######OpenITI# #META# URI: 1331JurjiZaydan.SharlWaCabdRahman.Hindawi61641316 #META# Tags: novels #META# ID: 61641316 #META# Title: شارل وعبد الرحمن #META# AuthorID: 40590249 #META# Author: جُرجي زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أبطال الرواية‏ # مراجع هذه الرواية‏ # 1 - فتوح العرب في بلاد الإفرنج‏ # 2 - فتح بوردو‏ # 3 - الغنائم والسبايا‏ # 4 - بسطام‏ # 5 - التنازع‏ # 6 - مريم‏ # 7 - الخلوة‏ # 8 - هانئ‏ # 9 - عبد الرحمن وبسطام‏ # 10 - العرب في أسر الإفرنج‏ # 11 - بعض السر‏ # 12 - نهر لوار‏ # 13 - الآنية‏ # 14 - الخباء‏ # 15 - ميمونة‏ # 16 - سران‏ # 17 - العقد‏ # 18 - دسيسة‏ # 19 - لقاء الحبيبين‏ # 20 - البغتة‏ # 21 - المكر المتبادل‏ # 22 - من شق الحائط‏ # 23 - المكاشفة‏ # 24 - الاطمئنان‏ # 25 - المنديل‏ # 26 - البحث عن مريم‏ # 27 - المنزل الخالي‏ # 28 - المكيدة‏ # 29 - الخنجر‏ # 30 - المعركة‏ # 31 - هانئان‏ # 32 - هانئ الآخر‏ # 33 - الإخلاص‏ # 34 - حيلة جديدة‏ # 35 - سالمة في بوردو‏ # 36 - رأي الإفرنج في المسلمين‏ # 37 - الدير‏ # 38 - داتوس‏ # 39 - الجرح‏ # 40 - شبح غريب‏ # 41 - المسافة طويلة‏ # 42 - خطر آخر‏ # 43 - الدوق أود‏ # 44 - التهديد‏ # 45 - الكتاب‏ # 46 - الطارق‏ # 47 - السفر‏ # 48 - الاستطلاع‏ # 49 - منظر هائل‏ # 50 - حصار القسطنطينية‏ # 51 - البلغاريون‏ # 52 - سوق الرقيق‏ # 53 - موكب الدوق‏ # 54 - الأحول‏ # 55 - تورس‏ # 56 - طارقان‏ # 57 - بشرى‏ # 58 - شهامة‏ # 59 - أول الأسرار‏ # 60 - الجوزة الكبيرة‏ # 61 - دير القديس مرتين‏ # 62 - أمل جديد‏ # 63 - الرهينة‏ # 64 - معسكر عبد الرحمن‏ # 65 - ساحة القتال‏ # 66 - مشكلة الغنائم‏ # 67 - رسول أمين‏ # 68 - لمباجة‏ # 69 - هانئ ومريم‏ # 70 - سالمة في الدير‏ # 71 - دعوة خطرة‏ # 72 - سر جديد‏ # 73 - الوداع‏ # 74 - ضوء القمر‏ # 75 - رسالة من شارل‏ # 76 - معسكر شارل‏ # 77 - الحرب‏ # 78 - بعد المعركة‏ # 79 - اللقاء الدائم‏ # أبطال الرواية‏ # مراجع هذه الرواية‏ # 1 - فتوح العرب في بلاد الإفرنج‏ # 2 - فتح بوردو‏ # 3 - الغنائم والسبايا‏ # 4 - بسطام‏ # 5 - التنازع‏ # 6 - مريم‏ # 7 - الخلوة‏ # 8 - هانئ‏ # 9 - عبد الرحمن وبسطام‏ # 10 - العرب في أسر الإفرنج‏ # 11 - بعض السر‏ # 12 - نهر لوار‏ # 13 - الآنية‏ # 14 - الخباء‏ # 15 - ميمونة‏ # 16 - سران‏ # 17 - العقد‏ # 18 - دسيسة‏ # 19 - لقاء الحبيبين‏ # 20 - البغتة‏ # 21 - المكر المتبادل‏ # 22 - من شق الحائط‏ # 23 - المكاشفة‏ # 24 - الاطمئنان‏ # 25 - المنديل‏ # 26 - البحث عن مريم‏ # 27 - المنزل الخالي‏ # 28 - المكيدة‏ ms001 # 29 - الخنجر‏ # 30 - المعركة‏ # 31 - هانئان‏ # 32 - هانئ الآخر‏ # 33 - الإخلاص‏ # 34 - حيلة جديدة‏ # 35 - سالمة في بوردو‏ # 36 - رأي الإفرنج في المسلمين‏ # 37 - الدير‏ # 38 - داتوس‏ # 39 - الجرح‏ # 40 - شبح غريب‏ # 41 - المسافة طويلة‏ # 42 - خطر آخر‏ # 43 - الدوق أود‏ # 44 - التهديد‏ # 45 - الكتاب‏ # 46 - الطارق‏ # 47 - السفر‏ # 48 - الاستطلاع‏ # 49 - منظر هائل‏ # 50 - حصار القسطنطينية‏ # 51 - البلغاريون‏ # 52 - سوق الرقيق‏ # 53 - موكب الدوق‏ # 54 - الأحول‏ # 55 - تورس‏ # 56 - طارقان‏ # 57 - بشرى‏ # 58 - شهامة‏ # 59 - أول الأسرار‏ # 60 - الجوزة الكبيرة‏ # 61 - دير القديس مرتين‏ # 62 - أمل جديد‏ # 63 - الرهينة‏ # 64 - معسكر عبد الرحمن‏ # 65 - ساحة القتال‏ # 66 - مشكلة الغنائم‏ # 67 - رسول أمين‏ # 68 - لمباجة‏ # 69 - هانئ ومريم‏ # 70 - سالمة في الدير‏ # 71 - دعوة خطرة‏ # 72 - سر جديد‏ # 73 - الوداع‏ # 74 - ضوء القمر‏ # 75 - رسالة من شارل‏ # 76 - معسكر شارل‏ # 77 - الحرب‏ # 78 - بعد المعركة‏ # 79 - اللقاء الدائم‏ # | شارل وعبد الرحمن # | شارل وعبد الرحمن # تأليف # جرجي زيدان # | أبطال الرواية # عبد الرحمن: # قائد الجيوش الإسلامية. # هانئ: # قائد الفرسان. # شارل (قارله): # قائد جيوش الإفرنج وحاكم أوستراسيا. # بسطام: # قائد البربر. # مريم: # حبيبة هانئ وابنة عبد العزيز بن موسى. # سالمة (أجيلا): # والدة مريم زوجة رودريك ملك ~~الإسبان. # لمباجة: # بنت الدوق أود وزوجة القائد البربري. # أود: # حاكم أكتانيا ووالد لمباجة. # | مراجع هذه الرواية # هذه المراجع هي التي اعتمد عليها المؤلف في تأليف الرواية ووقائعها التاريخية: # ابن الأثير. # مختصر الدول. # جبن. # فيسفوروس. # أبو الفداء. # نفح الطيب. # رومي. # نهاية الأرب في قبائل العرب. # رينو. # رينو ورومي. # دوزي. # البيان والتبيين للجاحظ. # المقري. # الفصل الأول # | فتوح العرب في بلاد الإفرنج # فتح المسلمون إسبانيا سنة 92ه/811م بقيادة طارق بن زياد البربري، كما بينا ذلك في ~~رواية «فتح الأندلس» وكان طارق من موالي موسى بن نصير عامل بني أمية على إفريقية أي من ~~أتباعه، وموسى يومئذ شيخ قد ناهز الثمانين من عمره، فلما فتحت الأندلس أصبحت من توابع تلك ~~الولاية أو فرعا من فروعها، وعامل إفريقية يقيم في القيروان، وهو الذي ms002 يولي عمال الأندلس، ~~وما زال ذلك شأن الأندلس حتى استقلت على عهد الدولة الأموية الأندلسية بعد ظهور العباسيين ~~في المشرق. # فلما تهيأت أسباب الفتح لموسى وهو في إفريقية، استشار الخليفة في ذلك فوافقه، وحذره، فلم ~~يشأ موسى أن يفرط في جند العرب وهم يومئذ قليلون بالنسبة إلى أهل البلاد الأصليين في معظم ~~البلاد التي فتحوها، وخصوصا في إفريقية، فأنفذ في تلك المهمة حملة أكثرها من البربر: سكان ~~إفريقية الأصليين، وقائدهم مولاه طارق، فلما حدثت الوقعة بين طارق ورودريك في فحص شريش وقتل ~~رودريك سنة 92ه، أصبح فتح الأندلس أمرا مقضيا، ولم تمض سنة حتى فتحت قرطبة ومالقة ~~وطليطلة وغيرها من مدن الأندلس العظمى وتأيدت شوكة المسلمين هناك. # فلما بلغ خبر ذلك النصر السريع إلى موسى تمنى أن تكون له يد فيه، فكتب إلى طارق أن يتوقف ~~ريثما يأتيه هو، وجند جندا آخر من العرب والبربر وقدم إلى إسبانيا من جهة أخرى، ففتح مريدة ~~وسرقوسة وغيرهما، ولما رأى سهولة الفتح عليه أوغل في إسبانيا حتى تجاوز جبال البيرينة إلى ~~فرنسا فغزا بلادا منها إلى نربونة وقد عزم على مواصلة الفتح في بلاد أوروبا حتى يعود إلى ~~الشام من طريق القسطنطينية فيتم له فتح العالم المعمور يومئذ، ولم يكن باقيا منه إلى ذلك ~~الحين غير أوروبا وكانت في غاية الاضطراب والانقسام. # وفي أثناء تلك الحروب شب خلاف بين موسى وطارق، واستفحل أمره فاضطر الخليفة في دمشق إلى ~~استدعائهما إليه للنظر في أمرهما فشخصا إلى الشام، وولى موسى على إسبانيا ابنه عبد العزيز ~~فجعل عاصمته إشبيلية ثم أتى هو إلى دمشق ومعه من الغنائم والسبايا ما لا يحصى، وجاء طارق ~~أيضا (سنة 94ه) وتحاكم الاثنان إلى الخليفة الوليد، وفي أثناء المحاكمة توفي الوليد فخلفه ~~أخوه سليمان بن عبد الملك سنة 96ه، وكانت بينه وبين موسى ضغائن، فشدد النكير عليه وعلى ~~أولاده، فأوعز إلى بعض الأمراء في الأندلس أن يقتلوا عبد العزيز فقتلوه وحملوا رأسه محنطا ~~إلى دمشق، وكان موسى في السجن، فاستقدمه سليمان ms003 وأراه رأس ابنه وسأله: هل يعرفه، فدعا موسى ~~على قاتله وصدمه ذلك المنظر فمات بعد قليل، ولا ندري ماذا انتهى إليه أمر طارق. # ذهب موسى وطارق، ولم يذهب من فكر العرب فتح أوروبا، فكانوا يترقبون الفرص ويحول دون تحقيق ~~هدفهم ما نشب من الخصام بين قبائلهم، على أنهم عادوا إلى مشروع موسى من طريق آخر، فأنفذ ~~الخليفة سليمان سنة 98ه، حملة كبيرة عن طريق القسطنطينية بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك ~~فحاصرها، وطال حصارها حتى توفي سليمان، وتولى الخلافة عمر بن عبد العزيز سنة 99ه، فسحب ~~الجند وقد امتنع عليهم الفتح من ذلك الطريق فعادوا إلى السعي إليه بطريق الأندلس. # وتوالى على الأندلس عدة أمراء فتحوا مدنا كثيرة من جنوبي فرنسا، لم تثبت أقدامهم إلا في ~~قليل منها، ثم أفضت الإمارة إلى عبد الرحمن الغافقي سنة 112ه/730م وكان رجلا حازما ~~تقيا محترما غيورا على الإسلام والمسلمين، فأخذ على عاتقه استئناف العمل لفتح أوروبا عن ~~طريق غاليا (فرنسا) فألمانيا فالمملكة الرومانية إلى الشام وكانت عاصمة الأندلس يومئذ قد ~~انتقلت إلى قرطبة، فأخذ عبد الرحمن في إعداد الجند للخروج على بلاد الإفرنج، وكانوا يسمونها ~~يومئذ الأرض الكبرى، وكان عبد الرحمن حذرا، فخشي أن يخفق في مهمته كما أخفق أسلافه، وكان ~~قد عرف علة إخفاقهم فعمد إلى تلافيها فطاف بإسبانيا بنفسه، وتعهد حكامها، فعزل الضعفاء وأهل ~~المطامع من أمرائها وأبدلهم برجال ذوي دراية وحلم، ليحسنوا سياسة الناس من أهل الذمة، وأنصف ~~هؤلاء فرد إليهم ما كان قد اغتصبه أسلافه من كنائسهم وأملاكهم، وأعادهم إلى ما كانوا عليه ~~في زمن موسى بن نصير لعلمه أنه لا يفوز في مهمته إلا إذا أحسن سياسة الرعية وعاملهم بالحق ~~والرفق، وإلا فإنهم يكونون عونا عليه، وكان عبد الرحمن وهو في ذلك الطواف يخطب المسلمين في ~~المساجد، ويحرضهم على الجهاد في سبيل الله لفتح غاليا وما وراءها حتى يعم الإسلام كل ~~العالم. ~~••• # وكان لكلامه تأثير عظيم في المسلمين العرب وغيرهم، فتقاطروا من إفريقية ومصر والشام ~~والحجاز واليمن، وفيهم ms004 العرب والبربر والمولدون من المصريين والسوريين على اختلاف القبائل ~~والشعوب، وقد تدافعوا إلى الجهاد في سبيل الدين إجابة لدعوة عبد الرحمن، وهم إنما وثقوا به ~~لما اشتهر من حزمه وكرم أخلاقه وعدله وصدق إسلامه، وتألفوا حوله فرقا باعتبار قبائلهم ~~وأجناسهم وهو أميرهم الأكبر. # الفصل الثاني # | فتح بوردو # وكانت فرنسا في ذلك الحين تسمى بلاد الغال أو غاليا، وكانت الدولة الرومانية قد تقلص ظلها ~~عنها وتولتها عائلة من قبائل الجرمان يسميها المؤرخون ميروفنجيان، أول ملوكها كلوفس # Clovis # حكمها سنة 481م، وتتابع الحكم في أولاده إلى أوائل ~~القرن الثامن، وقد ضعف أمرهم وانقسمت مملكتهم وأفضى النفوذ إلى رجال دولتهم شأن كل الدول في ~~دور تدهورها، وكان وزير الملك في ذلك الحين رجلا من الإفرنج اسمه شارل، وكانت غاليا تنقسم ~~إلى مقاطعات: كانوا يسمون الجنوبية منها سبتمانيا وعاصمتها نربونة، وكانت قد دخلت في حوزة ~~المسلمين يليها من الشمال أكيتانيا وعاصمتها طولوزة، وهي مقاطعة كبيرة حاكمها أمير إفرنجي ~~اسمه أود وحدودها من الشمال نهر اللوار، ومن الشرق نهر الرون، ومن الجنوب جبال البرينة، ومن ~~الغرب الأوقيانوس، ويلي أكتيانيا من الشمال مقاطعة نوستريا ووراءها أوستراسيا، وحاكمها شارل ~~المذكور، فضلا عن أقسام أخرى، وكان كل دوق أو حاكم يريد الاستئثار بالسلطة العامة لنفسه، ~~وكان عبد الرحمن قد أدرك اختلاف أمورهم أو جاءه البشير بذلك، فعزم على فتح بلادهم. # فأمر عبد الرحمن بالرحيل للجهاد وقد بلغه - وهو في الطريق - أن قائدا من قادة المسلمين ~~على الحدود الشرقية في جبال البرينة يخالف ذلك الرأي، وكان الأمير المذكور قائدا بربريا ~~يسمى المنيذر، وكان شجاعا باسلا، غير أنه كان يأبى الاتحاد مع العرب، وينظر إلى أمرائهم ~~نظرة الحسد، مثله في ذلك مثل أكثر قواد البربر، وكان المنيذر قد عقد عهدا مع أود دوق ~~أكيتانيا، فزوجه أود ابنة له جميلة اسمها لمباجة، فلما علم عبد الرحمن بتلك المعاهدة أوجس ~~خيفة من المنيذر، فبدأ به فبغته في إمارته وقتله واستولى على أمواله ونسائه، وأمر بإرسال ~~لمباجة إلى الخليفة في الشام. # فلما اطمأن ms005 عبد الرحمن من ناحية المنيذر، وأمن على الأندلس، توجه برجاله وقواده إلى ~~بلاد الإفرنج فاخترقها شمالا، وجنده يفتحون البلاد ويجمعون الغنائم وليس من يصدهم وقد ~~استولى الرعب على الإفرنج وخافوا على بلادهم، و«أود» لا يقوى عليهم، حتى وصلوا إلى مدينة ~~بوردو الشهيرة اليوم بخمورها ففتحوها بالسيف، وقبضوا على الكونت حاكمها وهم يحسبونه «أود» ~~نفسه، فقطعوا رأسه ليرسلوه إلى الخليفة في الشام على ما جرت عليه العادة في أيامهم. # وبوردو كان اسمها يومئذ بورديغاليا، وهي واقعة عند نهر غارون على ضفته اليسرى وكانت من ~~المدن الحصينة، يحيط بها سور مربع الشكل عليه الأبراج العالية، وكان الرومانيون يعدونها من ~~أكثر مدن غاليا علما وأدبا، وفيها «أمفيتياتر» روماني عظيم كانوا يسمونه «أمفيتياتر ~~غاليوس» وكنيسة كبرى اسمها كنيسة الصليب، ولا تزال آثار هذين البناءين باقية إلى ~~اليوم. # فلما جاء المسلمون خيموا في ظاهرها، ثم فتحوها عنوة وأمعنوا فيها نهبا وسلبا فلما فرغوا ~~من القتال عادوا بالغنائم والأسرى والسبايا إلى ساحة كبيرة أمام المعسكر، فأمر عبد الرحمن ~~أميرا من أمرائه اسمه هانئ، كان قائدا لفرقة الفرسان وهي أهم فرق الجند عندهم ؛ لأن مهارة ~~العرب في الفروسية كانت من جملة ما ساعدهم على الفتح وخصوصا في بلاد الإفرنج وكان هانئ ~~شابا في نحو الخامسة والعشرين من عمره، اشتهر في معسكر عبد الرحمن بالبسالة وشدة البطش ~~وقد شب على ظهور الخيل، وكان إذا ركب لا يبالي من يلاقي ولو كانوا مئات، وكان عبد الرحمن ~~يحبه حبا شديدا، ويقدمه على سائر القواد على حداثة سنه، ومع أنه ليس من قبيلته؛ لأن عبد ~~الرحمن من قبيلة بني غافق وهي من القبائل اليمنية، وهانئ من قيس وهي من قبائل الحجاز، وكان ~~التنافر متمكنا يومئذ بين اليمنية والقيسية، فلم يبال عبد الرحمن بذلك، وكان هانئ من ~~الجهة الأخرى يحب عبد الرحمن ويحترمه احتراما شديدا لكرم أخلاقه وسعة صدره، وكانا قد ~~تحالفا سرا على الاتحاد الوثيق في أثناء هذه الحرب حتى يفرغا منها، لعلمهما أن الذين ~~حاولوا فتح أوروبا قبلهما إنما كان ms006 سبب فشلهم الانقسام فكان عبد الرحمن - لثقته بهانئ - ~~يعهد إليه بكل ما يحتاج إلى الثقة وحسن الظن، ومن هذا القبيل اعتماده عليه بعد فتح بوردو في ~~تقسيم الغنائم وتدبير أمر الأسرى. # وكانوا يومئذ في أوائل الخريف سنة 114ه/732م وضواحي بوردو مكسوة بالكروم وقد نضجت ~~أعنابها، وكان هانئ قد أبلى في ذلك الفتح بلاء حسنا حتى بهر الناس، ولم يتحول عن جواده طول ~~ذلك اليوم، وهو يجول مقبلا مدبرا يحرض رجاله ويستحث القواد على الثبات والصبر، ولم يكن ~~بين أمراء ذلك الجند من لا يحب هانئا ويعجب ببسالته وإقدامه إلا من حسده لتقربه من الأمير ~~الكبير مع صغر سنه، لكن حساده لم يجدوا سبيلا إلى أذاه لشدة محبة عبد الرحمن له، وكان هانئ ~~طويل القامة عريض الصدر، إذا مشى عرفه الناس لطوله وعرض كتفيه، وإذا أقبل إليك توسمت مناقبه ~~مصورة في محياه، فقد كان على غضاضة شبابه واضح الملامح بارز الحاجبين والوجنتين، حاد ~~العينين، صغير الأنف والفم، بارز الذقن، خفيف العارضين، أسود الشعر، لا ينفك وجهه باسما مع ~~وقار، وركب في ذلك اليوم على جواد أدهم، لا يحب الركوب على سواه لخفة حركته وجمال مشيته ~~وصبره في ساحة الوغى، وقد توسم فيه الخير؛ لأنه لم يركبه في قتال إلا عاد منصورا، ولم يكن ~~في معسكر عبد الرحمن من لا يعرف تعلق هانئ بجواده حتى توهموا أنه شغل به عن ملاذ الدنيا، ~~والحقيقة أنه كان يهتم اهتماما بالغا بمراعاة ذلك الجواد وإتقان عدته، حتى ألبسه لجاما ~~مذهبا وسلسلة وركابين من فضة، وعلق على جبهته لؤلؤة كبيرة عثر عليها في بعض غزواته في ~~غاليا فصاغها في شكل نجمة وعلقها هناك، وكان الجواد شديد التعلق بصاحبه إذا ناداه أتاه ~~صاغرا، وإذا استحثه في ساحة الوغى أسرع حتى تظنه طائرا فإذا استوقفه أذعن له ووقف بغتة. # الفصل الثالث # | الغنائم والسبايا # فأقبل هانئ في أصيل ذلك اليوم على جواده كأنه جبل يسعى، وقد تعمم بعمامة حمراء وتزمل ~~بعباءة حمراء، وتقلد حساما وقد نقش اسمه على نصاله ms007 ورصع قبضته بالحجارة الكريمة، وأمر ~~بعض رجاله أن يفرزوا الغنائم، كل صنف منها على حدة، فجعلوا الأسرى في جانب، والسبايا من ~~النساء والأطفال في جانب، والغنائم من الأسلحة والآنية والأموال والمجوهرات في جانب، ~~واستدعى هانئ أمراء الجند، وهم جماعة كبيرة وفيهم البربر من أهل إفريقية، وهؤلاء كثيرون؛ ~~لأن العرب كانوا يعتمدون عليهم في حروبهم في الأندلس وفرنسا، وكان هؤلاء أهل بطش وشدة، ~~ولكنهم لم يكونوا على قلب واحد في نصرة الإسلام، لما كان من امتهان العرب يومئذ لغير العرب ~~ولو كانوا مسلمين، فكان البربر يصحبون العرب في حروبهم رغبة في الغنيمة أكثر من رغبتهم في ~~نصرة الإسلام، على أن بعض قبائلهم كانوا يرافقون العرب في الجهاد، وما هم من الإسلام على ~~شيء، أو ربما تظاهروا به وهم يهود أو وثنيون، ويقال نحو ذلك في سائر فرق الجند غير العرب، ~~فقد كان في جملة رجال هذه الحملة أناس من الأسرى أو العبيد اشتراهم العرب وربوهم في حجر ~~الإسلام، وهم في الأصل من الصقالبة (السلاف) أو من الإفرنج أو الروم أو غيرهم. # فلما اجتمع القواد على خيولهم بين يدي هانئ، أمر بالغنائم من الآنية والأموال فجيء بها، ~~فأمر بالخمس - وهو حق بيت المال - فنحوه جانبا، ووزع ما بقي على الأمراء كل بنسبة عدد ~~رجاله، وكان إذا رأى اختلافا بينهم على قسمة، بذل من نصيبه وأنصبة رجاله في سبيل ~~التوفيق. # وبعد الفراغ من قسمة الغنائم تحولوا إلى جهة الأسرى وكانوا عديدين، وقد شدوا بعضهم إلى ~~بعض بالحبال أو السلاسل وساقوهم سوق الأغنام، وجاءوا بهم حتى أوقفوهم بين يدي هانئ، فالتفت ~~هانئ إلى القواد وقال لهم: «إن هؤلاء الأسرى من جملة الغنائم ولا يمكن اقتسامهم فاعرضوهم ~~للبيع، أين التجار؟» ولم يتم كلامه حتى جاء جماعة من يهود القيروان وقرطبة وغيرهما من مدن ~~الإسلام، وكانوا قد صحبوا الحملة للتكسب من أمثال هذه الصفقات واليهود لا تفوتهم هذه الفرص، ~~فلما حضروا تقدم واحد منهم وعلى رأسه عمامة سوداء واسعة، ولحية مسترسلة على صدره وأنفه أعقف ~~كبير ms008 وعليه قباء واسع، ووراءه أحمال من الدراهم والدنانير، فقال له هانئ: «بكم تشتري هؤلاء ~~الأسرى، يا هارون؟» # قال: «بالذي يأمر به مولاي.» # فقال هانئ: «لولا عزمنا على السفر إلى الحرب ما بعناهم، بل كنا نستخدمهم في منازلنا أو ~~نتوقع الفداء من أهلهم، فلعل بينهم من أولاد الأغنياء من يفتديه أهله بالأموال الطائلة، ~~ولكننا على أهبة المسير للحرب ولا وقت لدينا فاشتر» قال هانئ ذلك في بساطة وأنفة، ولكن ~~هارون تمسك بقوله وصمم على الاحتيال للشراء بأقل الأثمان، فقال: «صدق مولاي، ولكن ابتياع ~~هذا القدر من الناس خطر علينا إذ لا ندري كيف ننقلهم إلى إسبانيا أو إلى إفريقية أو إلى ~~الشام حيث يعرضون للبيع وفي ذلك من المشقة والنفقة ما فيه.» # فضجر هانئ من هذه المطاولة، وهو يود أن يفرغ من هذه الصفقة لأمر يهمه في الصفقة التالية: ~~صفقة السبايا فقال: «اشتر الأسير بدينار، الكبير منهم كالصغير، على أن تكون أسلابهم لنا غير ~~ما يكسو عوراتهم.» # فضحك هارون وهو يمشط لحيته ثم يقبضها بيده ويرسلها على صدره ويتظاهر بأنه استكثر المبلغ ~~وقال: «ألا يكفي أن أدفع أثمان هؤلاء وهم مئات ثم تطالبني بأسلابهم وما عليهم منها إلا ~~الثياب.» # فقال هانئ: «قد بعناك فادفع المال إلى هذا الكاتب وهو يحصي العدد ويقبض الثمن.» قال ذلك ~~وأشار إلى كاتبه وساق فرسه إلى جانب آخر من تلك الساحة حيث كانت السبايا وفيهم النساء ~~والأطفال فتبعه هارون وهو يقول: «لا تبع السبايا لسواي.» فاعترضه تاجر آخر شهد صفقة الأسرى ~~وصاح فيه: «قد اشتريت الأسرى وحدك، فدع السبايا لنا.» فأجابه ذاك جوابا جافا، فانتصر بعض ~~الوقوف من اليهود لهارون والبعض الآخر لرفيقه وعلت الضوضاء، فسمع هانئ ضوضاءهم فصاح فيهم ~~قائلا: «لا تغضبوا إننا نقسم الصفقة بينكم على السواء.» # فلما وصلوا إلى موقف السبايا ساق هانئ جواده إلى آخر موقفهم، وكانوا قد وقفوا صفوفا نساء ~~وأطفالا فمر بهم الهوينا وهو يتفرس في الوجوه كأنه يفتش عن ضائع، والنساء يتضرعن إليه ~~بالإيماء والبكاء؛ لأنهن لا يعرفن العربية، ms009 وهو لا يلتفت إلى أحد حتى وصل إلى آخر الصف حيث ~~عثر على ضالته، وهي فتاة لم ير الراءون أجمل منها وبجانبها امرأة في نحو الأربعين من ~~عمرها، والهيبة والجلال ظاهران عليهما، وبرغم عويل سائر النساء والأطفال، فإنهما كانتا ~~هادئتين لا تبديان حراكا وليس في ملامحهما ما يدل على الخوف أو الاضطراب، وكانت المرأة ~~بيضاء اللون شقراء الشعر، زرقاء العينين، وقد لملمت شعرها وضمته في أعلى رأسها تحت خمار ~~أسود، وارتدت ثوبا أسود يجللها كلها حتى ليحسبها الناظر إليها من سكان الأديرة، وكانت ~~جالسة حينئذ على حجر وقد أطرقت كأنها تفكر في أمر ذي بال، وفي يدها محفظة من جلد قد حرصت ~~عليها حرصا شديدا. # أما الفتاة فكانت واقفة بجانبها، وعليها لباس أسود مثل لباسها، وقد أسندت يدها إلى كتف ~~المرأة وهي مكشوفة الزندين إلى الكوع وقد التف زنداها التفافا بديعا، وكانت طويلة القامة ~~على اعتدال ورشاقة وقد بدت غضة، في محياها الحياة والنشاط، ويحسبها الرائي - أول الأمر - في ~~الخامسة والعشرين، وهي في الحقيقة دون العشرين سمراء اللون، سوداء العينين، كحلاء الجفون، ~~حادة البصر مع وداعة ورقة تدل وقفتها على الصحة والقوة معا، ويتجلى فوق ذلك كله لطف نسائي ~~يسحر الألباب، وكان ثوبها الأسود بسيطا، وقد انفتح الرداء من أعلى الصدر فبدا عنقها وفيه ~~مظاهر الصحة والقوة بامتلائه واستدارته، وصففت شعرها الكستنائي الجميل على هيئة ضفيرتين ~~مستطيلتين أرسلتهما إلى صدرها من جانبي العنق، فبلغتا إلى تحت الخصر فوق منطقة من جلد، وغطت ~~رأسها بنقاب أسود يكسو شعرها ويسترسل على كتفيها وظهرها، والناظر إلى الفتاة بجانب تلك ~~المرأة يتبادر إلى ذهنه أنها والدتها وإن اختلفا خلقة وشكلا؛ لأن المرأة كانت بيضاء اللون ~~شقراء الشعر والفتاة سمراء كما تقدم. # أقبل هانئ إليهما والفتاة تنظر إلى والدتها وتخاطبها همسا فلما وصل إليها رفعت نظرها ~~إليه وتفرست في وجهه وتفرس هو فيها هنيهة، لا ندري ما دار في أثنائها بينهما من حديث ~~العيون، ثم أمر بعض الغلمان ممن كانوا في ركابه أن ينقلهما إلى ms010 مكان منفرد ريثما يفرغ من ~~مهمته، فلم يستغرب أحد طلبه؛ لأن ذلك من الأمور العادية في مثل هذه الحال، فالفاتحون ~~يختارون من غنائمهم ما شاءوا لأنفسهم ويبيعون ما شاءوا. # ثم عاد هانئ إلى أواسط الصف ونادى التجار، وقال: «كيف تقسمون هذه السبايا؟» # فتقدم هارون وقال: «لا يمكن الاقتسام في هذه الحال؛ لأن ثمن الفتاة أو المرأة يختلف ~~باختلاف درجة جمالها وعقلها وما تجيده من الأعمال، كالخياطة أو الطبخ أو الرقص أو الغناء، ~~كما يتوقف على صحتها ودرجة احتمالها وما إلى ذلك فالأحسن إذا شاء مولاي أن ينتقي كل منا ما ~~شاء من هؤلاء على شرط أن من يختار أولا يدفع الثمن غاليا، ثم يقل الثمن في الاختيار ~~للثاني، فالثالث.» # فاستحسن هانئ هذه الطريقة، فقال: «إن الذي يتقدم أولا لاختيار من يريد من هؤلاء تحسب ~~عليه المرأة بخمسة دنانير والغلام بدينار، والذي يتقدم ثانية فإنه يدفع نصف هذه القيمة.» ~~قال ذلك والتفت إلى الكاتب وأمره أن يتم البيع ويستولي على الثمن ويقسمه على الجند باعتبار ~~العدد، وساق جواده إلى السبيتين. # الفصل الرابع # | بسطام # وكانت الشمس قد آذنت بالمغيب ، وتراجع المسلمون إلى مضاربهم وتركوا قسمة الغنائم إلى ~~أمرائهم، وكان الأمراء في انتظار الفراغ من بيع الأسرى والسبايا حتى يقتسموا ما يجتمع من ~~أثمانها فجلسوا في خيمة بجانب فسطاط الأمير عبد الرحمن لهذه الغاية، وكان في جملتهم أمير من ~~البرابرة يقال له بسطام لم يدخل هو وقبيلته في الإسلام إلا طمعا في الكسب والنهب من ~~الغنائم ونحوها، وكان قوي البدن فظ الخلق يكاد الناظر إليه يرتعد من منظره لضخامة هامته ~~وسعة وجهه مع عظم أنفه وانتفاخ منخريه، وكان في عينيه احمرار وحدة خارقة حتى ليوهمك - إذا ~~نظر إليك - أنه يخترق صدرك ببصره، وقد زاد منظره وحشة كثافة حاجبيه وبروزهما بروز الطنف ~~واقترابهما كأنهما خط واحد غليظ فضلا عن لونه الزيتوني، وعما يتجلى في مجمل سحنته من ~~القسوة والخشونة، وما يدل عليه غلظ شفتيه من الميل الشديد إلى الملذات الشهوانية، وكان ~~بسطام رئيس قبيلة ms011 كبيرة من قبائل البربر، فلما سمع بحملة عبد الرحمن إلى بلاد الإفرنج - ~~وكان يسمع بثروتها وخيراتها - تظاهر بالإسلام وادعى أنه يريد الجهاد في سبيل الدين ولم يكن ~~حال هذا وأمثاله ليخفى على عبد الرحمن، ولكنه كثيرا ما كان يغضي عن ذلك رغبة في اكتساب ~~القوة؛ لأن هؤلاء البرابرة أبلوا في تلك الحروب بلاء حسنا، وخصوصا بسطام فإنه كان يهاجم ~~الأسوار ويتلقى السهام ويستقبل الفرسان بقلب لا يعرف الخوف. # وكان كلما فرغوا من معركة واقتسموا غنائمها انتخب ما يطيب له من السبايا، وعبد الرحمن ~~يتساهل في معاملته حذرا من غضبه لئلا تسوقه الحدة والخشونة إلى الانقلاب على المسلمين ~~فتنقلب معه قبيلته، وقد يقتدي بها غيرها من قبائل البربر أو غيرهم من غير العرب (الموالي) ~~ممن انتظموا في تلك الحملة، وفي نفوسهم حسد لما يميز به العرب أنفسهم عن سائر المسلمين ~~كالاستئثار بالسلطة، وإحراز الأموال، وكان التحاسد سائدا أيضا بين العرب أنفسهم اليمنية ~~في جانب، والحجازية في جانب آخر، ناهيك بما بين الأمويين والهاشميين من التنازع على ~~الخلافة، على أن المسلمين غير العرب إن كان قد حسن إسلامهم، فقد يغضون عن هذا التحاسد، ~~وخصوصا في أثناء الجهاد، أما الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام رغبة في الغنائم، فإذا فاتهم ~~الهدف من انضمامهم انقلبوا إلى الضد. # فاتفق في وقعة بوردو أن بسطاما جاهد جهاد الأبطال، وهو الذي هجم بنفسه على المنزل الذي ~~كانت فيه هاتان المرأتان وقبض عليهما وأرسلهما مع بعض رجاله إلى المعسكر في جملة الغنائم، ~~على أمل أنه - متى عرضت السبايا للبيع - سيطلب الفتاة لنفسه، وهو لا يتوقع أن يكون له مزاحم ~~أو معارض في ذلك. ~~••• # وكان بسطام في جملة الأمراء المجتمعين في ذلك اليوم، ينتظرون قسمة الغنائم، وقد أوصى أحد ~~رجاله أن يراقب تلك الفتاة لئلا تخرج من يده، فلما رأى هانئا قد اختارها مع رفيقتها لم ~~يجسر الرجل على منعه أو الاعتراض عليه، ولكنه أسرع إلى بسطام فأخبره فغضب وصاح فيه: «اذهب ~~وقل لذلك القيسي إن الفتاة للأمير بسطام؛ لأنها سبيتي ms012 وقد نلتها بحد سيفي.» فظل الرسول ~~واقفا ولم يبد جوابا، فأدرك بسطام أنه لا يجرؤ على مخاطبة هانئ بمثل ذلك فقال له: «ما ~~بالك لا تمشي؟» فتحول الرسول من الخيمة ومشى الهوينا وهو يغرس أنامله في شعره المتلبد ~~المتكاثف كالعمامة السوداء ويحكه، وقد تأبط جرابا من جلد حرص عليه كل الحرص لما حواه من ~~الأشياء الثمينة التي نهبها في أثناء الموقعة أو التقطها وهم يجمعون الغنائم، ولم يكن يرى ~~سبيلا لحفظها إلا أن يحملها معه على ثقلها وكذلك كان يفعل أكثرهم وخصوصا الساعين في ~~الجهاد رغبة في الغنائم، مشى ذلك البربري وهو يتباطأ في مشيته ويهم أن يلتفت إلى الوراء ~~كأنه يتوقع من يسترجعه، وكان بسطام ينظر إليه ويراقب مشيته بعينيه الحمراوين، وقد حمي غضبه ~~لما في ذلك التردد من الاستخفاف به، فصاح به فوقف وتراجع فقال له: «يظهر أنك خائف منه لا ~~تكلمه بل اذهب أنت ومن شئت من رجالي، فأتوني بالفتاة سريعا.» # فمشى الرجل مثل مشيته الأولى، فازداد غضب بسطام ووثب وفي يده خنجر روماني كان قد قتل ~~صاحبه طمعا فيه لإتقان صنعه، فاستله وضرب به الرسول، فأصابت الضربة ظهره فقتلته، وكان ~~بالقرب من الخيمة جماعة من رجال قبيلته قد وقفوا لبعض الشئون، فصاح بسطام فيهم: «هلموا إلى ~~غنيمة هذا الجبان، فهي وكل ما في خيمته من المنهوبات ملك حلال لكم.» فأسرعوا إلى جثته وهموا ~~باقتسام ما في جرابه حتى كادوا يختصمون ويتضاربون. ~~••• # أما بسطام فإنه رد الخنجر إلى مكانه ووثب إلى جواده فركبه، واستحثه نحو الساحة، وكان قد ~~علم بمكان الفتاة ورفيقتها فسار توا إليهما، ولم يمر بهانئ ولا خاطبه في هذا الشأن، وكان ~~هانئ لا يزال إلى ذلك الحين مشتغلا ببيع السبايا. # فلما فرغ من مساومة اليهود، ساق جواده نحو الفتاة وهي على مسافة ميل وبعض الميل منه ~~والشمس قد توارت وراء أبنية بوردو، واختلطت ظلال تلك القصور حتى صارت ظلاما خيم على الغالب ~~والمغلوب والقاتل والمقتول، خيم على المسلمين وقد اشتدت عزائمهم بما أوتوه من ms013 النصر، ~~فاشتغلوا باقتسام غنائمهم، وعلى المغلوبين من أهل بوردو وقد غلبوا على ما في أيديهم فقتل ~~رجالهم وسبيت نساؤهم ونهبت بيوتهم ومعابدهم. # ولولا اشتغال هانئ بما جاش في فؤاده من عوامل الغرام وما غشي بصيرته من عواطف الشباب ~~لاعتبر بما كسا أفق بوردو من الشفق وقد اشتد احمراره حتى ليحسبه الناظر إليه رمزا للدماء ~~التي سفكت في ذلك اليوم هناك ولكنه كان مشتغل الخاطر بشيء لا يعرفه غير الذي يعانيه - وهو ~~الحب - ومن غريب أمر الحب أنه يقع على الناس وقوع السبات من حيث لا يعلمون، وربما كان ~~الباعث على وقوعه نظرة واحدة، فلا تكاد تلتقي العين بالعين حتى تجيش العواطف وتتجاذب القلوب ~~تجاذبا لا سبيل إلى دفعه، ولا يحدث ذلك عند كل نظرة ولا في كل إنسان وإنما هو تأثير بعض ~~العيون على بعض القلوب، فإذا تفاهمت العينان استيقظ القلبان وتجاذبا كأنهما كانا على ميعاد ~~ثم تاها، وكل منهما يبحث عن رفيقه، ثم التقيا بغتة وتعارفا بالنظر. # الفصل الخامس # | التنازع # كذلك حدث لهانئ، فإنه لم يكن يعرف تلك الفتاة قبل ذلك اليوم فوقع نظره عليها للمرة الأولى ~~وهو واقف بباب المدينة يراقب إخراج الغنائم والسبايا ويحصيها، وكانت الفتاة في جملة ~~الخارجين وقد ساقها بعض البرابرة من رجال بسطام بإشارة منه كما تقدم، فرآها هانئ تمشي ~~بثوبها ونقابها الأسودين وتحت النقاب الضفيرتان المرسلتان على صدرها وقد أطرقت لا تلتفت ~~يمينا ولا شمالا، ورفيقتها بجانبها، فلما بلغت الفتاة إلى عتبة الباب سمعت هانئا ينادى ~~كاتبه ويسأله عن عدد الذين خرجوا إلى ذلك الحين ثم قال له: «لا تحص هذه الفتاة في جملتهم.» ~~فوقع صوته في أذنيها وقوع السهم في قلبها، فلم تتمالك أن رفعت بصرها إليه وحدقت فيه، فقرأ ~~في تلك النظرة ما يعجز الخطيب عن أدائه في خطاب، ولا يستطيع الكاتب التعبير عنه في كتاب قرأ ~~فيها الاستعطاف والاستنصار والحب والاستسلام مع الأنفة وعزة النفس، فأجابها بنظرة قرأت فيها ~~جوابا صريحا على ما يتمناه قلبها فاطمأن بالها حدث ذلك كله ms014 في لحظة والناس حولهما في غفلة ~~بين باك، ونادب، وراج، وخائف، أما هانئ فقد وقع نظره عليها فصمم على أن يستأثر بها ~~لنفسه، ثم أكبر أن يتخذها سبية لما آنس من هيبتها وجمالها، فعزم على أن يتزوجها، ولم يكن قد ~~تزوج ولا حدثته نفسه بالزواج إلى ذلك الحين لاشتغاله بالجهاد من نعومة أظفاره في بلاد ~~الإفرنج التماسا لفتح أوروبا، ولذلك فإنه حينما دعاه عبد الرحمن إلى تلك الحرب لبى سريعا، ~~فلما أحس بقلبه يتحرك لم يصبر عن التفكير في الزواج والكثرة في طالبي الزواج أن يلتمسوه على ~~هذه الصورة فربما قضى أحدهم الأعوام الطوال وهو لا يفكر في الزواج ولا يسعى إليه، فإذا تحرك ~~قلبه بنظرة أو كلمة بذل جهده في سبيله، ولذلك استبعد هانئ الفتاة وبعد الفراغ من البيع سار ~~كي يتسلمها بنفسه ولم يعهد بذلك إلى أحد من رجاله مبالغة في الحرص عليها. # فلما ثنى عنان جواده نحو ذلك المكان، رأى بالقرب منه فارسا عرف - في نور الشفق - من شكل ~~الفرس وعدته أنه بربري، فاستحث جواده وهو مطمئن الخاطر على حبيبته لعلمه أنه ليس في جند ~~المسلمين من يجسر على مخاطبتها بعد أن أمر هو بإبعادها، ولكن الغيرة من أقوى مظاهر الحب ومن ~~أكبر الأدلة عليه، وهي عمياء صماء لا تذعن للعقل ولا تصغي لنصحه، فركض هانئ فرسه وقلبه يخفق ~~غيرة، وما لبث أن رأى الفارس قد وقف بجانب الفتاة وسمعه يهدد ويتوعد فساق جواده حتى تطايرت ~~أطراف عباءته في الهواء، وقبل أن يصل إليهم عرف الفارس فناداه: «بسطام!» فالتفت بسطام ~~وعيناه تقدحان شررا وهو يقول: «ما بالك أيها الأمير؟» # قال: «تنح عن هاتين فإني قد أخذتهما لنفسي.» # قال بسطام: «وكيف تفعل ذلك وهما غنيمتي؟» # ولو لم يكن هانئ قد تعلق بالفتاة وعشقها لما جادله عليها، ولكنه توقع أن يسترضي بسطاما ~~من باب آخر، لعلمه بشره