العبيد، حين أمر مولاي ~~النفاطين برمي النفط على القصر، ثم أمرهم أن يكفوا عن ms067 رميه، وكنت في جملة من دخل القصر ~~فرأيت الفتاة في ضيق أنقذتها منه وما زلت أذكر وجهها الجميل وشعرها الذهبي. إنها تليق بسيدي ~~صلاح الدين. وهل هي تتوقع من هو خير منه؟» # فقال نجم الدين وهو يظهر أنه واثق مما يقول: «ما لنا ولها؟ أشك في أن يوسف لم يطع ~~الهكاري إلا حياء.» ووجه كلامه إلى صلاح الدين قائلا: «هل أتاك الهكاري بجواب من ~~الخليفة؟» # قال: «ذكر أنه خاطب الخليفة فاستمهله في الجواب ولا ندري ما يكون.» # فهز نجم الدين رأسه هز الإنكار وقال: «لا يسهل عليه الإيجاب في هذا الأمر؛ لأن هؤلاء ~~المساكين شديدو التمسك بهذه البقية الباقية من سيادتهم. أعني تمسكهم بمجد الأسلاف وأنهم من ~~سلالة بيت الرسول، وأننا لسنا أكفاء لبناتهم لأننا من الأعاجم.» قال ذلك وضحك ملء فيه ~~والتفت إلى صلاح الدين فرآه مطرقا يفكر، وكان قد تذكر قول الهكاري أنه إذا احتيج إلى ~~نسب عربي وضعه له، كما تذكر ما توقعه من صيرورة الخلافة إليه أو إلى أولاده بسبب ذلك ~~الزواج، فلما التفت أبوه إليه تنبه قائلا: «ألا يحق لهم الافتخار بذلك النسب ~~الشريف؟» # قال: «كيف لا! ولذلك قلت إنهم ضنينون به لا يفرطون فيه، فكيف ترجو قبول طلبك وأنت ~~كردي؟» وضحك، فرأى صلاح الدين أن يقطع الحديث ليرى ما يأتي به الغد، فقال وهو يتحفز للنهوض ~~من الفراش: «متى أتانا جواب الخليفة ننظر فيه.» ولما نهض كان الخنجر ما زال ملقى على الفراش ~~فأسرع عماد الدين إليه وتناوله وهو يقول: «هل يأذن لي مولاي في أخذ هذا الخنجر؟» # فقال: «أليس عندك خنجر؟» قال: «عندي لكنني أود أن أغمده في صدر ذلك الطاغية الذي هددنا ~~به.» قال صلاح الدين وهو يلبس ثيابه: «أما زلت مصمما على قتله؟» قال: «أقسمت برأس مولاي أن ~~أقتله؛ إذ لا سبيل إلى الراحة منه إلا بذلك. فأرجو ألا تراجعني. وألتمس من مولاي الأمير نجم ~~الدين أن يزودني برضاه ودعائه وقد أقسمت ألا تطلع شمس الغد إلا وأنا خارج القاهرة.» # فابتسم ms068 نجم الدين وهو ينظر إلى عماد الدين نظر العطف والإعجاب وقال: «يسرني ما أراه فيك ~~من الحمية والغيرة على يوسف، بل هي غيرة على المسلمين كافة؛ لأن هذا الإسماعيلي الشيطان قد ~~أقلق العالم بدسائسه وفتكه فإذا تمكنت من قتله فأنت أمير كبير وقائد عظيم لا يتقدمك أحد من ~~رجال هذه الدولة غير ابني يوسف هذا.» # فأكبر عماد الدين هذا الوعد الصريح بالمكافأة الكبرى، فازداد تمكنا من عزمه ولكنه أطرق ~~خجلا. فعاد نجم الدين إلى إتمام حديثه فقال: «ولكن هل تعرف الطرق وما يعترض عملك هذا من ~~المخاطر؟» # قال: «هب أني لا أعرف شيئا الآن فلا يعجزني علمه.» قال: «فتبقى هنا بضعة أيام لأجل ~~الاستعداد.» قال: «قد أقسمت على الخروج الليلة من هذا البلد. وإنما ألتمس ألا يعلم أحد بجهة ~~مسيري ولا الغرض منه.» # وكان صلاح الدين قد أتم لبس ثيابه فقال: «بورك فيك.» ونظر إلى أبيه فرآه ينظر إلى عماد ~~الدين وهو يقول له: «وفقك الله في أمرك، كن شجاعا واثقا بنفسك، واعلم أنك إذا وفقت إلى ~~ما تريد أتيت عملا لم يستطعه سواك، فتنال ما لم ينله أحد.» # فهم عماد الدين بتقبيل يد نجم الدين ثم يد صلاح الدين وقال: «أستأذنكما في تدبير شئوني ~~اليوم، وربما لا تريانني بعد الآن؛ لأني أحب أن أخرج من هذا البلد خلسة.» # قال نجم الدين: «افعل ما بدا لك.» ~~••• # خرج عماد الدين لتدبير سفره وإعداد ما يلزمه، وقد أخذت مهمته تتجلى له بما يحدق بها من ~~الخطر العظيم، ولكنه صمم عليها ولا سيما بعد ما سمعه من الوعد بالمكافأة. # قضى معظم النهار في منظرة اللؤلؤة وهو يتهيأ للسفر حتى أعد كل ما يحتاج إليه، وقد مالت ~~الشمس إلى الأصيل. فانفرد في غرفته يفكر في مهمته وإذا بطارق بابه، فأجفل لأنه لا يطرق ~~بابه أحد لا سيما وهو على أهبة السفر. فنهض وفتح الباب فرأى غلاما صقلبيا يظهر من ثوبه ~~وشكله أنه من غلمان قصر الخليفة. فاستغرب ذلك فدخل الغلام وقال: «لعلي في حضرة ms069 الفارس عماد ~~الدين؟» # قال: «نعم ما وراءك؟» فمد الغلام يده إلى جيبه وهو يشير إلى عماد الدين أن يغلق الباب؛ ~~خوفا من أن يراه أحد، واستخرج لفافة دفعها إليه. فتناولها ولم يتم فضها حتى اقشعر بدنه؛ ~~لأنه رأى فيها خصلة الشعر الذهبي التي كان قد أرجعها إلى سيدة الملك، فبانت البغتة في وجهه ~~لكنه تجلد وأخذ يتفرس في الكتاب فإذا هو رسالة مختصرة بلا توقيع. فأغلق الباب وتحول نحو ~~الداخل وهو يقرأ، وهذا نص الكتاب: # إلى البطل الباسل عماد الدين. اعلم يا سيدي أنك نجيت نفسا شريفة من القتل ~~والعار. وهذه النفس تحتاج إلى رؤيتك لتكافئك على صنيعك. وقد كلفتني أن أرسل إليك ~~العلامة التي ينطوي عليها هذا الكتاب لتتأكد صدق قولي. فأسرع إلينا على عجل ~~فإننا نستصرخك، وقد لبيتنا من قبل بلا استصراخ. وحامل هذا الكتاب يرشدك إلى ~~الطريق. # فرغ من تلاوة الكتاب وهو يحسب نفسه في حلم فظل هنيهة كالغائب يفكر فيما يعمله، أيجيب ~~دعوة الداعي وهو على أهبة السفر؟ أم يعتذر وهي تستصرخه. وأحس عند رؤية الشعر بجاذب ~~يدعوه إلى الإجابة. وتذكر ما بعثه على حمل تلك الخصلة من دمشق إلى القاهرة حتى دفعها إلى ~~صاحبتها حرصا على كرامتها بدون أن يعرفها، فكيف تدعوه بلفظ الاستصراخ ولا يذهب ~~إليها؟ # وكان الغلام في أثناء ذلك واقفا ينتظر الجواب، فلما استبطأه خطا خطوة نحو عماد الدين ~~فانتبه هذا لنفسه فالتفت إلى الغلام وقال: «ما وراءك غير هذا الكتاب؟» # قال: «هذا كل ما لدي، ولكنني أمرت إذا استفهمتني عن الطريق أن أرشدك إليه.» # قال: «وكيف ذلك؟ هل يجهل أحد الطريق إلى قصر الخليفة؟!» # فابتسم الغلام وخفض صوته وقال: «ليس القصر مجهولا، ولكن صاحب هذه الرسالة في قصر النساء، ~~ولا سبيل لرجل إلى هناك ولا سيما بعد أن جعلتم الأستاذ بهاء الدين قراقوش قيما عليه فأصبح ~~أمنع من عقاب الجو.» # قال: «إذن كيف الوصول إلى المكان المقصود؟» # قال: «إذا كنت قد صممت على الذهاب فإني أدلك على طريق توصلك إلى داخل ms070 قصر النساء ولا يشعر ~~بك أحد.» # فاستغرب قوله وقال: «أظنك تعني أن أتنكر بثوب جارية.» قال: «كلا. فإن هذا لا يغني شيئا؛ ~~إذ لا يستطيع أحد المرور من الباب إن لم يعرفه الحاجب باسمه ولقبه.» # قال: «كيف إذن؟» # قال: «أعرف طريقا سريا في سراديب تحت الأرض بين هذه المنظرة وقصر الخليفة لا يعرفها ~~إلا القليلون.» قال: «سراديب تحت الأرض؟» قال: «نعم يا مولاي. لما بنى الخلفاء الفاطميون ~~قصورهم أرادوا أن يكون لنسائهم طريق يخرجن منه إلى الحدائق والبساتين أو إلى المناظر ~~القائمة على ضفاف هذا الخليج. فاصطنعوا لهن سراديب تحت الأرض ينزلن إليها من وسط القصر ~~ويمشين فيها بلا حجاب حتى يخرجن إلى البساتين. وفي جملتها السراديب المؤدية إلى هذه المنظرة ~~فإنها كانت مطروقة أكثر من سواها لكثرة تردد الخلفاء وإقامتهم هنا. حتى إن ثلاثة منهم ماتوا ~~في هذه المنظرة وحملوا في هذه السراديب إلى القصر، وهم الآمر بأحكام الله، والحافظ لدين ~~الله، والفائز. ثم أهمل أمرها بعد نزول غير الخلفاء المنظرة. وتنوسيت منذ عدة سنوات ~~ولكنني أعرفها فإذا أحببت أن أسير في خدمتك فعلت.» ~~••• # تحير عماد الدين في أمره واستغرب وجود هذه السراديب وفكر هل يجيب الدعوة أم يعتذر ~~لأنه على وشك السفر. والتفت إلى نافذة الغرفة فرأى الشمس دنت من المغيب وهو لا بد له من ~~مغادرة القاهرة في تلك الليلة كما أقسم ووعد، فنادى الغلام إليه وقال: «كم يقتضي لنا من ~~الوقت لنصل إلى القصر؟» # قال: «لا يستغرق سيرنا إلا دقائق معدودة.» فقال في نفسه: «أجيب الدعوة وأعود سريعا ~~فأسافر.» والتفت إلى الغلام وقال: «هلم بنا.» قال: «تمهل ريثما تغيب الشمس فنذهب في ~~الظلام لئلا يشعر بنا أحد من أهل هذا القصر.» فتصور عماد الدين الخطر المحدق به في هذه ~~المهمة، لكنه أكبر أن يتخوف أو يحسب للمخاطر حسابا وهو الذاهب لقتل زعيم الإسماعيليين. ~~فقال: «انتظرني إذن خارج هذه المنظرة فألاقيك هناك بعد الغروب.» قال: «حسنا، سأمكث في ~~انتظارك تحت هذه الجميزة بجانب الخليج، فإذا رأيتك قادما ms071 تقدمت نحوك ومعي الرداء الذي ~~ينبغي أن تلتف به في أثناء الطريق، وعند الوصول إلى القصر، لئلا ينكرك أحد من أهله.» قال ~~ذلك وخرج وخلف عماد الدين على مثل الجمر من القلق. فلما خلا بنفسه استأنف النظر إلى ذلك ~~الكتاب وأعاد قراءته، وتذكر المرة الأولى التي شاهد فيها صاحبة ذلك الشعر وما سمعه عنها أمس ~~من أمر صلاح الدين، فرأى أنه قد يستطيع خدمة مولاه بإجابة سؤالها فيحرضها على قبوله. ولما ~~تصور ذلك هبت الغيرة في قلبه. ولكنه تعمد الإغضاء عن هذا الشعور حبا في مصلحة ~~مولاه. # ولما أسدل الليل نقابه خرج بأخف ملابسه وسلاحه حتى دنا من الجميزة، فرأى شبحا كأنه امرأة ~~قادما نحوه فتقدم إليه وتفرس فيه فإذا هو الغلام قد التف بملاءة كالإزار أو المطرف ~~ودفع إليه ملاءة ليلتف بها أيضا، ثم مشى الغلام بين يديه في البستان وهما لا يريان شيئا ~~غير أشباح الأشجار تتراءى بينهما وبين الأفق. مشيا مدة لا يتكلمان، ثم التف الغلام إلى عماد ~~الدين وأمسك بيده كأنه يقوده فهبط معه إلى حفرة. ومد الغلام يده إلى أعشاب يابسة أزاحها ~~فوصل إلى باب من حديد فيه حلقة قبض عليها وأعانه عماد الدين ففتحا الباب فشعر عماد الدين ~~بريح فيها رطوبة وعفونة، فعلم أنها أتت من ذلك السرداب. فقال له الغلام: «اتبعني يا سيدي. ~~اقتص خطواتي.» # فشعر وشعر بأنه يمشي على أرض مرصفة بالحجارة. ولكن الظلام كان شديدا جدا وأخذت، رائحة ~~العفونة تشتد كلما أمعنا في السرداب. فخاف عماد الدين أن يكون قد ورط نفسه فقال: «هل أنت ~~على ثقة من أمر هذا الطريق؟» قال: «نعم وقد جئت فيه إليك اليوم.» فاطمأن خاطره وسكت وهو ~~يخطو ويتلمس الجدران. ثم سمع وقع أقدام فوق السرداب فقال له الغلام: «نحن الآن تحت القصر ~~الصغير، وبعد قليل نمر تحت الميدان وليس بعده إلا قصر الخليفة فقصر النساء.» # ولما أحس الغلام أنهما تحت قصر النساء أشار إلى عماد الدين أن يقف فوقف. فتقدم هو الهوينى ~~حتى رفع باب ms072 السرداب، فبصر عماد الدين بالنور وبعد قليل أتاه الغلام وأمسك بيده وأشار إليه ~~أن يخرج. فصعد بضع درجات فإذا هو في غرفة فيها مصباح فنظر إلى نفسه وإلى رفيقه على النور ~~بعد هذه السفرة في الظلام فرأى عليهما التراب ونسيج العناكب، فنفض الرداء ونظر إلى الغلام ~~وأشار بيده يستفهم عما يعمله، فأومأ إليه أن ينزع الملاءة ففعل ودخلا حجرة مفروشة بأحسن ~~الرياش فتحقق أنه في قصر النساء. ثم أشار إليه الغلام أن يقعد وينتظر وخرج هو، فقعد وقلبه ~~يخفق تطلعا لما سيراه في تلك الليلة، وتذكر مجيئه إلى هذا القصر من عهد غير بعيد، وكيف رأى ~~سيدة الملك. وطال انتظاره حتى تولاه القلق. وإذا بالغلام قد عاد ومعه ياقوتة الحاضنة فحالما ~~وقع نظره عليها تذكر أنه رآها قبل ذلك الوقت. # أما هي فأسرعت إليه وحيته وأشارت إلى الغلام أن ينصرف فانصرف، وظلت ياقوتة وحدها مع ~~عماد الدين فقالت: «لقد أتعبناك يا سيدي وأتينا بك في هذا الليل.» فقال: «لا بأس يا سيدتي ~~وإنما أرجو ألا يكون لاستقدامي سبب يوجب القلق.» فتنحنحت وقالت: «لا والحمد لله. ألا تذكر ~~أنك رأيتني يا عماد الدين؟» قال: «بلى أذكر ذلك جيدا.» قالت: «أما أنا فلا أنسى قدومك في ~~ذلك اليوم العصيب، وما أتيته من الأريحية والنخوة في إنقاذ مولاتي سيدة الملك من خطر الموت. ~~إنها لا تنفك تذكر ذلك الفضل لك. وكثيرا ما تمنت أن تراك لتكافئك على صنيعك ولكنك لم تعد.» ~~فقال مسرعا: «لأني لم أفعل ما فعلت لأجل المكافأة، وأنا غني عن ذلك بفضل مولاي صلاح ~~الدين.» قالت: «طبعا، ولكن المكافأة لا تعطى دائما للحاجة إليها، بل هي تدل على امتنان ~~المعطي للمعطى له. وعلى كل حال فليس ذلك من شأني بل هو يرجع إليك وإليها فإذا التقيتما صرت ~~أنا غريبة. أليس كذلك؟» قالت ذلك وضحكت وفي عينيها وغنة صوتها معنى لا يعبر عنه ~~بالكلام، فتوسم عماد الدين في كلامها معنى اختلج له قلبه. ولم يصدق نفسه لما يعلمه من ~~البون البعيد ms073 بينه وبين سيدة الملك، وهي أخت الخليفة أعظم نساء المسلمين بمصر. فقال وهو ~~يتجاهل مرادها: «كيف مولاتنا سيدة الملك؟ أرجو أن تكون في خير وعافية.» # قالت: «ألم تصل إليك رسالتها؟» قال: «كيف لا؟ ما الذي أتى بي في هذا الوقت؟» قالت: «وخصلة ~~الشعر؟» فمد يده واستخرجها من جيبه وقال: «هذه هي.» # قالت: «ألا تريد أن تردها إليها كما رددتها في المرة الماضية؟» # قال: «بلى. وأنا جئت إجابة لدعوتك؛ لأنك قلت إن سيدة الملك تستصرخني، فهل هناك باعث ~~مهم؟» # قالت: «إنما بعثها على ذلك رغبتها في مكافأتك. وقد كلفتني أن أدفع إليك هذا العقد.» ~~واستخرجت عقدا من اللؤلؤ لم يقع بصر عماد الدين عليه حتى دهش. وقدمت العقد إليه فتناوله ~~ولم ينظر إليه بل أعاده إليها وهو يقول: «شكرا لمولاتي. إنني في غنى عن تحميلها هذه الثقلة ~~لأني لم أفعل ما فعلته طمعا في المكافأة.» # فاستعظمت هذه الأنفة منه وقالت: «إني مأمورة بإيصال هذه الهدية إليك، فإذا كنت لم تقبلها ~~فإني أدعو صاحبتها لتقدمها بنفسها، ولكن احذر أن تكون قاسيا يا عماد الدين.» # فزاده هذا التعبير بيانا لما توسمه في عبارتها الأولى، فسكت وقد ارتبك في أمره. ~~••• # أما هي فنهضت وخرجت وتركت العقد في مكانها على البساط، وظل عماد الدين وحده وهو مرتبك لا ~~يدري ما يقول أو يعمل. ثم عادت ياقوتة وسيدة الملك وراءها وقد التفت بالنقاب حتى لا يظهر ~~إلا عيناها وبعض جبينها فلاحظ في عينيها ذبولا وقد تغيرت عن ذي قبل. فلما رآها دخلت وقف ~~لها وتأدب وأطرق فتقدمت إليه وهي تتماسك وقالت: «اجلس يا عماد الدين. إنك ذو فضل على حياتي ~~وشرفي ولا حاجة إلى الوقوف لي. اجلس. قد أتعبناك بهذه الدعوة الليلة وأزعجناك فضاعفت فضلك ~~علينا.» قالت ذلك وهي تقعد وتشير إليه أن يقعد فقعد، وظلت ياقوتة واقفة وهي تتناول العقد عن ~~البساط ثم دفعته إلى سيدة الملك وقالت: «هذا العقد دفعته إليه حسب أمرك فلم يقبله.» ~~فتناولته واتجهت نحو عماد الدين وقالت: «أترفض هدية صغيرة ms074 قدمتها إليك وأنت قد أهديتني ~~حياتي؟» ومدت يدها نحوه والعقد في كفها وهي تتوقع أن يمد يده فيتناوله منها. فلما أبطأ ~~تصدرت ياقوتة للكلام قائلة: «بماذا أوصيتك يا عماد الدين؟ ألم أقل لك لا تكن ~~قاسيا؟» # فخجل ومد يده وتناول العقد وهو يقول: «إني أقبله هدية لا مكافأة.» ولما مد يده ليتناوله ~~لمست أنامله كفها فأحس ببردها وارتعاشها، وأحست هي برعشة كهربائية سرت في عروقها. وبان ~~البشر في محياها فقعدت ياقوتة وهي تضحك وتقول: «ها إنه قبله منها ولم يقبله ~~مني.» # فقطع كلامها قائلا: «لأنك أردت أن آخذه مكافأة على خدمة فلم أقبله طبعا؛ لأني إن كنت قد ~~فعلت خيرا فلم أفعله طمعا في المال ... و...» # فقطعت ياقوتة كلامه قائلة: «طمعا في أي شيء إذن؟ يظهر أنكما تعارفتما قبل ذلك اليوم ... ~~و...» وضحكت فاستغرب تعريض هذه الحاضنة بحب متبادل بينهما وهو لا يعلم بشيء من ذلك، وإنما ~~يعلم أنه استلطفها ومال إليها ولم يحلم أنها استلطفته أو مالت إليه. ولذلك لم يفكر فيها ~~لاعتقاده استحالة حصوله عليها. فلما سمع ذلك التعريض تحرك قلبه وأوشك أن يشعر بالأمل ~~فاعترض أفكاره صلاح الدين وما سمعه في ذلك اليوم من خطبته إياها، فأنكر على نفسه أن يتصدى ~~لأمر يخص مولاه وهو يفديه بروحه. وأصبح يعد حديثه معها خيانة، لكنه لم يجسر على التصريح ~~بذلك فتجاهل وقال: «إنما فعلت ما فعلته يومئذ مدفوعا بما تفرضه علي المروءة، من يستطيع ~~أن يرى سيدة الملك بين يدي الأشرار يريدون أن يلحقوا بها الأذى ولا يفديها بروحه؟» # فالتفتت سيدة الملك نحوه وقد ضايقها النقاب وخافت أن يمنعها عن الكلام فأزاحته عن فيها ~~وقالت: «لا بأس عليك من كشف هذا الوجه بين يديك، فإنك صاحب الفضل في بقائه، إنك تستغرب وجود ~~رجل يستطيع أن يراني في ذلك الخطر ولا يفديني بروحه. لا تستغرب ذلك يا عماد الدين فقد كان ~~في قصري عشرات من أهلي وعشيرتي لم يقدم أحد منهم على ما أقدمت عليه. وكأنك كنت على موعد ~~من ms075 تلك الساعة. فدفعت إلي بخصلة الشعر صيانة لها ولي. فهل ألام إذا نظرت إليك نظري إلى ~~ملاك هبط من السماء لإنقاذي؟ ولكني لا أعلم كيف كان شعورك في تلك الساعة.» # فرأى في إطرائها إشارة إلى حبها، لكنه كذب نفسه وعاد إلى الإنكار فقال: «أما شعوري فهو ~~أني وأنا في خدمة مولاي السلطان صلاح الدين، وقد أمرنا أن نكف عن رمي النفط، وقع بصري على ~~زجاجة نفط سقطت في هذه الدار وأنا على يقين أنها ليست من عندنا فاستغربت وقوعها. ثم رأيت ~~نذلا ملثما اغتنم اشتغال أهل القصر بأنفسهم ودخل كالذئب الكاسر ومعه أناس أرادوا القبض ~~عليك، فلم أتمالك عن الوثوب عليهم، ولم أكن أعلم أنهم يريدونك ولا أنك سيدة الملك أخت ~~الخليفة. فلما اتجه نظري إليك ورأيت هذا الشعر الذهبي علمت أنك هي. وكانت تلك الخصلة في ~~جيبي فدفعتها إليك.» # فلما سمعت اسم صلاح الدين أجفلت، لكنها مالت إلى معرفة قصة خصلة الشعر فقالت: «من أين ~~وصلت هذه الخصلة إليك؟» # فتوقف عن الجواب حتى خاف أن ترتاب فيه ثم قال: «أتيت بها من دار السلطان نور الدين صاحب ~~دمشق. ما لنا ولهذا؟ وقد سألتني عن شعوري في تلك الساعة فهو أني شعرت بحمية لم أستطع دفعها ~~ووثبت لمقاومة أولئك الأشرار وأنا لا أعرفهم ولا أعرف على من هم واثبون. فلا فضل لي على ~~سيدة الملك؛ لأني لم أكن أعرف أنها هي المقصودة بالأذى وإنما فعلت ما فعلته مدفوعا ~~بالمروءة.» # وكان يتكلم وهي تنظر إليه وتكاد تتلقفه بعينيها، فلما وصل إلى ذكر المروءة صاحت فيه: «من ~~أجل هذه المروءة شعرت بهذا الشعور ورغبت في استقدامك لأعترف بجميلك.» # فخجل من هذا الإطراء وقال: «العفو يا سيدتي، إن مثلي لا يستحق هذا الإطراء من أخت أمير ~~المؤمنين؛ لأننا عبيد ويجب علينا التفاني في الدفاع عن صاحب هذا المقام السامي.» # قالت: «اسمع يا عماد الدين، لست عبدا، ولو أنك اندفعت إلى هذه المنقبة لأجل أخت الخليفة ~~لقلنا إنك فعلت ذلك تقربا من أمير المؤمنين. ms076 ولكنك إنما دفعك إليها نفس أبية وهمة عالية ~~وأريحية ومروءة لا نعهد مثلها فيمن نعرفهم بين أظهرنا من الأمراء وأبناء الخلفاء. فهذه ~~الخصال رفعت قدرك وجعلتك في مصاف الملوك ... لا تقل إنك عبد، معاذ الله! بل أنت أمير من أعظم ~~الأمراء، وستكون كذلك قريبا إذا شئت.» وظهر في عينيها معنى لم يترك لعماد الدين سبيلا ~~للتجاهل، وأعجبه قولها إنه سيكون أميرا وهو في ذلك اليوم أوشك أن يصير من الأمراء بما آنسه ~~من إعجاب نجم الدين وتقديمه. وتذكر المهمة التي هو ذاهب فيها وما وعده به نجم الدين إذا ~~فاز بها. فتفاءل من مطابقة قولها قول نجم الدين إنه أمير وسيصير أميرا عن قريب. ثم انتبه ~~فجأة إلى أنه قد مضى هزيع من الليل فخاف أن يطول الكلام في تلك الجلسة، ولم تعجبه مقدمات ~~الحديث؛ لعلمه بما طلبه صلاح الدين من أخيها. وخيل له أنها استقدمته لأمر يتعلق بذلك ~~الطلب؛ إذ لا يزال يستبعد أن يكون هو المقصود به، فأراد أن يتحقق ظنه فقال: «إذا صرت شيئا ~~مذكورا فإنما يكون الفضل فيه لمولاتي سيدة الملك؛ لأنها أحسنت الظن بعبدها فقدمه مولاه ~~السلطان صلاح الدين في مساء أمس حتى جعله أقرب أعوانه إليه.» # فلما سمعت ذكر صلاح الدين للمرة الثانية أجفلت وانقبضت نفسها وتذكرت ما جرى لها بسببه ولم ~~يعجبها اقتران اسمها باسمه في هذا الموضوع، لكنها سرت لقوله إن صلاح الدين قدمه فقالت: ~~«لا غرابة في تقديمك، فأنت أهل لأكثر من ذلك. إنك أمير وسيد وستنال مقاما لم ينله صلاح ~~الدين ولن يناله هو ولا غيره من السلاطين أو الأمراء. هذا إذا شئت.» وتلعثم لسانها وغلبت ~~على أمرها وأبرقت عيناها وبان الحياء في محياها، فأطرقت وكأنها ندمت على ما فرط منها، فجعلت ~~تتشاغل بتثنية طرف جديلتها المرسلة على صدرها من تحت النقاب. # أما هو فلم يبق عنده شك فيما تعنيه، واستعظمه منها وهاجت عواطفه وأحس بانعطاف جديد نحوها ~~بعد أن سمع تصريحها أنها تحبه وأنها تفضله على صلاح الدين. لكنه ms077 تذكر أن مولاه صلاح الدين ~~يريدها مع أنه لا يرجو أن ترضى به فاستنكف أن يقوم مقامه أو يقف في سبيله أو يعتدي عليه وهو ~~صنيعته وقد صمم أن يفتديه بروحه. فلم يتمالك عن النهوض وقال: «إن سيدتي بالغت في إطراء ~~عبدها كثيرا، فأنا صنيعة مولاي السلطان، ولا أخفي أني ذاهب الليلة في مهمة تخصه وأخاف أن ~~أتأخر عنها إذا أطلت المقام هنا.» # فأمسكت بيده وأقعدته وقد بانت أنفة الملوك في وجهها وقالت بصيغة الأمر: «لا. لست عبدا ~~لأحد ولا صنيعة أحد، وقد قلت لك إنك أمير وسيد. لا، لا ينبغي أن تذهب في خدمة أحد إني في ~~حاجة إليك وقد استصرختك. أين حميتك ومروءتك؟» # فلما قبضت على يده سرت الرعشة في أعضائه وقعد بالرغم منه. لكنه لما سمع كلامها خاف أن ~~يغلب على أمره فقال وهو يتحفز للنهوض: «إن هذه المروءة نفسها تحملني على الذهاب الآن؛ لأني ~~تعهدت بأمر لا بد من الذهاب فيه وهو يخص مولاي صلاح الدين. وإذا كانت مولاتي ترى في هذه ~~المناقب وأنا صنيعة صلاح الدين وخادمه، فكيف لو عرفته هو؟» # فنفرت من هذا الجواب، وكانت لا تزال قابضة على يده فتركتها وأعرضت بوجهها وهي تظهر الغضب، ~~فتصدت الحاضنة ياقوتة وقالت: «ما هذا يا عماد الدين؟ تخاطبك مولاتي من الشرق فتجيبها من ~~الغرب؟ ألم تفهم مرادها؟» # قال: «نعم فهمت، ويسرني رضاها عني وقد غمرتني بفضلها وإنعامها. ولكنني صنيعة السلطان صلاح ~~الدين وأنا ذاهب في خدمته.» وتحول نحو سيدة الملك وقال: «لماذا غضبت مني يا سيدتي؟ إنما ~~ألتمس رضاك؟» # فسرها عتابه، فالتفتت نحوه وعيناها تعاتبه وقالت: «لأني أخاطبك وأطلب الجواب عن نفسك ~~فتجيبني عن صلاح الدين. ما لنا وله؟ دعه في سلطانه إنه لا دخل له في هذا الحديث. ألم ~~تفهم؟» # فتحير عماد الدين في أمره وارتج عليه وعلم أنها لا تريد صلاح الدين، وأوشك أن يغلب على ~~عقله. ومن الذي يقف هذا الموقف ولا يغلبه الهيام ويتسلط على قلبه؟ لكن عماد الدين كان قوي ~~الإرادة ms078 شديد الاحترام لصلاح الدين، وكان تلك الليلة في شاغل عن كل شيء بأمر زعيم ~~الإسماعيلية وسفره فتجلد ونهض بلطف وهو يقول: «قد فهمت يا سيدتي على قدر إمكاني، وإذا لم ~~أفهم فلأني أرى نفسي لا أستحق هذه النعمة. وما زلت أرى مولاي صلاح الدين أحق بها. ولا تغضبي ~~يا سيدتي، إن صلاح الدين لم تعرفيه، ولو عرفته لضربت بعماد الدين عرض الحائط. ومع ذلك فإني ~~طوع أمرك ولكن ...» # فقطعت كلامه وتوجهت نحوه وهي تبتسم والدمع يتلألأ في عينيها وقالت: «لا تقل ولكن. بل قل ~~إنك تطيعني فيما أطلبه.» # قال: «أطيعك في كل شيء، ولكن بعد رجوعي من هذا السفر. إن سفري لا بد منه وقد أقسمت أن ~~أكون في صباح الغد خارج هذا البلد. ومضى بعض الليل وأنا لم أتحرك من مكاني. فبالله اسمحي لي ~~بالانصراف الآن.» # فقالت والدهشة ظاهرة في وجهها: «تنصرف الآن، إلى أين؟» # قال: «إلى منظرة اللؤلؤة، ومن هناك أركب حالا وأسافر.» # قالت: «تسافر؟ ويلاه إلى أين؟» # قال: «في غرض يختص بمولاي السلطان.» # فأطرقت وهي لا تدري ما تقول، فخاف أن يجر الحديث إلى ما لا يقوى على دفعه، وقد أحس أن ~~الحب كاد يستولي على إرادته وهو حريص على القيام بوعده ولا سيما بعد أن أقسم وصمم فقال: ~~«اسمحي لي يا سيدتي بالانصراف. واعلمي أني رهين أمرك، ولولا ما سبق من تعهدي بأمر السفر لما ~~خالفتك في شيء. ولكنني سأعود سالما إن شاء الله، وعند ذلك لا ترين مني إلا ما يرضيك. ~~أستودعك الله الآن.» ~~••• # قال ذلك ومد يده لمصافحتها فلم تمد له يدها رغبة في استبقائه لتتم حديثها أو لعلها ~~تثنيه عن السفر. وإذا هي تسمع وقع أقدام مسرعة خارج باب الغرفة فنظرت إلى ياقوتة فرأتها قد ~~امتقع لونها وتحفزت للنهوض. ولم تكد تقف حتى رأت غلامها الذي جاء بعماد الدين داخلا ~~والبغتة على وجهه من الخوف فصاحت فيه: «ما وراءك؟» فقال وصوته يرتجف: «إن الأستاذ بهاء ~~الدين قراقوش يطلب أن يراك.» فأجفلت عند ذكر ms079 اسمه وقالت: «ولماذا؟ ما له ولنا؟» # قال: «كنت ساهرا لمراقبة كل حركة كما أمرتني الخالة أطل على القصر من شرفة الإيوان فرأيت ~~شبحا قادما من الخارج نحو باب هذا القصر لم أعرفه؛ لأنه ملتف بعباءة كبيرة كأنه جاء ~~متنكرا، فجعلت أراقبه حتى وصل إلى باب القصر وطلب مقابلة الأستاذ بهاء الدين. فجاء ~~لمقابلته ودار بينهما حديث لم أفهمه، ولكنني لحظت أن القادم ألح عليه أن يفتش داخل القصر ~~وتأكد لي ذلك لما رأيت الأستاذ بهاء الدين دخل القصر بسرعة ورجع ذلك الرجل كما جاء. وسمعت ~~بهاء الدين يأمر أحد الخصيان بالذهاب إلى سيدتي فأسرعت لأخبرك بذلك.» # فاستولت الدهشة على الجميع وظلوا سكوتا إلا سيدة الملك فقالت: «تبا لذلك الخائن. لا ~~أعلم كيف اطلع على مجيء عماد الدين إلى هنا حتى وشى بنا إلى الأستاذ.» # فقالت ياقوتة: «أتظنين مجيء بهاء الدين يتعلق بعماد الدين؟» # قالت: «لا بد من ذلك، ولكنه سيعود خائبا.» # فقال عماد الدين: «لا تخافي يا سيدتي إن روحي فداك ماذا جرى؟» # قالت: «لم يجر شيء، ولكنني سآذن في ذهابك برغم إرادتي. وهذا يسرك ولكنه يسوءني.» والتفتت ~~إلى الغلام وقالت: «يا غلام، عد بعماد الدين من هذا السرداب كما جئت به منه.» والتفتت إلى ~~عماد الدين وقالت: «أرجو أن تبقى على وعدك وأن تذكرني في أثناء سفرك. واعلم أن صاحبكم بهاء ~~الدين هذا قد قطع كلامي وحال دون إتمامه وأنا ما زلت في أوله، لكنني أترك فهم الباقي إلى ~~فطنتك وما يدلك عليه قلبك. وأحسبني عبرت عن مرادي بملامحي أكثر من نطقي! كنت قبل استقدامك ~~في يأس شديد، وكنت أرجو أن يزول كل يأس بحضورك. فإذا أنت على سفر، ثم جاء هذا الأستاذ فلم ~~أتمكن من إتمام شكواي، فأقول لك بالاختصار إني أفكر فيك دائما وأنا سجينة في هذا القصر. ~~ويا حبذا لو أني أخرج منه معك الساعة.» قالت ذلك وشرقت بدموعها. # فكان لذلك وقع شديد على قلب عماد الدين وهو شاب في مقتبل العمر وبين يديه أشرف نساء ms080 مصر ~~وأجملهن تشكو له حبها وتدعوه إلى قربها، فهاجت عواطفه وكاد يغلب على أمره وينسى مهمته، ~~وإنما عصمه أدب نفسه وعلو همته واحترامه لمولاه فتجلد وسكت، لكنه أشار برأسه وعينيه أنه ~~رهين أمرها بعد عودته، وأرادت أن تستزيده إيضاحا فتصدت الحاضنة بلهفة قائلة: «يكفي يا ~~سيدتي. يكفي. إن بهاء الدين يطلب مقابلتك بإلحاح ولا أستطيع استمهاله.» وتقدمت إلى عماد ~~الدين فأمسكت بيده وجرته حتى خرج من تلك الغرفة إلى باب السرداب. وكان الغلام في انتظاره ~~هناك وقد فتح الباب، فالتف كل منهما بردائه وذهبا، وأغلق الباب وعاد كل شيء إلى أصله. ~~وتمشت سيدة الملك إلى غرفة الاستقبال فرأت قراقوش في انتظارها هناك. فأظهرت الاستغراب من ~~طلبه مقابلتها في تلك الساعة. # فقال: «بلغني أن رجلا غريبا دخل هذا القصر الليلة أين هو؟» # فقالت: «تسألني سؤالا أنت أولى بالجواب عليه؛ لأن مفاتيح القصر بيدك وقد سددت علينا ~~الطرق والنوافذ، فإذا دخل غريب علينا فأنت المسئول.» قال: «لم يدخل أحد من باب القصر.» ~~قالت: «هل هبط من السماء؟» قالت ذلك بغضب. فقال: «لا تغضبي يا سيدتي، إنما أتصدى للسؤال ~~حرصا على كرامة سيدة الملك وعملا بأمر أمير المؤمنين.» فضحكت ضحكة استهزاء وغضب وقالت: ~~«ما أحرصكم على أوامر أمير المؤمنين وكرامة أخته! من أنبأك بدخول الرجال إلينا خلسة؟» فخجل ~~بهاء الدين من هذا التوبيخ وندم على تسرعه وقال: «لم أقل شيئا من ذلك يا سيدتي، ولكنني ~~أقول ما بلغني ولم أسمع من رجل حقير أو جاهل.» # فقطعت كلامه وقالت: «مهما يكن من أمر الذي بلغك فإنه نذل كاذب، هذا هو قصري ابحث فيه عمن ~~شئت.» قالت ذلك وتحولت من القاعة نحو غرفتها والحاضنة تهرع في أثرها وقلبها يرقص فرحا ~~للنجاة من تلك التهمة الشنيعة. ~~••• # فلما خلت ياقوتة بسيدة الملك في غرفتها أكبت عليها وجعلت تقبلها وتداعبها وهي ساكتة وقد ~~عادت إليها هواجسها ثم نهضت وقالت: «دعيني يا ياقوتة، دعيني وشأني، إني تعيسة شقية، ويلاه ~~ما هذا البلاء! لم أكد أتوسم بابا للفرج حتى أقفلت ms081 علي الأبواب وسدت دوني السبل.» ~~وأخذت في البكاء. # فعملت ياقوتة على التخفيف عنها وقالت: «لا تنكري نعمة الله، ألم تطمئني إلى أنه يحبك؟ ~~وهذا ما كنت تطلبين معرفته و...» # فقطعت كلامها بغضب وقالت: «يحبني؟ هل فهمت من قوله أنه يحبني. ألم تريه كيف كان مرتبكا ~~في أمره وكلما ذكرت له ما في نفسي حول الموضوع إلى مولاه صلاح الدين. إنه يحب مولاه فقط.» ~~قالت ذلك ومسحت عينيها بمنديلها وهمت أن تعود إلى الكلام. # فسبقتها ياقوتة قائلة: «ولكن حبه هذا مبني على همة عالية وأريحية و...» # قالت: «وما يفيدني إذا كانت هذه المناقب فيه ولا يحبني. ثم هو مسافر في مهمة لخدمة مولاه، ~~ولم يشأ أن يتأخر ساعة لأجلي، وأنا تركت حسبي ونسبي وعرضت نفسي لغضب أخي وسائر أهلي من ~~أجله، فهل يدل هذا على حبه؟» # قالت: «لا شك في أنه يحبك، وقد توسمت ذلك في عينيه، لكنه شهم إذا وعد وفى. وقد أقسم أن ~~يسافر الليلة فلا يريد أن يحنث في يمينه. وأؤكد لك أنه لو طال جلوسنا برهة لرأيت منه كل ما ~~يسرك؛ لأنه لم يكن في أول الحديث يصدق أنك تحبينه ولم يكن يحلم بهذه النعمة. فلما دنا من ~~الموضوع جاء الطواشي وكدر علينا أمرنا. ولكن كوني مطمئنة أنه سيعود إليك.» # فغلب عليها الأمل - والمحب كثير الريب لكنه سريع التصديق قريب الأمل - فلما سمعت قولها ~~إنه يحبها وإنه سيعود إليها أشرق وجهها وبان الابتسام حول شفتيها، وأقبلت بوجهها نحوها ~~وقالت: «صحيح؟ هل أنت على ثقة مما تقولين؟ هل هو يحبني؟» ثم أطرقت كأنها ثابت إلى رشدها ~~وضمت خديها بين كفيها وقالت: «ويلاه! ماذا جرى لي؟ من أنا؟ ألست سيدة الملك العاقلة ~~الحازمة ابنة أمير المؤمنين وأخت أمير المؤمنين من سلالة فاطمة الزهراء بنت الرسول؟ ما الذي ~~أصابني حتى صرت كالمجنونة وأصبح قلبي أسيرا بين يدي شاب غريب لا حسب له ولا نسب، أتسقط ~~ما يجود به علي من كلمة عطف أو تودد؟ وهؤلاء أبناء عمي الشرفاء يتمنون رضاي! ms082 لله ما أشد ~~وطأة الحب وما أقوى سلطانه!» # فلما سمعتها ياقوتة تقول ذلك توسمت منها الرجوع إلى الصواب لعلها تنجو من لواعج الحب ~~فبادرتها قائلة: «ألم أقل لك يا سيدتي؟ قد كنت في نعيم وراحة قبل أن ...» # فأسرعت سيدة الملك فوضعت كفها على فم ياقوتة تعجيلا في إسكاتها وقالت: «ومع ذلك فإن ~~الحب يعزيني عن كل شيء. يكفي ما رأيته من اقتناعي بكلمة من عماد الدين لو قالها لنسيت كل ~~شيء. ومع ذلك فإن أملي بأن أسمعها منه أنساني القصور والخلافة والنسب الشريف. أنساني كل ~~شيء. ذلك هو الحب يا ياقوتة. ليس في الدنيا ألذ منه إذا كان متبادلا.» # فعادت ياقوتة إلى مسايرتها وقالت: «هذا ما قلته لك يا سيدتي، فاتكلي على الله واصبري فإن ~~الفرج قريب.» # فأحبت سيدة الملك أن تختم الحديث بهذا الوعد، فهمت بالذهاب إلى الفراش وياقوتة ~~تساعدها. # أما عماد الدين فإنه دخل السرداب مرغما ولم يكن يريد الرجوع هاربا من وجه قراقوش أو ~~غيره. ولكنه فعل ذلك صيانة لكرامة سيدة الملك وفرارا من التأخير عن المهمة التي هو سائر ~~فيها. مر في السرداب متحمسا والغلام يسير بين يديه حتى وصل إلى الطرف الآخر عند منظرة ~~اللؤلؤة. فخرج وعاد الغلام إلى القصر. مشى عماد الدين بين الأشجار يطلب غرفته وإذا هو يسمع ~~المؤذن يدعو الناس لصلاة الفجر فأجفل. ولم يكن يظن نفسه تأخر بهذا المقدار فأسرع إلى ~~غرفته وأمر بإعداد جواده واستعد للسفر وهم بالخروج قبل طلوع النهار حسب وعده. وإذا بصلاح ~~الدين يناديه من غرفته فأسرع ملبيا فرآه قاعدا في فراشه فأكب على يده يقبلها فقال له: ~~«أنت مسافر يا عماد الدين؟» قال: «نعم يا سيدي، وقد أبطأت قليلا ولكن لا تطلع علي الشمس ~~إلا خارج القاهرة كما قلت.» قال: «كنت أحب أن أراك قبل الآن وقد سألت عنك مرارا فلم يجدوك ~~في حجرتك. أحببت أن أراك لعلي أثنيك عن عزمك وأنت سائر في مهمة يمكن الاستغناء عنها، وربما ~~كنت أحوج إليك هنا مما في الخارج.» ms083 # قال: «إني طوع أمر مولاي، لكنني قد تأهبت للذهاب، فادع لي بالنجاح وإذا فزت فببركة ~~سلطاني ومولاي. وإذا مت فإن روحي فداه.» قال ذلك ووقف ينتظر الأمر، فأجابه صلاح الدين: ~~«سر يحرسك المولى، ولا أوصيك بالشجاعة فإنك شجاع، ولكنني لا أحب أن تلقي بنفسك إلى التهلكة ~~فإنك عزيز علينا.» # فعاد وقبل يد صلاح الدين، وخرج فركب جواده وسار، ولم تمض دقائق حتى صار خارج القاهرة ~~وهو عليم بالطرق ومسالكها. وحالما خلا بنفسه عادت إليه هواجسه بما لاقاه من الغرائب المدهشة ~~في الليل الماضي. ولما أشرقت الشمس توهم أن ما مر به من ذلك حلم رآه في منامه؛ إذ استبعد ~~وقوع ما لقيه من الحفاوة والتقرب من سيدة نساء مصر. لكنه ما لبث أن حبس جيبه فوجد العقد ~~فيه، فتحقق أن ذلك حدث في اليقظة. # الفصل السادس # | الهكاري وقراقوش # تركنا قراقوش بعد مفارقة سيدة الملك وقد استغرب ما سمعه. لكنه ما زال يتوقع أن يجد أحدا ~~في القصر؛ لأن أبا الحسن أكد له وجود رجل غريب. فعاد إلى التفتيش في كل مكان فلم ير ~~أحدا. فعاد إلى غرفته قرب باب القصر فرأى أبا الحسن في انتظاره على مثل الجمر. وكان ينتظر ~~أن يراه قادما إليه ومعه عماد الدين يرسف في القيود، فلما رآه وحده صاح به: «أين الرجل؟» ~~وكان قراقوش يحترم أبا الحسن؛ لما يعلم من نفوذه عند الخليفة، فأجابه بلطف قائلا: «لم أجد ~~أحدا يا سيدي.» # قال: «يا للعجب! كيف لم تجده؟ أنا على يقين من دخوله هذا القصر، وأنت تعرفه.» # قال: «من هو؟» # قال: «عماد الدين خادم سلطان صلاح الدين.» قال: «عماد الدين لا يعقل دخوله هنا. إن هذا ~~الشاب من رجالنا ولا يجسر على المجيء. وكيف يمكنه أن يدخل هذا القصر ويخرج منه ولا أراه ~~وأنا ساهر لا تفوتني حركة من حركات أهله والمفتاح بيدي، وأي غرض له من المجيء؟ لا بد من خطأ ~~في البلاغ الذي اتصل بك.» # قال: «أنا على يقين يا أستاذ، إن عماد الدين ms084 دخل هذا القصر. وأما غرضه فيه فلا أدري ما ~~هو. لكنني سمعت من بعض غلمان القصر أن لهذا الشاب معرفة بأهل هذا القصر قبل أن صار الأستاذ ~~بهاء الدين قيمه والآمر الناهي فيه. بلغني أنه دخل إليه يوم واقعة العبيد و...» # فاستغرب قراقوش هذا الحديث فقال: «قل لي من أنبأك الآن بدخوله هنا؟» # قال: «خادمي وهو من العارفين بدخائل القصر وإذا شئت دعوته إليك.» # قال: «ادعه أين هو؟» # فوقف أبو الحسن بالباب ونادى: «يا غلام.» فلما دخل الغلام تذكر قراقوش أنه من قدماء ~~الغلمان في قصور الخلفاء فقال له: «كيف تقول بدخول الرجال هذا القصر؟ ومن أنبأك بذلك؟» ~~فالتفت الغلام إلى أبي الحسن وقال: «هل أقول ما أعرفه؟» قال: «قل.» # فالتفت الغلام إلى قراقوش وقال: «علمت بدخوله لأني رأيته داخلا القاعة الكبرى.» # فصاح فيه قائلا: «رأيته بعينيك؟» قال: «نعم يا سيدي، وقد مكث هناك مع سيدة الملك ~~وحاضنتها مدة.» قال: «ولماذا لم تخبرني؟» قال: «لم أتجاسر خوفا من سيدتي، فبلغت الأمر إلى ~~مولاي أبي الحسن ليبلغك إياه وهو من أقرباء أمير المؤمنين وله دالة ونفوذ. وقد فعل.» # قال: «هذا لا يمكن. لا يمكن أن يدخل أحد هذا القصر ولا أعلم به، وليس للقصر باب آخر غير ~~هذا. إلا أن يدخل من الممر الذي يمر به الخليفة من قصر الذهب، وهذا عليه الحراس يمنعون ~~أيا كان من المرور، فكيف يتيسر لهذا الرجل الدخول؟» # قال: «إن سيدي الأستاذ قيم القصور حديث العهد في هذا القصر لا يعرف دخائله وسراديبه ~~وممراته. وفي جملتها سرداب بينه وبين منظرة اللؤلؤة، ربما جاء عماد الدين فيه.» # فلما سمع ذكر منظرة اللؤلؤة أجل البحث إلى وقت آخر وختم الحديث بقوله: «على كل حال إن ~~هذا القصر ليس فيه أحد من الرجال الغرباء الآن، وإذا كان فيه أحد فإنه لا يفلت منه، وسينال ~~جزاءه؛ لأن مولاي السلطان أوصاني خيرا بالقصر وشدد علي بالمحافظة عليه لصيانة أهله. ~~وإني شاكر للشريف أبي الحسن غيرته.» # فقطع أبو الحسن كلامه قائلا: «إني ms085 أفعل ذلك غيرة على النسب الشريف الذي يجمعني بأهل هذا ~~القصر، ولكن لا بأس سيظهر الحق.» ثم خرج وهو يقول: «لقد أزعجناك الليلة بلا طائل.» ~~وانصرف. # فلما خلا قراقوش بنفسه عاد إلى التفكير واستعاد ما سمعه من ذلك الغلام عن وجود الممرات ~~والسراديب. وبعد إعمال الفكر ترجح له صدق التهمة، فرأى أن يرفع الأمر إلى صلاح الدين. فلما ~~كان الضحى ركب إلى منظرة اللؤلؤة، ولكنه رأى أن يلقى صديقه ضياء الدين الهكاري ليستشيره في ~~الأمر قبل الدخول على صلاح الدين؛ لأنه أصبح في أثناء ذلك أكثر مخالطة له منه. فلما وصل إلى ~~المنظرة سأل عن الفقيه عيسى الهكاري، فقيل له إنه منفرد في غرفته. وهم الحراس أن يرحبوا ~~بقراقوش ويبلغوا خبره إلى صلاح الدين، فأشار إليهم ألا يفعلوا وتحول عن فرسه وطلب غرفة ~~الهكاري في بعض أطراف البستان. فلما علم الفقيه بقدومه وقف له ورحب به، وكانا صديقين ~~اصطحبا في خدمة صلاح الدين وتعبا في إسناد الوزارة إليه بعد عمه كما تقدم. وهما يتفانيان في ~~سبيل مصلحته. # رحب الهكاري ببهاء الدين قراقوش ترحيبا كثيرا وقال له: «ماذا جرى؟ إني لم أشاهدك من ~~عهد بعيد، شغلوك بحراسة النساء وما أجدرك بقيادة الرجال.» وأشار إليه أن يجلس على وسادة فوق ~~الطنفسة. # فجلس بهاء الدين وهو يقول: «إن حراسة النساء أصعب مراسا من قيادة الجند؛ لأنها تشتمل على ~~حراسة النساء من الرجال. وأنت ماذا تعمل؟ هل دبرت شيئا جديدا في خدمة هذا السلطان العظيم؟ ~~إني لا أذكر اسمه إلا ويتهلل قلبي فرحا.» # فقطع الهكاري كلامه قائلا بصوت خافت: «خصوصا لما تتذكر أننا استطعنا أن نضعه في هذا ~~المنصب كما تعلم.» # فابتدره بهاء الدين قائلا بلهفة: «احذر يا صاح أن تقول هذا ويسمعك أحد؛ إذ ليس على ~~الملوك أثقل وقعا من المن. والآن ماذا تفعل؟» # فضحك الهكاري وقال: «أنا ساع الآن في أمر لا أستغني فيه عن يدك. وإذا نجحنا فيه يحق لنا ~~أن نفاخر بما أديناه من الخدم الجليلة للسلطان صلاح الدين.» # فتطاول ms086 بهاء الدين بعنقه نحوه وقال: «وماذا عسى أن نفعل فوق ما فعلناه، إنه سلطان مطلق ~~وليس بعد هذا المنصب مطمع.» # قال: «نعم، ولكن السلطان يقدر أن يطمع في الخلافة.» # فحول وجهه عنه بازدراء وقال: «لا فائدة من مطمع لا سبيل إليه.» # فقال: «لم أعهدك متسرعا ، متى علمت الطريق الذي اخترته غيرت ظنك في الأمر.» # قال: «وماذا عسى أن يكون الطريق؟» قال: «طريق الزواج وقد خطبت له سيدة الملك أخت الخليفة ~~فإذا تزوجها فابنه منها يكتسب حقا في الخلافة إذا اتحدت معه القوة كفى لنيل هذا المنصب ~~كما أراد طغرل بك السلجوقي أن يفعل و...» # فقطع بهاء الدين كلامه قائلا: «فهمت ما تريده وهو نعم الرأي، ولكن هل رضي الخليفة أن ~~يزوج أخته لهذا المولى الكردي؟» ثم ضحك وقال: «لا أظنه يرضى.» قال: «إذا لم يرض طوعا رضي ~~كرها. وقد وعدنا بالجواب بعد قليل.» # فقال قراقوش: «لقد أذكرتني أمرا جئت من أجله وشغلتني عنه بحديثك. إن عماد الدين خادم ~~السلطان ارتكب شططا لا أدري إذا علم به السلطان ما يكون قصاصه خصوصا بعد ما علمته من ~~خطبته و...» # فقطع الهكاري كلامه قائلا: «لا تقل خادم السلطان، بل قل صاحبه وحارسه الخاص.» # قال: «ومتى بلغ هذا المنصب؟» # قال: «بلغه أول من أمس على يد الأمير نجم الدين، لله هو من رجل كبير العقل عالي ~~الهمة!» # قال: «صدقت، إن نجم الدين جدير أن يكون والد هذا السلطان. وأين هو عماد الدين؟ أحب أن ~~أراه لأهنئه وأسأله سؤالا.» قال: «خرج من هذه المنظرة في هذا الصباح في مهمة لا يعلم أحد ~~حقيقتها. وماذا تريد أن تسأله؟» فقص قراقوش خبر أمس كما جرى. فأظهر الهكاري ارتيابه في ~~صحة الرواية وأكد له أن عماد الدين قضى طول ليله في الاستعداد للسفر وبرح المنظرة في الفجر. ~~فوقع قراقوش في حيرة وعاد إلى الارتياب في الأمر، خصوصا بعد أن سمع حديث الخطبة. لكنه أراد ~~أن يطلع صلاح الدين على ما سمعه، فاستشار الهكاري في ذلك فقال: «دعه الآن ms087 لا تخبره، لئلا ~~يغير ذلك من عزمه على الخطبة، وأنا أحب أن يتم اقترانه لأني ضامن المستقبل بإذن ~~الله.» ~~••• # وفيما هما في ذلك وقد هم قراقوش أن يتكلم، دخل غلام الهكاري وقال: «بالباب رسول من ~~مولانا السلطان.» فقال الفقيه: «يدخل.» فدخل الغلام، ولما رأى قراقوش هناك بانت البغتة في ~~وجهه وقال: «سيدي الأستاذ بهاء الدين هنا؟ كنت ذاهبا إليه أيضا.» فقال الهكاري: «ما ~~وراءك؟» # قال: «إن السلطان يطلب حضوركما في القاعة الآن، وقد أمرني أن أدعو سائر الخاصة، وكنت ~~عازما على الذهاب إلى القصر الكبير لأدعو سيدي الأستاذ فإذا هو هنا.» فقال قراقوش: «إننا ~~ذاهبان، وماذا عسى أن يكون الباعث على هذه الدعوة؟» قال: «لا أدري يا سيدي، ولكنني رأيت ~~نجابا وصل في هذا الصباح قادما من دمشق ومعه رسالة رفعها إلى مولانا السلطان، فما زال منذ ~~تلقاها وهو يقلب فيها وقد تغير وجهه وبان الغضب فيه. ثم شاور مولانا الأمير نجم الدين، ~~والظاهر أنهما اتفقا على عقد جلسة للبحث في أمر مهم.» # فأشار قراقوش إلى الهكاري بيده مستفهما عما يعلمه من هذا الأمر. فأشار إلى الغلام أن ~~ينصرف ومشى مع قراقوش وخاطبه في أثناء الطريق سرا وقال: «إني علمت بأمر هذا الكتاب في ~~الصباح، وقد استقدمني السلطان وأطلعني عليه وعملت عملا ترضاه مني.» # قال: «وما ذلك؟» قال: «إن الكتاب من السلطان نور الدين صاحب دمشق شديد اللهجة جدا.» ~~قال: «وما سبب ذلك؟» قال: «ألا تذكر خروج مولانا السلطان في صفر من هذا العام إلى بلاد ~~الشام لمحاربة الإفرنج، وقد صحبته في هذا السفر، فنازل حصن الشوبك، ثم طلب الكرك وحصره ~~وضيق عليه وعلى من به من الإفرنج حتى طلبوا التسليم والأمان، لكنهم استمهلوه عشرة أيام ~~فأجابهم إلى ذلك. وكان السلطان نور الدين في دمشق فلما بلغه ما فعله صلاح الدين ارتاب في ~~أمره وأنت تعلم ما بينهما من المحاذرة وما في نفس صلاح الدين من الطمع في سلطنة مصر لنفسه.» ~~قال ذلك وضحك فبادره قراقوش قائلا: «لا أظن أحدا ms088 أطمعه فيها سواك وقد أحسنت. ~~أكمل.» # فقال الهكاري: «ألا تراه أهلا لها؟ ما لنا ولذاك؟ إن نور الدين لما سمع بما فعله صلاح ~~الدين في الكرك خرج من دمشق قاصدا حرب الإفرنج ليغتنم تضييق صلاح الدين عليهم من جهة ويضيق ~~عليهم هو من جهة أخرى فيذهب ملكهم. وقد رأيت في ذلك خطرا على سلطاننا؛ لأن نور الدين متى ~~أذل الإفرنج وأخضعهم تفرغ للسلطان صلاح الدين وهو وزيره والناس أطوع له منه فتذهب مطامع ~~صلاح الدين في مصر أدراج الرياح، والأفضل أن يبقى نور الدين مشغولا عن صلاح الدين بمحاربة ~~الإفرنج حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.» # فقطع قراقوش حديثه قائلا: «لله درك من داهية! وأحسبك عرضت هذا الرأي على ~~السلطان.» # قال: «عرضه عليه بعض الناس وأشار عليه أن يرجع إلى مصر بحجة ينتحلها ومما ذكروه له أن نور ~~الدين إذا دخل بلاد الإفرنج وهم على هذه الحال وأخذ ملكهم لم يبق بديار مصر مقام معه. وإن ~~جاء نور الدين إلى مصر وصلاح الدين فيها فلا بد له من الاجتماع به، وحينئذ يكون نور الدين ~~المتحكم فيه بما يشاء. إن شاء تركه أو لا، وقد لا يقدر على الامتناع عليه. وقد رجع مولانا ~~السلطان إلى مصر كما تعلم. وكتب إلى نور الدين يعتذر باختلال الديار المصرية لأمور بلغته عن ~~بعض شيعة العلويين وأنهم عازمون على الوثوب بها، وأطال في الاعتذار. ولكن يظهر أن نور الدين ~~لم يصدق هذه الأعذار. فبعث إليه كتابا يهدده فيه إن لم يأت إلى دمشق، فلقيته في هذا ~~الصباح وقد أخذ منه الغضب مأخذا عظيما، فأسر إلي بسبب غضبه وأنه لم يعد يستطيع صبرا ~~على كتمان غرضه، فخففت عنه واستمهلته، ولا أراه مصغيا، ولا أخال هذه الدعوة إلا لأمر يتعلق ~~بالكتاب.» # وكانا قد وصلا إلى قاعة الاجتماع والحرس ببابها فأزاحوا لهما الستر فدخل الهكاري أولا ~~وتبعه قراقوش، وكانت جلسة حافلة اجتمع فيها نخبة الخاصة من رجال صلاح الدين وأهله، وفي ~~جملتهم أبوه نجم الدين، وخاله شهاب الدين ms089 الحارمي، وابن أخيه تقي الدين. # فألقى الهكاري وقراقوش التحية، فرد صلاح الدين عليهما وقال: «مرحبا بالفقيه الحكيم ~~ضياء الدين، وبالبطل الأستاذ قيم القصر بهاء الدين.» وأشار إليهما بيده فجلسا وعينا الهكاري ~~تراعيان صلاح الدين فرآه برغم ما يحاول إظهاره من التؤدة وسعة الصدر وسكون البال قد تجلى ~~الغضب في عينه. # فلما استقر المقام بالجلوس قال صلاح الدين: «يا نخبة الأمراء الأبطال وخيرة الأهل ~~والخلان، إن السلطان نور الدين صاحب دمشق أقلق راحتنا بمراسلاته وهو يطلب إلينا الذهاب ~~إليه. ونحن فيما تعلمون من حرج المقام وما يحدق بنا من الدسائس والمكايد في بلد كل أهله ~~أعداؤنا يترقبون منا غفلة أو ضعفا ليثبوا علينا. فلما اعتذرت له بذلك كتب إلي يهددني أنه ~~حامل بخيله ورجله. وأنتم رجالي وأهلي وما يقال لي كأنه يقال لكم، فلم أشأ أن أقطع في ~~الجواب قبل أن أشاوركم، فماذا ترون؟» # وكان صلاح الدين يتكلم والحضور سكوت كأن على رءوسهم الطير، ولعلك لو استطلعت خفايا ~~سرائرهم لرأيت كلا منهم ينتظر ما يقوله الآخرون ولا يريد أن يكون هو البادئ في الرأي. ~~وعيونهم متجهة بالأكثر إلى الأمير نجم الدين والد صلاح الدين لما يعلمونه من حزمه وعلو همته ~~ودهائه. ولكنه لم يقل شيئا. وظل مطرقا يفكر وقد قعد على وسادة عالية وفي يده هناة ~~كالقلم يداعبها بين أصابعه ولا يخفى اضطرابه على المتفرس فيه. # وكان الهكاري جالسا بجانب قراقوش، وحدثته نفسه أن يتكلم ويقوي عزم صلاح الدين على ~~مقاومة نور الدين، فالتفت إلى قراقوش كأنه يستشيره في الأمر، وهم قراقوش بأن يوافقه على ~~ذلك، فإذا بتقي الدين ابن أخي صلاح الدين قد غلبت عليه حمية الشباب فوقف وقال: «إذا كان عمي ~~السلطان قد جمعنا ليشاورنا في أمر نور الدين، فهو يعلم أننا نتفانى في نصرته. فإذا جاء نور ~~الدين إلى مصر منعناه بحد السيف.» # فبان البشر في وجه صلاح الدين استحسانا لتلك الجرأة وابتسم، فكان لابتسامه تأثير شديد في ~~ضمائر الحضور فجعلوا يتسابقون إلى الموافقة على رأي ذلك الشاب ms090 بمثل قوله. وعلا الضجيج ونجم ~~الدين ما زال مطرقا والعيون محدقة به لترى ما يبدو منه، وإذا به أشار بالقلم الذي في يده ~~إشارة استمهال فأصغى الكل وعيونهم إلى شفتيه. فنظر إلى تقي الدين نظرة زجر وتوبيخ، وأمره أن ~~يقعد، وانتهر من وافقه من الحضور . ثم التفت إلى صلاح الدين وقال: «يا يوسف، أراك تبغي ~~أمرا عظيما أنت أقصر باعا من أن تناله. أنا أبوك، وهذا خالك شهاب الدين، ونحن أكثر محبة ~~لك من جميع من ترى. والله لو أنني وخالك هذا وقع نظرنا على السلطان نور الدين لم نلبث إلا ~~أن نقتل بين يديه، ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا. فإذا كنا نحن هكذا فما ظنك ~~بغيرنا؟ إن كل من تراهم عندك من الأمراء لو رأوا نور الدين وحده لم يتجاسروا على الثبات ~~على سروجهم، وهذه البلاد له، ونحن مماليكه ونوابه فيها. فإن أمر سمعنا وأطعنا. والرأي أن ~~تكتب كتابا مع نجاب تقول فيه: «بلغني أنك تريد الحركة إلى هذه البلاد، فأي حاجة إلى هذا؟ ~~يرسل المولى نجابا يضع في رقبتي منديلا ويأخذني إليك وما هنا من يمتنع.» هذا هو الرأي يا ~~بني ...» # فلما قال نجم الدين ذلك أطرق الحضور وندموا على ما كان منهم. وأما هو فحالما فرغ من كلامه ~~نهض وخرج فنهض الأمراء جميعا وتفرقوا. وفي جملتهم عيسى الهكاري. فإنه قبض على يد قراقوش ~~وخرج به إلى خلوة فقال قراقوش: «ما هذا؟ لا أعهد نجم الدين جبانا ضعيف العزم إلى هذا الحد. ~~والله أوشكت أن أقف لمعارضته.» # فضحك الهكاري وقال: «لقد أخطأت يا أستاذ. ليس بين هؤلاء من هو أقوى قلبا وأجرأ على ~~الأمور منه. ولكنه داهية حكيم، والله إني كنت أقرأ فكره وهو مطرق يسترق النظر إلى الحضور ~~وهم يتكلمون. وقد تبين ما في كلامهم من الحدة فخاف أن يجاريهم بالكلام فيفسد التدبير. ~~وإذا شئت أن تتحقق ذلك فاتبعني فإني أراه داخلا إلى غرفة صلاح الدين وحده.» # فمشى قراقوش في أثره حتى اقتربا من الغرفة ms091 فلمحهما نجم الدين فأشار إليهما أن يدخلا فدخلا ~~وأغلقا الباب وراءهما وصلاح الدين يهم أن يعاتب أباه على ما سمعه منه. فالتفت نجم الدين إلى ~~الهكاري وقال: «أنت حكيم وصاحب تدبير. وقد أخبرني يوسف بما كان من تدبيرك مع الأستاذ قراقوش ~~في سبيل مصلحته. لذلك فإني لا أخشى أن أقول رأيي أمامكما.» والتفت إلى صلاح الدين وقال: ~~«بأي عقل فعلت هذا يا يوسف؟ أما تعلم أن نور الدين إذا سمع عزمنا على منعه ومحاربته جعلنا ~~في مقدمة أعدائه، وحينئذ لا تقوى عليه. وأما إذا بلغه قولي وأننا في طاعته تركنا واشتغل ~~بغيرنا ريثما تعمل الأقدار عملها.» ثم وجه كلامه إلى الهكاري وقراقوش وقال: «والله لو ~~أراد نور الدين قصبة من قصب السكر بمصر لقاتلته عليها حتى أمنعه أو أقتل.» قال ذلك وعيناه ~~تتلألآن. # فهم صلاح الدين بتقبيل يد أبيه وقال: «صدقت يا أبي. قد نطقت بالصواب، وأنا فاعل ذلك ~~بإذن الله. ما أحوجني إلى رأيك وتدبيرك.» # والتفت الهكاري إلى قراقوش ولسان حاله يقول: «ألم أقل لك هذا؟» # فأكب قراقوش على يد نجم الدين فقبلها وقال: «لا حرمنا الله من رأيك يا سيدي.» وقبل أن ~~يفترقوا سمعوا الأذان فذهبوا للصلاة ثم إلى الغداء. ~~••• # أما أبو الحسن فلما عاد بصفقة المغبون ولم يظفر بعماد الدين ولا استطاع إغاظة سيدة الملك، ~~رأى أن يبلغ ذلك إلى الخليفة بأسلوب يمكنه من مرامه. فصبر حتى طلع النهار وهو صباح ~~الاثنين وكان أحد اليومين اللذين يجلس الخليفة فيهما للناس من كل أسبوع، أما اليوم الآخر ~~فكان يوم الخميس. وأجل مقابلة الخليفة إلى اليوم التالي. وقضى ذلك اليوم وهو يدبر ~~الحبائل وينصب المكايد، ثم بكر في الصباح التالي إلى بيت الجليس الشريف وسأله عن الخليفة ~~فقال: «إنه مريض وقد اشتد المرض عليه أمس حتى شغل بالنا.» فابتدره أبو الحسن قائلا: «يظهر ~~أنه انتكس لما بلغه خبر قصر النساء.» # فلم يفهم الجليس مراده فقال: «وماذا جرى؟» وأشار إليه أن يتفضل بالدخول. فأظهر أنه أخطأ ~~بذلك التصريح وأنه يريد ms092 الكتمان محافظة على كرامة أخت الخليفة فقال: «لم يجر شيء.» وجعل ~~يبلع ريقه وهو يناول لجام البغلة إلى السائس ويمشي مع الجليس إلى قاعة الاستقبال. # فانطلت الحيلة على الجليس فقال: «كيف لم يجر شيء وقد قلت إنه جرى؟ قل لا تخف علي ~~شيئا، فإني لا أخاطب الخليفة في شأنه إذا أحببت كتمانه عنه.» # قال وهو يقعد ويظهر عدم الاكتراث: «ليس هذا وقت الكلام بما يكدر الخليفة وإنما يهمني أن ~~يشفى من مرضه. ما الذي جد عليه حماه الله من كل سوء؟» # قال: «ما زال منذ أصيب بالحمى يوم ذلك الاجتماع وهو متوعك المزاج. فلما كان صباح أمس - ~~وهو يوم الجلوس للناس - لم يحضر، فسألت عنه فقيل لي إنه قضى يومه في دار النساء، وعلمت بعد ~~الظهر أن الحمى عاودته بشدة.» # فأظهر أبو الحسن الاهتمام الشديد بالأمر وقال وهو ينظر في البساط: «قضى نهار أمس في دار ~~النساء وأصيب بعد الظهر بالحمى؟ فلا بد أن يكون ظني الأول في محله.» # قال: «وما هو؟ قل يا أبا الحسن، فما عهدتك تخفي علي شيئا. قل ماذا جرى في دار ~~النساء؟» # قال: «لا أحب أن يشيع هذا الخبر حفظا لكرامة أهل القصر. علمت أن غريبا دخل ذلك القصر ~~مساء أول البارحة وقضى معظم الليل فيه. ولما علمت بخبره أسرعت إلى قيم القصر قراقوش وطلبت ~~إليه القبض عليه فإذا به قد فر في السراديب. أرأيت؟» # فأطرق الجليس دهشة واستبعد ذلك الخبر؛ لعلمه أنه ما من أحد يستطيع الدخول إلى القصر مع ما ~~حوله من الحراسة. ثم إن أخت الخليفة بعيدة عن مثل هذه الظنون. ولحظ أبو الحسن تردده في ~~تصديق الخبر فبادره قائلا: «أراك مطرقا تفكر كأنما لم تصدق قولي. ولكن لك أن ترتاب، غير ~~أن هذه المرأة التي تزعم أنها لا تريد الزواج فرارا من أبي الحسن إنما هي عالقة القلب بشاب ~~غريب من الأكراد أعدائنا.» # فصاح متعجبا: «من الأكراد؟» فأجاب بهدوء وتألم: «ومن خدم الأكراد!» # فدق الشيخ كفا بكف وقال: «يا للفضيحة! ماذا ms093 يكون حال أمير المؤمنين إذا بلغه ذلك ~~الخبر؟ ولكن ...» # فقال أبو الحسن: «ومن يتجاسر على تبليغه هذا الخبر؟ لا ينبغي أن يعلم به، أو لعله علم ~~وكظم فأصابته الحمى ... أتأسف كثيرا لأني اطلعت على هذه الفعلة، ولكن ما العمل؟ لا بد من ~~تدبير حيلة ننقذ بها عرضنا من العار!» فتألم الجليس مما سمعه واعتقد صحته وهو سليم القلب ~~كما علمت، فأوشك أن تدمع عيناه من الغضب فوق ما هو فيه من الكدر على مرض الخليفة. وكان ما ~~زال واقفا فقعد وهو خائر القوى. فأخذ أبو الحسن يتظاهر بالتخفيف عنه. وهو يعد ذهنه لمكيدة ~~يفوز بها بمرامه فقال: «يحق لنا البكاء في هذا اليوم، فلنبك يا عزيزي فلنبك!» وأخذ في ~~البكاء حتى نسي الجليس حزنه واشتغل بالتخفيف عن أبي الحسن فقال له: «لا بد من الصبر يا ~~مولاي، إن البكاء لا ينفعنا شيئا. لا بد من تدبير طريقة.» فأسرع أبو الحسن إلى مسح عينيه ~~وتظاهر بالجد والاهتمام والتفت إلى الجليس وقال: «نعم لا بد من تدبير طريقة، ولكن الأمر ~~أعظم مما يظهر لك يا عماه.» قال: «وهل بقي ما هو أعظم من ذلك؟» قال: «إن الأمر نفسه عظيم ~~كما علمت، ولكنني أفكر في المستقبل وأراقب ما قد تأتي به الأقدار مما لم يكن في الحسبان.» ~~فظل الجليس ساكتا يفكر ولم يجب، حتى قطع أبو الحسن سلسلة أفكاره بالسؤال قائلا: «من ~~هو طبيب مولانا أمير المؤمنين؟» # قال: «طبيبه الشيخ السديد رئيس الأطباء، وهو لا يثق إلا به لسعة علمه وطول ~~اختباره.» # فقال أبو الحسن: «الشيخ السديد؟ هل هو ماهر في صناعة الطب؟» # قال: «كيف لا وقد نال الحظوة عند الأئمة الفاطميين من أيام الآمر، رحمه الله؟! وكان صغير ~~السن وأبوه طبيب قبله ثم ورث هذا المنصب بعده. وما زال يطبب الأئمة - رحمهم الله - إلى ~~الآن وقد أصبح شيخا طاعنا في السن.» فقال: «وماذا يقول عن مرض مولانا، هل سألته؟» قال: ~~«سألته ولكنه لم يجبني جوابا صريحا.» قال: «إني أخاف جواب الأطباء إن ms094 لم يكن صريحا؛ ~~لأنهم إذا خافوا على مريضهم الموت جعلوا كلامهم عنه مبهما!» # فأجفل الجليس عند سماع لفظ الموت؛ لأنه كان يحب العاضد وقال: «لا سمح الله يا سيدي، لا ~~سمح الله أن يكون على الإمام العاضد بأس.» # فقال أبو الحسن: «أعوذ بالله أن يخرج من فمي أو يمر بذهني سوء يصيب إمامنا، وأطلب إلى ~~الله إذا كان قد كتب شيء على أمير المؤمنين أن يفديه بروحي. ولكن العاقل من فكر في الأمر ~~قبل وقوعه ولا سيما في الإمامة؛ لأن الإمام قطب تدور عليه أمور الدولة وبه تتعلق القلوب. ~~والإصابة فيه غير الإصابة في آحاد الناس. وهذا معنى قولي لك إن المسألة أعظم مما تتصور. هل ~~فهمت مرادي؟» # فأدرك الجليس أنه يعني لو مات العاضد كيف يكون حال الأمة بعده فقال: «فهمت يا بني، إن ~~الأمر جليل ولكن ...» # فأسرع أبو الحسن وهو يروغ كالثعلب وقال: «كلنا عبيد الموت يا عماه، وعسى أن تكون حياة ~~الإمام العاضد أطول من حياة كل منا. وأضرع إليه تعالى أن لا يميتني إلا في حياته.» ودمعت ~~عيناه فتأثر الجليس وشاركه ذلك الشعور في الظاهر وقال: «ذلك ما نتمناه جميعا خصوصا لأن ~~مولانا - حفظه الله - ليس لنا ملجأ سواه، وقد كابد في إمامته من أولئك الأكراد ما لم يكابده ~~سواه لولا حزمه وتعقله لا أدري كيف كانت حالنا.» # فاعتدل أبو الحسن في مجلسه كأنه فطن لأمر مهم وقال: «هذا ما يدور في خلدي ويجول في خاطري ~~ويحوم حول لساني ولا يطاوعني قلبي عليه. إذا كان هذا حالنا الآن فكيف يكون شأننا لو حدث ما ~~نتمنى موتنا قبله. لو أن في بيت العاضد رجلا حازما يخلفه لكان خيرا، ولكنهم أطفال كما ~~تعلم، وهذا المنصب لا يستطيعه إلا المحنكون نظيرك. كم كنت أود أن يكون لك يد في هذا ~~الأمر.» # فاستعظم الجليس هذا الإطراء وأخذ يتنصل من هذا الحق فقال: «إني عبد خادم لا يقال لي مثل ~~هذا القول، وإنما يطمع في هذا الأمر من كان مثلك يا ms095 أبا الحسن.» # فأخذ أبو الحسن يهز رأسه هز الإنكار وقال: «أنا؟ نعم كنت راغبا في هذا المنصب كما علمت، ~~وقد قلت لي إن الإمام رضي أن أكون ولي عهده، وهذا شرف لي لكنني أتردد كثيرا في ~~القبول.» # فقال الجليس: «لا ينبغي أن تتردد؛ فإن في قبولك إنقاذ هذه الدولة.» # فوجد الفرصة قد سنحت ليستشهد الجليس بأن العاضد بايعه بولاية العهد فقال: «وهب أني أردت ~~أن أتفانى وأرضى فهل يصدق القول إن العاضد بايعني؟» # قال: «أنا أشهد بذلك. ألم يكن رضي على الشرط المعدوم؟ وإنما أجل الأمر مؤقتا وقد ~~اعترضته شئون مختلفة.» # فرقص قلب أبي الحسن طربا عند سماع ذلك الوعد فعاد إلى المغالطة وقال: «أنا أعلم أن مثلك ~~إذا شهد فشهادته أوثق من عقد مبرم، ولكن ما لنا ولهذا الآن، أرجو ألا يحدث ما يدعو إلى ~~استشهادك وأن ينهض مولانا الإمام صحيحا معافى ونتمتع برؤيته ونقبل يديه ونصلي ~~وراءه.» # قال: «أرجو ذلك إن شاء الله.» # وفيما هما في ذلك سمعا وقع أقدام مسرعة ودخل غلام عرفا أنه من غلمان القصر فأجفلا فقال ~~الجليس: «ما وراءك؟» قال وصوته يرتجف: «إن مولانا الإمام يحب أن يراك عاجلا.» فقال: «وكيف ~~هو؟» قال: «لا أدري لكنني رأيت الشيخ السديد عنده ومعه أطباء كثيرون!» # فنهض الجليس وهو يقول: «يظهر أن المرض اشتد عليه.» فقال أبو الحسن: «لا بد من ذهابك إليه ~~حالا. ولو كنت أعلم أني أنفعه لسرت معك ولكنني سأسعى بعد قليل للاطمئنان. وأنا ذاهب إلى ~~المسجد لأدعو له بالشفاء.» قال ذلك وخرج وترك الجليس يتأهب للركوب إلى الخليفة. ~~••• # رجع أبو الحسن على بغلته إلى منزله. وخلا في غرفته وأخذ يفكر في حيلة يدبرها لنيل ~~بغيته. وقد تأكد له دنو أجل الخليفة فكيف يمهد الأمر لنفسه وهو يعلم أن شهادة الجليس لا ~~تكفي، وأن القول الفصل لصلاح الدين. إذا أظهر رضاه عن مرشح للخلافة نالها. فانزوى في الغرفة ~~على كرسي وأقفل الباب وجعل يفكر في الطريقة المؤدية إلى غرضه، وبعد أن قضى ساعة لا ms096 يحرك ~~رأسه ولا يده وإنما كان يحرك شفتيه وعينيه، وثب من مكانه وصفق فجاء الغلام فقال له: «أسرج ~~البغلة.» فقال: «لا تزال مسرجة يا سيدي.» فركبها وسار قاصدا عيسى الهكاري صديقه. وكان ~~الهكاري في غرفته المعهودة يطالع في بعض كتب الفقه، فلما أنبأه الغلام بمجيء الشريف أبي ~~الحسن خف له واستقبله أحسن استقبال؛ لأنه كان يتوقع أن يحتاج إليه في تدبير بعض الشئون ~~لمصلحة صلاح الدين. # فبدأ أبو الحسن الحديث عن الفقه والتاريخ كأنه يتمم ما دار بينهما عند اجتماعهما في دار ~~العلم فقال: «أراك ما زلت تفتش في الكتب، هل ترى منها نفعا؟» قال: «كيف لا؟ إن مثلك لا ~~يسأل هذا السؤال!» # قال: «صدقت، لكني لا أعني الفائدة الشرعية وصيانة الحقوق، وإنما أعني الفائدة التي يطلبها ~~الناس من أعمالهم، أم أنت مثلي تهتم بالعلم لأجل العلم نفسه؟» # قال: «أطلب العلم لأجل العلم، ولكن العاقل قد يستفيد منه فوائد أخرى.» # فأدرك أبو الحسن أنه يشير إلى ما يتوهم الهكاري أنه استنبطه من مطالعة تاريخ طغرل بك من ~~تلقاء نفسه حتى حرض صلاح الدين على زواج أخت الخليفة. فعمد إلى إطرائه والتغرير به ليتوصل ~~إلى مرامه فقال: «إنك حكيم عاقل، وقد علمت الآن صدق خدمتك للسلطان صلاح الدين. ألم تكن أنت ~~أشرت عليه بخطبة أخت الخليفة؟ لا تنكر ذلك.» # فأراد أن يتواضع ويتنصل من ذلك الفضل فقال: «ليس لي هذه الدالة يا أبا الحسن.» # فقال: «مهما يكن من تنصلك، فأنا أعتقد نفوذ كلمتك. والآن أتعلم لماذا جئتك؟» قال: «لا.» ~~قال: «جئتك لأمر إذا علمت كيف تفهمه وتقوم به خدمت مولاك خدمة حسنة، وإن كان فيه خدمة ~~لصديقك أبي الحسن ولك أيضا.» # فتطاول بعنقه وقال: «رحم الله من نفع واستنفع، قل ما وراءك.» # قال: «أتعلم أن الإمام العاضد في حال الاحتضار الآن؟» قال: «أعلم أنه مريض، فهل اشتد عليه ~~المرض؟» # قال: «إنه في أشد حالات المرض، وإذا مات صارت الخلافة إلى ولي عهده، وأنت تعلم أنه غلام ~~عنيد لا يعرف فضل الرجال.» ms097 # قال: «اسمع. إني مطلعك على سر يهمك الاطلاع عليه، إن العاضد مائت الليلة أو غدا. وأنت ~~أكثر أهله معرفة بفضل السلطان صلاح الدين. لا أقول إني أحب أن يتولى هذا الأمر ويخرجه من ~~أيدينا. ولو قلت لك ذلك لا تصدقني، ولكنني أعلم أن مقاومة القوة الغالبة لا تفيد شيئا. ~~وإذا صارت الخلافة إلى ولي العهد الذي تعرفه كان ذلك باعثا على القلاقل. إني أعرف أفكاره ~~وأعلم أنه ينوي أن يثير الشيعة ويحرضهم على مناوأة السلطان ورجاله. وهذا لا يفيد أحدا من ~~الجانبين، ولا أخفي عليك أن العاضد كان معتزما أن يجعل ولاية العهد إلي فأوصى بذلك على ~~يد الجليس الشريف وأوشك أن يكتب العهد لكن المرض منعه. فأخاف إذا توفي في مرضه هذا أن ينكر ~~رجاله وأهله علي ذلك. فإذا أخذتم بيدي وصيرتم هذا الأمر إلي عرفت لكم فضلكم وأغنيتكم عن ~~التعب. أرجو أن تكون قد فهمت مرادي، وأظن ما بيننا من الصداقة القديمة يكفي للوثوق بي ~~والتعويل على قولي.» # وكان الهكاري يسمع كلام أبي الحسن ويفكر فيه. فلما وقف عند هذه العبارة سأله: «ثم ~~ماذا؟» قال: «أعني إذا خاطبت أنت السلطان صلاح الدين في الأمر، وعرضت عليه هذا الرأي كأنه ~~منك فيعرف لك هذا الفضل وأنت رابح من كل وجه. إن ما أعرضه عليك عظيم الأهمية وفيه نفع ~~للسلطان ولك ولي فما قولك؟» # فرأى الهكاري كلام أبي الحسن معقولا. فأدرك أن عمله هذا خيانة لأهل الخليفة، لكنه نظر ~~فيه من حيث مصلحة السلطان؛ لأنهم إذا أعانوا هذا الخائن على تولي الخلافة كان عونا لهم ~~فيما يريدون ويهون عليهم أن يخلعوه فيما بعد إذا شاءوا، فضلا عن أنه يسهل على صلاح الدين ~~التزوج بسيدة الملك على يده فيتم تدبيره. فنظر إلى أبي الحسن نظر متفرس وقال: «أنت مقدم على ~~عمل عظيم فيه نفع كبير لك.» قال: «لا أنكر ذلك ولكنني أخدم مصلحة السلطان صلاح الدين أيضا ~~من كل وجه، وإذا لم تصغ لرأيي تعبتم جميعا؛ لأن المصريين قلوبهم مع خلفائهم ms098 كما لا يخفى ~~عليك. أرني مهارتك في إتمام هذا الأمر، واعلم أنك ستكون أقرب المقربين.» قال: «لك علي ~~ذلك. سأبذل ما في وسعي في هذا السبيل ونرى ما يكون.» فتحفز أبو الحسن للنهوض وهو يقول: «أنا ~~ذاهب وسنلتقي غدا ولا حاجة بي إلى تنبيهك لأن يبقى ما قلناه مكتوما عن كل إنسان.» # قال: «لا حاجة إلى التوصية.» # ونهض أبو الحسن وركب بغلته وعاد. وظل الهكاري واقفا برهة يعيد في ذهنه ما سمعه فرأى فيه ~~خيرا كثيرا. فبادر إلى تنفيذه وسار إلى صلاح الدين، فرآه مع أبيه في شرفة تطل على الخليج ~~وقد جلسا هناك للاستراحة فاستأذن عليهما، ولما دخل أمره نجم الدين بالجلوس فجلس وتكاد عيناه ~~تنطقان بما في خاطره، فقال له صلاح الدين: «ما وراءك يا ضياء الدين؟» قال: «جئت مولاي بأمر ~~مهم.» قال: «كل ما تأتي مهم به نافع. إني لا أنسى بلاءك في مصلحتنا. قل.» # فأخذ يقص عليه ما دار بينه وبين أبي الحسن من أوله إلى آخره والاهتمام ظاهر في عينيه، ~~فلما فرغ من كلامه أبرقت عينا صلاح الدين ونظر إلى أبيه كأنه يستشيره في الأمر. وكان نجم ~~الدين يسمع كلام الهكاري ويمحصه ويزنه ويتدبره. فلما رأى صلاح الدين ينظر إليه قال: «إنه ~~رأي جميل لكنه ما زال فطيرا ولا سيما أن العاضد ما زال حيا، فإذا مات نظرنا في الأمر. ~~بارك الله في همتك يا أبا محمد.» وسكت. فعلم الهكاري أنه ينبغي له أن ينصرف ليخلو الأميران ~~ويتباحثا فاستأذن وخرج. # فلما خلا نجم الدين بابنه جعل يتفرس في عينيه كأنه يطلب إليه أن يقول ما في خاطره فقال ~~صلاح الدين: «ما رأي والدي فيما سمعه؟» قال: «إنما أسألك عن رأيك.» قال: «إني أرى فرصة لا ~~ينبغي ضياعها. لا أنكر أنها خيانة من أبي الحسن هذا لكنها تفيدنا. وإذا وليناه الخلافة ~~بأمرنا زاد نفوذنا وكان آلة في يدنا.» فابتسم نجم الدين ابتسامة استخفاف وقال: «إنك يا يوسف ~~رجل حرب ورأي. ولكنك ما زلت في حاجة إلى ms099 الدربة والحيلة ... استفدنا من وشاية هذا الرجل أن ~~القوم إذا مات خليفتهم تضعضعوا واختلفوا فيما بينهم، وهي فرصة لقطع تلك الخلافة من جذورها. ~~ولا نبايع هذا ولا غيره، وإنما نقبض على القصور ونحبس أهلها الذكور أصحاب الحق في الخلافة ~~حتى يبيدوا. وقد خطبنا للخليفة العباسي منذ مدة ولا بد من الشدة والحزم فينتهي الأمر. أليس ~~ذلك خيرا من أن نبايع خليفة آخر ونعود إلى التعب من أوله؟» فأعجب صلاح الدين برأي أبيه ~~ورأى الصواب فيه، وخجل لما فاته إدراكه من الأمر، ولم يسعه إلا الإصغاء والإذعان وقال: ~~«بورك فيك يا أبتاه من حكيم حازم.» # فقال: «ولا يكفي ذلك، وإنما يجب أن نتأهب من الآن ونجعل الجند على استعداد للهجوم على ~~القصور حالما يلفظ الخليفة السيئ الحظ نفسه الأخير. وأتقدم إليك أن تكتم ما أقوله لك ~~الآن عن كل واحد حتى يأتي وقته فننفذه. واحذر أن تفعل ما فعلت أمس فتكشف سرك في جلسة علنية. ~~فقد قيل «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان».» # فحنى صلاح الدين رأسه إعجابا وطاعة وهم بتقبيل والده اعترافا باقتداره. فاجتذب نجم ~~الدين وقال: «أرجو أن تستفيد من قولي يا بني. إنك ستكون سلطانا عظيما، فاعمد إلى التؤدة ~~والحزم واذكر وصية أبيك.» # أما أبو الحسن فخرج من عند الهكاري وقد امتلأ صدره أملا وتحقق لديه الفوز بالمكيدة وسار ~~توا إلى دار الخليفة وهو يتنسم خبر العاضد في أثناء الطريق. فعلم أنه في أشد حالات المرض ~~فأيقن أنه مائت في ذلك الليل، فأعمل فكرته في الوصول إلى غرضه. وقد توهم فوزه بالخلافة، ~~وبقي القبض على سيدة الملك، فأظهر اهتمامه بمرض الخليفة وسأل عن الجليس الشريف فقيل له إنه ~~في غرفة الخليفة لا يأذن بخروجه والأطباء وقوف بين يديه يبدلون الدواء بالدواء بلا فائدة. ~~فاحتال أبو الحسن في الوصول إلى الشيخ السديد طبيب الخليفة فاستفهمه عن حقيقة حال العاضد ~~فأجابه: «إنه يكاد يكون في حالة الاحتضار.» فبكى وبالغ في البكاء حتى أشفق الطبيب عليه وأخذ ~~يخفف عنه. فخرج توا إلى ms100 قصر النساء وقد مالت الشمس إلى الأصيل وطلب أن يرى بهاء الدين ~~قراقوش. فقيل له إنه خرج لمقابلة السلطان صلاح الدين، فجلس أبو الحسن في غرفة الاستقبال ~~بباب القصر ينتظر رجوعه. # وبعد قليل عاد قراقوش وعلى وجهه علامات الاهتمام. وكان أبو الحسن يتوقع أن يسمع منه ~~ترحابا بعد رجوعه من عند صلاح الدين لاعتقاده بأن السلطان لا بد من أن يكون قد خاطبه في ~~أمره بعد ما كان من تدبيره مع الهكاري. فلما رأى بهاء الدين مقبلا على فرسه تصدى له ~~بالباب وهو يبتسم فلم يكترث له قراقوش وأظهر أنه لم يره، فخاطبه أبو الحسن قائلا: «مرحبا ~~بالأستاذ، كيف فارقت السلطان؟» # فالتفت إليه بهاء الدين كأنه رآه لأول مرة وقال: «أنت هنا يا أبا الحسن؟» # قال: «أنا هنا في انتظارك من ساعة، كيف حال مولانا الإمام الآن يا ترى؟» قال بهاء الدين ~~وهو يقعد على مقعد في تلك الغرفة: «إن مرضه شديد، شفاه الله.» ولم يدع أبا الحسن للقعود ~~كالعادة. # فقعد أبو الحسن من تلقاء نفسه. وأخذ يظهر الأسف على حال العاضد ويفرك يديه ويعصر عينيه ~~ويهز رأسه وهو مطرق ثم قال: «هل أنت متأكد أنه شديد المرض؟» # قال: «هكذا قيل لي الساعة، شفاه الله. إنه رضي الخلق.» # فبادر إلى الجواب باهتمام وقال: «صدقت يا أستاذ، إن الإمام كان من أحسن أهلنا خلقا ~~وأطيبهم قلبا ولذلك.» وتنحنح وهز رأسه كأنه يحاول كتمان أمر خطر له ثم التفت إلى قراقوش ~~وقال: «لا بد أنك لاحظت بدقة نظرك يا أستاذ ماذا كان نتيجة طيبة قلبه وتساهله، وإن لم تر ~~رأي العين. أما أنا فقد رأيته. على أن الأمر الآن أعظم مما تعلمه وينبغي لنا ملاقاة الخطر ~~قبل وقوعه. أنا أعلم أنك ساهر متيقظ لا تحتاج إلى تنبيه، لكنني أستمحيك عذرا إذا رأيت في ~~قلقا فإني أضن بسمعة أهلي أن يلحقها ما يشوهها. وقد علمت ما كان بالأمس من أمر ذلك الغريب ~~الذي دخل هذا القصر وخرج منه ولم تتمكن من القبض عليه؛ ms101 لأن أهل هذا القصر أرشدوه إلى طريق ~~الفرار. لا أقول ذلك طعنا في أحد لأني أعتقد أن ذلك من عواقب الطيش عن جهل لا عن سوء نية. ~~فسيدة الملك هذا حالها وأخوها حي، فإذا أصابه سوء لا سمح الله كيف يكون حالها؟» # وتنحنح وتوجه بنظره نحو قراقوش وهو يظهر الثقة فيه والاعتماد عليه وقال: «ولا ينبغي ~~لي أن أخفي عليك أمرا أخفيته على سائر الناس ولم يطلع عليه غير صديقي وصديقك ضياء الدين ~~الهكاري. أعني أن الإمام العاضد بايعني بالخلافة بعده، وخطبت أخته هذه وهي لا تعلم بعد. ~~وإنما يعلم الجليس الشريف بذلك، ويعلمه أيضا ضياء الدين، والسلطان صلاح الدين. وكان لي معه ~~حديث طويل في هذا الشأن صباح اليوم، لا أدري إذا كان قد أطلعك عليه.» وصبر ليرى ما يبدو من ~~قراقوش فإذا هو ما زال مصغيا لا يبدي حراكا. # فعاد أبو الحسن إلى إتمام حديثه فقال: «وإذا كان لم يطلعك عليه فلا بد أنه مطلعك قريبا. ~~وإنما جئتك الآن أستعينك في صيانة عرضي وعرض الإمام - شفاه الله - ريثما يستقر الأمر في ~~نصابه ويشرف عليه السلطان صلاح الدين حفظه الله. هذا أمر قد تم الاتفاق عليه بيني وبينه. ~~وإنما أطلب إليك أن تحتفظ بهذا القصر وأنت فاعل ذلك. لكنني أخاف أن يتمكن الأعداء من دخوله ~~سرا فأرى أن تأمر بنقل أخت الخليفة منه إلى قصر آخر ليس فيه سراديب. وأظن دار الضيافة ~~أفضل القصور لهذا الغرض.» قال ذلك وهو يتفرس في عيني بهاء الدين وينتظر رأيه في ذلك. # أما بهاء الدين فأظهر عدم الاهتمام وقال: «لا أرى باعثا على هذا القلق يا أبا الحسن ~~والخليفة ما زال حيا.» # قال: «إنما العاقل من فكر في الأمر قبل وقوعه، أما إذا وقع فلا فائدة من التفكير، اسمع ~~... اسمع ... أليس هذا صياح النساء في القصر؟ يظهر أن العاضد قد فارق الحياة. مسكين!» وأخذ يفرك ~~كفيه ويبكي. # أما بهاء الدين فحالما سمع الصياح وقف والاهتمام باد في محياه. وأشار إلى بعض الغلمان أن ms102 ~~يمضي في مهمته، وأومأ إلى أبي الحسن أن يمكث ريثما يعود وألا يخرج قبل رجوعه. وتحول ~~قراقوش إلى مكان آخر في القصر وقد علا الضجيج، فتحقق أبو الحسن موت الخليفة فأصبح همه القبض ~~على سيدة الملك. وأسف لذهاب قراقوش ولم يعلم سبب ذلك. فقعد في تلك الغرفة وهو مطرق يفكر ~~كأنه على الجمر. فسمع قرقعة اللجم، وصهيل الخيل فأطل من النافذة فرأى فرسانا يسرعون نحو ~~القصر كأنهم يحيطون به من كل ناحية فعجب لذلك. ثم شعر بيد تهز كتفه برعشة فالتفت فإذا ~~بالغلام الذي كان قد اصطنعه وجعله جاسوسا على سيدة الملك في ذلك القصر وقف يرتعد والبغتة ~~ظاهرة في وجهه فصاح به: «جوهر! ما وراءك؟» فقال: «هلم يا سيدي، انج بنفسك.» قال: «إلى أين؟ ~~لا. إني باق حتى أرى هذه اللعينة وآخذها. ألم ترها؟» قال: «انج بنفسك يا سيدي. إن الأمر ~~على غير ما تظن. اخرج من هذه الغرفة قبل أن يتم النطاق حول القصر.» قال ذلك وجره من كمه ~~واغتنم اشتغال الناس بالصياح والارتباك وخرج به من الغرفة. ولم يصدق أنه خارج القصر وهو ~~يلهث من الخوف. فقال أبو الحسن وهو يطاوعه في المسير: «إلى أين أنت ذاهب بي؟» # فأجابه وهو يشير إليه أن يتبعه: «تعال يا سيدي. سأقص عليك الخبر. انج بنفسك.» # وما زالا يمشيان حتى بعدا عن قصور الخلفاء ودخلا بيتا من بيوت العامة لا تقع عليه شبهة. ~~وهو منزل لذلك الغلام كان يختبئ فيه عند الحاجة، فلما دخلا البيت أقفل الغلام الباب وقعد ~~وقد امتقع لونه، وأبو الحسن يستغرب ذلك منه ولا يزال يعتقد أن الغلام مخطئ في توهمه، ~~اعتمادا على ما دار بينه وبين الهكاري. # فلما استقر بهما الجلوس قال أبو الحسن: «قل الآن ما الذي حملك على هذا الفرار؟» # قال: «لو لم أفر بك لكنت الآن في السجن.» # فضحك أبو الحسن بتهكم وقال: «في السجن؟ هه هه، هذا أمر بعيد. ولا ألومك على هذا الخوف؛ ~~لأنك لا تعلم ما دار بيني وبين القوم ms103 في هذا الصباح.» # قال: «علمت كل شيء وعلمت أن تدبيرك لم يفلح، وأن قراقوش اللعين لما كنت أنت في انتظاره ~~بالقصر كان هو عند صلاح الدين ذهب إليه بأمر مستعجل، فأمره أن يحيط قصور الخلفاء بالجند. ~~وحالما يموت الخليفة يقبض على كل ما في القصور من النساء والأولاد والرجال والغلمان وكل ~~شيء.» # سمع أبو الحسن هذا القول ولم يصدقه فقال: «كيف عرفت ذلك؟ ومن أطلعك على هذا السر يا جاهل؟ ~~لا يبعد أن يكون صلاح الدين قد أمر هذا الطواشي أن يحتفظ بالقصور وما فيها، وهو إنما أمره ~~بذلك لئلا يتعدى عليها أحد من دعاة الإمامة سواي. ولا ألومك على توهمك؛ لأنك لا تعلم ما تم ~~الاتفاق عليه بيني وبينهم مما سأطلعك عليك في وقت آخر.» # فقال: «قلت لك يا سيدي إني مطلع على كل شيء، وما أنا بجاهل كما تقول، بل أنا عاقل ساهر ~~على مصلحة مولاي الشريف، وقد تحققت أن صلاح الدين أمر طواشيه هذا أن يقبض على من في القصر، ~~وأن يبحث عنك بنوع خاص، وإذا كنت لا تصدق ارجع إلى القصر وانظر ماذا تكون النتيجة.» # فأطرق أبو الحسن وهو يرتعد من الغيظ وأخذ يعبث بلحيته وهو يراجع ما سمعه ويستغربه والغلام ~~ساكت لا يبدي حراكا. ثم التفت أبو الحسن إليه وقال: «يا جوهر، هل أنت واثق مما ~~تقول؟» # قال: «إني واثق تمام الثقة، إن شئت أن تتحقق قولي فاخرج متنكرا وانظر إلى الجند يبحثون ~~عن الشريف أبي الحسن كما يبحثون عن سائر أبناء الخلفاء في قصر النساء. ولا أضمن أنهم لا ~~يكشفون أمرنا ويقبضون علينا ولو تنكرنا.» # فلما تحقق أبو الحسن صدق غلامه وأيقن بفشله حمي غضبه حتى أصبح صدره يرتفع وينخفض وهو يغلي ~~كالمرجل. ونسي موقفه مع غلامه فأخذ يزمجر كالأسد ثم صار يرغي كالثعلب ويتظاهر بالتجلد ~~والتفت إلى الغلام وقال: «ما لنا ولهم، دعنا منهم، لا أعلم السبب في نقمتهم علي أيضا. ~~إني بذلت الجهد في خدمتهم ... من يا ترى سيخلف العاضد على كرسي ms104 الإمامة؟» # فقال الغلام: «يظهر أنهم سوف يولون أحدا مكانه؛ لأنهم ينوون القبض على كل من بقي من ~~أصحاب هذا النسب ولذلك خفت عليك.» # فعاد إلى الإطراق وأخذ في تدبير حيلة للانتقام؛ لأن فشله كان مزدوجا، إذ ذهبت آماله في ~~الخلافة وأبعد ما بينه وبين سيدة الملك. لكنه لم يشك أنها ستندم عليه متى أكرهها صلاح الدين ~~على أن تكون له. ~~••• # أما سيدة الملك فتركناها مساء الأمس بعد ذهاب عماد الدين من عندها وقد ذهبت إلى الفراش. ~~ولكن النوم لم يزرها وتراكمت عليها الهواجس. وبكرت في الصباح للاستفهام عن أخيها فقيل لها ~~إنه مريض، لكن الأطباء عنده ولا تقدر أن تراه. فصبرت وهي تتوقع الإذن في رؤيته فلم تستطع ~~ذلك إلا بعد الظهر. فأذن لها وكان أحسن حالا مما تظن فاطمأن خاطرها عليه وجعلت تخفف عنه ~~وتطمئنه. وتذكرت مقاومتها له في ذينك اليومين بشأن خطبتها وتعب ضميرها لئلا يكون لمرضه ~~علاقة بتلك المقاومة فندمت على ذلك. # وبعد قليل أنبئ العاضد بمجيء الطبيب والجليس، فأشار إلى سيدة الملك بالذهاب وطمأنها أنه ~~في خير. فعادت إلى غرفتها وهي في قلق على أخيها. ولم يطمئن خاطرها عليه وأتتها ياقوتة ~~وسألتها فبكت وأغرقت في البكاء برغم إرادتها، فظنت ياقوتة أن الخليفة مات فصاحت صياح الندب ~~فسمعتها سائر الجواري فاقتدين بها فعلت الضوضاء وأبو الحسن عند قراقوش فظنوا الخليفة مات ~~كما تقدم وهو لم يمت. # وكان قراقوش قد استقدمه صلاح الدين في ضحى ذلك اليوم على أثر ما جاءه به الهكاري من أبي ~~الحسن وأنبأه بما علموه عن داخلية القوم وأوصاه أن يكون على حذر وأن يجعل الجند قريبا من ~~القصور، فإذا علم بوفاة العاضد أحاط القصور بالجند وبعث إليه بخبر ذلك. ولا يأذن لأحد من ~~أهلها بالخروج لأية علة كانت. ونبه بنوع خاص إلى أبي الحسن والقبض عليه، فجاء قراقوش فرأى ~~أبا الحسن عنده فاستبقاه حتى يروا ما يكون. فلما سمع الصياح داخل القصر وظن الخليفة مات، ~~خرج لتوجيه الفرسان، وأمر أبا الحسن بالبقاء ريثما ms105 يعود. فلما عاد لم يجده هناك فبعث في ~~طلبه فلم يقف على خبره فأسف لنجاته وبث العيون للقبض عليه، وأخذ يهتم بإرسال الخبر إلى صلاح ~~الدين بوفاة العاضد. ثم علم أن الخليفة ما زال على قيد الحياة فسر لأنه لم يتعجل في إرسال ~~خبر الوفاة إلى صلاح الدين لئلا يأتي ويجد الخبر كاذبا فيوبخه. على أنه أبقى الجند حول ~~القصر ليرى ما يكون. فلما دنت الشمس من المغيب جاءه أحد الغلمان يقول: «إن مولانا السلطان ~~قادم بموكبه.» فخف قراقوش للقائه فرآه تحول نحو قصر الذهب حيث يقيم الخليفة، فاستغرب ذلك ~~ومكث في مكانه لا يدري سبب مجيء السلطان في تلك الساعة وإذا بصديقه الهكاري يمشي نحوه فرحب ~~به وسأله عن سبب قدوم السلطان، فقال: «لأن العاضد طلب أن يراه.» فاستغرب قوله وصاح فيه: ~~«الخليفة طلب أن يرى مولانا السلطان.» قال: «وما مكان الغرابة؟» فأجاب: «أنت أدرى مني ~~بمكانها، وسنرى السبب بعد قليل.» # فدخل قراقوش وأدخل الهكاري معه وجلسا ودار بينهما الحديث عن مقاصد صلاح الدين ودهاء نجم ~~الدين ونحو ذلك. ~~••• # علمت سيدة الملك بعد قليل أن بكاءها وبكاء حاضنتها أشاعا خبر وفاة الخليفة فتشاءمت وسكتت. ~~ولكنها انزوت في غرفتها لا تريد أن ترى أحد وقلبها يشتعل قلقا على حياة أخيها فضلا عن ~~متاعبها الأخرى. ولما غربت الشمس انقبضت نفسها وهي في أنواع من الشدة كل منها يقبض النفس ~~ويبعث على القلق. لكن ساعة الغروب زادتها انقباضا وأصبحت شديدة الرغبة في رؤية أخيها. وإذا ~~بالحاضنة أتتها مسرعة وقالت: «إن سيدي أمير المؤمنين يطلب أن يراك.» فأجفلت لكنها فرحت ~~وأسرعت في الذهاب. والتفت بمطرفها وخمارها ومشت في الممر والحاضنة تسير بين يديها، فسمعت ~~ضوضاء ولغطا من جوانب الدهليز ولم يساعدها النور الضعيف على تبين الوجوه، لكنها استأنست ~~بأصوات بعض أهلها فاستفهمت الحاضنة عما سمعته فقالت: «إنك تسمعين أصوات أبناء أخيك ~~وأخوتك.» # فأجفلت وتراجعت. فقالت لها ياقوتة: «ما بالك يا سيدتي؟» # فقالت: «ما الذي جاء بهم إلى هنا؟ ماذا جرى؟ هل من بأس ms106 على أخي؟» # قالت: «إنه بعث في استقدامهم كما بعث في استقدامك.» # فمشت وركبتاها ترتعدان وقلبها يخفق تطلعا لما عساه أن يكون من حال أخيها؛ لأنه لا يبعث ~~في طلب أهله إلا وهو في أشد حالات المرض. ولما علم أولاد العاضد بقدومها وسعوا لها واقترب ~~أكبرهم داود ولي العهد من عمته وقبل يدها فقبلته وهي تتماسك عن البكاء تشجيعا له. وصلت ~~إلى باب الغرفة وركبتاها ترتعدان وأذناها مصغيتان لعلها تسمع كلاما تطمئن له فسمعت صوتا ~~استغربته لا تذكر أنها سمعته قبلا. فالتفت بالخمار ووسع لها الحرسي وأزاح الستار عن الباب ~~والغرفة قد أضيئت فيها الشموع فأرسلت نظرة إلى الداخل فرأت أخاها مستلقيا على السرير وعلى ~~وجهه دلائل الضعف الشديد. لكنه لما وقع بصره عليها ابتسم وسبقته العبرات فترامت سيدة الملك ~~عليه ولم تلتفت إلى أحد من الحضور وأخذت تقبله وتقول: «لا بأس عليك يا أخي ويا سيدي، لا ~~بأس عليك.» # فقبلها وهو لم يجب، لكنها أحست بدموعه تتساقط على خدها فتجلدت ونهضت وهي تقول: «لا ~~بأس عليك يا سيدي إنك في عافية والحمد لله.» # والتفتت إلى ما حولها فرأت الجليس الشريف جاثيا بجانب فراش الإمام ورجلا قاعدا على ~~وسادة لم تكد تتفرس فيه حتى ارتعدت فرائصها وتذكرت أنها رأت وجهه في بعض المواقف الرسمية من ~~خلال النوافذ وهو صلاح الدين. فأوشكت أن ترتبك ويظهر الارتباك عليها فتجلدت ولم تشك أن ~~صلاح الدين جاء ليخطبها. # وكان سائر أبناء الخليفة قد دخلوا في أثرها إلى الغرفة، فأشار العاضد إليهم جميعا أن ~~يتقدموا فقبلهم واحدا واحدا وهو يبكي ومنظره يفتت الأكباد. ولم يبق أحد من الحضور إلا ~~بكى حتى صلاح الدين. أما العاضد فأشار إلى أبنائه بالجلوس وأومأ إلى سيدة الملك أن تقعد على ~~فراشه بالقرب منه. فجلست وهي تحاذر أن يظهر وجهها لصلاح الدين. # جلسوا والسكوت مستول على المكان مدة، ثم تكلم العاضد ووجه خطابه إلى سيدة الملك قائلا ~~بصوت ضعيف مضطرب متقطع: «يا أختاه، أنت تعرفين منزلتك عندي، إنك أختي وصديقتي ومرشدتي، ms107 كم ~~استشرتك وكم عولت على رأيك! والآن وقد دنت الساعة وشعرت باقتراب الأجل والذهاب إلى حيث ~~ألقى وجه ربي، قد أحببت أن أستوثق من حالك وحال أبنائي بعدي.» وتوقف عن الكلام ريثما يستريح ~~والجميع مطرقون ثم قال: «وقد علمت بالاختبار أن ليس فيمن حولي من رجالي أو أهلي من أثق فيه ~~وأعول عليه في شأنكم، وأنت تعلمين ما كان في خاطري على السلطان يوسف صلاح الدين (وأشار ~~بيده نحوه)، وقد طالما شكوت لك من معاملته، أعترف لك وأنا في آخر ساعة من ساعات الدنيا وأول ~~ساعة من ساعات الآخرة، أعترف أني شكوت من معاملته، لكنني لا أجد الآن من أثق فيه بقوله ~~وأتحقق أنه فاعل ما يقوله سواه؛ لأني محاط بأقوام قوالين غير فعالين، يتنافسون في تملقي ~~ويتسابقون إلى ابتزاز أموالي ونيل المراتب بالحيل والدسائس. فبعثت إلى السلطان وكلفته مشقة ~~الحضور لأوصيه بكم خيرا.» وأشار بأنامله أن يمهلوه ريثما يستريح وسكت وهو يلهث. # فأطرقوا وهم يمسكون أنفاسهم ويكتمون ما يتردد في آماقهم من الدمع لا يلتفت أحدهم إلى ~~الآخر تهيبا من منظر الخليفة وتطلعا لما سيقول. ثم عاد العاضد إلى الكلام ووجه خطابه ~~إلى صلاح الدين قائلا: «هذه يا صديقي أختي سيدة الملك التي بعثت تخطبها. وهؤلاء أبنائي ~~وكبيرهم داود هذا. إني تارك أمرهم إليك خوفا من أن يصيبهم مكروه بعدي، وأشهد عليك الله أن ~~تأخذ بناصرهم ... فهل تعدني أنك فاعل ما أقول؟» # فلما سمعت سيدة الملك ذكر الخطبة في أثناء كلام أخيها اختلج قلبها خوفا ويأسا لئلا تكون ~~إذا مات أخوها رهينة أمر صلاح الدين ولا سيما بعد هذه الوصية. ثم سمعت صلاح الدين يجيب أخاها ~~قائلا: «أنت يا أمير المؤمنين في خير وعافية بإذن الله، ولا بأس عليك يدعو إلى الاهتمام ~~بالتوصية، فإنك مبل من هذا المرض قريبا إن شاء الله، أما وقد ذكرت أمر الوصاية فاعلم يا ~~سيدي أن الخادم (يعني نفسه) قائم بما أوصيت به، وليكن المولى - أعزه الله - على ثقة من هذا ~~الوعد أن أهلك ms108 هؤلاء لا يصيبهم سوء ما دمت في قيد الحياة، ولك علي عهد الله بذلك.» # فلم تجد سيدة الملك ذكرا لها في هذا الجواب فأيقنت أنها واقعة فيما تتخوفه فعظم عليها ~~الأمر فضلا عما هي فيه من القلق على حياة أخيها فأخذت بالبكاء رغم إرادتها. وأرادت الخروج ~~تخفيفا عن أخيها، فمد يده وقبض على يدها ليجلسها فأحست بارتعاش يده، فاقشعر بدنها وقعدت ~~وهي تنظر إليه، فرأته ينظر إلى صلاح الدين وعيناه تلمعان والدمع يغشاهما. وكأنه أراد الكلام ~~فامتنع عليه، فأشار بإصبعه إلى أخته. ففهم صلاح الدين أنه يوصيه بها فأجابه قائلا: «كن ~~مطمئنا على سيدة الملك، إنها أختك ونعم الأخت هي، لكنها أيضا أختي بعهد الله ~~وكفى.» # فلما سمعت تصريحه بأنها أخته سري عنها، ورغم ما هي فيه من اليأس والحزن أوشكت أن تبتسم ~~لاعتقادها أن صلاح الدين لم يدعها أخته إلا وقد عدل عن التزوج بها، وهو غاية ما تريده. ~~ولا سيما وقد ضمن حمايتها فأصبحت في مأمن من تعدي أبي الحسن أو غيره. ولم يكد يطمئن خاطرها ~~من هذا الوجه وقد شغلت عن الخطر الملم بأخيها حتى أخذ يسعل وينتفض في فراشه من شدة الرعشة. ~~وهي نوبة عصبية توالت عليه في ذينك اليومين. فنهض الجليس وأسرع يدعو الطبيب الشيخ السديد من ~~غرفة أخرى. فدخل الطبيب وأشار إلى الحضور أن ينصرفوا من المكان ليعالج المريض بما يراه ~~فنهضوا جميعا. ومشى أولا صلاح الدين مشية الأسد وسيدة الملك تراقبه وأحست من تلك الساعة ~~أنها تحبه حب الإعجاب، وهي من طبعها تعجب برجال المروءة والنجدة، وهو ما بعثها على حب عماد ~~الدين كما علمت. فأحست بارتياح لصلاح الدين واطمأنت إلى رؤيته. ثم أومأ إلى الجليس أن تنصرف ~~إلى قصرها وكذلك سائر الحضور من أهلها. # فانصرفوا وتزودت سيدة الملك بنظرة من أخيها وخرجت وقلبها مطمئن وقد نسيت حزنها على حاله أو ~~شغلت عنه. وكانت حاضنتها تنتظرها في الممر وتتوقع أن تراها باكية خصوصا لما علمته بوجود ~~صلاح الدين هناك، فأخذت تتأهب للتخفيف عنها. ms109 فإذا هي مشرقة الوجه رغم ما يجول في عينيها من ~~الدمع ورغم ما ظهر في أجفانها من الذبول، فقبضت على يدها ومشت معها فعلمت من خطواتها ~~وحركاتها أنها فرحة. وما حققت أنها وصلت إلى قصرها ودخلت غرفتها حتى ابتدرتها قائلة: «كيف ~~سيدي أمير المؤمنين؟ أرجو أن يكون في صحة.» # فقالت وهي تنزع الخمار عن رأسها: «إنه في غاية الضعف وقد داهمته الآن نوبة شديدة أوجبت ~~أمر الطبيب بإخراجنا من عنده ليعالجه، وكان قبلها ضعيفا يقطع الكلام تقطيعا.» # فقالت: «شفاه الله، من كان عنده وأنت هناك؟» قالت ذلك وهي تراقب ما يظهر منها. # قالت: «كان هناك السلطان صلاح الدين الشهم.» وسكتت. فقالت ياقوتة: «لماذا سكت وكيف عرفت ~~أنه شهم؟ يظهر أنك رفضته قبلا لأنك لم تكوني تعرفينه جيدا، أما الآن عند المشاهدة فقد ~~تبين لك أنه يستحق حبك.» وأظهرت المداعبة ثم قالت: «لكنني لم أعلم سبب حضوره عند أمير ~~المؤمنين في هذا اليوم لعله جاء لإتمام طلبه وعقد الخطبة؟» # قالت ذلك وهي تساعدها في نزع المطرف عن كتفيها. # قالت سيدة الملك وهي تنظر في المرآة لتتحقق حال وجهها: «إن أخي بعث إليه.» # قالت: «أمير المؤمنين بعث إليه؟ ولماذا؟» # فتذكرت الخطر على حياة أخيها فانقبضت نفسها وقالت: «بعث إليه ليوصيه بنا خيرا.» # فبغتت ياقوتة من هذه المفاجأة وقالت: «يوصيه بكم خيرا؟! من تعنين؟» # قالت: «أعني أنا وأبناء أخي وأخوتي؛ لأن أخي - شفاه الله - أيقن أنه لا ينقه من هذا ~~المرض، واعترف بأنه لا يجد من رجاله من يثق به ليوصيه بنا غير صلاح الدين، فبعث إليه ~~وإلينا وأوصاه بنا.» # فعادت ياقوتة إلى المداعبة لتشغل سيدتها عن الحزن وقالت: «طبعا إن صلاح الدين وافق أمير ~~المؤمنين على طلبه؛ لأنه مطالب بهذه الخدمة بواجب المصاهرة.» وابتسمت وعيناها تراعيان عيني ~~سيدة الملك لترى ما تدلان عليه. # فابتسمت سيدة الملك والدمع يتلألأ في عينيها وقالت: «بل هو قال إنه يفعل ذلك بحكم الأخوة ~~وليس المصاهرة.» # فاستغربت هذا التعبير وقالت: «بحكم الأخوة؟ وأي أخوة يا سيدتي؟» # قالت: ms110 «لما أوصاه أخي بي فلكي يؤكد له العمل بوصيته قال له: «كن مطمئنا على سيدة الملك، ~~إنها أختك وهي أيضا أختي بعهد الله وكفى».» # فلم تتمالك ياقوتة عند ذلك من ضم سيدة الملك إلى صدرها وأخذت تقبلها وتقول: «إن مصيبتنا ~~بمرض سيدي أمير المؤمنين كبيرة ، وإذا أصابه سوء - لا سمح الله - فإن المصيبة تكون أعظم ~~كثيرا. ولكن في ظلمات هذه المصائب المدلهمة نورا قد أنار قلبي وأخرجني من ديجور اليأس؛ ~~لأن أكبر هم لي كان من جهتك إنما كان هو طلب صلاح الدين خطبتك وأنت لا تريدينه؛ لأنك ~~عالقة القلب بعماد الدين. وأنا أعلم سلطة صلاح الدين وأنه إذا أراد أمرا لا يقدر أحد على ~~رده، وقد قلت الآن إنه تخلى عن الخطبة وتعهد بحمايتك كأنك أخته. فاطمئني يا سيدتي ولا يهمك ~~سعي الساعين أو وشاية الواشين.» # فعلمت سيدة الملك أنها تعني أبا الحسن، فأجابتها بعينيها وكل جوارحها موافقة على قولها، ~~لكنها انتبهت فجأة إلى حال أخيها فعادت إلى الانقباض ودقت كفيها وقالت: «ويلاه! إن أخي في ~~حال اليأس من الحياة. ماذا أعمل؟ كيف يصير أمرنا إذا مات؟» وغصت بريقها وعادت إلى البكاء ~~وأخذت ياقوتة تخفف عنها. # قضت معظم ذلك الليل في قلق، ولم تفق إلا صباحا على أصوات النعاة. ولم يقع خبر موت ~~أخيها وقعا غريبا عندها لكن وقعه كان شديدا. ولم يمض إلا يسير حتى تعالى الصياح في ~~القصور واجتمع الوزراء ورجال الدولة والكتاب وغيرهم، وغص قصر الذهب وسائر القصور بالناس. ~~وأراد أهل الخليفة إقامة مأتم يليق بالخلفاء، وهم رجال الدولة أن يبايعوا لداود ولي ~~العهد، وإذا بالقصور قد أحاط بها رجال صلاح الدين. ثم جاء بهاء الدين قراقوش إلى الجليس ~~الشريف وقال له: «إن السلطان يتقدم إليكم أن تجعلوا المأتم مختصرا خوفا من وقوع القلاقل، ~~ومن مات فقد مات ولا يجدي الصياح والعويل نفعا.» # فلم يسع القوم إلا الإصغاء والطاعة خصوصا بعد ما شاهدوا من استقدام الخليفة لصلاح الدين ~~بالأمس وإن لم يعلموا تفصيل ما دار بينهما، ms111 وإنما دلهم استقدامه على رفيع منزلته عنده، ~~ومهما يكن من الأمر فالقوة غالبة وجند صلاح الدين قابض على المدينة بيد من حديد. فأذعن إلى ~~أمره. # الفصل السابع # | آخرة الفاطميين # أما سيدة الملك فبلغها العزم على منع أهل ذلك القصر من الخروج، ورأت الجند محدقا به من ~~كل ناحية فاكتفت بالبكاء وهي في غرفتها، فندبت أخاها وبكته والحاضنة بين يديها تبكي ~~معها. # وإنهما لفي ذلك إذ سمعتا دبدبة عند باب القصر، فخافت سيدة الملك ونهضت ياقوتة وهي تقول: ~~«لا تخافي يا سيدتي بعد أن سماك صلاح الدين أخته.» ولم تصل إلى باب الغرفة حتى سمعت قارعا ~~يقرعه بلطف فسري عنها، وفتحته فرأت قراقوش واقفا باحترام وهو يقول: «هل مولاتنا سيدة ~~الملك هنا؟» # قالت: «نعم، ماذا تريد منها؟ إنها في أشد حالات الحزن.» # قال: «أريد أن أعزيها وأطمئنها وأطلب إليها بألا تهتم بما تراه من دخول بعض الناس إلى هذا ~~القصر أو خروجهم منه، وأحب أن أسألها في شيء.» # فصاحت سيدة الملك من الداخل: «تفضل يا أستاذ، ماذا تريد؟» # فدخل قراقوش وهو ينظر إليها نظرة الاستعطاف، فالتفتت إليه وقالت: «ما وراءك الآن؟ ماذا ~~تريد؟ ها إن أمير المؤمنين قد مات، فليسكن روعك وروع أصحابك.» وغصت بريقها. # فجثا قراقوش بين يديها قائلا: «إن موت أمير المؤمنين قد ساءني يا سيدتي، لكنه جرى بقضاء ~~الله ولا مرد لقضائه. وإنما جئت الآن لأخبرك أن مولاي السلطان أمرني أن أقبض على ما في هذه ~~القصور من الأموال وعلى من في هذا القصر من النساء، وهن كثيرات كما تعلمين. وإنما أستثني ~~منهن سيدتي أخت أمير المؤمنين ومن شاءت أن يصحبها من أهل هذا القصر من غير أهلها ~~و...» # فقطعت كلامه قائلة: «وماذا صنعتم بأهلي، وأين هم؟» # قال: «لا بأس عليهم؛ لأن المولى الراحل - رحمه الله - قد أوصى السلطان بهم خيرا، وهو ~~عازم على نقلهم من هذا القصر إلى قصر آخر يكونون فيه تحت رعايته، لا بأس عليهم خصوصا ~~مولاتي سيدة الملك، فمن تريدين أن يخرج معك من ms112 الأتباع، وماذا تريدين من الأثاث والآنية أو ~~غير ذلك؟» # فأطرقت وقد كبر عليها الخروج من ذلك القصر. ومع اطمئنانها بما ستناله من الرعاية عند صلاح ~~الدين لم تتمالك عن النفور من هذا الأمر وقالت: «تخرجوننا من قصورنا؟! وماذا تفعلون بمن ~~فيها من النساء والرجال والأطفال فإنهم يعدون بالآلاف.» # قال: «يا سيدتي، إن مولاي صلاح الدين سيعمل بما لا يمس كرامة أحد. فمن كانت من الجواري ~~ذات بعل أطلقها مع بعلها، ومن كانت حرة ولا بعل لها أطلق سراحها. وأما الجواري غير الحرائر ~~فيهبهن لبعض رجاله. أما أهل الخليفة فإنهم سيقيمون نساء ورجالا في غاية الإكرام والحفاوة ~~تحت عنايته، ويفرق فيهم الأعطية والألبسة والأقوات بحيث لا ينقصهم شيء كأنهم في قصورهم في ~~حياة الخليفة - رحمه الله - ولا سيما سيدتي، فإنها ستنال كل رعاية هي ومن معها.» # فقطعت كلامه قائلة: «وماذا تفعلون بولي العهد داوود؟ ألم يبايعوه؟» # فبلع ريقه وقال: «لا أظنهم يبايعون أحدا، فإن السلطان نور الدين مولانا الأكبر قد أمر أن ~~نبايع للمستضيء بالله العباسي، حتى لا يكون على الأرض خليفتان. على أني لا أرى الخلافة إلا ~~تعبا لصاحبها وخطرا عليه ولا فائدة منها ... أستميح سيدتي عذرا في اختصار الحديث؛ لأني ~~مضطر للاشتغال بتنفيذ أوامر مولاي السلطان بالاستيلاء على ما في هذه القصور كما قلت لك. ~~فأخبريني ما الذي تريدين أن أحتفظ به.» قال ذلك ونهض وأظهر أنه يريد الخروج فقالت: «أريد أن ~~تصحبك هذه الحاضنة وهي تخبرك بما أريد أن آخذه من الأثاث والثياب.» وحولت وجهها ~~عنه. # فأتمت ياقوتة كلامها قائلة: «دعوا هذه الغرفة والتي إلى جانبها لا يمسهما أحد، وأنا أهيئ ~~فيهما ما يجب نقله ... بارك الله فيك يا أستاذ.» # فتحول قراقوش وخرج، فلما خلت ياقوتة بسيدة الملك قالت لها: «الحمد لله أن صلاح الدين ~~قائم بوعده. رأيتك تدققين في السؤال وتستغربين عدم المبايعة لسيدي داود ... احمدي الله أنهم ~~لم يستخدموا السيف في فناء من بقي من أهل الخلافة كما فعل غيرهم في مثل هذه الحال. ألم ~~يأمر ms113 أبو العباس السفاح بقتل كل من بقي من بني أمية حتى لا يبقى واحد منهم يطالب بالخلافة؟ ~~فلو أمر صلاح الدين مثل هذا الأمر من يقدر على رده؟ أم تظنين المغرور أبا الحسن يرده، لعنة ~~الله عليه.» # فلما سمعت ذكر أبي الحسن أحست براحة؛ لأنها نجت من حبائله في ظل صلاح الدين ونشطت للخروج ~~فقالت: «أعدي ما نحتاج إليه من أثمن المتاع وأخفه.» قالت ذلك وتنهدت. فأخذت ياقوتة تهتم ~~بذلك. وكان يومهم هذا من أعظم أيام الشدة؛ لأنهم في يوم الانتقال من دولة إلى دولة. ~~••• # أما قراقوش فإنه قبض على من في تلك القصور من النساء وعرضهن على صلاح الدين، فوجد أكثرهن ~~من الحرائر فأطلقهن. وجمع الباقيات فوهبهن الحرية وفرقهن في رجاله وأخلى تلك القصور من ~~الناس. وأخذ كل ما صلح له ولأهله وأمرائه والخواص من مماليكه وأوليائه من الذخائر وغيرها. ~~وأخذوا من الجواهر والمصوغات ما لا يحصره وصف. ونكتفي هنا بنقل عبارة مؤرخ الدولتين في كتاب ~~الروضتين قال: «وأخلى دوره (دور العاضد) وأغلق قصوره، وسلط جنوده على الموجود، وأبطل ~~الوزن والعد عن الموزون والمعدود. وأخذ كل ما صلح له ولأهله وأمرائه ولخواص مماليكه ~~وأوليائه من أخائر الذخائر وزواهر الجواهر ونفائس الملابس ومحاسن العرائس وقلائد الفرائد ~~والدرة اليتيمة والياقوتة العالية الغالية القيمة، والمصوغات التبرية والمصنوعات العنبرية ~~والأواني الفضية والصواني الصينية والمنسوجات المغربية والممزوجات الذهبية والمحوكات ~~النضارية والكرائم واليتائم والعقود والتمائم والنقود، والمنظوم والمنضود والمحلول والمشدود ~~والمنعوت والمنحوت والدر والياقوت، والحلي والوشي والعبير والحبير والوثير، والنثير والعيني ~~واللجيني والبسط والفرش، وما لا يعد إحصاء ولا يحد استقصاء، فوقع فيها الفناء وكشف عنها ~~الغطاء وأسرف فيها العطاء، وأطلق البيع بعد ذلك في كل حدث وعتيق ولبيس وسحيق وبال وأسمال ~~ورخيص وغال، وكل منقول ومحمول ومصوغ ومعمول، واستمر البيع فيها عشر سنين، وتنقلت في البلاد ~~بأيدي المسافرين والواردين والصادرين.» # أما أهل الخليفة فنقلهم صلاح الدين إلى دار برجوان في الحارة المنسوبة إليه. واختص سيدة ~~الملك بالإكرام والحفاوة. # وكانت مصر إلى ذلك اليوم خلافة ms114 مستقلة يدعى على منابرها لخليفتها الشيعي العاضد لدين ~~الله. فأمر صلاح الدين أن تتحول الخطبة للمستضيء بالله الخليفة العباسي كما كان نور الدين ~~قد طلب منه على يد أبيه نجم الدين. وكان قد اعتذر له في التأجيل خوف الفتنة والواقع أنه ~~أجلها ليستعين بذلك على نور الدين إذا أراد أن يأخذ مصر منه بالقوة. فيأخذ هو جانب لعاضد ~~ويتقوى به وبالمصريين على دفع عسكر الشام. فلما تأكد ضعف العاضد وتحقق اشتغال نور الدين عن ~~مناهضته عزم على إقامة الخطبة العباسية مظهرا بها الطاعة لنور الدين. فلم يجسر أحد من ~~العلماء أن يبدأ بذلك إلا رجل أعجمي اسمه الأمير العالم تصدى للخطبة. فلما كان يوم الجمعة ~~صعد المنبر ودعا للمستضيء العباسي فوافقه الناس ولم يظهروا معارضة، فكتب بذلك إلى سائر بلاد ~~مصر. وكان هذا في أثناء اشتداد المرض على العاضد وتوفي ولم يعلم به. فأصبحت مصر بذلك ~~تابعة لبغداد من حيث الخلافة من سنة 567ه، ومنعوا أبناء العاضد وسائر الرجال من أهله عن ~~الزواج حتى لا يعقبوا نسلا يطالب بالخلافة. # أما سيدة الملك فلما رأت نفسها في قصرها الجديد في دار برجوان أكبرت ذلك الانتقال. ولما ~~بلغها تحول الدعوة للعباسيين تحققت ذهاب دولة العلويين فشق ذلك عليها كثيرا، علاوة على ~~وفاة أخيها. وقضت أياما وهي منزوية في غرفة من قصرها لا تكلم أحدا إلا ياقوتة تتردد إليها ~~لتخفف عنها، ومهما يكن من مشاغلها المتقدم ذكرها فإن أمرها مع عماد الدين كان غالبا عليها. ~~وقد فارقته في تلك الليلة المهولة وهي بين الشك واليقين من أمره. وكانت وهي في إبان أحزانها ~~تود أن تفاتحها ياقوتة بحديثه لعلها تسمع ما يقوي أملها بلقائه، وياقوتة لا تفعل ليس عن ~~تهيب ولكنها كانت ترى اشتغال سيدتها بحب ذلك الشاب من قبيل العبث وتود أن تنساه وتتحول عنه، ~~فلا ترى من الحكمة أن تفاتحها بذكره أو أن تجعل ذكره من أسباب اطمئنانها وراحتها. # على أنها كانت قد استأذنت صلاح الدين في الخروج للتنزه في البساتين، ولم ms115 يكن يؤذن لسواها ~~بذلك من أهل الخليفة، ولكن صلاح الدين كان كثير العناية بسيدة الملك والاحترام لإرادتها ~~قياما بعهده لأخيها. وكان ذلك من أكبر أسباب تعزيتها على مصائبها. على أنه اشتغل عنها مدة ~~بالحروب في الشام وتوفي في أثناء ذلك أبوه (سنة 568ه.) وحدثت أمور أخرى شغلته عنها، لكنه ~~كان يوصي بهاء الدين قراقوش بها. # مضت مدة لم تسمع فيها شيئا عن عماد الدين، ولا هي تعرف مقره ولا مصيره. ولا ترى بابا ~~للسؤال أو البحث، فضاق صدرها واستولى عليها القنوط وتغلبت عليها السويداء وأصبحت لا تفرح ~~بنزهة ولا ترتاح إلى حديث. وقل طعامها وتكاثر أرقها، فأخذت في الهزال وياقوتة تبذل جهدها ~~في تسليتها، وكلما رأت ضعفها وانقباضها تحيرت في أمرها. وكانت تظن طول غياب عماد الدين ~~ينسيها إياه، ولما لم تعد تسمعها تذكره ظنتها نسيته، لكنها ما لبثت أن أدركت خطأها ذات ليلة ~~وهي نائمة في غرفة مستطرقة إلى غرفتها؛ إذ أفاقت على صوت سيدة الملك وهي تناديها: «ياقوتة ~~ياقوتة!» # فوثبت من فراشها إلى فراش سيدتها فرأتها قد قعدت على السرير وشعرها منفوش وتغيرت سحنتها ~~فترامت عليها وصاحت: «مولاتي حبيبتي ماذا تريدين؟» # فقالت: «عماد الدين، عماد الدين! أين هو؟ سمعتهم ينادونه.» # فقالت: «أين هو يا سيدتي؟ إنه ليس هنا، إنك ترين حلما. ألا تعلمين أنه مسافر؟» # فأزاحت شعرها عن جبينها وتفرست فيما حولها وعيناها تدلان على اضطرابها وارتيابها وقالت: ~~«إنه مسافر؟ آه ما أطول السفر! إني سمعت اسمه في الحلم، يا ليتني ظللت نائمة لعلي أسمع ذكره ~~مرة ثانية أو ربما تراءى لي طيفه.» قالت ذلك وأغرقت في البكاء. # فأكبت ياقوتة عليها وأخذت تخفف عنها وتقول: «لماذا تفعلين ذلك يا سيدتي؟ ماذا أصابك؟ أين ~~تعقلك وحكمتك؟» # فاجتذبت نفسها من بين ذراعيها وهي تقول: «لا تذكري التعقل والحكمة. لا محل لهما مع الحب ~~يا ياقوتة ... يا لله ماذا جرى لي؟ ويلاه لم أعد أخشى التصريح بما في قلبي، لكنني حبسته ~~زمانا حتى كاد يقتلني، تدبري الأمر وأسعفيني، آه يا عماد ms116 الدين.» وعادت إلى البكاء. # فجثت ياقوتة بين يديها وقالت: «هوني عليك يا مولاتي واتكلي علي. لماذا لم تفاتحيني بهذا ~~الأمر من قبل؟» # قالت: «وما الفائدة من الكلام؟ ها إني قد كلمتك، أخبريني أين عماد الدين؟ ما العمل للوصول ~~إليه؟ ألم تعلمي مقره؟ ألم تسألي أحدا عنه؟ قولي .» # قالت وهي تمسح دموع سيدتها بمنديلها: «نعم سألت عنه وقد علمت من الأستاذ بهاء الدين ~~قراقوش أنه سار بمهمة سرية إذا نجح فيها صار رجلا عظيما يليق بسيدة الملك، وهذا أمر ذو ~~بال يا سيدتي؛ لأن بنت الخليفة وأخت الخليفة لا يليق بها أن تتزوج بواحد من عامة الناس و... ~~و...» # فقطعت كلامها قائلة: «لا تقولي خليفة ولا عامة، إنني أسيرة في هذا القصر وهو طليق، وقلبي ~~أسير أيضا ولا أدري إذا كان قلبه كذلك.» وشرقت بدموعها. # فأخذت ياقوتة تضمها وتمسح دموعها وتقبلها وتقول: «خففي عنك يا سيدتي، وارجعي إلى رشدك. ~~اصبري. لنرى ماذا نعمل.» # قالت: «ماذا نعمل قد طال غيابه، ولا أدري ما أصابه.» # قالت: «لم يصبه شيء، ولا بد من عودته ظافرا ويصير من كبار الرجال. وإذا علم صلاح الدين ~~بميلك إليه زاده رفعة وتقدما، يظهر أنك نسيت هذه النعمة. نسيت التفات صلاح الدين إليك ~~ومعاملته إياك معاملة الأخ لأخته.» # قالت: «كلا، لم أنس ذلك، ولولاه لقضيت حزنا وكآبة ... ولكن ما الذي أسمعني اسم عماد الدين ~~في هذه الليلة؟» # قالت: «لعل ذلك فاتحة القرب، تمهلي إلى الغد لنرى ما يكون.» # وأشارت إليها أن تعود إلى الرقاد فأطاعتها ونامت وانصرفت ياقوتة إلى غرفتها وهي تفكر في ~~سيدتها وقد ندمت لسكوتها عن ذكر عماد الدين كل هذه المدة، على أنها اعتقدت أن سيدتها لم ~~تسمع اسم عماد الدين عبثا، وأنه لا بد من شيء يحدث بشأنه. # وقد تحقق ظنها في صباح اليوم التالي؛ إذ جاءها قراقوش يقول: «إن السلطان صلاح الدين قادم ~~بعد قليل لمقابلة سيدة الملك.» # فبغتت لكنها توسمت في تلك المقابلة خيرا - وصاحب اليأس يتوسم في كل جديد فرجا - فقالت: ~~«هل ms117 يطلب مولانا السلطان أن يقابل سيدتي ويخاطبها؟ إنه يفعل حسنا لأنها منقبضة النفس وهي ~~تستأنس برؤيته، أنا ذاهبة لأخبرها بقدومه.» ومضت إليها. ~~••• # وكانت سيدة الملك قد نهضت من الفراش وهمت أن تستدعي ياقوتة، فلما دخلت عليها قرأت البشر ~~في محياها فخفق قلبها وقالت: «ما وراءك؟» # فقالت وهي تبتسم: «لعل الفرج قريب ... إن السلطان صلاح الدين آت لمشاهدتك.» # قالت: «هو طلب ذلك من تلقاء نفسه؟» وتوردت وجنتاها من البغتة. # قالت: «نعم يا سيدتي، فلعل عنده خبرا يسرك. قومي والبسي ثيابك.» # فنهضت وساعدتها ياقوتة في اللبس فارتدت ثوبا بسيطا وأصلحت شعرها وخمارها، وخرجت إلى ~~قاعة الاستقبال وركبتاها ترتعشان من التأثر. # وبعد قليل سمعت وقع خطوات في الدار وإذا ببهاء الدين قراقوش قد دخل وهو يقول: «إن مولانا ~~السلطان قادم.» # فتهيأت سيدة الملك لملاقاته. ثم دخل صلاح الدين وهو يتلطف في إلقاء التحية، فهمت ~~بالنهوض له، فأشار إليها أن تقعد وهو يبتسم وقال: «اجلسي يا أختي، قد أبطأت في زيارتك هذه ~~المرة لغيابي عن مصر، كيف أنت؟ أرجو أن تكوني في خير.» # فلما سمعته يناديها بالأخوة انبسطت نفسها وقالت: «طالما كنت مشمولة برضاء السلطان صلاح ~~الدين فأنا في خير، والحمد لله.» # قعد صلاح الدين على وسادة بين يديها وهو يشير إلى قراقوش أن يقعد. وظلت ياقوتة واقفة. ~~فقال صلاح الدين يخاطب سيدة الملك: «أرجو أن تكوني حائزة أسباب الراحة في هذا ~~القصر.» # قالت: «نعم إني من نعم السلطان لا ينقصني شيء من أسباب الراحة؛ لأن الأستاذ بهاء الدين لا ~~يدخر وسعا في هذا السبيل ... ويكفيني من أسباب السعادة أن يدعوني السلطان صلاح الدين ~~أخته.» # قال: «فإذا كنت راضية عن هذه الأخوة لم يبق باعث لوضع هذا النقاب على محياك.» ~~وضحك. # فأزاحت النقاب عن وجهها وقالت: «نعم صدقت.» وأطرق حياء. # فرأى صلاح الدين الضعف في وجهها فقال: «أراك منحرفة المزاج يا سيدة الملك، هل تشكين من ~~شيء؟» # فسكتت وظلت مطرقة، فالتفت إلى ياقوتة، فعلمت أنه يستفهمها عن سبب ذلك النحول فقالت: «إنها ~~لا تشكو ms118 ألما ولكنها منحرفة المزاج قليلا.» # قال: «لا بأس عليك يا أختي. وأرجو ألا أكون قد أثقلت عليك بهذه الزيارة ... وإنما حملني ~~عليك حب مصلحتك. ولكي أسألك عن أمر لا أحب أن يطلع عليه سواك وأظنك أعلم الناس به.» # فتطلعت إلى معرفة ما يقوله وقالت: «إني رهينة ما تريد يا سيدي.» وشخصت في وجهه لترى ما ~~يريده. # فالتفت يمينا وشمالا كأنه يتحقق خلو المكان من الغرباء وقال: «أنت تعلمين أن أخاك - ~~رحمه الله - أوصاني بك وبسائر أهلك خيرا، وأظنني قمت بواجب الوصية.» فأشارت بعينيها ورأسها ~~أن «نعم.» فقال: «وأظنني لم أقصر أيضا في توخي كل وسيلة لإسعاد حال هذه البلاد من كل وجه، ~~فرفعت كثيرا من المظالم التي كانت في عهد الدولة الماضية، وقد أتاها الذين كانوا محيطين ~~بالمرحوم أخيك. وكنت أظن هذا كافيا لإجماع أولئك القوم على الطاعة.» وسكت. # فقالت: «أظنهم مجمعين؛ لأن مولانا السلطان لم يدخر وسعا في تخفيف الضرائب وإجراء العدل.» ~~قال: «وكان في إمكاني لما تحولت هذه الدولة إلى يدي أن أقتل كل من كان من الأمراء والوزراء ~~على رأي الدولة الماضية لكنني لم أفعل ذلك رغبة في أن يعرفوا لنا هذا الفضل.» # فاستغربت قوله وتوسمت من ورائه شيئا جديدا، وأشارت بعينيها كأنها تستفهم عما حدث فقال: ~~«ولكنني علمت أن هؤلاء الأمراء والأعيان يتآمرون علينا.» فرفعت بصرها وقالت: «يتآمرون على ~~السلطان؟» قال: «نعم، ولو تآمروا فيما بينهم فقط لهان شرهم، لكنهم يستعينون علينا بالأعداء. ~~إنهم يخابرون أعداءنا الإفرنج في ساحل الشام وصقلية، يحرضونهم على مناوأتنا ليتاح لهم ~~القيام علينا أو تخرج هذه البلاد من أيدينا.» قال ذلك وقد بان الغضب في غنة صوته. # فأجفلت وقالت: «يتواطئون مع الإفرنج على سلطانهم؟ يا لها من خيانة!» وأطرقت لحظة ثم قالت: ~~«هل وثق سيدي من هذا الخبر؟» # قال: «إني واثق تمام الثقة مما أقول؛ لأن خبرهم جاءني من رجل أثق به وثوقي بنفسي. قبحهم ~~الله! إذا كانوا يعدون خروج الدولة من الخلافة العبيدية إلى العباسية شرا وكلتاهما ~~إسلاميتان فكيف بانتقالها ms119 إلى الإفرنج وهم أعداؤنا الألداء مذهبا ووطنا؟ فبدلا من أن ~~نتعاون على صيانة بلادنا منهم ندلهم على عوراتنا ونحرضهم على فتح بلادنا. هل رأيت أضعف ~~رأيا من هؤلاء؟ ألا يحل قتل الساعين في ذلك؟» قال هذا وقد ارتفع صوته وأبرقت عيناه برغم ما ~~حاوله من تلطيف غضبه بين يدي سيدة الملك وقد عبث بعثنونه وأخذ يحكه. # أما هي فإنها شاركته في الغضب وأحست بنوع من الخجل؛ لأن الذين قاموا بتلك المؤامرة من ~~رجال أخيها فقالت: «نعم، إنها خيانة عظيمة، ولكنني أستغرب وقوع مثل هذا العمل من قوم عقلاء ~~... فربما كان الساعون فيه من بعض العامة الجهلاء.» # قال: «إنهم من أكبر الأمراء الأعيان، وفيهم رجل يزعم أنه من سلالة العبيد بين أقربائكم. ~~ولم نوفق إلى القبض عليه مع من كان في القصر منكم، وحسبناه اكتفى بالنجاة من القتل ~~واختفى، لكنه الآن من أكبر المحرضين على الخيانة، أظنك عرفته ... ولولا دخوله في هذا الأمر لم ~~أتعبك في شرح هذه الواقعة. وإنما أردت الاستعانة بك في استطلاع حاله لعلك تعرفين عنه شيئا؛ ~~لأنه أقرب المقربين لأخيك - رحمه الله - حتى إنه كان طامعا في ولاية العهد بعده، أظنك ~~عرفته.» # فعلمت سيدة الملك أنه يعني أبا الحسن فامتقع لونها غضبا وقالت: «نعم عرفته، أظنك تعني ~~ذلك الشريف الكاذب، إنه يدعي النسب فينا وليس هو منا، ألا تعني أبا الحسن؟» # قال: «إياه أعني، إنه من أكبر المنافقين الخائنين؛ لأنه جاءنا والمرحوم العاضد على فراش ~~الموت وتوسل إلينا في نقل ولاية العهد إليه على أن يكون عونا لنا في كل شيء فلم نوافقه. ~~فانقلب إلى دس الدسائس ونصب الحبائل، فأطاعه جماعة من المارقين، وسينال كل منهم جزاءه، ~~وإنما ألتمس منك أن ترشدينا عما تعلميه من مكان أبي الحسن.» قال ذلك وهو يتلطف في السؤال ~~بخفض صوته. # فظلت ساكتة وقد تمنت أن يكون ما يقوله صلاح الدين صحيحا ليقع أبو الحسن في شر أعماله ~~وتتخلص منه، وأحبت أن تتحقق صحة تلك الدعوة فقالت: «نعم أعرف نقص هذا الرجل ms120 وسوء خلقه ~~ومطامعه وسأبحث عن مكانه، ولكنني أرجو أن يكون سيدي على ثقة في الخبر، وإذا شاء أن يزيدني ~~بيانا فإنه يعينني على البحث.» # قال: «إن هذا الخبر تلقيته من عدة مصادر، فشككت فيه حتى أتاني بشأنه كتاب من رجل لا أشك ~~في صدقه، كتب الكتاب بخطه وقد وصل إلي في فجر أمس سرا مع وفد أرسله الإفرنج الموالون ~~لأولئك الخائنين بحجة أنهم يحملون إلي هدية من بعض ملوكهم، وهم إنما يحتالون في مقابلة ~~تلك العصابة ليتموا المكيدة، وهذا هو الكتاب إذا طالعته أغناني عن زيادة الإيضاح.» قال ذلك ~~ومد يده إلى جيبه واستخرج لفافة دفعها إلى قراقوش ليقرأها. # ففتحها بهاء الدين وأخذ يقرأ: # أكتب هذا الكتاب إلى مولاي السلطان وأنا في أعماق السجن في بيت المقدس. ولا يسعني ~~الوقت لتفصيل سبب سعيي؛ فإن الكلام فيه يطول وإنما أسرعت إلى كتابته لأنقل إلى ~~مولاي خبرا مهما عرفته من ثقة، وأخاف إذا تأخر وصوله أن ينتهي بما أكره وقوعه، ~~علمت بعد خروجي من مصر بموت العاضد وانتقال الدولة إلى مولاي السلطان، وسمعت وأنا ~~في السجن أن بعض رجال تلك الدولة يجتمعون سرا في الفسطاط يتآمرون على إخراج هذا ~~الأمر من حوزته. وقد خابروا الإفرنج في هذه الديار أن يهاجموا مصر بجند كثيف ~~يجمعونه من هنا ومن صقلية، وأن أهل مصر يكونون معهم على جندكم. وأن أولئك المؤتمرين ~~يرأسهم رجل من العلويين اسمه أبو الحسن، وهو الذي أغرى الناقمين على هذه الدولة ~~فوافقوه واستنجدوا الإفرنج. وقد وافقهم الإفرنج وأخذوا يتأهبون لهذه الحملة، لكنهم ~~هيئوا جماعة بصورة وفد يحمل هدية إلى السلطان صلاح الدين من ملك الإفرنج وهم في ~~الحقيقة يريدون الاجتماع بتلك العصابة وإتمام المؤامرة. وقد وفقني الله بواسطة صديق ~~لي هنا أن أطلع على ذلك، وأن أرسل هذه الرسالة مع حامل هذا الكتاب، وهو بحسب الظاهر ~~من جملة خدم الوفد أو هو دليلهم في الطريق، فدفعت إليه هذا الكتاب، فإذا وصل إليكم ~~فادفعوا إلى حامله مائة دينار وأكرموه. أما أنا فما ms121 زلت هنا وسأبقى حتى يتاح لي ~~الخروج للقيام بالمهمة التي وقفت حياتي للقيام بها في خدمة مولاي السلطان، وأنا ~~ظافر بها بإذن الله، فإما أن أعود إليكم فائزا منصورا أو أموت في هذا السبيل فداء ~~لمولاي؛ لأن حياتي وحياة كل رجاله مبذولة في خدمته. # كانت سيدة الملك تسمع الكتاب ونفسها تحدثها في أثناء ذلك أن الكتاب يتعلق بعماد الدين. ~~فلما سمعت قوله في الفقرة الأخيرة يذكر المهمة التي انتدب لها خفق قلبها وتبادر إلى ذهنها ~~أن يكون هذا الكتاب من عماد الدين نفسه، خصوصا لأنه يقول إنه برح مصر قبل وفاة أخيها، فبدت ~~البغتة في وجهها وتسارعت دقات قلبها ولم تتمالك عند الفراغ من تلاوة الكتاب أن قالت: «هل ~~يأمر السلطان أن أعرف من هو صاحب هذا الكتاب؟» # قال: «ينبغي لنا حفظ اسمه، لكنني نظرا إلى ما بدا لي من غيرتك وصدق لهجتك لا أرى مانعا ~~من ذكره، إنه شاب جمع بين المروءة والحماسة وصدق المودة، كنا أنفذناه لأمر هام لا يجسر عليه ~~سواه، لا أظنك تعرفينه.» ووقع نظر صلاح الدين وهو يتكلم على نظر بهاء الدين قراقوش فقرأ في ~~وجهه شيئا يستدعي التوقف عن التصريح، لكنه لم يدرك السبب ولا استطاع التوقف بعد أن وعد ~~بالتصريح، ونظر إلى سيدة الملك فرآها متطاولة بعنقها وعيناها شاخصتان إلى شفتيه تكادان ~~تحتلبان الكلام من فيه احتلابا فقال: «إن صاحب هذه الرسالة اسمه عماد الدين.» # لم يكد يلفظ باسمه حتى صاحت سيدة الملك: «عماد الدين؟» وأغمي عليها! # فدهش السلطان ونهض وأسرعت ياقوتة إلى الماء وأخذت ترش سيدتها به وتفرك يديها، واقترب بهاء ~~الدين من صلاح الدين فأصغى إليه فقال له: «كنت أشرت إلى مولاي ألا يذكر هذا الاسم.» # فقال: «وما الذين يعنيها من أمره؟ هل تعرف شيئا عن ذلك؟» # فقال همسا في أذنه: «عرفت شيئا منه قبل سفره، لكن ضياء الدين الهكاري منعني من إبلاغه ~~لمولاي مخافة أن يفسد سعيه يومئذ في خطبة هذه السيدة.» وضحك. # فقال صلاح الدين: «وما هي علاقتها به؟ ms122 يظهر أنها تحبه.» # فأومأ إليه أن يتبعه إلى غرفة أخرى ريثما تفرغ ياقوتة من معالجة سيدتها، فتبعه فلما خلا ~~به قص عليه ما كان من أمر عماد الدين ليلة مجيئه إلى القصر في السرداب، وكيف وشى به أبو ~~الحسن ولم يتمكنوا من القبض عليه إلى آخر الحديث . # فوقف صلاح الدين يفكر فيما اتفق وقوعه في تلك الجلسة، وقد سر لاطلاعه على ذلك السر؛ ~~لأنه يحب عماد الدين ويريد إكرام سيدة الملك. وشكر الله لأنه لم يوفق إلى خطبتها، فقال ~~لبهاء الدين: «لقد سرني اطلاعي على ذلك، فيجب علينا أن نسعى في جمع شمل هذين المحبين، ~~والحمد لله أن سعي أبي الحسن لم يتكلل بالنجاح.» # فقال قراقوش: «ويمكننا أن نتخذ سعينا في مصلحتها وسيلة إلى سعيها في مساعدتنا على كشف تلك ~~المؤامرة؛ لأنها من أقدر الناس على ذلك فإذا أخلصت الخدمة في هذا السبيل ساعدناها على ~~مرامها.» # فضحك صلاح الدين وقال: «لله درك يا بهاء الدين! إنك لا تنظر في خير لأحد إن لم يعد جانب ~~منه عليك، أحسنت.» # قال: «إنما يهمني القيام بخدمة مولاي، أعزه الله.» # ثم تحول صلاح الدين نحو باب القاعة وسأل عن سيدة الملك، فقيل له إنها أفاقت، فدخل فرآها ~~جالسة على وسادة وقد أطرقت خجلا، وبان التعب في محياها وذبلت عيناها، فتقدم نحوها وقال: ~~«قد علمت أمرك، وسرني ما علمته من علاقة حبيبنا عماد الدين بك، واعلمي أني باذل أقصى جهد في ~~تقصير مدة غيابه، ولا يكون إلا ما تريدين، وقد أوصيت صديقي بهاء الدين أن ينظر فيما كنا ~~فيه، أستودعك الله.» # فوقفت لوداعه والخجل غالب عليها ولم تجب بلسانها، لكن عينيها أدتا واجب الشكر، على أنها ~~لم تستطع السكوت عما يخالج فؤادها من الخوف على عماد الدين فقالت وصوتها يرتجف: «ولكنه في ~~أعماق السجن يا مولاي.» # قال: «إنه سيأتي بإذن الله، وإذا ظل في السجن فإننا نفتح بيت المقدس لنخرجه منه، وإن في ~~فتحه تعزيزا لدولة الإسلام. لا تخافي.» وابتسم ومشى مشية الأسد وهي تشيعه ms123 ببصرها وتزداد ~~إعجابا بعلو همته، وكبر نفسه، ورأت انتقال السيادة إليه وذهاب دولة أخيها أمرا طبيعيا ~~لا بد من وقوعه لما كانت تعلمه من ضعف نفوس رجال أخيها وفساد آرائهم وتنازعهم على التافه من ~~الأمور شأن الدولة في أواخر عمرها. # وبعد خروج صلاح الدين تقدم بهاء الدين إليها فقال: «سأعود إليك بعد قليل ريثما ترتاحين ~~كوني مطمئنة.» وضحك. ~~••• # لم يبق هناك إلا سيدة الملك وياقوتة. ووجهها مشرق: «الحمد لله صدق ظني ونلت ما كنت ~~أريده.» # فتنهدت سيدة الملك وقالت: «ما الذي نلناه وقد تبين لي من نص ذلك الكتاب أن عماد الدين في ~~أعماق السجن عند الإفرنج وأنه مصمم على مهمة يظهر أنها غاية في الخطر، وأنه إذا لم يفز بها ~~ظل هناك أو ...» وغصت بريقها. # فقالت: «ألا يكفي يا مولاتي أننا علمنا بوجوده حيا؟ وأن صلاح الدين عون لك في الوصول ~~إليه؟ وسيقتص من ذلك الخائن؟ هيا بنا إلى الطعام واتكلي على الله.» # فنهضت وقد سري عنها وتناولت طعامها وحديثهما في أثناء ذلك عن المؤامرة وأبي الحسن. ~~وبعد الطعام أتى قراقوش - وهو يدخل المكان بلا استئذان - وقال: «يا سيدة الملك، أهنئك برضا ~~السلطان صلاح الدين فإنه أوصاني بك خيرا ... إنما ينبغي لنا أن نكشف عن مكان المؤامرة، فهل ~~تعرفين عنه شيئا؟» # فأطرقت تفكر ثم قالت: «أنى لي ذلك وأنا لا أعرف شارعا من شوارع هذا البلد؛ لأني قضيت ~~عمري محبوسة في القصور.» # فتصدت ياقوتة للكلام وقالت: «إن كشف هذا المخبأ علي.» # فقال قراقوش: «أين هو؟» # قالت: «لا أعلم، ولكني أرجو البلوغ إلى خبره ... ألا تعرف الغلام جوهر؟» # قال: «أعرفه ... ألم يكن من غلمان القصر؟» # قال: «نعم. وهو جاسوس ذلك الخائن، كان يحمل إليه أخبارنا ويطلعه على أسرارنا.» # قال: «وما الفائدة من معرفته إذا كان هذا شأنه وهو خائن لنا؟» # قالت: «إن الخائن لا يثبت في الأمانة لأحد. كان في الأمس عينا لأبي الحسن علينا، وهو ~~الآن سيكون عينا لنا عليه.» # قال: «أين هو؟» قالت: «هو في هذا القصر، وقد ms124 أخبرني بعض الغلمان أنه غاضب على أبي الحسن؛ ~~لأنه أساء معاملته ولم يبق له فيه وطر بعد خروج مولاتي من ذلك القصر ودخولها في حياطة ~~مولانا السلطان. فنفر منه وجاء يتزلف إلينا ... هل أستقدمه إليك الآن؟» قال: «افعلي.» # فأمرت أحد الغلمان أن يستقدمه، وعادت فرأت سيدتها قد أبرقت عيناها من السرور وقالت لها: ~~«بورك فيك يا ياقوتة، إنك ساحرة.» # قالت: «لا بد أن يعود كيد الخائن إلى نحره.» ثم جاء جوهر وعيناه ترقصان في وجهه من ~~الاضطراب. وكذلك بصر المنافق لا يستقر في مكانه. # فنظر إليه قراقوش نظر المتفرس وقال له: «يا جوهر، بلغنا أن أبا الحسن خدعك حينا حين ~~أخرجك عن طاعة مولاتنا ... لكني سرني أنك رجعت إلى الصواب وعلمت أنك لا تنال خيرا إلا بصدق ~~الخدمة في مصلحة مولاتنا سيدة الملك ومولانا السلطان ...» # فأكب جوهر على يد بهاء الدين يقبلها ويتظاهر بالندم والإخلاص وقال: «يعلم الله أني كنت ~~مغشوشا، فإن ذلك الرجل خدعني وأوهمني أنه يد الإمام المرحوم ويفعل ما يشاء. ثم علمت أنه ~~يريد به شرا وأنا قد ربيت في خدمة مولاي، فلا يليق بي أن أغدر به. فلما تحققت سوء قصد ~~أبي الحسن تركته لأني أكره الخيانة. ولا سيما لمن أحسن إلي وأنا صنيعته وعبده.» فقال ~~قراقوش وهو يظهر أنه صدقه: «بارك الله فيك ... واعلم أني حسن الظن بك وسأزيد في عطائك ولا ~~أسألك عما مضى. وإنما أطلب إليك أمرا واحدا هو هين عليك وفيه انتقام لك من ذلك الخائن، ~~فهل تطيعني؟» فلم يصدق جوهر أنه نال هذه الرعاية بعد خياناته الماضية فقال: «إني رهين ~~الإشارة يا سيدي.» قال: «أطلب منك أن تخبرني عن المكان الذي يجتمع فيه أبو الحسن وأقرانه، ~~هل تعرف أين هو؟» # قال: «ذلك هين يا سيدي ... نعم أعرفه وأعرف الذين يجتمعون معه - قبحهم الله - كنت عازما أن ~~أطلعكم على ذلك، وإن لم تسألوني عنه فإنه فرض علينا، وكان يمنعني الخجل من خطئي ~~الماضي.» # فربت على ظهره وضحك وقال: «عافاك الله، هل المكان ms125 بعيد من هنا؟» قال: «هو في الفسطاط يا ~~سيدي.» # قال: «الآن تحققت صدقك؛ لأني كنت عالما أنه هناك. فأنا واضع ثقتي فيك من هذه الساعة. ~~وأنت تعلم أن ثقتي هي ثقة مولانا السلطان، ولا يخفى عليك ما يستفيده صاحب هذه الثقة. أصلح ~~ما أفسدته يا جوهر، وقد أوصتني مولاتنا سيدة الملك خيرا بك وأخبرتني كم كنت مخلصا في ~~خدمتها قبلا. ولكن ذلك الخائن أغراك بهذه الخيانة. مضى ما مضى تعال معي.» قال ذلك وتحول ~~وتبعه جوهر. وقد بادر إلى العمل قبل أن يحدث ما يغير عزم ذلك الغلام المتقلب. وصمم ألا ~~يفارقه قبل الوصول إلى المطلوب. على أنه تذكر أمرا أحب أن يقوله لسيدة الملك قبل الذهاب، ~~فرجع إليها وقال: «ينبغي لك يا سيدتي أن تتكلي علي في كل ما يخطر لك، ولا بد أنك تذكرين ~~اطلاعي على مجيء عماد الدين إلى قصرك، وأحمد الله على أنه نجا سالما.» فاغتنمت تقربه إليها ~~وتلطفه في طمأنتها وقالت: «أما وأنت معي وقد رأيت السلطان راضيا عني فإني أتقدم إليك أن ~~تزيدني بيانا عن حال عماد الدين.» قال: «لا أعرف عن حاله الآن غير ما في كتابه الذي تلوته ~~عليك الساعة.» قالت: «أعني هل عليه خطر هناك؟ ومتى تظنه يعود؟» # قال: «لا أعلم متى يعود، أما الخطر فلا أخافه عليه لعلمي بشجاعته وتعقله، ولا بد من ~~الاتكال على الله ... كوني مطمئنة في كل حال.» قال ذلك ومشى. # فهرع جوهر في أثره وقد سره ما يؤمله من الفوز بالمكافأة، لا يهمه ما يترتب على عمله من ~~قتل النفوس وخراب البيوت. إن أمثال هذا الخائن ينقصهم الشعور الحي الذي يسمونه الضمير. فهم ~~ينظرون في الأعمال من حيث ما يعود عليهم من النفع ولا يشعرون بغير ذلك. والدنيا عندهم لها ~~وجهان: وجه منفعتهم، وهو ما ينبغي بقاؤه، وأما الوجه الآخر فهو كالعدة في نظرهم، فلا ~~يبالون أن يمحى من الوجود أو يساق أصحابه إلى المجازر. وقد يسرهم ما يرونه في الآخرين من ~~الأذى وإن لم ينالوا ms126 هم منه خيرا لأنفسهم. فكيف إذا كان لهم منه نفع. نعوذ بالله من هؤلاء. ~~لكنهم بحمد الله قليلون ولو كانوا كثارا لخربت الدنيا من عهد بعيد. ~~••• # مشى قراقوش وجوهر في خدمته، وكان جوهر مملوكا حبشيا وفيه ذكاء، لكنه لم يكن له ضمير ~~كما علمت، فالتفت قراقوش إليه في أثناء الطريق وقال: «يا جوهر ما العمل الآن؟» قال: «الأمر ~~لمولاي.» قال: «أنا متكل عليك في الوصول إلى الغرض، أريد أن أطلع على مجتمع القوم وأسمع ~~حديثهم، هل يتيسر ذلك الليلة؟» # قال: «نعم يا سيدي، نذهب بعد الغروب إذا شئت.» قال: «إلى أين؟» قال: «إلى الفسطاط؛ لأن ~~القوم يجتمعون في بيت هناك أعرفه، ولا يمكن أن يهتدي إليه سواي، في دار خربة لا يتوصل ~~إليها إلا من أزقة ضيقة مظلمة، ولا بد من التنكر.» # قال: «وماذا ترى أن نفعل؟» قال: «أرى أن يتنكر مولاي الأستاذ بلباس طبيب نصراني وأنا أكون ~~في خدمته أحمل له جراب العقاقير وأقود بغلته.» # قال: «هذا هين.» # وصلا بعد هنيهة إلى منزل قراقوش فدخلا، وأمر قراقوش ألا يدخل البيت أحد من الناس ولو أنه ~~السلطان صلاح الدين نفسه. وأمر جوهر أن يعد ما يلزم للتنكر وسأله عن محل الاجتماع أين ~~موقعه في الفسطاط فقال: «قرب جامع عمرو.» وعين النقطة، فتركه يهيئ ما يلزم، وأخذ في إعداد ~~فرقة من الجند تسبقه لتتربص في خان قرب ذلك المجتمع، ودبر وسيلة للإحاطة بالمنزل عند ~~ابتداء الإشارة. # أعد كل شيء قبل الغروب، ولم تغب الشمس حتى كان قراقوش قد تزيى بزي أطباء النصارى، والزنار ~~على وسطه والعمامة على رأسه وأعدت له البغلة. ومشى جوهر في ركابه، ولا يشك من يراهما ~~أنهما الطبيب وغلامه. # برحا القاهرة عند الغروب وقطعا المسافة بينها وبين الفسطاط بسرعة، ثم أطل قراقوش على ~~الفسطاط من مرتفع فرأى آثار الحريق ما زالت ظاهرة فيها، وقد خربت أكثر أبنيتها بأمر شاور ~~منذ بضع سنين (سنة 564ه)؛ إذ خاف شاور الوزير من وصول الصليبيين إليها واستيلائهم عليها ~~فأمر أهلها بالخروج منها ms127 إلى القاهرة، وألقى النار فيها وأمر بنهبها. فانتقلوا ونهبت ~~المدينة وافتقر أهلها وذهبت أموالهم. وظل الحريق عاملا فيها 54 يوما، فاختلطت الأزقة حتى ~~اشتبهت على المارة. ولولا جوهر ومعرفته الشوارع جيدا لاستحال على قراقوش الوصول إلى المكان ~~المطلوب. ولكن ذلك الحبشي كان يقود البغلة ويتخطى الخرائب كأنه ماش في داره. ودليله الأظهر ~~مئذنة جامع عمرو، فإنها كانت بارزة في الفسطاط دون سواها. # لم يتجاوزا جامع عمرو حتى خيم الغسق وأظلمت الدنيا وقل الناس في الشوارع. والمتأمل في ~~الفسطاط يجد فرقا كبيرا بينها وبين القاهرة؛ فإن هذه أكثر عمارة وسكانا وأضخم خانات ~~وأعظم آثارا. سكن الأمراء فيها؛ لأنها خاصة برجال الدولة، وأما الفسطاط فإنها مقر الباعة ~~والصناع ويكثر فيها السوقة والملاحون لقربها من النيل، وقد زادها الحريق حقارة. # ولما توسط قراقوش المدينة ورأى نفسه منفردا هناك مع جوهر خطر له أن ذلك الحبشي ربما ~~ينوي الغدر به وهو خائن لا يركن إليه، فالتفت نحوه وقال: «أين نحن يا جوهر، يظهر أننا قد ~~بعدنا عن المكان المطلوب الذي ذكرته وتجاوزنا جامع عمرو؟» # قال: «ثق يا مولاي أنني ذاهب بك إلى المكان المطلوب، وقد تجاوزناه الآن حقيقة كما قلت، ~~ولكنني أريد أن تشرف عليه من منزل آخر بابه في شارع آخر. ألا تريد أن ترى القوم مجتمعين ~~وتسمع ما يدور بينهم؟» # قال: «بلى، ولكن تمهل قليلا.» قال ذلك وتفرس فيما يجاوره فعلم أنه على مقربة من الخان ~~الذي أوصى الجند أن يتربصوا فيه فقال: «أخبرني يا جوهر أين هو البيت الذي يجتمعون فيه؟ دلني ~~عليه بإصبعك من هنا.» فأشار هذا بإصبعه قائلا: «ألا ترى هذا النور المعلق على تلك ~~السارية.» قال: «رأيته.» قال: «أترى وراءه بيتا خربا؟ إنهم يجتمعون في داخله.» # فتحول قراقوش ببغلته إلى الخان فلقيه قائد الفرقة بالباب فأوصاه أن يفرق جنده حول ذلك ~~البيت من كل ناحية بحيث لا يشعر به أحد، ولا يظهر أحد من رجاله في الطريق، ثم قال: «إذا ~~رأيتم مصباحا يتحرك فوق أحد هذه الأسطح حركة ms128 رحوية فاهجموا على هذا البيت من كل ناحية ~~واقبضوا على من فيه.» وعاد فأدار شكيمة بغلته وجوهر يقودها حتى دخل الزقاق المطلوب ووصل ~~إلى باب فدقه وقراقوش لا يزال على البغلة، ففتحت خوخته وأطل رأس الشيخ قد تدلى سالفاه على ~~خديه وقال: «من الطارق؟» # فتقدم جوهر وقال: «الطبيب سمعان ، افتح.» # قال: «وماذا يريد الطبيب منا؟ ليس عندنا أحد مريض.» # قال: «لم يأت للتطبيب لكنه يريد المبيت هنا، وهو من أهل القاهرة، وقد جاء للسفر في النيل ~~فوجد السفينة التي يريد السفر عليها قد أقلعت، فأراد المبيت في الفسطاط إلى الصباح حتى يبكر ~~إلى الشاطئ ويركب سواها. افتح يا عماه.» # قال: «لماذا لم يذهب إلى الخان، إنه قريب من هذا المكان.» # قال: «لا يريد المبيت في الخان، وهو لم يتعود ذلك، وأنا أتيت به إلى هنا خدمة لك.» وهمس ~~في أذنه قائلا: «يظهر أنك لم تعرفني يا معلم حاييم.» # فتفرس فيه الشيخ وقال: «عرفتك يا جوهر، عفوا إذ لم أعرفك من قبل.» # قال: «لا بأس، وأنا جئت بهذا الطبيب ليبيت هنا، وهو كريم الخلق كثير المال لا يبالي كم ~~تأخذون منه. الأحسن أن تخلو له البيت برمته واطلبوا عن كل حجرة منه دينارا، وإذا قال لكم ~~إنه يحتاج إلى حجرة واحدة فقط، قل له إنك لا ترضى إلا بتأجير البيت برمته.» ففرح حاييم بهذا ~~الرأي، ولم يكن في بيته كله ما يساوي إلا دينارين من الأثاث. فلما قال له جوهر ذلك رفع صوته ~~وقال: «لا نقدر أن ندخل رجلا غريبا يبيت معنا، فإذا شاء الطبيب أن نؤجره البيت من بابه ~~فعلنا.» # فقال جوهر: «أجرته؟» قال: «إن فيه خمس غرف، وأجرته خمسة دنانير.» # فتظاهر جوهر أنه يخادع قراقوش بالمساومة وقال: «إن خمسة دنانير كثيرة يا معلم حاييم. ألا ~~تكفي أربعة؟» وضغط على إصبعه ألا يقبل. # فأجاب: «كلا، إذا لم يعجبكم فهذا الخان قريب من هنا.» # فأظهر أنه رضي وقال: «لا بأس، إن مولانا الطبيب كريم. وأنتم أين تنامون؟» # قال: «ليس عندي إلا ms129 امرأتي العجوز، فنبيت عند صهرنا وهو قريب من هنا.» # فتحول جوهر إلى قراقوش وقبض منه الدنانير ودفعها إلى الشيخ وهو يقول له همسا: «هذه هي ~~الدنانير، لكن ينبغي أن تختصني منها بدينار تدفعه إلي غدا صباحا، فهمت؟» # قال: «حسنا.» وكان ينوي ألا يدفع إليه شيئا، بل اعتزم أن ينتحل حجة في الصباح يقبض بها ~~دينارا سادسا فيدعي أنهم أضاعوا شيئا من الأثاث أو نحو ذلك. # ثم تحول الشيخ إلى الداخل وعاد بعد قليل والمصباح بيده ومعه امرأته وهي تقول: «يظهر أن ~~هذا الضيف عزيز عليك حتى أخرجتني من البيت لأجله.» # فقال: «كيف لا؟» وأشار إلى بهاء الدين أن يتفضل. فتحول بهاء الدين عن بغلته فأدخلها جوهر ~~تحت قنطرة بجوار المنزل شدها إلى حلقة دقت هناك لمثل هذه الغاية. ودخل ودفع حاييم المصباح ~~إلى جوهر وانصرف وهو يوصيه بالبيت خيرا. ~~••• # دخل قراقوش البيت مع جوهر غير مبال بما يتصاعد من ممراته من الروائح القذرة، ثم أقفلا ~~الباب وأوصداه، ومشى جوهر بالمصباح بين يدي قراقوش وهما يسترقان الخطى لئلا يسمع لهما صوت. ~~ولم يمشيا طويلا حتى سمعا ضوضاء عميقة فقال جوهر: «نحن بجانب مجلس القوم ليس بننا وبينهم ~~إلا الحائط. اصبر قليلا.» # وكان قراقوش منذ خروجه من منزله يتحفز للدفاع عن نفسه ويده على خنجره ليغمده في صدر جوهر ~~إذا آنس منه خيانة، فلم يلحظ منه شيئا، فلما استهله وقف وهو يحدق فيه فإذا هو يشير إليه أن ~~يصعد على سلم ضيق يؤدي إلى سقيفة أعلى الغرفة. فصعد معه، ومن هناك اتصلا إلى السطح من باب ~~ضيق. ورأيا السماء فوق رأسيهما ونظر بهاء الدين إلى ما يحيط بهما فإذا هما والأسطح حولهما. ~~فقال جوهر بصوت ضعيف: «لنترك المصباح على السقيفة ونمشي في الظلام لئلا يفتضح ~~أمرنا.» # فأطاعه ومشى والضوضاء تزداد وضوحا حتى انتهى به إلى حائط فقال: «هذا حائط آخر من حوائط ~~قاعة الاجتماع.» # فرأى بهاء الدين في أعلى الحائط كوة قد انبثق النور منها، فتقدم نحوها فسبقه جوهر وقال: ~~«انظر هنا.» ms130 # فنظر فرأى قاعة غاصة بالناس قعودا على وسائد مصفوفة في الغرفة فوق بساط. وقد علت الضوضاء ~~ووقف بالباب رجل أسنده بظهره كأنه يمنع من شاء الدخول، فهمس في أذن بهاء الدين قائلا: «هل ~~ترى جيدا؟» قال: «نعم، لكنني لم أعرف أحدا منهم غير أبي الحسن، من هذا الجالس إلى ~~جانبه؟» قال: «إن الذي تراه إلى يمينه عمارة بن أبي الحسن الشاعر اليمني، وإلى يساره القاضي ~~العويرس، وبعده داعي الدعاة، وإلى الجانب الآخر عبد الصمد الكاتب وآخرون. وكلهم من الشيعة ~~كما تعلم. انظر في وسط الغرفة ماذا ترى؟» # قال: «أرى سيفا ومصحفا، أظنهم يحلفون عليهما.» قال: «نعم.» # وأخذ قراقوش يتفرس في الحضور ليعرفهم عند الحاجة. وإذا هو بأبي الحسن أشار بيده يطلب ~~الإصغاء فأنصتوا فقال: «أبشركم أيها الأمراء أن أعمالنا تكللت بالنجاح، وجاء وفد الإفرنج في ~~هذا الصباح يحمل الهدايا إلى ذلك الكردي، وقد فرح بالهدية وفاته ما وراءها، وجاءتنا كتب ~~أصحابنا في ساحل الشام بأنهم على أهبة الرحيل عند أول إشارة، فأبشروا بنيل المراد.» # فتصدى عمارة اليمني وهو شاعر مشهور ووجه نظره إلى القاضي العويرس وداعي الدعاة وهما من ~~أصحاب المناصب الرفيعة في الدولة وقال: «إن مولانا الشريف أبا الحسن أهل لما بايعناه من ~~الخلافة لنسبه الشريف؛ ولأن مولانا الإمام المرحوم قد أوصى له بولاية العهد كما سمعتم ذلك ~~من الجليس الشريف قبل الآن. فيجب أن نخلص له الطاعة لنعيد بناء هذه الدولة ورونقها، وكانت ~~قد فسدت بمن دخل في أمورها من الأعاجم بسوء رأي المحيطين بالخليفة السابق، وهم الذين أشاروا ~~عليه باستنجاد نور الدين صاحب الشام، فكان ذلك سببا في صيرورة الأمر إلى يوسف هذا (صلاح ~~الدين)، ولكننا متى تم لنا ما دبرناه وقبضنا على أزمة الأمور صرنا نتجنب هذا الخطأ في ~~المستقبل. ولا نولي المناصب إلا الذين نثق بإخلاصهم وتفانيهم في الدعوة العلوية من العرب، ~~إننا عرب والقرآن عربي، فلا ينبغي أن نشرك في أمرنا غير العرب كما فعل غيرنا.» # فقال عبد الصمد الكاتب: «بارك الله فيك يا ms131 أخا اليمن، قد مضى زمن الضعف والحمد لله. إن ~~خليفتنا هذا (وأشار إلى أبي الحسن) جمع بين الحزم والدهاء، ووزيرنا هذا (وأشار إلى العويرس) ~~لا مثيل له في أصالة الرأي و...» # فقطع كلامه رجل كان جالسا منذ ساعة لا يتكلم كأنه يفكر في أمر مهم لا يلتفت إلى ما يدور ~~بينهم، فلما سمع كلام عبد الصمد بشأن الوزارة رفع رأسه وقال: «إن الوزارة لم يتم الاتفاق ~~عليها بعد. وأنا مع احترامي للقاضي الأجل لا أرى له حقا في الوزارة، وإنما هي لسلالة ~~الوزراء آل رزيك، فإنهم تولوها في عهد الأئمة السالفين ولهم عليها فضل، فلا يليق نقلها إلى ~~سواهم.» # فتصدى رجل آخر كان نهض في أثناء ذلك وأخذ يهمس في أذن أبي الحسن وأبو الحسن يهز رأسه له ~~هزة الرضا والاستحسان، فقطع كلام الرجل قائلا: «مهلا لا تتنازعوا على منصب هو حق لنا وكان ~~في قبضتنا بالأمس.» # فضحك صاحب وزارة بني رزيك وقال: «تريد أن ترجع الوزارة لبني شاور؟ ألم تكن هذه المصائب ~~كلها من وزارته؟ ألم يكن هو الذي أحرق هذه المدينة بسوء تدبيره؟ إن الوزارة لا تكون لغير آل ~~رزيك ونحن أصحابها الأولون.» # فتكلم أبو الحسن وهو يبش ويتلطف وقال: «خففوا من غضبكم وارجعوا إلى صوابكم، لسنا الآن في ~~معرض التنازع على المناصب، إنما نحن في الاتحاد على إخراج هذا العدو من بلادنا، ومتى ~~أخرجناه نعمل ما يتفق عليه الرأي.» # فقال صاحب وزارة آل رزيك: «طبعا إن أبا الحسن لا يهمه البحث في المناصب الآن؛ لأنه ضمن ~~لنفسه الخلافة بسبب نسبه في العبيديين ... ولم ينازعه أحد في صحة نسبه لأن الجليس الشريف ~~شده بصحته بناء على ما سمعه من الإمام المرحوم.» وضحك ضحكة استخفاف. ~~••• # وكان قراقوش مصغيا لما دار وقد شاهد كل حركة، وجوهر واقف بين يديه يتطاول ليرى ما يراه، ~~فاكتفى قراقوش بما سمعه وشاهده والتفت إلى جوهر وقال بالإشارة: «أين المصباح؟ إلي ~~به.» # فنزل جوهر على السقيفة وأتى بالمصباح، فتناوله قراقوش وصعد إلى مرتفع وأداره بيده ms132 بحركة ~~رحوية كما اتفق مع رجال الفرقة. ثم نزل وأخفى المصباح وعاد إلى الكوة والقوم يتحاجون ~~ويناقشون. وإذا بالضوضاء قد تعاظمت ولم تمض دقائق قليلة حتى صار رجال قراقوش داخل القاعة ~~وأخذوا في القبض على من فيها. وليس فيهم من يستطيع دفاعا؛ لأنهم لم يكونوا قد أعدوا من ~~وسائل الدفاع غير ألسنتهم وأصواتهم. # ووجه قراقوش التفاتة خصوصا إلى أبي الحسن فلم يجده بين المقبوض عليهم، فظنهم أخرجوه ~~إلى خارج القاعة. ولما أيقن بفوز رجاله بالقبض على المتآمرين أشار إلى جوهر بالنزول للرجوع ~~إلى القاهرة. فنزل بين يديه بالمصباح وقراقوش يتبعه ولم تطأ رجله السقيفة حتى سمع وقع أقدام ~~مسرعة في أرض البيت فأجفل، وتفرس قراقوش على النور الضعيف فرأى شبحا بالعمامة والجبة فلم ~~يعرفه، فقال له جوهر همسا: «هذا أبو الحسن هلم إليه.» فبادر إلى إطفاء المصباح حتى لا يعرف ~~مكانه وأسرع في النزول ليقبض على أبي الحسن وهو يحسبه دخل هذا المنزل بتواطؤ سابق مع صاحبه ~~لمثل هذه الساعة على أن يبيت ليلته ثم يفر في الصباح. # نزلا إلى أرض البيت وجوهر يقود قراقوش؛ لأنه يعرف مداخل المكان وأصاخا فلم يسمعا خطوا ~~ولا صوتا كأن ذلك الشبح كان ظلا وزال، فأراد قراقوش أن ينير المصباح، فأشار إلى جوهر أن ~~يفعل واستل خنجره وتهيأ للهجوم على من يظهر أمامه. ولم يكد جوهر يبدأ بالإشعال حتى سمعا ~~باب الدار فركضا إليه فوجدا الباب مفتوحا وليس هناك أحد، فأضاء المصباح وأخذا في البحث عن ~~أبي الحسن في كل مكان فلم يجداه، فتأكدا أنه نجا، وقال قراقوش: «هل أنت متأكد يا جوهر أنه ~~أبو الحسن؟» قال: «يغلب على ظني يا سيدي أنه هو، ومع ذلك فقد يكون سواه، هلم بنا للبحث عنه ~~في الأماكن المجاورة، فإذا لم نجده فلعله في جملة المقبوض عليهم، وإلا فإنه قد نجا، قبحه ~~الله.» # فخرجا وركب قراقوش بغلته وأخذا في البحث عنه في تلك الدار وما يجاورها فلم يقفا له على ~~أثر، فذهبا إلى القاهرة وبهاء الدين يخاف ms133 أن يكون أبو الحسن قد نجا وكان خوفه في ~~محله. # أما سائر المقبوض عليهم من المتآمرين فحكم عليهم بالصلب وفي مقدمتهم عمارة اليمني ~~المتقدم ذكره، فصلبوه في 2 رمضان سنة 569ه، وارتاح بال صلاح الدين من هؤلاء، لكنه ما زال ~~يفكر في أبي الحسن سبب تلك الدسائس. # أما سيدة الملك فإنها في اليوم التالي للقبض على المتآمرين كلفت ياقوتة بالبحث عما تم. ~~فلما أنبأتها بالقبض عليهم فرحت، لكن ساءها فرار أبي الحسن وهو مصدر متاعبها. وتعلم أنه لا ~~يبالي ماذا يفعل في سبيل غرضه، لا يرعى ذمة ولا يتجنب حراما، فنظرت إلى ياقوتة قائلة: «إن ~~صلاح الدين قد فاز بما يريد.» # فقالت ياقوتة: «إن نجاة ذلك الخائن كدرتني كثيرا، ولكن ما العمل؟ لا بد أن يرجع كيده في ~~نحره لأن الله غريمه، ولم يعد يهمنا أمره ونحن في حياطة صلاح الدين. والآن جئتك بشيء يعزيك ~~على هذه المصيبة.» # فبغتت سيدة الملك وقد أصبحت تبغت كل جديد تتوقعه لفرط قلقها على عماد الدين فقالت: «ما ~~وراءك؟» فضحكت وقالت: «إني عاتبة عليك بالنيابة عن عماد الدين، كيف تعلمين بمجيء رسول من ~~عنده رآه قبل سفره وخاطبه وعلمنا من كتابه أنه سجين ولا تسألين عن ذلك الرسول لكي تستزيديه ~~إيضاحا أو تحمليه رسالة؟» فتنهدت سيدة الملك وقالت: «آه يا ياقوتة، قد أقلقتك بكثرة ~~الأسئلة، هل تتوهمين أني غفلت عن هذا الفكر؟ إن رسول عماد الدين يؤنسني إذا رأيته، وكنت ~~عازمة على استدعائه أين هو؟» قالت: «أخبرني بهاء الدين الآن أن ذلك الرسول يطلب أن يراك وأن ~~عماد الدين كلفه بذلك.» # فتوردت وجنتاها وقد أخذها الفرح ولم تتمالك أن صاحت: «عماد الدين كلفه أن يراني؟! الحمد ~~لله إنه يفكر في، هو إذن يحبني!» # ثم تراجعت وقد ندمت على تلك اللهفة وخجلت وأدارت وجهها إلى حائط عليه ستارة موشاة ~~بالألوان الجميلة تشاغلت بالنظر إليها. # فقالت ياقوتة بصوت ضعيف: «يا لله من الحب! كيف يجعل سيدة الملك سلالة الخلفاء ونزيلة ~~السلاطين يستخفها الفرج إذا سأل عنها ms134 شاب من ...» # فقطعت سيدة الملك كلامها قائلة: «لا تقولي شيئا عن عماد الدين، إنه عندي فوق الخلفاء ~~والسلاطين، صدقت إن الحب يفعل كثيرا ... والآن أين ذلك الرسول؟ دعيه يدخل.» # فخرجت ياقوتة وعادت بعد قليل ومعها شاب في زي أهل بيت المقدس الذي يلبسونه في الأسفار، ~~حول رأسه الكوفية كالخمار وقد ارتدى السروال القصير وحول خصره منطقة عريضة من الجلد غرس في ~~مقدمتها خنجرا صغيرا، ولف حول ساقيه لفافة من النسيج تسهل عليه المشي السريع. # فلما دخل وقف متهيبا متأدبا، فأرسلت سيدة الملك خمارها ورحبت به قائلة: «ما اسمك يا ~~غلام؟» قال: «اسمي جرجس.» قالت: «أنت مسيحي إذن؟» قال: «نعم يا سيدتي.» قالت: «من أين أنت ~~آت؟» قال: «جئت من بيت المقدس برسالة إلى السلطان صلاح الدين وقد أديتها بالأمس، ولكن صاحب ~~تلك الرسالة أسر إلي أمرا خاصا كلفني به يتعلق بسيدة الملك.» # قالت: «وما هو ذلك الأمر؟ أنت بين يدي سيدة الملك الآن؟» # فأطرق احتراما وقال: «أيتكما هي؟» # فتقدمت ياقوتة وقالت وهي تشير إلى سيدتها: «هذه مولاتنا سيدة الملك، قل ما عندك. وأرجو أن ~~تكون صادقا فيما تقول.» # قال: «وما الذي يحملني على الوقوف بين يديها إن لم أكن صادقا في مهمتي، خصوصا أن الأمر ~~الذي جئت به سر لم يطلع عليه أحد سواي.» # قالت ياقوتة: «صدقت يا شاب، بارك الله فيك.» ورأت أن تتولى هي السؤال عن عماد الدين ~~فقالت: «كيف فارقت عماد الدين؟» قال: «لم يبق اسمه عماد الدين يا سيدتي، بل هو يسمى عبد ~~الجبار.» قالت: «ونعم الاسم. كيف عرفته؟ ومن عهد إليك في هذه المهمة؟» # قال: «عرفته في أحرج المواقف، وما لبثت أن تعشقت أخلاقه وصرت أفديه بروحي، إنه شاب نادر ~~المثال بالمروءة والحمية.» # ولما سمعت سيدة الملك إطراءه أشرق وجهها وخفق قلبها وتطاولت لتسمع بقية الحديث. أما ~~ياقوتة فأجابته وهي تظهر السذاجة قائلة: «أمر غريب يظهر أنك عاشق له، قل كيف وقع ذلك، وما ~~هي المهمة التي جئت بها؟» فقال: «كان عماد الدين مارا ببيت ms135 المقدس في طريقه إلى نواحي حلب ~~في أمر لا أعلمه، فقبض عليه الإفرنج خداعا وسجنوه. وكنت أنا مسجونا مثله فتعارفنا في ~~السجن، فرأيت فيه أخلاق الملوك، وتجاذب قلبانا فأحببته وأخلص لي وتكاشفنا في أمور كثيرة، ~~فلم يذكر لي شيئا يتعلق بسيدة الملك، ثم أتيح لي الخروج من السجن وتقربت من صاحب بيت ~~المقدس الإفرنجي، وأصبح همي إنقاذ صديقي من السجن، فلم يسعدني الحظ بعد. لكنني كنت أتردد ~~عليه دائما وأتفقده بما يخفف عنه. وسمعنا في أثناء ذلك بما حدث هنا من موت الإمام - رحمه ~~الله - وتغيير الأحوال وإنزال أهل الخليفة في هذا القصر بالإكرام، وكنت أقص عليه كل ما ~~أعلمه وفي جملة ذلك المؤامرة التي تعلمينها، وقد بعثني صاحب بيت المقدس دليلا للوفد الذي ~~جاء لتقديم الهدايا، وجئت لوداع صديقي فكلفني بإيصال كتاب إلى السلطان صلاح الدين. ثم أسر ~~إلي أن أبحث عن سيدة الملك وأطمئنه على حالها، وها إني بين يديها.» # فقالت ياقوتة: «وما الذي أطلعك عليه من علاقته بها؟» # قال: «لم يذكر لي تفصيلا كثيرا؛ لأن الوقت لم يأذن بالتطويل. ولكنني فهمت من غرض الحديث ~~أنه يجل سيدة الملك كثيرا. وقد خطر له أنكم لا تصدقون قولي فدفع إلي هذه الجوهرة على ~~سبيل الأمارة.» # ومد يده إلى جيب في منطقته واستخرج جوهرة دفعها إلى ياقوتة فتفرست فيها واقتربت من سيدة ~~الملك، فحالما رأتها قالت همسا: «هي إحدى جواهر العقد الذي أعطيناه إياه تلك الليلة.» ~~والتفتت إلى الشاب وقالت: «صدقت، قد تأكدنا الآن أنك رسول منه. كيف هو ومتى يخرج من السجن؟ ~~وإذا خرج ألا يأتي إلى هنا؟» قال: «سيخرج قريبا إن شاء الله وهو في خير، وإذا خرج فلا أظنه ~~يأتي توا إلى هنا؛ لأن لديه مهمة لا أعرفها. وقد كلفني أن أقول لك إنه سيعود إلى هنا متى ~~فرغ منها.» # فانقبضت نفسها وأطرقت ثم رفعت بصرها إليه وقالت: «إذن هو في خير وهذا يكفي. وإذا دفعنا ~~إليك أمانة هل توصلها إليه؟» # فوضع يده على رأسه وقال: «كيف ms136 لا يا سيدتي! إني أتمنى أي خدمة أؤديها له.» # فأشارت إلى ياقوتة فدنت منها فأمرتها أن تستخرج بعض الجواهر تبعث بها إليه، وأن تكتب إليه ~~كتابا تؤكد له فيه بقاءها على حبه، وأنها تتوقع رجوعه بفارغ الصبر. # ففعلت ووضعت الجواهر والكتاب في كيس خاطته ودفعته إلى الرسول، ودفعت إليه صرة فيها خمسون ~~دينارا وقالت: «هذه أجر الطريق»، فأخذها وشكر وانصرف، وظلت سيدة الملك برهة بعد ذهابه وهي ~~تخاطب ياقوتة في شأن عماد الدين وياقوتة تصبرها. # الفصل الثامن # | السلطان نور الدين # وكان أبو الحسن قد نجا تلك الليلة من القبض عليه؛ لأنه كان لفرط دهائه وحذره يحتاط لكل ~~شيء. وكان قد أعد منفذا من قاعة الاجتماع إلى بيت ذلك اليهودي حتى إذا داهمهم مداهم فر ~~من هناك لا يبالي بما يصيب رفاقه. # قضى بضعة أيام مختبئا في بعض المنازل حتى علم ما كان من عاقبة رفاقه المتآمرين وكيف قضي ~~عليهم بالصلب، فيئس من مصر ورجالها. ولكن مطامعه ما زالت تريه المحال ممكنا - والمرء إذا ~~رغب في شيء وإن كان بعيدا فإن رغبته فيه تريه إياه قريبا - فأعمل فكرته في سبيل آخر يسعى ~~فيه للانتقام من سيدة الملك. وقد علم في أثناء تربصه أنها هي التي استعانت بخادمه جوهر على ~~كشف أمرهم، فازداد حنقا عليها، وخطر له بعد التفكير أن يستعين بالسلطان نور الدين صاحب ~~الشام. يحمل إليه أسرارا هو مطلع عليها تتعلق برغبة صلاح الدين في الاستقلال بمصر وما صرح ~~به ضد نور الدين. فيشي به إلى نور الدين لكي يحمله على محاربته وإخراجه من مصر عنوة. وأن ~~يشهد هو ذلك الفتح فيجعل غنيمته منه سيدة الملك، واستسهل كل صعب في هذا السبيل ورآه قريب ~~المنال. # فلما اقتنع بصحة رأيه احتال في الفرار من مصر طالبا دمشق الشام، وواصل المسير وجد فيه، ~~فوصل إلى دمشق متنكرا بثوب تاجر مصري، ونزل في أحد خاناتها على مقربة من القلعة وهي يومئذ ~~مقر السلطان نور الدين. ودمشق زاهية بذلك السلطان العظيم وأهلها فرحون بما ms137 ناله من ~~الانتصارات المتوالية على الإفرنج في مواضع مختلفة من بلاد الشام. لكنه لم يكد يستقر به ~~الجلوس في الخان حتى سمع لغط القوم بانحراف صحة السلطان منذ أيام وقلق الناس على حياته؛ ~~لأنه أصيب بالخوانيق. فأخذ أبو الحسن يفكر في وسيلة يتصل بها إلى مجالسته والمداولة معه في ~~أمر مصر . # وسأل عن طبيبه الخاص فعلم أنه الرحبي وهو من حذاق الأطباء وكانت له به معرفة. فسار إليه ~~فوجده في منزله فاستقبله الطبيب أحسن استقبال، وكان قد لقيه بمصر وعرف منزلته من الخليفة ~~العاضد، فسأله أبو الحسن عن حال السلطان فقال: «إنه مصاب بالخوانيق، وقد اشتد عليه المرض ~~لأنه أبى الفصد.» فأظهر أسفه وقال: «ألا يتيسر لي ملاقاته لعلي أقنعه بالفصد. ولي معه حديث ~~إذا أطلعته عليه سري عنه.» # فرأى الطبيب أن يستعين به على ذلك، وهو مطلع على قلق السلطان نور الدين من جهة مصر، فظنه ~~يرغب في استقبال أبي الحسن لعله يستطلع منه أمرا جديدا فيأذن في مقابلته ولو كان مريضا، ~~فاستمهله الطبيب إلى صباح اليوم التالي. # وجاء الرحبي في الصباح فقال له: «إن مولانا السلطان أحسن حالا الآن وقد ذكرتك له فأحب أن ~~يراك.» # ففرح أبو الحسن بذلك، وركب مع الطبيب إلى القلعة. وكان السلطان مقيما في غرفة من غرفها ~~أصابه المرض وهو فيها فبقي هناك. فدخل الطبيب أولا واستأذن لأبي الحسن، فأذن له، ودخل وهو ~~يتلطف في التحية والاحترام. وكان قد عرف السلطان من قبل واجتمع به غير مرة، وعهده به قوي ~~البنية مشرق الوجه، فرآه قد تغيرت حاله. وكان السلطان نور الدين أسمر طويل القامة ليس له ~~لحية إلا تحت فمه، وكان واسع الجبهة حسن الصورة حلو العينين، ولكن المرض ذهب بلمعانهما، وقد ~~امتقع لونه، فلما رأى أبا الحسن داخلا ابتسم على عادته في المجاملة. فأكب أبو الحسن على ~~يده كأنه يريد تقبيلها، فامتنع نور الدين عن ذلك وأشار إليه أن يقعد. ولم يكن في تلك الغرفة ~~شيء من الرياش؛ لأنها ليست القاعة التي يقابل ms138 الناس فيها وإنما اتفق وجوده هناك عند ~~الإصابة. # جلس أبو الحسن على وسادة وقال: «كيف مولانا اليوم؟ أرجو أن يكون في صحة لأن سلامته سلامة ~~الدولة، وفي شفائه شفاء الإسلام. وأرجو ألا أكون قد أثقلت عليه بقدومي.» # فقال نور الدين وصوته ضعيف من الخوانيق: «الحمد لله على كل حال، وأما قدومك فقد سرني ~~لعلمي أنك قادم من مصر، وفيها حبيبنا ووزيرنا الملك الناصر كيف فارقته؟» # فلما سمعه يلقب صلاح الدين بالحبيب تشاءم، لكنه عزم على المراوغة فقال: «هو في خير بظل ~~مولانا السلطان الملك العادل.» # قال: «كيف فارقت مصر؟» قال: «فارقتها وأهلها يتشوقون إلى طلعة مولانا السلطان - أعزه الله ~~- ويتمنون أنه لو شرفهم بالزيارة ليرى مملكته الجديدة.» # فأشرق وجه نور الدين وسره أن يسمع ذلك من أمير مصري كان من المقربين للدولة الماضية، ~~فقال: «ولكن بلغنا أن بعضهم تآمروا على خلع الطاعة، فهل ذلك صحيح؟» # فقال: «نعم يا سيدي، إنهم تآمروا ولكن ليس على خلع طاعة السلطان نور الدين.» # قال: «وكيف إذن؟» وبدت البغتة في عينيه ونسي مرضه وأخذ يعبث بجانب لحيته، وتفرس في عيني ~~أبي الحسن ليرى ما يبدو منه. # فقال أبو الحسن: «إن أهل مصر من أقرب الناس إلى الطاعة ولكن.» وبلع ريقه وتنحنح وأظهر أنه ~~يكتم أمرا لا يحب التصريح به. # فقال نور الدين: «ما بالك؟ ولكن ماذا؟» # قال: «لا أحب أن أزعج سيدي السلطان بأمور لا أظنها تسره.» فبدا الغضب في وجه نور الدين ~~وقال: «قل. تآمروا على خلع من؟» # قال: «إنهم تآمروا على خلع السلطان صلاح الدين.» # قال: «أليست طاعته طاعتي؟» # قال: «بلى، هكذا يجب أن يكون، ولو طلب طاعتنا باسم السلطان نور الدين لما وجد ~~مخالفا.» # قال: «وكيف طلبها إذن؟» قال: «يظهر أن أصحاب البريد يخفون الحقيقة عن مولانا السلطان فإذا ~~أذن لي تكلمت.» قال: «قل. قد أذنت لك.» # فالتفت أبو الحسن إلى الطبيب كأنه يستشيره في هل يضر الغضب صحة السلطان. فتقدم الطبيب إلى ~~السلطان وقال: «أرى مولانا السلطان قد بان الغضب في ms139 وجهه وهو مريض، ألا يؤجل هذا الحديث إلى ~~وقت آخر؟» فقال: «كلا، إني في خير، فليقل ما يشاء.» # فاعتدل أبو الحسن في مجلسه وقال: «إن وزيرك صلاح الدين لم يطلب طاعة المصريين باسمك، ~~ولكنه طلبها باسمه، وزعم أنه هو صاحب الأمر وليس للسلطان نور الدين شيء منه، وقد قاومناه ~~وتآمرنا عليه ؛ لأننا لا نريد أن نعرف غير مولانا نور الدين سلطانا. وأنا أستغرب كيف لم ~~يبلغ ذلك مولانا السلطان، وقد صرح به صلاح الدين في جلسة علنية، حتى إن أباه نجم الدين ~~انتهره وأمره بالكتمان؟» قال ذلك وسكت. # وكان نور الدين حسن الفراسة فأطرق هنيهة يفكر فيما سمع وهو يعبث بلحيته، فلم تعجبه تلك ~~الوشاية من عدو طبيعي لهما، ولا سيما بعد أن سمع اعترافه بأنه كان من المتآمرين على صلاح ~~الدين، وأدرك أنه لو كان صادقا في طاعته لم يكن ليساعد على خلع الطاعة بتلك الصورة، بل كان ~~عليه أن ينقل خبر صلاح الدين إليه. فترجح لديه كذبه فقال: «وماذا ترى الآن؟» قال: «أرى ~~ألا يستخف مولانا السلطان العادل بمطامع وزيره، فإنه قد جاهر باستقلاله بمصر قبل موت الإمام ~~العاضد فكيف به الآن؟ فما على السلطان إلا أن يخضعه وأنا في خدمته أفديه بدمي.» # فحملق السلطان فيه بعينيه السوداوين، وكاد الشرر يتطاير منهما لشدة الغضب وقال: «لو كنت ~~صادقا في نصحك لحملت إلينا هذه الوشاية من قبل. فصبرك عليها حتى الآن حجة عليك وعلى أصحابك ~~المتآمرين. إنما أنتم تآمرتم على خلع طاعة نور الدين، بل أردتم نقض بيعة الإمام العباسي ~~لأنه سني، وطمعتم في استرجاع السيادة لأنفسكم!» # وكان يتكلم وهو مستلق، وأخذ يرتعد من الغضب فاعتدل يريد الجلوس فأعانه الطبيب على ذلك ~~وندم على الإذن له في الكلام. فأخذ أبو الحسن يتنصل من تلك التهمة وقال: «لم أحسن التعبير ~~عن مرادي يا سيدي. إني أصدقك الخبر. إن ما قلته هو الصحيح. نحن طائعون للسلطان نور الدين ~~و...» # قال: «لو كنتم صادقين لأطعتم وزيري ونائبي صلاح الدين، لكنكم تعودتم التملق ms140 والتذبذب، ما ~~الذي أساءكم به صلاح الدين؟ ألم ترسلوا إلينا شعور نسائكم تستغيثون بنا فأنفذنا إليكم عمه ~~شيركويه وقد أنقذكم؟ وهذا صلاح الدين أخمد العصيان وأصلح البلاد وأبطل الضرائب. فكان ينبغي ~~أن تعرفوا فضله. ولكن قوما يبلغ بهم الذل أن يستشفعوا بشعور نسائهم لا يرجى منهم وفاء. ما ~~زلت أذكر سوء وقع ذلك في مجلسنا يوم أتتنا تلك الشعور في المناديل وقد عقد المجلس للنظر في ~~طلب إمامكم، وكان بين الغلمان شاب صغير لم يملك حين رأى تلك الشعور أن تقدم إلي لكي أعطيه ~~خصلة منها حمراء ذهبية، وكان مقربا من صلاح الدين فدفعتها إليه لأرى ما يبدو منه. فلما ~~تفرس فيها قال: «إن صاحبة هذا الشعر الجميل لا تمتهن وهي إما بنت الخليفة أو أخته، فإني ~~معيده إليها.» فأذنت له بالخصلة فأخذها في منديلها ولا أدري إذا كان قد وفق إلى ما أراد، ~~فكيف ترجو أن أتوقع منكم وفاء وقد جئتني الآن تريد الإيقاع بيني وبين نائبي؟ هب أنه أراد ~~الاستقلال بمصر فليأخذها هو، فإن البيعة واحدة ولا ترجع لكم.» ولما بلغ إلى هنا بان التعب ~~عليه وحول وجهه عن أبي الحسن باحتقار، وأدار له ظهره وعاد إلى الرقاد وهو يلهث من ~~التعب. # أما أبو الحسن فجمد الدم في عروقه من الفشل وأحس كأنما صب عليه ماء بارد. وأخذ يرتعد وقد ~~وقع خبر خصلة الشعر عليه وقوع الصاعقة؛ لعلمه أنها من شعر سيدة الملك. فأشار إليه الطبيب أن ~~يخرج حالا؛ لأن السلطان أصابته نكسة بسبب الغضب. فخاف أبو الحسن أن يأمر السلطان بالقبض ~~عليه فخرج مسرعا واختفى في مكان لا يعرفه فيه أحد ريثما يرى ما يكون. # وفي الصباح التالي طاف المنادون في المدينة ينعون السلطان نور الدين (توفي في 11 شوال ~~سنة 569). وتناقل الناس عن سبب وفاته بعد أن تحسنت صحته أنه غضب من بعض الناس فأصابته نوبة ~~ذهبت بحياته. فأسقط في يد أبي الحسن وعمد إلى الفرار، وقد تولاه اليأس وأظلمت الدنيا في ~~عينيه. # خرج من دمشق ms141 وهو يرغي ويزبد من شدة الغضب والخادم في ركابه لا يجسر على النظر إليه. حتى ~~إذا مر بالغوطة وصل إلى عين ماء جارية يظللها ويحيط بها أشجار التفاح والسفرجل والمشمش ~~وسائر أنواع الفاكهة، وقد دخل الربيع وتفتحت الأزهار وتغنت الأطيار. والطبيعة باسمة ضاحكة، ~~ولكن أبا الحسن، لم يكن يرى شيئا غير الفشل نصب عينيه. وإنما نبهته البغلة إلى الوقوف ~~هناك؛ لأنها رأت الماء جاريا فهاجها العطش فمالت إلى قناة الماء لتشرب. فانتبه أبو الحسن ~~وقد صارت الشمس في الضحى وهو في الخلاء لا رقيب عليه. فلاح له أن ينزل هناك ليستريح فترجل ~~وسلم البغلة إلى الخادم يهتم بأمرها. وتغلغل بين الأشجار على غفلة من خدم البستان لأنهم ~~لا يتوقعون نزول الناس هناك في مثل تلك الساعة. # أما أبو الحسن فلما خلا بنفسه قعد إلى جذع شجرة مشمش تدلت أغصانها تحمل نوعا من المشمش ~~يفاخر به أهل الشام سائر المشرق ويعرف الآن بالمشمش الحموي ينضج في إبان الربيع، والناس ~~يقصدون الغوطة للتمتع بمنظره وطعمه. # على أنه لم يخطر ببال أبي الحسن شيء من ذلك، لكن إشراق الطبيعة أذكره ماضيه وأوضح له ما ~~هو فيه فازداد انقباضا. ومكث برهة يفكر وهو في غلفة عن زقزقة العصافير وتطايرها ~~ومداعباتها، وليس فيها من يخاف الفشل؛ لأنها لا تطلب من الطبيعة غير ضروريات البقاء وهي ~~ميسورة. أما الإنسان فمن مطالبه ما لا ينال إلا بالجهد والعناء، وهو لا يبالي أن يرتكب في ~~سبيل نيله أنواع المحرمات. # وبعد السكوت مدة نبهته حشرة انسابت بجانبه بين العشب فالتفت إلى ما يحدق به من جمال ~~الطبيعة وبهائها فاتضحت له الظلمة التي هو غارق فيها. ومر تاريخ حياته في خاطره مرور السهم ~~فلم يزدد إلا انقباضا، وتبين أن سبب هذا الشقاء إنما هو رفض سيدة الملك له فاشتدت نقمته ~~عليها، واغتنم غياب خادمه وأخذ يحدث نفسه قائلا: «ويل لتلك اللعينة! تفضل ذلك الغلام ~~علي؟ أما كان الأفضل لها أن يكون أبو الحسن زوجها ويبقى هذا الملك لنا. كنت قادرا ms142 أن ~~أقتل صلاح الدين ولم أفعل؛ لأني أريد أن أستثمر تعبي لنفسي لا أن يستغله سواي. علمت أنها ~~تشك في صحة نسبي ولا تعتقد أني من بني عبيد الله. نعم لست منهم، ولكن شرف النسب ليس سوى ~~وهم. إنما الرجال بالأعمال، وقد انتحلت ذلك النسب لأن الناس يحترمونه. وظننته يكون وسيلة ~~إليها وإلى الملك، فلما أوشكت أن أصل إلى الغرض عرقلت مساعي بغطرستها وتعلقها بذلك ~~الخادم!» # ثم أجفل لسقوط مشمشة وقعت على الحشيش اليابس فأحدثت حفيفا فتحولت أفكاره إلى مجرى آخر ~~فتذكر صباه فقال: «وأنت يا راشد الدين، قد آن الوقت لأستعين بك على هذه الفاجرة، لا ~~لأتزوجها بل لأذيقها العذاب ثم أريها رأي العين سوء تصرفها فتندم حين لا ينفعها الندم.» ~~وكأنه عزم على أمر توسم النجاح فيه فارتاح باله وانقشعت عنه السويداء، وقد أحس بالجوع ~~فالتفت إلى ما حوله فلم يجد أحدا فصفق للخادم وناداه فأتى فأوعز إليه أن يأمر البستاني ~~أن يهيئ له طعاما وفاكهة، وبعد أن أكلا عاد إلى تدبير ما عزم عليه. ~~••• # علمت من سياق الحديث أن عماد الدين لاقى في سفره عذابا؛ إذ قبض عليه الإفرنج بقرب بيت ~~المقدس لاعتقادهم أنه جاسوس وسجنوه مدة تعرف في أثنائها إلى جرجس كما تقدم. ولم يكن جرجس ~~مسيحيا كما قال وإنما هو من كبار الفدائيين الإسماعيليين، واسمه الحقيقي عبد الرحيم بعثه ~~راشد الدين لقتل أموري الإفرنجي صاحب بيت المقدس. فتنكر باسم جرجس واحتال حتى جعلهم ~~يقبضون عليه ويسجنونه ليتمكن في أثناء سجنه من التعرف إلى صغار أهل البلاط ويطلع على خفايا ~~القصر بحيث يسهل عليه الوصول إلى غرضه. وعدة أولئك الفدائيين في تنفيذ أمر مولاهم راشد ~~الدين أن أحدهم إذا كلف بقتل أحد الملوك جعل نفسه من أصغر خدمه. والغالب أن يجعل نفسه ~~سائسا لجواده ليتيسر له الاقتراب منه عند الركوب والنزول فيغتنم غفلة منه ويغرس في قلبه ~~خنجره. # ففي أثناء إقامة عبد الرحيم (أو جرجس) هذا في السجن تعرف إلى عماد الدين وأحبه وتمكنت ~~العلائق بينهما، ms143 فكاشفه عبد الرحيم بحقيقته، وكيف أنه مسلم وأنه احتال بالسجن ليتوصل إلى ~~غرضه ويقتل صاحب بيت المقدس بإشارة مولاه راشد الدين، وأخذ يرغبه في هذه الطائفة وقبالة ~~مقاصدها وشدة تأثيرها، فحمد عماد الدين السبب الذي جره إلى ذلك السجن؛ لأنه كان وسيلة إلى ~~هذا التعرف وسهل عليه مهمته. فأظهر ارتياحه لذلك الرأي ووعده بأن ينتظم في سلك ~~الإسماعيلية بعد خروجه من السجن، وهو يضمر أن يجعل ذلك الانتظام وسيلة لتنفيذ مهمته التي ~~جاء من أجلها لقتل راشد الدين. وبذل جهده في اكتساب ثقة عبد الرحيم وأطاعه في تغيير اسمه ~~فجعله عبد الجبار. # ولما كانت أيام السجن طويلة؛ لأنها خالية من العمل فيمل المسجونون الفراغ ويضطرون لقضاء ~~الوقت بالأحاديث أو الألعاب، فقد أخذ عبد الرحيم يقضي معظم الوقت في التحدث عن راشد الدين ~~وكراماته ومقدرته، وكيف أنه يعلم الغيب ويتنبأ عن المستقبل، ويحدث الأحجار ويأتي ~~بالمعجزات. وأنه يفعل ذلك لا لطمع في الدنيا وإنما هو ينصر الإسلام. واستشهد على صحة قوله ~~بالمهمة التي أتى فيها لقتل صاحب بيت المقدس. وكان كلما ذكر راشد الدين ثارت الحمية فيه ~~وهاجت عواطفه وأصبح كله ألسنة تنطق بفضائله. فكان لأقواله مع التكرار تأثير في عماد الدين ~~فأصبح يرى وجود راشد الدين قوة عظيمة يمكن الاستعانة بها على الإفرنج إذا تمكن من اكتساب ~~صداقته. على أن ما سمعه من معجزات ذلك الرجل وكراماته وعن جنته وسمائه حبب إليه الاطلاع ~~على حقيقة ذلك. # تمكنت هذه الصحبة بينهما، ثم انتهت أيام عبد الرحيم في السجن وخرج وأهل البلاط يحبونه ~~ويرون في وجوده نفعا لهم؛ لأنه مسيحي يعرف لغة البلاد وعاداتها. فقربوه وهو يبذل جهده في ~~مرضاتهم توصلا لغرضه، فلما دارت المخابرة بين الحزب العبيدي في القاهرة وبين الإفرنج ~~وانتهت بإرسال الوفد اختاروه ليكون دليلا. فذهب لوداع عماد الدين، وعهد إليه هذا فيما تقدم ~~ذكره، فبذل جهده في خدمة صديقه رغبة في إدخاله سلك الإسماعيلية؛ لأنه آنس فيه من الشجاعة ~~والذكاء ما يندر مثاله وهم في حاجة إلى الشجعان. ms144 # فلما عاد من تلك المهمة توسط في إخراج عماد الدين من السجن، وأبلغه ثمرة كتابه إلى صلاح ~~الدين، وكيف أنه قبض على المتآمرين وقتلهم صلبا إلا أبا الحسن فإنه نجا. ثم دفع إليه ~~كتابا من صلاح الدين يثني فيه على حميته، وصدق مودته. # ثم أطلعه على ما عرفه عن سيدة الملك، ودفع إليه كتاب ياقوتة والجواهر، فتناولها وأعطى ~~جانبا منها إلى صديقه عبد الرحيم فازداد تعلقا به - وليس من شيء كالسخاء يحبب صاحبه إلى ~~الناس مهما يكن فيه من العيوب. حتى جرى على ألسنة العامة قولهم «ما من عيب إلا والكرم ~~غطاه.» فكيف إذا كان الكريم قليل العيوب أو لا عيب فيه، ولو علم الأغنياء ما يغطيه الكرم من ~~عيوبهم لكرهوا البخل وبعدوا عنه، وكما يذهب الكرم بعيوب الأغنياء فالبخل يلصق بهم عيوبا ~~ليست فيهم. # وأسرع عماد الدين إلى كتاب ياقوتة فقرأ فيه قولها: # سلام عليك يا عماد الدين، جاءنا صديقك وسرنا أنك في عافية، ولكن ساءنا ما أصابك ~~في السجن. على أن ما عرفناه من حب هذا الصديق لك وما يظهر فيه من المروءة والشهامة ~~طمأننا عليك. إننا نقيم الآن في دار الأضياف في رعاية صلاح الدين. إنه شهم وقد ~~أكرمنا غاية الإكرام. ويسرني أن أخبرك بأنه جعل مولاتي سيدة الملك أختا له وهو ~~يعاملها معاملة الأخت من كل وجه. وجاء ذكرك مرة أمامه فأكثر من الثناء عليك وصرح ~~بما يرجوه لك من المستقبل السعيد. إنما ساء سيدتي أنك في السجن، على أن صديقك جرجس ~~بشرنا بقرب خروجك منه سالما معافى، ولكن عظم علينا أنك ستبطئ في المجيء إلينا. ~~عجل ولا تقطع أخبارك وعليك السلام. # فلما قرأ الكتاب أحس بشيء جديد لم يشعر به من قبل. وقد كان إلى تلك الساعة مضطرب ~~الأفكار من جهة سيدة الملك؛ لعلمه أن صلاح الدين خطبها لنفسه. ورأى من الجهة الثانية ما ~~أظهرته من الميل إليه حتى أوشكت أن تقول له صريحا إنها عاشقة له تتفانى في حبه. فوقع في ~~حيرة وإنما شغل ms145 عن ذلك بالأسفار وملاقاة الأخطار ليرى ما تأتي به الأقدار. فلما اطلع على ~~كتاب ياقوتة وعلم أن صلاح الدين لا يريد الزواج بسيدة الملك ورأى عطفها عليه في ذلك الكتاب ~~مع اختصاره، أحس أنها له وحده واضطرمت نيران الحب في قلبه مرة واحدة، كأن لواعج تلك المدة ~~كلها اجتمعت في ذلك اليوم ، فأصبحت صورة سيدة الملك نصب عينيه أينما توجه، وتذكر منظرها في ~~تلك الليلة وهي واقفة تودعه وتتعجل نزوله في السرداب. ولم يكن يومئذ يشعر بشيء من تلك ~~العواطف. كما تذكر خصلة الشعر الحمراء وكيف تجاسر على طلبها من نور الدين، وكيف أذن له ~~نور الدين في أن يأخذها. ثم كيف وفق للاجتماع بصاحبتها وهي في أشد الخطر فأنقذها ودفع ~~إليها الخصلة. مر ذلك كله بذهنه في لحظة فتحقق أن المقادير أعدت له هذه النعمة، فإذا وفق ~~إلى إتمام مهمته بلغ أوج السعادة. فبدأ يشعر بالسعادة من ذلك الحين! # لقد اختلف الناس في تعريف السعادة فجعلها بعضهم في المال، وآخرون في الشهرة، وآخرون في ~~الصحة، وذهبوا فيها مذاهب شتى، لكن المحبين يعلمون أن السعادة في تبادل المحبة بين حبيبين ~~يرجوان ويخافان، يلتقيان ويفترقان، وهما - في كل حال - في سعادة الاجتماع إما بالفعل وإما ~~بالأمل. سواء أرافقهما الغنى أم الفقر، والشهرة أم الضعة. إنهما سعيدان في كل حال! # شعر عماد الدين بعد تلاوة الكتاب بما لم يشعر به قبل. وأصبح شديد الرغبة في سرعة الرجوع ~~إلى القاهرة. وكان عبد الرحيم خلال ذلك واقفا يراقب حركات صديقه مخافة أن يكون في ذلك ~~الكتاب ما يبعثه على تغيير خطته وهو يحب أن يدخله في طغمة الإسماعيلية. وانتبه عماد الدين ~~لنفسه فرأى صديقه قاعدا بجانبه فقال له: «إني أشكرك أيها الصديق على هذه الخدمة الثمينة ~~جزاءك الله خيرا.» # قال: «هذا واجب أديته لا فضل لي به، وهل إذا أتيح لك أن تخدمني مثل هذه الخدمة ~~تتأخر؟» # فثارت النخوة في رأس عماد الدين وقال: «أفديك بروحي.» ولم يقل ذلك حتى أحس بشيء في داخله ms146 ~~يعترض ذلك القول؛ لأنه شعر من تلك الساعة أن روحه ليست له، وأنه يود البقاء ليرجع إلى ~~حبيبته ويتمتع باللقاء. # أما عبد الرحيم فأعجبه ذلك التعبير منه وقال: «سترى من هو أولى مني بالفداء. إن الشيخ ~~راشد الدين إمامنا ومولانا نفديه كلنا بأرواحنا. وستذوق هذه اللذة متى صرت واحدا منا. هل ~~أنت عازم على الدخول معنا في هذا الأمر؟ أم غيرك هذا الكتاب؟» وضحك. # قال: «لم يغيرني شيء، لكن ما هو السبيل إلى ذلك؟ كيف أذهب وإلى أين وما هي الطريقة؟ ~~أرجو أن تساعدني وترشدني.» # فرح عبد الرحيم وقال: «إني طوع إرادتك. سأعطيك كتاب توصية إلى الشيخ دبوس نائب مولانا ~~الشيخ الأكبر وهو يقيم معه في قلعة مصياف من جبل السماق من أعمال حلب ثم ألحق بك بنفسي. ~~يمكنك السفر اليوم. هل تعرف الطريق؟» # قال: «أعرفها جيدا؛ لأني ربيت في هذه البلاد.» # فأخذ عبد الرحيم ورقا وكتب توصية إلى الشيخ دبوس نائب شيخ الجبل، فتناولها عماد الدين ~~وودعه وركب جواده قاصدا جبل السماق. وهو جبل عظيم من أعمال حلب يشتمل على مدن كثيرة وقرى ~~وقلاع كلها للإسماعيلية، وفيه بساتين ومزارع، لكن المياه الجارية فيه قليلة إلا ما كان من ~~عيون ليست بالكثيرة في مواضع خاصة، ومع ذلك تنبت فيه جميع أشجار الفواكه وغيرها حتى المشمش ~~والقطن والسمسم. # وقد اشتهر جبل السماق بالقلاع التي فيه لطائفة الإسماعيلية، وهي عديدة أشهرها مصياف وكهف ~~والخوابي وعليقة ومرقب والرصافة وغيرها، ويهمنا هنا مصياف وفيها يقيم زعيم الإسماعيلية راشد ~~الدين وهي على مسافة 12 ساعة غرب حماة. ~~••• # وقد اشتهرت هذه القلعة في زمن الإسماعيلية بإقامة شيخ هذه الطائفة فيها وهي واقعة على جبل ~~مصياف، وهو جبل شامخ يحيط به من الشرق والغرب مستنقعات واسعة، وينتهي من الشمال بقمة عالية ~~فوقها قلعة منيعة هي مقر شيخ الإسماعيلية. ومن أسباب مناعتها أنها قائمة على صخر جوانبه ~~عمودية يعسر تسلقها. وتشرف على ما يحيط بها من المستنقعات من كل ناحية، ومن جملة ذلك واد ~~يقيم فيه بعض الفلاحين ms147 يزرعون الحنطة والشعير. وعلى مسافة من الجبل بلدة مصياف يسكنها طائفة ~~من العامة. # أما القلعة فإنها محاطة بسور سميك ليس له إلا باب سقفه عقد متين، إذا دخل الرجل منه سار ~~في ممر كله معقود يصل من الداخل إلى قمة القلعة وما وراءها وفوقها من الغرف، وكلها مبنية من ~~الحجر الصلد. وعلى السور أبراج متلاصقة تقيم بها الحامية ترمي الهاجمين عليها بالسهام أو ~~الحجارة قبل وصولهم إلى الباب بمسافة بعيدة بحيث يستحيل أخذها بالهجوم إلا بعد قتل المئات ~~والألوف. # برح عماد الدين بيت المقدس على جواده، وكان يعرف عدة طرق إلى جبل السماق، لكنه أحب أن يمر ~~بدمشق مرتع صباه، وقد اشتاقت نفسه إلى رؤيتها ومشاهدة بساتينها، فوصل إليها بعد بضعة أيام. ~~وكان وصوله قبل وصول أبي الحسن بيومين، وظل متنكرا لم يطلع أحدا على حقيقة حاله. لكنه ~~طاف المدينة وزار القلعة وشاهد كثيرين ممن يعرفهم. واتفق رجوع السلطان نور الدين من الميدان ~~فرآه عائدا على جواده وحوله الأمراء والأعوان ففرح برؤيته، ولكنه بذل جهده في التنكر لئلا ~~يشعر به أحد وهو يعلم ما بين نور الدين وصلاح الدين من الفتور ويود زواله، لكنه يميل أن ~~يكون مولاه صلاح الدين هو الرابح. # قضى معظم النهار في دمشق، فأكل من طعامها وفاكهتها وتمتع بمناظرها، ومر عند خروجه ~~بغوطتها، ولعله مر في نفس المكان الذي اجتازه أبو الحسن بعد يومين. وبات في تلك الليلة في ~~قرية بضواحي دمشق. وقام في اليوم التالي قاصدا جبل السماق، وبات الليلة الثانية في بعض ~~الخانات، وقضى معظم اليوم التالي في الطريق. وكان في إمكانه الوصول إلى مصياف في أصيل ذلك ~~اليوم لكنه فضل الوصول إليها في الصباح التالي. # فبات في بعض القرى وركب في الصباح، وبعد ساعتين أطل على جبل مصياف وعلى قمته القلعة ~~تناطح السحاب، فهاله ما رآه من مناعتها ورسخ في اعتقاده أنها أمنع من عقاب الجو. ترجل ~~هناك فجاءه شيخ من الفلاحين يعرض عليه خدمة يؤديها، وقد ظنه من كبار الإسماعيلية وهم يعهدون ms148 ~~فيهم الشدة والقسوة. وكثيرا ما شهدوا القتال بينهم وبين من جاء لمهاجمتهم من الجنود ~~الشامية أو الجبلية أو المصرية، فضلا عما يتناقلونه من كرامات الشيخ راشد الدين وهم ~~يلقبونه بشيخ الجبل أسوة بالحسن بن الصباح مؤسس هذه الطغمة. حتى أوشكوا لفرط ما استولى ~~عليهم من الاعتقاد بكرامته ألا يحدث حادث غريب مخيف إلا نسبوه إليه ولو كان من العوارض ~~الطبيعية كالمطر والرعد والبرق، وأصبح فزاعة لأعدائه وتعويذة لمريديه. # وكان هم عماد الدين عند وصوله أن يلقى الشيخ دبوس ويدفع إليه كتاب التوصية الذي يحمله ~~من عبد الرحيم، فلما جاءه ذلك الفلاح الشيخ سأله عماد الدين عن راشد الدين أين هو. # فأجفل الرجل وتفرس في عماد الدين وقال: «يظهر أنك غريب عن هذه الديار يا سيدي؟» قال: ~~«وما الذي جاء بك إلى هنا؟ وماذا تريد من شيخ الجبل؟» قال: «إني أحمل كتابا إلى نائبه ~~الشيخ دبوس.» قال: «دبوس؟! ظننتك تطلب الشيخ راشد الدين نفسه، فإنه لا يطمع أحد في رؤيته. ~~حتى أصحابه وأعوانه إنهم لا يرونه إلا في بعض الأحوال الخاصة.» # فقال عماد الدين: «ومن أنت يا عماه؟ لعلك من رجاله؟» # فقطع الشيخ كلامه قائلا: «حبذا ذلك، إن مثلي لا يطمع في هذا المشرف، ويكفينا من جواره أن ~~نقوم بخدمته بما نغرسه من الحنطة أو نرعاه من الماشية له ولرجاله في مقابل بقائنا في قيد ~~الحياة.» # قال: «والآن أحب أن أقابل الشيخ دبوس، فهل ذلك ميسور؟» # قال: «لا أدري. أعطني الكتاب إذا شئت لأوصله إلى بعض رجاله فيوصله إليه، ثم آتيك ~~بالجواب.» # فدفع إليه الكتاب فتناوله وركض نحو الجبل، ومكث عماد الدين في انتظار عودته وقد أمسك زمام ~~فرسه بيده وأدار بصره فيما يحيط به من السهل الفسيح، وذلك الجبل الشامخ القائم في صدره ~~وفوقه قلعة مصياف وقد أحدق بها السور والأبراج. ولم يقدر أن يتبين طريقا يصل بها إليه، كأن ~~أهلها يصعدون إليها على أجنحة النسور أو في المناطيد. فهاله ذلك وتمثل له الخطر المحدق ~~بمن ينوي براشد الدين شرا. ms149 لكنه ازداد رغبة في استطلاع أحوال ذلك الرجل، فإما أن يفتك به، ~~وإما أن يقرب ما بينه وبين صلاح الدين. ~~••• # قضى في ذلك ساعة ثم رأى الشيخ الفلاح راجعا ومعه شاب في لباس السعاة، حاسر الرأس حافي ~~القدمين عاري الصدر كأنه من العفاريت. فلما وصل إلى عماد الدين حياه ثم سأله عن غرضه فقال: ~~«أحب أن أقابل الشيخ دبوس.» # فمد يده وفيها كتاب التوصية وقال: «هذا هو كتابك، ما هو اسمك؟» قال: «عبد الجبار.» قال: ~~«اتبعني.» # فتبعه ماشيا يقود فرسه والشاب يسير بين يديه وهو يتلفت إليه يجيل نظره فيه كالمتفرس. ~~فاستغرب عماد الدين تلفته وتفرسه، ولو كان جبانا لوقع الرعب في قلبه، ولكنه كان شجاعا لا ~~يعرف الخوف. # وبعد قليل وصلا إلى قاعدة الجبل فأشار إليه الشاب أن يترك الجواد هناك ويتبعه فتردد عماد ~~الدين لحظة فقال له: «لا بد من ترك الجواد هنا وإلا فارجع من حيث أتيت.» # فأطاعه ومشى في أثره في طرق متعرجة بعضها منقور في الصخور وبعضها سلالم من الحجر يصعب ~~تسلقها. والرجل يقفز بين يديه كالنمر لا يبالي بالتعب وعماد الدين يجاريه لئلا يظهر عليه ~~الضعف وهو أبي النفس. # وبعد الصعود ساعة في تلك الطرق المتعرجة وصلا إلى باب القلعة وهو غليظ متين. فوقف الشاب ~~وأشار إلى عماد الدين أن ينتظر، وتقدم هو إلى الباب ودقه دقات خاصة ففتح وكان لفتحه صرير ~~شديد. فدخل وأغلق الباب وراءه، وظل عماد الدين واقفا ينظر إلى ذلك البناء المنيع وهو لا ~~يرى منه غير السور الغليظ وعليه الأبراج. ولمح من شقوق الأبراج أو نوافذها الضيقة أناسا ~~يذهبون ويجيئون كأنهم الحامية. # وبعد قليل عاد الرسول وقد لطف لهجته وأشار إلى عماد الدين أن يدخل، فدخل من ذلك الباب ~~تحت العقد الغليظ ومشى في ممر طويل متعرج سقفه معقود وأرضه من الصخر الخشن. وقد وقف إلى ~~جانبيه الحراس بالحراب والسيوف كأنهم أصنام لا يتحركون. فهاله ذلك المنظر لكنه تشدد وتجلد ~~وصمم على الصبر إلى النهاية. # سار في ذلك الممر ms150 مسافة وانتهى منه إلى منفذ يستطرق إلى ساحة حولها أبواب مغلقة، فأشار ~~إليه الرسول أن يتبعه ففعل حتى وصل إلى باب منها فطرقه. ولما فتح تقدم الرسول إلى عماد ~~الدين ودفع إليه كتاب التوصية، وتراجع وأشار إليه أن يدخل. فتقدم فرأى نفسه في حجرة ببابها ~~حراس أشاروا إليه برءوس حراب بأيديهم أن يدخل فدخل. ثم وقف وتلفت فإذا هي غرفة واسعة قد ~~فرشت بالسجاد وغطيت جدرانها بأنواع الأسلحة. وفي جوانبها ضروب من آلات العذاب كالقيود ~~والأغلال. وحول جدرانها مقاعد من الحجر المنحوت في ذلك الصخر فوقها غطاء من جلد الدب ~~والأسد. ولم يكن في تلك الحجرة حينئذ أحد غير الشيخ دبوس جالسا في صدر الحجرة على جانب من ~~ذلك المقعد وعليه جبة تكسوه كله، وعلى رأسه عمامة خضراء كبيرة، فحياه عماد الدين وقال: ~~«لعلي في حضرة الشيخ دبوس؟» # فأشار الشيخ برأسه أن «نعم.» وأومأ إليه أن يتقدم ويعطيه الكتاب ففعل، فتناوله وفضه ~~وقرأه. ولما فرغ من قراءته أومأ إلى عماد الدين أن يجلس وهو يقول: «إن ولدنا عبد الرحيم ~~يوصينا بك خيرا، تفضل يا عبد الجبار اقعد.» # فقعد على طرف المقعد وهو ينتظر ما يكون، فقال له دبوس: «يقول لنا عبد الرحيم إنك تطلب ~~نعمة القربى من شيخنا وإمامنا راشد الدين.» # قال: «نعم يا سيدي، فهل هذا ميسور لي؟» # فأطرق يفكر ثم قال: «إنه ميسور على شروط.» قال: «وما هي يا سيدي؟» قال: «اعلم يا عبد ~~الجبار أنك قبل كل شيء ينبغي أن تنقي قلبك وتصفي نيتك وتستسلم إلى هذا الأمر. هل أنت فاعل؟» ~~قال: «نعم.» # قال: «احذر أن تخدع نفسك فإني لا أقدر أن أعرف خفايا قلبك، ولكن المولى الشيخ الأكبر لا ~~تخفى عليه خافية. إنه فاحص القلوب، إذا نظر في عينيك عرف مكنونات قلبك. فإذا كنت في شك من ~~نيتك واستسلامك فارجع من هنا ولا تعرض نفسك للخطر. إني أنصح لك بناء على ما قرأته في كتاب ~~التوصية من الثناء على شجاعتك وصداقتك. وأما إذا كنت قد أوتيت ms151 النعمة وألهمت الانتظام في ~~هذا السلك والحصول على العهد فقد ضمنت لنفسك الدنيا والآخرة. وأنا تاركك يوما كاملا تفحص ~~فيه ضميرك وتخبرني بما يستقر عليه رأيك.» # فوقع كلام الشيخ من نفسه وقعا شديدا وغلب عليه التردد، وقام في اعتقاده صدق ما سمعه عن ~~شيخ الجبل من استطلاع خفايا القلوب. ولكنه تجلد وأظهر الثبات في عزمه وقال: «إني على ~~عزمي، وسأصبر يوما آخر على حسب أمرك وأجيبك.» # فهز رأسه استحسانا وقال له: «اخلع ما عليك من السلاح، وهات ما عندك من الأدوات أو النقود ~~أو غيرها، تلك عادتنا في مثل هذه الحال، ولا يخامرك شك فيما أفعل فإن هذه الأشياء تبقى عندي ~~باسمك.» # فعظم هذا الطلب عليه وعنده الجواهر. وقد شق عليه أن يفارق خنجره ويبقى أعزل فتوقف حينا ~~ولم يجب. # فقال له دبوس: «اعلم يا بني أن طالب الحصول على عهد مولانا الشيخ لا بد له من الاستسلام ~~لكل ما يؤمر به بلا تردد. وقد خيرتك عملا بتوصية عبد الرحيم؛ لأنه ذو مقام عندنا. فإذا ~~رأيت العدول عن عزمك رددنا أشياءك إليك.» # فلم ير بد من الطاعة؛ لأنه لم يوفق إلى دفاع، فمد يده واستخرج خنجره من منطقته ودفعه ~~إليه. ثم استخرج ما كان عنده من الجواهر والنقود ودفع كل ذلك إلى دبوس وقد أحس بالخوف من ~~الخديعة، لكنه اطمأن نوعا لما رأى الشيخ يبش له وقد وضع أشياءه كلها في منديل وأخفاه في ~~حفرة بأسفل المقعد. وأومأ إليه أن يخرج إلى غرفة أخرى يستريح فيها. فخرج وقاده أحد الحراس ~~إلى حجرة خلا فيها بنفسه وأخذ يفكر فيما سمعه، فتحقق الخطر الذي أوقع نفسه فيه وأصبح لا ~~يعرف ماذا يعمل: أيعدل عن مهمته بعد أن وعد صلاح الدين بها أم يعرض نفسه للخطر بالدخول؟ ~~وتذكر ما سمعه من صديقه عبد الرحيم عن كرامات راشد الدين وما هو شائع من هيبته واقتداره، ~~فوقع في حيرة لأن رجوعه عنها يحط من قدره عند صلاح الدين وعند حبيبته. أو على الأقل ينحط ~~قدره ms152 عند نفسه فإنها لا تطاوعه على الجبن. ودخوله يعرضه للقتل أو لخيانة صلاح الدين. # وكان يفكر في ذلك وهو يمشي في تلك الحجرة وليس فيها شيء من الأثاث سوى حصير وبساط قديم، ~~فأطل من نافذة صغيرة فأشرف على ما يحيط بجبل مصياف من المستنقعات والسهول والروابي والأودية ~~إلى مسافة بعيدة. واستغرق في أفكاره حتى نسي موقفه. ثم أجفل لأنه سمع وقع خطوات وراءه ~~فالتفت فرأى رجلا كالخادم أتاه بالطعام ودعاه إلى الأكل وخرج. فأشار عماد الدين شاكرا ~~وعاد إلى تفكيره ونفسه لا تطلب الطعام لفرط اهتمامه وقلقه. وحانت منه التفاتة وهو يجيل بصره ~~في ذلك الفضاء إلى سور عال يحيط ببناء لا يظهر منه شيء، فظنه قلعة أو حصنا يلجأ إليه ~~الإسماعيليون عند الاضطرار. # وعاد إلى هواجسه وهي تتعاظم وتتكاثف حتى ضاق صدره من كثرة التردد، وكان إلى تلك الساعة لم ~~يذق طعاما، وأحس بالجوع فتحول نحو الطعام الذي أتوه به، وهو مؤلف من بعض الثمار وشيء من ~~الخبز واللحم. فمد يده إلى الرغيف وكأن شيئا أرجعها عنه، وخطر له سوء الظن فقال في نفسه ... ~~«قد يكون هذا الطعام مسموما.» ثم تذكر صديقه عبد الرحيم وتوصيته لدبوس، فغلب عليه حسن ~~الظن وأكل ما يسد رمقه واقتصر على الثمار. # وفيما هو يأكل سمع ضوضاء في الساحة فنهض ونظر من الباب فرأى جماعة من أهل القلعة وفيهم ~~الحراس والأجناد يتهامسون ويتضاحكون والبشر ظاهر في وجوههم. فخاف أن يكون لذلك علاقة بوجوده ~~هناك أو ربما كان عليه خطر. فأصاخ بسمعه وإذا هم يتكلمون لغات مختلفة؛ لأن رجال الإسماعيلية ~~أخلاط من أمم شتى، وفيهم العربي والتركي والفارسي والكردي والشركسي، يتكلمون كل هذه اللغات ~~وإنما تغلب العربية على ألسنتهم. # وبعد الإنصات وإعمال الفكرة سمعهم يذكرون السلطان نور الدين وكأنهم يذكرون موته، فغالط ~~سمعه ولم يعبأ به لأنه فارق السلطان منذ يومين في صحة تامة ورآه عائدا من الميدان على ~~جواده كالأسد. واعتقد أنهم يشيعون ذلك رغبة في اجتماع كلمتهم. لكنه ما لبث أن جاءه رسول ms153 من ~~الشيخ دبوس يدعوه إليه، فأسرع في أثره إلى مجلس دبوس فرآه قاعدا في صدر الغرفة وبين يديه ~~جماعة من الأمراء بلباس متشابه وعلى رءوسهم العمائم تقرب من عمامة دبوس. فغلب على اعتقاده ~~أنهم من رجاله. # فلما وقف عماد الدين أمامهم خاطبه دبوس قائلا: «أأنت قادم من بيت المقدس؟» قال: ~~«نعم.» # قال: «ألم تجعل طريقك على دمشق؟» قال: «بلى.» # قال: «كيف كان سلطانها الأتابك نور الدين هل شاهدته؟» # قال: «نعم شاهدته على جواده عائدا من الميدان نحو الظهر.» # قال: «ومتى كان ذلك؟» فأطرق عماد الدين وهو يحسب الوقت ثم قال: «منذ يومين وبعض ~~اليوم.» # قال: «لكنه مات في هذا الصباح، رحمه الله.» فأجفل وبانت البغتة في وجهه وقال: «مات؟ هل ~~أنتم على ثقة من ذلك؟ لا أظن الخبر صادقا، ثم كيف يموت في هذا الصباح ويصل خبره إلى هنا ~~الآن وبيننا وبين دمشق أكثر من يومين؟» # فضحك دبوس ضحكة استخفاف، وضحك الجلوس معه وهم يتلفتون بعضهم إلى بعض، ثم قال دبوس: «لا ~~لوم عليك يا بني، وأنت لا تعرف مصدر هذا الخبر. إنه لم يأتنا بالبريد وإنما هو وحي هبط على ~~مولانا الإمام الشيخ الأكبر نفعنا الله ببركته وكراماته. كذلك فعل يوم مات الإمام العاضد ~~بمصر، فقد جاءه علمه في يوم موته، ومصر أبعد من دمشق. وكذلك خبر المؤامرة التي قتل فيها ~~عمارة وأصحابه.» ثم نظر إلى الجلوس كأنه يستشهدهم فبدت على وجوههم أمارات الإيمان بما ~~قال. # فدهش عماد الدين ومع ذلك ما زال يظن أن في الأمر خداعا للإيهام وأن نور الدين لم يمت ~~وقال في نفسه: «إذا ثبت موته بورود المرسوم من دمشق على العادة فإن لهذا الشيخ لشأنا ~~عظيما.» # ولحظ الشيخ دبوس تردده ودهشته فقال: «لا تستغرب ما تسمعه يا بني، إنك إذ تمت النعمة عليك ~~ووفقت إلى الدخول في طريقتنا رأيت أعجب من ذلك. إن مولانا الشيخ الأكبر يخاطب الحجارة ~~فتجيبه حتى الميت إذا كلمه أجابه في الحال.» والتفت إلى القوم وقال: «وأزيدكم بيانا أن ~~مولانا ms154 الشيخ - حرسه الله - أخبرني عن سبب موت هذا السلطان، قال إنه توفي بعلة الخوانيق.» ~~ثم حول نظره إلى عماد الدين وقال: «وسترى في الغد ما يحقق ذلك حينما يأتي ~~المرسوم.» # فوقع عماد الدين في حيرة عظيمة مما سمعه ورآه وأوشك أن يعتقد صحة كرامات راشد الدين. وقال ~~له دبوس: «تفضل يا بني إلى غرفتك حتى يستقر رأيك، وإنما دعوتك لعلمي أنك قادم من دمشق لعلك ~~علمت شيئا من مقدمات موت نور الدين. ولتعلم أيضا أن صديقك عبد الرحيم أخلص النصح لك. أتم ~~الله نعمته عليك وعلي؛ لأنه هو أيضا مرشح للارتقاء في هذه النعمة؛ إذ ينال المجتهد فيها ~~نصيبه. هذا كلام لا تفهمه الآن ولكن سوف تفهمه تفضل.» وأشار إليه أن ينصرف. # فعاد إلى غرفته وهو كالغائب عن الرشد لا يعرف كيف يعلل ما يشاهده من الغرائب المدهشة. ~~وعزم في سره إذا صحت نبوءة الشيخ عن موت نور الدين أن يلتمس الدخول في تلك الطغمة بلا ~~تردد. وود لو كان صديقه عبد الرحيم هناك ليوضح له بعض ما أشكل عليه ويزيده بيانا. ~~••• # بات عماد الدين في تلك الليلة كالتائه في البحر، وتوالت عليه الأحلام وأفاق في الصباح على ~~نقر باب حجرته. فذعر وجلس فإذا بصديقه عبد الرحيم واقف بين يديه فشعر عند رؤيته بارتياح ~~عظيم وقد خف قلقه واطمأن باله كأنه لقي أباه أو أخاه واستأنس به كثيرا، فأكب عليه وعانقه ~~وأوشك الدمع أن يتساقط من عينيه لشدة التأثر. # فعانقه عبد الرحيم وهو يبتسم وقال له: «يظهر من تلهفك لملاقاتي أنك كنت في ضيق.» قال: «لم ~~أكن في ضيق، ولكنني متردد في أمور ولا أرى لي فرجا إلا على يدك. وأشعر أنك أخي أو أبي ~~وألقي اتكالي عليك، وهناك أشياء أحب أن أستشيرك فيها.» فهش له عبد الرحيم مطمئنا، فأشار ~~إليه عبد الجبار (عماد الدين) قائلا: «اقعد، من أين أنت آت؟» # فقعد وهو يقول: «إني آت من عند الشيخ دبوس، وقد قص علي ما أعجبه من ذكائك وشجاعتك. ~~وأنه تلطف ms155 في معاملتك وأمهلك حتى تفكر في أمرك.» # قال: «نعم. وهذا ما أحب الاستفهام منك عنه، لقد أدهشني أمر لم أقدر على تفسيره.» قال: ~~«وما هو؟» قال: «أخبرني الشيخ دبوس ظهر أمس أن السلطان نور الدين صاحب دمشق مات في الصباح. ~~وأنا رأيته بعيني قبل ذلك بيومين راكبا على جواده سليما معافى والصحة تتجلى في وجهه بعد ~~أن قضى يومه مع سائر رجال دولته في السباق.» # فقال عبد الرحيم: «هذا كله صحيح، نعم إنه عاد من ذلك الميدان صحيحا معافى لكنه لم يصل ~~إلى القلعة حتى أحس بألم في حلقه، ظهر بالفحص أنه الخوانيق.» # فأطرق عبد الجبار (عماد الدين) وقد بانت الدهشة في عينيه، وهان عليه أن يصاب نور الدين ~~بالخوانيق على أثر رؤيته إياه على جواده فقال: «يظهر أن المرض جاءه شديدا فلم يمهله ~~طويلا. لكن إذا فرضنا وقوع ذلك فعلا ومات نور الدين صباحا، فكيف وصل الخبر إلى هنا قبل ~~الظهر؟» # فضحك عبد الرحيم وقال: «إن ذلك يا عبد الجبار من كرامات مولانا الشيخ الأكبر - نفعنا الله ~~ببركته - ألم أقل لك شيئا من ذلك ونحن في بيت المقدس؟ إنه طالما أنبأنا بالأخبار حال ~~وقوعها، ولو كان بيننا وبينها مسافة أيام، وليس هذا أعجب كراماته. وهل تظن سطوته وقوة نفوذه ~~لا أساس لهما؟ كيف يخضع له الألوف من الناس وفيهم العقلاء والحكماء إن لم يروا فيه ما يستحق ~~ذلك؟ أتعلم أن أتباعه اليوم يزيدون على ستين ألفا من نخبة الناس وفيهم الشجعان والأبطال ~~والقواد، وكل منهم طوع إرادته يبذل نفسه في طاعته. أتظن ذلك يقع عفوا بلا استحقاق؟» # فقال عماد الدين: «أنت تشير علي إذن بأن أبقى على عزمي؟» # قال: «هذه نصيحتي لك.» # قال: «إنهم أخذوا مني نقودي وسلاحي.» # قال: «لا خوف عليها. فإذا رجعت عن هذا الأمر فأنا أضمن إرجاعها إليك. ولا أظنك راجعا عنه ~~ولا سيما بعد أن ترى الشيخ الأكبر نفسه وتسمع أقواله وتختبر كراماته. إنها كثيرة إنما ...» ~~وسكت كأنه أراد أن يقول شيئا وندم عليه. # فقال ms156 عماد الدين: «أراك تتردد في نصحي.» # قال: «معاذ الله يا أخي، أنت تعلم أننا تحاببنا وتصادقنا لغير غرض سوى تقارب القلوب. ولما ~~كانت جماعتنا هذه تضم خيرة الشجعان وذوي البسالة فقد رأيتك أهلا للانتظام في سلكها. وسوف ~~تحمد مغبة نصحي. لكنني أتردد في أمر أحببت أن أبوح به لك تخفيفا من قلقك. لكنه محظور ~~علي. فسكت.» # قال: «إذا أطلعتني على شيء يخفف قلقي ضاعفت فضلك ولا يعلم به أحد، أعاهدك على ~~ذلك.» # قال وهو يخفض صوته: «متى رضيت الدخول فإنهم يمتحنونك بأشياء لا يصبر عليها إلا الشجاع ~~ثابت الجأش وأنت كذلك. لكنني أحببت أن أزيدك اطمئنانا، إن ما يظهر لك من تلك التجارب خطرا ~~أو مستحيلا ليس هو في الحقيقة إلا ظاهرة لا طائل تحتها. وإنما يراد بها امتحان شجاعة ~~الطالب. فمهما يطلب منك أن تعمله فاعمله ولا تخف. لا أقدر أن أفصح لك أكثر من ذلك.» # فقال عماد الدين: «يمتحنون شجاعتي؟ فليمتحنوا لأنني لا أبالي وأنت تعلم ذلك، ولكنني أحب ~~أن أعرف شيئا آخر. هل تطلعني على حقيقته؟» # قال: «قل ما تريد لعلي أستطيع؟» قال: «كل ما أعرفه من أمر هذه الطائفة أن زعيمها راشد ~~الدين رجل حكيم ذو كرامات، وأن أتباعه يطيعونه طاعة عمياء ويبذلون أنفسهم في طاعته. لكنني ~~لا أعلم ما يناله أولئك الأتباع من المكافأة. وهل هم درجة واحدة أو درجات، فقد رأيت بعضهم ~~كالخدم أو الجند وآخرين كالأمراء، وهذا دبوس كالملك، فما هو نظام هذه الطائفة أو الدولة؟ ~~إنها غريبة في بابها!» # قال: «صدقت، إن نظامها غريب لم ينسج على منواله، ولا بأس من أن أقص عليك خبر هذا النظام ~~باختصار. اعلم يا عبد الجبار أن جماعتنا هذه التي أرعبت العالم بتدبيرها وبسالة شبانها ~~مؤلفة من طبقتين: الفدائيين، والمستنيرين. وفوقهما الزعماء وأصحاب الأسرار الحقيقية. وأول ~~ما يدخل الإسماعيلي يكون فدائيا، فإذا استحق الرقي صار مستنيرا. أنا لا أزال إلى اليوم ~~من الفدائيين (الفداوية).» # فقطع كلامه قائلا: «إذا دخلت أنا غدا، هل أكون مثلك؟» # قال: «نعم. ms157 لكنني الآن مرشح لنيل العهد فأصير مستنيرا عن قريب؛ لأن مهمتي التي ذهبت بها ~~إلى بيت المقدس كانت آخر تجربة في سبيل الترقي، وقد جئت إلى هنا لكي أتلقى السر الجديد في ~~طبقة المستنيرين.» # قال: «بماذا استحققت هذا الترقي؟» # قال: «استحققته بصدق الخدمة في مصلحة الجماعة وبذل النفس في سبيل الطاعة. ولا بد لكل ~~فدائي أن يفعل ذلك قبل أن يصير مستنيرا. وأما أنت فأرجو أن يسرع ترقيك لأنك أهل لذلك بما ~~فطرت عليه من المروءة وعلو الهمة. وليس في طلاب الانتظام كثيرون مثلك؛ ولذلك أرجو أن ترتقي ~~على عجل.» # فأطرق عماد الدين (أو عبد الجبار) حينا يفكر في أمره وفي أصل مهمته وما خلفه وراءه في ~~مصر من البواعث التي تقضي بسرعة عودته ولا سيما سيدة الملك. فإنها أصبحت منذ رجوع رسوله من ~~عندها لا تبرح من باله. لكنه اطمأن عليها وهي في كنف صلاح الدين. ولحظ عبد الرحيم تفكيره ~~فقال له: «لا حاجة إلى التردد، إن دخولك في هذا السلك أصبح أمرا مقضيا ولا بأس عليك منه. ~~لكنني أحب أن تؤخره إلى مجيء المرسوم من دمشق بموت السلطان نور الدين وتتأكد كرامة إمامنا. ~~وكن مطمئنا إلى أنك إذا عدلت عن الدخول فلن يصيبك أذى، ومولانا الشيخ الأكبر لا يقبل كل ~~من يطلب الانضمام، وإذا شئت أن تتحقق قولي فتعال لأريك جماعة من أولئك الطلاب.» قال ذلك ~~ونهض فتبعه عماد الدين وسارا إلى ساحة سمعا فيها عربدة وغوغاء بلغات مختلفة وغنات متفاوتة. ~~ثم مشى به حتى أطل من وراء حائط على بقعة ازدحم فيها الرجال جماعات بين جلوس يتسامرون أو ~~وقوف يتخاصمون. فقال عبد الرحيم: «انظر يا أخي. هؤلاء هم طلاب الدخول وأنت ترى الوحشية ~~والعربدة وسفك الدماء في ملامحهم. وقد اشتهرت جماعتنا هذه بالفتك، فكل من يهون عليه قتل ~~الأبرياء ويضيق به الرزق يأتي إلينا. ولكن غرضنا أسمى من ذلك وإن كنت إلى الساعة لم أطلع ~~على سره الحقيقي. فهؤلاء يعدون بالعشرات كما ترى. وهم هنا منذ أيام ms158 لم يحفل الشيخ دبوس ~~بهم.» # وفيما هما في ذلك رأيا رجلا كرديا من أولئك وقف وبيده جمجمة صب فيها خمرا وتمايل ~~عجبا ثم شربها وهو يزدري رفاقه ويفاخرهم ببسالته وخشونته. فغضب واحد من رفاقه الأتراك فهزأ ~~به ولطم تلك الجمجمة بقفا يديه فرماها وتناثر ما كان فيها من الخمر على الأرض، فضحك الرفاق ~~وقهقهوا وقد أعجبهم عمل ذلك التركي، فلم يصبر الكردي على الإهانة واستل خنجره وطعن التركي ~~طعنة قضت عليه. فهم الآخرون أن ينتقموا له فصاح بهم عبد الرحيم وأوقفهم وهددهم وأشار إلى ~~بعض الحرس أن يقبض على القاتل. # ولم يزدد عماد الدين بذلك إلا دهشة مما رآه وسمعه. فرجع إلى حجرته وذهب عبد الرحيم لشأنه. ~~وأتاه في اليوم التالي وقد جاء المرسوم من صلب الشام بوفاة نور الدين بالخانوق في الوقت ~~الذي رواه شيخ الجبل. ولكنه صمم على الدخول في ذلك السلك؛ إذ لا بد له من ذلك للقيام ~~بالمهمة التي جاء من أجلها، وقد تبرع بين يدي صلاح الدين بقتل راشد الدين، وربما علمت سيدة ~~الملك بعزمه فكيف يعود بخفي حنين؟ على أن ما شاهده من مقام الرجل وكراماته جعل مهمته شاقة. # الفصل التاسع # | عند زعيم الحشاشين # أصبح عماد الدين في اليوم التالي وهو على موعد للدخول على الشيخ الأكبر لينضم إلى جماعة ~~الفدائيين. وكان كلما فكر في ذلك اختلج قلبه في صدره. وبعد قليل جاءه صديقه عبد الرحيم ~~وهو يهش له تشجيعا وطمأنة، فقال عماد الدين: «هل أذهب الآن إلى الشيخ الأكبر أم إلى الشيخ ~~دبوس؟» # قال: «لا بد من الذهاب إلى الشيخ الأكبر بواسطة الشيخ دبوس، فهل أنت متأهب لذلك؟» # قال: «نعم.» وأكبر أن يظهر الوجل. فقال عبد الرحيم: «هلم بنا إلى الشيخ دبوس.» # فمشيا حتى دخلا عليه وأطلعه عبد الرحيم على الغرض. فوجه كلامه إلى عماد الدين قائلا: ~~«هل أنت مصمم يا عبد الجبار على الانضمام إلينا؟» قال: «نعم يا سيدي.» # فأمره أن ينزع ثيابه التي عليه ويرتدي ثوبا أبيض كالقميص الكبير دفعه إليه. ms159 فلبسه فجلله ~~إلى عقبيه. ثم أمره فنزع عمامته وحل شعره وكان طويلا فأرسله على كتفيه. وأشار عبد الرحيم ~~إليه أن يتقدم إلى الشيخ دبوس ويقبل يده ففعل. ثم أومأ إليه أن يتبعه فمشى في ممرات ~~وطرقات والحرس وقوف في جوانبها بالحراب حتى أطل على رواق يؤدي إلى باب كبير عليه ستر ~~وبجانبه حارسان عظيما الهامة كأنهما من الجان. فلما اقترب عبد الرحيم منهما أومأ إليهما ~~بالإشارة (لأنهما أخرسان) أن يأذنا له في الدخول وهما يعرفانه فأذنا له، واستبقيا عبد ~~الجبار خارجا. فوقف وهو مطرق يتردد بين الندم والعزيمة وإذا بصديقه قد عاد وقال له: «إن ~~الشيخ مشتغل بمحاكمة الكردي القاتل لكنه أذن لنا في الدخول.» # ومشى فتبعه عماد الدين فدخلا قاعة مظلمة في صدرها كرسي كبير قد جلس عليه الشيخ الأكبر ~~وإلى جانبيه رجال من خاصته وقد غطوا وجوههم ما عداه. ولم يستطع عماد الدين أن يتعرف الوجوه ~~هناك إلا بعد قليل ريثما تعود النظر في الظلام فرأى ذلك الكردي واقفا وهو موثق اليدين. وفي ~~وسط القاعة جثة القتيل ملطخة بالدماء. فأشار عبد الرحيم إلى عماد الدين أن يقف معه في ناحية ~~ففعل، وأخذ يتفرس في راشد الدين فإذا هو يرتدي ثوبا أسود يغطيه كله إلا وجهه وقد بانت ~~الشيخوخة في ذلك الوجه بتجعده وبياض لحيته، لكن عينيه تبرقان كالسراجين ويكاد الشرر يتطاير ~~منهما. وما عتم راشد الدين أن صاح بذلك الكردي قائلا: «أتجسر يا هذا أن تقتل نفسا في ~~جوارنا؟» # فصاح الرجل: «إني لم أقتله يا مولاي، وإنما هم يتهمونني زورا.» # قال: «وتكذب أيضا؟ أتحسب أن ذلك ينطلي علينا؟ ألا تعلم أننا نفحص القلوب ونعرف ~~أسرارها؟» # فعاد الرجل إلى الإنكار وقال: «إنهم يتهمونني يا سيدي زورا، فإذا شئت فإني آتي بالشهود، ~~أو أقسم لك ببراءتي.» # قال: «لا حاجة بنا إلى شهود أو قسم، أنا أسأل هذا القتيل وهو ينبئني بالحقيقة.» # فلما قال ذلك أجفل عماد الدين، ونظر فرأى راشد الدين قد وقف وانتصب كالصنم ثم خطا خطوة ~~نحو القتيل ms160 وصاح به وهو يشير إليه بإصبعه كأنه يهدده: «ألم يقتلك هذا الكردي؟ قل!» # كان السكوت مستوليا على الحضور وقلوبهم تخفق تطلعا إلى ما يكون، فسمعوا القتيل يقول ~~بصوت ضعيف: «بلى هو قتلني!» # فسأله ثانيا: «بماذا قتلك؟» # فأجاب: «بخنجره!» # فلما سمع عماد الدين ذلك اقشعر بدنه. كيف لا وقد سمع الميت يتكلم وهو على ثقة من تلك ~~الحادثة لأنه رآها بنفسه؟! أما راشد الدين فرجع إلى مقعده وأشار إلى بعض الوقوف بين يديه من ~~رجاله أن يذهبوا بالرجل إلى السجن وأن يدفنوا القتيل ففعلوا. وقد استولت الدهشة على الحضور ~~ولا سيما عماد الدين. # وبعد قليل أشار راشد الدين إلى الوقفين في مجلسه بالانصراف ولم يبق غير بعض خاصته ~~الملثمين، وأومأ إلى عبد الرحيم أن يقدم عبد الجبار فقاده بيده حتى أوقفه بين يديه، فوقف ~~وركبتاه ترتعدان من التهيب وقد عظم أمر راشد الدين في خاطره. # فوجه هذا كلامه إلى عماد الدين قائلا: «وأنت يا عبد الجبار، أرجو أن تصدقنا ولا تفعل ~~كما فعل ذلك الكردي، أنت كردي أيضا لكنني أقرأ في وجهك الصدق. أنت تطلب الانضمام إلى ~~رجالنا؟» قال: «نعم يا سيدي.» # قال: «وهل تعلم ما أنت مقدم عليه من الأمر العظيم؟» قال: «نعم.» # قال: «لا تخدع نفسك إذا كنت مترددا أو خائفا ارجع من حيث أتيت. ونحن إنما نطلب رجالا ~~أهل بسالة وصدق. وهل تعرف الخطر الذي يحدق بك؟» # قال: «نعم.» # فتنحنح وقال: «وما الذي حملك على هذا الأمر؟» قال: «أن أتشرف بخدمة مولانا الشيخ ~~الأعظم.» # قال: «من أين أتيت؟» قال: «من بيت المقدس.» وخاف أن يسأله عن حقيقة غرضه فيكشف أمره ويقع ~~في خطر الموت. فارتعدت فرائصه لكنه تجلد وصبر. # فقال له راشد الدين: «أنا أعلم أنك قادم من بيت المقدس الآن، ولكنني أحب أن تخبرني عن ~~المكان الذي جئت منه قبل بيت المقدس.» # فتحير في الجواب وسكت وهو يفكر في هل يصدقه أم لا. وخاف أن تكون كرامة راشد الدين دلته ~~على حقيقة غرضه الذي جاء من أجله ms161 فتلعثم لسانه. فلم يصبر راشد الدين عليه فقال: «يظهر أنك ~~خائف. لا تخف يا بني. إنك شاب شهم ولست من طبقة أولئك الزعانف الجهلاء. أنا لا أكلفك أن ~~تقول شيئا، وإنما أستفهم شعرة من شعرك وهي تنبئني.» وأشار إلى عبد الرحيم أن يأتيه بشعرة ~~من ذؤابة عماد الدين فجاءه بها فتناولها بين السبابة والإبهام وجعل يخاطب الشعرة قائلا: ~~«يا شعرة عبد الجبار، قولي لي أين كان صاحبك قبل بيت المقدس؟» # فسمع عماد الدين الجواب آتيا من ناحية الشعرة ضعيفا كأنه صادر عن وتر رنان وهو: «من ~~القاهرة!» # فقال: «قولي لي أين كان صاحبك هناك ومن هو؟» # فقالت: «كان عند يوسف صلاح الدين وهو من رجال خاصته.» # فلما سمع عماد الدين ذلك أوشك أن يسقط على الأرض من الارتعاد، وأطرق لا يحير جوابا. وخاف ~~أن يواصل الأسئلة ويطلع على سر قدومه إلى هناك. مرت عليه دقيقتان هما أطول من سنة. ثم رأى ~~راشد الدين تنهد عند سماع اسم صلاح الدين ورمى الشعرة من يده وقال: «صلاح الدين يوسف؟ أطال ~~الله بقاءه.» # فاستغرب عماد الدين قوله وانتعشت آماله، لكنه ظل ساكتا. فقال راشد الدين: «كيف فارقت ~~صلاح الدين، هل هو في صحة وسلامة؟» قال: «نعم يا سيدي.» # قال: «الحمد لله على ذلك.» ولحظ عماد الدين تغيرا في وجه راشد الدين لم يفهم سببه. لكنه ~~ما زال خائفا من افتضاح أمره حتى سمع راشد الدين يخاطبه قائلا: «أحمد الله على سلامة صلاح ~~الدين، والآن هل أنت مصمم على الانضمام إلى رجالنا؟» قال: «نعم يا مولاي.» # قال: «أتعلم ماذا يطلب منك؟» قال: «لا، لكني طوع أمر مولاي فيما يريد.» # فابتسم راشد الدين ابتسامة لم تغير شيئا من انقباض سحنته وقال: «أعجبني جوابك يا عبد ~~الجبار. وأنت إذا أتيح لك أن تكون من رجالنا كسبت الدنيا والآخرة. لكن ذلك ليس بالأمر ~~الهين.» قال ذلك ووقف وأشار إليه أن يتبعه، فتبعه وهو يسترق النظر إلى عبد الرحيم استئناسا ~~برأيه ولو بالإشارة. فرآه يشجعه ويطمئنه. حتى وصل ms162 راشد الدين إلى جانب من جوانب تلك القاعة ~~الواسعة المظلمة فوقف وقال لعماد الدين: «انظر هنا.» وأومأ بإصبعه إلى حفرة بين ~~يديه. # فنظر فإذا هو على شفا هوة لا قرار لها. فقال له: «إذا كنت صادقا فيما تقوله فألق بنفسك ~~في هذه الهوة!» # ونظر عماد الدين إلى الحفرة فلم يشك في أنه إذا أطاعه فسيقتل لا محالة. فالتفت إلى عبد ~~الرحيم خلسة فإذا هو يشجعه ويشير إليه بعينيه أن يخطو. وهو واثق بصدق صديقه، لكنه خاف أن ~~يكون في الأمر دسيسة وأن راشد الدين اطلع على حقيقة مهمته فأراد الانتقام منه على هذه ~~الصورة. على أنه تذكر ما نبهه إليه عبد الرحيم من قبل وهو لم يتعود الخوف أو التردد فسبقت ~~قدمه إلى الوثوب نحو فوهة تلك الهوة مدفوعا بوعده وشجاعته. فإذا هو قد تلقته عارضة برزت ~~وغطت تلك الفوهة. وفتحت فوهة أخرى في المكان الذي كان واقفا عليه. فلم يصدق أنه لا يزال ~~حيا. # أما راشد الدين فأمسكه بيده وهو يقول: «الآن تأكدت صدقك. ولو لم تصدقني لقتلت؛ لأن فوهة ~~الهوة تحولت إلى موقفك الأول.» وأشار إليه أن يتحول نحو القاعة وهو يقول: «استحققت النعمة ~~التي تطلبها. إنك منذ الآن من أبنائي الصالحين.» # وعاد راشد الدين إلى مجلسه وأشار إلى واحد من الخدم الوقوف بين يديه بالإشارة أن يتبعه ~~بقدح فأتاه به، فتناوله وصب فيه سائلا من إناء بجانبه وقال: «هذا ماء الحياة وطريق ~~النعيم إذا كنت صادقا، وهو سم قاتل إذا كنت كاذبا. فإذا كنت على وعدك بالطاعة وصدق النية ~~فاشربه.» # فتناوله وتردد لحظة وهو ينظر إلى صديقه عبد الرحيم فرآه يشجعه فشرب ما في القدح وأومأ ~~إليه الشيخ أن يقعد. فقعد وأحس بعد قليل بالخدر ثم غاب عن رشده. ~~••• # ولا تسل عن دهشته لما أفاق من غيبوبته وفتح عينيه فرأى نفسه في حديقة كالجنة بما يصفونها ~~به من جري الأنهار وتعانق الأشجار وتجاوب الأطيار من صادح وسابح. وأول ما نبهه من رقاده ~~نسيم مر على وجهه ويد ms163 لمست جبينه. فإذا هي يد غادة أو حورية كأنها البدر عليها ثوب يجللها ~~لكنه لا يكسوها لشفافته. وبيمناها مروحة من ريش النعام تروح له بها. وقد وضعت يسراها على ~~جبينه كأنها تمسح عرقه فظن نفسه أول وهلة في حلم وخاف إذا نهض أن يفقد تلك المناظر البديعة ~~فصبر قليلا، فإذا بتلك الحورية تخاطبه بصوت رخيم قائلة: «انهض يا حبيبي إلى متى ~~الرقاد؟» # فنهض ونظر إلى نفسه فرأى عليه ثوبا يشبه أثواب الأمراء لم ير على السلطان صلاح الدين ~~أحسن منه. وعلى رأسه عمامة من نسيج مزركش بالقصب. وقد جلس على بساط من أجمل أبسطة عصره عليه ~~الصور المنسوجة بالذهب. وقضى برهة وقد أخذته الدهشة ينظر تارة إلى نفسه وطورا إلى تلك ~~الحورية، وآونة لما بين يديه أو لما يقع عليه بصره من الأشجار والأزهار وما يسمعه من خرير ~~الماء وتجاوب الأطيار، وما يفوح من الروائح العطرية مما لم ير مثله ولا خطر بباله. # وبينما هو يفكر في ذلك تقدمت إليه تلك الغانية وقد أزاحت نقابها عن رأسها وأرسلت شعرها ~~الذهبي على كتفيها وهي تنظر إلى عماد الدين بعينين تكادان تنطقان بعبارات الحب وتشكيان ~~لواعج الغرام. على أنه تجلد ونظر إليها وصبر لما يبدو منها فمدت يدها للمصافحة فناول يده ~~وهو ما زال يحسب نفسه في رؤيا، فقبضت على أنامله وهي تقول: «ما بالك يا عبد الجبار ما زلت ~~تحسب نفسك في منام؟ أنسيت أنك شربت ماء الحياة من يد مولانا الشيخ الأكبر؟ إنك في الجنة ~~الآن التي لا يدخلها إلا المستحقون؟» # فتذكر القدح الذي شربه من يد راشد الدين فغلب على اعتقاده صدق دعوى ذلك الرجل وأنه في ~~الواقع انتقل إلى الجنة بأنهارها وأشجارها وأطيارها، وأن هذه المرأة حورية من حورها. ثم ~~تذكر سيدة الملك فأجفل وقال في نفسه: «ما لهذه المرأة تهم بقلبي لتختطفه وهو ليس لي؟» ~~وتباعد عنها فتباعدت، وبان العتب في وجهها وتحولت عنه ثم غابت عن عينيه. # فتركها ومشى على أرض مكسوة بالعشب الأخضر اللون كالبساط ms164 المزركش وقد فاحت منه الروائح ~~المنعشة، فوقع بصره عن بعد على قناة يجري فيها الماء لامعا كأنه الزلال، وعلى ضفتيها ~~أشجار الفاكهة وقد وقعت أشعة الشمس من خلال الأغصان على ذلك الماء وهو يجري فتلون بألوان ~~قوس قزح. فدنا من تلك القناة ووقف على ضفتها ينظر إلى الأشعة الواقعة على الحصى في قاعها ~~كيف تتكسر وتتلون. وأنه لفي ذلك إذ رأى في الجانب الآخر حورية برزت من بين الأشجار ومشت ~~نحوه وهي تبتسم له. فسره أن بينه وبينها قناة تحول دون وصولها إليه، وتوقع أن تقف على ~~الضفة الأخرى وتخاطبه. فإذا هي تجاوزت الضفة ولم تزل ماشية إليه فوق سطح الماء ولم تبتل ~~قدماها. # وتعاظمت دهشته لما رآها وصلت إليه وقدماها العاريتان تنتقلان فوق سطح الماء الجاري لا تقع ~~فيه ولا تعكره أو تعيق سيره. فتحقق لديه أنه في مكان غير الأرض، وأن أولئك الحور من ~~الملائكة. وصلت تلك الحورية إليه والهواء يعبث بشعرها ويلاعب أطراف ردائها. وبسطت يدها نحوه ~~كأنها تستقبله وهو يحارب هواه ويتذكر سيدة الملك وحبها إياه ويهم بالابتعاد، فرأى وجه تلك ~~الحورية شيئا يشبه ملامح حبيبته فذعر وتفرس فيها جيدا وحدثته نفسه أن تكون هي بعينها وأن ~~مجيئها إلى تلك الجنة من جملة معجزات راشد الدين. فوقف ريثما وصلت الحورية إليه ومدت يدها ~~نحوه، فمد يده وتصافحا وهو يتفرس في وجهها فكانت كلما دنت منه بعدت المشابهة بينها وبين ~~سيدة الملك. لكنه استأنس بها وأحب أن يحادثها عما يراه. فلما دنت منه فاحت رائحة الطيب من ~~ثوبها فوضعت يدها على كتفه فاقشعر بدنه فقال لها: «من أنت يا هذه وأين أنا؟» # قالت: «ألا تعرف أين أنت؟ إنك في جنة شيخ الجبل مولانا الإمام الأكبر.» # قال: «وهذا مقر أتباعه أجمعين؟» # قالت: «نعم. ولكن لا يمكث فيها إلا من أحسن البلاء في طاعته.» # وأمسكت بيده ومشت فمشى، وأومأت إليه أن يتبعها فوق تلك القناة فتردد هنيهة فجذبته بيده ~~وهي تقول: «لا تخف امش.» فمشى فإذا هو يخطو على ms165 شيء صلب يفصل بين قدميه وبين الماء. فظن ~~الماء جمد تحت قدميه. ووصل إلى الجانب الآخر وسار مع الفتاة وهو شديد الرغبة في معرفة حقيقة ~~ما يراه، فلما سمع قولها قال: «هل أنا باق هنا؟» # قالت: «أنت حديث العهد، وإنما جئت لترى ما أعده المولى لأتباعه ومريديه إذا قاموا ~~بأوامره. وعسى أن تكون من المستحقين.» # فعلم أنه هناك إلى أجل ولا يلبث أن يعود. فمشى لترويح النفس وعيناه تنتقلان بين الأشجار ~~والرياحين ويرى الأطيار تتنافر بين أيدي تلك الحورية، وفيها الكراكي والطواويس بألوانها ~~الجميلة. والبلابل والحساسين تتجاوب بالتغريد أو الزقزقة. والفتاة تناديها فتأتيها وتقع على ~~كتفيها أو على يدها وتنتقل كما تأمرها كأنها تفهم لغتها. # ثم سمع عماد الدين زئيرا علم أنه زئير الأسد، وكان قد سمعه مرارا فأجفل وقال: «أليس هذا ~~زئير الأسد؟» # قالت: «بلى، وهل خفته؟ إن الأسود لا تؤذي أهل هذه الدار.» ومشت حتى دنت من مربض لأسد تحت ~~شجرة، فإذا هو مقع وعيناه تبرقان لكنه لم ينتقل من مكانه، فتقدمت الفتاة إليه ومدت يدها ~~إلى رأسه وعبثت بشعره كما تعبث بشعر الهر فلم يتحرك، فاستغرب عماد الدين ذلك أيضا. # وجاء إلى السير فوقع نظره في بعض جوانب الحديقة على غرف مفردة تغطيها الأزهار والأغصان ~~فسألها عنها فقالت: «هذه مساكن الذين استحقوا البقاء هنا يتمتعون بالملذات والنعيم، لا يعكر ~~عليهم ذلك أحد.» # وبعد المسير برهة بين صعود وهبوط وقفت به الفتاة عند حائط وقالت له: «انظر إلى هنا.» فنظر ~~من كوة في الحائط تشرف على واد أجرد لا شيء فيه من الماء ولا الخضرة. فأجفل لما رآه هناك ~~من الثعابين والوحوش المفترسة تسرح بين جماجم البشر فقال لها: «أظن هذه هي الجحيم.» # قالت: «نعم هذه هي، فلو لم تطع الشيخ الإمام لكنت في عداد المغضوب عليهم هنا.» # لم يشأ أن يقف هناك طويلا. فتحول وعادت معه حوريته وهي تلاطفه وتقطف من الثمار وتعطيه ~~وهو كالتائه في أفكاره لا يدري ماذا يرى. وإذا هو يسمع صوتا اهتزت له ms166 جوارحه وجمد الدم في ~~عروقه؛ لأنه صوت سيدة الملك كأنها تستغيث به. فأخذ يتلفت يمينا وشمالا وهو يحسبها على ~~مقربة منه والحورية تنظر إليه بذهول قائلة: «ما بالك؟ ما الذي أوقفك؟» قال: «ألا تسمعين ~~شيئا؟» قالت: «كلا، ماذا تسمع؟» # فأطرق وهو يصيخ بسمعه فلم يعد يسمع شيئا. فرجح عنده أنه مخطئ وأنه سمع ما سمعه لفرط ~~تفكيره في سيدة الملك، فأتت روحها لزيارته أو هو صوتها جاء للسلام. لكنه لم يطمئن إلى هذا ~~الفكر والصوت الذي وصل إليه صوت استغاثة، وساءل نفسه أهي في شدة؟ وإذا كانت كذلك فما أجدره ~~أن يسعى في إغاثتها. # وكان قد شعر بارتياح إلى تلك الحورية لحسن أدبها وكثرة ما بذلته في سبيل استرضائه واجتذاب ~~قلبه، وهو شاب في مقتبل العمر، فغلب على اعتقاده أنه في جنة أو مكان يشبه الجنة جاءه بكرامة ~~أو معجزة من معجزات راشد الدين، وأوشك أن يشتغل عن سيدة الملك. فلما سمع ذلك الصوت توهم ~~أنه صوت ضميره يناديه بالثبات على حب حبيبته فلا يشتغل عنها بسواها، فأحس بانقباض، وود ~~الخروج من ذلك النعيم. # وفيما هو يفكر في ذلك لا يلتفت يمينا ولا شمالا سمع وقع خطوات غير خطوات رفيقته فالتفت ~~فرأى غلاما كالبدر طلعة وبهاء قد تمنطق بمنطقة من الخز أرسل جانبا منها إلى الأمام ~~كالمئزر، وأرسل شعره ضفائر ذهبية وعليه ثوب سماوي اللون، فلما دنا من عماد الدين انحنى ~~انحناء الاحترام وقال بصوت رخيم: «ألا يتفضل المولى لتناول الغداء؟» # فالتفت إلى رفيقته كأنه يستزيدها بيانا فابتسمت له قائلة: «تفضل يا مولاي إلى الطعام فقد ~~آن وقت الغداء.» # وكان في شغل عن الطعام، فلما ذكر له أحس بالجوع. فمشى في طرقة مسواة كأنها فرشت ~~بالزعفران يحف بها من الجانبين سياج من الأزهار الجميلة، ينتهي في آخره بباب كباب القصر ~~الفخم. وقبل الوصول إلى الباب فاحت روائح الطعام الشهي مما لم يعرف مثله إلا في قصور ~~الفاطميين في أثناء الأعياد. ولما اقتربوا من ذلك الباب فتح بنفسه، وتقدم غلامان آخران ms167 ~~يرحبان بالقادم ومشيا بين يديه من باب إلى باب حتى وصل إلى غرفة المائدة وهو يلتفت إلى ~~الجانبين، وقد أدهشه ما على جدران الممرات من الستائر المصورة تمثل البساتين والقصور ومواقف ~~البذخ والرخاء، وتلفت النظر وتجتذب القلب. وأما غرفة المائدة فقد ذهبت برشده وأوقفته موقف ~~الحيرة ونسي مكانه لأن جدرانها الأربعة مكسوة بالمرايا على طول الحائط. فيظهر الشخص الواحد ~~عشرات من المرات من كل جانب. # فتقدمت الفتاة أولا وأشارت إلى عماد الدين أن يتفضل فجلس على مقعد مغشى بالديباج ~~المزركش، وبين يديه مائدة مكسوة بملاءة من الحرير الوردي، ولم تمض دقائق قليلة حتى تواردت ~~الأطباق وعليها الألوان من اللحوم والفاكهة. وجلست تلك الحورية بجانب عماد الدين وهي تلاطفه ~~وتقدم له اللقمة بعد اللقمة وتبالغ في إكرامه، والغلمان وقوف بين أيديهما للقيام ~~بالأوامر، فعاد عماد الدين إلى نسيان سيدة الملك وقد سحرته تلك الفتاة بجماله ولطفها. ~~ولا سيما بعد أن دارت الأقداح وفيها الخمور اللذيذة، فأصبح لا يعرف غير تلك الساعة وقام في ~~ذهنه أنه في النعيم الحقيقي. # ولما رأت الفتاة ميله ورضاه أخذت في الإعراض عنه وهو يزداد شغفا، وقد زادته الخمور ~~اندفاعا حتى أصبح يتزلف إليها ويغازلها وهي تتمنع فلما تحققت افتتانه بها قالت: «لا ~~تخرج عن حدك، فأنت إنما جئت إلى هنا على سبيل التجربة. وليس الوصول إلى ما تطمع فيه سهلا. ~~إن من دونه بذل النفس في طاعة الإمام الأكبر.» # فشق عليه هذا الإعراض لكنه زاد افتتانا وقال: «قد كنت منذ هنيهة تتقربين وأنا أبعد فهل ~~كنت تخادعينني؟» # قالت: «كلا، ولكن لا بد أن تأتي عملا يؤهلك إلى المقام في هذا النعيم دائما، وعند ذلك ~~أكون طوع إرادتك، وإذا خاطبت الأطيار أجابتك، وتجد النعيم الحقيقي من كل شيء. وليس ما تراه ~~إلا مثالا صغيرا من ذلك النعيم فعسى أن تعمل عملا يؤهلك لبلوغه. والحق يقال إني فتنت ~~بجمالك وبسالتك، وشعرت نحوك بما لم أشعر به قبلا نحو أحد. ولكنني لا أقدر أن آتي أمرا ~~يخالف رضا مولانا، ms168 ولا أقدر أن أخفي عليه شيئا؛ لأنه فاحص القلوب يطلع على خفايا ~~السرائر، ولكنني تأكيدا لعلائق المودة بيننا أدهن شعرك بطيب خاص بي.» قالت ذلك واستخرجت ~~علبة من بين أثوابها فتحتها ففاحت منها رائحة لم يشم مثلها في حياته. فأخذت بعض الطيب ودهنت ~~به يديه وشعره. فلذ له ذلك وطابت نفسه. ثم قالت : «احفظ هذه الرائحة تذكارا بيننا حتى ~~نلتقي اللقاء الدائم إن شاء الله.» وبان الإعجاب في عينيها فازداد هو تهيبا من ذلك الشيخ ~~العجيب، فسكت. # وبعد الفراغ من الطعام والشراب أحس عماد الدين بميل إلى النعاس فتوسد فراشا من الحرير ~~المحشو بريش النعام وتلك الحورية إلى جانبه تداعبه وتعرض عنه، ولم تمض دقائق قليلة حتى غلب ~~عليه النوم واستغرق في رقاده. # وأفاق في اليوم التالي فإذا هو في قاعة راشد الدين كما كان من قبل وعليه الثوب الأبيض ~~وشعره محلول. فجعل يتلفت يمينا وشمالا وينظر في ثوبه فتبادر إلى ذهنه أول وهلة أنه رأى ~~حلما. ثم ما لبث أن شم رائحة الطيب في شعره ويديه فلم يبق عنده شك أنه رأى ما رآه حقيقة. ~~وانتبه بعد قليل لنفسه فرأى راشد الدين جالسا كما تركه، ورأى صديقه عبد الرحيم بجانبه. ~~فهش له وضمه إلى صدره، فقال له عبد الرحيم: «إن رائحة الجنة تنبعث من شعرك، هنيئا لك ~~وعسى أن يتاح لك النعيم الدائم. قم واجث عند قدمي مولانا وقبل ركبته وادع بطول ~~بقائه.» # فنهض وترامى على قدمي الشيخ عن اعتقاد صحيح بكرامته. وقبل ركبته فمنعه ودفع إليه يده ~~فقبلها، ثم قال له الشيخ: «أنت الآن من أبنائنا الفدائيين، ويلوح لي أنك لا تلبث أن ترتقي ~~إلى مصاف المستنيرين. قم إلى غرفتك وقد أوصيت الشيخ دبوس بك خيرا. ولكنني أحب قبل خروجك أن ~~أزودك بعهد مني.» قال ذلك ونهض وأنهض عماد الدين معه وهو يحدق في عينيه وعماد الدين يشعر ~~بقوة تنبعث من عيني ذلك الرجل وتوشك أن تغلبه على أمره. وقد قبض الشيخ على يدي عماد الدين ~~بيديه قبضا ms169 شديدا. # ومكث كذلك عدة دقائق ثم صاح به: «افتح فمك.» ففتحه فتفل فيه وقال: «كن فدائيا مطيعا.» ~~وتركه وأشار إلى عبد الرحيم أن يذهب به إلى غرفته. # فمشيا إلى غرفة الشيخ دبوس وهما صامتان، وقد استولت الدهشة على عماد الدين وأصبح كالمأخوذ ~~أو من أصابه السحر. فلما وصلا إلى الشيخ دبوس بدل عماد الدين ثيابه وهنأه دبوس بما ~~ناله من رضا الشيخ الأكبر، وأعاد إليه خنجره ونقوده وجواهره وأصبح واحدا منهم. # على أنه حالما عاد من دار النعيم التي كان فيها، عاد إلى ذكرى صلاح الدين وسيدة الملك، ~~فأصبح همه أن يخلو بعبد الرحيم ليسأله سؤالا شغل خاطره بالأمس، وهو قول راشد الدين: ~~«أطال الله بقاء صلاح الدين.» فإنه لم يقدر على تعليله وهو يعلم تعمده قتله مرارا. # أما عبد الرحيم فاستأذن صديقه عبد الجبار في الغياب تلك الليلة التي عينوها لترقيته إلى ~~درجة المستنيرين. فبات عماد الدين على أحر من الجمر وقد تراكمت عليه الهواجس وأخذته ~~الغرائب. وكلما تضوعت رائحة الطيب من شعره تذكر تلك الفتاة وما لقيه هناك من أسباب ~~السعادة. # نام تلك الليلة نوما متقطعا، وما كاد يطلع النهار حتى جاء صديقه عبد الرحيم والبشر ~~يتجلى في عينيه فنهض عماد الدين وقبله وقال: «قد أصبحت منذ الآن أرقى مني، ولا يحق لي ~~أن أناديك أخي كما كنت أفعل.» # فضحك عبد الرحيم وقال: «إن صداقتنا أمتن من ذلك كثيرا، كنا غريبين وتحاببنا ونحن الآن ~~أخوان على عهد واحد. ولا تلبث أنت أن ترتقي إلى مثل رتبتي. أتمنى ذلك لك قريبا، بل أنا ~~أتوقعه عن ثقة.» # ولم يكن ذلك الشرف ليهمه، وإنما همه استطلاع رأي راشد الدين في صلاح الدين، فإذا علم أنه ~~ما زال ينوي قتله عاد إلى مهمته الأولى. وأما إذا تحقق صدق دعائه له بطول العمر كان له رأي ~~آخر فقال: «أما أنا فلا أتوقع قرب الترقي كما تظن. ويكفيني أن تكون لي صديقا. ولا أحب أن ~~أحملك ثقل صداقتي لشيء أطمع فيه على يدك، وإنما ms170 أتقدم إليك أن تفسر لي كلاما قد سمعته من ~~الشيخ الأكبر بالأمس فوقع عندي موقع الاستغراب ولم أصدقه وهو قوله «أطال الله بقاء صلاح ~~الدين» مع أني أعلم أنه بعث أناسا لقتله غير مرة.» # فابتسم عبد الرحيم وهو ينظر إلى عماد الدين ويهم بالكلام ويمسك نفسه، فلما رآه عماد الدين ~~يتردد قال له : «إذا كنت تعرف الحقيقة فأرجو أن تخبرني بها؛ لأن ذلك يهمني كما تعلم. ولعلك ~~من أعلم الناس بأمري مع هذا السلطان.» # فاعتدل عبد الرحيم في مجلسه وأظهر الاهتمام وقال: «اعلم يا صديقي عماد الدين أن عبارة ~~الشيخ الإمام التي ذكرتها كانت مغلقة علي إلى مساء الأمس، فلما صرت من المستنيرين دخلت في ~~جملة ما عرفته. وليست هي سرا اؤتمنت عليه مثل سائر أسرار هذه العشيرة، لكنني اطلعت عليه ~~عرضا، ولذلك لا يمنعني الواجب ولا الخوف من أن أجيبك عن سؤالك.» # فتطاول عماد الدين بعنقه وقال: «قل بالله. هل يريد الشيخ الأكبر حقيقة أن يطول بقاء مولاي ~~صلاح الدين؟» # قال: «نعم، إنه يتمنى ذلك من كل قلبه، وهو يطلبه ليل نهار.» # قال: «يا للعجب! كيف يبعث من يقتله ثم هو يدعو بطول بقائه!» # قال: «لعلك تعني ما حدث لصلاح الدين قبيل خروجك من مصر؛ إذ نهض في الصباح فوجد الخنجر فوق ~~رأسه ورسالة التهديد بجانبه.» # قال: «نعم، هذا ما أعنيه.» # قال: «هذا دليل على رغبة الشيخ الأكبر في طول بقاء صلاح الدين، ولولا ذلك لأمر الفدائي ~~الذي تمكن من الدخول عليه حتى غرس الخنجر في وسادته عند رأسه بأن يغرسه في صدره ولم يكن ~~ثمة ما يمنعه. ولكنه أمر أن يكتفي بالتهديد لرغبته في بقائه حيا.» # فاستغرب عماد الدين ذلك وقال: «لكنني لم أفهم الباعث على تلك الرغبة، وهذا شيخنا - حفظه ~~الله - قد اشتهر فتكه بالملوك والسلاطين. ولم يبق فيهم من لا يخافه حتى صلاح الدين نفسه، ~~فكيف هو يحب بقاءهم أحياء و...» # فقطع كلامه قائلا: «لا. لا. إنه لا يلتمس طول البقاء لأحد من هؤلاء غير صلاح ms171 ~~الدين.» # فقال: «لماذا؟ أرجو أن تفصح لي.» # قال: «السبب يا أخي أن شيخنا - أيده الله - علم بالوحي أنه يموت في نفس السنة التي يموت ~~فيها صلاح الدين، فمن مات منهما قبل صاحبه لا بد للثاني أن يتبعه في تلك السنة. فهو لذلك ~~حريص على حياة صلاح الدين حرصه على حياة نفسه. وهل عندك شك في صدق هذا الشيخ العظيم. قد ~~رأيت من معجزاته ما يكفي، وإن كان قليلا من كثير.» # فأطرق عماد الدين وأخذ يفكر فيما سمعه، وما لبث أن صدق ما قاله راشد الدين بعد ما ~~شاهده بنفسه. فاعتقد موت الرجلين في سنة واحدة، ورأى أن من مصلحة صلاح الدين أن يطول عمر ~~راشد الدين. فتحولت همته إلى المحافظة على حياة هذا الرجل لا قتله. وعد مهمته قد انقضت ~~وأصبح يميل إلى الخروج من ذلك الحصن والإسراع إلى صلاح الدين لينقل إليه تلك البشرى ويرى ~~حبيبته سيدة الملك. واعترضت أفكاره رائحة الطيب ومناظر تلك الجنة، لكن الحقيقة تغلبت على ~~الوهم واشتد ميله إلى الخروج، ولا سبيل إلى ذلك إلا أن يرسله راشد الدين في مهمة لقتل أحد ~~الملوك أو الأمراء، فالتفت إلى صديقه عبد الرحيم والامتنان باد في وجهه وقال: «لا أنسى ~~صداقتك يا عبد الرحيم، إني أشعر بصدق مودتك شعورا يكاد يلمس باليد. ولذلك كانت ثقتي بك ~~عظيمة، فلا ينبغي لي أن أخفي عليك شيئا، فهل تأذن لي في أن أستخدم تلك الثقة؟» # قال: «قل ما بدا لك، فأنت في موضع ثقتك.» # قال: «لا حاجة بي إلى بيان الأسباب التي تلجئني إلى سرعة الخروج من هذا الحصن، فأنت تعلم ~~علاقتي بمصر، فأتقدم إليك أن تساعدني في ذلك.» # قال: «خروجك لا يتم إلا إذا دبروا لك مهمة تذهب في إنفاذها لقتل كبير من ~~الكبراء.» # قال: «فليكن ذلك، وأنا فاعل ما يأمرون به.» # قال: «أمهلني يوما أو يومين لأغتنم فرصة تساعدني.» # قال: «إني في انتظار وعدك بارك الله فيك.» # قال: «واسمح لي بالذهاب الآن، فإن علي واجبات تتعلق برتبتي الجديدة ms172 لا بد من إنجازها ~~وسأعود إليك بما أوفق إليه.» # قال: «أشكرك يا أخي.» # ونهض عبد الرحيم وانصرف. ~~••• # لما خلا عماد الدين بنفسه بعد ما انتابه من الأهوال وما مر به من الغرائب، أخذ يفكر فيما ~~رآه وسمعه فلم يزدد إلا استغرابا، وراجع ما كان يسمعه عن تدجيل ذلك الزعيم فأخذ اعتقاده ~~بكراماته يضعف ، ولكنه لم يستطع تعليل ما شاهده من المعجزات تعليلا معقولا. كيف يطلع على ~~الوقائع قبل وصول أخبارها؟ وكيف يكلم الميت فيجيبه؟ والشعرة فتطلعه على السر؟ وهذه الجنة ~~بما فيها من الطيبات والحور اللواتي يمشين على سطح الماء فلا يعكر ويخاطبن الأطيار ~~فتطيعهن ويلاعبن الأسود فلا تؤذيهن؟! فإذا تمثلت له هذه الظواهر لم ير مندوحة عن الاعتقاد ~~بكرامة الشيخ راشد الدين. # وتعب من التفكير فخطر له أن يتمشى في ذلك الحصن، ولم يبق ثمة ما يمنعه؛ لأنه أصبح من ~~أهله. فنهض ومشى فرأى أرض الحصن وما يحيط به خلوا من النبات إلا ما وراء ذلك الجبل من ~~السهول البعيدة فتذكر ما شاهده بالأمس من أمثال النعيم من الأشجار والأنهار، فمال إلى ~~استطلاع خبره وأين يمكن أن يكون. فصعد إلى بعض المرتفعات لعله يشرف منها على تلك الحديقة ~~فلم يوفق إلى شيء من ذلك لكنه وقع نظره وهو يجيل بصره في السهل الذي نزل فيه يوم وصوله ~~إلى هناك على ركب لم يستطع أن يتبين وجوههم لبعد المسافة. ولما اقتربوا وجدهم ملثمين ~~وهم بضعة فرسان في ركابهم جماعة من المشاة كالخدم. فلم يهمه أمرهم وعاد إلى التفكير فيما هو ~~فيه من الهواجس التماسا لسرعة الخروج من هناك. # وحدثته نفسه أن يفر فوجد ذلك مستحيلا عليه إلا بالتعرض للخطر الشديد وهو في غنى عن ذلك ~~إذا استعان بصديقه عبد الرحيم، ولا شك عنده أنه لا يدخر وسعا في سبيل إنقاذه. # وأعاد نظره إلى ذلك الركب فرآهم دنوا من الجبل حتى حجبهم سفحه عن عينيه. فترجح لديه ~~أنهم من ذلك الجبل أو النازلين في جواره. وأحس بالجوع فتحول إلى مجتمع الفدائيين ms173 فتناول ~~الطعام معهم ولم يجد فيهم من يبلغ مبلغه من علو النفس ورقة الإحساس. فازداد رغبة في الخروج ~~من هناك ولبث ينتظر عودة عبد الرحيم وهو على مثل الجمر. # قضى ذلك اليوم واليوم التالي ولم ير عبد الرحيم، فاشتغل خاطره ولم يعرف سبب تخلفه. وزاد ~~بلباله لما شاهد غياب الشيخ دبوس أيضا عن غرفته في أثناء ذينك اليومين. وبلغه أنه في شغل ~~شاغل مع الشيخ الأكبر للمباحثة في أمور مهمة حدثت بعد مجيء أناس وصلوا بالأمس. فتذكر ~~الركب الذين رآهم قادمين أول البارحة، فمال إلى استطلاع حقيقتهم فلم ينبئه منبئ؛ لأن هذه ~~الأخبار لا يتناولها إلا الخاصة من المستنيرين. فصبر نفسه حتى يأتي صديقه عبد الرحيم، ~~فلما استبطأه استفهم بعض الرفاق عنه فقيل له إنه مع نخبة المستنيرين في شاغل عند الشيخ ~~الأكبر. # فازداد شوقا إلى الاستطلاع لكنه لم ير بدا من الانتظار، ومضى نصف اليوم الرابع ولم ~~يره، فضاق ذرعا وأخذ الملل منه مأخذا عظيما وهم بالبحث عنه فإذا هو قادم نحوه، ~~فاستقبله استقبال الظمآن للماء، فأكب عليه عبد الرحيم وقبله وأخذ يعتذر عن تأخره ~~قائلا: «اعذرني يا أخي، كنت في شاغل لم يكن في الحسبان، وكلما عزمت على المجيء إليك يحدث ~~شاغل جديد.» # قال: «نسيت قلقي واضطرابي حال رؤيتك، وأشعر أني أسبب لك تعبا، ولكن يمكنك أن تتخلص من ~~هذا التعب بتدبير مهمة أخرج بها من هذا الحصن. هل وفقت إلى شيء من ذلك؟» # قال وهو يضحك للمداعبة: «وفقت إلى نصف الطلب فقط.» # قال: «كيف ذلك؟» # قال: «أنت تطلب أمرا بالخروج من هذا الحصن لقتل أحد الأمراء، وقد استصدرت لك أمرا بقتل ~~أحد الأمراء، ولكن بلا خروج من هذا الحصن.» # فاستغرب عماد الدين قوله وحمله على المزاح فقال: «بالله قل لي الصحيح، ألم توفق إلى ~~شيء بعد؟» # قال: «أقول لك الصحيح تماما، قد صدر أمر الشيخ الأكبر لك أن تفتك بأمير هو مقيم في هذا ~~الحصن.» # ورأى الجد في عيني عبد الرحيم فانقبضت نفسه؛ لأن رغبته إنما هي ms174 في الخروج فقط وليس في ~~الفتك والقتل فقال: «أفصح يا أخي، فإنك أزعجتني بهذه البشارة. وأنت تعلم أني أطلب الخروج ~~قبل القتل.» # قال: «أعلم ذلك، ولكن ما الحيلة وقد صدر أمر الشيخ؟ وهي ثقة كبرى فيك لأن المهمة التي ~~سيعهد فيها إليك شاقة. وهي ستكون السبب في تعجيل ارتقائك، وقد رأيت مولانا الشيخ كثير ~~الرغبة في ذلك.» # فأطرق عماد الدين وأعمل فكرته فيما سمعه، ولم يجد فيه حيلة فقال: «هل أعد كلامك هذا ~~بلاغا لي؟» # قال: «كلا. سوف يستقدمك الشيخ الإمام نفسه ويبث فيك روح العزيمة والثبات ويأمرك بما يريد. ~~أما أنا فأخاطبك مخاطبة الصديق سرا لعلمي أنك في قلق.» # فقطع عماد الدين كلامه وقال: «اسمح لي يا أخي أن أقول لك إنك زدتني بهذا الخبر ~~قلقا.» # قال: «ستحمد عاقبة هذا القلق يا عبد الجبار.» وابتسم كأنه يكتم سرا لا يريد أن يبوح ~~به. # فقال: «لم أفهم مرادك، بالله ألا خففت بعض ما بي ولو بالتلميح، أنا أعلم فضيلة المحافظة ~~على السر. ولا أطلب منك أن تبوح بسر مقدس اؤتمنت عليه، لكنني أرجو تخفيف قلقي بعض الشيء. قل ~~لي من هو الأمير أو الكبير الذي سيعهد إلي في قتله وهو مقيم هنا؟ إني لا أعرف كبراء هذا ~~الحصن.» # قال: «هو ليس من كبرائنا، وإنما هو طارق جاءنا منذ يومين.» # فتذكر عماد الدين الركب الذين رآهم قادمين في ذلك السهل فقال: «رأيت ركبا قادما إلى ~~هذا الجبل منذ بضعة أيام لعله كان فيه؟» # قال: «نعم هو جاء في ركب. أعلم أني أسر إليك أمرا خطيرا.» # وخفض صوته، فقال عماد الدين: «علمت ذلك، ولكنني أستغرب قدوم هذا العدو ليلقي حياته بين ~~يدي عدوه.» # قال: «ليس هو عدوا للشيخ، بل هو من أصدقائه وأخص أخصائه. تفارقا وهما صغيران قبل أن ~~تصير المشيخة إلى مولانا راشد الدين. ولعلك تعلم أن مولانا هذا قبل أن صارت إليه الإمامة ~~كان يقيم في مكان اسمه «عقر السدن» وخدم شيخ الإسماعيلية في «ألاموت» بالديلم، وتفقه على ~~يده في ms175 العلم والدين، ثم انتقل إلى سوريا ونزل في حلب وأخذ يعظ ويعلم واشتهر بالتقوى، ~~فتقاطر إليه الناس أفواجا. وكان يجلس على صخر ويعظهم وهو جامد كالصخر. وإنما سحر الناس ~~ببيانه فكثر أصحابه ومريدوه. وكان شيخ الإسماعيلية يومئذ رجلا اسمه أبو محمد فخافه على ~~منصبه وبعث إليه من يقتله فاختفى في كهف قرب حلب وما زال مختفيا حتى ضعف أمر أبي محمد ~~فخلفه وانتقل إلى هذا المكان. هذه خلاصة سيرة مولانا. فضيف اليوم من أعز أصدقائه الذين ~~جاهدوا في نصرته ورافقه إلى الكهف ثم شغل عنه بالأسفار. وعاد الآن في مهمة لا أعلم ما هي، ~~فلاقاه مولانا أحسن ملاقاة واختلى به غير مرة لا أدري ما دار بينهما خلالها، لكن الشائع بين ~~رجالنا أن مولانا فرح به كثيرا وأنه من أعز أصدقائه. ومع ذلك فإنه بعث إلي بالأمس سرا ~~وأخبرني عن تقديره بسالتك حق قدرها، وسألني إذا كنت تليق بمهمة خطيرة، فأكدت له اقتدارك ~~على ذلك وأنك راغب في مهمة يعهد فيها إليك. ولم أكن أحسب أنها داخل هذا الحصن. فرأيته أبدى ~~اهتماما كثيرا ووضع في ثقة كبرى وأسر إلي بأنه يحب أن يتخلص من هذا الصديق القديم ~~على يدك.» # وكان عماد الدين في أثناء حديث عبد الرحيم مصغيا يفكر في دهاء هذا الطاغية وكيف أنه ~~عمد إلى الفتك بصديق قديم له؛ لأنه رأى بقاءه حجر عثرة في طريقه. فضعف اعتقاده بكرامته لأنه ~~لا يعرف ولاية أو كرامة تأمر بخيانة الأصدقاء. وأخذ ظنه يتغير فيه. وأصبح يخافه على نفسه، ~~ولكنه لم يجسر على التصريح به فقال: «الحقيقة أنها ثقة عظيمة في كلينا، ولكن هل أنت واثق أن ~~الرجل المشار إليه كان من أصدقاء مولانا الشيخ؟» # قال: «إني على ثقة تامة. وقد يخطر لك أن تنتقد عمل الشيخ؛ لأنه عمد إلى قتل صديقه ولكنك ~~ستحمد عمله بعد حين. فالآن.» # فقطع كلامه قائلا: «ربما كان مصيبا بعمله من حيث دفاعه عن سلطته فأعذره عليه. لكنني ~~أصبحت منذ الآن أخاف على حياتي وحياتك.» قال ms176 ذلك بلحن التصريح عما في الضمير ولو تحت ~~الخطر. # ووافق ذلك التصريح هوى في نفس عبد الرحيم، فابتسم ابتسامة المصادقة وقال: «لا ألومك على ~~هذا الشك؛ لأنه خطر لي أيضا. وهناك أمور ظهرت لي بعد انتظامي في سلك المستنيرين، ربما سنحت ~~الفرصة لبيانها. وأما الآن فالمطلوب أن تعلم المهمة التي سيعقد فيها إليك ، فلا تتردد في ~~قبولها، وسترى أني ناصح لك.» # الفصل العاشر # | مقتل أبي الحسن # مكث عماد الدين على مثل الجمر وهو يردد ما سمعه عن راشد الدين، وتغلبت عليه الشكوك في ~~كراماته. لكنه ما زال مكبرا اقتداره. وبينما هو في ذلك إذ جاءه خادم للشيخ أصم أبكم مثل ~~سائر خدمه. وإنما يقتني الصم والبكم للخدمة لئلا يفهموا شيئا مما يدور بينه وبين رجاله. ~~فهم يحملون الأوامر بالإشارة. فلما جاء ذلك الأبكم يطلبه مشى في أثره حتى دخل به على راشد ~~الدين وهو في غرفة صغيرة ليس فيها سواه. وقد تخفف بعمامة صغيرة وجعل يتمشى ذهابا وإيابا ~~ويداه وراء ظهره وفيه عرج قليل. # فلما رآه عماد الدين، سيطرت عليه الرهبة ووقف وقفة الاحترام. فأشار راشد الدين إلى الحارس ~~أن ينصرف. وأقفل الباب وراءه ولم يبق عنده إلا عماد الدين. فدعاه إلى أن يقترب منه. وابتسم ~~وقال له: «انظر في عيني.» # فنظر فإذا هما تلمعان ويكاد الشرر يتطاير منهما. # فقال راشد الدين: «ماذا ترى فيهما؟» # فاستغرب سؤاله وقال: «لا أرى فيهما شيئا يا مولاي غير النور والذكاء.» # قال: «أما أنا فأرى في عينيك أشياء كثيرة، إني أقرأ فيهما ما يكنه ضميرك.» # فخاف عماد الدين أن يطلع راشد على ما خامره من الشكوك فيه فقال: «لا غرابة في ذلك، فقد ~~تحققناه من قبل.» # قال: «ويسرني أني تحققت صدق طاعتك وإخلاصك، ولذلك رأيت أن أسرع في مكافأتك، وهذا لا ~~يكون إلا بمهمة تقضيها. ورغبة في التعجيل جعلت ذلك قريبا في هذا الحصن. فهمت؟» # قال: «إني طوع أمرك يا مولاي.» # قال: «إن في هذا البيت المنفرد داخل سور هذا الحصن أميرا كبيرا ينبغي ms177 أن يذهب من هذا ~~العالم بلا ضوضاء ولا شكوى، وأن يكون ذلك على يدك. فما رأيك؟» # فانحنى انحناء الطاعة وقال: «وهل للعبد رأي بين يدي مولاه؟ إنما يأمره فيفعل.» # فقبض على أنامل عماد الدين بكفيه وأمره أن ينظر في عينيه ثم قال له: «أريد يا عبد الجبار ~~أن تقتل الشيخ سليمان اللعين. تقتله وتخمد أنفاسه هكذا أريد.» # فأحس عماد الدين عند سماع ذلك الصوت على هذا الشكل بقشعريرة جرت في عروقه، وكأن شرارة ~~كهربائية تطايرت أمام بصره. فأغمض جفنيه رغم إرادته. فقال راشد الدين: «قد أحسنت يا عبد ~~الجبار (عماد الدين) إنك فاعل ما أريد، وسوف تنال جزاء أمانتك. واعلم أنك منذ الآن خادم ~~لسليمان أو الشيخ سليمان كما يسمونه. فالبس لباس الخدم وغير قيافتك وابذل جهدك في إرضائه ~~حتى تغتنم منه غرة تقتله فيها ولا يشعر أحد بك. وأحب أن يكون ذلك خارج القلعة. وأنت عند ذلك ~~من طبقة المستنيرين.» ثم أدنى شفتيه من أذنه وقال له: «ومع الرجل امرأة بارعة في الجمال ~~ستكون غنيمة لك مع سائر ما يمتلكه من أثاث وغيره. ويمكنك التعويل على صديقك ولدنا عبد ~~الرحيم في بعض التفصيل. وهذا يكفي، امض الآن إلى نائبنا الشيخ دبوس وهو يتم تجهيزك بما ~~يلزم.» قال ذلك وترك أنامله، فودعه وخرج وهو يرتجف من عظم التأثر وأخذ يفكر فيمن عساه أن ~~يكون سليمان هذا. ولم يهمه أن تكون امرأته جميلة وهو لا يرضى من سيدة الملك بديلا. # سار توا إلى الشيخ دبوس ولم يحتج في تفهيمه إلى كلام؛ لأن هذا كان على بينة مما يطلب ~~منه فحال دخوله عليه قال له: «ادخل يا عبد الجبار واقفل الباب.» # فدخل ونهض الشيخ دبوس بنفسه فأعطاه لباس الخدم وأصلح شعره وقيافته بحيث تغير شكله ~~كثيرا ودفع إليه كتابا وقال له: «تأخذ هذا الكتاب إلى ذلك المنزل وتكون خادما لصاحبه كما ~~أمرك مولانا الشيخ الأكبر، أفهمت؟» # فأشار مطيعا وخرج وهو كالخادم تماما. وقبل خروجه نظر إلى وجهه في المرآة فأنكر نفسه. ~~ونظر ms178 في بطاقة الشيخ دبوس إلى سليمان وهو يتردد في ذهابه ويقول في نفسه: «كيف أقتل هذا ~~الرجل ولا ثأر بيني وبينه؟» ثم خطر له قول عبد الرحيم إنه سيجد في قتله راحة فوقع في ~~حيرة. # وما عتم أن وصل إلى المنزل الذي ذكروه له فوجد الباب مقفلا فأخذ في البحث عن الشيخ ~~سليمان في ذلك الجوار فلم يقف له على خبر، فقعد على صخر في ظل البيت ينتظر قدومه لعله ذهب ~~في حاجة لا يلبث أن يعود منها. واستغرق في هواجسه وتفقد الخنجر الذي خبأه في ثوبه ~~لاستعماله عند سنوح الفرصة. لكنه ما زال يتردد في أمر القتل. # وفيما هو في ذلك إذ رأى رجلا قادما عن بعد وعلى رأسه عمامة خضراء اللون كبيرة الحجم ~~وقد أرسل شعره تحتها حول رأسه إلى كتفيه، وتزمل بجبة طويلة وعلق في صدره سبحة طويلة ~~وحمل سبحة أخرى بيده يعدد حباتها ويتمتم كأنه يصلي أو يدعو كما يفعل المنقطعون عن العالم ~~إلى الصلوات والدعوات، فتحقق أنه الشيخ سليمان لا محالة، فجعل يراقب حركاته وهو قادم حتى ~~دنا منه فتقدم إليه وهم بتقبيل يديه ودفع إليه بطاقة الشيخ دبوس فتناولها وفضها وقرأها ~~وهو لم ينظر إلى عماد الدين بعد. فلما أتم قراءتها رفع بصره إليه وقال: «يقول أخونا الشيخ ~~دبوس إن مولانا الشيخ الأكبر بعثك لخدمتنا.» # قال: «نعم يا سيدي، وهل يتم لي هذا الحظ؟» # قال: «إنني في غنى عن الخدم؛ لأني أحب الخلوة بنفسي للصلاة والدعاء وطعامنا يأتينا من ~~مطبخ الجماعة. فما هي الحاجة إلى الخدم؟» # وكان عماد الدين يسمع قوله وهو يتفرس في سحنته كأنه رأى ذلك الوجه وسمع ذلك الصوت من قبل. ~~فلما فرغ الشيخ سليمان من قوله أجابه عماد الدين: «قد أمرني الأستاذ الأكبر أن أقف بباب ~~مولاي أخدمه بما يحتاج إليه، فإن كان في شاغل بالصلاة أو غيرها فلا شأن لي به، وإنما ألبي ~~أمره إذا أمرني فأجلب له الطعام أو ما يحتاج إليه من الأمور.» # قال: «حسنا. ما اسمك؟» ms179 قال: «عبد الجبار.» # قال: «اقعد هنا، وإني شاكر لأخينا الشيخ فضله. وعلى كل حال لا حاجة لي بك في الليل فإذا ~~غابت الشمس انصرف إلى مكانك.» # ومشى نحو الباب وتناول المفتاح ليفتحه وعماد الدين يراقب حركاته ويبحث في ذاكرته عما ~~يعرفه عن ذلك الرجل وأين رآه في دمشق أو القدس أو مصر فلم يخطر له شخص يعرفه بهذا ~~الاسم. # دخل الشيخ سليمان المنزل وظل عماد الدين جالسا على حجر وقد شغل خاطره بأمر هذا الرجل. ~~ولم يتذكر أين رآه فظن نفسه واهما في تصوره، فصرف فكره عنه وعاد إلى التفكير في صلاح الدين ~~والخروج من ذلك الحصن ليخبره بما عمله؛ وليرى سيدة الملك على فراغ واطمئنان. # وكانت الشمس قد مالت إلى الغروب فذهب ليأتيه بالعشاء وكانوا قد أعدوه له في أطباق، فحملها ~~فوق رأسه حتى أتى الباب وقرعه وطال انتظاره قبل أن يفتحه له. ولما فتحه تناول الطعام منه ~~وأدخله بيده ودفع إليه دينارا وقال له: «قد جاء الغروب فانصرف إلى شأنك يا عبد ~~الجبار.» # فتناول الدينار وأظهر الامتنان وانصرف وهو يفكر في أمر هذا الرجل وحرصه الشديد على ~~منزله حتى لا يأذن لخادمه بالدخول إليه. وفيما هو في الطريق لقيه عبد الرحيم فسلم عليه ~~وسأله عما جرى فأخبره بما شاهده وما استغربه من حال الشيخ سليمان، فضحك عبد الرحيم وقال: ~~«لم يسمح لك بالدخول، لا بأس؟ ألم تتذكر أنك تعرفه من قبل؟» # قال: «تصورت أول وهلة أني رأيت ذلك الوجه أو على الأقل سمعت ذلك الصوت. لكنني غيرت فكري ~~لأني وجدت نفسي واهما.» # فقال وهو يحك عثنونه ويخفي ضحكة: «قد تكون واهما وستبدو لك الحقيقة بعد قليل. لكن كيف ~~أشار بانصرافك الآن وهو قد يحتاج إليك في الليل؟» # قال: «لا أدري، ويظهر لي أنه يكتم أشياء لا يحب أن أطلع عليها. أظنك عرفت عنه شيئا لم ~~تقصه علي.» # قال عبد الرحيم: «عرفت عنه أشياء كثيرة لا أقدر أن أبوح بها كما تعلم، لكنني أقدر أن أقول ~~لك بأنه من ms180 أصحاب المطامع السياسية وهي التي ستجر إليه حتفه، ويظهر لي أنه أراد أن يشارك ~~شيخنا سلطانه، أو أنه طلب منه أمورا لا يوافقه عليها. وهو يعرفه صغيرا فخاف إذا أغضبه أن ~~يشيع عنه أمورا تقلل من هيبته فأحب التخلص منه. هذا هو الذي لحظته إلى الآن وسترى الحقيقة ~~وأنت أولى مني بكشفها.» # فقال : «هذا أول يوم رأيته فيه، وقد صرفني ساعة الغروب وسأعود إليه في صباح الغد.» # قال: «هب أنه صرفك فيمكنك أن تبقى قريبا من منزله لعله يحتاج إليك أو لعلك ترى فرصة ~~مناسبة للقيام بمهمتك.» # وكانا ماشيين وقد أخذت الظلال تتكاثف وأوشك الظلام أن يسدل نقابه. فقال عماد الدين: «إلى ~~أين نحن ذاهبان الآن؟» قال: «إلى حيث تشاء.» # قال: «أحب أن أحادثك في بعض الأمور.» قال: «تعال إلى غرفتي، إنها على مقربة من هذا ~~المكان.» ومشى حتى دخل الغرفة وفيها مصباح ضعيف أضاءه له بعض الخدم. فقال عماد الدين: «أحب ~~أن نكون في خلوة.» # فأومأ عبد الرحيم إلى خادمه بالانصراف وقعد. وأشار إلى صديقه أن يقعد فقعد وهو يتنهد. ~~فقال له عبد الرحيم: «ما لك يا صاحبي لماذا تتنهد؟» # قال: «أتنهد يا أخي لأني أشعر كأني في قفص لا أرى لي منه مخرجا، وقد أطعتك في كل شيء كما ~~رأيت، ولا يمكنني أن أنكر صدق نصيحتك لي كل مرة. ولكنك تعلم أيضا أني لا أقدر على البقاء ~~هنا طويلا، ولي في مصر أناس ينتظرون رجوعي و...» وسكت. # فأدرك عبد الرحيم ما يعنيه فقال: «أتريد أن تخرج من هذا الحصن؟» # قال: «نعم أريد ذلك. أرجو أن تساعدني عليه.» # قال: «وعدتك أني فاعل ما تريد ولكل أجل كتاب. إني مدبر طريقة لخروجنا كلينا.» # ففرح عماد الدين بهذه البشرى وقال: «وأنت أيضا عازم على الخروج؟» قال: «نعم، وربما اتفق ~~خروجنا معا.» # قال: «هذا هو الأفضل. وقد اطمأن بالي الآن. وإن كنت لا أعرف سبب رغبتك في الخروج بعد أن ~~صرت من خاصة الإسماعيلية واطلعت على أسرارها.» # فأشار إليه بسبابته على فمه ms181 أن يسكت وقال: «سوف نتكلم عن ذلك في فرصة أخرى. أما من حيث ~~رغبتك في الخروج فتدبيره علي حالما تفرغ من مهمتك. تعال إلي فتجدني هنا في أكثر ~~الأوقات، وإنما يطلب منك أن تسهر على مهمتك المعلومة.» # قال: «حسنا، إني ذاهب كما قلت.» وأشار إلى خصره وقال: «وهذا هو الخنجر الذي سأغمده في ~~صدر الشيخ لغير ذنب له عندي.» ثم استأنف الكلام قائلا: «ولكن الشيخ راشد قال لي إن للرجل ~~زوجة ستكون غنيمة لي، فهل هي معه في هذا المنزل؟ وقد أوعز إلى الشيخ أن أعول عليك في بعض ~~التفاصيل فما هو رأيك؟» # قال: «رأيي أن تفتك بهذا الشيخ في أول فرصة. أما امرأته التي أشار إليها شيخنا فليست هنا. ~~وإنما هي في منزل خارج الحصن بجوار القرية القريبة منه مع سائر أهله وخدمه.» # قال: «وسمعت من شيخنا أنه يفضل أن أقتله خارج الحصن. فهل هو يذهب إلى هناك؟» # قال: «قد أذن له في الذهاب متى شاء، وهو يذهب كل ليلة تقريبا. فالأفضل أن تغتنم وجوده ~~خارجا وتقضي عليه ومتى قتلته أصبحت امرأته وسائر ما يملكه حلالا لك.» # فقال عماد الدين: «اسمح لي أن أستشيرك في أمر آخر. ما قولك إذا قضيت مهمتي وأنا خارج هذا ~~الحصن في أن أبقى خارجا وأنصرف.» # قال: «نعم الرأي هو. وأنا أتبعك على عجل.» # فقال: «وكيف تعلم أني فرغت من مهمتي؟» قال: «متى صرت في آخر هذا السهل أوقد مشعلا ~~مزدوجا، وحالما أرى المشعل من هنا أخرج إليك ونذهب معا.» # فانبسطت نفس عماد الدين لهذا الرأي وهم بالانصراف، فأمسكه عبد الرحيم وجذبه إليه وقال: ~~«احذر أن تحدثك نفسك وأنت خارج الحصن أن تفر من غير أن تقتل الشيخ سليمان. بل يجب أن ~~تقتله ولو لم تستطع الفرار. اسمع نصحي هذه المرة أيضا.» # قال: «حسنا سأفعل ما تقول، ولكن هل أقدر على الخروج من باب الحصن بلا إذن؟» # قال: «إذا داهمك الوقت قبل أن أستأذن لك يكفي أن تقول للبواب كلمة الخروج فيفتح لك ~~الباب.» ms182 # قال: «وما هي هذه الكلمة؟» قال: «قل له: «حسن بن الصباح في الأموات» فيطلق سراحك.» # قال: «بارك الله فيك، قد انشرح صدري الآن، وسأذكر لك هذا الفضل في جملة أفضالك.» قال ذلك ~~ومشى نحو منزل الشيخ سليمان وقد اشتد الظلام. فلما دنا من المنزل رأى ذلك الشيخ خارجا منه ~~وبيده مصباح. # فتقدم كأنه رآه مصادفة وحياه وأكب على يده يقبلها وقال: «كيف تحمل المصباح بيدك ~~وأنا خادمك قد أمرني مولانا الشيخ بخدمتك؟» قال ذلك وتناول المصباح منه ومشى بين يديه حتى ~~دنا من الباب ففتحوه له. فأحب الشيخ أن يسترجع المصباح منه فأبى أن يعطيه إياه تخفيفا ~~للثقلة عنه وقال: «إذا علم مولانا الشيخ الأكبر أني لم أقم بحق خدمتك غضب علي ~~وعنفني.» # فأطاعه ومشى ولم يعترضه أحد لأنه ذكر كلمة الخروج للبواب. ومشى بين يدي الشيخ والطريق ~~أكثره منحدر حتى إذا فرغ من الانحدار وقف الشيخ وقال: «بارك الله فيك هات المصباح. إنني ~~على مقربة من منزلي.» # قال: «إني أسير بين يديك إلى باب المنزل.» # قال: «لا حاجة إلى تعبك. هذا هو المنزل.» وأشار بإصبعه إلى نور ضعيف لا يظهر سواه في ذلك ~~السهل. # فقال: «بل أسير معك حسب أمر مولاي.» # فوقف الشيخ ومد يده ليتناول المصباح منه فامتنع عماد الدين عن أن يناوله إياه، فغضب الشيخ ~~وقال بانتهار: «هات المصباح يا غلام وانصرف لسبيلك.» # فقال عماد الدين: «أهذا جزاء من يريد القيام بخدمتك؟» قال ذلك واستل خنجره وأغمده في ~~قلبه. فوضع الشيخ كفه على موضع الضربة وصاح: «آه. قتلتني يا لعين. ويلاه آه. ماذا فعلت ~~معك؟» # فهم عماد الدين أن يثني الضربة فأمسكه بيده الأخرى وهي ترتعد وقال: «هذه الطعنة تكفي ~~لقتلي، فأغمد الثانية في صدر تلك الخائنة. انظر. إني مسامحك على قتلي؛ لأني أستحق القتل، ~~ولكن هناك امرأة، هناك في هذا المنزل حيث ترى النور امرأة أحق بالقتل مني! بالله ألا ذهبت ~~إليها وقتلتها، وخذ ما في جيبي من النقود والجواهر مكافأة لك.» قال ذلك وسقط وعماد ms183 الدين ~~يستغرب قوله، فأكب عليه وفتش جيبه فوجد فيه أوراقا ونقودا وجواهر استخرجها وتركه ~~يتخبط في دمه. ~~••• # مشى وهو يفكر في هل يذهب إلى ذلك المنزل أم يسير توا إلى مصر ومعه النقود. فترجح لديه ~~الذهاب إلى مصر مخافة أن يكون في ذهابه إلى المنزل ما يعيقه عن المسير أو ربما بعث راشد ~~الدين في استقدامه ليعود إلى الحصن. وقد كان في عزمه أن يفر قبل قتل الرجل لو لم يلح عليه ~~عبد الرحيم بقتله فأطاعه وهو لا يعلم السبب، لكنه استخلصه ورأى في طاعته خيرا. # فلما رجح الفرار وقف يفكر في الطريق المؤدي إلى مصر وقد اشتد الظلام وهو لا يميز الطرق ~~ولا يعرف الجهات. وتذكر وصية القتيل وغرابتها واستنتج منها أنه ناقم على امرأة يريد ~~قتلها. فرأى أن يذهب إلى المنزل ويستدل من هناك على الطريق. فمسح خنجره وأغمده وأصلح من ~~شأنه وأطفأ المصباح حتى لا يراه أحد ومشى نحو النور. ولما اقترب من المنزل جعل خطاه خفيفة ~~كأنه يتلمس الطريق. وأصغى بسمعه وتطاول بعنقه. وخطا خطوات قليلة حتى أوشك أن يدق الباب. ~~فسمع رجلا يخاطب رفيقا له في ذلك البيت قائلا: «ألم تر مصباح الشيخ؟» # فأجابه الآخر: «رأيت مصباحا منذ هنيهة على بعد يشبه مصباحه.» # قال: «بل هو بعينه ثم انطفأ. ماذا جرى له يا ترى؟» # قال: «لا تخف عليه. إنه طويل العمر.» # قال: «أراك تحسده على حياته وهو من أشقى خلق الله.» # قال: «صدقت لم أر أشقى حياة منه.» # فقطع الآخر كلامه قائلا: «بل أشقى منه هذه المسكينة التي لا يبرح يعذبها ويضربها ~~و...» # فقال: «صدقت، مسكينة! إن قلبي يتقطع عليها أحيانا. وكم حدثتني نفسي أن أنتصر ~~لها ...» # فقال ذاك: «ما لنا ولها؟ إنما نحن نلتفت إلى مصلحتنا، فإذا وفي لنا بما وعدنا به حصلنا ~~على السعادة الحقيقية. إذ نصير من كبار الأمراء! أليس كذلك؟» # فقال الآخر: «هل تعتقد كل ما يقوله الشيخ صحيحا؟» # فقال: «إذا لم يصح إلا بعضه فإننا نكون سعداء! يظهر أنك لم ms184 تفهم حقيقة مهمته عند شيخ ~~الإسماعيلية.» # قال: «فهمتها، كيف لا أفهمها؟» # قال: «لا. لم تفهمها كما هي. اعلم أن مولانا الشيخ هذا كان صديقا للشيخ راشد الدين سنان ~~رئيس الإسماعيلية الآن قبل أن صار رئيسا، وقد أعانه وارتكب معه أمورا كثيرة حتى تمكن ~~راشد الدين من هذه الرياسة. فحسده صاحبنا، فأراد أن يعمل عملا يفوق به على صاحبه فذهب إلى ~~مصر وطمع في الخلافة!» # فضحك الآخر وقال: «الخلافة؟» # قال: «نعم، طمع أن يكون خليفة وسمى نفسه أبا الحسن، وادعى النسب الفاطمي وصدقه الناس. ~~ولما مات خليفة مصر العاضد بايعه جماعة من المصريين. ثم انكشف أمره لصلاح الدين وقبض على ~~رفاقه ونجا هو بنفسه وجاء الشام. وأنت تعلم ما جرى بعد ذلك، وكيف كلف بعض الفدائيين الذين ~~يقتلون القتيل بدرهمين فاختطفوا له هذه المرأة من بيتها، وهي تكرهه ولا تطيق أن ~~تراه.» # فقطع الآخر كلامه وقال همسا: «احذر أن تذكر الفدائيين بسوء. فإننا في دارهم. وأما هذه ~~المرأة فأنت لا تعرف من هي: مسكينة كم قاست منه! قبحه الله! لا أظن لها نجاة إلا ~~بموته.» # فضحك ذاك وقال: «إنه طويل الحياة، لا خوف عليه ولا سيما إذا نجح في مهمته عند راشد الدين، ~~والحق يقال إنه يحب هذه المرأة ويعدها بكل خير إذا أحبته. لكنها لا تحبه، ولذلك ~~يعذبها.» # ففهم عماد من هذا الحديث أنه قتل أبا الحسن، لكنه لم يكن يعرف علاقته بسيدة الملك، وإنما ~~يعرف أنه من الخارجين على صلاح الدين وأنه نجا من القتل. فرقص قلبه فرحا لأنه سيذهب إلى ~~صلاح الدين بخبرين مهمين: الأول ذهاب الخطر على حياته من راشد الدين والثاني أنه نجا من أبي ~~الحسن. لكنه سمع في أثناء الحديث أنه يعذب امرأته حتى أشفق عليها الخدم. وتذكر أن أبا ~~الحسن أمره بقتلها وأجازه على ذلك. وكان عماد الدين قد أصبح بعد تعلقه بسيدة الملك يشفق على ~~كل أنثى لأجلها. فأحس بميل إلى إنقاذ هذه المسكينة. فتقدم إلى الباب وطرقه فأجفل الرجلان ~~وصاح أحدهما: «من ms185 الطارق؟» وقال لرفيقه: «لعله مولانا الشيخ سليمان، ألم أقل لك إني رأيت ~~مصباحه؟» # فقال عماد الدين: «إني رسول من الشيخ سليمان.» # ففتح أحدهما الباب ودخل الآخر فأتى بالنور وأدناه من وجه عماد الدين، فرأياه ورآهما فلم ~~يذكر أنه يعرف أحدهما، لكنه عرف من زيهما أنهما من أهل دمشق، وكان قد لحظ ذلك من لهجتهما. ~~وكلاهما في حدود الكهولة، فتقدم أحدهما وقال لعماد الدين: «ماذا تريد؟» # قال: «بعثني الشيخ سليمان في مهمة ومعي هذا المصباح علامة لصدق الرسالة فانطفأ في أثناء ~~الطريق.» # قال: «صدقت، وما الذي تريده؟» # قال: «أمرني أن آتيه بامرأته على بغلتها وهو في انتظارها بباب الحصن.» # فالتفت الرجلان أحدهما إلى الآخر لفتة الاستغراب ولسان حالهما يقول: «كيف يبعث الشيخ يطلب ~~امرأته على بغلتها إلى الحصن؟ وما الذي يريده منها هناك؟» فقال أحدهما: «وهل يطلب امرأته ~~وحدها؟» # قال: «يطلبها مع ما تريد حمله من متاعها وثيابها.» # قال: «علينا أن نبلغها الرسالة.» ودخل الرجل والنور بيده وظل عماد الدين واقفا وقد أصاخ ~~سمعه. وأول شيء سمعه قبل وصول الرسول أنين وتأوه وصوت ضعيف يقول: «ويلك من الله يا خائن ... ~~ألا تخاف العقاب يوم الدين؟ أين يا موت. متى تأتي ساعتي وأتخلص من هذه الحياة ... آه ... ما ~~بالهم يتآمرون علي؟» # ولما سمع عماد الدين ذلك الصوت اقشعر بدنه لأنه كثير الشبه بصوت سيدة الملك. وحدثته نفسه ~~أن يتقدم ليراها ولكنه صبر ليسمع ما يدور بينها وبين الخادم. فإذا هو يقول لها: «إن سيدي ~~الشيخ بعث يطلب مولاتي إليه في هذا الحصن.» # فصاحت فيه: «إلى أين؟ من هو سيدك هذا؟ ما بالكم تزعجونني بالأسئلة؟ دعوني أنم لحظة لكي ~~أنسى فيها مصائبي.» # قال: «لا تغضبي يا سيدتي، إن مولاي بعث رسولا خاصا من خدمة الشيخ راشد الدين لكي يحملك ~~إليه بما تريدين حمله من متاعك وثيابك و...» # فقالت: «لا. لا أذهب إلا محمولة على خشبة. دعوني منه. لعنة الله عليه. ويا ويله من الله ~~ومن يوم الدين. آه. آه. حملني إلى بلاد ليس ms186 فيها من يعرفني ولم يشفق على قلبي ... آه ... كل ~~بلائي من هذا القلب!» # وأصبح عماد الدين يرتعد من عظم التأثر؛ لأن الصوت صوت سيدة الملك. ولو كان عالما بما ~~بينها وبين أبي الحسن لما شك في أنها هي، لكنه استبعد وصولها إلى هناك وهي في ظل صلاح ~~الدين. وإنما ارتعد انتصارا لامرأة مظلومة إكراما لحبيبته لأنها من جنسها. وزادت نقمته ~~لأن صوتها يشبه صوتها. ثم سمع الرجل يخاطبها قائلا: «والآن يا سيدتي ماذا تريدين أن نفعل؟ ~~لا بد لنا من أخذك إليه حسب أمره، وهذا رسوله واقف بالباب وليس في الإمكان رد طلبه، فالأوفق ~~أن تنهضي راضية.» # فلما سمعت تهديده صاحت صيحة وقف لها شعر عماد الدين قائلة: «أتهددونني بالأخذ قهرا؟ أريد ~~هذا الشقي أن يحملني على أيدي اللصوص كما خطفني من مصر بأيدي أتباعه قبل الآن؟» ثم خفضت ~~صوتها وغصت بدموعها وقالت: «ولكن الله بعث إلي في تلك المرة ملاكا شجاعا أنقذني من ~~مخالب الموت وأنقذ شرفي وحياتي.» ثم تنهدت وقالت: «آه. أين أنت يا عماد الدين؟» # فلما سمع عماد الدين نداءها لم يتمالك عن الوثوب كالأسد الكاسر وقد تحقق أن تلك المظلومة ~~حبيبته سيدة الملك وأجابها: «لبيك. لبيك. يا سيدتي.» # وما لبثت بعد أن سمعت صوته حتى رأته أمامها وقد أزاح الخادم بيده وتقدم نحوها وهو يقول: ~~«مولاتي سيدة الملك أنت هنا في هذا العذاب؟» # فشخصت إليه شخوص الأبله كأنها أصيبت بجنة، وقد جمدت عيناها وعقد لسانها ولم تعد ~~تستطيع النطق، لكنها تماسكت وتوهمت نفسها في حلم، فقالت وصوتها يتقطع وهو مختنق: «عماد ~~الدين؟ عماد ... الدين؟! آه ... يا ليت ذلك كان في اليقظة!» # وغطت وجهها بكفيها وأخذت في البكاء، فتقدم عماد الدين نحوها وقد تقطع قلبه لرؤيتها وهي ~~في شدة الضعف، ولو أنه شاهدها بدون أن تناديه لما عرفها. فأمسك بيدها وقال: «أنت في يقظة يا ~~سيدتي. أنا عماد الدين. أنت في يقظة وروحي فداك فلا تخافي.» # فلما سمعت صوته فتحت عينيها والدمع يغشاهما ونظرت إليه وهو في ms187 زي غير زيه. لكنها عرفت ~~صوته وتفرست في وجهه وهي لا ترى شيئا من الدمع، فمسحت عينيها بكمها فعرفت عينيه فصاحت: ~~«عماد الدين! أنت عماد الدين؟ من أرسلك إلي؟ لا. لا. لست عماد الدين. أنت خادم ذلك ~~الخائن جئت لتأخذني إليه. بالله قل لي، هل أنت عماد الدين؟» وضحكت كالأبله المعتوه وقالت: ~~«أنت عماد الدين؟ إن المعجزات لا تتكرر. نعم أتى عماد الدين لإنقاذي في مثل هذا الضيق فيا ~~ليته يأتي الآن.» ثم سكتت كأنها استرجعت رشدها ومسحت عينيها ثانية ونظرت إلى عماد الدين نظر ~~متفرس، وهو جاث بين يديها وعيناه شاخصتان في عينيها وقلبه يتفطر. فما لبثت أن تحققت أنها ~~ترى عماد الدين فصاحت ملء فيها: «عماد الدين! عماد الدين!» وترامت عليه وقد أغمي عليها. ~~فأنهضها، وتراكض الخدم بالماء فرشها به وأخذ يمسح وجهها وعينيها بمنديله، وسقاها جرعة من ~~الماء فانتعشت وأعادت النظر إلى عماد الدين وهي تضحك ضحك طفل استرجع شيئا كان يبكي ~~لفراقه. # لكن تلك الضحكة أبكت عماد الدين وقد شق عليه أن يرى تلك الملكة أخت الخليفة قد ذهب ~~ملكها وصارت أسيرة في حيازة صلاح الدين، ثم سيقت كرها مع ذلك الشيخ اللعين، لكنه حالما ~~تذكر أنه قتله سري عنه وعاد إلى تطمين سيدة الملك وقال: «صدقت، إني يا سيدتي عبدك عماد ~~الدين.» # فصاحت: «ألا تزال تقول إنك عبدي، أنت سيدي وتاج رأسي. أنت منقذي من الموت والعار مرتين. ~~أنت روحي. أنت حياتي. أنت ... آه ... دعني لقد خلعت العذار.» وغطت عينيها خجلا. # فانتبه عماد الدين لوجود ذينك الخادمين وكان قد عرف كرههما لأبي الحسن وشفقتهما على سيدة ~~الملك فقال لكبيرهما: «ربما استغربتما ما رأيتماه في هذه الليلة، وقد علمت أنكما ناقمان على ~~ذلك الشرير، وأن قلبيكما مع هذه، أليس كذلك؟» قال ذلك ومد يده إلى جيبه وفيه نقود أبي الحسن ~~وأعطاهما بلا حساب. # فأعجبهما كرمه وأريحيته وأجابه أحدهما: «صدقت، ويظهر أنك لست خادما كما ادعيت، بل أنت ~~أمير أرسلك الله لإنقاذ هذه السيدة، إنها قطعت قلبينا ms188 وأوشكنا أن نأخذ بيدها ونخلصها من ~~ذلك الظالم.» # فقال: «إذن أنتما مسروران بنجاتها.» # قال: «ونحن رهينا الإشارة في أي خدمة تريدها منا ولو كانت قتل ذلك اللعين.» # قال: «لا حاجة إلى قتله، فقد كفانا الله شره في هذه الليلة. وهذه النقود التي كانت معه ~~أعطيتكم بعضها وهذا البعض الآخر.» ودفع إليهما دفعة أخرى . # فزادهما دهشة فقال أحدهما: «قتلته؟ لا رحمه الله.» # وكانت سيدة الملك تنظر إلى عماد الدين وهو يخاطب الرجلين نظر الإعجاب والحب وعيناها ~~غائرتان من الضعف والهزال وقد امتقع لونها. فلما سمعت التحدث بقتل أبي الحسن قبضت على عماد ~~الدين واجتذبته نحوها وهي تقول: «قتلته؟» # قال: «نعم. وكنت أود أني عرفته قبل قتله لأشبعه قتلا وأخبره وهو في حشرجة الموت أني ~~قتلته في سبيل طاعتك انتقاما لفظاعته.» # وقص عليها عماد الدين مهمته لمصلحة صلاح الدين وما قاساه من العناء وكيف انتهت بالفوز ~~وأصبح صلاح الدين في مأمن من الفدائيين، فلما سمعت اسم صلاح الدين أشرق وجهها وقالت: «بارك ~~الله في صلاح الدين، إنه نادر المثال.» فضحك وقال: «ألم أقل ذلك في آخر ليلة رأيتك فيها ~~وأنت ناقمة عليه؟» # قالت: «لم أكن أعرفه. وفي كل حال فإني أمتدح مروءته وعلو همته. وأما أنت فكنت تمتدحه في ~~معرض آخر ... فهو في ذلك المعرض ما زال حكمي عليه كما كان، ولا سيما إذا قابلته بعماد ~~الدين.» # وضحكت وكانت تتكلم وعيناها شاخصتان فيه تكاد تتلقفه بهما. # ثم جاء الخادمان وقد أعدا الركائب وشدا الأحمال، فركبوا جميعا وقد توسط الليل وأطل ~~القمر من وراء جبل السماق. فتذكر عماد الدين صديقه عبد الرحيم وما أوصاه به، فلما أمعن في ~~السهل أمر الرجلين أن يوقدا مشعالا مزدوجا ففعلا. # الفصل الحادي عشر # | هناء الحبيبين # وسار الركب وبغلة سيدة الملك بجانب فرس عماد الدين وهما يقصان ما جرى لهما في تلك المدة ~~الطويلة، والمحب إذا غاب عن حبيبه ساعة عاد ومعه عدة حكايات يرويها. وهو يرى في ذلك لذة ~~خاصة لا يشعر بها غير المحبين. والغريب أن ms189 المحب لا يصبر على كتمان شيء عن حبيبه كأنه يرى ~~في كتمانه خيانة، أو كأن قلبيهما يطلبان المكاشفة في كل شيء. فكما يتشاكيان ويتعاتبان. فهما ~~أيضا يلذ لهما نقل ما في قلب الواحد إلى قلب الآخر من حب أو فكر أو حكاية أو حديث. # وفيما هم في ذلك وقد بعدوا عن جبل السماق سمعوا وقع حوافر جواد وراءهم وكان عماد الدين لا ~~يفتر يترقب سماع ذلك التماسا لمجيء صديقه عبد الرحيم، وقد أصبح في شوق لرؤيته ليستطلع منه ~~ما لمح إليه به وهما في الحصن. # فلما سمع وقع حوافر الفرس تباطأ في المسير ووقفت معه سيدة الملك. فأشار إليها أن تبقى ~~سائرة والخادمان يتبعانها فمشت وتأخر هو لحظة فوجد صديقه عبد الرحيم يسوق فرسه كأن وراءه ~~أناسا يطاردونه فناداه: «عبد الرحيم.» فأجابه: «عماد الدين؟» قال: «ما وراءك؟ أراك مسرعا ~~هل عليك بأس؟» # قال: «كلا. لكنني خفت عليكم.» # قال: «وما الذي أخافك علينا؟ إننا في أمان.» # قال: «كنت في أثرك ساعة طعنت ذلك اللعين الطعنة القاضية، وتربصت بعد ذلك وأنا أراقب ~~حركاتك حتى علمت أنك دخلت منزله ثم طال انتظاري ولم أشاهد مشعالك، فخفت أن تكون قد أصبت ~~بسوء، فركبت نحو المنزل من طريق آخر فلم أجد هناك أحدا ثم رأيت المشعال فهرعت إليك هل ~~عليكم بأس؟» # قال: «لا بأس علينا والحمد لله، بل نحن في خير وبركة.» # قال: «هلا علمت من هو الشيخ سليمان الذي قتلته؟» # قال: «نعم علمت، إنه أبو الحسن صاحب ثورة القاهرة التي ذهبت بسببها إلى مصر بتلك ~~الرسالة المباركة وجئتني بذلك الجواب الثمين، وقد ظهر لي من إلحاحك علي في قتله أن في ~~الأمر سرا، وقد ظهر الآن أنك أعنتني على التخلص من هذا الشرير، وهذه بشرى سنزفها إلى ~~مولاي صلاح الدين ولك الفضل فيها.» # قال: «وسنزف إليه بشرى أخرى بأن حياته في مأمن من غائلة الإسماعيليين.» قال: «طبعا. ~~وسأزف إليه وإليك بشرى هي في نظري أهم مما تقدم.» فقال: «وما هي؟» # قال: «لم تسألني عن ms190 هؤلاء الرفاق من هم؟» # قال: «كنت عازما على سؤالك، لكنني تنبأت بأنهم زوجة ذلك الشرير وخادماها وهي الآن زوجتك ~~طبعا.» # قال: «لا. لا. لم تكن له زوجة قط.» قال: «من هي إذن؟» # قال: «أتذكر الرسالة التي جئتني بها من القاهرة والسيدة التي خاطبتك وذكرت لي إعجابك ~~بلطفها وكمالها؟» # قال بدهشة: «سيدة الملك، أخت الخليفة؟» # قال: «نعم، سيدة الملك. اختطفها هذا الخائن على يد بعض الفدائيين أصحابنا، وجاء بها إلى ~~هنا تحت العذاب الشديد، وقدر لي أن أنقذها.» فقال: «هذه الراكبة على البغلة سيدة ~~الملك؟» # قال: «نعم، هل تريد أن تراها؟» # قال: «كيف لا ... ولكن تمهل قليلا ريثما نصل إلى مكان ننزل فيه عند الفجر. إذ لا بد من ~~الراحة.» # قال: «هل أنت ذاهب معنا إلى مصر؟» # قال: «إذا كنتم تقبلونني.» # فأسرع في الجواب بلهفة قائلا: «إن ذلك يكون من حسن طالعي. كم أحب أن تكون معي فنعيش معا ~~لعلي أقدر على مكافأتك، وسأخبر السلطان صلاح الدين بما كان من فضلك في إتمام هذه المهمة، ~~وهي بشرى رابعة أزفها إليه. ولكن كيف تركت طائفة الإسماعيلية بعد أن صرت من كبار رجالها ~~وصارت لك هذه الدالة على رئيسها العجيب الغريب. إني لا أنسى ما شاهدته من المدهشات في هذين ~~اليومين.» فتنهد وقال: «لو لم أرتق إلى درجة المستنيرين لم يخطر ببالي أن أعتزل هذه ~~الطائفة. ألم تنتبه إلى تغيري بعد هذا الارتقاء، لو بقيت فدائيا لظللت مشتاقا إلى ~~الارتقاء والاطلاع على الأسرار. فلما اطلعت عليها رأيتني كنت مغشوشا وندمت على ~~دخولي.» # فقال: «يا للعجب! لماذا لم يفعل ذلك الذين ترقوا إلى مثل هذه الدرجة قبلك؟» # قال: «لأنهم يرون في بقائهم ما يسد مطامعهم من الملذات وأسباب السعادة البدنية. لا يهمهم ~~أن يتم لهم ذلك بتضحية الشبان الشجعان والفدائيين أمثالك. أما أنا فلا أحب هذه العيشة بما ~~فيها من الغدر.» # فأطرق عماد الدين وتشاغل بتمشيط عرف فرسه بأنامله. ثم قال: «ألا تزال تعتقد كرامة الشيخ ~~راشد الدين ومعجزاته؟» # قال: «كنت أعتقدها حتى ارتقيت ms191 وعرفت سرها فأنكرتها، وفي الدنيا كثير من الظواهر المدهشة ~~إذا عرفت سرها احتقرتها.» # قال: «إني شديد الرغبة في معرفة سر ما شاهدت من معجزات الرجل.» # قال: «إني أعذرك، وقد كنت أود أن أكاشفك بسرها لولا أني أقسمت الأيمان المغلظة على ~~الاحتفاظ بها، وأنت لا ترضى لي الحنث باليمين؛ لأني وإن تركت الجمعية وتخليت عنها فلم ~~أتخل عن شرفي وضميري. لكن هذه المعجزات ليس فيها شيء من الخوارق التي لا يقدر عليها ~~الناس، وليست من قبيل الوحي الإلهي أو المقدرة الخاصة كما كنا نظن. والآن قد دنونا من محطة ~~فيها ماء وخان أعرف صاحبه، فأرى أن ننزل هنا ريثما نستريح ثم نستأنف المسير.» # فأسرع عماد الدين إلى سيدة الملك وأخبرها برأي رفيقه عبد الرحيم فوافقت عليه، وكان الفجر ~~قد لاح فنزلوا. وتقدم عماد الدين ومعه عبد الرحيم إلى سيدة الملك فقدمه لها وأخبرها عن ~~فضله في نجاح مهمته فأثنت عليه كثيرا. # فلنتركهم جميعا يستريحون ولنعد إلى القاهرة، فقد طال سكوتنا عن أهلها. تركناهم بعد صلب ~~عمارة وأصحابه المتآمرين وخروج رسول عماد الدين (عبد الرحيم) بالكتاب والجواهر إلى بيت ~~المقدس. وقد اطمأن بال سيدة الملك وسرها أنها خطرت ببال حبيبها. وقد ذكرنا ما كان من ~~نقمة أبي الحسن بعد فشله في دمشق. وأنه أصبح همه الانتقام من سيدة الملك بأي وجه كان فأغرى ~~بعض الأشقياء من الفدائيين على الاحتيال لاختطافها وذهب هو إلى مصر. فاغتنموا خروجها مع ~~حاضنتها إلى البساتين على مقربة من قصر صلاح الدين واختطفوها كما تقدم، وسقطت ياقوتة وقد ~~أغمي عليها ولم تفق إلا بعد ساعات. وكان اللصوص قد نجوا بغنيمتهم، فأخبرت قراقوش بذلك ~~فأطلع صلاح الدين عليه فغضب وأمر بالتفتيش عن سيدة الملك وبث الجواسيس في الأطراف فلم يقفوا ~~لها على خبر. فشق ذلك عليه كثيرا، وزاد غضبه لانقطاع أخبار عماد الدين وندم على الإذن له ~~في الذهاب؛ لأنه أحس بحقيقة منزلته بعد ما رآه من ثبات عزمه على خدمته. وكان يود ليزوجه ~~بسيدة الملك ويفرح به فكان ms192 غيابهما سببا لتنغيص عيشه، وكان يشغل خاطره عن حروبه مع ~~الصليبيين وهي على أشدها في ذلك العهد، وقد أخذ يتهيأ لفتح بيت المقدس. وفيما هو في ذلك ~~جاءه قراقوش يقول: «إن رسول عماد الدين الذي جاءنا في المرة الماضية أتى ومعه بشرى مهمة.» ~~فأمر بإدخاله ورحب به فوقف متأدبا فقال له: «ما وراءك ، إنك لا تأتينا إلا بالبشائر ~~الحسنة.» # قال: «إن ذلك بتوفيق الله وبركة مولانا السلطان. أخبر مولاي أن عبده عماد الدين عاد من ~~مهمته سالما ظافرا، وكان يود أن يحمل هذه البشرى بنفسه لكنه شغل بسيدة الملك فاستأذنته ~~أن أحمل هذه البشرى إليكم قبل وصوله.» # فصاح صلاح الدين قائلا: «وسيدة الملك معه؟» # قال: «نعم يا مولاي.» # فالتفت إلى بهاء الدين يلتمس مشاركته في الاستغراب، فقال بهاء الدين: «إن ذلك غريب! إنه ~~في هذه المرة أيضا أنقذها من الخطر. أليس ذلك دليلا على أنهما خلقا ليقترنا؟» # قال: «لا شك في ذلك، وهذا غاية ما أتمناه فابعث من يستقبلهما في موكب يليق ~~بمقامهما.» # فأعد قراقوش موكبا حافلا استقبل القادمين في الخانقاه بجوار القاهرة ومعه هودج لسيدة ~~الملك. ولما دنا الموكب من قصر صلاح الدين حولوا الهودج إلى قصر سيدة الملك، وكانت ياقوتة ~~قد علمت بقدومها فاستقبلتها وترامت على يديها تقبلهما، وشكرت الله على هذه النعمة. ورأت ~~الضعف ما زال ظاهرا في وجهها، فأخذت تداعبها بذكر عماد الدين وأنه لا يلبث أن يصير زوجها ~~فقالت لها: «هل رأيت يا ياقوتة أن هذا الشاب يستحق قلبي؟ إنه أنقذني من الموت والعار مرة ~~أخرى.» وقصت عليها خبرها باختصار. # أما عماد الدين فترجل قبل الوصول إلى قصر السلطان ومشى حتى دخل عليه وأكب على ركبته ~~يقبلها ويقول: «أشكر الله؛ لأنه أراني وجه مولاي السلطان في خير.» وتقدم إليه الوزراء ~~والقواد وسلموا عليه وهم لا يعرفون الغرض من مهمته ولكنهم جاروا السلطان بإكرامه. # ثم خلا صلاح الدين بعماد الدين، وبهاء الدين، وسأل الأول عن نتيجة مهمته فقص عليه ما ~~جرى من أوله إلى آخره، فأعجب ms193 بهمته وما أظهره من الصبر وما لاقاه من المصاعب والمشاكل ~~وتغلبه عليها جميعا. وكان أغرب ما سمعه قتله أبا الحسن وإنقاذه سيدة الملك. فلما وصل إلى ~~هنا ابتسم السلطان وقال: «بارك الله فيك. هذه همة عالية. رحم الله والدي، إنه كان صادق ~~النظر في الرجال، توسم فيك مناقب كبار القواد، وقد صدق توسمه لأنك أتيت ما لم يستطعه سواك ~~من رجالنا. فأنت الآن من كبار قوادنا ورجال خاصتنا.» # والتفت إلى بهاء الدين وقال: «يا بهاء الدين، هذا هو الشاب الذي فر من بين يديك من قصر ~~النساء. ألا تراه يستحق أن يكون زوجا لسيدة الملك وقد أنقذها من أبي الحسن؟» قال: «إنه أهل ~~لكل التفات، ويكفي أن يكون مولانا نجم الدين قد توسم فيه ذلك.» # قال: «قد آن له الآن أن يستريح من وعثاء السفر، وأحب أن تحتفلوا بزواجه احتفالا يليق ~~بالملوك وكبار القواد.» # فأكب عماد الدين على يدي صلاح الدين يقبلهما فقبل صلاح الدين رأسه ثم قال عماد ~~الدين: «أستأذن مولاي في كلمة عن صديقي عبد الرحيم، فقد سمعت بلاءه في خدمتنا وسيكون عونا ~~لنا في حروب الإفرنج؛ لأنه يعرف بيت المقدس بيتا بيتا و...» # فلم يصبر صلاح الدين حتى يتم حديثه فقال: «إنه أهل ليكون من خاصتنا، وهذا بهاء الدين يعرف ~~له قدره وينزله منزلته. وأحب الآن أن أرى سيدة الملك وأهنئها بالسلامة.» # فهرع بهاء الدين إلى قصر النساء يبشر سيدة الملك بزيارة السلطان، فاستعدت لاستقباله، فلما ~~أقبل عليها حياها وقال: «قد أصبت لأنك فضلت عماد الدين علي فإنه أنقذك من الموت مرتين ~~وخلصنا من شر الأعداء. فهو جدير بك ونعقد له عليك بما يقتضيه مقامك.» # فخجلت سيدة الملك خجلا يمازجه الفرح والإعجاب وأطرقت حياء، ثم رفعت بصرها إليه وقالت: ~~«لم أفضل عماد الدين إلا لمناقب تعجب السلطان صلاح الدين وقد رفعه بسببها من عامة الناس ~~إلى خاصتهم وجعله جليسه. على أني إذا فضلته من بعض الوجوه فإنني أنا وهو لا نفضل أحدا ~~على صلاح الدين، ونحن في ms194 رعايته وتحت ظله.» # فأعجبه جوابها فقال لها: «لست في رعايتي، ولكنك الآن في رعاية البطل عماد الدين، ويحق لك ~~أن تفخري به كما يحق له الافتخار بك فاهنآ.» قال ذلك وخرج وغادر سيدة الملك وقلبها يرقص ~~فرحا وقد نسيت كل مصائبها الماضية. # واحتفلت مصر بزفافها إلى عماد الدين احتفالها بزواج الملوك. ms195