هؤلاء البرابرة للمال والغنائم فابتسم وهو يقول: «هب أنهما غنيمتك ~~ورأيتني أريدهما لنفسي، ألا تتجاوز عنهما لي، ولك علي ما تطلبه من ms015 نصيبي في الغنائم.» قال ~~ذلك وهو يتشاغل بتسوية عرف جواده إظهارا للاستخفاف بالمسألة وإخفاء لما ثار في قلبه من ~~عوامل الغيرة. # فأجابه بسطام وهو لا يقوى على كظم ما في نفسه: «لا يمكنني ذلك، وإذا كان لا بد لك من ~~مقاسمتي في هذه الغنيمة فإنهما امرأتان خذ تلك وأنا آخذ هذه.» قال ذلك وأشار بإصبعه أولا ~~إلى العجوز، ثم إلى الفتاة. # وكانت الفتاة تقف بالقرب من رفيقتها، وكلاهما صامتتان تترقبان نتيجة ذلك الجدال، ومن ~~الغريب أنه لم يبد في وجه تلك الفتاة شيء من أمارات الخوف كأنها قد وثقت بفوز حبيبها، ~~ولكنها كانت إذا وقع بصره عليها ابتسمت، وفي ابتسامتها إطراء وتشجيع، فإذا حولت بصرها نحو ~~بسطام قرأ هانئ في شفتيها كل ملامح الاستخفاف والبغض، وقد أدرك هانئ ذلك منها رغم ما تقاطر ~~من جيوش الظلام، فلما سمع بسطاما يعرض القسمة على هذه الصورة عظم استخفافه به، فأجابه بصوت ~~هادئ ولكن ملؤه التهديد قائلا: «لا أحب القسمة، وإنما هذه الفتاة لي، فارجع إلى معسكرك وخذ ~~نصيبك مما بعناه من الغنائم والأسرى والسبايا.» # فازداد بسطام هياجا ووقف على الركاب بغتة حتى أجفل جواده وصاح قائلا: «لا يمكن لأحد أن ~~يأخذ غنيمتي مني، ولو كان الأمير عبد الرحمن نفسه أما كفاكم معشر العرب ما تسوموننا من ~~الخسف فتستأثرون بكل شيء دوننا كأن غير العرب ليسوا مسلمين، وأنت تعلم أني أستطيع أن أعرقل ~~مسعاكم وأرجعكم على أعقابكم فلا تفتحون بلدا ولا تكسبون غنيمة.» # فلما سمع هانئ ذلك التهديد كبر عليه أمره، ولكنه تصور ما يترتب على مجافاته من الضرر، وهو ~~يعلم أن بسطاما لا يهمه الإسلام ولا المسلمين، فإذا غضب وغضبت قبيلته ضعف الجند وهذا لا ~~يرضاه هانئ ولا عبد الرحمن، على أن حدة الشباب غلبت عليه وهو بين يدي حبيبته فلم يتمالك أن ~~هم بسيفه فاستله وهجم على بسطام لا يبالي أي عضو يصيب منه، فإذا بالمرأة تتقدم بثوبها ~~الأسود ثم تمسك بعنان فرسه وتخاطبه بالعربية قائلة: «لا تقتتلا فما نحن غنيمة ms016 لأحد وكفى ~~خصاما.» # قالت ذلك بلسان أهل اليمن مع شيء من العجمة، فبغت الأميران وتعجبا لما سمعاه ~~بالعربية. # أما بسطام فإنه ظل مصمما على طلبه، وخصوصا بعد أن سمع تهديد هانئ له بين يدي تلك الفتاة ~~وهي تفهم العربية فقال لها: «بل أنتما غنيمتي وإذا شئت الانحياز إلى هذا الأمير فلا بأس، ~~وأما هذه الفتاة فإنها لي.» قال ذلك وانحنى عن سرجه ومد يده إلى الفتاة وهم أن يمسكها ~~فتباعدت وهي تنظر إليه شزرا ولم تضطرب، فتبعها بفرسه ولما رأى هانئ تلك الجرأة لم يستطع أن ~~يكتم غضبه، وقد سره تباعد الفتاة؛ لأن في تباعدها تصريحا بتفضيلها إياه ونفورها من بسطام، ~~فأحس أن تعقله وكظمه لا ينفعان مع هذا البربري شيئا، فهمز جواده والسيف لا يزال مسلولا في ~~يده، فوثب الجواد وصهل كأنه يشارك فارسه بعواطفه، وتباعدت المرأة وقلبها يختلج، وما كادت ~~تفعل حتى سمعوا وقع حوافر جواد يعدو نحوهم من جهة المعسكر وصوتا ينادي: «هانئ، هانئ، أغمد ~~سيفك!» فالتفتوا فإذا بالفارس قد أقبل حتى دنا منهم، وقبل أن يروا وجهه عرفوا من فرسه ~~ولباسه أنه الأمير عبد الرحمن، فاستغربوا مجيئه في تلك الساعة على حين غفلة وبغتوا، ولم يفه ~~واحد منهم بكلمة، ولم يستطع هانئ سوى إغماد سيفه. # الفصل السادس # | مريم # وكان عبد الرحمن ربع القامة، جليل الطلعة، صبوح الوجه، عريض اللحية والجبهة، قد خالط شعره ~~بياض، وكان واسع العينين مع حدة وذكاء بغير جحوظ، أقنى الأنف وقد تزمل بعباءة سوداء وعلى ~~رأسه عمامة بيضاء كبيرة، فلما وصل، ساد الصمت على الجميع، فالتفت إلى هانئ وقال: «أراكم ~~تختصمون وتتشاجرون، وكان قلبي قد دلني على ذلك منذ أن سمعت بسطاما يخاطب رسوله في خيمتي، ~~فخشيت النزاع بين أمراء هذا الجند ونحن في أشد الحاجة إلى الاتحاد، وقد لاحظت خروج بسطام ~~فلما أبطأ في العودة أسرعت إليكم، فأحمد الله على ذلك.» # فأعجب الجميع بسهر هذا الأمير على مصلحة جنده وسعيه في جمع كلمته، وأحس هانئ بتوبيخ ~~ضميره؛ لأنه تعاهد هو وعبد ms017 الرحمن على الاتحاد والتعاون كما تقدم، فقال: «لم أكن لأخاصم ~~مسلما على شيء وإن عز، ولكن بسطاما يعترضني في سبية اخترتها من بين مئات بعناهن الآن بيع ~~السلع، فلو أننا بعناها لبعض أولئك اليهود فما الذي كان يفعله؟» # فاعترضه بسطام قائلا: «كنت أفتديها من شاريها بالذي يرضيه.» # فتقدمت المرأة نحو عبد الرحمن بقدم ثابتة وجأش رابط، وقالت: «أظنني واقفة بين يدي عبد ~~الرحمن الغافقي أمير هذا الجند؟» # فاستغرب عبد الرحمن حديثها بالعربية، وقال: «نعم أنا هو وكيف عرفت ذلك؟» # قالت: «عرفتك من اهتمامك بشئون جندك، وقد كنت أسمع ذلك عنك إن الأميرين يختصمان علينا، ~~وما نحن لواحد منهما، ولكن لنا أمرا نعرضه على الأمير.» # فرآها عبد الرحمن تخاطبه بجسارة لم يعهدها في الأسرى أو السبايا فهابها، وزاده تهيبا ما ~~آنسه من رزانتها وبساطة لباسها وسواده، ووقعت عيناه في أثناء ذلك على الفتاة فأعجبه جمالها، ~~ومال إلى استطلاع حقيقتها، فقال للمرأة: «قولي ما بدا لك.» # قالت: «لا أقول شيئا الآن، وإنما أقص حديثي على الأمير في خلوة.» # وكان في ركاب عبد الرحمن رجلا من خاصته، فأمرهما أن يأتيا بفرسين يحملان المرأة ورفيقتها ~~إلى فسطاطه، على أنه لم يصبر وهو ينتظر قدوم الفرسين أن يسأل المرأة: «ومن هي رفيقتك؟» ~~فقالت: «هي ابنتي.» # وكان هانئ يقف صامتا، وقد وقع في حيرة من أمر الفتاة وأمها، وخشي أن يكون في حديث ~~الوالدة ما يحول بينه وبين ابنتها وقد ازداد تعلقا بها بعد ما لاحظه من رغبتها فيه، وأحس ~~أنها تحبه حبا شديدا، فاغتنم فرصة اشتغال الأمير بالحديث مع المرأة، ودنا من الفتاة وقد ~~أراد أن يسمع حديثها ويستطلع أمرها، فقال وصوته يدل على هيامه: «ما اسمك يا فتاة؟» # فأجابته بصوت دل على لواعج الحب، وبلسان عربي فصيح: «اسمي مريم.» فأعجبته غنة صوتها وزاد ~~افتتانه بها لثغة في لسانها تنطق بها الراء غينا، فكأنه سمعها تقول: «اسمي مغيم.» فقال: ~~«وأنا اسمي هانئ هل حفظته كما حفظت اسمك؟» # فأدركت ما يهدف إليه، وقالت: «لقد حفظته قبل ms018 أن أعرفه، فكيف بعد أن عرفته ورأيت منه ما ~~رأيته.» ففرح بذكائها وسرعة خاطرها واطمأن باله، ثم أجابها وهو يقلد لثغتها تحببا: «أغجو ~~أن تكون معغفة مباغكة.» # فابتسمت مريم ابتسامة أخذت بمجامع قلبه، وتوردت وجنتاها خجلا، وأطرقت إطراق الحياء ~~وتشاغلت بإصلاح ذيل منطقتها. # أما بسطام فكان يراهما يتكلمان، والحنق يكاد يخنقه، وهو لا يجسر على الكلام في حضرة ~~الأمير، ولكنه أضمر لها الشر، وبعد هنيهة جاء الجوادان، فركبت مريم وأمها وساقوا الخيول إلى ~~المعسكر، وكان هانئ لا يرفع نظره عن مريم فرآها امتطت الفرس بأسرع من لمح البصر، كأنها ولدت ~~على ظهور الخيل فازداد هياما بها، ولكنه ظل موجسا خيفة من تلك الخلوة، حتى إذا اقتربوا من ~~فسطاط عبد الرحمن - وهي أكبر الخيام وعلى بابها الأعلام - التفت عبد الرحمن إلى هانئ وقال: ~~«عد إلى تدبير أمر الجند، وكن كعهدي بك فإننا في بلاد العدو.» والتفت إلى بسطام، وقال: ~~«وأنت يا بسطام أمير ذو بطش، فامض إلى شأنك وانس ما دار بينك وبين هانئ إننا مقبلون على ~~فتوح كثيرة، وستصيب من الغنائم والسبايا ما يعوض عليك أضعاف هذه الخسارة.» # فسار الأميران، وتحول عبد الرحمن ودعا مريم وأمها للنزول، فنزلنا ودخلنا الخيمة في أثره، ~~وفي يد الوالدة تلك المحفظة وقد شدتها إلى زندها وقبضت عليها بكفها كأنها تخاف أن يختطفها ~~أحد. # الفصل السابع # | الخلوة # فلما دخلوا الخيمة أشار عبد الرحمن إلى من كان فيها من الأمراء والحاشية، فخرجوا جميعا ~~وبقي هو والمرأة وابنتها، وقد تشوق إلى سماع ذلك الحديث، فجلس في صدر الخيمة على بساط ثمين، ~~كانوا قد خصوه به من غنائم ذلك اليوم، وأجلسهما بين يديه فالتفت كل منهما بردائها الأسود، ~~والنقاب الأسود على رأسيهما، فنظر عبد الرحمن إلى وجه المرأة على نور المصباح، فرأى الجمال ~~لا يزال باديا في وجهها مع أنها قد تجاوزت سن الشباب، ونظر إلى مريم، فرأى عينيها ~~الجذابتين وقد زادها التفكير والإطراق هيبة، فسبح الخالق لذلك الصنع العجيب، ثم غلب شوقه ~~إلى سماع تلك القصة، فحول ms019 نظره إلى المرأة فرأى الاهتمام ظاهرا في عينيها وهي تنتظر إشارة ~~للشروع في الكلام، فقال لها عبد الرحمن: «ما خبرك يا فتاة؟ وما هو غرضك؟» # قالت: «أما خبري فسأطلعك عليه في فرصة أخرى، وأما غرضي فهو نصرة هذا الجند حتى تتحقق ~~أمانيه.» # فلما سمع عبد الرحمن كلامها، استغرب تلك الغيرة من امرأة لا يعرف من هي، وقد توسم في ~~كلامها - وإن كان عربيا - شيئا من العجمة، فأراد أن يستطلع حقيقتها، فقال لها: «ما الذي ~~حملك على الحماس لنصرة العرب، وكلامك يدل على أنك غير عربية، ومظهرك ولباسك يدلان على أنك ~~غير مسلمة فلا يعقل أن يكون هذا هو هدفك، فاصدقيني.» # فنظرت إليه نظرة استغراب، وقالت: «لم أمثل بين يدي الأمير عبد الرحمن الغافقي لألفق له ~~حديثا مكذوبا، ولا أرى فراسته في صحيحة؛ لأني وإن كنت غير عربية ولا مسلمة، فليس ثمة ما ~~يمنع غيرتي على نصرة العرب أو المسلمين وفي نفس هذه المدينة وغيرها من مدن النصارى والإفرنج ~~من يؤثر انتصار المسلمين العرب على انتصار النصارى الإفرنج لأسباب لم أكن أظنها تخفى على ~~مولاي الأمير.» # فأطرق عبد الرحمن وقد تضاعف استغرابه، ولكنه صبر إلى النهاية لعله يستشف شيئا من حديثها ~~يكشف له الحقيقة فقال لها: «لم أفهم مرادك هل يتمنى أهل هذه البلاد انتصار المسلمين على ~~ملوكهم؟» # قالت: «كانوا يتمنون ذلك منذ سمعوا بحال الإسبان بعد دخولهم تحت لواء العرب؛ لأنهم رأوهم ~~قد انتقلوا تحت ظل الإسلام من الرق إلى الحرية ومن الظلم إلى العدالة.» # قال عبد الرحمن: «وهل عدلوا اليوم عن ذلك الرأي؟» # قالت: «نعم.» # قال عبد الرحمن: «ولماذا؟ أرجو الإفصاح.» # قالت: «لا يخفى على مولاي أن المسلمين عندما فتحوا إسبانيا منذ 22 عاما، عاملوا أهلها ~~بالرفق والعدل فلم ينهبوا بيعة ولم يسفكوا دما بريئا، ومن اختار البقاء على دينه حافظوا ~~على عهده، ومن اعتنق الإسلام وكان عبدا فإنه يصير حرا له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ~~وكان حكام القوط يعدون رعاياهم عبيدا لهم يستخدمونهم في منازلهم وحقولهم استخدام ms020 الأرقاء، ~~فلما جاء المسلمون وفتحوا بلادهم خيروهم بين الإسلام والجزية، وإن من أسلم وكان عبدا صار ~~حرا، فتهافت جانب عظيم من أولئك الأرقاء على الإسلام لتتحقق لهم الحرية التي كانت عزيزة ~~عليهم لا ينالها إلا أفراد قليلون مكافأة على شجاعة عظيمة أو خدمة ذات بال، ومع ذلك فإن ~~المعتقين في أيام القوط والرومان لم يكونوا يتمتعون بكل حقوق الأحرار، وإنما كانوا وسطا ~~بينهم وبين الأرقاء، أما المسلمون فمن أسلم من رعاياهم عاملوه معاملة الأحرار تماما، ومن ~~ظل على النصرانية تركوا له الحرية في أداء مراسم دينه والتمسك بعاداته وآدابه وسائر ~~معاملاته حتى الحكومة والقضاء، فأحس الإسبانيون بأنهم انتقلوا بالفتح الإسلامي من الضيق إلى ~~الفرج ومن الرق إلى الحرية، فشاع ذلك في سائر أنحاء هذه البلاد فرأى موسى بن نصير سهولة ~~الفتح عليه لهذا السبب، فعزم على أن يتم فتوحاته حتى يعود إلى دمشق من طريق القسطنطينية بعد ~~أن يفتح كل أوروبا، ولكن المسلمين عجلوا عليه وعلى ابنه عبد العزيز، رحمهما الله، مما لا ~~يخفى عليك، ولولا ذلك لتم الفتح للمسلمين من ذلك الحين، ولكانت هذه البلاد التي جئتم لفتحها ~~الآن ملكا لهم منذ نيف وعشرين سنة، ولكن الذين خلفوهما على إمارة الأندلس كان معظمهم من ~~أهل المطامع، فأساءوا إلى النصارى وإلى المسلمين من غير العرب ففسدت النيات، وشاع خبر ذلك ~~في هذه البلاد فأصبح فتحها صعبا؛ لأن أهلها لا يرون فائدة من الانتقال إلى دولة غير دولتهم ~~ودين غير دينهم.» ~~«فقال لها عبد الرحمن: ما خبرك يا فتاة وما غرضك؟ قالت: أما خبري فسأطلعك ~~عليه في فرصة أخرى، وأما غرضي فهو نصرة هذا الجند حتى تتحقق ~~أمانيه.» # الفصل الثامن # | هانئ # ولما بلغت في حديثها إلى هذا الحد، توقفت وتنحنحت وتشاغلت بمسح فمها، وعبد الرحمن ينظر ~~إليها وهو يستغرب حديثها لما فيه من الحكمة وسعة الاطلاع، وجعل يتأمل ملامحها ويفكر فيمن ~~عسى أن تكون هذه المرأة وصبر لعل في خاتمة حديثها ما يكشف له القناع عن حقيقتها ولكنه أراد ~~أن يستوضحها ms021 الأمر، فاغتنم فرصة سكوتها وقال لها: «يظهر لي أنك أكثر اطلاعا على حقيقة ~~الأحوال من معظم رجالنا، وأشد غيرة على مصلحة المسلمين من أنفسهم.» ثم تنهد وقال: «إن الأمر ~~الذي ذكرته يا فتاة هو الواقع بعينه، وأظنك سمعت أني استدركته قبل إقدامي على هذا العمل فلم ~~أخرج إلى هذه الحرب حتى تجولت بمدن الأندلس وغيرها مما فتحه المسلمون من بلاد الإفرنج ~~(فرنسا) وتعهدت حكامها، وعزلت الضعفاء وأهل المطامع من أمرائها وأبدلتهم برجال من أهل ~~الدراية والحكمة، ليحسنوا سياسة الناس على اختلاف المذاهب ورددت إلى النصارى كنائس كان بعض ~~الأمراء المسلمين قد اغتصبوها منهم، وأعدت ما كان لهم من العهود منذ زمن موسى بن نصير وابنه ~~عبد العزيز، وقد بذلت الجهد في هذا السبيل لعلمي أن الإسلام يأمرنا بذلك، وأن الصحابة ~~الأولين لم يستطيعوا ما استطاعوه من الفتح إلا بما كانوا يتوخونه من الرفق ومعاملة أهل ~~الذمة بالحسنى والعدالة.» # فقالت وهي تصلح نقابها والتفكير ظاهر في عينيها: «قد علمت بكل ما فعلته وما تفعله، وكل ما ~~نويته وما تنويه، ولذلك كنت أتوقع لك الظفر، ولكني رأيت خلاف ما سمعته ، فصرت أخشى ~~فشلك.» # فقال وهو يستغرب صراحتها وحصافتها: «وكيف ذلك؟» # قالت: «أظنك تعلم ما أعلمه من هذا القبيل، ويكفي ما شهدته الآن بنفسك ما بين هانئ وبسطام ~~ألم يكد يسفك الدم بينهما من أجل هذه الفتاة؟» وأشارت إلى مريم وكانت جالسة بجانب والدتها ~~تسمع حديثهما باهتمام وشوق، كأنها لم تكن تعرف منه شيئا. # فلما سمع عبد الرحمن كلام المرأة تشاغل بإصلاح شاربه، وحك عثنونه بين سبابته وإبهامه، ~~وظهر التأثر في عينيه وجبينه، والتفت إلى المرأة وهو يحاذر أن يتنهد وقال: «إن ما رأيته ~~إنما هو من قبيل المنافسة بين أميرين على سبية جميلة، وليس ذلك بالأمر الغريب.» # فضحكت ضحكة مصطنعة، وقالت: «الأمير عبد الرحمن الغافقي لا يجهل أن سبب هذه المنافسة إنما ~~هو فساد نيات الأمراء فيما بينهم لاختلاف أغراضهم في هذه الحملة؛ لأن أكثرهم جاءوا للنهب ~~والسلب وخصوصا البرابرة ومن على ms022 شاكلتهم فهؤلاء لا يفهمون معنى الجهاد أو الفتح، ولا ~~يعرفون ما هو الإسلام؛ لأنهم إنما انتموا إليه رغبة في الغنائم، ومن كان هذا غرضه لا يهمه ~~إذا رضي أهل البلاد أو غضبوا يدلك على ذلك ما رأيته بنفسي في أثناء هذا الفتح اليوم، فإن ~~بعض رجالكم لم يميزوا بين المنازل والكنائس ولا بين الرهبان والعامة، فقد نهبوا كنيسة بوردو ~~وهي من أعظم كنائس الغاليين، فأصبح هؤلاء فضلا عن نفورهم من المسلمين يعتقدون أن صاحب هذه ~~الكنيسة سينتقم لهم منكم.» # فلم يتمالك عبد الرحمن عن قطع حديثها، فقال: «نهبوا الكنائس؟ نهبوها؟ رغم ما أوصيتهم به ~~من المحافظة عليها وعلى كرامة القسس والرهبان.» ثم صفق وصاح: «يا غلام.» فدخل رجل من غلمانه ~~الذين يقفون ببابه، خفيف اللباس خفيف العضل ممن يقتنونهم للمراسلة ونحوها فابتدره حال دخوله ~~قائلا: «ادع الأمير هانئا الساعة.» # فأشار الغلام إشارة الطاعة وخرج، فعجلت المرأة بالكلام قبل خروجه وقالت للأمير: «فاتني أن ~~أطلب إليك الإفراج عن خادمي، فإنه أخذ في جملة الأسرى على شيخوخته وبرغم أنه عربي.» # فنادى عبد الرحمن الغلام فوقف، فقال له: «وقل للأمير هانئ : إن بين الأسرى شيخا.» والتفت ~~إلى المرأة، وقال: «وما اسمه؟» قالت: «اسمه حسان.» فقال: «قل للأمير إن بين الأسرى شيخا ~~عربيا اسمه حسان فليأت به معه.» # ولا تسل عن مريم عندما سمعت اسم هانئ، فإنها أحست بنبضات قلبها تسرع بغتة وكانت جالسة ~~مطرقة فتحركت واعتدلت في مجلسها، ولو انتبه عبد الرحمن لوجهها لرأى فيه احمرارا يشف عن ~~عاطفة قلبية ظهرت آثارها في بريق عينيها. # قضوا مدة غياب الرسول صامتين وخصوصا عبد الرحمن، فإنه لبث مطرقا وهو يلاعب لحيته بين ~~أصابعه ببطء، كأنه يخشى من العجلة أن يضطرب لها حبل أفكاره فتقطعه أو تعترضه، وسكتت المرأة ~~تهيبا لمنظر عبد الرحمن وبعد قليل سمعوا وقع حوافر جواد، ثم سمعوا صهيله، فعرف عبد الرحمن ~~أنه صهيل جواد هانئ وأن هانئا قادم، ولم تمض هنيهة حتى دخل ذلك الغلام، وقال: «إن الأمير ~~هانئا بالباب.» # فقال عبد ms023 الرحمن: «فليدخل.» # وقبل أن يرجع الرسول بالإذن، أقبل هانئ كأنه يدخل بيته وذلك للدالة التي كانت له على ~~الأمير، وكان لا يزال بثوبه الأحمر وسيفه المرصع وسائر سلاحه، فلما رآه عبد الرحمن داخلا بش ~~له ورحب به ودعاه إلى الجلوس بجانبه، فجلس وهو يحدق في مريم ووالدتها، ولكنه تشاغل ~~بالالتفاف بعباءته وهو يصلح مجلسه أما مريم فإنها أطرقت حياء وعيناها تسترقان النظر إلى ~~هانئ، وترمق كل حركة من حركاته، ودخل في أثر هانئ شيخ طاعن في السن عليه لباس أهل غاليا، ~~وعلى رأسه عمامة صغيرة، وقد شاب شعره مع كثاثة، واسترسلت لحيته كثيفة، وخف عضله وتغضنت ~~جبهته، وتجعد خداه ورقبته حتى ليتوهم الناظر إليه أنه في سن التسعين، وإذا تكلم أو مشى ~~أوهمك لخفة حركته وشدة عارضته أنه فيما دون الستين، فدخل الخيمة وعليه قباء إلى الركبة بعضه ~~مبطن بالجلد، وأما ساقاه فكانتا عاريتين وقد غشاهما شعر كثيف لا يظهر الجلد من تحته، وقد شد ~~بقدميه نعلين من صنع بوردو، ووقف الشيخ بباب الفسطاط، فلما رآه عبد الرحمن أشار إليه أن ~~يجلس فجلس هناك متأدبا، أما هانئ فلما جلس قال له عبد الرحمن: «أظنك تعبت في هذا اليوم يا ~~هانئ.» # قال هانئ: «ليس في الحرب تعب إذا كانت خاتمتها النصر، كما كانت خاتمة حربنا مع هذه ~~المدينة بعون الله وسيف الأمير عبد الرحمن.» # قال عبد الرحمن: «لم يكن لعبد الرحمن يد في هذا النصر، وإنما تم بك وبرجالك وسائر ~~المسلمين، على أني لم أدعك للبحث في ذلك، وإنما دعوتك لأمر ذي بال فأعرني سمعك.» # فأصاخ هانئ بسمعه، وقال: «قل.» # قال عبد الرحمن: «هل تعلم ما الذي ساعد المسلمين على الفتح والنصر منذ أيام الصحابة حتى ~~اليوم؟» # قال هانئ: «أعلم أن الله نصرهم بالاتحاد والتعاون، وهذا هو الأمر الذي تتوخاه في كل حركة ~~من حركاتنا.» # قال عبد الرحمن: «أنا أعلم ذلك، وأعتقد أنك أكبر ساعد لي في جمع كلمة هذا الجند الضخم وهو ~~مختلف المقاصد والأغراض، وتحتمل معي مضض التوفيق بين ms024 نزعاتهم المختلفة وميولهم المتناقضة، ~~ولكن هناك سببا آخر ساعد السلف الصالحين على الفتح وأيد دولتهم أتعلم ما هو؟» # الفصل التاسع # | عبد الرحمن وبسطام # فأطرق هانئ وأعمل فكرته، وعبد الرحمن يتفرس فيه كأنه يستعجل جوابه، فقال هانئ: «الذي ~~أعلمه أن دولة الإسلام تأيدت بالعدل والرفق.» # فقطع عبد الرحمن كلامه، وقال: «ذلك هو بعينه؛ لأن العدل أساس الملك، والرفق بالرعية ~~يدعوهم إلى الطاعة والمحبة وخصوصا أهل الذمة من النصارى واليهود، وعلى الأخص الرهبان ~~والقسس أصحاب البيع والكنائس، فقد ورد في كتاب الله وفي حديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # النهي عن ~~السعي في أذاهم، ولذلك كان الخلفاء الراشدون إذا أنفذوا جندا إلى حرب أوصوهم بأهل الذمة ~~خيرا، ومنعوهم من أذاهم، وأمروهم بالكف عن الكنائس وأصحابها ألا تعلم ذلك؟» # قال هانئ: «نعم أعلمه جيدا ولطالما تحدثنا فيما قام به بعض الخلفاء وأمراء الأندلس من ~~هذا القبيل، وتعاهدنا على منعه.» # قال عبد الرحمن: «فما معنى هجومكم على كنيسة بوردو في هذا اليوم ونهب آنيتها وإيذاء ~~رهبانها؟» # فظهر الغضب على وجه هانئ مع الدهشة، وأطرق لحظة ثم هز رأسه وهو يقول: «قبح الله بسطاما ~~ما أطمعه وما أقل طاعته إني نهيته بنفسي عن هذا الأمر - ونحن في أثناء الوقعة - بعد أن رأيت ~~منه ومن رجاله ميلا إلى النهب في غير تفرقة، وقد علمت بما في كنيسة بوردو من آنية الفضة ~~والذهب، فخشيت أن تسوقه المطامع أو تسوق أحدا من قبيلته إلى نهبها، فاستوقفته في وسط ~~المعركة وقلت له: «احذر أن يسطو أحد من رجالك على الكنائس أو المعابد أو القسس.» فأجابني ~~بالسكوت فبدا لي في تلك الساعة أنه لا ينوي الإذعان للتحذير، لما نعلمه من طمعه وقسوته و ~~...» # فابتدره عبد الرحمن قائلا: «أتظن أن تلك فعلة بسطام؟» # قال هانئ: «لا أظن أحدا سواه يجرؤ على ذلك بعدما كان من تشديدنا في منعه، وقد رأيته مع ~~بعض رجاله وهم يقتسمون صلبانا من ذهب ومباخر من فضة مما لا يكون في غير الكنائس.» # فصفق عبد الرحمن ms025 ونادى غلامه فدخل، فقال: «ادع الأمير بسطاما.» وبعد خروج الغلام التفت ~~عبد الرحمن إلى هانئ، وقال: «لا تخف من غضبي عليه، فإني سأخاطبه باللين لما أعلمه من فظاظته ~~وغلظته وإلا أفسد الجند علينا.» # فقالت المرأة: «مالكم ولهذا النصير الخطير ما كان أغناكم عنه وعن قبيلته.» # فتنهد عبد الرحمن وقال: «لو شئنا أن نستبعد من جندنا أمثال هؤلاء الغلاظ لاقتضى أن نجرده ~~من أشد رجاله وأكثرهم عددا؛ لأن في جملة رايات هذا الجند قبائل من البربر وجماعات من ~~الصقالبة والجرامقة والجراجمة والأقباط والأنباط وغيرهم، وفيهم من لا يزال على اليهودية أو ~~النصرانية أو الوثنية أو المجوسية وإنما يتظاهرون بالإسلام - والبربر من أشجع الأمم لا ~~يهابون الموت ولا يخافون العدد - والحق يقال إنهم هم الذين فتحوا لنا إسبانيا وسلموها ~~إلينا، ولو أردنا الاستغناء عنهم لامتنع علينا هذا الفتح؛ لأن العرب لا يزالون إلى اليوم ~~قليلي العدد بالنسبة إلى مثل هذا المشروع العظيم، فاستخدام البربر في هذه الحروب يفيدنا ~~كثيرا، وكل ما يطلب منا أن نحسن السياسة في معاملتهم لئلا نغضبهم، وهم إنما يرضيهم الكسب ~~من الغنائم ونحوها، وهذا أمر ميسور لهم؛ لأننا كثيرا ما نتنازل لهم عن الغنيمة لنطعمهم في ~~الجهاد لمصلحة المسلمين، وإن لم يكونوا كلهم مسلمين مخلصين.» # فأعجبت المرأة بتفكير عبد الرحمن وسعة صدره، وقالت له: «إن جندا أنت قائده جدير بأن يعود ~~ظافرا منصورا.» # فلما سمع ذلك الإطناب، مال بيمناه إلى هانئ وألقى يده على كتفه، وقال: «هذا هو يدنا ~~اليمنى؛ لأنه قائد فرساننا.» فخجل هانئ لهذا الإطراء وأراد أن يعتذر وإذا بالرسول قد دخل ~~وهو يقول: «الأمير بسطام بالباب.» # فقال عبد الرحمن: «فليدخل.» # فدخل بسطام وعباءته مطلقة من الأمام، وسيفه يجر وراءه، وعمامته مع صغرها منحرفة من جانب ~~رأسه إلى الأذن، وفي يده عنقود من العنب كان يأكله في أثناء الطريق فلما رأى نفسه في حضرة ~~الأمير تراجع ورمى تلك البقية، وعاد وفي مشيته تيه وإعجاب، ولكنه مع ذلك لم يكن يستطيع ~~مخاطبة عبد الرحمن إلا بالاحترام؛ لأنه ms026 لم يكن يسمع منه إلا كل ما يطيب خاطره ويدعوه إلى ~~احترامه لما قدمناه من حسن سياسة عبد الرحمن ورقة جانبه وربما توهم بعضهم أن الرياسة إنما ~~يتأيد نفوذ صاحبها بالغلظة والكبرياء وشدة الوطأة، ولكن ذلك من الأوهام الباطلة؛ لأن الرئيس ~~الشديد الوطأة قد يملك ألسنة مرءوسيه وأما الوديع الرقيق الجانب فإنه يملك قلوبهم ورقابهم، ~~فلما دخل بسطام حيا، فبش له عبد الرحمن ودعاه للجلوس، فجلس وهو يجيل نظره في أطراف ~~الخيمة، فرأى مريم وهانئا فتوهم لأول وهلة أنه دعي لأمر يتعلق بهما، ثم سمع عبد الرحمن ~~يخاطبه قائلا: «دعوناك يا أمير لنسألك عن أمر يهمك كما يهمنا؛ لأن المصلحة واحدة، وهي رفع ~~منار الإسلام وتأييد كلمة الله.» # فانشرح قلب بسطام لهذا الإطناب؛ لأن العرب لم تكن تعامل البربر إلا معاملة الموالي كما ~~تقدم، فلما سمع بسطام ذلك الكلام قال: «يأمر الأمير بما شاء، وله ما يرضيه مني فإني أطوع له ~~من بنانه.» # قال عبد الرحمن: «بورك فيك، ونفع الله المسلمين بسيفك، أما الأمر الذي استقدمناك لأجله، ~~فهو أن بعض نصارى هذه المدينة يشكون مما أصاب بيعتهم من النهب، وهم كما لا يخفى عليك أهل ~~كتاب قد أوصانا الله برعايتهم وبحرمة كنائسهم وبيعهم، وخصوصا أننا في أحوال تقضي علينا ~~بمحاسنة أهل هذه البلاد حتى يهون علينا الفتح، ونحن سائرون إلى بلاد أمنع ورجال أشد من أهل ~~هذا البلد، فإذا اعتقدوا فينا الرفق والعدل ساعدونا، ولذلك كنت كثيرا ما أوصيكم بالإغضاء ~~عن أماكن العبادة على يد أخينا الأمير هانئ، فإذا كنت على بينة من أمر كنيسة بوردو ونهبها ~~أرجو أن تسعى في رد ما نهب من آنيتها وأدواتها.» # الفصل العاشر # | العرب في أسر الإفرنج # فقال بسطام: «لا أنكر على الأمير سداد رأيه في هذا الشأن، وقد كنا إلى اليوم نرعى هذه ~~القاعدة ونحترم البيع حتى رأيت في هذا الصباح أمرا اقشعر له بدني ولم أتمالك عن الانتقام ~~بنهب تلك الكنيسة رأيت في بعض منازل هذه المدينة رجالا من المسلمين وغلمانا ونساء ms027 ~~يستخدمهم أهلها استخدام العبيد الأرقاء نعم لا أنكر حقهم في ذلك؛ لأننا نفعل بأسراهم مثل ~~هذا الفعل، ولكني رأيت بعض الأسرى المسلمين مقيدين بالأغلال الحديد في أرجلهم والأحمال ~~الثقيلة على ظهورهم، وقد ساقوهم إلى العمل في الكروم سوق الدواب فلم أتمالك عند مشاهدتي هذه ~~القسوة من الانتقام بنهب كل ما تقع يدي عليه ولم أستثن كنيسة ولا ديرا.» # فلما بلغ بسطام إلى هذا الحد، التفت عبد الرحمن إلى المرأة كأنه يسألها عن ذلك، فقالت: ~~«لا أنكر على مولاي أن معاملة الإفرنج لأسراهم من العرب أكثر قسوة من معاملة المسلمين ~~لأسراهم من الإفرنج، وإن تساوى الفريقان في اعتبار الأسرى ملكا للغالبين يبيعونهم بيع ~~السلع، ومتى دخل الأسير في حوزة مالكه استخدمه فيما ينفعه من فلاحة أو زراعة أو خدمة، ولا ~~يزالون عبيدا هم وأولادهم إلى سلالات عديدة حتى يفتديهم أهلهم أو أصدقاؤهم بالمال أو غيره، ~~أما المسلمون، فإن رجوع الأسرى إلى الحرية عندهم أسهل مما عند الإفرنج، وأما تقييدهم ~~بالسلاسل فالغرض منه - على ما أظن - هو منعهم من الفرار وربما حاولوه مرة ولم يظفروا، ~~فأثقلوهم بالأغلال ليمنعوهم منه.» # فقطع عبد الرحمن كلامها، ووجه خطابه إلى بسطام قائلا: «هب أنهم فعلوا ما تقول، فالعبرة ~~بالنتيجة وإذا كنا نسلك مثل ما سلك هؤلاء فأي فضل لنا، وبماذا تتوقع النصر في الدنيا ~~والنعيم في الآخرة فالذي يهمنا أن نعمل بمقتضى الكتاب والسنة ونقتدي بالسلف الصالحين، وزد ~~على ذلك أن طمعنا في القليل من الغنائم قد يؤدي إلى فشلنا ويقف في سبيل الفتح فنخسر أضعاف ~~تلك الغنائم، ناهيك بالفشل وما قد يلحقنا بسببه من العار.» ثم وجه خطابه إلى هانئ وقد بدا ~~الاهتمام بين حاجبيه، وقال: «لا يخفى عليكم أننا نعتزم عملا أثمن كثيرا من الذهب والفضة ~~والآنية، وأعظم من أن يقاس بالحطام الفانية، نحن نعتزم فتح هذا العالم الكبير فإذا وفقنا في ~~فتحه كسبنا الأموال والأرواح ونشرنا الإسلام في قبائل من النصرانية والوثنية لا يحصيها إلا ~~الله، فنملك المدن والرقاب وتخفق رايتنا على رومية ms028 والقسطنطينية وغيرهما من عواصم ~~النصرانية، ويصير صعلوكنا أميرا وفقيرنا غنيا فتحرز يا هانئ ما استطعت من الذهب والفضة ~~والجواهر، وتملك ما تريده من الجواري والغلمان وإذا كنت مخطئا في قولي فنبهوني.» # فأدرك هانئ أن عبد الرحمن إنما ينتظر الجواب من بسطام احتيالا عليه في إجابة الطلب، فقال ~~بسطام وقد سحر بلطف عبد الرحمن: «إنك على صواب، والحق يقال إن البربر وغيرهم من الموالي لم ~~ينصفوا في حقوقهم بإزاء العرب مثلما أنصفوا في أيامك، لقد كان أسلافك - ولا يزال كثيرون من ~~أمراء العرب إلى اليوم - يعدون المسلمين من غير العرب عبيدا، فإذا حاربوا معهم في معركة لا ~~يقاسمونهم الغنائم كما يقاسمون العرب، فلا تظننا غافلين عن هذا الفضل.» # فقطع عبد الرحمن حديثه قائلا: «أنا لم أعامل غير العرب إلا بالعدل؛ لأن المسلمين أخوة، ~~والآن أسرع إلى الغنائم قبل اقتسامها ومعك الأمير هانئ، واستبعدا آنية الكنيسة واحملاها ~~إلينا لننظر في أمر إعادتها إلى أصحابها.» # خرج بسطام وهو منتفخ الصدر بما آنسه من الرعاية والإطراء، ونسي ما كان في نفسه على هانئ ~~بسبب مريم وأهل الفظاظة والخشونة من أقرب الناس إلى المصافاة لخلو قلوبهم من نتائج الكظم، ~~فإذا أساء إليهم أحد بعمل جاهروا بما في نفوسهم عليه فهم لا يحقدون، وخصوصا في موقف يشبه ~~موقف بسطام بالنسبة إلى مريم، فإنه كان يطلبها؛ لأنه استلطفها ووعد نفسه بها، ولكنه لم ~~يتعلق بحبها كما فعل هانئ، أما هانئ فإنه سار في أثر بسطام، وظل قلبه في ذلك الفسطاط، أو ~~لعله استعاض عنه بقلب مريم؛ لأنها أحست عند خروجه كأن قلبها اقتلع من صدرها، وخشيت الفضيحة ~~لظهور أثر ذلك على وجهها فتشاغلت بإصلاح الخمار الأسود. # فلما خرج الأميران التفتت المرأة إلى عبد الرحمن، وقالت: «هل يأذن مولاي الأمير بإرسال ~~فتاتي هذه مع هذا الشيخ إلى مقر تقيم فيه تحت حمايتك ريثما أتم حديثي معك ونرى ما ~~يكون.» # فصفق عبد الرحمن وصاح: «يا غلام.» فدخل أحد الغلمان، فقال: «أبلغ هذا الشيخ وهذه الفتاة ~~إلى خباء نسائي، وأوص ms029 قيمة الخباء بإكرامها، وألا تعدها في جملة الجواري وإنما هي ضيفة ~~علينا إكرامها ورعايتها.» # فاستحسنت المرأة ذلك والتفتت إلى حسان، وقالت: «سر يا عماه مع مريم في رعاية مولانا ~~الأمير، وكن معها حتى آتيك.» # فأشار مطيعا وخرج وهو يتوكأ على عكازه، وخرجت مريم في أثره والغلام أمامهما. # الفصل الحادي عشر # | بعض السر # فلما رأى عبد الرحمن من تلك المرأة التماس الخلوة، توهم أنها ستطلعه على سرها، فلما خلوا ~~بدأها بالكلام قائلا: «أطلعيني يا أخية على اسمك قبل كل شيء؛ لأناديك على الأقل.» # قالت: «إذا كان هذا هو المراد من معرفة اسمي فنادني سالمة.» # قال عبد الرحمن: «لقد أدهشني يا سالمة ما رأيته من غريب شأنك، وأراني كلما سمعت حديثك ~~أزداد رغبة في استطلاع حقيقة أمرك، وكأني بك قد التمست الخلوة رغبة في مكاشفتي ~~بسرك.» # فأصلحت سالمة من شأنها والتفت بثوبها، وأخفت يديها في كمها وفيه المحفظة، ونظرت إلى عبد ~~الرحمن والاهتمام باد في عينيها، وقالت: «اعلم أيها الأمير أنك تخاطب امرأة غير عربية وغير ~~مسلمة، ولكنها من أشد الناس غيرة على العرب وعلى المسلمين، وأستأذن مولاي الأمير بالاقتصار ~~على ما عرفه من أمري لأسباب ستتضح له قريبا إن شاء الله، وأما الآن، فإني أهب نفسي لتحقيق ~~المشروع الذي قمتم لأجله فأبذل ما في وسعي في سبيله.» # فاستغرب عبد الرحمن تسترها، وخشي أن يكون من ورائه خديعة أو دسيسة، فقال لها: «ومن يضمن ~~لنا أنك تقولين الصدق؟» # قالت: «لقد أعجبني سوء ظنك في ولو لم يبد ذلك منك لاستضعفتك؛ لأن من كان قائدا لمثل ~~هذا الجند الكبير لا ينجو من أهل الخداع والدسائس، فإن لم يسئ الظن فيمن يصادفهم بات في خطر ~~من دسائسهم، أما دعواي، فلو صرحت لك بأمري لهان عليك تصديقها، ولكن الآن يكفي دليلا على ~~صدق ما أقول أن أجعل ابنتي ووحيدتي رهنا بين يديك، فإن بدرت مني بادرة تدل على الخيانة أو ~~الغدر فافعل بها ما شئت.» # وكان كلام سالمة قد نبهه إلى ما يحدق به من ms030 أسباب الخداع والمكر، فبالغ في إساءة الظن بها ~~فقال لها: «ومن يؤكد لنا أنها ابنتك، فإن الشبه بعيد بينكما ويظهر أنها عربية ولست أنت ~~كذلك.» # فأطرقت سالمة هنيهة، ثم قالت: «أما هذا فلا سبيل إلى إثباته بغير السؤال من الفتاة نفسها ~~والخادم الشيخ، فإنه عربي مسلم وهو وحده المطلع على سري، ولكنه لا يبوح به إلا في حينه ~~فاسألوه.» قالت ذلك ودلائل الإخلاص وصدق اللهجة يتجليان في عينيها، وبما بدا على وجهها من ~~أمارات الحياء والاهتمام. # فتحقق عبد الرحمن بفراسته أنها تقول الصدق، فقال: «لقد صدقتك يا سالمة، فأخبريني متى يحين ~~الوقت لكشف سرك؟» # قالت: «إن كشف هذا السر غير مقيد بزمان، وإنما هو مرهون بحادث، إذ لا يجوز كشفه إلا بعد ~~أن يقع هذا الحادث.» # قال عبد الرحمن: «وما هو ذلك الحادث.» # قالت: «لا أقوله الآن، وإنما يقربنا منه صدق النية في فتح هذه البلاد وهذا هو الأمر الذي ~~وهبت نفسي له، فإذا أذن مولاي أن أساعده فيه فعلت.» # فلبث عبد الرحمن صامتا، وهو مطرق يفكر فيما سمعه ويحلله في ذهنه، فرأى مفتاح السر كله في ~~معرفة والد الفتاة مريم فرفع بصره إلى سالمة، وقال وهو يلاعب أطراف حمائل السيف بين أنامله: ~~«لا بأس من تأجيل الاطلاع على سرك وإنما ألتمس منك أمرا، فهل تصدقينني فيه؟» # قالت: «إذا استطعت ذلك فعلته.» # قال عبد الرحمن: «أريد منك فقط أن تخبريني من هو والد هذه الفتاة، وأين هو؟» # فلما سمعت سؤاله بغتت وتصاعد الدم إلى وجهها وتغيرت سحنتها وبدت الكآبة في جبينها وحول ~~فمها، وأطرقت مدة لا تتكلم ثم رفعت بصرها إليه وقد أبرقت عيناها بما ترقرق فيهما من الدمع ~~وقالت: «تسألني عن مكان أبيها وأنت تراني في هذا الثوب الأسود؟» قالت ذلك وأمسكت طرف الخمار ~~بين الإبهام والسبابة، وقد غصت بريقها. # فندم عبد الرحمن على سؤاله عن المكان، فقال: «لم أتعمد أن أذكرك بمصابك، بوفاة زوجك وإنما ~~أردت معرفة اسمه، ولا أرى مانعا من إطلاعي عليه ونحن في خلوة ليس ms031 فيها ثالث، وأعاهدك على ~~كتمان ذلك عن كل إنسان، إنني لا أطلب منك الاطلاع على سرك، وإنما أريد معرفة زوجك.» قال ذلك ~~وهو يتوقع إجابة على سؤاله. # أما هي فلما رأت إلحاحه في معرفة اسم زوجها بدا الغضب على وجهها، وقالت: «يظهر أني أخطأت ~~فيما عرضته من خدمتكم وأنا أصادف ما أراه من الإلحاح علي والضغط على أفكاري، لو كان ~~التصريح باسم ذلك المسكين ممكنا لفعلت ولم أكلفك هذا العناء في السؤال، ثم إني لا أرى فائدة ~~من ذكره الآن وسيأتي وقت تعرف فيه كل شيء.» # فاستغرب عبد الرحمن تكتمها، وازداد رغبة في معرفة سرها، ولكنه لم ير أن يرغمها على ذلك ~~قهرا مراعاة لشعورها وطمعا في الانتفاع بخدمتها، فجاءها من جهة أخرى، فقال: «حسنا بقي ~~سؤال واحد أرجو ألا يكون حظي في الجواب عليه مثل حظي في سواه هل أقوله؟» # قالت: «قل ما بدا لك.» # قال عبد الرحمن: «أرى ابنتك من الجمال فيما ليس بعده غاية، وهي في سن الزواج، وأنت وحيدة ~~فلماذا لم تزوجيها بشاب تعيشين في حمايته؟ ولا ريب عندي أنك تجدين من الطلاب من تقر به عينك ~~لما هي عليه من الجمال والهيبة.» # فالتفتت سالمة وقد انقشعت مظاهر الكآبة عن محياها، وتحول انقباضها إلى انبساط، وقالت: ~~«أما هذا السؤال، فلا بأس من الجواب عليه.» # فاستبشر عبد الرحمن وقال: «وما هو؟» # قالت: «إن الابنة مخطوبة منذ طفولتها.» # قال عبد الرحمن: «لمن؟» # قالت: «لرجل مسلم يغار على الإسلام والمسلمين ويكره الظلم والظالمين، باسل شجاع واسع ~~الصدر كريم النفس.» # قال عبد الرحمن: «وما اسمه؟» # قالت: «لست على يقين من معرفة اسمه الآن.» # قال عبد الرحمن: «وهل تعرفه ابنتك؟» # قالت: «لا أعرفه أنا ولا تعرفه هي، ولا يعرفه أحد سوانا.» # فدهش عبد الرحمن، وقال: «كيف يكون ذلك يا سالمة؟ يظهر أنك تمزحين أو تدافعين ~~بالباطل.» # قالت: «أقسم بالرب المعبود إنني أقول الصدق.» # فقال عبد الرحمن: «وكيف تكون ابنتك مخطوبة لرجل لا تعرفون له اسما ولا لقبا؟» # قالت: «أما لقبه، فإننا ms032 نعرفه.» # قال عبد الرحمن: «وما هو؟» # قالت: «يلقب بفاتح بلاد الإفرنج بالسيف ومؤيد الإسلام فيه بالحق والعدل.» ~~••• # ففهم عبد الرحمن أنها تريده هو، إذ لا يصدق ذلك اللقب على سواه، ولذلك أراد أن يتحقق من ~~ظنه، فقال وهو يتجاهل مرادها: «ومتى يكون الزواج؟ وأين؟» # قالت: «يجوز الزواج في أي وقت يريده الخطيب، ولكنه لا يكون إلا وراء نهر لوار.» # قالت ذلك وهي تنظر إلى عبد الرحمن نظرة استفهام، كأنها تقول له: «هل فهمت من هو؟» # الفصل الثاني عشر # | نهر لوار # فأدرك عبد الرحمن أن المراد بتقييد الزواج بذلك المكان هو تعجيل الفتح حتى يقطع المسلمون ~~نهر لوار، وهو آخر حدود أكيتانيا من جهة الشمال، في الطريق الذي هم سائرون فيه، فثار في ~~خاطره حب الفتح، وأحس من تلك الساعة بميل إلى مريم بنت سالمة، وكان قد استلطفها منذ شاهدها ~~في ذلك المساء، وهو في شاغل من أمر الحرب والنصر وتنظيم الشئون، فلما سمع ما قالته سالمة ~~وتذكر الفتاة وما في عينيها من الجاذبية، شعر بميل إليها أحياه فيه الأمل في الظفر بها وذلك ~~أمر طبيعي في مثل هذه الحال فقد يرى أحدهم الفتاة مرارا ويستلطفها، ولكنه لسبب من الأسباب ~~لا يرجو الظفر بها، فإذا تنسم خبرا يثير في نفسه الأمل في الحصول عليها يشعر للحال بانعطاف ~~ينمو فيه حتى يصبح شغفا، ولا تقتصر هذه القاعدة على الحب ونحوه، بل إنها تنطبق على سائر ~~مطامع بني الإنسان باعتبار ميولهم فقد يكون أحدهم محبا للسلطة مثلا، ولا يكون له مطمع ~~فيها لإحساسه بالعجز عنها بضعفه أو فقره، فإذا ظهر له من بعض ثقاته أن ذلك في إمكانه شغف ~~بها، وبذل نفسه في سبيل الحصول عليها، وقد أصاب عبد الرحمن الغرضين معا؛ لأن عبارة سالمة ~~أثارت حماسته لإتمام الفتح، وأحيت فيه الميل إلى مريم فاكتفى بما دار من هذا القبيل، لئلا ~~يبدو منه ما لا يليق بمكانته فتجاهل وعاد إلى مجاراتها في كتمان اسم زوجها وهدفها من ~~الاندفاع إلى مساعدتهم، على أمل أن ms033 يعرف ذلك في فرصة أخرى، وقال لها: «دعينا الآن من هذا ~~وأخبريني ما الذي تنوين مساعدتنا فيه لتحقيق هذا الفتح؟» # قالت: «ليس لي سيف أناضل به عنكم أو أشترك فيه معكم، ولكنني خبرت طبيعة هذه البلاد وعرفت ~~من أحوالها ما لو عرفه المسلمون لفتحوها على أهون سبيل.» # فقال عبد الرحمن: «وما ذاك؟» # قالت: «هل يخفى على الأمير عبد الرحمن أن الغاليين أهل هذه البلاد هم غير الإفرنج الذين ~~يحاربونكم ليمنعوكم منها؟ وأن الدوق أود حاكم أكيتانيا هذه وجنده ليسوا أقرب إلى قلوب ~~الغاليين من قائد جند المسلمين ورجاله؟» # قال عبد الرحمن: «وكيف ذلك؟» # قالت: «إن سكان هذه البلاد أخلاط من الروم والغال ومعنى ذلك أن الغاليين أهل هذه البلاد ~~الأصليين كانوا أمة كبيرة، وقد ظلوا في حال البداوة والاستقلال حتى جاءهم الروم في القرن ~~الأول قبل الميلاد ففتحوها على يد يوليس قيصر القائد الشهير، وما زالت في حوزتهم نحو خمسة ~~قرون، وقد ضعفت دولة الروم فهاجمتها قبائل الجرمان من الشمال كما هاجمتها قبائل العرب بعد ~~ذلك من الجنوب والإفرنج إحدى قبائل الجرمان ففتحوا غاليا هذه واستولوا عليها، ويعرف حكامهم ~~بعائلة ميروفي نسبة إلى أول من تولاها منهم، وتوالى الحكم في هذه العائلة إلى الأمس، وقد ~~أفضى الأمر إلى ملوك ضعفاء طمع فيهم وزراؤهم وأمراؤهم فاقتسموا البلاد بينهم، ومن أقسامها ~~أكيتانيا التي نحن فيها، وآخر حدودها من الشمال نهر لوار ويحكمها الدوق أود صاحبكم، ثم ~~أوستراسيا وراء هذا النهر وحاكمها شارل (قارله) وزير آخر ملوك الميروفية وكلاهما من قبائل ~~الفرنك، ولكن كلا منهما ينظر إلى الآخر بعين الحذر، والأهالي ينظرون إلى كليهما بعين ~~المقت لعلمهم أنهما إنما يرغبان في فتح بلادهم للتمتع بها، ثم جئتم أنتم والفتح إما لكم ~~وإما لهما فالغاليون محكومون في الحالتين، ولا يهمهم لمن تكون الغلبة من الجندين إلا إذا ~~رأوا في أحدهما ميزة على الآخر تضمن لهم مصلحتهم وراحتهم.» # فلم يتمالك عبد الرحمن أن قطع حديثها بقوله: «وبالطبع هم يفضلون الإفرنج؛ لأنهم نصارى ~~مثلهم؟» # فابتسمت سالمة ms034 وقالت: «ليس الأمر كذلك يا مولاي إن الدين لا دخل له في هذه الحرب، وإنما ~~ساق قبائل الإفرنج إلى هذا الفتح حب السلطة والطمع في الكسب، ولذلك فإنهم انقسموا فيما ~~بينهم، فإن أود حاكم أكيتانيا التي نحن فيها الآن يحاذر من شارل حاكم أوستراسيا كما قدمت، ~~ويخشى سلطانه، وكل منهما يجتهد في الانتقاص من الآخر في عين الأهالي وهؤلاء يبغضون كليهما؛ ~~لأنهم لم يروا في معاملتهما ما يبشرهم بخير لما تعلمونه من عادتهم في استبعاد الرعية ~~وابتزاز أموالهم وسائر قواهم خلافا للعرب عند أول الفتح، فإنهم لما فتحوا إسبانيا تركوا ~~لأهلها الحرية في كل معاملاتهم، ولم يتعرضوا لهم في شيء من دينهم، وأفضل أمراء المسلمين في ~~ذلك موسى بن نصير وابنه عبد العزيز وخصوصا هذا الأخير، ولو لم يعجلوا عليه - رحمه الله - ~~لفتحت هذه البلاد على يده إذ أحس الإسبان في أيامه أنهم انتقلوا من الضيق إلى الفرج، ولكنهم ~~ما لبثوا أن ذاقوا مرارة الظلم من بعض الذين خلفوه من أمراء المسلمين، ثم أفضت الإمارة ~~إليكم، وبلغني أنكم سائرون على خطة ذلك الفاتح العظيم في محاسنة الناس وإنصاف أهل الذمة، ~~ورعاية العهود معهم فيما يتعلق بكنائسهم وديانتهم، وقد تحقق لي ذلك الآن فالغاليون إذا ~~ضمنوا سلامتهم وسلامة أهلهم ومعايشهم على يد المسلمين، فإنهم يكونون عونا لهم على الفتح ~~ولا تنس اليهود فإنهم أنصاركم في كل فتوحاتكم من أول ظهور الإسلام فهؤلاء إنما نصروكم حينما ~~تحققوا مما تنوونه من أسباب الراحة لهم، وكذلك النصارى وغيرهم من أهل هذه البلاد، وأما ما ~~يبدو لكم من شارات النصرانية والغيرة عليها فمحصور في طائفة الأكليروس، ومن يهمهم نصرة ~~الكنيسة من بقايا الرومان، ومن انتمى إليهم من الغاليين، أما قبائل الإفرنج، فبينهم من اتخذ ~~الدين ذريعة للسلطة وكسب الأموال كما فعل بعض قبائل البربر وغيرهم من جنودكم.» # فلما سمع عبد الرحمن قولها، تحقق من سداد رأيه فيما شرع فيه من محاسنة أهل الذمة وتوخي ~~العدل والإنصاف، وقال: «أنت تعلمين أني فاعل ذلك من تلقاء نفسي، ms035 فما الذي تفعلينه أنت في ~~هذا السبيل؟» # قالت: «إني أقدم نفسي للذهاب في أية مهمة تفرضونها، والأفضل على ما أرى أن أتقدمكم في ~~البلاد التي تنوون المسير لفتحها، فأغرس في قلوب أهلها الاطمئنان للمسلمين وسلطانهم، ~~ويساعدني على ذلك مبالغتكم في إكرام نصارى بوردو وطمأنة قلوبهم ومحاسنتهم واحترام شعائر ~~دينهم والمحافظة على أعراضهم وأرواحهم، فإذا فعلتم ذلك هان علي إقناع أولئك بأن المسلمين ~~الفاتحين أهل حرمة وذمام، يخافون الله ويعملون بالعدل، وليس كما يتوهم بعض ذوي الأغراض أن ~~المسلمين قساة القلوب لا دين يردعهم عن ارتكاب المحرمات ولا حنان في قلوبهم يمنعهم من الظلم ~~والعسف، وقد حمل الناس على تصديق ذلك ما كان يرتكبه بعض الذين كانوا يرافقون جند المسلمين ~~لمجرد الرغبة في النهب والقتل، ولم يكن أميرهم حكيما عاقلا مثل عبد الرحمن ليصلح ما ~~يفسدونه مما رأيناه منه في هذا المساء.» # فازداد عبد الرحمن إعجابا بتفكير تلك المرأة وغيرتها على المسلمين، وقال: «افعلي ما ~~يتراءى لك وإني فاعل بنصارى بوردو ما تريدينه فما الذي يرضيهم؟» # فقالت: «إنما يرضيهم المحافظة على شعائرهم الدينية واستبقاء كنائسهم ومعابدهم ثم رد ~~أسراهم بالفدية مثلما جرت العادة، وهناك أمر ذو بال أوجه نظركم إليه، وذلك أن بيع أسرى ~~النصارى إلى اليهود مما يسيء إلى النصارى لما تعلمه من الضغائن بين الطائفتين، وخصوصا بعد ~~ما ظهر من ممالأة اليهود لكم وتسهيل الفتح عليكم.» # فقطع عبد الرحمن كلامها قائلا: «ولكن اليهود تجار نبيعهم الأسرى بالمال، فمن أراد من أهل ~~البلاد أن يفتدي أسيره افتداه منهم بالمال.» # قالت: «ولكن بعض اليهود يبتاعون الأسرى للتنكيل بهم تشفيا مما كان النصارى يسومونهم إياه ~~من قبل، وكثيرا ما كان اليهود يبتاعون الأسرى النصارى ويذبحونهم فإذا تجنبت هذا الأمر كان ~~خيرا على كل حال.» # الفصل الثالث عشر # | الآنية # ولم تتم سالمة حديثها حتى سمعوا قرقعة وضوضاء خارج الفسطاط، ثم دخل أحد الغلمان وهو يقول: ~~«الأمير هانئ بالباب، ومعه أناس يحملون أكياسا.» # ثم دخل هانئ ووراءه عبيد يحملون أكياسا وأدوات وهو يقول: «هذه ms036 أدوات الكنيسة لم نستطع ~~جمعها إلا بشق الأنفس؛ لأنها كانت قد وزعت بين أصحاب الغنائم.» قال ذلك وأمر الرجال أن ~~يفرغوا ما في الأكياس بين يدي الأمير، ولم تمض لحظة حتى امتلأ البساط بالشمعدانات والصلبان ~~والكئوس وفيها الفضة والذهب، فضلا عن أنواع من الملاعق والصحون والصور المذهبة والمفضضة ~~وقطع من الذهب اقتلعوها من التماثيل الكبيرة التي لم يستطيعوا حملها من جدران الهيكل ~~وأعمدته. # فلما خرج الحمالون ولم يبق في الخيمة إلا عبد الرحمن وهانئ وسالمة، التفت عبد الرحمن إلى ~~سالمة وقال لها: «هذه هي الآنية، فماذا نفعل بها؟» # قالت: «أرى أن نرسلها إلى أسقف الكنيسة في بوردو مع رجل يخبره أن نهب هذه الكنيسة قد وقع ~~بغير إرادتك ثم يعتذر له عن ذلك ويخبره بأن الأسرى باقون إلى مساء الغد في هذا المعسكر فمن ~~أراد أن يفتدي أسيره افتداه ولا حرج عليه، وبعد رجوع الرسول أذهب أنا إلى الأسقف، فأغتنم ~~فرصة إعجابه برفق المسلمين وعدلهم وأطلب إليه أن يحاول إقناع أهل البلاد الأخرى الواقعة في ~~طريقكم إلى نهر لوار بالمراسلة بأن المسلمين أرفق بهم من الإفرنج، وأنهم سيكونون تحت حكم ~~المسلمين أحرارا في ديانتهم وعاداتهم وحكومتهم وقضائهم وسائر أحوالهم كما كان أهل الأندلس ~~في أول الفتح.» # فلم يستطع عبد الرحمن أن يزيد على رأي سالمة كلمة واحدة ولم يزدد إلا إعجابا بسداد رأيها ~~وسعة اطلاعها فقال لها: «فليكن ما تقولين، ويجب أن يبقى كل ما دار بيننا مكتوما عن كل ~~إنسان غيرنا، لئلا يفسدوا سعينا.» والتفت إلى هانئ وقال له: «اعهد إلى رجل من خاصتك تثق ~~برجاحة تفكيره وحسن أسلوبه أن يوصل هذه الآنية إلى الأسقف ويبلغه هذه الرسالة.» # ولم يكن هانئ أقل إعجابا بسالمة من عبد الرحمن، فلما سمع رأيها استحسنه، وزاد احترامه ~~لها وحبه لابنتها، وبادر في الحال إلى رجال حملهم الآنية وخرج لإنجاز تلك المهمة. # ثم نهضت سالمة والتمست من عبد الرحمن أن يرسلها إلى مقر ابنتها لتبيت هناك إلى الصباح، ثم ~~تخرج لمهمتها فأراد عبد الرحمن ms037 المبالغة في إكرامها فطلب هانئا مرة أخرى وقال: «ادع لي ~~رجلا من خاصتك يصحب سالمة إلى خباء النساء حيث تقيم ابنتها.» # فاعتبر هانئ تلك المهمة فرصة يجب اغتنامها فقال: «ومثل هذه السيدة الفاضلة لا يليق ~~لخدمتها غير الأمراء إني ذاهب إلى قرب ذلك الخباء، ولذلك فإني سأصحبها إليه.» # فاستحسن عبد الرحمن شعور هانئ في احترام سالمة تشجيعا لها فابتسم وقال: «بورك فيك إنها ~~أهل لأكثر من ذلك.» # فمشت سالمة في أثر هانئ وظل عبد الرحمن وحده وقد بهره ما شاهده في ذلك المساء من الغرائب، ~~وتوسم خيرا في نجاح حملته وزاد رغبة في تفقد جنده والسهر على جمع كلمته. # الفصل الرابع عشر # | الخباء # أما مريم فإنها خرجت مع خادمها حسان من خيمة الأمير عبد الرحمن والغلام دليلهما إلى ~~الخباء كما تقدم وكان الليل قد أسدل ستاره فمكثت مريم وحدها وقد شغلها حب هانئ. # وأحست بجاذبية نحوه لا تدري ما هي وقد ذهب من خاطرها ما كانت تسمعه من والدتها عن أهمية ~~مستقبلها، والواقع أنها لم تسمع منها شيئا صريحا بهذا الشأن ولكنها كانت تحملها على إتقان ~~النطق بالعربية ، وتعليمها ركوب الخيل وفنون الفروسية وسائر الألعاب الرياضية، حتى خشنت ~~عظامها وقوي عضلها وشبت على الحمية وعزة النفس والشجاعة، ولكن رقة الجنس اللطيف ظلت غالبة ~~على طبيعتها وإنما زادتها تلك الرياضة صحة، وأكسبت وجهها رونقا وإشراقا. # مشت في أثر الغلام وبجانبها حسان يتوكأ على عكازه بنشاط وخفة، وقد تزمل بقبائه وعلى رأسه ~~قبعة (طاقية) قد لصقت من كل أجزائها برأسه، وكان رأسه حليقا فظهرت كأنها جلد ثان له، فمروا ~~في أثناء الطريق بجماعات من الرجال كل جماعة من قبيلة، بعضهم في الخيام والبعض الآخر فيما ~~بينها وقد علت الضوضاء، وأكثر ما يسمع من أصوات الرجال عبارات الاختصام على قسمة الغنائم، ~~وخصوصا ما كان ثمينا من الأثواب الموشاة أو الآنية الذهب أو الفضة أو الدروع أو الطنافس، ~~فربما أفضى الخصام في بعضها إلى تجزئتها إلى قطع وتوزيعها بين المختصمين على حين أن أجزاءها ms038 ~~لا تفيدهم شيئا، وكانت مريم تسمع أصوات الأمراء يهددون رجالهم أو يوبخونهم، ولا تسل عن ~~قلبها حينما سمعت صوت هانئ في خيمته على بعد بضع خطوات منها وهو يحاسن بعض الناس، ليقنعهم ~~بتسليم آنية الكنيسة عملا بإشارة عبد الرحمن، فلما سمعت صوته اختلج قلبها في صدرها، وودت ~~لو أنها وقفت هناك برهة لتسمع حديث حبيبها وتستأنس بصوته، وتمنت لو أن الخباء كان على مقربة ~~منها ليمر بها هانئ إذا خرج، فنادت الغلام وسألته عن موقع الخباء فقال: «إنه خارج هذا ~~المعسكر يا مولاتي.» # قالت: «وهل هو بعيد عنا؟» # فمد الغلام عنقه وهو ينظر نحو الأفق ثم قال: «إن الخباء يا سيدتي بالقرب من هذه النار.» ~~وأشار بإصبعه إلى نار موقدة وراء حدود المعسكر. # فنظرت مريم فإذا هي لا تزال بعيدة عن المكان فقالت: «ولماذا جعلوا الخباء بعيدا بهذا ~~المقدار؟» # قال: «لأنه دار النساء، والعادة في هذه الدور أن تقام خارج المعسكر ومتى وصلنا إلى هناك ~~ترين أخبية عديدة لنساء الأمراء والقواد وغيرهم من رجال الجند، ولولا من يقوم بخدمتهن من ~~الخدم والخصيان والعبيد لحسبت نفسك في مدينة من النساء.» # فصبرت مريم نفسها وسكتت وهي تجد في المشي، وحسان إلى جانبها يمشي ساكتا، وكأنه ~~استأنس بصوت خفق نعاله ووقع عكازه على الحجارة، حتى إذا خرجوا من المعسكر سمعت عند خروجهم ~~أصواتا آتية من أطراف المعسكر تشبه أن تكون تهديدا فأجفلت وتراجعت فطمأنها حسان قائلا: ~~«لا تخافي يا بنية إن حراس الجند يطلبون منا شعار الليل، فإذا لم نجبهم به اشتبهوا في ~~أمرنا.» # فقالت: «وكيف ذلك؟ وما هو الجواب؟» # قال: «هو عند هذا الغلام.» والتفت إليه ليسأله فإذا به يقول بصوت عال جوابا على ما قاله ~~الحراس: «طليطلة وقرطبة.» فتحول حسان نحو مريم وقال: «هذا هو شعارهم الذي يتعارفون به ~~اليوم.» فسكت الحراس، ومشت مريم وحسان على أثر الغلام حتى انتهوا إلى الأخبية فسمعوا من ~~حراسها مثل ذلك النداء فأجابوا عليه مثل ذلك الجواب، واتجه بهم الغلام إلى خباء منفرد أمامه ~~نار ms039 عظيمة فعلمت مريم أنه الخباء الذي تقصده فلما دنت منه رأت الخدم ببابه وفيهم البيض من ~~الصقالبة الذين يباعون في تلك البلاد والسود والزنوج الذين رافقوا الحملة من أفريقيا ~~وأكثرهم من الخصيان، ولما أقبلت مريم على الخباء تأملت فيه، فإذا هو يتكون من بناء من نسيج ~~أحمر متين مربع الشكل قائم على أعمدة من الخشب مخيطة بالقماش، وربما بلغت مساحة الخباء ~~خمسين ذراعا في خمسين، يكتنفه سور من ذلك النسيج مسند بالأعمدة ومشدود إلى الأرض بالأوتاد ~~والأمراس، وسقف الخباء يشبه قبة كبيرة صنعت من ذلك النسيج قائمة على عمد متينة، وقد قسم ~~الخباء داخل السور إلى غرف وأفنية يفصل بينها جدران من نسيج أخضر مسندة بالعمد ~~أيضا. # وبينما هي تتأمل في ذلك البناء أقبل عليهم رجل من خصيان الخباء أبيض اللون، عرفت مريم من ~~سحنته أنه صقلبي فاستقبله الغلام وتعارفا وتفاهما، وكان الغلام قد أفهم الخصي المهمة التي ~~قدم من أجلها فتركه وهو يقول بلسان عربي تخالطه عجمة: «إني ذاهب إلى القهرمانة قيمة الخباء ~~أستقدمها لاستقبالها.» ومضى حتى دخل الخباء فوقفت مريم وحسان والغلام في انتظاره ثم عاد وهو ~~يقول: «تفضلي يا مولاتي بالدخول ويبقى خادمك معنا في إكرام ورعاية.» # فمشت مريم وقد التفت بثوبها وأصلحت نقابها الأسود وتعهدت شعرها استعدادا لاستقبال ~~القهرمانة قيمة الخباء. # فدخلت باب الخباء في أثر الخصي، فرأت نفسها في دهليز انتهت منه إلى شبه قاعة فيها مصباح ~~أضيء بالزيت وقد علقوه بحبل في سقف الخباء بين عمودين من أعمدته، ولم تشك مريم في أنه من ~~مصابيح إحدى الكنائس في البلاد التي فتحوها، وكانت أرض الخباء مفروشة بأبسطة ثمينة، وكان ~~بالخباء معظم ما يحتاجون إليه من الآنية الضرورية كأن أهله مقيمون هناك منذ أعوام. # فلما دخلت القاعة سبقها الخصي وأخبر القهرمانة، فتقدمت لاستقبال ضيفتها، وكانت القهرمانة ~~مفرطة في البدانة، ثقيلة الحركة، عريضة الوجه، كبيرة العينين، خشنة الصوت، متدلية الخدين، ~~غليظة الشفتين، قد نبت على شفتها العليا وحول ذقنها شعر متفرق مستطيل، وقد غطت صدرها وعنقها ~~بالقلائد ms040 والعقود وفيها الذهب بين مرصع وغير مرصع، وحول زنديها الأساور والدمالج، وفي ~~أذنيها الأقراط وفي رجليها الخلاخل، حتى ليكاد الناظر إليها وهي تمشي وتتوكأ على فخذيها ~~يتوهم أنها تنوء تحت أثقال تلك الحلي، مع أن دلائل القوة ظاهرة في ضخامة وجهها ووضوح ~~تقاطيعها، وكان بينها وبين عبد الرحمن قرابة نسائية، وقد ألقى إليها مقاليد خبائه وفوض ~~إليها تدبير شئون نسائه وجواريه، وفيهن القوطيات والصقلبيات والروميات والبربريات وغيرهن، ~~فلما رأت مريم وما هي فيه من الجمال والهيبة وخفة الروح أحبتها، فاستقبلتها ورحبت بها ~~وخصوصا بعد أن علمت برغبة عبد الرحمن في إكرامها، وكانت مريم قد استوحشت من منظر تلك ~~القهرمانة، فلما سمعت ترحابها استأنست بها، وهمت بتقبيل يدها فامتنعت وقالت لها: «أهلا بك ~~يا حبيبتي ما اسمك؟» # قالت: «اسمي مريم.» ولفظت الراء غينا. # فاستلطفت تلك اللثغة منها ودعتها إلى الجلوس على البساط، ثم نادت بعض الخدم فجاءوها ~~بالطعام، وكانت لم تذق طعاما من صباح ذلك اليوم، فأكلت ثم جلست والقهرمانة تحادثها وتسألها ~~أسئلة كثيرة ومريم تجيبها وهي في شغل بما جال في خاطرها من أمر هانئ، وكلما تذكرته خفق ~~قلبها وأسرعت ضرباته فلما رأتها القهرمانة قلقة منقبضة، حسبت ذلك من أثر الوحشة، وتذكرت ما ~~أوصى به عبد الرحمن من إكرامها، ففكرت في طريقة تدخل البهجة في نفسها، وبعد أعمال الفكرة ~~مدة ومريم صامتة قالت العجوز: «يظهر أن حديث العجائز لم يرق لك وقد أوصاني الأمير بإكرامك ~~ورعايتك، ولعل من أسباب شعورك بالوحشة قرب عهدك بالأسر ويسوءك أنك أخذت من أهلك، فاعلمي أنك ~~ستكونين عندنا كأنك بين أهلك، وإني سأدعو لك من نساء هذا الخباء امرأة أصلها من أهل هذه ~~البلاد، وقد تعلمت العربية، وهي بارعة الجمال ولها منزلة رفيعة عند الأمير فأظنك إذا لقيتها ~~استأنست بها.» قالت ذلك وصفقت فدخل خصي من الصقالبة وتأدب في موقفه فقالت له: «قل لميمونة ~~إن القهرمانة تدعوك إليها.» فخرج الخصي فالتفتت القهرمانة إلى مريم وقالت: «أظنك تستأنسين ~~بميمونة؛ لأنها من أعز أهل هذا الخباء على ms041 الأمير وهي في الأصل من جواري لمباجة بنت الدوق ~~أود صاحب هذه البلاد، أظنك تعرفين حكايته مع المنيذر الإفريقي أحد أمراء المسلمين الذي كان ~~واليا في الجبال على حدود إسبانيا وكان قد أبرم مع الدوق أود معاهدة لا تعرف فحواها، ~~ولكننا علمنا أن أود زوج ابنته للمنيذر المذكور، فخشي أميرنا عبد الرحمن مما ينطوي عليه ذلك ~~الاتفاق، فلما مر بالجبال وهو قادم لهذا الفتح قتل المنيذر واستولى الجند على أمواله ونسائه ~~وأرسلوا امرأته لمباجة إلى الخليفة في دمشق، فكان من نصيب الأمير عبد الرحمن ميمونة هذه، ~~ويقال إنها كانت أعز جواري لمباجة إليها وأشبههن بها جمالا وقدا وتعقلا، وسترينها ~~الساعة.» # الفصل الخامس عشر # | ميمونة # ولم تتم القهرمانة كلامها حتى دخل الخصي ولم يتكلم فعلمت أن ميمونة قادمة في أثره، ثم ~~دخلت ميمونة وعليها ثوب أرجواني واسع الكمين طويل الأردان ينسحب وراءها مع طول قامتها ~~واعتدالها، ولها شعر ذهبي طويل قد ضمته حزمة واحدة وأرسلته على ظهرها، ولو تأملته جيدا ~~لرأيته ذهبيا ناصعا، وإذا تفرست فيه وأنت إلى جانبها رأيت فيه ميلا إلى الشقرة اللامعة، ~~ومع ذلك فقد كانت سوداء العينين واسعتهما طويلة الأهداب سوداءها، وترى في عينيها لمعانا ~~يدل على الذكاء والدهاء أكثر مما يدل على الصدق والوفاء، وكانت صغيرة الأنف مطمئنة الفم، ~~رقيقة الشفتين، بارزة الذقن، بيضاء البشرة، وخصوصا العنق مع صفاء اللون، فلم تتمالك مريم ~~عند وقوع نظرها عليها من الإعجاب بما يتجلى على وجهها من الهيبة والجمال، ورأت نفسها مظلمة ~~منقبضة بما التفت به من الكساء الأسود. # فلما دخلت ميمونة ووقع نظرها على مريم هشت لها وابتسمت ابتسامة انفتح لها قلب الفتاة، ~~وأحست للحال بأنس أنساها ما كانت فيه من القلق، وأجابتها بابتسامة يتوسم المتفرس فيها غير ~~ما يتوسمه في ابتسامة تلك، ولا يميز ذلك إلا الناقد البصير، دنت ميمونة من مريم وحيتها ~~ورحبت بها كأنها كانت على موعد من لقائها أو كأنها تعرفها من زمن طويل، فازدادت مريم ~~استئناسا وطمأنينة ونسيت ما سبق إلى ذهنها من ms042 التهيب عند مقابلة القهرمانة، أما هذه فإنها ~~عندما دخلت ميمونة خاطبت مريم قائلة: «هذه هي ميمونة التي أخبرتك عنها الساعة فأرجو أن ~~تستأنسي بها وترتاحي إلى مجالستها.» وأشارت إلى ميمونة وقالت: «هذه ضيفة الأمير عبد الرحمن ~~قد بعث بها إلينا وأوصانا برعايتها.» # فجلست ميمونة إلى جانب مريم وهي تقول: «أهلا بالضيفة الكريمة، من أين أتيت يا حبيبتي؟» ~~قالت ذلك بكلام عربي تخالطه لهجة إفرنجية، فأدركت مريم من ملامح وجهها ومن لهجتها أنها ~~إفرنجية الأصل كما قالت لها القهرمانة فأجابتها: «قد كنت في جملة أهل بوردو الذين قضي عليهم ~~بالوقوع في أسر هذا الجند.» # قالت: «هل قبضوا عليك وحدك وليس معك أحد من أهلك؟» # قالت: «كلا ولكنهم قبضوا على والدتي أيضا وخادم شيخ تركته مع خدم هذا الخباء ~~خارجا.» # قالت: «أراك تتكلمين العربية جيدا وتقولين إنك من أهل بوردو فكيف ذلك؟» # قالت: «لا أدري السبب ولكن هذا هو الواقع.» قالت ذلك وهي تعلم أن والدتها لا تريد التصريح ~~بأكثر منه. # فقالت: «وهل قتل أبوك في هذا الفتح؟» # قالت: «كلا.» # فقالت: «وهل أسر؟ أو فر؟» # فسكتت وأومأت برأسها أن: «لا هذا ولا ذاك.» # فأدركت ميمونة أن والدها توفي من قبل، ولكنها لم تكتف بذلك فقالت: «وما اسم والدتك، لعلي ~~أعرفها؟» # قالت: «اسمها سالمة.» # قالت: «هي إذن عربية.» # قالت: «لا أدري.» # وكانت ميمونة في أثناء تلك المحادثة تتفرس في وجه تلك الفتاة وتستحث ذاكرتها لتستحضر صورة ~~مثل صورتها، إذ خيل لها أنها تعرفها من قبل وأطالت السؤال لعلها تستدل على ذلك من كلامها، ~~فلما رأتها قطعت الحديث بقولها: «لا أدري.» عدلت عن زيادة البحث، والتفتت إلى القهرمانة ~~فرأتها قد أدلت رأسها على صدرها ونامت وأخذت في الشخير، فقالت لمريم: «هلم بنا إلى غرفتي ~~فتمكثين عندي أثناء هذه الضيافة.» # فأطاعتها مريم ونهضت معها، وتحولت إلى غرفة من غرف الخباء فجلستا هناك، وقد عادت ميمونة ~~تستنجد بذاكرتها لعلها تستحضر صورة ذلك الوجه وأين شاهدته، ومريم في غفلة عن ذلك وفي شاغل ~~مما عاد إلى ذهنها ms043 من الهواجس بشأن هانئ وما تركه في فؤادها من لواعج الحب، فغلب الانقباض ~~عليها وبدت في وجهها ملامح الاضطراب. # وظلتا صامتتين مدة وكل منهما تضطرب في أحلامها، وإذا بصوت القهرمانة يقرع الآذان وهي ~~تنادي: «ميمونة مريم.» # الفصل السادس عشر # | سران # فذعرتا وخافت ميمونة من غضب القهرمانة لئلا تعد خروجها من عندها على تلك الصورة ذنبا، ~~فتشكوها إلى الأمير أو تسيء معاملتها؛ لأنها الآمرة الناهية في أهل ذلك الخباء وللقهرمانات ~~نفوذ عظيم في بيوت الأمراء والخلفاء والسلاطين في كل العصور، وإذا كان الأمير أو الخليفة ~~ضعيفا أصبحت القهرمانة صاحبة الأمر والنهي حتى في أعمال الحكومة، تعزل وتولي وتسجن وتطلق ~~كما تشاء فلما سمعت ميمونة نداءها نهضت للحال، فنهضت مريم معها ومشيتا نحو القاعة ودخلتا، ~~وإذا هناك امرأة بلباس أسود يجللها من رأسها إلى قدمها فلما رأتها علمت أنها والدتها فتقدمت ~~إليها وسلمت عليها فقبلتها سالمة، أما ميمونة فلم تكد تتفرس في وجه سالمة حتى انجلت لها ~~الصورة التي كانت تستحث الذاكرة في استحضارها، فبدت في وجهها أمارات الاضطراب والبغتة ~~ولكنها تغلبت على عواطفها وتقدمت للسلام على سالمة وهي تهش لها وترحب بها، أما سالمة فحين ~~وقع نظرها على ميمونة عرفتها فخفق قلبها دهشة؛ لأنها لم تكن تتوقع أن ترى ذلك الوجه هناك ~~ولا في أوروبا، فردت السلام عليها ببرود وهي تتفرس في وجهها لتحقق ظنها فيها، وميمونة ~~تغالطها بعبارات الترحاب والمجاملة والممازحة كقولها: «لقد سرني أنك هنا سرورا مزدوجا ~~لسببين: الأول أنني استأنست بك وفرحت لفرح حبيبتي مريم برؤيتك، وإن لم يسبق لي شرف التعرف ~~إليك، والثاني؛ لأن نداء خالتي القهرمانة لم يكن نتيجة غضب علي.» قالت ذلك وضحكت وتشاغلت ~~بإصلاح شعرها هنيهة، ثم عادت إلى الكلام وهي تعبث بكم ثوبها وتضحك وعيناها تبرقان، وقالت: ~~«مرحبا بك، لقد أتيت أهلا فعسى أن نقضي مدة إقامتنا هنا معا بسرور.» # ثم وضعت ميمونة يدها على كتف مريم كأنها تحاول ضمها إليها، وقالت: «ولا تلوميني إذا أحببت ~~ابنتك من أول نظرة فإنها تعشق لما ms044 خصتها به العناية الإلهية من اللطف والجمال، فلا غرو إذا ~~لاقت من الأمير عبد الرحمن هذه العناية والإكرام.» # وكانت ميمونة تتكلم وهي تضحك في ظرف، وسالمة تحدق فيها وتتبين لهجة كلامها ونغمة صوتها ~~لتحقق ظنها في معرفتها، واستغرقت في التفكير وتحيرت فيما تعمله بعد أن علمت حقيقة تلك ~~المرأة التي سمت نفسها ميمونة وما هي ميمونة، وتظاهرت بأنها من جملة نساء ذلك الجند ~~الداعيات بدعوة المسلمين، وقد تكون بلاء كبيرا على الجند وأهله فتحيرت سالمة بين أن تكشف ~~أمرها أو أن تكتم خبرها وتتجاهل على أنها لاحظت من ناحية أخرى أن ميمونة عرفتها وعرفت ~~حقيقتها، فخشيت أن تبوح بها إلى أحد وهي تود بقاء أمرها مكتوما كما علمت، فعزمت على ~~التجاهل مؤقتا لترى ما يكون فقالت: «إنه ليسرني أيضا أن تلازم ابنتي أختا حنونة مثلك، وأن ~~تكون في رعاية الخالة، أيدها الله.» قالت ذلك وأشارت إلى القهرمانة فضحكت العجوز حتى بانت ~~لثتها وليس فيها من الأسنان القواطع إلا اثنتان، واحدة في الفك العلوي، والأخرى في الفك ~~الأسفل، وبينهما ثغرة مربعة الشكل ثم قالت: «إن ابنتك يا سالمة ضيفة عندي وما للضيف غير ~~الكرامة، وليست هي من نساء هذا الخباء أو سراريه أو جواريه ليجري عليها الأمر ~~والنهي.» # فقطعت سالمة كلامها قائلة: «لا أعدها إلا تحت أمرك، وإذا شئت أن تعتبريها ابنة لك كان ذلك ~~من بعض فضلك.» فهمت القهرمانة بالوقوف وهي لبدانتها لا تستطيع النهوض إلا بالاعتماد على ~~يديها والتوكؤ كأنها تحمل حملا أثقل كاهلها، فلما قاربت الوقوف، قالت: «هي ابنتي وأعز من ~~ابنتي، ولذلك فإني عهدت برعايتها إلى أحب أهل هذا الخباء للأمير عبد الرحمن.» وأشارت إلى ~~ميمونة. # فأتمت ميمونة عبارتها قائلة: «كوني مطمئنة يا سالمة، فإن مريم عندنا كأنها في رعايتك ومن ~~يستطيع أن يرى هذا الوجه ولا يحبه ويتعشقه، ولا يغرك مجيئها إلينا باسم الضيفة، فان الأمير ~~لا يلبث أن يراها حتى يتعلق بها ويود استبقاءها عنده، فيزيد بذلك سرورنا ونفرح ببقائها ~~بيننا.» قالت ذلك ونظرت إلى ms045 مريم وابتسمت. # فلما سمعت مريم ذلك بدت البغتة في وجهها، وخشيت أن يصح قولها فتخسر حبيبها وتضيع آمالها ~~فتصاعد الدم إلى وجهها حتى اصطبغ وأطرقت، فظنت ميمونة أنها أطرقت حياء على عادة الفتيات إذا ~~خوطبن بمثل ذلك. # فقطعت القهرمانة الحديث بقولها: «هلم بنا الآن إلى النوم، فقد مضى معظم الليل.» وصفقت ~~فخالط صوت التصفيق خشخشة الأساور والدمالج، وجاء أحد الخصيان فقالت له: «أعد غرفة خاصة ~~بالضيفتين.» # فقالت ميمونة للقهرمانة: «اجعليها بقرب غرفتي إن لم تكن هي نفسها؛ لأني قد استأنست ~~بالحبيبة مريم وهي استأنست بي.» فأشارت القهرمانة إلى الخصي أن يفعل. # الفصل السابع عشر # | العقد # وبعد قليل عاد الغلام وقال إنه أعد كل شيء، فانصرفن جميعا وسارت سالمة ومريم في أثر ~~الغلام نحو الغرفة، وقبل أن تصلا إليها سمعتا صهيل فرس اختلج له قلب مريم اختلاجا سريعا؛ ~~لأنه يشبه صهيل جواد هانئ، فلم تتمالك أن سألت والدتها قائلة: «كأني أسمع صهيل فرس الأمير ~~هانئ، فهل هو هنا؟» # قالت: «لقد جاء معي إلى هذا المكان، وكنت أحسبه قد عاد فور وصوله؛ لأنه سائر في مهمة ذات ~~بال تتعلق بأسقف بوردو، فالظاهر أنه في شغل مؤقت هنا، ثم ينصرف.» # فتوسمت مريم من بقائه هناك خيرا، ودلها قلبها على أنه إنما بقي لمشاهدتها، فانشغل خاطرها ~~في ذلك الأمر، وظهر الارتباك على وجهها ولو تفرست أمها فيها لرأت في عينيها ارتباكا ~~وتفكيرا وقلقا، ولكنها لم تنتبه لشيء من ذلك لانشغالها بأمر نفسها واستعدادها للمسير في ~~الغد إلى بوردو. # أما القهرمانة، فلما خلت بنفسها أخرجت من جيبها منديلا مطويا على شيء في داخله، ومشت ~~نحو المصباح وفتحت المنديل، وأخرجت منه عقدا من اللؤلؤ بسلاسل من الذهب، وفي وسط العقد ~~صليب من الذهب مرصع بالياقوت والماس على شكل بديع، فوضعت العقد على كفها تقلبه وهي تبتسم ~~وتقول في نفسها: «لا بد من غرض لهانئ في إهدائه هذا العقد لي، وإلا فليس في وجهي ولا في ~~قامتي ما يدعو إلى الشغف أو العشق، ولا هو يحتاج إلى ms046 وساطتي لدى عبد الرحمن؛ لأنه صاحب ~~الكلمة النافذة عنده.» ثم أمسكت العقد بأحد طرفيه بين إصبعيها ورفعته أمام المصباح فأبرق ~~بما فيه من الحجارة الكريمة، فقالت: «لا شك أن هذا العقد من جملة ما أصاب هانئ من الغنائم ~~في وقعة اليوم، فلا يهمه أن يتنازل عنه ولكن لا بد له من غرض في إهدائه.» ثم تنبهت بغتة ~~وقالت في نفسها: «عرفت غرضه ولا بأس به.» ثم صفقت فدخل غلامها فقالت له: «قل للأمير هانئ أن ~~يوافيني إلى غرفتي من بابها الخارجي خذ بيده إلى هناك.» قالت ذلك وأعادت العقد إلى جيبها، ~~ومشت نحو الغرفة وهي تتوكأ وتترجرج فوصلت إليها قبل هانئ بقليل، فجلست على وسادة بجانب جدار ~~الخباء، ثم أقبل هانئ وعلى رأسه بدل العمامة خوذة من الفولاذ، وقد أرخى العباءة فانفتحت عن ~~صدره فبانت الدرع من تحتها، وحول خصره حمائل يتدلى منها سيفه المعهود دخل مسرعا حتى اقترب ~~من القهرمانة وهي جالسة لم تتحرك ولكنها قالت له: «مرحبا بالأمير هانئ تفضل اجلس.» # قال: «لا صبر لي على الجلوس يا خالة؛ لأني ذاهب في مهمة عاجلة وقد أحببت أن أراك قبل ~~ذهابي.» # قالت: «بورك فيك يا بني، هل من حاجة أقضيها لك؟» # فتبسم هانئ وقال: «لي حاجة سهلة جدا لا أظنك تضنين بها علي.» # قالت: «وما هي؟» # قال: «أرأيت مريم؟ أحب أن أراها وأخاطبها ساعة بحضورك حتى تكوني على بينة من سلامة ~~نيتي.» # قالت: «أتراها الآن؟» # قال: «كلا غدا صباحا بعد ذهاب والدتها ولست أشك في أنك ستجيبين سؤالي، وليس فيه ما يخشى ~~منه عليك.» # فتنحنحت القهرمانة وضحكت، وأشارت بعينيها أنها ستفعل ما يريده، فهم بيدها ليقبلها، ~~فمنعته فخرج وانصرف. # أما مريم فقد تركناها مع والدتها في طريقهما إلى مكان النوم وهي غارقة في بحار الهواجس ~~ووالدتها لا تخاطبها، فوصلت إلى غرفة جدرانها الأربعة من القماش السميك وفي أرضها بساط عليه ~~فراش، وعلى أحد جدران الحجرة ركوة لشرب الماء معلقة بخيط، فجلستا على الفراش ومريم لا تزال ~~ساكتة، فلما استقر ms047 بهما الجلوس قالت سالمة: «نحمد الله يا بنية على نجاتنا من هذه الوقعة ~~ونجاحنا في إقناع أمير هذا الجند بما نريده وفيه خيره وخير هذه البلاد واعلمي يا مريم أني ~~ذاهبة في صباح الغد إلى أسقف بوردو، وربما أبقى عنده يوما أو يومين لقضاء بعض المهام، فهل ~~يشق عليك هذا الفراق؟» # فقالت مريم: «ولماذا هذا الغياب؟ وما هي تلك المهام التي تقتضي أياما للفراغ منها؟ وأنا ~~لم أفارقك قبل اليوم مطلقا، فهل أستطيع البقاء وحدي بين أناس لا أعرفهم اتركي إذن عندي ~~حسانا فإني أستأنس به.» # قالت: «إني في حاجة إليه في هذه المهمة وإلا فإن غيابي يطول كثيرا.» # قالت: «لقد شغلت بالي هل تكشفين لي عن سبب ذلك الغياب؟» # قالت: «لا أخفي عليك يا بنية أني اتفقت مع الأمير عبد الرحمن على أن أكون واسطة بينه وبين ~~الغاليين سكان هذه البلاد الأصليين، على شرط أن يعاملهم بالرفق والإحسان كما عامل موسى بن ~~نصير وابنه عبد العزيز نصارى الأندلس عند فتحها، وأنا ذاهبة في صباح الغد إلى أسقف بوردو ~~فألاقيه بعد أن تكون الآنية قد وصلته وتأكد من صدق أمير المسلمين، فأستعين به وأستعين بسواه ~~من سراة هذه المدينة في إقناع سراة البلاد الأخرى، وأساقفتها وكهنتها بأن المسلمين خير لهم ~~من أود وغيره من أمراء الإفرنج، وأنا أعتقد أنهم إذا وافقوني على ذلك أفلحوا واعلمي يا مريم ~~أني كاشفتك بسر يجب أن يبقى مكتوما عن الجميع.» # ولم تكن مريم تهتم بهذا الحديث مع أهميته لما جاش في خاطرها من أمر هانئ، وودت لو أنها ~~تعود إلى ذكره لعلها تستطلع شيئا من أمره، ولكنها لم تستطع ذلك؛ لأن والدتها نهضت لتبديل ~~ثيابها التماسا للنوم فسايرتها مريم وذهبت إلى فراشها، ولكنها لم يغمض لها جفن معظم ذلك ~~الليل، وهي تتوقع أن يناديها هانئ أو يناديها أحد عنه، فلما طال انتظارها يئست من ذلك. # الفصل الثامن عشر # | دسيسة # أما ميمونة فإنها ذهبت إلى مضجعها بإزاء مضجع سالمة لا يفصل بينهما إلا الجدار، وكانت ms048 ~~مضطربة الخاطر لما شاهدته من سالمة، فلقد بدا لها أنها لم تدخل ذلك المعسكر إلا لأمر هام ~~فتظاهرت بالسكون وأصغت لما عساه أن يدور من الحديث بين سالمة وابنتها، فسمعت ما دار بينهما ~~فلما اطلعت على السر أهمها أمره كثيرا؛ لأنه يحول دون الغرض الذي من أجله رافقت تلك الحملة ~~فباتت وهي تدبر الحيل وتهيئ الشراك. # وقبل أن ينبلج الصباح نهضت ميمونة من فراشها وتزملت بردائها وتظاهرت بالخروج إلى خباء ~~بالقرب من خباء الأمير، وكانت على موعد في كل صباح مع رجل من الجند تزعم أنه كان من غلمانها ~~يوم كانت بمعية لمباجة في أيام المنيذر الإفريقي، فرأت في أثناء خروجها فارسا قادما من ~~المعسكر عرفت من زيه ولون جواده أنه هانئ، فاستغربت قدومه في ذلك الصباح، فلما توارى عن ~~بصرها ذهبت إلى موعدها، فمكثت هناك حتى جاءها الرجل وهو بربري عليه ثياب الجند قصير القامة ~~خفيف الشعر خفيف العضل، في الثلاثين من عمره، وفي عينه حول شديد فإذا نظر إليك يوهمك أنه ~~ينظر إلى رجل على مسافة بعيدة منك، فلما أقبل عليها تبسم وأشار بحاجبيه وبعينه الشاردة أنه ~~في شوق شديد إلى رؤيتها وأنه قتيل هواها. # فابتسمت ميمونة له وأظهرت الدلال وقالت له: «يظهر يا عدلان أنك نسيت سيدتك وتغافلت عن ~~وعدك، فإن الغنائم شغلتك عن ميمونة وظننتها تنسى مثلك.» # فأعجبه ذلك العتاب واستدل من ورائه على ما له من المنزلة عند تلك الحورية ربة الجمال، وقد ~~كان يعلم أن بينه وبينها فارقا كبيرا، ولكنه كان يطمع في حبها وكان يقنعه من ذلك الحب أن ~~يسمع مثل تلك العبارة، فهو ممن يسمونهم «أذناب العشاق»؛ لأن العشاق ثلاثة: عاشق لا يقنع ~~بغير الحب المتبادل الذي يملأ القلبين، وعويشق يقنعه أن يقدم لمعشوقته باقة من الأزهار أو ~~عقدا من الجوهر، ويكفيه منها قبول هديته ولا مطمع له فيما وراء ذلك، و«ذنب العشاق» وهمه أن ~~يخدم معشوقته خدمة تروقها، كإيصال كتاب، أو ابتياع بعض حاجات الطعام، أو نحو ذلك، وكان ~~عدلان من ms049 النوع الثالث وقد جعله يعشقها ويتفانى في خدمتها، ما كانت تبديه له من التلطف، حتى ~~أطلعته على بعض سرها، ووعدته بالرضا التام حين يتمم لها خدمة وعدها بإتمامها منذ تشتت شملها ~~بقتل المنيذر الإفريقي الذي ذكرناه في غير هذا المكان، فلما سمعها تعاتبه وتستعطفه ابتدرها ~~بالجواب وهو ينظر إلى وجهها الجميل نظر المحب الولهان وقال: «كيف تقولين ذلك يا مولاتي وأنت ~~تعلمين اندفاعي إلى خدمتك منذ أعوام، وأما الغنائم فلا يخفى عليك ما تركه أولئك العرب منها ~~خصوصا اليوم، فإنهم بعد أن وزعوا الغنائم بيننا عادوا فاسترجعوها وأهانوا الأمير بسطاما ~~إهانة ليس بعدها إهانة.» # قالت: «الأمير بسطام؟ وكيف تركته يقبل ذلك، ولماذا لم تحرضه على المطالبة بحقه إلى متى ~~هذا الذل؟» # قال: «لقد حرضته ولكن غريمه صعب لا ينال.» # قالت: «ومن هو غريمه؟» # قال: «هو الأمير هانئ نفسه وأظنك رأيته قادما على هذا الصباح إلى هذا الخباء.» # قالت: «نعم رأيته ولماذا قدم؟» # قال: «قدم لتلك الفتاة الجميلة التي بعثها الأمير عبد الرحمن إليكم بالأمس فإنها غنيمة ~~الأمير بسطام، وقد أخذها الأمير هانئ رغم أنفه وساعده الأمير عبد الرحمن على ذلك.» # فقالت: «وهل رضيت هي بهذا العربي وفضلته على ذلك الأمير؟» # قال: «يظهر أنها أحبت هانئا وتعلقت به.» # فأدركت ميمونة أن الحب قد تمكن بين مريم وهانئ وأن هانئا إنما جاء في ذلك الصباح ~~لمقابلتها، فرأت أن تغتنم تلك الفرصة وتدس الدسائس وتوقع الخصام بين الأميرين فقالت: «وهل ~~رضي بسطام بهذا الذل؟ وكيف يرضى أن تخرج فريسته من بيد يديه ويصبر على الهوان؟ إذا قبل هو ~~ذلك فأنا لا أقبل، هل لك أن تخبره أني سأبذل غاية جهدي لأرجع هذه الفتاة إليه؟ قل له ذلك ~~دون أن تشعره بما دار بيني وبينك، هل فهمت يا عدلان؟ إنه يسوءني أن يستأثر هؤلاء العرب ~~بالطيبات ويحملونكم الأثقال والأخطار فتفتحون لهم الحصون وتجمعون لهم الغنائم، ثم لا تنالون ~~غير التعب والشقاء، ولكن لا بأس، سوف ترى مني ما يسرك.» ثم رأت وهي تخاطبه فارسا ms050 خارجا من ~~خباء الأمير عرفت من سواد ثيابه أنها سالمة تنطلق في مهمتها، وثبت لها ذلك من مسير حسان في ~~ركابها وهو يعدو خلفها، فعلمت أن هانئا سيظفر بعد ذهاب سالمة بلقاء مريم فقطعت ميمونة ~~حديثها مع عدلان بقولها: «اذهب أنت الآن في حراسة الله.» قالت ذلك وتحولت نحو الخباء على ~~عجل، وظل هو واقفا ينظر إلى قامتها ويتمتع بمنظر ذلك الشعر الجميل حتى إذا كادت تتوارى ~~التفتت نحوه وابتسمت، فأحس كأنها ملكته الأرض وما عليها وخفق قلبه ابتهاجا، وعاد. # أما هي فلما أيقنت بوقوع التنافر بين هانئ وبسطام، عادت إلى التفكير في وسيلة للإيقاع بين ~~هانئ وعبد الرحمن، ليتم لها إفساد أمر ذلك الجيش الكبير لعلمها أن فوزه إنما يقوم على اتحاد ~~هذين الأميرين، وكانت قد علمت أن عبد الرحمن إنما أرسل مريم إلى الخباء لتكون في مأمن من ~~سواه، وعلمت أن «حب» هانئ لمريم يسوء عبد الرحمن، فعزمت على إشعال نيران الغيرة بينهما، ~~فسارت توا إلى غرفة مريم فلم تجدها وبحثت عن القهرمانة فقيل لها إنها في غرفتها، فتحقق ~~ظنها فعادت إلى غرفتها مسرعة وقد خطرت لها حيلة ظنت أنها تنال بها مأربها، فنادت غلاما من ~~غلمان الخباء كان في الأصل من غلمان المنيذر الإفريقي، وأخذ في جملة من أخذ من الأسرى، ~~وأصله من الإفرنج الذين أتوا مع لمباجة بنت أود يوم زواجها بالمنيذر، ولما أخذت ميمونة ظل ~~هو في جملة الخدم، وقد استبقته هي لخدمتها والاستعانة به عند الحاجة، فلما جاء الغلام قالت ~~له: «أسرع يا داود إلى الأمير عبد الرحمن، هل لك أجنحة لتطير بها إليه؟» # قال: «نعم يا مولاتي.» # قالت: «طر إليه على عجل، وقل له إن ميمونة تقرئك السلام وتقول لك بادر إليها الآن لأمر ~~هام تريد أن تطلعك عليه في هذه الساعة.» # فقال: «حبا وكرامة.» وتحول وسار وهو يثب كالغزال النافر متجها نحو المعسكر، وجلست ~~ميمونة في مكان ترى منه كل من يخرج من الخباء. # الفصل التاسع عشر # | لقاء الحبيبين # أما هانئ فإنه ms051 جاء إلى الخباء مبكرا - كما رأيت - لشدة شوقه إلى لقاء مريم، ولا نظنه قد ~~نام كثيرا في تلك الليلة، ولما وصل إلى غرفة القهرمانة استقبلته واستمهلته ريثما تنصرف ~~سالمة، وسارت إلى سالمة حتى تهيأت للخروج فودعتها فأوصتها سالمة بابنتها خيرا وركبت وسار ~~حسان في ركابها، فعادت القهرمانة وقد سرها ألا تكون ميمونة في الخباء لئلا تطلع على سر تلك ~~المقابلة، فلما مضت سالمة صحبت مريم إلى غرفتها فمشت معها وهي تفكر في هانئ وبعده عنها، ~~فلما دخلت الغرفة ورأته هناك بغتت وتصاعد الدم إلى وجنتيها، وغلب عليها الحياء فأرسلت ~~خمارها على عينيها، وأطرقت وقد صبغ الحياء وجهها فأضفى عليها ذلك مزيدا من الجمال ~~والجاذبية في عيني هانئ، أما هو فقد كان أثناء انتظاره في الغرفة على مثل الجمر، وقد خيل ~~إليه أن الساعة التي مضت في أثناء انتظارها بضعة شهور، فلما سمع وسوسة الخلاخل والدمالج ~~وراء جدران الغرفة علم أن القهرمانة قادمة، ثم ما لبث أن رآها تدخل ومريم في أثرها، فلما ~~رأى اصطباغ وجه مريم بالحياء زاد هياما بها فنهض لاستقبالها، فسمع القهرمانة تقول وهي ~~تتظاهر بأن وجوده كان هناك اتفاقا: «ما الذي جاء بك في هذا الصباح يا حضرة الأمير؟» # قال: «لقد جئت لأرى وجهك يا خالة.» # فضحكت القهرمانة وقالت: «لا أظن أن وجهي تعجبك تجعداته، وكأني قد علمت بقدومك فأتيت إليك ~~بهذا الوجه، فهل تعرفه؟» # فابتسم هانئ وقد غلب عليه الغرام وقال: «لقد عرفته وكلفت به ولكن هل هو يعرفني؟ لست ~~أدري.» # وكانت مريم مطرقة، فلما سمعت كلامه رفعت بصرها ونظرت إليه - بعينين قد أذبلهما الغرام ~~وتلألأ فيهما ماء الحب - نظرة تغني عن خطاب، فلم يتمالك هانئ عند ذلك أن قال: «فهمت ~~الجواب.» # فضحكت القهرمانة وأمسكت بيد مريم وأجلستها وقالت وهي تحاول الجلوس: «ما أسرع ما فهمت ~~جوابها وهي لم تتكلم.» # فجلس هانئ وهو يلتف بعباءته ويصلح عمامته وكان قد أبدلها بالخوذة في ذلك الصباح وقال: ~~«لقد دلني قلبي يا خالة.» # ثم التفت إلى مريم وقال: «لا ms052 تخافي يا مريم، إنني لم آت لأزعجك وإنما جئت لأتحقق مما ~~حدثتني نفسي به، حتى إذا صدق ظني وخدمني حظي وقفت نفسي لخدمتك وجعلتك أسعد الناس، إلا إذا ~~كان هذا الخبر يسوءك.» # فتنهدت مريم تسكينا لما جاش في صدرها من الخفقان مما لم تعهده من قبل، وهمت بالكلام ~~فمنعها الحياء، وكانت لا تبالي إن لقيت الرجال في ساحة الوغى، فكيف تلعثم لسانها بين يدي ~~رجل يتمنى رضاها ويتوقع كلمة منها ليتغنى بها ويجعلها تعويذة له ولكن هو الحب يذل النفوس ~~ويلعثم ألسنة الفصحاء، وظهر من خلال شفتي مريم مع ذلك أنها تكتم أمرا تود التصريح به لولا ~~الحياء، فأدرك هانئ ذلك فيها فتوجه بكليته نحوها وقال وقد أخذ الهيام منه مأخذا عظيما: ~~«قولي، يا مريم، لا تخافي ولا تكتمي عني شيئا فإن خالتي القهرمانة لا يستحى منها، بل هي ~~خزانة أسرارنا، قولي هل تحبينني؟» # فالتفتت إليه وتجلدت وقالت: «وما الفائدة من الحب إذا لم يكن متبادلا، وأنتم معشر الأمراء ~~قد تعودتم اقتناء النساء بالعشرات، والحب لا يكون صحيحا إلا إذا كان بين اثنين ليس معهما ~~ثالث.» # فبغت هانئ لهذا التعريض وهو لا يرى له محلا وقال: «لست من هؤلاء يا مريم، وهذه الخالة ~~تعلم أني بلغت هذه السن ولم أتخذ زوجة ولا جارية ولا سرية، اسأليها تنبئك فإنها مطلعة على ~~أحوال سائر الأمراء في هذا الجند، فإن لكل واحد منهم خباء لنسائه وجواريه، وأما أنا فلا ~~خباء لي ولا أحببت امرأة ولا فتاة ولم يكن يخطر ذلك ببالي قبل أن رأيتك في صباح الأمس فعزمت ~~على أن تكوني نصيبي في هذه الدنيا، وتأكيدا لذلك فإني أعاهدك من هذه الساعة على أني لا ~~أميل إلى سواك فهل تعاهدينني أنت أيضا؟» # فأبرقت أسارير مريم وأشرق وجهها، وتجلت في عينيها وحول فمها ابتسامة طار عقل هانئ لها، ~~وخفق قلبه سرورا وقال: «ولكن لي شرطا واحدا عليك وعلى نفسي وهو أني لن أتمم شيئا قبل ~~الفراغ من هذه الحرب فإذا عدنا منها فائزين، ونحن ms053 فائزون، بإذن الله، كان ما نتمناه فهل ~~تعاهدينني على ذلك؟» # فقالت وهي مطرقة حياء: «وذلك هو الشرط الذي أشرطه أنا أيضا؛ لأنني إذا فزت بك، أكون عند ~~ذلك قد نلت السعادتين.» # فقال: «فلنتعاهد إذن على هذا الشرط.» ومد يده نحوها ببطء وهي ترتجف من شدة التأثر، ~~فأمسكها بيده وضغط عليها فأحس كلاهما بتيار كهربائي ارتعدت له فرائصهما، ثم نهض هانئ وهو ~~يقول: «لا بد لي من الذهاب الساعة إلى المعسكر لنتأهب للقاء العدو، وأعدك أني سأبلو في ساحة ~~القتال بلاء الأبطال لعلمي أن ذلك يسرك فادعي لي بالنصر.» # ثم مد يده إلى كمه وأخرج قارورة تفوح منها رائحة الطيب قوية، وقدمها إلى مريم وهو يقول: ~~«وهذه قارورة من طيب خاص ليس مثلها عند أحد في هذا الخباء تطيبي بها وحدك، حتى إذا أتيت ~~لزيارتك تنسمت ريحك قبل وصولي إليك فأستدل على وجودك قبل أن أراك، وأنت أيضا كلما شممت ~~رائحة هذا الطيب تتذكرين قتيل هواك.» قال ذلك وعيناه تتلألآن من شدة الهيام، ونظر إليها نظر ~~المحب الولهان. # فمدت يدها وتناولت القارورة وهي تبتسم، ثم تذكرت فراقه لها في تلك الساعة فانقبضت نفسها، ~~فالتفتت نحو السماء وترقرقت في عينيها العبرات. # وكانت القهرمانة في أثناء ذلك الحديث قد استغرقت في النوم وهي جالسة؛ لأنه لا يهمها في ~~هذا الاجتماع إلا ما نالته من التحف وما ترجوه من الهدايا المتواصلة، وبينما هي غارقة في ~~أحلامها علت الضوضاء خارج الخباء فانتبهت فسمعت قرقعة اللجم ودبدبة الخيل فبغتت وبغت هانئ ~~ومريم، وقبل أن تنهض سالمة سمعت أحد الغلمان يصيح في الخارج: «أين السيدة ~~القهرمانة؟» # فنهضت القهرمانة وصاحت: «من يناديني؟» وخرجت فاستقبلها أحد الغلمان وهو يقول: «إن الأمير ~~عبد الرحمن يدعوك إليه.» # فقالت وقد علتها الدهشة: «وأين هو؟» وهرولت نحو القاعة، فقال الغلام: «هو ينتظرك في ~~القاعة.» فعادت إلى هانئ وقالت: «أسرع يا مولاي إلى جوادك وامض قبل أن يراك الأمير هنا ~~فلربما شك في أمرك.» # فأكبر هانئ أن يخرج خروج الهارب فتجلد، وقال: «اذهبي أنت ms054 إليه ولا تخافي فإني خارج على ~~مهل.» # الفصل العشرون # | البغتة # فدخلت القهرمانة وقد أرادت أن ترسل مريم من باب آخر يؤدي إلى غرفتها وتسير هي توا إلى ~~القاعة لمقابلة الأمير عبد الرحمن. # وخرج هانئ من الباب الخارجي وهو رابط الجأش حتى وصل إلى جواده، وهم بأن يركبه فلقي بجانب ~~الجواد رجلا من ملازمي الأمير عبد الرحمن وقد أمسك بشكيمته، فلما دنا هانئ منه قال له: «إن ~~الأمير يطلب إليك أن توافيه إلى خيمته في المعسكر فإنه عائد إليها على عجل.» # فقال: «ومن أنبأه أني هنا؟» # قال: «عرف ذلك من جوادك.» # أما القهرمانة فلم تكد تخرج من حجرتها ومريم معها حتى لقيها عبد الرحمن، وكانت مريم قد ~~ازدادت بتلك البغتة احمرارا وتجلت دلائل الحب في عينيها مع ما يغشاهما من الدمع، فلما رأت ~~الأمير عبد الرحمن استردت جأشها ووقفت للسلام عليه. # أما هو فحالما رآها، تذكر والدتها فخاطبها أولا ولم يلتفت إلى القهرمانة وقال: «مريم أين ~~والدتك؟ هل سافرت؟» # قالت: «نعم يا مولاي سافرت في الصباح الباكر.» قالت ذلك بلثغتها المعهودة ولم يكن عبد ~~الرحمن قد سمعها تتكلم بعد، فأعجبته تلك اللثغة، وكان لفرط ذكائه وصدق فراسته قد رأى على ~~وجهها آثار البغتة وتذكر أنه رأى جواد هانئ بباب القهرمانة من الخارج فأدرك أن هانئا كان ~~هناك معها، فتظاهر عبد الرحمن بعدم المبالاة، وليثبت عدم مبالاته خاطب القهرمانة ببرود ~~وسذاجة قائلا: «وهل رجع الأمير هانئ؟» # فلما سمعت القهرمانة سؤاله لم تدر بماذا تجيبه وكاد يرتج عليها لو لم يتدارك الأمر هو ~~بقوله: «ولكن لا بأس من ذهابه فإني سألقاه بعد رجوعي.» ثم مشى نحو مريم وهو يخاطب القهرمانة ~~قائلا: «قد أوصيتك يا خالة بإكرام الضيفة، وأعيد التوصية الآن بأن تبالغي في رعايتها ~~وإكرامها ولا تمنعي عنها شيئا ولا تدعيها تستوحش في هذا الخباء فإنها أعز نسائه ~~عندي.» # فانبسطت نفس القهرمانة لذلك واطمأن بالها، وتبادر إلى ذهنها أن عبد الرحمن غافل عما حدث ~~من أمر هانئ ومريم وقالت: «إني فاعلة حسب أمر ms055 مولاي والحقيقة أن مريم لا يراها أحد إلا ~~أحبها وأكرمها.» # فقطع عبد الرحمن كلامها قائلا: «أين ميمونة؟ هل هي في غرفتها؟» # قالت: «أظنها هناك.» ومشت لتبحث عنها. # فقال لها عبد الرحمن: «امكثي هنا مع مريم أو امض بها إلى حيث تشائين، وأنا ذاهب إلى ~~ميمونة فإني أعرف مكانها.» # وكانت ميمونة قد رأت الأمير عبد الرحمن عند وصوله إلى هناك، وعلمت أنه رأى جواد هانئ ~~ورأته، يخاطب أحد غلمانه ويشير إلى ذلك الجواد، فدخلت وجعلت تتنسم ما عساه أن يكون من أمره ~~بعد أن يرى القهرمانة ومريم ومعهما هانئ، فشعرت أنه لقيهما خارجين من تلك الحجرة، وسمعت ما ~~دار بينه وبينهما فظنته لم يلحظ اجتماعهما فعزمت على التصريح بذلك. # أما عبد الرحمن فمشى يلتمس حجرة ميمونة والخدم يتناثرون بين يديه تهيبا، أو يقفون له ~~وقارا، حتى اقترب من باب الحجرة فتظاهرت ميمونة أنها قلقت لإبطائه في الوصول إليها، فأسرعت ~~إلى الباب وهي تبدو كأنها كانت في انتظاره على مثل الجمر، فلما أقبل حيته وتأدبت وعيناها ~~تنظران إليه نظر المحب العاشق بلا تصنع مع أنها غير عاشقة، وإنما كان ذلك منظر عينيها لما ~~فيهما من اللمعان مع ما تتكلفه من إظهار الوجد بالابتسام والإطراق فينخدع الناظر إليها ~~ويحسبها متفانية في حبه، ولا سيما إذا كان هو يحبها، أما عبد الرحمن فكان يستلطف ميمونة ~~كثيرا ويحب قربها، ولكنه كان ينظر إليها نظره إلى بعض جواريه، وكان من جهة أخرى قد عاهد ~~نفسه على ألا يقرب النساء حتى يفرغ من تلك الحرب ويقطع نهر لوار، فضلا عن اشتغال خاطره ~~بمهام الفتح عن مجالسة النساء ومسامرتهن، ولذلك قلما كان يأتي إلى الخباء، وإذا أتاه خص ~~ميمونة بلطفه ومداعبته وذلك لغرض في نفسه لم يكاشف به أحدا، وربما كانت قد أدركت غرضه ثم ~~تجاهلته، أو أنها تظاهرت بأنها تفعل ما يريده هو وتبتغي من ورائه مأربا لو تصوره عبد ~~الرحمن لعجل بها إلى الفناء. # الفصل الحادي والعشرون # | المكر المتبادل # علمت مما تقدم أن ميمونة سبية إفرنجية ms056 كانت في جملة خدم لمباجة بنت الكونت أود حاكم تلك ~~المقاطعة في فرنسا، وقد سبيت في جملة غنائم المنيذر الإفريقي زوج لمباجة المذكورة، وكان أهل ~~الخباء يعتقدون أن ميمونة كانت من خاصة نساء لمباجة وأقرب المقربات إليها، فكان عبد الرحمن ~~يرجو الانتفاع من ذلك في بعض المخابرات مع أود أو بعض قواده ولكنه كتم هذا الأمر في نفسه ~~ولم يظهره حتى ولا لهانئ، فلما بعثت ميمونة إليه في ذلك الصباح أسرع إليها على عجل يتوقع ~~منها خبرا يتعلق بالحرب من قبيل ما تقدم. # فلما رآها على تلك الصورة خيل له أنها تعشقه وتتفانى في خدمته فسره ذلك على أمل الاستعانة ~~بها في تحقيق غرضه، فابتسم لها ودخل حتى جلس على وسادة هناك وهو يقول: «ما الذي تريدينه مني ~~يا ميمونة؟» # فقالت وهي تحاول الجلوس بتأدب: «أريد أمورا كثيرة، يا مولاي، لا أدري أيها أقوله أولا.» ~~قالت ذلك وتنهدت وأنزلت دمعتين رآهما عبد الرحمن تتساقطان على خديها وهي مطرقة تظهر أنها ~~استحيت من افتضاح سرها بهما. # فانخدع عبد الرحمن، ولكنه أجابها على الفور: «لا أرى حاجة إلى ذلك وأنت تعلمين ما عاهدت ~~عليه ربي منذ عزمت على هذه الحرب.» # فأسرعت في الجواب كأنها تريد إصلاح ما تبادر إلى ذهنه مما عسى أن يكون قد فهمه خطأ فقالت: ~~«لا يتوهم مولاي أني أطمع في غير رؤية هذا الوجه الصبوح، ولكني مخطئة في التطاول إلى ما لا ~~أستحقه، فإن في خباء مولاي الأمير عشرات من أمثالي وليس بينهن من تجرؤ على هذه الكلمة، أما ~~أنا فلا أدري ما الذي جرأني عليها، فهل دلني قلبي على الصواب أو لعله خدعني؟ لا أدري، وعلى ~~كل حال يكفيني أن يكون الأمير عالما بما له في القلب من الحب الشديد، على أني لا أكلفه ~~مثله أو جانبا منه؛ لأن الحب لا يكون قهرا.» قالت ذلك وغصت بريقها وسكتت. # وكان عبد الرحمن يعتقد أن ميمونة تحبه، ولكنه لم يسمع منها مثل ذلك العتاب قبلا، فتبادر ~~إلى ذهنه أنها ms057 اندفعت إلى العتاب غيرة عليه من مريم، والغيرة تفعل العجائب فأراد أن يتأكد ~~من ذلك فقطع حديثها قائلا: «هل رأيت الضيفة الجديدة؟» # فسرت ميمونة؛ لأن عبد الرحمن بدأ بذكرها، فأجابت على الفور: «كيف لم أرها وقد وقفت نفسي ~~لخدمتها منذ أن وصلت، لعلمي أن ذلك يرضي الأمير ولم أفارقها إلا ساعة في هذا الصباح ~~لاشتغالها في غرفة القهرمانة مع الأمير هانئ!» قالت ذلك وهي تتظاهر أنها تقوله بسذاجة ~~وسلامة ضمير، وأصغت بكل جوارحها لما عساه أن يبدو من عبد الرحمن بعد سماعه ذلك ~~الخبر. # أما هو فأحس بشيء من الغيرة وتذكر أن والدة مريم إنما ادخرتها له، وفكر في اختلاء هانئ ~~بمريم على تلك الصورة، فلم ير سببا غير الحب المتبادل بينهما، فحدثته نفسه لأول وهلة أن ~~يمنع هانئا من ذلك، ولكن حبه لهانئ ورغبته في أن يستمر الوفاق معه إلى نهاية تلك الحرب - ~~كما شرطاه على نفسيهما - غلب على ذلك الشعور، وتصور ما هم فيه من الأمر العظيم والخطر ~~الشديد، فأسر في نفسه أنهم إذا فرغوا من هذه الحرب فائزين وظل هانئ على ما شرطه على نفسه ~~من البسالة والثبات ساعده على الظفر بها، فتجلد عبد الرحمن وأجاب ميمونة وهو يظهر عدم ~~المبالاة: «لكن هانئا خرج الآن من عندها، وشاهدت مريم مع القهرمانة، وقد سرني ارتياحها ~~للإقامة في الخباء، فأرجو أن تعيريها اهتمامك؛ لأني موص بإكرامها ولي في ذلك غرض أرجو أن ~~تساعديني على تحقيقه.» # فلما سمعت ميمونة قوله استغربت ما يكتمه من أمر هذه الفتاة، وتأسفت لذهاب سعيها هباء ~~منثورا، ولكنها أرادت أن تتحقق من الأمر، فبالغت في التجاهل وإظهار السذاجة، وقالت: «أؤكد ~~يا مولاي أني فاعلة ما تريده، وفي الحقيقة إن هذه الفتاة من نوادر الخلق جمالا وعقلا ~~ورزانة وهي قريبة إلى كل قلب، لا يستطيع جلسيها إلا أن يحبها فإذا كنت لا أكرمها إكراما ~~لمولاي الأمير فإني أفعل ذلك حبا لها ولا بأس إذا أحبها الأمير أكثر من سائر نسائه؛ لأنها ~~أهل لذلك.» # فخشي عبد الرحمن ms058 إذا طال الحديث أن يبدو منه ما لا يريد التصريح به، فابتدرها قائلا: ~~«لقد خرج بنا الحديث عن الموضوع، ما الذي دعوتني من أجله الآن؟» # فأظهرت الاهتمام وقالت: «دعوتك لأمر هام وكان يجب ألا أتحدث عنه وربما كان فيه وحده ما ~~يغنيني عن الأدلة على حبي للأمير عبد الرحمن وتفاني في خدمته فاعلم يا مولاي أني بثثت ~~العيون من بعض الأفراد الذين تركتهم لخدمتي لاستطلاع أحوال العدو بعد سقوط بوردو، فعلمت أن ~~الكونت أود ورجاله متربصون لكم في مضيق دردون على مقربة من هذا المكان، والمضيق في طريقكم ~~إلى نهر لوار.» # ولم يكن عبد الرحمن غافلا عن أخبار عدوه؛ لأن جواسيسه كانت في كل الأنحاء وأكثرهم من أهل ~~البلاد الأصليين وخصوصا اليهود فإنهم كانوا يبذلون كل رخيص وغال في سبيل مساعدة المسلمين ~~انتقاما من المسيحيين، وطمعا في الغنائم كما تقدم، فلم يكن خبر أود ودردون ليخفى على عبد ~~الرحمن ولا كانت ميمونة تجهل اطلاعه عليه ولكنها تجاهلت وأظهرت الاهتمام بأمر الجند، ~~وأوهمته أنها اطلعت على السر بسعيها الخاص ولو علمت أنه يجهل ذلك الخبر لبالغت في كتمانه ، ~~فسايرها عبد الرحمن وأظهر أنه فرح بذلك الخبر كي يحفزها على مصارحته بأخبار أخرى، فقال لها: ~~«بورك فيك يا ميمونة قد تحققت الآن من حبك لنا وسعيك لنصرنا، وأرجو ألا تغفلي عن مثل هذه ~~الأخبار.» # لم تكن ميمونة تجهل اطلاع عبد الرحمن على ذلك الخبر من قبل، ولكنها تجاهلت التماسا لما ~~يبرر لها استقدامه في ذلك الصباح لتطلعه على حب هانئ لمريم إيقاعا للفتنة بين الأميرين، ~~وقد ساءها أن حيلتها لم تأت بالفائدة المطلوبة، ونسبت إخفاق مسعاها إلى سعة صدر عبد الرحمن ~~وطول أناته، فأضمرت أن تحول سهام مساعيها نحو هانئ؛ لأنه شاب لا يصبر على الغيظ، وغرضها ~~الأول إيقاع الفتنة بين القائدين وفي خصومتهما فشل الجند الكبير، فعزمت على تدبير الحيلة في ~~وقت آخر، ولما سمعت ثناء عبد الرحمن على سعيها في خدمته ابتسمت ونظرت إليه نظرة عتاب ودلال ~~واستعطاف ولولا رزانة ms059 عبد الرحمن وقوة إرادته لخرقت تلك النظرة صدره إلى قلبه، ولهاجت فيه ~~لواعج الغرام وأنسته الجند والنصر الذي يسعى إليه، لما في عينيها من عوامل الجاذبية وما حول ~~فمها من الملامح الفتانة وما في مجمل ذلك من السحر الآخذ بالألباب، ولا غرو إذا عبر ~~الشعراء عن تلك الجاذبية بالسحر؛ لأن أثرها لا يمكن تعليله بغير السحر، وربما عبر عنه بعض ~~علماء الطبيعة اليوم بالكهربائية، فمن كان حسنه جذابا قالوا إن كهربائيته قوية. # الفصل الثاني والعشرون # | من شق الحائط # فلما نظرت ميمونة إلى عبد الرحمن تلك النظرة فهم أنها تعاتبه على ذلك القول ولسان حالها ~~يقول له: «إني قتيلة هواك، متفانية في خدمتك.» فسره افتتانها به رغبة في الإفادة منها لما ~~ينفع الجيش، فابتسم لها وهش وفي ظنه أنه بذلك يزيدها تفانيا في خدمته، وهي كلما رأت منه ~~عطفا بالغت في إظهار الافتتان به، فلما علم عبد الرحمن أنها فرغت من التصريح بالخبر الذي ~~استقدمته لأجله نهض وهم بالخروج، فنهضت ميمونة وهي تقول: «لولا علمي بالمهام الكثيرة التي ~~تتعلق بذهابك أيها الأمير لتوسلت إليك أن تبقى هنيهة أخرى فهل أنت عازم على الذهاب لملاقاة ~~العدو قريبا؟ وإذا ذهبت فهل تتركني هنا؟» # فأدرك أنها تقول ذلك تدللا فلم يجبها بغير الابتسام، وخرج مسرعا يلتمس جواده ليرجع إلى ~~المعسكر، فمشت ميمونة في أثره حتى إذا أوشك على الوصول إلى باب الخباء سمعته يقول: «مرحبا ~~بالأمير هانئ ألا تزال هنا؟ لماذا لم تدخل إلى الخباء؟» فازدادت ميمونة استغرابا من ذلك ~~الترحاب. ~~••• # فتقدم هانئ وهو يلتف بعباءته وليس في وجهه وجل ولا خجل، وقد أكبر أن يرجع إلى المعسكر ~~رجوع الهارب بعد أن علم عبد الرحمن بوجوده هناك شق عليه أن يفعل ذلك أنفة وكبرا وخصوصا ~~بعد أن علمت مريم به، فلما أوعز إليه غلام عبد الرحمن بالذهاب إلى المعسكر وقف ورجله في ~~الركاب لا يتكلم ولا ينتقل، وخيل له أن مريم تنظر إليه تراقب حركاته فلبث حينا واقفا ثم ~~تحول عن الجواد بغتة ومشى ms060 نحو باب الخباء يلتمس لقاء عبد الرحمن فقيل له إنه في خلوة لا ~~يراه فيها أحد، فعزم على انتظاره فجعل يخطر أمام الخباء وعيناه تراقبه. ~~••• # وكانت مريم لما تركها عبد الرحمن مع القهرمانة عادت إلى التفكير في هانئ وخروجه على تلك ~~الحالة، فأرادت أن تستطلع أمره فتحولت إلى جدار الخباء، ونظرت من شق فرأت هانئا يتمشى ~~خارجا وعباءته وسيفه يجران وراءه وهو يلاعب شاربه ولحيته ويتمايل بمشيته كالأسد، فاختلج ~~قلبها في صدرها سرورا برؤيته، وودت لو أنها تخاطبه ولكنها خافت من القهرمانة، فاكتفت ~~بالنظر إليه وتأمل حركاته على غفلة منها، وبعد قليل سمعت ضجة في الخباء فعلمت أن عبد الرحمن ~~خارج، فأحبت أن تعلم ماذا يكون من أمره إذا لقي هانئا، فتحولت بحيث تراهما ولا يراها أحد ~~لاشتغال القهرمانة وسائر أهل الخباء بوداع الأمير، فرأت هانئا يمشي نحو عبد الرحمن حتى ~~التقيا، وسمعت عبد الرحمن يخاطبه مخاطبة الأخ ويعاتبه على تخلفه، وهانئ يدل عليه دلال الابن ~~على أبيه، وعبد الرحمن يبتسم له ويرحب به، وسمعت هانئا يقول وهو يخطر نحوه: «بلغني أنك ~~سألت عني.» # فأجابه عبد الرحمن وهو يقترب منه حتى وضع يده على كتفه: «وهل يسأل المرء إلا عن أخيه أو ~~حبيبه؟» قال ذلك وابتسم وأهل الخباء يسمعون، وأكثرهم سرورا بذلك مريم وأشدهم غيظا ميمونة، ~~ثم مشى عبد الرحمن ويده بيد هانئ فقدموا لهما الأفراس فركبا إلى المعسكر وحولهما الخدم ~~والأعوان. ~~••• # وظلت ميمونة ومريم تنظران إلى ذلك الركب وكل منهما في ناحية وقلبها في ناحية أخرى حتى ~~تواروا، فعادت ميمونة إلى خلوتها وأعملت فكرتها في حيلة أخرى وقد أسفت أسفا لا مزيد عليه ~~لفشلها وذهاب سعيها هباء. # الفصل الثالث والعشرون # | المكاشفة # أما مريم فإنها عادت من وراء ذلك الجدار وقد شبت نيران الحب في قلبها، والتمست الخلوة ~~لتسترجع ما دار بينها وبين حبيبها استئناسا بذكراه، ومخافة أن يكون قد بدر منها ما تؤاخذ ~~عليه، جلست في غرفتها هنيهة كأنها في عالم الخيال، ثم انتبهت للقارورة وكانت لا تزال في ms061 ~~قبضتها، فنظرت إليها وفتحتها واشتمت رائحتها فطربت لها واستأنست بها؛ لأنها من هانئ، وصبت ~~قليلا من الطيب على كفها دهنت به شعرها ووجهها وكفيها ففاحت رائحة الخباء بطيبها. # وبينما هي في خلوتها دخلت ميمونة وهي تبتسم ابتسام محب معجب بحبيبه، فقابلتها مريم بمثل ~~ابتسامتها وقد ارتاحت إليها وتاقت إلى مكاشفتها بما شغل خاطرها من الحب، ولكنها أمسكت لئلا ~~يكون في ذلك ما يغضب حبيبها، على أنها رحبت بميمونة وتحفزت للوقوف احتفاء بها فسبقتها ~~ميمونة إلى الحديث، فقالت وهي تهش لها: «أراك عدت من غرفة القهرمانة وقد زدت طيبا.» # وكانت القارورة لا تزال في قبضتها، فضحكت وبدا الحياء في وجهها، وبادرت إلى القارورة ~~فخبأتها في جيبها ولم تحر جوابا. # فأدركت ميمونة أن بين تلك القارورة وهانئ علاقة، فعمدت إلى اكتشاف سرها منها، فقالت: «لقد ~~زادك الحياء طيبا يا حيبيبتي لعل هذا الطيب من ضيفك البطل الصنديد الأمير هانئ، أرجو ألا ~~يكون من سواه؛ لأنه يليق بك، ولو خيرت أن تنتقي لك حبيبا من بين رجال العالمين لما وقع ~~اختيارك على خير منه.» # فأدركت مريم اطلاع ميمونة على ذلك السر، ولكنها تجاهلت وقالت: «كيف تحكمين على الأمر قبل ~~التثبت منه؟ من أين عرفت ذلك؟» # قالت وهي تضحك وتقترب من مريم: «عرفته من مصدر وثيق، وتحققت منه بقرائن الأحوال وإذا كنت ~~تنكرين ذلك علي فإن ملامحك تشهد عليك، على أنني لا ألومك على التستر؛ لأن الحب يحلو ~~بالكتمان، وقد كان يجدر بي أن أسايرك وأظهر اقتناعي بإنكارك، ولكنني لم أرض بذلك شفقة عليك ~~وحبا لك.» # فلما سمعت مريم قولها استغربت تلميحها بالشفقة، ولم تفهم مرادها فرفعت بصرها إليها وقالت: ~~«لم أفهم مرادك من الإشفاق هل في حالتي ما يبعث على الشفقة؟ أفصحي.» # قالت ميمونة: «لا أقول شيئا قبل أن تثقي بحبي لك وغيرتي على مصلحتك.» # فقالت مريم: «أنت تعلمين أني أحببتك وقد وثقت بك من أول نظرة، وخصوصا بعد ما شاهدته من ~~مظاهر حبك، فلا حاجة بعد ذلك إلى برهان.» # قالت ميمونة: «صدقت ms062 يا حبيبة، إني أشعر من قلبي بإخلاصك، ولكنني أخشى أن أقول لك قولا ~~تحملينه على غير محمله، ومع ذلك فإني أفعل ما تدعوني إليه محبتك، نعم ليس هناك ما يدعو إلى ~~القلق الكثير، ولكنني اختبرت هؤلاء العرب واطلعت على سجاياهم - وفي جملتها أنهم يغارون على ~~أعراضهم غيرة شديدة - وأنت تعلمين أنك هنا في خباء الأمير عبد الرحمن، وكل من في هذا الخباء ~~من نسائه فيجدر بك أن تحاذري من التظاهر بشدة ميلك إلى الأمير هانئ في حضرته، وأظن أن ~~الأمير هانئا نفسه يتوقع ذلك، لا تظني أنني أقول هذا بناء على قول سمعته فإني واثقة من حب ~~الأمير عبد الرحمن لهانئ فهو لا يمنع عنه شيئا يريده؛ لأنه يعتمد عليه في هذه الحرب، وهو ~~يمينه التي يناضل بها، ولكني أردت أن أنبهك لعلمي أن هانئا يريد ذلك منك وإن كان لا يظهره ~~لك أنفة وترفعا، وأما أنا فقد خبرت عادات القوم وآدابهم في هذا الشأن، ولعلك سمعت عن ~~منزلتي عند الأمير عبد الرحمن وإلا فإني أخبرك أني أقرب نسائه إليه وهو يعتمد علي في كثير ~~من المهام ، فإذا علمت ذلك فكوني على يقين من أن الأمير عبد الرحمن لا يفعل إلا ما ~~يرضيك.» # فقبلت مريم تلك النصيحة بإخلاص وازدادت ثقة بميمونة بعد ما عرضت من مساعدتها، وهان عليها ~~مكاشفتها بما في قلبها فالتفتت إليها وقد انبسطت نفسها، وقالت: «أشكرك على ذلك يا سيدتي، ~~وسأعمل حسب إشارتك ولا ريب أنك تعلمين بذلك كله، وأنت من أكثر نساء هذا الخباء ذكاء ~~وفطنة.» # فاكتفت ميمونة من ذلك الحديث بما وصلت إليه، وأرادت الانتقال إلى موضوع آخر فقالت: «ذكرت ~~لك الطيب فلم تجيبيني عليه أين القارورة؟» # فمدت مريم يدها وأخرجت القارورة ودفعتها إلى ميمونة ففتحتها واشتمت رائحتها، وهي تقول: ~~«لم أصادف في حياتي مثل رائحة هذا الطيب، إنه طيب خاص ليس عند أحد من أهل هذا الخباء مثله.» ~~قالت ذلك وأرجعت القارورة ولم تمس ما فيها. # فقالت مريم: «تطيبي بشيء من هذا الطيب فإنك ms063 أهل لذلك.» # فامتنعت ميمونة وهي تسد القارورة وتقول: «لا يجوز لأحد سواك أن يمس هذا الطيب؛ لأنه هدية ~~لك خاصة.» ودفعت إليها القارورة وهي تبالغ في الامتناع. # فاستحسنت مريم تمنعها وازدادت ثقة بصدق مودتها، ففتحت لها قلبها وصارت لا تستأنس إلا ~~بقربها مع ميل إلى مكاشفتها بعواطفها، وميمونة تعمل فكرتها لاستخدام ذلك عند الحاجة. # الفصل الرابع والعشرون # | الاطمئنان # أما عبد الرحمن وهانئ، فإنهما ركبا وسارا نحو المعسكر وحولهما الفرسان في موكب، وكل منهما ~~يفكر في جهة، ومرجع التفكير إلى مريم فكان هانئ يتذكر ما دار بينه وبينها، وما آنسه من ~~مجاملة عبد الرحمن ولطفه على حين أنه كان يتوقع امتعاضه فإذا تذكر ذلك انشرح صدره؛ لأنه كان ~~يخشى إذا بدا من عبد الرحمن برود أن يئول ذلك إلى نفور ضار وكان عبد الرحمن يفكر في سالمة ~~وما دار بينه وبينها في أمر مريم وتلميحها بأنها ستكون له بعد الفراغ من تلك الحرب لسر لم ~~تصرح له به، وتذكر استلطافه مريم وتصور ما هي عليه من الجمال والهيبة، ثم ما ظهر له من الحب ~~المتبادل بينها وبين هانئ فلما بلغت تصوراته إلى ذلك الحد شعر بغيرة شديدة، ولكنه تذكر ما ~~هم فيه من الحرب وشدة احتياجه إلى هانئ حتى إن النجاح يتوقف على اتفاقهما، وعلم أن ذلك ~~الاتفاق لا يتم إلا بارتياح هانئ، وارتياحه لا يكون إلا بتيسير ظفره بمريم فلما تمثل له ~~ذلك، عاد إلى عقله وسعة صدره، فهان عليه إرضاء هانئ وخشي أن يكون في سكوته في أثناء الطريق ~~باب للشك، ففتح الحديث قائلا: «ألم تحمد الله على انتصارنا في هذه الحرب يا هانئ؟» # قال: «لقد حمدته كثيرا على ذلك، والفضل فيه يرجع إلى بسالة الأمير عبد الرحمن ~~وتدبيره.» # فقال الأمير عبد الرحمن: «بل الفضل فيه للأمير هانئ قائد فرساننا بل أرى الفضل فيه لما ~~وفقنا إليه من الوفاق المتبادل، وأرجو أن يبقى ذلك إلى نهاية هذه الحرب.» # قال: «وأنا أرجو ذلك أيضا، وإذا تم لنا الفتح كان فيه ms064 الفخر للعرب كافة؛ لأننا فتحنا لهم ~~بلادا واسعة يحكمون أهلها ويجبون خراجها وينشرون الإسلام فيها.» # فقال الأمير عبد الرحمن: «وأظن سرورك بفتح بوردو يعادل سرورنا جميعا بما فتحناه وسنفتحه ~~من البلاد؟» قال ذلك وابتسم. # فأدرك هانئ تلميحه إلى مريم فضحك وقد انشرح صدره، وقال: «لا أستطيع إنكار ذلك أيها ~~الأمير؛ لأنه يبدو في كل حركة من حركاتي، وأرجو أن يكون أخي مسرورا معي.» # قال: «إني أسر بكل ما يسرك، وثق أني عون لك في كل ما تريده، ولكنك تعلم ما عاهدت نفسي ~~عليه منذ ركبت هذا المركب الخشن.» # فلم يفهم هانئ مراده، فقال: «وأي عهد تعني؟» # قال: «إني عاهدت الله ألا أقرب النساء قبل أن أفرغ من هذه الحروب أو أن نقطع نهر لوار على ~~الأقل فهل أنت على هذا الرأي؟» # ففهم هانئ مراده، فقال: «نعم إني أعاهد الله على هذا أيضا، وقد كان اهتمامي بالنساء كما ~~تعلم ضعيفا فلم أتزوج امرأة ولا اقتنيت جارية ولولا وقوع هذه الفتاة من نفسي موقعا عظيما ~~ما غيرت رأيي، أما الآن، فأعترف لك أني قد تعلقت بمريم وهي كما ترى أهل لذلك.» # فقطع عبد الرحمن كلامه قائلا: «إنها من خيرة النساء جمالا، وإذا وفقنا إلى ما نرجوه من ~~النصر كنت أول من يسر بظفرك بها، غير أني أرجو أن يبقى ذلك مكتوما عن كل إنسان لأسباب تعلم ~~بعضها وتجهل البعض الآخر، ولا تكلفني التصريح بأكثر من ذلك.» # فأحس هانئ من تلك الساعة بثقل أزيح عن صدره وارتاح باله، وإن كانت إشارة عبد الرحمن إلى ~~الأسباب التي لا يعلمها قد شغلت خاطره قليلا، على أنه شعر بميل شديد إلى مكاشفة مريم بما ~~دار بشأنها مع عبد الرحمن، وذلك طبيعي في المحبين، فإنهم يتلذذون بمكاشفة بعضهم بعضا ~~بأخبار الناس فكيف بما يتعلق بهم ولا سيما ما كان مرجعه إلى تحقيق أمانيهم، وعلى الأخص إذا ~~اؤتمن أحدهم على سر وطلب إليه كتمانه، فإنه يزداد ميلا إلى مشاركة حبيبه الاطلاع عليه، ~~كأنه يعد ذلك إكراما له بشيء ms065 ثمين اؤتمن هو عليه. # ثم عاد الأميران إلى السكوت مدة، والركب ماش، حتى دخلوا المعسكر وكان الجند قد فرغوا من ~~اقتسام الغنائم وهم فرحون بما نالوه منها وخصوصا البرابرة لما علمت من مطامعهم وظل ~~الأميران سائرين حتى وصلا خيمة الأمير عبد الرحمن فدخلا، ثم صفق عبد الرحمن فجاءه أحد ~~الغلمان فقال له: «ادع الأمراء إلي هنا الساعة.» # فلما خرج الغلام التفت عبد الرحمن إلى هانئ، وقال له: «لقد علمت من أخبار الجواسيس وغيرهم ~~أن طاغية أكتانيا الكونت أود معسكر بجنده في مضيق دردون على بضع ساعات من هذا المكان، ~~فينبغي لنا أن نبادر بالهجوم قبل أن يتأهبوا للدفاع فإذا غلبناهم وقتلنا أميرهم ذهب عنا نصف ~~العناء في هذا الفتح أو هو العناء كله، ولم يبق من يقف في سبيلها إلى نهر لوار فماذا ~~ترى؟» # قال هانئ: «أرى أن نبادر إلى الحرب، وروح الجند المعنوية ما تزال عالية من أثر ~~النصر.» # قال عبد الرحمن: «متى حضر الأمراء استشرناهم، ولا أظنهم إلا موافقين على الزحف، فنرحل ~~برجالنا ونترك الأخبية في مكانها وعندها بعض الحامية والغنائم فإذا هزمنا الإفرنج بإذن الله ~~حملنا نساءنا وغنائمنا، وسرنا إلى تورس على نهر لوار.» # وبعد قليل جاء الأمراء وهم بضعة عشر أميرا، وفيهم العربي والبربري والشامي والمصري ~~والنبطي وغيرهم، وفي جملتهم الأمير بسطام، فعرض عبد الرحمن عليهم رأيه وساعده هانئ على ~~تنفيذه فوافقوا جميعا على الرحيل في صباح الغد على أن يتركوا النساء في الأخبية حيث أقيمت، ~~فلما أجمعوا على ذلك، التفت عبد الرحمن إليهم وقال لهم: «أنتم تعلمون أننا سائرون لمحاربة ~~هؤلاء الإفرنج في معسكرهم، والمسافة بيننا قريبة وهم متحصنون في جبالهم فينبغي لنا أن نسير ~~إليهم خفافا، ولا يخفى عليكم ما أصابه رجالنا من الغنائم في أثناء الفتوح التي وفقنا إليها ~~منذ خروجنا من الأندلس وهي ثقيلة، حتى لقد ثقل على الرجل حمل غنائمه وحدها بلا حرب فكيف إذا ~~اضطر إلى الهجوم والركض، فالرأي على ما أرى أن يتركوا غنائمهم في هذا المعسكر بقرب الأخبية ms066 ~~فتبقى هناك هي والنساء ونجعل معها حامية من رجالنا فإذا بلغنا من عدونا ما نريده أضفنا ~~إليها ما نغتنمه منهم.» قال عبد الرحمن ذلك وهو يتوقع معارضة بعضهم لعلمه بحرص أولئك القوم ~~على حطام الدنيا، وفيهم من لم يأت إلى تلك الحرب إلا رغبة في الأموال فاستدرك هانئ ما خشيه ~~عبد الرحمن قائلا: «إن الأمير مصيب في رأيه ولا أظنكم إلا موافقين عليه؛ لأننا نخشى إذا ~~جاهد رجالنا وهم مثقلون بالغنائم أن يعجزهم حملها فينوءون تحت أثقالها، ولا يقاتلون كما ~~ينبغي في ساحة الوغى ولا يخفى عليكم ما يترتب على ذلك من الفشل.» # وكان عبد الرحمن يخشى الاعتراض خصوصا من الأمير بسطام لحرص رجاله على الأموال لسبب تقدم ~~ذكره، وكان عبد الرحمن في أثناء كلام هانئ يتفرس في وجوه الأمراء فوجد التردد ظاهرا وخاصة ~~في وجه بسطام، فاستأنف الكلام قائلا: «والذي أراه أن نعهد بحراسة تلك الغنائم إلى الأمير ~~بسطام ومن يختارهم من رجاله، ومعهم جماعة من رجال سائر الأمراء.» ~~••• # فوقع ذلك الرأي موقع الاستحسان عند الجميع، فوافقوا عليه وخرجوا لتنفيذه وليأمروا رجالهم ~~بالتأهب للرحيل صباح الغد . # فذهب هانئ إلى خيمته، ولم ينم تلك الليلة لما خالج أفكاره من الهواجس بمريم على أثر ما ~~سمعه من عبد الرحمن، حتى حدثته نفسه أن يطير إليها في ذلك الليل ويكاشفها بما دار بينه وبين ~~عبد الرحمن بشأنها، ويخبرها بعزمهم على الرحيل إلى محاربة الإفرنج، ويصبرها حتى ساعة ~~الرجوع، وقد زاده رغبة في الذهاب إليها أنه فارقها ولم يتمكن من وداعها كما يريد، ولكنه ~~تذكر أهمية وجوده في الصباح هناك وخشي أن يغضب عبد الرحمن فرجع عن عزمه. # الفصل الخامس والعشرون # | المنديل # وفي الصباح، قام المسلمون للصلاة ثم نفخ في النفير فتأهبوا للسير، وساروا كأنهم بحر ~~يتلاطم بالأمواج وفيهم الفرسان والمشاة وبينهم الرماحة والرماة وقائد الفرسان العام هانئ، ~~وقد ركب جواده ولبس خوذته والتف بعباءته، وقوضوا الخيام، ولم يتركوا منها إلا ما وضعوا فيه ~~غنائمهم، ومعها الأمير بسطام وبعض رجاله ونفر من رجال ms067 القبائل الأخرى. # وبعد المسير بضع ساعات، أشرفوا على جبال أخبرهم الجواسيس أن أود ورجاله متحصنون فيها فنزل ~~المسلمون في سهل بالقرب من ذلك المضيق، وترجل الفرسان وسرحوا خيولهم للعلف والراحة، على أن ~~يستريحوا ريثما يطيب لهم الهجوم وقد أقاموا الحراس حول المعسكر وبثوا سراياهم، يستطلعون ~~أحوال أعدائهم ومناعة مواقعهم ليعلموا من أين يهاجمونهم، وذهب هانئ للاستراحة في خيمته، وفي ~~المساء جاءت الطلائع فأخبروا أن الإفرنج مقيمون في الجبال - وهم كثيرون - وقد تحصنوا ~~وأقاموا لا يبدون حراكا، فاجتمع أمراء المسلمين وتفاوضوا في الأمر، فرأوا أن الهجوم على ~~حصون الإفرنج شديد الخطر، فتمهلوا ليروا ما يبدو منهم فإذا لم يخرجوا من حصونهم فكروا في ~~الهجوم عليهم. ~~«فنزل المسلمون في سهل بالقرب من مضيق، على أن يستريحوا ريثما يطيب لهم ~~الهجوم وقد أقاموا الحراس حول المعسكر، وبثوا سراياهم يستطلعون أحوال ~~أعدائهم.» # فبات هانئ تلك الليلة وقد عادت إليه هواجسه، وعاد إلى التفكير في مفارقة المعسكر بضع ~~ساعات، ولا خطر على الجند في غيابه للأسباب التي قدمناها على أنه ظل مترددا في الذهاب خشية ~~الفشل، وحياء من عبد الرحمن. # فأصبح في اليوم التالي وخرج على قدميه، وقد تراكمت عليه الهواجس، وهو يفكر في حاله وحال ~~مريم وحال الجند، وبينما هو يتمشى في سهل خارج المعسكر، رأى رجلا بلباس عربي قادما من عرض ~~البر يهرول نحوه ويشير إليه، فوقف فلما دنا الرجل منه تفرس هانئ فيه فإذا هو ملثم، فناداه ~~فمد الرجل يده إلى جيبه وأخرج منديلا وسلمه إلى هانئ، فلم يكد هانئ يتسلم المنديل حتى شم ~~منه رائحة مريم، عرف ذلك من طيبها الذي أعطاه لها بالأمس، فصاح في الرجل: «من أنت؟ وما ~~خبرك؟» # فقال: «إن هذا المنديل ينبئك نيابة عني أن صاحبه في حاجة إليك على عجل.» قال ذلك وسار ~~يعدو في عرض البر فبهت هانئ ثم انتبه لنفسه وصاح في الرجل أن يقف لم يلتفت إليه، فوقف هنيهة ~~وهو يفكر فيما عسى أن يكون سبب تلك الدعوة المستعجلة، ولم يشك في أن ms068 المنديل مرسل من مريم ~~وأن الطيب طيبها، فلم ير بدا من المبادرة إلى إجابة الدعوة وهو مطمئن البال على المعسكر، ~~وأسرع إلى خيمته فركب جواده والتف بعباءته وسار يلتمس الخباء، ولم ينبئ أحدا بمسيره لعلمه ~~أنه سيعود قبل انقضاء النهار، فلا بأس من غيابه، وخشي إذا شاور عبد الرحمن أن يستخف بعمله ~~أو أن يمنعه من الذهاب. # سار هانئ وهو يستحث جواده لا يلتفت يمينا ولا شمالا حتى وصل إلى الخباء، وقد مالت الشمس ~~على خط الهاجرة وتبلل هو وجواده بالعرق، وحال وصوله ترجل ودخل توا إلى خباء الأمير عبد ~~الرحمن، واستدعى القهرمانة فجاءت وهي تتوكأ على فخذيها وتمشي الهوينا وحالما وقع نظرها عليه ~~ابتدرته قائلة: «أين مريم؟» # فبغت لسؤالها وقال لها: «أتسألينني عن مريم وأنا إنما جئت لأسألك عنها أين هي؟» # قالت: «هي عندك ألم تبعث في طلبها هذا الصباح؟» # قال هانئ: «أنا؟ بعثت في طلبها؟ أين هي؟ قولي إن الوقت لا يساعدنا على المزاح.» # فقالت وقد ظهرت علامات الدهشة على وجهها الكالح وامتقع لونها: «أظنك أنت الذي تمزح، ألم ~~تبعث إليها في هذا الصباح مع رسولك ومعه جوادك وعباءتك وخوذتك؟» # فصاح فيها وقد اشتد غضبه: «كلا لم أبعث أحدا، وهذا جوادي معي، وهذه عباءتي فكري فيما ~~تقولين، قولي الحق وإلا قطعت رأسك بهذا السيف.» قال ذلك ويده تمسك بسيفه فخافت القهرمانة ~~وتحيرت بماذا تجيبه، وقد ارتج عليها من الخوف والدهشة، وقالت: «تمهل يا بني لأقص عليك الخبر ~~جاءنا في هذا الصباح رجل أظنه من رجالك، وقد ركب جوادا ومعه جواد آخر أدهم لم تشك أنه ~~جوادك عليه عباءة وخوذة وقال لي إنك تطلب مريم حالا بأمر الأمير عبد الرحمن لأمر ضروري ~~يتعلق بوالدتها، ودفع إلي هذا الكيس (ومدت يدها وأخرجت كيسا فيه دراهم) فامتنعت في بادئ ~~الأمر ولم أطعه، فألح علي وأراني الجواد والعباءة، وقال لي إنك تطلب مريم لغرض عاجل يتعلق ~~بالحرب، وإنك بعثت لها جوادك لتركب عليه فرفضت طلبه فذكر لي علامة لا يعرفها أحد سوانا ms069 وهي ~~قارورة الطيب، وذكر أيضا تدليلا على صدقه أنك اجتمعت بمريم عندي وأعطيتها قارورة الطيب ~~فلم أستطع إلا تصديقه، ومع ذلك فإني لم أسلم بإرسالها إلا بعد أن أتى بعلامة من الأمير عبد ~~الرحمن لا يعرفها سواي، وأخيرا سلمته إياها وأنا خائفة عليها، ولشدة خوفي أخرجت معها أكثر ~~نساء الأمير عبد الرحمن حظوة عنده وأوصيتها بها.» # وكان هانئ يسمع كلام القهرمانة وهو يرتعد من شدة الغضب فلما تحقق من ذهاب مريم، قال: «ومن ~~هي تلك الحظية؟» # قالت: «هي ميمونة الإفرنجية أظنك تعرفها.» # قال: «نعم أعرفها، وإلى أين ذهبا؟ وكيف؟» # قالت: «حينما توهمت صدق ذلك الرسول، ورأيت مريم راغبة في الذهاب أذنت لها فيه، فركبت ~~الجواد الأدهم وركبت ميمونة جوادا آخر، ومضوا نحو المعسكر.» # الفصل السادس والعشرون # | البحث عن مريم # فوقف هانئ وهو ينتفض انتفاضا شديدا من شدة التأثر، والقهرمانة واقفة بين يديه وقلبها ~~يخفق خوفا، وقد أخذت تخفف من غضبه قائلة: «لا بأس عليها يا بني إن ميمونة تحبها حبا ~~شديدا، وأظنها تحرص عليها كثيرا اجلس وخفف عنك لا بأس عليها.» # فلم يلتفت هانئ إلى كلامها ولكنه ثاب إلى رشده وفكر فيما سمعه، فتذكر أن القهرمانة ذكرت ~~والدة مريم، فظن أن للأمر سببا متصلا بسر تلك الوالدة منذ رأوها لأول مرة بعد فتح بوردو، ~~وخيل له أن سالمة احتالت تلك الحيلة لاسترجاع ابنتها ولكنه تذكر القارورة، فرأى أن ذكرها لا ~~ينطبق على ذلك الظن، فلم يدر ماذا يقول، فلما تشابه الأمر عليه، رأى أن يسرع إلى المعسكر ~~للبحث عنها، فتذكر للحال أن الأمير بسطاما هناك، فتبادر إلى ذهنه أن الأمير المذكور هو ~~الذي احتال هذه الحيلة لاختطاف مريم منه؛ لأنه لم يزل عالقا بها منذ يوم الفتح، فالتفت ~~هانئ إلى القهرمانة وقال: «تقولين إنهما سارا نحو هذا المعسكر؟» وأشار إلى معسكرهم ~~بالأمس. # قالت: «نعم يا مولاي.» # فأسرع إلى جواده فركبه وحول وجهته نحو ذلك المعسكر، وهمز الجواد وأطلق له العنان. # وقد عزم على أن يقتل بسطاما إذا رأى مريم عنده، ms070 ومع سرعة عدو الجواد فقد كان يحسبه ~~واقفا. # وكان في المعسكر مضارب قليلة للغنائم، وحولها الحراس من رجال بسطام وغيرهم ولما أشرف ~~عليهم هانئ رآهم يختصمون ويتضاربون وقد علا ضجيجهم، فلما رأوه تقدم بعضهم وهم يستغيثون فصاح ~~فيهم: «ما الخبر؟» # فقال أحدهم: «نشكو إليك ظلم الأمير بسطام، فإنه أوصى رجاله فاستأثروا بالغنائم، وأخذوا من ~~أنصبة رجالنا فأضافوها إلى أنصبتهم ولم يسمع هو لصراخنا.» # فازداد هانئ غيظا من بسطام، وصاح: «أين بسطام؟ أين هو؟» # ولم يتم كلامه حتى خرج إليه بسطام وهو يمشي الهوينا، ويترنح ترنح السكران فلما رآه هانئ ~~لم يتمالك أن صاح فيه: «ما هذه الجرأة على اغتصاب أموال المسلمين؟ قد أمنك الأمير على ~~الغنائم فاستأثرت بها وسطوت على حقوق المسلمين لقد صدق القائلون إنك لست مسلما.» # فقهقه بسطام وهو يمسح لحيته من بقايا طعام تساقط عليها كأنه كان على المائدة، وقال: «مالك ~~وللغنائم ألم تشغلك تلك النصرانية عنها؟ دع الحرب واذهب إلى الخباء فإنك أولى بمعاشرة ~~النساء ولكنك ستذوق عاقبة غيك قريبا.» قال ذلك وهو يضحك كأنه قد ضمن فوزه. # فحمي غضب هانئ من تلك العبارة حتى غاب عن رشده، فاستل حسامه وساق جواده نحوه وأطلق الحسام ~~وهو يتعمد قطع رأسه، فخلا بسطام من الضربة فهوى هانئ حتى كاد يقع عن جواده فازداد حنقا ~~وحول الشكيمة نحوه، وانقض عليه انقضاض الصاعقة، فتوسط بعض الرجال بينهما وهانئ لا يبالي ~~بهم، ولم يعد يصبر عن قتل بسطام ففر بسطام إلى إحدى الخيام واختبأ فيها، فهم هانئ أن يترجل ~~ويتبعه فأحاط بعض الرجال بجواد هانئ وتوسلوا إليه أن يغمد سيفه حبا للإسلام والمسلمين، ~~فرجع هانئ إلى رشده ووقف وهو يرتجف من شدة الغضب، كأن ذكر الإسلام خفف من غضبه وسكن من ~~روعه، وخاصة حينما تصور ما قد ينجم عن قتل بسطام من الخصام بين فرق الجند، فامسك نفسه وتجلد ~~واكتفى بفرار بسطام وعاد إلى الأمر الذي جاء من أجله، فعمد إلى البحث عن مريم هناك فجعل ~~ينظر في الخيول الواقفة حول ms071 الخيام فلم ير بينها جوادا أدهم ولا رأى هناك نساء، فسأل بعض ~~الوقوف ممن يثق بهم من رجاله عمن في الخيام، فقالوا له: «ليس فيها غير الغنائم.» # فخلا بنفر يعرفهم، وسألهم: «هل مر بكم ركب على أفراس ومعهم نساء؟» فقالوا: «كلا إننا هنا ~~منذ الأمس، ولم نر أحدا.» # فوقف في حيرة، وقد عادت إليه هواجسه عن مريم وذهابها، والتفت إلى ما يحيط به من السهل ~~وأكثره عار من الأشجار إلا بعض التلال، عليها الدالية من الكرم وبعض أغراس الزيتون فلم ير ~~أشباحا، فتحير في أمره وحدثته نفسه أن يعود إلى دردون لعلهم ذهبوا بمريم إلى هناك. # وكانت الشمس قد مالت عن الهاجرة والجواد قد أنهكه التعب فخشي إذا بالغ في سوقه وهو في تلك ~~الحال أن يعجز عن مواصلة السير، وهو إذا لم يستحثه لا يصل إلى المعسكر قبل العشاء على أنه ~~لم يجد بدا من مراعاة حال الجواد، فحول شكيمته وتوجه نحو دردون. # الفصل السابع والعشرون # | المنزل الخالي # أما مريم، فإنها خرجت في ذلك الصباح مع ميمونة - كما تقدم - وقد ركبت على ذلك الجواد ~~الأدهم، وتزملت بالعباءة، وعلقت الخوذة بالسرج، وساقت الجواد في أثر الرسول وميمونة على ~~جواد آخر بجانبها وهي تنظر إلى مريم على الجواد، منتصبة القامة كأفرس الفرسان، وكانت ميمونة ~~تظهر دهشتها لذلك الطلب العاجل، وأنها إنما رافقتها لحمايتها مما قد يكون من بواعث الخطر ~~على أثر ذلك، أما مريم فكانت تستحث جوادها وأفكارها تائهة في عالم التصورات، وصورة هانئ ~~تتخلل كل خيال يمر في ذهنها. # ساروا ساعة ثم أدركوا المعسكر القديم إلى يسارهم عن بعد، وكانت مريم تحسب أنها ستذهب إلى ~~ذلك المعسكر؛ لأنها لم تكن تعلم بانتقال الجند إلى دردون فلما رأت الخيام قليلة سألت الرسول ~~عن مقر الجند وعن المكان الذي يقصدونه، فقال: «إن الجند انتقلوا إلى دردون لملاقاة الإفرنج ~~هناك، وسيعودون إلى هنا وأما نحن فإننا سائرون إلى مكان على مقربة من دردون، أمرني مولاي ~~والأمير أن أوصلك إليه، فإما أن يكون هو ms072 في انتظارك هناك أو أنه يأتي بعد وصولك.» فصدقته ~~مريم وامتلأت نفسها شوقا إلى لقاء الحبيب، وساروا على تلك الصورة بضع ساعات، وقد تركوا ~~بوردو إلى يسارهم أيضا حتى وصلوا إلى بناء منفرد قد تداعت جدران سوره، فدخل الرسول أمامهم ~~من باب السور إلى حديقة قد غشيها الإهمال، ولا يخفى على المتأمل فيها أنها من مساكن أهل ~~اليسار وأنهم غادروها منذ بضعة أسابيع فترجلتا ودخلتا الحديقة، فتصدت ميمونة للاعتراض على ~~الرسول غيرة على مريم، فقالت له: «إلى أين أنت سائر بنا؟ إننا على مقربة من دردون على ما ~~أظن وما هذا البيت الذي أدخلتنا فيه؟ احذر أن تكون مخطئا.» # فوقف الرجل متأدبا، وقال: «لست مخطئا يا مولاتي، إننا في قصر أحد أمراء أكيتانيا وقد ~~هجره أهله فرارا من جند المسلمين، وفي هذه المزارع قصور كثيرة هجرها أهلها وبقيت غنيمة ~~للمسلمين.» # فقالت: «وأين الأمير هانئ؟» # قال: «يبدو أنه لم يأت بعد؛ لأني لم أر أثرا يدل على مجيئه، ولكنه لا يلبث أن يأتي ~~سريعا.» قال ذلك ومشى بهما حتى أدخلهما البيت من باب كبير كان مفتوحا، وليس في المنزل إلا ~~بعض المقاعد أو الكراسي الضخمة مما لا يستطاع حمله في أثناء الفرار، وقد استولى السكون على ~~المكان إلا ما كان يتردد من صدى خطواتهم وصهيل الجوادين أما مريم، فلما وصلت ولم تجد هانئا ~~ولا أثرا يدل عليه بدأت تشك فيما احتوته تلك الرسالة، ولكنها سكتت لترى ماذا يكون، وألقت ~~معظم الهم على ميمونة؛ لأنها أكبر منها سنا وأوسع علما بتلك البلاد وبأحوال ذلك الجند، ~~ولم تكن ميمونة تجهل ما يخالج أفكار مريم من هذا القبيل، فكانت تتظاهر بالدهشة أيضا، وتسأل ~~الرسول مثل أسئلة مريم، حتى وصلوا إلى قاعة ليس فيها إلا مقعدان قديمان فجلست ميمونة ودعت ~~مريم للجلوس فجلست وهي تتفرس في المكان وتنظر إلى ميمونة، وميمونة تشاركها في الارتباك قضتا ~~برهة وهما ساكتتان، ومريم تتوقع قدوم هانئ وقد شاعت عيناها وهي تنظر إلى الخارج من نافذة ~~تطل على الحديقة، وميمونة ms073 بجانبها والمكان هادئ والخادم الذي أوصلهما لم يعد يظهر، فتظاهرت ~~ميمونة بالخوف، وقالت: «ويلاه أين نحن؟ ما الذي جرى لنا؟ أين ذلك الرسول؟ يا ليتنا اصطحبنا ~~بعض الصقالبة من خصيان الخباء.» ثم صفقت كأنها تستقدم الرجل، فلم تسمع جوابا غير ~~الصدى. # أما مريم فلما رأت ميمونة خائفة، خافت هي أيضا ووقفت وقد ظهر الاهتمام في وجهها، وقالت: ~~«هل خدعونا؟ أين ذلك الرجل؟ كيف يتركنا هنا ويذهب؟ إلى أين ذهب؟» وكانت الشمس قد أدركت ~~الأصيل ولم يتناولا طعاما من الصباح. # الفصل الثامن والعشرون # | المكيدة # وبينما هما كذلك إذ سمعتا صوت صهيل وقرقعة لجام فالتفتت مريم نحو الباب فرأت فارسا وفي ~~ركابه رجلان ملثمان، وهو يركض جواده ركضا عنيفا حتى وصل إلى باب البستان فترجل فظنت مريم ~~لأول وهلة أنه هانئ فخفق قلبها، ولم تتمالك عن الوثوب نحو الحديقة، ولم تبال باختلاف ملابس ~~ذلك الفارس وجواده عن لباس هانئ وجواده لاعتقادها أنه أرسل إليها العباءة والجواد وقد جاء ~~متنكرا، ولكنها لم تكد تفكر في ذلك حتى تطلعت إلى القادم فوجدته رجلا بدينا يترنح في ~~مشيته، وسيفه يجر إلى جانبه وعباءته مسترخية وراءه، ولا تسل عن اضطرابها حينما عرفت أنه ~~بسطام، فسيطرت عليها رعدة، واصطكت ركبتاها، وكاد الدم يجمد في عروقها، والتفتت إلى ميمونة ~~فرأتها تظهر البغتة وقد تصدرت لمقابلة ذلك القادم بالنيابة عن مريم، فلما وصل بسطام ~~استقبلته ميمونة وهي تقول: «ما الذي تريده أيها الأمير؟» # فأجابها وهو يلهث من التعب والرجلان يمشيان وراءه: «وما الذي يعنيك من هذا الأمر؟» # قالت: «ليس في هذا المكان رجال، ولا أحد يهمكم أمره، فلا حاجة إلى دخولكم إليه.» # قال: «ونحن إنما جئنا لأجل النساء أليست مريم النصرانية هنا؟» قال ذلك وهو يضحك، ومد يده ~~إلى وجه مريم فنفرت وتباعدت، فأمسكت ميمونة بيد بسطام وقالت: «لا تفعل أيها الأمير ما لا ~~يليق بالأمراء واعلم أنك إذا مسستها عرضت نفسك لغضب أمير جند المسلمين.» # فصاح بسطام فيها صيحة شديدة، وقال: «من أقامك ناصحا أو نذيرا؟ وما هو ms074 شأنك؟ إني لا ~~أخاطبك.» قال ذلك وحول وجهه ومشى نحو مريم، فبالغت ميمونة في ممانعته وقبضت على زنده فتخلص ~~منها بعنف، فوقعت على الأرض، فالتفت إلى الرجلين وقال: «قيدا هذه المرأة بيديها ورجليها ~~واحبساها في هذه الغرفة، واقفلا الباب عليها.» # ولم يتم قوله حتى انقض الرجلان على ميمونة بالأمراس، وقيدا يديها ورجليها وهي تصيح ~~وتستغيث وتحاول التخلص، ومريم تهم بإنقاذها وبسطام يمنعها بدون أن يمسها بيده، وهو يقول ~~لها: «لا تخافي يا جميلة، إننا لن نصيبها بسوء وإنما أردنا إيقافها عند حدها.» فلما فرغا من ~~تقييدها، جرها الرجلان نحو تلك الغرفة فالتفتت نحو بسطام وهي تقول: «لا بأس علي مما ~~فعلتموه بي، ولكنني أتوسل إليكم ألا تمسوا هذه الفتاة بسوء.» # ثم دخل الرجلان بميمونة إلى بعض حجرات ذلك البيت وأغلقا الباب، فلما خلوا هناك تركاها ~~وشأنها فقالت بصوت خافت: «من هو عدلان منكما؟» # فتقدم أحدهما وأزاح اللثام عن وجهه، فبانت ملامحه ونظر إليها بعينه الحولاء نظر المحب ~~الولهان، وقال: «أنا عبدك عدلان، أرجو أن أكون قد أديت مهمتك كما تشائين.» # قالت: «بورك فيك.» وابتسمت، ثم أردفت: «قل لي أين هو هانئ؟ وماذا فعلت به؟» # قال: «فعلت ما أمرتني به يا سيدة النساء وإنما أرجو أن تكوني راضية عن عبدك وأسير هواك، ~~وتتحققي أنك لا تجدين من يذعن لأمرك وينفذ مآربك سواي.» # فابتسمت ابتسامة أخرى وحركت أجفانها حركة الدلال والرضا، وقالت: «إذا كنت قد فعلت ما ~~فعلته بخفة ولباقة فإني راضية قل لي أين هو هانئ؟» # قال: «أظنه لا يزال تائها في هذه الصحراء يفتش عن حبيبته.» # قالت: «وكيف أوصلت إليه المنديل؟» # قال: «بعد أن أتيتك بالجواد الأدهم أمس، وعهدت به لهذا البطل (وأشار إلى رفيقه) وأفهمته ~~كيف يخدع القهرمانة وكل ذلك بإرشادك، ذهبت بالمنديل إلى معسكر المسلمين فوصلت إليهم صباحا، ~~ومن حسن حظ مولاتي وتوفيقها أن رأيت الرجل خارجا يتمشى، فأسرعت نحوه ودفعت إليه المنديل ~~وأنا ملثم، فسألني عما أهدف إليه، فأخبرته أن صاحبة المنديل تدعوه إليها حالا، وتركته ~~وفررت ms075 إلى مكان أراه منه ولا يراني، فرأيته قد أسرع إلى جواده فركبه وساقه نحو الخباء فلما ~~تحققت من ذهابه أسرعت من طريق آخر إلى معسكر مولاي الكونت أود وأخبرته بالواقع كما أمرت، ~~وحرضته على مباغتة المسلمين حالا وقائد فرسانهم غائب فاقتنع ونادى رجاله وهجموا على ~~المسلمين وهم في غفلة، وقد رأيتهم في فشل عظيم، ولا أظنهم إلا قد ذعروا وتقهقروا والغالب أن ~~الإفرنج قد استولوا على معسكرهم الآن.» # وكان عدلان يتكلم وميمونة ترمق حركاته، وكلما قال عبارة تبتسم له وتبدي ارتياحها، وهو ~~يتكلم بحماسة وسرور، فلما قال ذلك، قالت: «ثم كيف فعلت ببسطام هذا؟» # قال: «ذهبت إليه في المعسكر القديم وأظهرت أني أخدمه خدمة تسره، وأني فاعل ذلك من تلقاء ~~نفسي وأخبرته أن مريم خرجت من الخباء إلى هذا المكان وأني سأذهب به إليها فيبلغ منها ما ~~يشاء على شرط أن يحافظ عليك فأثنى على غيرتي ودفع إلي هدية ثمينة، وكنت أتوقع أن يلتقي ~~هانئ به فيقتتلا فيقضي أحدهما على الآخر فيكمل توفيقك، وتتم رغبتنا بانقسام هذا الجند، وقد ~~جاء هانئ بعد ذهابه إلى الخباء ولم يجد مريم فيه فظن أن بسطاما اختطفها، فلما لقيه في ~~الخيام تشاجرا، وكاد هانئ أن يفتك به لو لم يجبن هذا ويدخل خيمته، وبعد ذهاب هانئ حرضت ~~بسطاما على الركوب سريعا، فركب وسرت في ركابه والتقينا في أثناء الطريق بأخي هذا وكان قد ~~جاء يستعجلنا، فبدلت عباءته بعباءتي وغيرت قيافته، وجئنا في ركاب بسطام كما رأيتنا.» # فقالت ميمونة: «بورك فيك من خادم أمين وإذا تحققت أمنيتنا بفشل جند العرب دعوتك بلقب ~~آخر.» قالت ذلك وأشارت بحاجبيها. # فأشرق وجهه وجعل ينظر إليها وقلبه يكاد يطفح سرورا لما شاهده من أنسها وتلطفها. # الفصل التاسع والعشرون # | الخنجر # أما مريم، فلما رأت ميمونة مسوقة إلى تلك الحجرة وهي مقيدة الأطراف، وسمعت تضرعها إلى ~~بسطام بشأنها آمنت بأنها تحبها، ولكنها كانت في شغل من أمر نفسها؛ لأنها لم تتوقع بعد ما ~~رأته إلا الفتك الذريع من بسطام، وهو مع ms076 غلظته وخشونته كانت رائحة الخمر تفوح من فمه، وقد ~~احمرت عيناه واربد لون وجهه، وتمنطق بجلد عريض غرس فيه خنجرا ضخما وضع يمينه على قبضته ~~ويسراه على قبضة السيف، فبدا لعيني مريم شيطانا رجيما فاستعاذت بالله من ذلك الشيطان، ~~وتضرعت إليه تعالى أن ينجيها منه على أنها لم تتمالك عن الاضطراب الشديد من منظر ذلك الوحش ~~الكاسر، وكانت لا تزال متزملة بالعباءة الحمراء التي تعتقد أنها عباءة هانئ فوق ردائها ~~الأسود، وعلى رأسها خمار أسود يغطي جبينها إلى الحاجبين، وقد تلثمت به من أسفل الذقن فبان ~~وجهها من خلال ذلك مستديرا، وقد تلألأت عيناها وزادهما الانقباض هيبة، ومع كل ما شاهدته من ~~أسباب الخوف لم تخر عزيمتها، ولعلها كانت عند لقاء بسطام لأول وهلة أكثر اضطرابا منها بعد ~~ظهور تلك الفظاعة بتقييد ميمونة وحبسها، وقد أصبحت وهي معه وحيدين في ذلك البيت ~~الواسع. # أما بسطام، فلما اختلى بمريم على تلك الصورة دعاها إلى الجلوس على كرسي هناك، كأنه يريد ~~أن يخاطبها بلطف على سبيل الإقناع، فجلست، وجلس هو على كرسي آخر، والتف بعباءته حتى غطت ~~السيف والخنجر ، وهو يقول بلغة عربية مستعجمة في نغمة بربرية: «لا تخافي يا مريم إني لا أريد ~~بك سوءا؛ لأني أحبك حبا شديدا (وبالغ في تشديد الدال) وأنت على ما يظهر قد غشك ذلك ~~الغلام العربي، فانخدعت بأقواله، على أنك نصيبي وحدي من هذه الحرب، ولو شئت أن أمنعه منك ~~لمنعته من أول ساعة، ولكنني تلطفت بك وأشفقت على مزاجك، والآن قد وقعت بين يدي، فلا مفر لك ~~فأطيعيني.» # وكانت مريم تسمع كلامه وأطرافها ترتعد من شدة التأثر وهي تفكر في مجيئه إلى هناك هل كان ~~على موعد أو كان ذلك مصادفة؟ وأحبت أن تماطله في الحديث ريثما يأتي هانئ لاعتقادها أنه قادم ~~إليها فقالت: «دع عنك ذلك يا أمير فإن لكل شيء وقتا، وأنتم الآن في حرب فبعد انقضائها يأخذ ~~كل ذي حق حقه.» # فقال: «لا تماطليني بالمحال، ولا تظني أن هانئا سيبلغ منك ms077 شعرة، فقد صرت في قبضة يدي ولن ~~يخلصك منها أحد، فالأفضل لك أن تطيعيني وإلا فإني بالغ منك ما أريد قهرا.» # فلما سمعت تهديده عظم عليها الأمر، ولكنها ظلت تحاول مماطلته ريثما يأتي هانئ لثقتها بأن ~~هانئا آت لا محالة، فقالت: «لا أرى باعثا إلى التهديد أيها الأمير، فإن من يعد نفسه ~~أميرا ويفتخر بشجاعته وشدة بأسه لا يليق به أن يهدد فتاة بمثل هذه العبارات، وخصوصا في ~~مثل ما أنتم فيه من الجهاد.» # فضحك بسطام ضحكة استخفاف، وقال: «نعم إني أمير شجاع وساحة الوغى تشهد لي بذلك ولولاي لم ~~يكن لذلك الغلام ذكر بين الرجال، ولا كان لأولئك العرب راية تخفق في هذه البلاد، فإذا علمت ~~ذلك فأقلعي عن ذكر سواي.» # فلما سمعت تعريضه بهانئ وبالعرب، ورأت أن اللين لا يجدي معه نفعا، عادت إلى ما شبت عليه ~~من الأنفة، وقالت: «دع عنك التعريض والتلميح فإنك لست من رجال الأمير هانئ، ولو حضر الآن ما ~~تجاسرت على التحدث في حضرته بمثل هذا الكلام.» # فحملق بسطام بعينيه، ووقف بغتة وأمسك بذراع مريم وضغط بكل قوته كأنه يريد أن يبغتها لعلها ~~تلين فشعر بصلابة عضلها كأنه قابض على حديد، ثم جذبت يدها من قبضته فلم يستطع منعها، ووقفت ~~وهي تقول: «ابعد عني ولا تمسني، فقد بالغت في الاستخفاف حتى نفد صبري.» # فلما شاهد منها هذا الإصرار، ورأى فيها تلك القوة اشتد غيظه وقال لها غاضبا: «لا تعللي ~~نفسك بالمحال، فإني ضاربك بهذا السيف ضربة أقضي بها على حياتك، هل أنت إلا سبية تباعين ~~ببضعة دراهم؟ وقد أخطأت في محاسنتك، فظننت أن المحاسنة ضعف، وأنت تعلمين أن في خبائي عشرات ~~من أمثالك يتمنين رضائي.» # الفصل الثلاثون # | المعركة # وهمت مريم بأن تجيب بسطاما، فسمعت ضجيجا في البستان وقد علت الضوضاء، وسمعت رجلا يقول: ~~«إن الأمير هانئا هنا.» # فلما سمعت اسم هانئ بغتت واشتغلت عن بسطام باستطلاع الخبر، فأسرعت إلى الباب وأسرع هو ~~أيضا فرأت جماعة من العرب قد وقفوا حول الجواد الأدهم، وهم ms078 يقولون: «أليس هذا جواد الأمير ~~هانئ؟ فأين هو؟» # فأجابهم بسطام: «ليس هانئ هنا ماذا تريدون منه؟» # فتقدم أحدهم وقد غشيه الغبار وتجلت البغتة في وجهه وتصبب العرق من جبينه، وقد عرف الأمير ~~بسطاما فقال: «إن الإفرنج هاجمونا واشتبك القتال بيننا وبينهم، والأمير هانئ غائب من ~~الصباح، وقد فشل فرساننا وكادت الدائرة تدور علينا فخرجنا للبحث عنه، فإذا لم يدركنا لم تقم ~~لنا قائمة، والأمير عبد الرحمن لم يستطع قيادة الفرسان لاشتغاله بسائر الجند فلما رأينا هذا ~~الجواد الأدهم ظنناه هنا.» # فقال بسطام: «ليس هذا جواده والظاهر أنه طلب النجاة بنفسه ابحثوا عنه في غير هذا المكان.» ~~قال ذلك، وتحول إلى الداخل. # فرجع الرجل ورفاقه إلى الجواد، وتأملوه جيدا، فتحققوا أنه ليس جواد هانئ، فرجعوا. # وكان جند العرب قد ضعف لغياب هانئ؛ لأنهم لم يكونوا يتوقعون نشوب الحرب في ذلك اليوم، ~~وإنما خرج إليهم الإفرنج بغتة وهم في خيامهم لأسباب تقدم بيانها في أثناء حديث ميمونة، وكان ~~عبد الرحمن في صباح ذلك اليوم في خيمته يصرف بعض الشئون منتظرا مجيء هانئ إليه للمداولة في ~~أمر الجند، فأبطأ هانئ عليه فانشغل خاطره وهم باستقدامه، وإذا ببعض الرجال قد جاءوه مسرعين ~~ينادون: «إن الإفرنج قد خرجوا إلينا كالسيل الجارف.» وعلت ضوضاء الجند، فخرج عبد الرحمن إلى ~~فرسه وبعث رسولا إلى الأمير هانئ وسائر الأمراء ليجمعوا رجالهم ويتأهبوا للهجوم على ~~عادتهم، ولم يكد يفعل ذلك حتى انهالت النبال على خيمته، فتطلع إلى ميدان المعركة فرأى ~~الإفرنج يهجمون وقد تصاعد غبارهم، فركب جواده ونادى رجاله ووقف في انتظار هانئ ليقود ~~الفرسان ويرتبهم، فعاد الرسول وهو يقول: «لم نجد هانئا في خيمته ولا رأينا جواده في ~~مربطه.» # فارتبك عبد الرحمن في أمره، وقد كان يعتمد كثيرا على هانئ في تنظيم الهجوم؛ لأنه قائد ~~فرسانه، والفرسان أقوى فرق الجند عند العرب، فغضب عبد الرحمن لتخلفه غضبا شديدا، وأخذ على ~~نفسه قيادة الفرسان فلم يستطع تنظيمهم؛ لأنه لم يتعودهم ولا تعودوه والفرصة قصيرة، فالتحم ~~الجيشان والعرب مرتبكون، ولولا ms079 شجاعة عبد الرحمن وحسن تدبيره في ذلك المركز الحرج لتشتت ~~رجاله منذ الصباح لكنه ظل رابط الجأش، وأخذ يستحث الرجال ويمنيهم ويسير أمامهم إلى صفوف ~~الأعداء لا يبالي بما يتساقط عليه من النبال؛ لأن موته في ساحة الحرب كان أيسر عليه من ~~الفشل. # فلما مالت الشمس عن خط الهاجرة ولم يأت هانئ، بعث جماعة للبحث عنه، وظل هو يدبر أمور ~~الجند ويصبرهم ويحثهم ويشجعهم حتى كادت الشمس تدنو من المغيب، وكاد الإفرنج ينتصرون على ~~العرب وكان الفرسان يحاربون وعيونهم شائعة في عرض البر يتوقعون قدوم قائدهم أو سماع خبر ~~عنه، وكان الأمراء كلما التقى اثنان أو ثلاثة منهم ولو تحت خطر الموت، تساءلوا عن هانئ وسبب ~~غيابه، وشعروا بأهميته في حروبهم أكثر مما كانوا يظنون. # أما عبد الرحمن، فمع سعة صدره وشدة حبه للأمير هانئ، فقد حقد عليه وتوهم أن الحب حمله على ~~المسير إلى حبيبته على أثر ما سمعه من رضائه عن حبهما، ولكنه كان في شغل عن التوسع في هذا ~~الشأن بما يحيط به من المشاغل الهامة خشية الفشل على أنه أضمر إذا صح ظنه في هانئ أن يحرمه ~~من مريم، كانت تلك الأفكار تتوارد على ذهنه متقطعة يتخللها ارتباكه في كيف يتدارك الخطر ~~المحدق به وبجنده، وكان مع ذلك لا يفتر عن التلفت والتطلع لعله يرى هانئا قادما، ولكنه لم ~~يكن يرى إلا ما يزيده اضطرابا بزيادة اضطراب الجند، وخاصة الفرسان، حتى كاد الإفرنج أن ~~يصلوا إلى خيمته. # الفصل الحادي والثلاثون # | هانئان # وفيما هو يستحث رجاله ويحرضهم على الصبر والثبات، لاحت منه التفاتة إلى يسار الجند فرأى ~~من خلال الغبار والنبال فارسا على جواد أدهم عليه عباءة حمراء، وعلى رأسه خوذة، وقد أشرع ~~سيفه وأطلق لفرسه العنان، فبذل الفرس أقصى ما عنده من العدو حتى اعتدل عنقه وتطاير عرفه ~~وانتصب ذيله وامتدت قوائمه، فاستطال بدنه وتناثر التراب من مواقع حوافره ولولا ذلك التناثر ~~ما علمت مواقعها، وتصاعد الغبار خلفه وهو منطق بالفرس الذي بدا كأنه سابح في ms080 الهواء وكأن ~~الغبار يحاول اللحاق به فلا يدركه، والفارس ثابت على ظهره كأنه قطعة منه لا يبالي بالسهام ~~المتطايرة ولا بالرجال المهاجمين، فلما رآه عبد الرحمن خفق قلبه سرورا لاعتقاده أنه هانئ، ~~فساق جواده نحوه حتى اقترب منه وهو يتوقع أن يقف له، ولكنه ظل هاجما نحو الإفرنج وهو يقول: ~~«أتاكم هانئ لا تفشلوا، ولا تخافوا من غلمان الإفرنج إنهم غنيمتكم في هذا اليوم.» # فلم يشك عبد الرحمن أنه الأمير هانئ نفسه وأراد أحدهم أن يستقدمه إلى عبد الرحمن فلم يصغ ~~إليه، وساق جواده إلى معسكر الإفرنج من جهة لم يكن الإفرنج يظنون أن العرب يأتونهم منها ~~فاشتدت عزائم العرب وخاصة الفرسان وساروا في أثره كأنهم الأسود الكاسرة، فبغت الإفرنج ~~وأرادوا أن يحولوا قوتهم إلى الجهة التي هاجمهم منها ذلك الفارس، وإذا بفارس آخر بعباءة ~~حمراء وخوذة على جواد أدهم أيضا، وقد استل حسامه وهجم على الإفرنج من جانب آخر وهو يقول: ~~«جاءكم الأمير هانئ.» فتبعه من بقي من الفرسان فانقسم الإفرنج شطرين لملاقاة الفريقين، ~~فضعفت قوتهم، وازداد المسلمون ثباتا وشجاعة، ولم يمس المساء حتى فر الإفرنج على بكرة ~~أبيهم وأصبح معسكرهم غنيمة للمسلمين، فاستولى المسلمون على ما هناك من الخيام والأسلحة ~~والأطعمة والذخائر، وكان الأمير عبد الرحمن قد شاهد هجوم الأمير الآخر من الناحية الأخرى ~~وهو يشبه الأمير هانئا؛ لأن كليهما بملابس متشابهة وعلى فرسين متشابهين. # فلما فر الإفرنج كانت الشمس قد غابت واكفهر وجه السماء وعاد عبد الرحمن إلى خيمته حيث كان ~~يتوقع أن يلاقي الأمراء وهانئ في جملتهم ليعهد إليه بأمر الغنائم على عادتهم. # وبعد قليل جاء أحد الفارسين صاحبي الأدهمين، فإذا هو هانئ نفسه، فرحب به فابتدره هانئ ~~قائلا: «لقد غدر بنا هؤلاء الإفرنج وتوسموا أن في الغدر خيرا وقد دمرهم الله، ولو علمت ~~بعزمهم على الهجوم ما فارقت المعسكر لحظة.» # فقال عبد الرحمن وهو يتحول عن جواده ويتشاغل بإصلاح ركابه: «لقد شغلت خاطرنا في غيابك، ~~فنحمد الله على رجوعك.» ثم التفت إليه بلهفة وقال: «ومن ms081 هو هذا الفارس الذي تقدمك وتسمى ~~باسمك؟» # فقال هانئ: «لم يكن معي أحد.» # قال عبد الرحمن: «أما رأيت فارسا على جواد أدهم مثل جوادك ويلبس عباءة مثل عباءتك؟ لقد ~~رأيته بعيني وسط المعركة قبل وصولك، وسمعته يتسمى باسمك.» # قال ذلك ونظر إلى أحد الرجال حوله، وقال: «أين ذلك الفارس الذي كان على الجواد ~~الأدهم؟» # فأجاب أحدهم: «رأيناه هاجما وقد أوغل في الصفوف، ثم توارى وربما جاء بعد قليل.» # فصاح عبد الرحمن: «اذهبوا في أثره واستقدموه.» وتحول عبد الرحمن وهانئ إلى الخيمة، وجاء ~~في أثرهما بعض الأمراء ثم جلسوا يتحدثون في أمر ذلك اليوم العجيب، وما كان يهددهم من خطر ~~وكلهم يذكرون هانئا آخر ويتعجبون، على أنهم اشتغلوا عن ذلك بعد قليل بتدبير أمر الغنائم ~~والأسرى، ولم يكن في معسكر الإفرنج نساء؛ لأنهم لا يحملون معهم نساءهم ولا أولادهم، أما ~~الرجال، فإنهم ركنوا إلى الفرار وفي مقدمتهم الكونت أود صاحب أكيتانيا ورجال حاشيته. # فتباحث الأمراء في أمر الغنائم من الأسلحة والخيام والفرش وغير ذلك، وعهدوا إلى كتاب ~~الجيش بالعمل على تقسيمها وحفظ حق بيت المال على عادتهم، ولم تكن الغنائم في هذه الوقعة ~~كثيرة فاقتسموها على عجل، وقضوا تلك الجلسة وكل منهم يفكر في أمر ذلك الفارس، ثم تفرقوا إلى ~~خيامهم إلا هانئا فإنه بقي عند عبد الرحمن يقص عليه حديثه باختصار، ولم يكتمه شيئا بعد ما ~~آنسه من مجاراته في حبه لمريم، فلما بلغ إلى حديث بسطام وما كان من حاله في مستودع الغنائم، ~~هز عبد الرحمن رأسه وقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون، إن أمر هؤلاء البرابرة يقلقني، فإنني ~~أخشى عواقب استبدادهم إذا نحن بالغنا في استرضائهم، وأخشى - من جهة أخرى - إذا جافيناهم أن ~~يفسدوا علينا سعينا.» # وكان هانئ حينما ذكر الجواد الأدهم الذي أخذت مريم به، تذكر ما قالته القهرمانة عن ~~العباءة الحمراء والخوذة اللتين تشبهان عباءته وخوذته، فتبادر إلى ذهنه أن ثمة علاقة بين ~~ذلك الجواد وهذا الفارس. # وبينما هما في ذلك إذ عاد الذين ذهبوا للبحث ms082 عن هانئ الآخر، وقالوا: «لقد بحثنا عنه في ~~المعسكرين فلم نقف له على أثر.» فعاد هانئ إلى هواجسه وهو في قلق على مريم، ولم يفهم تلك ~~الأسرار، وخشي أن يكون قد أصابها سوء، أو لعلها في ضيق، أو تكون قد فرت من معسكر العرب بتلك ~~الحيلة، أما عبد الرحمن فإنه حينما سمع ما قصه عليه هانئ من أمر مريم وخروجها، وتذكر ~~والدتها والمهمة التي ذهبت لأجلها، أوحى إليه سوء ظنه - والعاقل سيء الظن - باتهام سالمة في ~~الأمر، وأنها إنما تظاهرت بما تظاهرت به احتيالا للفرار من الأسر، ثم راجع ما حفظه من ~~حديثها، وما كان يبدو في وجهها من أمارات الجد، فغلب عليه الاعتقاد في صدقها. # الفصل الثاني والثلاثون # | هانئ الآخر # ولبثا برهة صامتين لا يتكلمان، وكل منهما في خواطره يتنازعهما التفكير في مريم وفي ذلك ~~الفارس، وبينما هما في ذلك، إذ سمعا وقع حوافر مسرعة نحو الخيمة فأصغيا، فإذا بغلام دخل ~~مسرعا وهو يقول: «إن فارسين بالباب يلتمسان الدخول.» فقال عبد الرحمن: «ليدخلا» فخرج ~~الغلام ثم عاد وفي أثره رجل عليه خوذة وعباءة حمراء، فلما وقع نظرهما عليه علما أنه الفارس ~~الذي سمى نفسه هانئا، فلما رآه هانئ وقف وأقبل نحوه وتفرس في وجهه، فرآه قد تلثم تحت ~~الخوذة بلثام أسود، ورأى من خلال العباءة ثوبا أسود فصاح فيه: «يا أهلا بالفارس الذي يسمي ~~نفسه هانئا.» قال ذلك وتقدم نحوه وهو يتوقع جوابه، فظل الفارس ساكتا ينظر من خلال اللثام، ~~فابتدره الأمير عبد الرحمن قائلا: «إنك لذو فضل على هذا الجند بالله ألا رفعت لثامك ~~وعرفتنا بنفسك.» # فرفع الفارس يده إلى الخوذة فنزعها، فبان من تحتها خمار أسود، وألقى العباءة عن كتفيه ~~فبان من تحتها ثوب أسود، فعرف هانئ للحال أنه ثوب مريم، فلم يتمالك أن صاح: «مريم، ~~مريم.» # فمد الفارس يده إلى الخمار فأزاحه، فبان من تحته وجه فتاة يتدفق حيوية وجمالا، وقد زاده ~~التلثم دفئا فتورد وأبرقت العينان، ولا تسل عن هانئ حينما علم بما أظهرته مريم ms083 من البسالة ~~التي تندر بين النساء، فقال وهو لا يستطيع إمساك نفسه: «مريم أهذه الفعال فعالك يا حبيبة؟ ~~عهدناك ربة الجمال واللطف، ولم يخطر لنا أنك ربة الجواد والسيف، حبيبتي ما الذي جرى؟ أين ~~كنت؟ ما هذا؟ ماذا أرى؟» # قالت: «إنك ترى مريم واقفة بين يديك ويدي الأمير عبد الرحمن، ولم أفعل أمرا يستحق هذا ~~الثناء وإذا كنت قد فعلت شيئا، فما هو إلا لأني تسميت باسم الأمير هانئ، فالأمير هانئ هو ~~الذي فعل ذلك.» قالت ذلك بلثغتها المعهودة، وقد تجلى على محياها شيء هو غير البسالة والأنفة ~~تجلت على وجهها ملامح الحب، فذهب كل ما كان هناك من أمارات الشجاعة والرجولة، ثم تنبهت إلى ~~أنها قالت ذلك بين يدي الأمير عبد الرحمن، فغلب عليها الحياء فأطرقت فابتدرها عبد الرحمن ~~قائلا: «بورك فيك، وبورك في الأمير هانئ إنكما متكافئان، ولولاكما لأصاب هذا الجيش ضيق ~~تعصف بنا عاقبته، تفضلي يا بنية اجلسي وقصي علينا خبرك، وما الذي دعاك إلى اقتحام هذا الخطر ~~العظيم فقد سمعت من أخي هانئ أنك خرجت من الخباء في هذا الصباح بخديعة، وذهب هو من الصباح ~~للبحث عنك ولم يعد إلا بعد مجيئك، عاد وهو يائس من العثور عليك فما هو خبرك؟» # قالت: «أرجو قبل الشروع في الحديث أن تأمر باستقدام رفيقتي وصديقتي ميمونة التي تحملت ~~العذاب من أجلي، فإنها خارج هذا الفسطاط.» وأشارت بأصبعها إلى الخارج. # وكان الأميران قد علما بأنهما ضلا معا، فلم يستغربا كلامها، فصفق عبد الرحمن فدخل الغلام ~~فأمره أن يدخل المرأة الواقفة في الخارج، وبعد هنيهة دخلت ميمونة وهي تتظاهر بالحياء ~~والدعة، فأشار إليها عبد الرحمن أن تجلس على طنفسة في أحد جوانب الفسطاط وهو يتبسم لها ~~اعترافا بحسن صنيعها، ثم حول وجهه إلى مريم للاستماع إلى حديثها وكان هانئ لا يزال واقفا، ~~فأشار إليه عبد الرحمن أن يجلس بجانبه فجلس، وأصاخ الأميران بأذنيهما لسماع القصة. # فبدأت مريم تقص حديثها منذ جاءها الرسول يلتمس ذهابها إلى الأمير هانئ، وكيف أن ميمونة ~~عرضت ms084 نفسها لخدمتها، وكيف آنستها وأعانتها حتى وصلتا معا إلى القصر المهجور وما كان من ~~مجيء بسطام وما أبداه من الوحشية، وكيف عرضت ميمونة نفسها للخطر دفاعا عن مريم، فلما ذكرت ~~مريم ذلك تحولت الأنظار إلى ميمونة، فتظاهرت بالحياء والإطراق، أما هانئ فإنه أحس منذ سمع ~~اسم بسطام بارتعاد من شدة الغيرة، والتفت إلى الأمير عبد الرحمن وهمس في أذنه قائلا: «يا ~~ليتني قتلته في هذا الصباح.» # أما مريم فإنها استمرت في حديثها، فقالت: «فلما سمع بسطام دفاع هذه الصديقة عني أمر ~~رجاله فقبضوا عليها، وأوثقوها وساقوها إلى إحدى الغرف وهي تصيح وتستغيث، فلما يئست من ~~نجاتها توسلت إلى ذلك الوحش الكاسر أن يرفق بي، إني لا أنسى تلك الاستغاثة وإن كان بسطام لم ~~يعبأ بها، فإنه لما خلا بي في ذلك القصر المهجور حدثته نفسه بأمور كثيرة وطال الجدال بيني ~~وبينه، وفيما نحن في ذلك جاء بعض فرسان هذا الجند للبحث عن الأمير هانئ هناك، فعلمت منهم أن ~~الإفرنج هاجموكم وهانئ غائب، وأن العرب في ضعف بسبب ذلك فأصبحت في قلق لأسباب لا تجهلونها، ~~أما بسطام فإنه لم يبال بضياع جند العرب كله، ولما سمع توبيخي له على ذلك انتهرني وعرض بذكر ~~الأمير (وأشارت إلى هانئ) واتهمه بالجبن وأنه فر من المعركة خوفا من الموت؛ لأني قلت له: ~~«ألا تزال تزعم أن هانئا غلام لا شأن له وقد رأينا الجند لا يستطيعون شيئا بدونه ولم ~~نسمعهم يذكرون بسطاما ولا سواه؟» فلما سمع هانئ ذلك الثناء حول نظره عن مريم حياء. # أما مريم فأتمت حديثها قائلة: «فوقع كلامي على بسطام وقوع الصاعقة، ولم يتمالك أن هجم ~~علي ويده على قبضة سيفه يهم أن يجرده وأن يضربني به، فصحت فيه: «اخسأ يا نذل الرجال إن ~~مثلك لا يليق أن يسمى أميرا، فبدلا من أن تجرد حسامك على فتاة، اذهب لنجدة إخوانك، وقد ~~علمت ما هم فيه من الضنك، وجرده على أعدائك ولو كان هانئ في مكانك ما فعل غير ذلك.» # فلم يزده ms085 هذا الكلام إلا حنقا، وكنت أظنه يخجل من نفسه ويرتد عن غيه، فقال ويده لا تزال ~~على قبضة السيف: «لو كان هانئ رجلا ما تخلف عن ميدان الحرب في مثل هذا اليوم، ولكنه جبان.» ~~ولم يتم كلامه حتى جرد سيفه، وهم بإطلاقه علي فلما رأيت ذلك منه وتبينت الغدر في عينه ~~تناسيت ضعف النساء وشددت عزيمتي، وعزمت على الفتك به التماسا للسرعة في الخروج من بين ~~يديه؛ لأنظر في أمر هذا الجند؛ لأن نجاحه يهمني كثيرا كما تعلمون، ثم أمسكت نفسي وعدت إلى ~~الملاطفة، فقلت له: «لا تخيفني بسيفك، ولا يغرنك أني فتاة فإني لا أخشى السيوف ارجع عن عزمك ~~واتركني وشأني، وذلك خير لك.» وقبضت على زنده وهززته، فأكبر أن يصغي لنصحي فتخلص من يدي، ~~وكان قد أنزل السيف فعاد وشهره، وأوهمني أنه مطلقه على عنقي فتراجعت لأخلو من الضربة، فظن ~~أنني خفت فتبعني وسيفه يكاد يقع على رأسي، فلم أعد أستطيع صبرا على ذلك فصحت فيه: «نصحتك ~~فاقبل نصيحتي يا بسطام.» قلت له ذلك وهو يحاول أن يقبض على ثوبي ليتمكن من ضربي؛ لأنه كان ~~يتوقع فراري، ولكنني بدلا من الفرار هجمت عليه وأمسكت يمناه بيساري ومددت يمناي إلى ~~منطقته، واستللت خنجره وغمدته في صدره، وقلت له: «أبيت إلا أن تموت قتيلا وأن تدنس يدي ~~بدمك.» فغاص الخنجر إلى قبضته فخر على الأرض وسقط السيف من يده، فالتقطت السيف ولم أنظر إلى ~~وجهه؛ لأني قتلته مكرهة، وأسرعت إلى الجواد الأدهم فركبته والتففت بالعباءة، وجعلت الخوذة ~~على رأسي، وهمزت الجواد نحو المعركة لأوهم الناس أني الأمير هانئ تشجيعا لفرسانه، فإذا ~~ترتب على عملي هذا نجاح فإنما الفضل لذلك الاسم المبارك.» # الفصل الثالث والثلاثون # | الإخلاص # فلما ذكرت مريم أنها قتلت بسطاما، صاح الأمير عبد الرحمن: «بسطاما؟» # قالت: «نعم قتلته وقد قصصت عليك السبب الذي دعاني إلى قتله، فإما أن تعذرني فيه أو تقتلني ~~بسببه فإني بين يديك.» # فتصدى هانئ للجواب قائلا: «إن قتله مقدر منذ أيام، ولو لم تقتلينه أنت ms086 لقتلته أنا، وإذا ~~رأى الأمير عبد الرحمن أن ينتقم له، فلينتقم مني.» # فقال الأمير عبد الرحمن: «لا أريد الانتقام له، ولكنني أخشى أن يترتب على مقتله اضطراب في ~~صفوف الجند لما تعلمون من ...» ثم انتبه لوجود ميمونة هناك، فتوقف عن إتمام الحديث وحول ~~الموضوع فقال: «سنعود إلى البحث في ذلك، والآن أخبرينا عن سبب تأخرك عن القدوم إلى الآن مع ~~أن المعركة انقضت منذ بضع ساعات؟» # فلما سمعت مريم سؤال عبد الرحمن أشارت بيدها إلى ميمونة، وقالت: «قد كنت في شغل من أمر ~~هذه الصديقة؛ لأني تركتها أسيرة في ذلك القصر المهجور حين أسرعت إلى ساحة الوغى، فلما فرغت ~~من ذلك واطمأن بالي على الجند تذكرت ما هي فيه من الضيق بسببي، فلم أتمالك عن الذهاب ~~لإنقاذها فأسرعت إلى القصر قبل المجيء إلى هذا المعسكر، فوجدتها لا تزال مغلولة وقد غادرها ~~الحارسان، فحللت قيودها وجئت بها على جواد كان لا يزال هناك، ولو لم أستطع إنقاذها لتنغص ~~عيشي؛ لأنها إنما أسرت وأهينت بسببي فلما رجعت كان الليل قد أظلم فاهتديت إلى معسكركم ~~بنيرانه، وعرفت خيمة الأمير من العلم الذي ببابها فجئت كما ترون.» # وكانت مريم تتكلم والهيبة تتدفق من محياها والصدق يتجلى في كل لفظ من ألفاظها، فازداد عبد ~~الرحمن إعجابا بها والأمير هانئ هياما بحبها فصاح هانئ: «بورك في بطن حملك، ووالله؛ لأنت ~~بشير خير ورسول سعادة لهذا الجند.» # فوقفت ميمونة عند ذلك وهي تتظاهر بالامتنان واللطف والحياء، وقالت: «لا غرو أن أعجب بها ~~الأمير وهو في أبان الشباب فقد عشقتها النساء قبله، وأعترف أني لم تقع عيني في هذه البلاد ~~ولا في غيرها على فتاة جمعت ما جمعته هذه الحبيبة من لطف النساء وبسالة الرجال وأنفة ~~الأمراء وحنو الأمهات، عدا ما في خصالها من صدق اللهجة وعزة النفس، فهي جديرة برضاء ~~الأميرين، وأما أنا فقد كنت أعدها صديقتي، وأصبحت أنظر إليها - بعد ما غمرتني به من جميل - ~~نظري إلى من هو فوق مرتبتي.» # وكانت مريم في أثناء ذلك ms087 مطرقة تكاد تذوب خجلا، وقد كلل العرق جبينها حتى تقطر فوق خدين ~~توردا من شدة الحياء، ولم تستطع جوابا فلاذت بالسكوت والإطراق. # وأدرك عبد الرحمن ذلك فيها فأشفق على عواطفها، فعمد إلى تغيير الحديث فقال: «أرى مريم ~~أهلا لأكثر من ذلك، وأما الآن فقد آن لها أن تستريح بعد هذا العناء.» ثم صفق فدخل الغلام، ~~فقال له: «أعدد لهاتين السيدتين خيمة تنامان فيها، وأحضر لهما كل ما تحتاجان إليه من وسائل ~~الراحة وخذ الفرسين إلى الإسطبل.» # فأشار إشارة الطاعة وخرج، وخرجت مريم وميمونة في أثرها، وهانئ يراقب مريم في أثناء خروجها ~~وقد تضاعف هيامه بها، وتذكر ما عاهدها عليه من أمر الزواج بعد أن يقطعوا نهر لوار، فلما ~~تذكر ذلك هان عليه أن يقتحم جند الإفرنج وحده إذا حالوا بينه وبين ذلك النهر فلما خرجت ~~المرأتان وبقي الأميران على انفراد، لاحظ عبد الرحمن ما بدا في وجه هانئ من دلائل الهيام ~~فسره تعلقه بمريم، وتغلب هذا الخاطر على ما عساه أن يكون قد خطر في باله من الاستئثار بها ~~دونه لما آنسه من الشبه الشديد بين الحبيبين في البسالة والحماسة والأنفة مع ما بينهما من ~~المحبة المتبادلة على أنه ما لبث أن غلب على فكره أمر ذو علاقة كبرى بسلامة ذلك الجند ~~والاحتفاظ باتحاده على أثر ما سمعه تلك الليلة من مقتل الأمير بسطام، وأصبح لا يشك في أنه ~~إذا بلغ خبر مقتله إلى رجاله فإنهم يثورون ويطالبون بدمه، فاذا علموا أن مريم قد قتلته ~~فربما أساءوا إليها فيستاء هانئ، وتكون البلية الثانية شرا من الأولى فلبث الأمير عبد ~~الرحمن هنيهة وهو مطرق، وأصابعه تداعب لحيته، وقد استغرق في التفكير حتى غلب عليه ~~الجمود. # وكان هانئ مطرقا مثل إطراقه ولم ينتقل فكره من مريم إلا إلى ما قد يحول بينه وبينها من ~~جنود الإفرنج وحصونهم. # الفصل الرابع والثلاثون # | حيلة جديدة # انتبه عبد الرحمن بغتة ونظر إلى هانئ، فلما رآه مطرقا أدرك أنه يفكر في أمر غير الذي ~~يفكر فيه، فعذره ms088 في استغراقه في التفكير في مريم بعد ما شاهده منها، ولكنه خاطبه بلطف ~~وإيناس قائلا: «بورك لك في هذه الفتاة، فإنك والله جدير بها، ولكنني لا أزال أتوقع منك ~~رأيا لا يتم لنا أمر بدونه.» # فلما سمع هانئ كلامه عاد إلى رشده وفاته لأول وهلة إدراك مراد عبد الرحمن، فقال: «وأي أمر ~~تعني أيها الأمير؟» # قال عبد الرحمن: «أعني بسطاما وقتله لا أنكر أنه نال ما يستحقه، ولكنك لا تجهل حاجتنا ~~إلى بقائه إذا لم يكن للاستعانة بسيفه فللاحتفاظ بولاء قبيلته، وأنت تعلم شأن أولئك ~~البرابرة معنا، وخصوصا رجال بسطام فانهم إنما أعانونا طمعا في الغنائم ولم يذعنوا ~~لأوامرنا إلا وفي نفوسهم ضغائن علينا، لاعتقادهم أن العرب ظالموهم ومستأثرون بالسلطة ~~والأموال دونهم، فإذا علموا بمقتل أميرهم أخشى أن يبدو منهم ما يفسد أمرنا ويفرق كلمتنا، ~~ونحن في أشد الحاجة إلى الاتحاد فما رأيك؟» # فبادر هانئ بالجواب كأنه شغل بتنميقه وإعداده منذ أيام، وقال: «ليس أهون علي من إرضاء ~~أولئك البرابرة، فقد قلت إنهم لم يعاونونا في هذه الحرب نصرة للإسلام، وإنما أرادوا كسب ~~الأموال، وأقول لك إنهم لم يطيعوا بسطاما إلا لمثل هذه الغاية؛ لأنه واسطة بيننا وبينهم، ~~فإذا تحققوا من ذلك الكسب ظلوا على الطاعة وزد على ذلك أننا نستطيع أن نوهمهم بأن ذهابه ~~سيدعو إلى زيادة أنصبتهم من الغنائم؛ لأنه كان كثير الطمع لنفسه، ثم نمنح أولئك الأمراء ~~هدايا خاصة ونطلب إليهم أن يختاروا رئيسا منهم بدل بسطام وإذا عهدت إلي بتدبير ذلك فعلته ~~وأنا ضامن السلامة بإذن الله، فإن من كانت مطامعه الأموال لا يصعب إرضاؤه.» # فأعجب عبد الرحمن بسداد ذلك الرأي، وعهد إليه بتدبير الأمر بحكمة، وفوض إليه إجراء ما ~~يراه ولم يكن ذلك صعبا عليه. # وفي صباح اليوم التالي، تفاوض الأمراء في أمر الأخبية فأجمعوا على حملها إلى هناك، فبعثوا ~~جندا لنقل المضارب وخيام الغنائم التي كانت باقية في المعسكر القديم، وأتم هانئ مهمته على ~~نحو ما قال، ومكثوا هناك يتأهبون للمسير نحو نهر لوار ms089 بعد رجوع سالمة من مهمتها ليعلموا كيف ~~يتصرفون؛ لأن عبد الرحمن كان يتوقع فوائد كبرى من مساعي سالمة، لعلمه أن اتحاد جنده لا يبقى ~~طويلا لاختلاف عناصره وتضارب مقاصد أمرائه فإذا لم يتخذ وسائل أخرى خشي العاقبة فضلا عما ~~يترتب على مشروع سالمة من حقن الدماء وسهولة الفتح. # أما ميمونة، فقد علمت ما كان من حيلتها، وما دبرته لفشل جند المسلمين، وكيف أنها لم تنجح ~~لأسباب تقدم ذكرها ولكنها كانت بدهائها ومكرها قد حفظت لنفسها خط الرجوع، فأظهرت أنها أسيرة ~~بسبب مريم وقد سرها مقتل بسطام؛ لأنه مطلع على بعض أسرارها، وفي مقتله أمان من إفشائها فلما ~~خرجت مريم على الجواد الأدهم في ذلك اليوم أرسلت ميمونة أحد الرجلين في أثرها، فلما عاد من ~~المعركة وأنبأها بهزيمة جند الإفرنج أمرت الرجلين بالفرار، وظلت في أغلالها هناك على أمل أن ~~تبعث مريم من يخلصها، ولم يخطر لها أن تأتي هي بنفسها، فلما جاءتها مريم وجدتها وحيدة، فحلت ~~قيودها وسارت بها إلى معسكر العرب. # وقد رأيت مبالغة ميمونة في امتداح شهامة مريم؛ لأنها رأت الأميرين معجبين بها فأرادت ~~مجاراتهما تمويها لما قد يظنان، وفي الواقع لم يخطر لهما شيء من سوء الظن بها من هذا ~~القبيل، أما هي فقد كظمت ما في نفسها وعزمت على اتخاذ وسيلة ناجحة كانت قد ادخرتها في ذهنها ~~لحين الاضطرار، فلما ذهبت مع مريم إلى الخيمة تلك الليلة ظلت على إظهار إعجابها بها ~~والإشادة بما شاهدته من سجاياها، حتى إذا خلت بنفسها لبثت تنتظر عدلان الأحول لتفاوضه في ~~الحيلة التي دبرتها وهي لا تشك في نجاحها. # الفصل الخامس والثلاثون # | سالمة في بوردو # فلندعهم يدبرون وينتظرون، ولنعد إلى سالمة ومهمتها فقد طال بنا السكوت عنها تركناها وقد ~~ركبت من خباء المسلمين تلتمس بوردو وحسان العجوز في ركابها، فلما بعدا عن الخباء وأطلا على ~~بوردو التفتت سالمة إلى حسان وقالت: «هل كان يخطر لك يا حسان أن نوفق إلى مثل الأمير عبد ~~الرحمن بعد طول انتظار، عملا بالوصية؟» # فقال: ms090 «أما وقد ذكرتني بالوصية يا مولاتي، فهل لي أن أسأل إذا كنت ما تزالين محتفظة بتلك ~~المحفظة فقد رأيتها بين يديك، وكان عهدي أنك تحفظينها في مكان لا يراها فيه أحد.» # قالت: «صدقت يا عماه إنها كانت في يدي في أثناء خروجنا من الأسر؛ لأني كنت قد أخرجتها من ~~مخبئها ساعة يئست من الحياة، وحسبت أن هؤلاء العرب سيقتلونني فهممت قبل أن تفيض روحي أن أضم ~~هذه الوصية الي وأتنسم ريح صاحبها منها، ثم أعهد إليك أو إلى سواك أن يوصلها إلى صاحب هذا ~~الجند أما الآن فلا تقلق؛ لأني تأبطتها تحت أثوابي، وما ظنك في مريم وهي وحدها في خباء ~~العرب؟» # قال: «لا بأس عليها يا مولاتي والعرب شديدو العناية بنزلائهم وخصوصا من كان منهم في ~~ضيافة الأمير الكبير، وقد لحظت من أهل ذلك الخباء ترحيبا كبيرا بمريم، فالنساء أحببنها ~~واحتفلن بها وخصوصا ميمونة، وقد سمعت من الخصيان الصقالبة الذين يخدمونها أنها أحبت مريم ~~وبذلت كل ما في وسعها لراحتها.» وكان حسان يتكلم وهو يعدو عدوا خفيفا بجانب ركاب سالمة، ~~وهي تسمع كلامه ممتزجا بشخير الفرس وطقطقة حوافره، فلما قال ذلك جذبت لجام الفرس ليسير بها ~~الهوينا، والتفتت إلى حسان وقالت: «لا أخفي عليك يا حسان أني أخاف على مريم من هذه المرأة ~~أكثر من سائر أهل هذا الجند نساء ورجالا.» # فبغت الرجل وكان يتكلم وهو يتفرس في الأرض ليتقي الحجارة والأشواك، فلما سمع قولها رفع ~~بصره إليها وقال: «وما هو سبب خوفك يا مولاتي؟» # قالت: «لأني شاهدت هذه المرأة التي تسمى ميمونة فإذا هي داهية دهياء، وأظنني عرفتها وأخشى ~~أن تكون قد عرفتني، ولذلك فإني لم أطل الكلام معها ولا شك أن بقاءها في هذا المعسكر خطر، ~~فإذا انتهيت من مهمتي هذه في بوردو وما وراءها فسأعود إلى الأمير وأطلعه على حقيقة هذه ~~المرأة لئلا تخدعهم وتفسد شئونهم؛ لأنها ذات شأن عند الإفرنج ويهمها أن يكون النصر لهؤلاء، ~~وإني أعجب أن تكون في خباء الأمير عبد الرحمن، وعهدي ms091 بها في غير هذه البلاد وسننظر في شأنها ~~عند رجوعنا.» # فلما سمع حسان قولها مال بكليته إلى استطلاع الحقيقة، ولكنه لم يجرؤ على السؤال عن اسمها ~~فقال: «وهل أعرفها أنا؟» # قالت: «لا شك في ذلك دعنا من هذا الآن.» # فسكت حسان، وكانا قد أشرفا على أسوار بوردو فرأيا الناس خارج السور زرافات ووحدانا وقد ~~خرجوا لافتداء أسراهم، وكلهم فرحون بما أوتوه من الرفق، وأكثر الناس غيظا من ذلك الرفق ~~اليهود، وخصوصا الذين كانوا قد ابتاعوا الأسرى وهموا بحملهم للاتجار بهم، فلما جاءهم أمر ~~الأمير بالتخلي عنهم غضبوا واستغربوا ذلك وأرادوا الامتناع عن التسليم ثم أذعنوا، فلما رأت ~~سالمة تزاحم الناس هناك تحولت إلى باب من أبواب المدينة بعيدا عن ذلك الزحام، وسارت توا ~~إلى أسقف بوردو فترجلت بباب القلاية، وتركت حسانا عند الفرس، ودخلت تلتمس الأسقف، فرأت أهل ~~ذلك المكان من القسس والرهبان وغيرهم في حركة، وقد تجلت في وجوههم أمارات السرور لما جاءهم ~~به هانئ في مساء الأمس من آنية الكنيسة مع الأمر بافتداء الأسرى، وكان أكثر القسس يعرفونها ~~فرحبوا بها وبشروها بما كان، فهنأتهم وطلبت إليهم أن يستأذنوا الأسقف في مقابلة خاصة، ~~فالتمسوا لها الإذن فلما دخلت عليه تلقاها بترحاب واحترام، مع أنه لم يكن يعرف حقيقة أمرها ~~ولكنه كان يحترمها لحكمتها وسداد رأيها. # فلما دخلت قبلت يده فباركها، وجلست إلى جانبه فسألها عما تريد، فقصت عليه مختصر ما جرى ~~لها حتى انتهت إلى أمر الأسرى فأكدت له أن العرب أكثر الأمم رفقا برعاياهم وأسراهم، وأنهم ~~إنما امتد سلطانهم في الشرق والغرب لما آنسه أهل البلاد على اختلاف مذاهبهم من حرية الدين ~~والعمل على غير المألوف عند أمم الإفرنج في ذلك العصر، وأن ما أصاب كنيسة بوردو من النهب ~~إنما وقع سهوا من بعض ذوي المطامع من أتباع جند المسلمين غير العرب. # فلما سمع الأسقف كلامها تذكر أنه كثيرا ما كان يسمع منها إطراء العرب من قبل ولم يكن ~~يصدق ما يسمع، وكان يظنها تقول ذلك عن هوس ms092 مثل هوسها بتعليم ابنتها اللغة العربية وهي مقيمة ~~ببلاد الإفرنج مع كونها غير عربية، فلما سمع قولها بعد ما شاهده من الرفق آمن بصدقها ~~فجاراها في الإطراء، فاغتنمت تلك الفرصة وانتقلت إلى الحديث المقصود فقالت: «لا أنسى يا ~~سيادة الأسقف ما كنت ألقاه من نفورك إذا امتدحت العرب بين يديك حتى شاهدت ذلك بنفسك عن بعد، ~~ولو أتيح لك معاملتهم ومعاشرتهم لزدت ارتياحا لهم ولذلك فإني أستغرب محاربة أهل هذه البلاد ~~لهم، والوقوف في سبيلهم.» # فقال الأسقف: «صدقت يا ابنتي، إننا كثيرا ما سمعناه بعدلهم غير أننا رأينا من بعضهم من ~~القسوة ما يشيب لهوله الأطفال حتى كاد يثبت عندنا ما كنا نسمعه من أنهم يعبدون الأوثان ولا ~~يعرفون عبادة الله.» # الفصل السادس والثلاثون # | رأي الإفرنج في المسلمين # فابتسمت سالمة ابتسام الاستغراب، وقالت: «يعبدون الأوثان؟ إن ذلك من الأراجيف التي يشيعها ~~أعداؤهم، فإنهم يعبدون الإله الواحد، ويحترمون الديانة النصرانية احتراما كبيرا ويكرمون ~~السيد المسيح كثيرا، ولا يعقل أن تنسب إليهم الوثنية ونبيهم إنما قام لإبادة الأصنام التي ~~كان العرب يعبدونها من قبله فكسرها ومحا الصورة التي كانت في معبد الوثنية في مكة، وبغض ~~الوثنية إلى أتباعه حتى حرم عليهم التصوير ونحت التماثيل فما يبلغكم من هذا القبيل إنما هو ~~حديث مقصود لغرض من الأغراض، ولا أنكر عليك ما قد يبديه بعضهم من سوء التصرف أو الطمع أو ~~نحو ذلك، فهذا لا يصح القياس عليه كما لا يصح أن نقيس كل أعمال الأساقفة بعمل واحد منهم شذ ~~عن المنهج القويم، وزد على ذلك أن العرب مهما يكن من أمرهم فهم أرفق بأهل هذه البلاد من ~~هؤلاء الإفرنج الذين جاءوا بقبائلهم واستبدوا بهم واستعبدوا الناس واستخدموهم في أشق ~~الأعمال ولم يقلدوا واحدا من أهل البلاد وظيفة من وظائفها، فهم القابضون على زمام الحكومة، ~~وهم المغتصبون لخيرات البلاد، وما الغاليون إلا مثل العبيد أو الأقنان الذين يشتغلون في ~~الحقول، هل رأيت غاليا تقلد منصبا كبيرا، أو هل رأى الغاليون راحة منذ وطئ هؤلاء ms093 الإفرنج ~~بلادهم؟ أما العرب فإذا فتحوا بلدا أطلقوا حرية الأديان والمذاهب والمعاملات، حتى الحكومة ~~والقضاء فإنهم يتركونهما لأهله ويقتصرون هم على قيادة الجند وحماية الأهالي من الأعداء، لا ~~يلتمسون أجرا على ذلك إلا مالا يسمونه الجزية وهي لا تساوي بعض ما يقتضيه أولئك الإفرنج ~~من الضرائب الفادحة، ناهيك بالحرية التي يتمتع بها الأهلون تحت عنايتهم، وسيادتكم تعلمون ~~حال أهل هذه البلاد مع الإفرنج الفاتحين فإنها أصعب مما كانت تحت سلطان الرومان قبلهم، أليس ~~معظم الناس هنا عبيدا، فحكامهم يتصرفون فيهم تصرف المالك فيما يملك؟ نعم إن العرب عندهم ~~العبيد والموالي ولكنهم أشد رفقا بهم من أولئك، فإن الرق عند المسلمين غير مستحسن، وكان ~~الإسلام يدعو إلى إبطاله ولو لم ير نصارى الشرق والغرب ما رأوه من الرفق والعدل تحت ظل ~~المسلمين ما فضلوهم على الروم والفرس لقد أطلت عليك الشرح، إن غرضي أن تسعى في حقن الدماء، ~~فهل تساعدني على ذلك؟ إن المسلمين فاتحون هذه البلاد لا محالة، فبدلا من أن يفتحوها عنوة ~~ويسفكوا فيها الدماء ويهدموا المنازل والقصور، فليكن فتحها صلحا ويحفظ لكل واحد ماله وعرضه ~~والسعي في هذا السبيل من واجبات سيادتكم أكثر مما هو من واجبات أمثالي.» وكانت سالمة تتكلم ~~وأمارات الجد والاهتمام ظاهرة في كل كلمة وحركة. # وكان الأسقف يسمع أقوالها ويعجب بسعة علمها عن العرب كأنها عاشرتهم وساكنتهم زمنا ~~طويلا، وكأنها أطلعت على علومهم وآدابهم، ومع كل ما في أقوالها من المخالفة للاعتقاد الذي ~~كان متسلطا على عقول أهل تلك البلاد يومئذ فإنه أحس بالاقتناع بقولها، ونبهه ضميره إلى ~~واجب يقضي عليه بالسعي في حقن الدماء على ما سمعه من سالمة فقال لها: «جزاك الله يا ابنتي ~~على سعيك في مصلحة شعب الله، ونطلب إليه تعالى ونتضرع إلى السيد المسيح أن يقدم ما فيه ~~الخير.» # فلما آنست منه اقتناعا، عمدت إلى تحقيق هدفها بلباقة وحسن سياسة فقالت: «لا أريد من ~~سيادة الأسقف أن يكلف إخواننا المسيحيين تسليم البلاد إلى هؤلاء المسلمين عفوا، ولا أن ~~يساعدوهم ms094 على أخذها بالسيف وإنما أرى أن يتركوا الأمر لمن غلب بغير أن يساعدوا أحد الفريقين ~~على الآخر، فإذا غلب الإفرنج فهم أصحاب السيادة والبلاد في أيديهم، وإذا انتصر العرب فلا ~~يضرنا انتصارهم بل هم خير لنا من أولئك.» # فارتاح الأسقف إلى قولها وكان روماني الأصل، وقد رأى من الإفرنج استبدادا في دائرة نفوذه ~~حتى كادت السلطة أن تخرج من يده، فقال لها: «أود أن يعلم إخواني الأساقفة بهذه النصيحة في ~~البلاد الأخرى، ولكنني أخشى أن يطلع الحكام الإفرنج على ذلك فيعود وبالا علينا.» # قالت: «علي إبلاغ ذلك إلى من شئت، وإنما أطلب منك كتابا ترسله معي إلى أسقف بواتيه لا ~~تذكر فيها شيئا غير التعريف البسيط، وأني من أبنائك المخلصين، فإذا أنا لقيته أطلعته على ~~ما أراه من هذا الموضوع، وأتوسل إلى مولاي أن يبث هذه الروح في رجال بطانته على ما يراه، ~~ولا أظن واحدا من أهل بوردو لا يشهد هذه الشهادة عن العرب وقد أعادوا إليهم أسراهم وآنية ~~كنيستهم.» # فقال الأسقف: «صدقت يا ابنتي، ولا يجوز لنا إنكار هذا الجميل.» # قالت: «لذلك أرجو إذا لقيت حاكم البلد أن تبث هذه الروح فيه، إذ ربما طلب إليه الكونت أود ~~نجدة لمساعدته في قطع الطريق على العرب؛ لأني علمت أن الكونت المذكور معسكر في مضيق دردون، ~~وعلى كل حال فقد تركت تدبير هذا الأمر إليك، وإني مسافرة إلى بواتيه في هذه الساعة، فهل ~~تأذن لي في كتاب إلى أسقفها؟» # قال: «نعم» ثم نهض وكتب على منديل من حرير سطرين للغرض المقصود، فتناولت الكتاب وقبلت يده ~~فباركها، وقبل خروجها تذكرت المسافة بين بوردو وبواتيه، وهي نحو مائة ميل لا يمكن قطعها في ~~أقل من ثلاثة أيام أو أربعة، وحسان لا يقدر على السير في ركابها ماشيا كل هذه المسافة، ~~فطلبت إلى الأسقف أن يأمر لها بفرس يركبه حسان فأمر لها بواحد، فخرجت شاكرة وأهل القرية ~~يتباحثون فيما عسى أن يكون من أمر هذه السيدة ومجيئها على تلك الصورة، أما هي فإنها ms095 خرجت ~~فرأت حسانا والفرسين في انتظارها فركبت وركب حسان وخرجا من بوردو يلتمسان بواتيه. # الفصل السابع والثلاثون # | الدير # وكان حسان يعرف أكثر من طريق يؤدي إلى بواتيه، فسار في أسهل الطرق بحيث لا يكون عليهما ~~بأس وقد دبر أن يصلا كل مساء إلى دير ينزلان فيه ويبيتان ثم ينهضان في الصباح التالي فمشيا ~~بقية ذلك اليوم، وقلما تكلمت سالمة لانشغال خاطرها بالمهمة التي تسعى إليها فلما أمسى ~~المساء أشرفا على دير لا يعد من الأديرة الكبرى، فتحولا إليه وهو قائم على سفح جبل فوق نهر ~~تجري مياهه في معظم السنة، وحول الدير مغارس الكرم والزيتون وأشجار الليمون والتفاح وغيرها، ~~وهو كسائر الأديرة في تلك الأيام، يتألف من بناء محاط بسور عال له باب صغير للدواب ونحوها، ~~فلما أشرفا على الباب تقدم حسان وقرعه بجرس معلق فوقه، فأطل عليه راهب من كوة فوق الباب ~~سأله عن غرضه فقال له: «نحن غرباء نبغي المبيت عندكم، فهل من مكان؟» قال حسان ذلك بلغة أهل ~~البلاد، ولكن ظهر من لهجته أنه غريب عنها ففتحوا لهما، فدخلت سالمة وتركت حسانا لينظر في ~~أمر الفرسين ثم يدخل في جملة خدم الدير، فلما رآها الراهب البواب توسم في منظرها وفي زيها ~~هيئة الجلال والوقار فأسرع إلى الرئيس فأخبره بذلك فأمر أن يدخلها إليه، فعاد وهو يقول: ~~«تفضلي إلى حضرة الرئيس وهو يأمر بغرفة تقيمين فيها ما شئت.» # فمشت سالمة في صحن الدير فرأته مزدحما بالناس من الرجال والنساء والأطفال، وأكثرهم من ~~أهل بوردو وضواحيها، فأدركت أنهم لجئوا إلى الدير خوفا من العرب، فظلت في طريقها حتى أقبلت ~~على غرفة الرئيس، فلما دخلت وقف لاستقبالها ورحب بها وأمر لها بالطعام، وسألها عن مسيرها في ~~ذلك الطريق، فقالت: «إنها قادمة من بوردو، وسائرة إلى بواتيه.» # فلما علم أنها قادمة من بوردو قال: «لعلك في جملة الذين فروا في أثناء الحرب على أثر نهب ~~الكنيسة والفتك بالأسرى؟» # قالت: «لقد أخطأ الذين فروا؛ لأن نهب الكنيسة إنما كان تعديا من بعض ms096 الغوغاء المرافقين ~~لجند العرب، ولما علم الأمير بذلك أمر بإعادة الآنية إلى مكانها ورد الأسرى إلى أهلهم ~~بالفدية القليلة، وأحاطوا أهل بوردو بكل وسائل الرفق.» # فلما سمع الرئيس قولها، بدا الاستغراب على وجهه وقال: «وهل يعرفون الرفق؟ وما الذي يدعوهم ~~إليه، أو يردعهم عن الفتك والقتل ولا دين لهم ولا ذمام؟» # فقالت وهي تبتسم: «هل رأيت أحدا منهم يا مولاي؟» # قال: «كلا ولكنني سمعت ذلك من كثيرين.» # وأرادت سالمة أن تدفع تلك التهمة بالبرهان فسمعت ضوضاء وصياحا في بهو الدير، فوقف الرئيس ~~بغتة وصفق فجاءه أحد الرهبان يعدو، فصاح فيه الرئيس: «ما هذه الضوضاء؟» # قال الراهب وهو يضحك والبغتة ظاهرة في وجهه: «هذا داتوس يا سيدي.» # قال الرئيس: «داتوس؟ وما الذي فعله؟ لقد عهدناه معتزلا لا يخاطب أحدا ولا يقوم إلى ~~الطعام إلا كرها!» # قال: «ذلك هو عهدنا به أيضا، ولكننا نراه قد أصيب بجنون مؤقت فهجم على خادم الأميرة ~~(وأشار إلى سالمة) وأوسعه ضربا وصفعا، وهو يصيح: يا أماه! يا أماه! حتى كاد أن يقتله لو ~~لم نتدارك الأمر ونمسكه منه.» # فلما سمعت سالمة ذكر خادمها قالت: «وأين هو حسان؟ وما الذي جرى له؟ هل عليه من ~~بأس؟» # فقال الراهب: «هو في خير وسلامة، ولكننا لم نستطع منع داتوس من الهجوم عليه، فبعد أن ~~أرجعناه عنه هجم عليه ثانية بهراوة كانت بيده، ولما أمسكناه عنه بالعنف رمى بالهراوة على ~~حسان وسقط هو على الأرض وقد أغمي عليه من شدة الغيظ، وقد تركته وهو يختلج ويرتعد، ولا يزال ~~يذكر أمه.» # فنهض الرئيس وهو يهز رأسه كأنه يستعيذ من شر يخافه، وتبعته سالمة وقد استغربت ما سمعته عن ~~ذلك الشاب، وتبادر إلى ذهنها أنه مصاب بخبل في عقله، وبعد هنيهة أشرف الرئيس وسالمة على ~~مكان الحادثة، وكانوا قد أدخلوا حسانا إلى حجرته ليغسلوا جراحه، فوقع نظرها على شاب في ~~عنفوان الشباب مطروح على الأرض، وقد تطايرت قبعته واشتبك شعره، وكان جميل الصورة واسع ~~العينين شديد بياض الوجه أشقر الشعر، وكان قد ms097 فتح عينيه وتحفز للوقوف كأنه أفاق من سكرة، ~~وجعل يلتفت يمينا وشمالا كأنه يبحث عن شيء ضائع، فأشار الرئيس إلى الرهبان أن ينقلوا ~~حسانا إلى مكان لا يراه فيه داتوس، وأمسك بيد الشاب وخاطبه بلطف وباركه ودعا له وأشار إليه ~~أن يمضي إلى غرفته، فمضى وهو لا يزال يلتفت ولكنه أمسك عن الكلام. # الفصل الثامن والثلاثون # | داتوس # فلما رأت سالمة ذلك الشاب ترجح عندها أنه أصيب بجنون أو سكنه شيطان لكنها أحبت أن تتحقق ~~من ظنها، فلما عاد الرئيس عادت هي معه وقد توسمت في وجهه تغيرا زادها رغبة في السؤال عنه، ~~وأنساها البحث عن حسان، على أنها لم تكد تبدأه بالسؤال حتى سمعته يخاطبها بصوت منخفض ~~قائلا: «ألا تزالين تجادلينني في شأن أولئك العرب وتزعمين أنهم أهل ديانة ورفق؟» # فاستغربت سالمة قوله هذا أكثر من استغرابها عمل داتوس وقالت: «لم أفهم يا أبتي صلة هذا ~~الحادث بالمسلمين أو العرب، بل أرى هذا الإفرنجي قد تعدى على خادمي؛ لأنه عربي حتى كاد ~~يقتله.» # وكانا قد دخلا الغرفة فأغلق الرئيس بابها وأومأ إلى سالمة فجلست على وسادة فوق طنفسة، ~~وجلس هو على وسادة أخرى بالقرب منها وقال: «لو عرفت قصة هذا الشاب وسبب ما ظهر من هياجه ~~وتعديه لثبت لك صدق قولي في العرب، وأقلعت عن اعتقادك فيهم الخير.» # فأصاخت بسمعها ولسان حالها يقول: «ما هي قصة هذا الشاب يا ترى؟» # فقال الرئيس: «اعلمي يا ابنتي أن هذا الشاب من جملة الإفرنج الذين تجندوا لمحاربة أولئك ~~العرب حين بلغهم إقدامهم على فتح هذه البلاد، وكانت له والدة لا يعرف من الأهل سواها ولا هي ~~ترجو سواه، فتركها في بيتها وسار إلى الحرب فاتفق في أثناء غيابه أن جاء المسلمون إلى ذلك ~~البلد، ونهبوا بيت المرأة وساقوها في جملة السبايا إلى قلعتهم في تلك المنطقة فلما عاد ~~الشاب إلى بلده وأخبروه بما حدث لأمه، ساق جواده إلى تلك القلعة ومعه جماعة من الرفاق، فأطل ~~على القلعة وكانت موصدة، فأشرف عليه أحد المسلمين ms098 من فوق السور وسأله عن غرضه، فقال له: ~~«أطلب والدتي فإنها أسيرة عندكم.» فأجابوه: «لا نرد لك أمك إلا إذا أعطيتنا الجواد الذي ~~تركبه، وإلا فإننا نذبحها أمام عينيك.» فغضب داتوس لذلك غضبا شديدا وقال لهم: «لا أعطيكم ~~جوادي، وافعلوا بوالدتي ما تشاءون.» قال ذلك وهو يظن أنهم يخوفونه بتهديده بقتلها، وأنهم لا ~~ينوون إعدامها فعلا، ولكنه ما لبث أن رآهم اجتزوا رأسها ورموه إليه وهم يقولون: «هذه والدتك ~~فإليك هي.» فلما رأى رأس والدته صعد الدم إلى رأسه وغاب عن رشده، ولما عجز عن الوصول إلى ~~القاتلين لتحصنهم وراء الأسوار جعل يلطم وجهه ويصفق ويبكي ويركض فرسه يمينا وشمالا ~~كالمجنون، ثم انقطع عن أصحابه وأقام عندنا وقد قص علي خبره فاعتقدت من ذلك الحين أن العرب ~~أهل ظلم وعسف لا دين عندهم ولا رحمة، وقد مضى على داتوس هنا بضعة أعوام لا يتكلم ولا يجالس ~~أحدا كأنه أصيب ببله ويبدو أنه رأى خادمك واستشف من مظهره أو كلامه أنه عربي، فهاج به ~~الغضب وتذكر مصيبته فاندفع إلى ما كان منه.» # وكانت سالمة تسمع ذلك الحديث وهي في دهشة شديدة فلما أتم الرئيس رواية القصة أحست بضعف ~~حجتها في الدفاع عن العرب ولكنها تجلدت وقالت: «لا أنكر على مولاي الرئيس حدوث مثل ذلك من ~~بعض العرب، كما قد يحدث من الإفرنج وغيرهم ولكن المعول في الأمر على أغراض الجند ~~بجملته.» # فقطع كلامها قائلا: «وما عسى أن تكون أغراضهم وقد شاهدنا من أعمالهم في أثناء فتوحهم ما ~~لم يبق معه حاجة إلى دليل ألم ينهبوا الأديرة ويأخذوا آنيتها؟ ألم يأسروا الرهبان ويختاروا ~~أجملهم خلقة ويبيعوهم بيع الأرقاء في إسبانيا، وعهدنا بذلك لا يزال قريبا؟» # فسرت سالمة لاحتجاج الرئيس بهذه الحجة، وقالت: «نعم إن بعض العرب نهبوا بعض الكنائس ~~والأديرة ولكن أمراءهم لم يكونوا يقبلون ذلك، وكثيرا ما كانوا يعيدون الآنية إلى أصحابها ~~ويطلقون سراح الأسرى وخصوصا الرهبان؛ لأن نبيهم أوصاهم بهم خيرا، وآخر ما حدث من هذا ~~القبيل أن بعض الملحقين ms099 بجند العرب من البرابرة ونحوهم نهبوا كنيسة بوردو فلما علم أميرهم ~~بذلك رد ما أخذ واعتذر وأوعز إلى جنده ألا يعودوا إلى مثل ذلك، فالعرب أهل رفق وعدل، وفي ~~اعتقادي أنهم خير لأهل هذه البلاد من أولئك الإفرنج، أقول ذلك بين يديك على سبيل الاعتراف ~~السري وأرجو ألا يطلع عليه أحد، فإذا قضت الأحوال بانتصار العرب تحققت من صدق قولي.» # فبغت الرئيس لقولها وصاح: «ينتصر العرب! معاذ الله.» # فضحكت سالمة لبغتته وقالت: «والنصر من عند الله يؤتيه من يشاء.» وتحققت من أن الرئيس ممن ~~لا يرجى إقناعهم بفضل العرب فسكتت، ولكنها خشيت أن يكون عليها بأس مما جاهرت به من ميلها ~~إلى العرب، فألحت عليه أن يعتبر كلامها في هذا الشأن من قبيل سر الاعتراف، فوعدها بذلك وهو ~~صادق في وعده؛ لأنهم شديدو المحافظة على ذلك السر. # الفصل التاسع والثلاثون # | الجرح # وأرادت سالمة - بعد خروجها من عند الرئيس - أن تفتقد حسانا لكنها ظنته قد نام، فمضت إلى ~~الغرفة التي أعدوها لها فباتت تلك الليلة، ونهضت في الصباح وهي تعتزم المسير فبعثت إلى ~~حسان، فقيل لها إنه لا يستطيع السفر لجرح أصابه في رأسه فذهبت إليه بنفسها تتفقد شأنه، ~~فرأته راقدا وقد شد رأسه بمنديل والتعب ظاهر في وجهه، فسألته عن حاله فقال: «لقد أصاب ذلك ~~الشاب مني مقتلا بهراوته، ولولا لطف الله لذهب بحياتي فورا ولست أدري مع ذلك سببا لهذا ~~التعدي.» # ولم تكن سالمة تخفي عن حسان أمرا وهو خزانة أسرارها، فقصت عليه حكاية الشاب واستطردت إلى ~~ما ترتب على ذلك من مناقشات بينها وبين الرئيس إلى أن قالت: «ولا بد من الإسراع في المسير ~~إلى بواتيه، ثم إلى تورس، قبل أن يفسد الأمر علينا، والمسلمون في انتظارنا على أحر من ~~الجمر.» # فقال: «لو استطعت الحركة ما أمسكت عن السفر، ومع ذلك فإذا شئت المسير وحدك على أن ألحق بك ~~حين أستطيع الركوب فعلت.» # فأطرقت سالمة وأخذت تفاضل بين أن تمكث هناك بضعة أيام ريثما يشفى حسان فتفوتها الفرصة، ms100 أو ~~أن تذهب وحدها وتعرض نفسها لأخطار الطريق وبعد التفكير مدة رأت أن تتصرف تصرفا وسطا فقالت ~~لحسان: «إني باقية في انتظارك هنا إلى الغد فإذا شفيت واستطعت الركوب سرنا معا وإلا فإني ~~أسير وحدي.» فأثنى عليها وقال: «غدا ستظهر نتيجة الجرح فإذا لم تصبني الحمى كان الشفاء ~~قريبا بإذن الله.» # فعملت سالمة على الاهتمام بجرح حسان كأنه كان في بدنها؛ لأنها كانت تحترمه وتكرمه ~~لانقطاعه لخدمتها أعواما، ولأنها في حاجة إليه، خصوصا في هذا السفر فذهبت إلى الرئيس ~~وطلبت إليه الاهتمام بحسان فأذعن لها؛ لأنه شعر بأنه مظلوم، فاستدعى راهبا كان قد تفقه في ~~الطب، وكان أهل الدير يرجعون إليه في مثل هذه الحوادث، وأوصاه بمعالجته والعناية به، فذهب ~~إليه ومعه سالمة، فلما نزع الرباط وشاهد الجرح زم شفتيه وأبرزهما ورفع حاجبيه، وكانت سالمة ~~ترقب ما يبدو منه، فلما لمست قلقه خفق قلبها خوفا على حسان، ولكنها لم تظهر اضطرابها فسكتت ~~لترى ما يقوله الطبيب فإذا به قد التفت إلى راهب آخر كان في خدمته، وأومأ إليه أن يأتي ~~بالزجاجة فذهب ثم عاد ومعه زجاجة وكأس ، وكان الطبيب في أثناء ذلك قد قص شعر رأس الجريح ~~وأكثره متلبد متلاصق من الدم المتجمد عليه، فاشتمت سالمة رائحة كريهة، ثم صب الطبيب من ~~الزجاجة شيئا كالخمر لونا ورائحة، واستعان بالراهب الآخر على غسل الجرح به، فوقع نظر ~~سالمة على الجرح فإذا هو طويل عميق فازداد خوفها عليه ولكنها تجلدت لتسمع قول الطبيب على ~~حدة. # وبعد الغسيل شد الطبيب الجرح باللفافة وأشار إلى حسان أن يستلقي ويستريح ليرى ما يكون من ~~جرحه في الغد، وتركوه نائما وخرجوا، فلما صاروا خارجا تقدمت سالمة إلى الطبيب تستطلع رأيه ~~فقال: «لقد أبطأنا عليه في العلاج، وكان يجب علينا أن نعجل بتطهير الجرح حينما أصيب، وعلى ~~كل حال لا يمكننا معرفة النتيجة الآن.» # فاستعاذت سالمة بالله وصبرت نفسها إلى الغد، فجاءته في الصباح فإذا هو لا يزال نائما ~~فنادته فلم يجبها فجست يده فرأتها شديدة الحرارة ms101 فعلمت أنه يعاني من شدة الحمى، فاستدعت ~~الراهب الطبيب فلما جاء وفحصه، قال: «إن الرجل في غمرة الحمى وفي خطر حتى يفيق.» # فقالت: «ومتى يفيق؟» # قال: «لا بد من الانتظار يوما أو يومين وعلى الله الشفاء.» فارتبكت سالمة، ووقعت في حيرة ~~من أمرها، وخافت على حسان؛ لأنه يسوءها أن يصاب بسوء لما له من الأيادي البيضاء في خدمتها، ~~فضلا عن حاجتها إليه، فقضت ذلك اليوم أيضا كأنها على جمر الغضا وهي تصلي وتتضرع إلى الله ~~أن يشفيه، وقضت ليلها وهي تفكر في هل تنتظر شفاءه أو تسير وحدها، فرأت أنها لو بقيت عند ~~حسان لم تنفعه؛ لأن أهل الدير أكثر عناية به منها، فعزمت على السفر في الغد على أي حال بعد ~~أن توصي الرئيس والطبيب به. # فلما أصبحت سارت توا إلى حسان فرأت الراهبين في خدمته وهو لا يزال غائبا عن رشده ~~فسألتهما عن حاله فقال أحدهما: «أراه قد تندى بالعرق قليلا، وهذه علامة حسنة تبشر بالخير.» ~~فذهبت إلى الرئيس وأخبرته عن اضطرارها للسفر العاجل وأوصته بحسان فبعث إلى الطبيب وبالغ في ~~توصيته فلما خرج الطبيب طلبت من الرئيس أن يرسل معها من يصحبها إلى بواتيه، وأخرجت من جيبها ~~دنانير دفعتها إليه باسم الدير، فأجابها الرئيس إلى رغبتها وأمر راهبا من رهبانه أن ~~يرافقها إلى حيث تشاء، ولما تأهبت للمسير ذهبت إلى حسان كي تراه قبل سفرها، فوجدته على ~~حاله، وخرج الرئيس لوداعها بباب الدير فكررت على سمعه الوصية وقالت: «إذا من الله عليه ~~بالشفاء فأبقه عندك ريثما أعود، فإني عائدة على عجل.» فأجابها بالإيجاب وقد نزلت من نفسه ~~منزلا رفيعا لهيبتها وحكمتها وكرمها، وكان خدم الدير قد أعدوا فرسها وأعدوا لرفيقها ~~الراهب بغلة من بغال الدير عليها خرج فيه بعض الأطعمة الجافة زادا لهما في الطريق، وركبا ~~وسارا والراهب دليل الطريق، على أن البغلة لو تركت لنفسها لم تخطئ الطريق إلى بواتيه، ومنها ~~إلى تورس، لكثرة ما يركبونها إلى تينك المدينتين لنقل لوازم الدير من الآنية والأطعمة وما ms102 ~~إليها، وكانت سالمة قبل خروجها من الدير قد التفت برداء أسود فأصبحت كأنها من راهبات تلك ~~البلاد وزادها شبها بهن اصطحابها ذلك الراهب، وكان على رأس الراهب قبعة كالخمار تكسو كل ~~رأسه إلا وجهه وقد تجمعت لحيته بين جناحي الخمار وبرزت إلى الأمام مع شاربه فأصبح فمه ~~غائرا. # الفصل الأربعون # | شبح غريب # تواريا عن الدير وقد صارت الشمس في الضحى وتوجها شمالا في طريق بعضه مطروق وبعضه غير ~~مطروق، وكانت سالمة تعجب لما تراه من المنازل المهجورة والكروم المتروكة، وهي تعلم أن أهل ~~القرى إذا نشبت الحرب لجئوا إلى المدن يحتمون بأسوارها، ولكنها رأت ما يدل على الهجرة ~~القريبة كأن أهل تلك الحقول تركوها بالأمس، فقالت في نفسها: «لا بد أن حادثا طرأ على هذه ~~البلاد.» فالتفتت إلى الراهب وهو على بغلته بجانبها وقالت: «مالي أرى الحقول مهجورة على هذه ~~الصورة؟» # قال: «لا أظنك تجهلين ما نحن فيه من الضيق بسبب هجوم العرب على بلادنا، وأهل القرى لا ~~حصون تحميهم من السلب والنهب.» # فقالت: «ولكن العرب لا يزالون بعيدين عن هذه القرى، وربما لا يستطيعون الوصول إليها فكيف ~~هجرها أهلها عفوا؟» # قال: «إن خوف أهل القرى يا ابنتي ليس من جند العرب فقط، بل هم يخافون جند الإفرنج أنفسهم؛ ~~لأنهم إذا مروا بقرية نهبوها وأذلوا أهلها وخربوا منازلها وليس من يردعهم، والظاهر أنهم ~~علموا بقرب مجيء ذلك الجند ففروا من وجوههم، لا أدرى إلى أين ولعلهم لجئوا إلى البلاد ~~البعيدة عن الطريق ريثما يمر الجند فيعودون إلى حقولهم.» # وكانت سالمة تسمع كلام الراهب وترى فيه ما يبشرها بنجاح مهمتها، ولكنها كانت منشغلة الذهن ~~بشبح وقع نظرها عليه عن بعد وهو راكب على جواد وقد ساقه نحو الجهة التي يسيران إليها، ولما ~~رآها الراهب تنظر إلى ذلك الشبح وجه هو التفاته إليه، فلما رأت سالمة انتباه الراهب للأمر ~~قالت له: «ما ظنك بهذا الفارس؟» # قال: «يظهر من زيه أنه من الإفرنج ولا يمكننا أن نحكم على ذلك حكما قاطعا إلا بعد ms103 رؤية ~~وجهه وأراه يقترب منا، فإذا دنا رأيناه وعرفناه أو سألناه عن حاله.» # وظل للفارس يقترب منهما حتى وقعت العين على العين فإذا هو ملثم لا يظهر من وجهه إلا ~~العينان، فحياه الراهب فلم يرد التحية، ولكنه تفرس في سالمة وثوبها وفرسها وحول عنان جواده ~~وارتد راجعا إلى الوراء، فلما رأت سالمة ذلك اضطربت وحسبت لذلك الرجوع ألف حساب، وخشيت أن ~~يفطن الراهب إلى ذلك فيسيء الظن بها فتجلدت وتظاهرت بعدم الاهتمام، وقالت وهي تضحك: «يظهر ~~أن الرجل خاف من أثواب الرهبنة؟» # فقال الراهب وهو يظهر الاهتمام: «لا أدري يا ابنتي ما الذي أخافه، ولكنني أعلم أنني تخوفت ~~من رجوعه على هذه الصورة، كأنه جاء للبحث عنا أو عن أحدنا فلما رأى ضالته عاد لإبلاغ ~~النبأ.» # ولم تكن سالمة تظن غير ذلك، ولكنها ظلت على تجاهلها وركزت تفكيرها في محاولة الإفلات مما ~~قد ينصبونه لها من الشراك قبل الوقوع فيها فتظاهرت بتغيير الحديث، فقالت: «وهل نحن بعيدان ~~عن بواتيه؟» # قال: «إذا أسرعنا وسرنا ليلا ونهارا فربما وصلناها في صباح الغد.» # فاستحسنت ذكره المسير ليلا وقالت: «وهل ترى أن نسير ليلا؟ يظهر أنك تستعجل الرجوع إلى ~~الدير لأشغال عندك هناك، فإذا لم يكن علينا بأس من ذلك فلا مانع عندي.» # فقال: «لست مستعجلا وإنما ذكرت لك ذلك على سبيل تقدير المسافة، وأما المسير فلا خطر منه ~~علينا وخصوصا؛ لأني أعرف أهل البلاد ويعرفونني، وزيدي على ذلك أن الليلة مقمرة، فإذا شئنا ~~نزلنا عند العشاء في دير أعرفه بجانب الطريق، فنتناول الطعام ونستريح وننام قليلا ثم ننهض ~~في نصف الليل ونركب توا إلى بواتيه فنصلها في الضحى، وإذا كان ذلك متعبا لك فافعلي ما ~~تشائين؛ لأني إنما أمرت أن أكون في خدمتك إلى حيث تسيرين.» # فأعجبها رأي الراهب وسرها السبيل الذي نفذت به إلى ذلك، وفي اعتقادها أنها متى وصلت ~~بواتيه كان لها من أسقفها ما يقيها غائلة الجواسيس أو غيرهم، وخصوصا؛ لأنها تحمل له وصية ~~من أسقف بوردو، ومتى دخلت القلاية ms104 أو الدير الذي فيه الأسقف لا يجرؤ أحد على أن ~~يؤذيها. # فأظهرت أنها تساير الراهب في رأيه، واستحسنت أن يبيتا تلك الليلة في الدير الذي أشار إليه ~~فسار وسالمة تتلفت وراءها خلسة، وهي تتوقع أن ترى أناسا مسرعين في طلبها، أما الراهب فكان ~~مستغرقا في صلاة يتلوها وهو على ظهر بغلته، وقد قضيا بقية ذلك اليوم وهما يركضان الدابتين ~~فغابت الشمس ولم يدركا الدير المقصود، وكان القمر في ربعه الثالث فجاءت العشاء ولم يطلع ~~بعد، فمشيا في الظلام وسالمة تسوق جوادها وراء بغلة الراهب وهي لا ترى الطريق وقد سكتا ~~وسكنت الطبيعة، ولم يكن يسمع هناك إلا وقع الحوافر تارة على الحصى وطورا على العشب وقد تعب ~~الفرس ولم يعد يستطيع العدو، وأما البغلة فظلت نشيطة والراهب يمسكها عن العدو لئلا تسبق ~~الفرس. # الفصل الحادي والأربعون # | المسافة طويلة # مضى جانب من الليل وهما في ذلك وأبصارهما شاخصة إلى ما يتراءى لهما من رءوس التلال، وإذا ~~هما بنور قد ظهر على مرتفع، فلما رأته سالمة أرادت أن تسأل الراهب عنه فابتدرها قائلا: «ها ~~نحن على مقربة من الدير يا سيدتي.» # ففرحت سالمة بذلك رغبة في الراحة، وكادت تنسى ما كانت فيه من الاضطراب التماسا ~~للسرعة. # وصار مسيرهما صعودا على الآكام والبغلة دليلهما في ذلك الظلام، كأنها تسير وبين يديها ~~المشاعل والأنوار، والفرس يتبعها وسالمة ممسكة بزمام الفرس خوفا من أن تزل قوائمه، فزادها ~~ذلك تعبا، وبعد مسير ساعة على هذه الصورة، وصلا إلى سفح ذلك الجبل ولا يزال النور الذي ~~شاهداه على نحو المسافة التي كان عليها عندما رأياه لأول مرة، وكانت سالمة تسمع في أثناء ~~ذلك الصعود صدى حوافر فرسها فتتوهم أن فرسانا سائرين في أثرها، ولم يكن يسليها في تلك ~~الحال إلا ذكر السيد المسيح ورسم إشارة الصليب، وقد أصبحت لفرط قلقها لا تجرؤ على الالتفات ~~إلى الوراء. # وأما الراهب فكان قد عاد إلى الصلاة واستغرق في الدعاء وبعد قليل رأت سالمة النور يقترب ~~منهما، فتحققت أنهما صارا على ms105 مقربة من الدير فنشطت، ونسيت التعب ونادت الراهب قائلة: ~~«لعلنا في آخر رحلتنا يا حضرة الأب؟» # قال: «وصلنا الدير يا ابنتي فاطمئني.» # ثم وصلا إلى سطح منبسط ينتهي ببناء عال عرفت سالمة من شكله أنه دير فتحققت أنهما وصلا ~~إلى المكان المقصود، ثم رأت نفسها تقترب من ذلك البناء حتى صارت بجانب الباب، وقد توارى ~~النور الذي كانت تراه عن بعد، وإذا بالراهب قد ترجل ومشى نحو الدير وزمام البغلة في يده، ~~وهي لا تزال على فرسها حتى وقف الراهب بجانب باب الدير، فأمسك بحبل مدلى بجانبه وشده فسمعت ~~قرع الجرس ثم أطل بواب الدير من كوته وقبل أن يسمعا نداءه صاح الراهب باللغة اللاتينية ~~قائلا: «افتح سريعا.» فكان كلامه بتلك اللغة أحسن وسيلة للتعريف، ولم تمض برهة وجيزة حتى ~~فتح الباب وخرج منه راهب طويل القامة دقيق العضل، خاطب الراهب باللاتينية واستقبله فترجلت ~~سالمة ودخلت إلى غرفة الضيوف، وهو يرحب بهما ويسأل الراهب عن سبب تأخره حتى دخلا الغرفة، ~~ورجع البواب ثم عاد بشمعة مضيئة مغروسة في شمعدان من خشب عليه أثر الشمع القديم فوضعه في ~~الغرفة وخرج ثم جاءهما بطعام، فجلست سالمة وقد أخذ التعب منها مأخذا عظيما ونسيت ما هي ~~فيه من الجوع، فقدم لها الراهب الطعام في قصعة فتناولت منه شيئا ونفسها تطلب النوم أكثر من ~~الطعام، فأكلت وشربت قليلا من الخمر مع الماء وتوسدت الفراش، ولم توص الراهب بإيقاظها ~~طمعا في الراحة اللازمة، وتغافلت عن رغبتها في السرعة اعتمادا على ما يتراءى للراهب من ~~انتهاز الوقت. # وأما الراهب فلما رآها تنام صعد إلى غرفة البواب فجلس عنده قليلا، وتحدثا في شئون كثيرة ~~معظمها خارج عن موضوع المهمة التي ترغب سالمة في البحث فيها، وفي آخر السهرة استفسر الراهب، ~~رفيق سالمة، عن أقرب الطرق إلى مدينة بواتيه. # فلما أجابه الراهب علم أنه كان على هدى من رأيه في خط ذلك المسير، وذهب إلى فراش أعدوه له ~~في غرفة أخرى فنام، ولم يكد يتوسد الفراش حتى أحس ms106 بالتعب وغلب عليه النعاس فاستغرق في النوم ~~ولم ينهض إلا عند الفجر، فهرول إلى سالمة فأيقظها وذهب إلى مربط البغال، وأحضر الفرس ~~والبغلة فركبا وسارا يلتمسان بواتيه. # وأشرقت الشمس وهما لا يزالان بين الجبال لا يريان ما وراءها، وسالمة تحسب نفسها تائهة، ~~ولولا ثقتها بمعرفة الراهب تلك الجهات لتحققت أنهما ضلا الطريق، ووصلا عند الضحى إلى رابية ~~أطلا منها على سهل بعيد، رأيا في أحد جوانبه مدينة في منتصفها قبة عالية في قمتها صليب علمت ~~سالمة أنها قبة كنيسة بواتيه، فانشرح صدرها ونسيت تعبها وقلقها وانبسط وجهها وقالت: «أليست ~~هذه بواتيه؟» # فقال الراهب: «نعم يا ابنتي هذه بواتيه، وبعد قليل نصلها وندخلها بإذن الله.» # فقالت: «من أين ندخلها؟ إني أرى سورا.» # قال: «ندخلها من بابها الجنوبي الذي ترينه وأمامه تلك الشجرة الكبيرة.» # الفصل الثاني والأربعون # | خطر آخر # فانشرح صدر سالمة لوصولها ونجاتها من الخطر لاعتقادها أنها إذا دخلت مدينة بواتيه فلا خوف ~~عليها ولكنها لم تكد تصل إلى الباب حتى رأت جماعة على خيول بملابس جنود الإفرنج قد خرجوا من ~~الباب، وفي مقدمتهم فارس ملثم، وعلى رءوسهم الخوذ وعليهم الدروع، وقد تقلدوا السيوف ~~المستقيمة بمناطق من جلد وتحت الدروع جبب قصيرة إلى الركب، وقد لفوا على سيوفهم لفافة من ~~جلد وعلقوا بأكتافهم جعب النبال وتلثموا بخمر من الحلق المشتبك، ولم يظهر من وجوههم إلا ~~العيون والأنوف والأفواه وبعض اللحى، فلما رأت سالمة ذلك الفارس الملثم عرفت أنه جاسوس ~~الأمس فخفق قلبها لرؤيته، ثم ما لبثت أن رأته قادما نحوها والفرسان يتبعونه على عجل فازداد ~~اضطرابها واستعاذت بالله، وأدنت فرسها من الراهب كأنها تحتمي فيه أو تنوي سؤاله عن شيء وقد ~~امتقع لونها وتحققت من الخطر المحدق بها، وإذا بالفارس الملثم قد أومأ إلى رفاقه وأشار ~~بإصبعه إليها كأنه يقول: «هذه هي فاقبضوا عليها.» # فأحاطوا بها وبالراهب أيضا، فسألهم الراهب عن غرضهم فقالوا: «قد أمرنا بالقبض عليكما ~~والسير بكما إلى حضرة الدوق أود.» # فقال: «وما الذي دعا إلى ذلك، وما نحن ms107 من أهل السياسة ولا الحرب فإني راهب وهذه امرأة ~~أظنكم مخطئين.» # قالوا: «لسنا مخطئين هيا معنا طائعين، ولا فإنكما ذاهبان كرها.» # فلما تحققت سالمة من وقوع الخطر، ورأت أن نجاتهما مستحيلة من بين يدي أولئك الفرسان تجلدت ~~وقالت: «أظنكم تلتمسون القبض علي وليس على هذا الراهب، فأطلقوه وها أنا أسير معكم إلى حيث ~~تشاءون، ولا حاجة إلى التهديد والوعيد.» # فتعجب الراهب من جرأتها ورباطة جأشها وحدثته نفسه أن يرفض النجاة بنفسه ويطلب البقاء ~~معها، ولكنه رأى أن بقاءه لا ينفعها، وخشي لوم رئيسه فسكت ليرى ما يكون منهم فإذا بالفارس ~~الملثم قد خاطب كبير الفرسان همسا، فأشار هذا إلى الراهب بالانصراف، وأحاطوا بسالمة وساروا ~~بها ولم يلتفتوا إلى الخلف. # أما هي فلما رأت نفسها في قبضة الإفرنج ولا حيلة لها في النجاة، تذكرت أنها تحمل رسالة من ~~أسقف بوردو إلى أسقف بواتيه، فخشيت إن هم فتشوها أن يعثروا على الرسالة فيقع أسقف بواتيه ~~تحت طائلة الغضب، فاحتالت ورمت الرسالة في مكان بحيث لا يراها أحد، ثم تذكرت المحفظة وفيها ~~كل سرها فخفق قلبها خوفا من وقوعها في أيدي أولئك الإفرنج، فجرها ذلك إلى التفكير في ~~ابنتها وكيف تركتها في معسكر المسلمين، وتمثلت في ذهنها ميمونة وما كانت تخشاه من دسائسها، ~~فترجح عندها أن ما أصابها إنما كان بإيعاز من ميمونة، إذ ليس في أكتانيا كلها من يعرفها أو ~~يسيء الظن بها سواها ولكنها عادت فتذكرت أنها خرجت في تلك المهمة سرا، ولم تكاشف أحدا ~~بخروجها غير مريم، وقضت سالمة ساعة في تلك الهواجس وهي سائرة على فرسها والفرسان محيطون بها ~~وفي جملتهم ذلك الجاسوس الملثم وكانت تسترق النظر إليه لعلها تستطيع معرفته؛ لأنها لو رأت ~~وجهه لانكشف سر ذلك الأمر، ولكنه كان شديد الحرص على لثامه، على أنها تفرست في ثيابه فرأت ~~بالرغم من أنها تبدو في الظاهر إفرنجية، فإنه يظهر من تحت ردائه القصير أن باقي الثوب ليس ~~إفرنجيا، ورأت أن ما انكشف من ساقيه أسمر اللون، ولون الإفرنج ms108 مشرب بحمرة، فتحققت أنه ~~جاسوس من خدم ميمونة، فندمت؛ لأنها لم تكشف أمرها للعرب لينجوا من حبائلها، وأصبحت من جهة ~~أخرى، تخشى أن توقع المسلمين في شراكها أو تفسد أمرهم، فيذهب سعيها في نجاحهم أدراج الرياح، ~~وودت لو أنها تستطيع إبلاغ ذلك إلى الأمير عبد الرحمن، فتأسفت؛ لأنها تركت حسانا في الدير ~~ولا تدري مع ذلك هل شفي جرحه، أم أصابه سوء بسببه، وتصورت كيف يكون حال ابنتها ووحيدتها إذا ~~فشل المسلمون، فتراكمت عليها الهواجس وعظم الأمر عليها وغلبها اليأس، فانخرطت في البكاء ~~خلسة، فلما بكت خف بعض ما بها، ولكن الأمر ما برح عظيما. # وما زالوا سائرين بضع ساعات وسالمة تتهيب مقابلة الكونت أود لئلا يعرفها فيكبر جرمها عنده ~~ويكون ذلك خاتمة المصائب، فلما كثرت مشاغلها وهواجسها أخذ الأمر يهون عليها، وهو لم يهن ~~حقيقة، ولكن الإنسان إذا وقع في مصيبة استعظمها وكاد ينوء تحت ثقلها، فإذا تراكمت عليه ~~المصائب ساعده اليأس على احتمالها فكم من أرملة كان الناس يحسبون أنها ستموت ساعة موت ~~زوجها، فلما مات لم تمت ولكنها أعظمت المصيبة فعزاها الناس ببقاء أنجالها ، ثم أصيبت في واحد ~~منهم، ثم بآخر ففرغت حيل الناس في تعزيتها ولكنهم رأوا أنفسهم - بعد حين - في غنى عن ذلك ~~بما استولى على تلك الأرملة الثكلى من اليأس، كأن القلب يندمل من توالي الأحزان، أو أنه ~~يعتاد المصائب فيستخف بها، وهكذا شأن من تحيط به المشاكل، تراه عند وقوعه في المشكل الأول ~~أكثر ارتباكا وخوفا مما يصير إليه حاله عند تعددها، فكانت كلما تعددت مشاكلها هونت على ~~نفسها. # الفصل الثالث والأربعون # | الدوق أود # وفي أصيل ذلك اليوم أشرفوا على كرم وراءه سهل واسع، رأت في منتصفه قصرا كبيرا حوله ~~الخيام وبينها الناس يعجون عجا، وفوق القصر علم عرفت حين رأته أنه للدوق أود فتحققت أنها ~~وصلت إلى المكان المقصود، وأن القصر المذكور لبعض أغنياء البلاد هجره أهله في جملة ما ~~هجروه، فنزل فيه أود وأقام رجاله في الخيام حوله. # وما زال الفرسان ms109 سائرين بها حتى وصلوا إلى باب القصر فترجلوا وترجلت، فسلموها إلى الحرس ~~الواقف بالباب، فدخلوا بها إلى القصر وهي ملثمة بثوبها الأسود ومقنعة بخمارها الأسود، مشت ~~بقدم ثابتة بين الحرس حتى تجاوزت باحة البيت إلى قاعة وقف الحرس ببابها، ودخل أحدهم ثم عاد ~~وأشار إلى سالمة أن تدخل. # فدخلت إلى قاعة يظهر من سعتها وما على جدرانها من الرسوم الجميلة أن أصحاب ذلك البيت من ~~أهل اليسار، ولم تر في أرض القاعة طنافس ولا مقاعد غير ما كان يحمله الجند في سفرهم، ~~وشاهدت على كرسي في وسط القاعة رجلا نحيف البدن ممتقع اللون أشقر الشعر أشيبه، أزرق ~~العينين جاحظهما، غائر الفم بارز اللحية، منخسف الخدين بارز الوجنتين، وعلى رأسه قبعة ~~عنابية اللون مزركشة بالذهب وفي مقدمتها فوق جبينه حلية مرصعة بالماس والياقوت بشكل الصليب، ~~وعلى كتفيه بردة مزركشة بالقصب سماوية اللون تغطي ثيابه، وتحت البردة جبة قصيرة من القطيفة ~~حولها منطقة عريضة منسوجة بالذهب على أشكال بعض الطيور، وحول ساقيه لفافة من جلد ملون له ~~أهداب من الفرو، ونعلاه مشدودتان إلى قدميه بسيور من نسيج الشعر المتين ، وقد جلس على كرسي ~~ذي جناحين أسند زنديه إليهما، وقد ظهر من تحت البردة سلسلة ذهبية مدلاة من عنقه وفيها صليب ~~من الذهب، فعلمت سالمة أنه الدوق أود؛ لأنها كانت تعرفه جيدا وتعرف بعض الذين بين يديه من ~~أمراء مجلسه. # وكان أود قبل دخول سالمة قد تناول من أحد جلسائه قدحا فيه خمر وهم بشربه، فلما أمر ~~بإدخالها وضع القدح على المائدة أمامه بين الأقداح الأخرى ومسح لحيته بيده ثم جعل يسرحها ~~بأنامله، فدخلت سالمة وهو على تلك الحالة، وحالما وقع نظره عليها ظهرت البغتة في عينيه، ~~ولولا اصفرار وجهه الطبيعي لبدت أيضا في امتقاع لونه، ولم تكن سالمة أقل تأثرا منه ولكنها ~~كانت قد تجلدت وذهبت بغتتها فوقفت بين يديه وخرج الحرس ثم أومأ أود إلى أهل مجلسه فخرجوا ~~جميعا وبقي هو وسالمة. # فلما رأت سالمة نفسها وحدها زادت تهيبا، فإذا هو ms110 قد أشار إليها أن تجلس فجلست على كرسي ~~بين يديه جلوس متحفز للنهوض، فخاطبها أود بالإفرنجية قائلا: «ألهذا الحد بلغ منك ~~الغيظ؟» # فأجابت وهي تتجاهل: «وأي غيظ يا مولاي؟» # قال: «أتظنين أني نسيتك يا أجيلا؟» # فلما سمعت سالمة لفظ «أجيلا» ارتعدت فرائصها؛ لأنها لم تسمع أحدا يناديها بهذا الاسم من ~~زمن بعيد، ولكنها تجلدت وقالت: «أظن أن مولاي مخطئ في شأني، ولعله يقصد امرأة غيري.» # قال وهو يضحك: «أظنني واهما إذا كانت عيناي واهمتين، فهل تظنين أن قلبي واهم أيضا؟ هل ~~أنسى أجيلا وقد جرحت قلبي، وأساءت إلى سلطاني ولكنها أساءت إلى نفسها، ألم يكن من التعقل ~~والحكمة أن تقلعي عن ذلك الجنون؟ أليس من العار عليك وأنت مسيحية مولودة في بيت من أكبر ~~بيوت المسيحيين أن تتعاوني مع قوم غرباء لا دين لهم ولا ذمام وتساعديهم على أهل ~~ديانتك؟» # قالت وهي لا تزال مطرقة: «لم أفهم يا مولاي مغزى كلامك كأنك تخاطب امرأة غيري، فإن الاسم ~~الذي ناديتني به ليس هو اسمي، وإنما اسمي سالمة.» # فأغرق أود في الضحك حتى سمع قهقهته كل من في القصر ، ومد يده إلى المائدة فتناول قدحه ~~وشربه وهو ينظر إلى سالمة وهي لا تزال مطرقة، ثم أعاد القدح فارغا ومسح فمه بيده وهو يقول: ~~«ما لنا وللإنكار والإثبات، أخبريني يا سالمة - كما تسمين نفسك - ما الذي جئت من أجله إلى ~~هذه المدينة، وما الذي فعلته عند أسقف بوردو؟» # فأدركت سالمة أنه مطلع على كل شيء من أمرها، فقالت: «وما الغرابة في زيارة امرأة مسيحية ~~لأسقف كنيستها؟» # قال: «لا غرابة في الزيارة، ولكنني أسألك عما دار بينكما وعما حملك على الذهاب ~~إليه.» # قالت: «لا يخلو أن يكون قد دار بيني وبينه حديث طويل في شئون سرية لا تهم أحدا؛ لأن ~~جماعة الأكليروس خزانة أسرارنا.» # قال: «لا أسألك عن اعترافك إليه فيما يتعلق بشئونك، ولكنني أسألك عما دار بينك وبينه بشأن ~~الإفرنج والعرب والحرب والسلم.» # الفصل الرابع والأربعون # | التهديد # فلما سمعت تصريحه لم يبق عندها ms111 شك في اطلاعه على سرها فأيقنت بالوقوع ويئست من النجاة، ~~فساعدها اليأس على الجرأة فقالت: «يظهر أنك عالم بما دار بيني وبينه فلا حاجة إلى ~~سؤالي.» # قال وهو يظهر الغضب: «أهكذا تجاوبين الدوق أود؟ هل بمثل هذه الجرأة تخاطبين دوق ~~أكيتانيا؟» # فظلت سالمة ساكتة، ولكنها ابتسمت ابتسامة فهم أود منها ما هو أكثر صراحة من الجواب، ~~فابتسم وكأنه ندم على ذلك التهديد فقال: «تلك أيام مضت وقد أردنا إرجاعك إلى مثلها فأبيت ~~فأسأت إلى نفسك وإلى ابنتك ولا ذنب لها وإنما الذنب ذنبك فقد أردت أن تهوى ابنتك الذين ~~تهوينهم أنت، وأن تبيع ديانتها وكنيستها جزافا وأن يكون نصيبها مع أولئك المسلمين، وفي ~~الحق أني لم أفهم سر ذلك العناد منك.» # فأيقنت سالمة أن أود مطلع على كل شيء كأنه كان معها في خيمة عبد الرحمن حينما صرحت له ~~بسرها واستغربت اطلاعه على تلك الأسرار، ولم تجد لها خيرا من السكوت أو الإنكار فقالت: ~~«أراك لا تزال تخاطبني بالألغاز والإشارات والتلميح والتعريض فالذي تريد أن تعتقده في ~~اعتقده وما تريد أن تفعله افعله.» # قال: «الذي أريد أن أفعله يا أجيلا سترينه رأي العين، ولو أظهرت هذه الوقاحة في مجلسي ~~وبين أرباب حكومتي لما استطعت الإغضاء عن قتلك، ولكنني أسامحك الآن إكراما للحب القديم، ~~أما الآن فقد تحول ذلك الحب إلى الغضب والانتقام، ويكفيني انتقاما منك أن أريك حبوط مسعاك، ~~فمتى رأيت الأرض مضرجة بدماء أولئك العرب والبرابرة، كنت مخيرة بين أن تموتي حسرة أو أن ~~نقتلك بالسلاح الذي تختارينه.» ~~••• # قال ذلك ولحيته تضطرب، وعيناه قد كللهما الاحمرار من شدة الحنق والغيظ؛ لأن الإنسان إذا ~~غضب ولم يشف غضبه بالضرب أو نحوه اشتد تأثيره، وقد يحاول إخفاء عواطفه بالكتمان ولكن ~~العينين تبوحان بسر القلب على حد قول الشاعر: # عيناك قد دلتا عيني منك على # أشياء لولاهما ما كنت رائيها # والعين تعلم من عيني محدثها # إن كان من حزبها أو من أعاديها # فلما رأت سالمة غضب أود وتصريحه بما في قلبه من ms112 الغيظ مع علمها أنه فاعل معها ما يريده؛ ~~لأنها أسيرة بين يديه، رأت أن السكوت أجدر بها لعلمها أن ما توهمه أود في نفسه من القدرة ~~على العرب محال؛ لأنهم هزموه في عدة مواقع. # فلما رآها أود لا تزال ساكتة ازداد هو حنقا فقال لها: «أراك لا تزالين صامتة!» # فقالت وهي تظهر التجلد وعدم الاكتراث: «وماذا عسى أن يكون جوابي لأمير حوله الجند ~~والأعوان والعدة والسلاح، يهدد امرأة وحيدة لا نصير لها ولا سلاح في يدها، فالذي ترى أن ~~تفعله أيها الدوق افعله!» ~~••• # وهم أود أن يجيبها، فسمع قرع الباب قرعا عنيفا، فدهش لذلك لعلمه أن أحدا من أعوانه لا ~~يجرؤ على إقلاق راحته في مثل تلك الحال، فنهض بنفسه مسرعا إلى الباب وطليسانه يجر وراءه ~~وقد حمي غضبه، ففتح الباب فاستقبله أحد رجال خاصته، فصاح قائلا: «ما الذي حملكم على هذا ~~القرع العنيف وأنتم تعلمون أنني في جلسة خاصة؟» # فقال: «العفو يا مولاي، إننا فعلنا ذلك بإشارة هذا الرسول فإنه قادم من سفر ومعه رسالة ~~عاجلة في غاية الأهمية أوصاه مرسلها أن يسلمها إلى حضرة الدوق حال وصوله إلى معسكره، وإذا ~~كان نائما فليوقظه من نومه.» # فبغت أود وقال: «أين هذا الرسول؟ دعه يدخل.» # الفصل الخامس والأربعون # | الكتاب # فدخل رجل عليه لباس الإفرنج ولكن وجهه يدل على أنه من برابرة إفريقية، فلما شاهدته سالمة ~~عرفت أنه من جند المسلمين وقد جاء متنكرا أما هو فقد مد يده إلى جيبه وأخرج لفافة دفعها ~~إلى أود، فتناولها وتراجع إلى كرسيه فجلس عليه، وفض اللفافة فإذا فيها منديل عليه كتابة ~~فأخذ في قراءتها حتى أتى على آخرها، ثم عاود قراءتها ثانية والبغتة ظاهرة على وجهه. # وكانت سالمة تتغافل عن ملاحظة حركات أود وتسترق النظر إلى الرسول، فإذا هو يسترق النظر ~~إليها وكأنه عرفها، وأما هي فعرفت أنه من رجال البربر، ثم ما لبثت أن رأت في عينيه حولا ~~شديدا فتذكرت أنها رأته في معسكر عبد الرحمن، فأدركت مصدر تلك الرسالة وودت لو ms113 يتاح لها ~~الخلاص من ذلك الأسر لعلها تستطيع القيام بخدمة العرب. # أما الدوق أود فبعد أن فرغ من تلاوة الكتاب ثانية تظاهر بالإطراق والتفكير وهو ينظر خلسة ~~إلى سالمة، يرقب حركاتها وما قد يبدو في وجهها، فرآها تبالغ في التجاهل وأحب أن يعود إلى ~~البحث في شأنها لكنه رأى في ذلك الكتاب ما يدعو إلى سرعة العمل فأومأ إلى الرسول فخرج، ثم ~~صفق فدخل إليه أحد غلمانه وبيده حربة ووقف متأدبا، فأشار إليه أود أن يأخذ سالمة إلى غرفة ~~منفردة من غرف القصر يحبسها فيها، ثم التفت إليها قائلا: «إذا كنت مصرة على الإنكار ~~والتجاهل، فاذهبي إلى حيث يقودك هذا الحارس وسننظر في شأنك.» # فنهضت سالمة ومشت، ولم تبد جوابا فسار بها الحارس حتى خرج من باحة القصر إلى دهليز نفذ ~~منه إلى باب أدخلها فيه، إلى غرفة ليس فيها إلا حصير وطنفسة ولها نافذة تطل على معسكر ~~الإفرنج، فتركها الحارس هناك وأغلق عليها الباب فظلت هي واقفة تنظر إلى ما تطل عليه النافذة ~~من الخيام المنصوبة، وبينها الرجال في ذهاب وإياب لقضاء حوائجهم، حتى إذا تعبت من الوقوف ~~جلست على الطنفسة، وقد عظم عليها ذلك السجن مع ما يترتب عليه من عرقلة مساعيها، وودت لو ~~أنها تطلع على نص تلك الرسالة لتعلم ما دبروه لها ولجند العرب ولكنها قالت في نفسها: «إذا ~~لم يكن ثمة سبيل إلى خروجي من هذا المعسكر فما الفائدة من الاطلاع على الرسالة!» # وظلت على تلك الحال إلى الغروب وهي لم تذق طعاما، وكانت لفرط مشاغلها لا تشعر بمرور ~~الوقت، فلما غابت الشمس اسودت الدنيا في عينيها وتذكرت ابنتها، وميمونة، وعبد الرحمن، ~~فتذكرت المحفظة فتفقدتها، فإذا هي لا تزال محفوظة تحت ثيابها لكنها أصبحت لا ترى فائدة منها ~~وهي في تلك الحال بعيدة عن كل نصير، وخصوصا خادمها، وقد تركته بين حي وميت، فغلب على ظنها ~~أنه لم ينج من تلك الحمى؛ لأنها أصبحت بعد وقوعها في ذلك الشرك لا تتوقع غير توالي النحس، ~~والإنسان ms114 إذا أصابته مصيبة انصرف ذهنه إلى استهدافه لسواها، وإذا صادف توفيقا في عمل خيل ~~له أن الأقدار قد أبرمت معه عهدا ألا تأتيه بغير ما يرضاه.» # فاشتغلت بتلك الهواجس عما في ذلك القصر من ضوضاء الجند بين خارج وداخل، وعن غوغاء الناس ~~في المضارب وخاصة ساعة الغروب وقد نفخ في البوق لدعوتهم إلى الطعام. # الفصل السادس والأربعون # | الطارق # وبينما هي مشتغلة في ذلك، إذا بقلقلة في مكان القفل بالباب، فأجفلت ونظرت إلى الباب فرأت ~~من ثقبه نورا في الخارج، ثم فتح الباب ودخل منه شاب بملابس الإفرنج في إحدى يديه شمعة ~~مضيئة، وفي الأخرى قصعة مغطاة بشيء كالخبز، فعلمت أنهم جاءوها بالطعام، فأحست بالجوع ولكنها ~~لم تتمالك أن صاحت: «من أنت؟» # فأجابها الشاب بصوت هادئ: «لقد جئتك يا سيدتي بطعام بأمر سيدي الدوق، وقد أوصاني أن أرجوك ~~لتأكلي من هذا الطعام فإنه طعامه الخاص.» # فاستغربت سالمة هذا الإكرام منه بعد ما دار بينها وبينه، ولكنها سكتت وهي تنتظر ما يفعله ~~الشاب فإذا هو قد وضع القصعة على الطنفسة ورفع الخبز عنها فرأت تحته شيئا من الطيور ~~المطبوخة وقد فاحت منه رائحة يشتهيها الشبعان، فكيف بالجائع! ولكنها أمسكت نفسها مخافة أن ~~يكون في الطعام سم أو نحوه، وإن كان الجوع يدفعها إلى الأكل، فرأت أن تنظر في وجه الغلام ~~لعلها تتوسم فيه ما يشجعها أو يحذرها، فرفعت بصرها إليه والشمعة لا تزال في يده وقد وقعت ~~أشعتها على وجهه فاذا هو يختلف في سحنته ولون بشرته عن أهل تلك البلاد مع أن كلامه إفرنجي، ~~فتبينت تقاطيع وجهه فإذا هو أسود العينين براقهما خفيف العضل أسمر البشرة خفيف اللحية صغير ~~العارضين لحداثته، وتدل ملامحه على أنه ليس إفرنجيا فلم تستغرب ذلك لعلمها بما كان يدخل ~~بلاط الملوك في تلك الأيام من الأسرى والمماليك من أمم مختلفة فتفرست في وجهه لترى ما قد ~~يزيل الشك الذي ساورها من أمر الطعام، فلم تر في وجه الغلام ما يدعو إلى الخوف، لكنها ~~أرادت أن تتحقق ms115 من ذلك من سماع كلامه فقالت: «ما اسمك أيها الشاب؟» # قال: «اسمي رودريك يا سيدتي.» # فلما سمعت ذلك الاسم، خفق قلبها وأجفلت وتصاعد الدم إلى محياها بغتة، لكنها انتبهت لنفسها ~~في الحال وحولت نظرها إلى القصعة ومدت يدها إلى الخبز وتشاغلت بتقطيعه بهدوء وسكينة، ~~والغلام واقف وقد لحظ منها ذلك الاضطراب فلم يفهم له سببا سوى أنها تحتاج إلى أمر وقد ~~منعها الحياء من طلبه، فانتبه للحال أنه لم يأتها بالماء للشرب فابتدرها قائلا: «أظنك ~~تحتاجين إلى الماء؟» # ثم وضع الشمعة على البساط وخرج، وقد ترك الباب مفتوحا، ففهمت سالمة أنه ينوي الرجوع بعد ~~قليل. # ولم تمض هنيهة حتى سمعت وقع أقدامه ثم دخل وبيده كوب فيها ماء وضعها أمامها وهو يبتسم، ~~وكان قد سكن اضطرابها فنظرت إليه فأحست بارتياح إلى رؤيته، واستأنست به، فشكرت عنايته وودت ~~لو أنه يتولى أمرها دائما. ~~••• # أما هو فوضع الكوب وخرج، وأغلق الباب من ورائه إغلاقا خفيفا كأنه عازم على ~~الرجوع. # فتناولت سالمة بعض ما في القصعة، وشربت الماء وهي تفكر فيما آنسته من ذلك الغلام من الود، ~~ولبثت بعد فراغها من الطعام تنتظر رجوعه، وبعد قليل سمعته وهو يمشي الهوينا، ثم دخل يحمل ~~غطاء ثقيلا ووسادة فألقاهما على الأرض وهو يقول: «هذا غطاء ووسادة وقد أوصى مولاي الدوق ~~بهما لك.» # فتناولتهما وقالت له: «أشكر عنايتك أيها الشاب وأرجو أن أستطيع مكافأتك، وعسى ألا يتولى ~~أمري من أهل هذا المعسكر سواك، وإن كان في ذلك إثقال عليك.» # فأجابها رودريك وهو يبتسم: «وأنا أرجو ألا يتولى ذلك سواي؛ لأني أخشى أن يتولاه من لا ~~يعرف قدرك، فلا يحسن خدمتك.» # فأدركت سالمة من ذلك أنه يعرف شيئا عنها فتجاهلت وسكتت أما هو فإنه أخذ القصعة والكوب ~~وتحول نحو الباب، وهو يقول: «وسترينني رهن إشارتك وسأبذل أقصى الجهد في خدمتك فليطمئن ~~بالك.» ثم أغلق الباب وخرج. ~~••• # وبعد خروجه شعرت سالمة بارتياح أنساها بعض ما بها من الاضطراب، فافترشت جانبا من الغطاء ~~وتغطت بباقيه وتوسدت تلتمس النوم، وكانت ms116 قد شعرت بالتعب على أثر ما قاسته في ذلك اليوم وما ~~قبله، فغلب عليها النعاس فنامت نوما عميقا. # ولما أفاقت جاءها رودريك بطعام الصباح وتولى خدمتها في كل ما تحتاج إليه، وتفرست فيه على ~~ضوء النهار فتحققت من أنه بعيد الشبه عن الإفرنج وقريب الملامح من العرب، ولكنها رأته يتكلم ~~الإفرنجية مثل أهلها واسمه إفرنجي فعزمت على استطلاع حقيقته بعد أن تأنس فيه ثقة بها، مخافة ~~أن تبدو منها كلمة تزيد نقمة أود، إذا هي بلغته. # الفصل السابع والأربعون # | السفر # قضت سالمة في ذلك الأسر أياما وهي ترقب حال أهل القصر لعلها تجد سبيلا للفرار، فإذا هم ~~شديدو العناية بحراستها، كثيرو التضييق عليها وكان جماعة منهم موكلين بحراستها ومراقبة ~~حركاتها، فعلمت أن أود مع تغيبه عنها وإهماله مقابلتها شديد الحرص على استبقائها في ذلك ~~السجن. # فلما طال بقاؤها على تلك الحال سئمت الإقامة وتزايد قلقها على جند العرب لعلمها أنهم في ~~انتظارها على مثل الجمر، ولكنها لم تكن ترى بأسا من تأخرها عنهم؛ لأنها توقن بأنهم فائزون ~~في فتحهم حتى يبلغوا بواتيه، ثم هي لا تخاف عليهم أود وجنده؛ لأنه غلب غير مرة على أنها ~~كانت تخاف على مريم من غدر ميمونة، ثم هي رجحت أن الكتاب الذي جاء به ذلك الأحول إنما هو من ~~ميمونة، ولكنها لم تفهم فحواه تماما فلبثت تتوقع فرصة للاطلاع على ذلك من رودريك. # وأصبحت ذات يوم فسمعت ضوضاء الجند على غير عادتهم، فأطلت من النافذة فرأتهم يقوضون الخيام ~~وقد أخذوا في التأهب للسفر، فانشغل خاطرها وأوجست خيفة من ذلك الانتقال، لكنها رأت في ذلك ~~سبيلا لمخاطبة رودريك فيما قد يكشف لها شيئا من ذلك السر، فلما جاءها في ذلك الصباح ومعه ~~الطعام ابتدرته قائلة: «مالي أراكم تتأهبون للسفر، هل أنتم مسافرون جميعا أم أن بعضكم ~~سيبقى هنا؟» # قال: «إننا مسافرون جميعا، وقد أمر حضرة الدوق أن تسيري معنا.» # قالت: «وإلى أين؟» # قال: «إلى تورس على نهر لوار.» # فلما سمعت قوله استغربت ذلك الانتقال لعلمها ms117 أن النهر المذكور هو آخر حدود أكيتانيا، ~~والبلاد التي وراءه تحت سلطة شارل دوق أوستراسيا وهي تعلم أيضا أن بين أود وشارل منافسة ~~ومزاحمة على النفوذ، وربما كان شارل أكثر حرصا على صد أود عن بلاده من حرص العرب على فتح ~~أكيتانيا فقالت: «هل أنت على يقين من ذهابهم إلى تورس؟» # قال رودريك: «نعم يا مولاتي وقد سمعت الأوامر الصادرة لنا بالذهاب.» # قالت سالمة: «ألا تعلم بما بين الدوق أود ودوق أوستراسيا من المنافسة؟» # قال: «بلى ومن يجهل ذلك؟» # قالت: «فما الذي يفعله الدوق أود في تورس إذن؟ ألا يخاف عدوه شارل؟» # فلما سمع رودريك سؤالها، تلفت نحو الباب كأنه يحاذر أن يراه أحد، ثم نظر إلى سالمة وهو ~~يقول بصوت خفيض: «إن لذلك سرا لم يطلع عليه إلا نفر قليل من هذا الجند، وأخشى إن بحت به ~~أن يلحقني أذى.» # فتوسمت في وجه الغلام خبرا مهما، فتاقت نفسها لسماعه فشجعته، وقالت: «ما الذي تخشاه من ~~أسيرة سجينة، ربما لا يهمها من أمر هذا الخبر شيء، ولكنني أحببت الاطلاع على هذا السر ~~لغرابته وقد شجعني على هذا السؤال ما شاهدته من مؤانستك ولطفك في هذه المدة، ومع ذلك فإني ~~لا أظنك أحرص على مصلحة هذا الجند مني؛ لأنك على ما يظهر لي لست منهم.» # فلما قالت سالمة ذلك بدت البغتة على وجه رودريك وقد تحولت سحنته إلى غير ما كانت عليه ~~فتنهد وقال: «لقد أدهشتني فراستك في؛ لأنك اطلعت في أيام على ما لم يستطع كشفه أحد من أهل ~~هذا المعسكر في أعوام.» # فاستبشرت سالمة بذلك التلميح وقالت: «يظهر لي أني قد أصبت الفراسة فكلانا إذن يرمي إلى ~~غرض واحد، فأخبرني عما حمل أود على الذهاب إلى تورس ولا تخف، وأرجو أن يكون لك من وراء ذلك ~~خير.» # فقال: «أما السبب في هذا الانتقال فهو أن العرب حاربونا ونحن قرب بوردو فغلبونا، وقد ~~بلغنا الآن أنهم قادمون إلى هنا.» # فقطعت كلامه وقد سرها أن غيابها لم يؤخر العرب عن التقدم ms118 في الفتح، وأيقنت أنهم لم يلاقوا ~~في طريقهم مقاومة كبيرة من أهل البلاد، فقالت: «فالإفرنج إذن يطلبون تورس فرارا من ~~العرب؟» # قال: «لا يخلو الأمر مما ذكرت ولكنهم يطلبون تورس للدفاع وليس للفرار.» # قالت سالمة: «وبماذا يدافعون وعدوهم هناك أشد وطأة عليهم من العرب؟» # قال رودريك: «كان الأمر كذلك من قبل ولكنه أصبح الآن حليفا لهم.» # فقالت سالمة: «وكيف ذلك والمنافسة متمكنة بينهما؛ لأن كلا منهما يطلب السيادة على الآخر ~~بعد أن رأيا انحلال الدولة المرونجية التي كانت تجمعهما تحت سيطرتها، وقد علمنا أن الفائز ~~منهما ستكون له الدولة والملك على الدوقيات كلها، فزادت المنافسة بينهما حتى صار يتمنى كل ~~منهما أن يفتك بالآخر.» # قال رودريك: «هذا هو الواقع فعلا، وهذا الانقسام هو الذي مكن المسلمين من فتح أكيتانيا ~~حتى وصلوا إلى هنا، وإذا قطعوا نهر لوار أصبحت بلاد أوستراسيا في قبضتهم على أهون سبيل؛ لأن ~~أساقفتها ناقمون على الدوق شارل نقمة شديدة وقد يحرضون الشعب على خلعه، فإذا جاءهم العرب ~~وهم في تلك الحال ساعدوهم على الفتح.» # فلما سمعت سالمة ذلك خفق قلبها سرورا بما ترجوه من فوز العرب هناك، ولكنها لم تثق بصدق ~~تلك الرواية فقالت: «وما هو سبب نقمة الأكليروس على شارل، وهو قائد عظيم؟» # قال: «السبب يا سيدتي أنه أخذ أموالهم واستولى على أملاك الأديرة ووزعها على جنده، وأهان ~~بعض الأساقفة بالقصاص، وفضل بعض صغار الكهنة عليهم ولا يخفى عليك ما يؤدي إليه ذلك.» # فلما تحققت من غضب الأساقفة على شارل عادت إلى السؤال عما دعا إلى نصرة شارل لأود فقالت: ~~«ولكنني لم أفهم كيف صار شارل حليفا للدوق أود فهل فعل شارل ذلك من تلقاء نفسه خوفا من ~~الأساقفة؟» # فقال رودريك: «كلا يا سيدتي ولكن الدوق أود لما أيقن بعجزه عن دفع العرب عن بلاده، لم ير ~~بدا من نصرة عدوه شارل.» # فقالت، وقد بغتت: «وكيف نصره، وفي انتصاره خروج هذه البلاد من يده لا محالة؟» # قال: «لا أظنه يجهل ذلك ولكنه فعله مضطرا بحكم ms119 الضرورة، ففضل أن تئول البلاد إلى أمير ~~مسيحي من أن تئول إلى قوم غرباء دينا ووطنا، ولعله مطمئن لما يعلمه من اشتغال شارل بنقمة ~~الأساقفة ثم إني لا أظنه قد نصره إلا مدفوعا بمشورة بعض ثقاته.» # قالت: «ومن يجرؤ على هذه المشورة من رجاله؟» # قال: «المشورة لم تأته من هذا المعسكر ولكنني علمت بكتاب جاءه في اليوم الذي سجنك فيه وفي ~~ذلك الكتاب تحريض على استنجاد شارل، والظاهر أنه أثر فيه كثيرا فحالما قرأ الكتاب بعث ~~وفدا إلى شارل يطلب إليه مساعدته في هذه الحرب فأتاه الجواب بالإيجاب.» # الفصل الثامن والأربعون # | الاستطلاع # فلما سمعت قوله ثبت لديها أن المحرض على ذلك هو ميمونة، فاستعاذت بالله، ولكنها كتمت ~~خواطرها وتجلدت؛ لأنها لم تكن تثق برودريك وهو لم يكاشفها بحقيقة أمره، فأحبت قبل الإفاضة ~~في هذا الموضوع أن تستطلع الحقيقة، فقالت والاهتمام ظاهر على وجهها: «أراك يا رودريك قد ~~كاشفتني بأمور ذات بال مما يدل على ثقتك في، فاعلم أن ثقتك في محلها وإذا كنت تؤمن ~~بإخلاصي لك، فكن على يقين بأني باذلة نفسي في مكافأتك، على أني لا أزال أعلل نفسي بالاطلاع ~~على حقيقة أمرك؛ لأني على ثقة أنك لست من أهل هذا المعسكر.» # قال: «لا ريب عندي في إخلاصك ولولا ذلك ما خاطبتك بما خاطبتك به، والأمر الذي تتمنينه هو ~~الذي أتمناه أنا أيضا وهذا ما شجعني على هذه المكاشفة.» # فأدركت سالمة أنه على مبدئها، فازدادت ميلا إلى استطلاع حقيقته، فقالت: «فأطلعني على ~~حكايتك لنتعاون على النجاة بإذن الله.» # قال: «ولكنني أطلب إليك أن تخبريني عن أمر لاحظته منك في أول ساعة خاطبتك فيها هل أسألك ~~عنه؟» # قالت سالمة: «وما هو؟» # قال: «لما سألتني عن اسمي وعلمت أنه رودريك رأيت في وجهك أثر البغتة، فهل كان ذلك بسبب ~~اسمي أم لسبب آخر؟» # فتظاهرت سالمة بعدم الاكتراث وقالت: «لا أذكر أني بغت لشيء من هذا القبيل.» # فصدق وسكت. # أما هي فلبثت ساكتة تنتظر جوابه على سؤالها عن حكايته فرأته يلتفت نحو ms120 النافذة كأنه يرقب ~~حركة أو يتوقع قادما، فالتفتت هي فلم تر غير الجند وهم لا يزالون في اهتمامهم بالحزم ~~والربط والاستعداد للرحيل فحولت بصرها إلى رودريك فرأته يهم بالجواب وهو يتردد فقالت: «يظهر ~~أنك تحاذر شيئا.» # قال: «كلا يا مولاتي ولكنني أخشى أن يدهمني الوقت وأدعى إلى السفر قبل الفراغ من حكايتي؛ ~~لأنها طويلة.» # قالت: «قل لي باختصار إذن، هل تعرف اللغة العربية؟» # قال: «كلا.» # فتوهمت سالمة أنها أخطأت الفراسة فيه؛ لأنها كانت قد توسمت من ملامحه أنه عربي فقالت: «هل ~~تتكلم لغة غير الإفرنجية؟» # قال: «أعرف اللغة البلغارية، وهي لغة حداثتي.» # قالت: «فإذن أنت بلغاري الأصل ولكن ملامحك لا تدل على ذلك.» # قال: «لست من بلغاريا، ولكني ربيت في بيت رجل من البلغار.» # قالت: «وكيف تعلمت لغة الإفرنج؟ ويظهر أنك تتكلمها جيدا كأنك تعلمتها في صغرك.» # قال: «تعلمتها من طول الممارسة؛ لأن الرجل البلغاري الذي رباني باعني لبعض الإفرنج ثم ~~انتقلت إلى الدوق أود بالمقايضة.» # فاستغربت ما سمعته، ورأت أن أسئلتها لم تجد نفعا، وكانت تتوقع بها قرب الوصول إلى ~~الغرض فإذا هي تبتعد عنه فعمدت إلى الاختصار والتصريح فقالت: «قل لي أين ولدت؟» # قال رودريك: «ولدت في طليطلة.» # قالت: «أنت إذن إسباني؟» # قال رودريك: «كلا.» # قالت: «فأنت عربي؟» # فسكت وقد ظهر في وجهه ملامح الخوف. # الفصل التاسع والأربعون # | منظر هائل # فأدركت أنه يخشى التصريح لقلة ثقته بها؛ لأن ملامحها بعيدة جدا عن ملامح العرب فقالت: ~~«لا تخف يا شاب فإنك تخاطب امرأة لا تحب غير العرب، ولكن حديثك أدهشني فكيف تقول إنك ربيت ~~في بلاد البلغار، ثم تقول إنك ولدت في طليطلة والمسافة بين البلدين بعيدة جدا، أظنك ~~واهما فيما تقول، أو لعل الذي أنبأك بمولدك قد خدعك أو كذب عليك؟» # فقال: «إني على ثقة من ذلك؛ لأني عشت في طليطلة بضع سنوات، ولا أزال أذكر بعض مناظرها ~~كأنها خيال.» # قالت بلهفة: «أتذكر مناظر طليطلة؟ ما الذي تذكره منها؟» # قال: «أذكر قصرها الكبير على نهر التاج وحوله الحدائق، ms121 وأذكر حديقة ذلك القصر؛ لأني ~~كثيرا ما كنت ألعب فيها مع بعض الرفاق على ضفاف ذلك النهر.» # قالت وفي وجهها معنى لو رآه لعلم أنها بغتت لذكر طليطلة وقصرها، وأنها كانت تغالب عواطفها ~~لئلا يظهر ذلك في وجهها: «فأنت إذن من أبناء ذلك القصر وما الذي تذكره أيضا؟» # قال: «لا أذكر غير ذلك القصر؛ لأني أخرجت من طليطلة وأنا طفل، ولولا ما شهدته من الأمور ~~المخيفة لم تبق صورته في ذهني، قالت: «وما الذي شهدت فأخافك وأنت طفل؟» # قال: «شهدت مقتل أمير الأندلس.» # قالت: «ألا تتذكر اسمه؟» # قال: «لم أكن أعرف اسمه يوم مقتله، ولكنني علمت بعد ذلك أنه عبد العزيز بن موسى بن نصير ~~الذي فتح بلاد الأندلس للعرب.» # فلما قال ذلك كادت تظهر الدهشة على سالمة لو لم تتجلد وتشغل رودريك بمواصلة السؤال، ~~قائلة: «وما الذي تذكره من أمر مقتله؟» # قال: «أذكر أني كنت في أحد شهور سنة 97 للهجرة ألعب في حديقة القصر، وأنا في نحو الخامسة ~~من عمري ومعي طفلة أصغر مني كنت ألاعبها ومعنا الخدم؛ لأنها بنت الأمير عبد العزيز وقد ~~ربينا معا ، وبينما نحن في ذلك، إذ رأيت الخدم في هرج ومرج وقد وقفوا وقفة الاحترام، فأسرعت ~~للفرجة وبجانبي ابنة الأمير، وإذا بالأمير عبد العزيز قد خرج من القصر ومر بالحديقة وعليه ~~القباء والعباءة ووراءه جماعة من أرباب العمائم، فلما دنا منا مد يده إلي ولمس رأسي على ~~سبيل الملاطفة وقال كلمة لا أذكرها، فتأثرت لمنظره؛ لأنها أول مرة رأيته في مثل ذلك الموكب، ~~فسألت عن مسيره فقالوا إلى المسجد للصلاة، فلم يهمني الأمر فعدت إلى اللعب، ولم يمض قليل ~~حتى سمعت ضوضاء الناس وقد جاء بعض الغلمان وحملوا الطفلة بسرعة وتركوني، فخفت؛ لأن الحديقة ~~أصبحت خالية ولم يعد فيها أحد سواي، فأخذت في البكاء ثم رأيت الناس يعدون من جهة المسجد ~~عدوا سريعا، وأخيرا رأيت منظرا أثر في ذاكرتي تأثيرا لا يمحوه كر الأيام، ولا أذكره ~~إلا اقشعر بدني، شهدت جماعة يعدون في ms122 أثر الناس نحو القصر وفي مقدمتهم رجل يحمل رأس إنسان ~~وقد قبض عليه من شعره والدم يقطر منه، ويد الرجل وثيابه قد تلطخت بالدم ونظرت في ذلك الرأس ~~فإذا هي رأس الأمير عبد العزيز فاستغرقت في البكاء، وليس من ينتبه لبكائي لانشغال الناس عني ~~بشئونهم، وأذكر أني بقيت في ذلك المكان إلى الغروب، ولم ينتبه لي أحد ثم جاء جدي فحملني ~~وصعد بي إلى ذلك القصر إلى حجر والدتي على أننا لم نبق في طليطلة بعد ذلك الحادث إلا بضعة ~~أيام ثم انتقل والدي بي وبأمي إلى الشام.» # وكان رودريك يتكلم وسالمة شاخصة فيه، وعيناها تكادان تجمدان في وجهها ملامح الاضطراب مع ~~اصفرار الدهشة وانقباض الحزن ورودريك يزداد مبالغة في وصف هول ما شاهده، فلما فرغ من حديثه ~~رأى دمعتين انحدرتا من عيني سالمة، فحمل ذلك منها محمل التأثر والانفعال من مثل ذلك الحديث ~~ولو كان السامع غريبا. # أما سالمة فجاش في خاطرها أمور قضت بضع عشرة سنة في الصبر على كتمانها وكادت تحدثها نفسها ~~بالتصريح، لو لم يغلب عليها التعقل والصبر فأمسكت وعادت إلى إتمام حديث رودريك فقالت: «إن ~~حديثك غريب وقد أزعجني، فأخبرني عما تم بعد ذهابكم إلى الشام وكيف وصلت إلى بلاد ~~البلغار.» # فقال: «أظنك سمعت بمسير العرب لفتح القسطنطينية منذ بضعة عشر عاما، وإني لأستغرب الآن ~~بعدما شهدت تلك المدينة وعرفت حصونها وقلاعها كيف أقدم العرب على فتحها.» # فقطعت سالمة كلامه قائلة: «إن الغرض من الذهاب لفتحها الوصول إلى هذه الأرض من ذاك الطريق ~~فيلتقي فاتحو القسطنطينية بفاتحي الأندلس هنا، ويتم للمسلمين فتح هذه الأرض الكبيرة، وفي ~~فتحها يتم للعرب امتلاك العالم كله ألا تراهم لما أعجزهم فتح القسطنطينية كيف أعادوا الكرة ~~لفتح هذه البلاد من هذا الطريق؟» # فتعجب الشاب من سعة اطلاع سالمة على تلك الأحوال وزاد استئناسا بها فأتم حديثه قائلا: ~~«أقص عليك خبري ليس كما أدركته حين حدوثه إذ كنت طفلا، ولكني أقصه كما فهمته بعد ذلك ~~فاعلمي أننا وصلنا إلى الشام فلم ms123 نجد الخليفة فيها، ولم أكن أعرف اسمه.» # فقطعت سالمة كلامه قائلة: «هو سليمان بن عبد الملك الرجل الأعرج الأكول الذي أكل سبعين ~~رمانة وجديا وست دجاجات في أكلة واحدة وختم الطعام بأرطال من الزبيب، وقد كان الأجدر به أن ~~يقيم نفسه خليفة على المطابخ وليس على الناس فيقتل الأمراء ويسفك الدماء.» قالت ذلك وهي لا ~~تتمالك نفسها عن إظهار الغضب. # أما رودريك فعاد إلى حديثه وهو يختصر خوفا من أن يطلبه أحد قبل الفراغ منه، فقال: ~~«وسألنا عن الخليفة فقالوا إنه خرج بحملة من الرجال إلى قنسرين، وأعد جيشا كبيرا ليسير ~~إلى القسطنطينية بقيادة أخيه مسلمة، وكان الناس يعلقون الآمال على ذلك الفتح والكل يثق ~~بالفوز ولست أدري ما الذي دعا إلى هذه الثقة.» # فقالت: «سبب هذه الثقة اعتزاز العرب بما فتحوه من الممالك واعتقادهم أن العالم سيكون كله ~~لهم، وقد ساعدهم على ذلك ثقتهم بمسلمة؛ لأنه من كبار القواد وقد تمت فتوح كثيرة على ~~يده.» # الفصل الخمسون # | حصار القسطنطينية # فقال رودريك: «وكان والدي من أكثر الناس ثقة بذلك، فلما دعوه إلى مرافقة تلك الحملة لم ~~يرض إلا أن يأخذ والدتي ويأخذني معه لاعتقاده أنهم سيفتحون القسطنطينية، وأنه باق هناك أو ~~فيما وراءها من البلاد، وكان والدي من المقربين إلى مسلمة؛ لأنه كان يعرف اللغة اليونانية ~~وقد تعلمها في بعض أسفاره إلى بلاد الروم وهو شاب، فكان مسلمة إذا نزلت الحملة أنزلنا في ~~فسطاطه ونزلت أنا ووالدتي في خباء نسائه، وكانت تلك الحملة الهائلة حملتين واحدة برية، ~~وأخرى بحرية، وكان عدد جند البر الذي نحن فيه 12500 مقاتل وفيهم العرب والفرس وغيرهما ~~وأكثرهم من راكبي الأفراس أو الجمال، وكانت الحملة البحرية - على ما بلغني بعد ذلك - 1800 ~~سفينة، استقدمها مسلمة من سواحل مصر والشام والأندلس وفيها المئونة والذخيرة، فمشى جنود ~~البر كأنهم غابة من الناس والدواب، فمررنا بتيانة وعمورية وبرغاموس ففتحوها وسلم من كان ~~فيها من الروم أو فروا، واستولى المسلمون على أسلابهم وأموالهم، وكانت تلك الحملة تزداد ثقة ~~وتتسع ms124 آمال رجالها كلما تقدمت؛ لأنهم لم يمروا ببلد إلا فتحوه ونهبوه حتى وصلنا إلى حدود ~~آسيا من جهة خليج القسطنطينية، وهو الفاصل بيننا وبينها، وكانت الحملة البحرية قد وصلت إلى ~~هناك، فاستخدمنا بعض سفنها في نقل الرجال والأحمال من شاطئ آسيا إلى شاطئ القسطنطينية عند ~~مكان يسمونه «أبيدوس» وهي أول مرة قطع جند المسلمين فيها ذلك الخليج، على أننا قاسينا في ~~ذلك السبيل مشقة كبرى وكدت أغرق مع والدتي، ولكن العناية الإلهية أرادت بقائي لزيادة ~~شقائي.» # فقالت سالمة بصوت منخفض: «لا بل أرادت العناية ببقائك خيرا يتم على يدك؛ لأناس أنت ~~تحبهم.» فأخذ رودريك في إتمام الحديث فقال: «وبعد أن قطعنا ذلك الخليج بأفراسنا وجمالنا ~~وأحمالنا نزلنا إلى الشاطئ ودرنا حتى أقبلنا على القسطنطينية من جهة الغرب فعسكرنا هناك في ~~سهل واسع، وحفرنا حولنا خندقا وبنينا سورا من التراب، وأقمنا للحصار ونحن في شبه مدينة ~~كبيرة فيها كل ما نحتاج إليه من المؤن والذخائر، وهذه أول مرة أشرفت فيها على تلك المدينة ~~الهائلة وكنت صغيرا لا أفقه معنى العظمة، ومع ذلك فقد هالني علو أسوارها وما على تلك ~~الأسوار من أدوات للحرب، علمت ذلك مما كانوا يرشقوننا به فيما بعد من النبال والحجارة ~~بالمجانيق، وهناك شاهدت أهوال الحرب لأول مرة، فقد كنت أصعد إلى سورنا حتى أشرف على أسوار ~~المدينة، فأرى النبال مغروسة في جدار سورنا مثل ريش القنفد وبعضها ملقى في السهل بيننا ~~وبينهم حتى إني كثيرا ما كنت - وأنا ألعب أمام خيمة مسلمة - أرى النبال تتساقط حولي ~~فألتقطها، ولم تكن تهمني، وكنت لا أزال أحسب الحرب لعبة حتى شاهدت ذات يوم أمرا لم أجسر ~~بعده على الخروج من خباء والدتي. # وذلك أنني صعدت مرة على سور معسكرنا للفرجة كالعادة فرأيت شيئا تطاير عن سور القسطنطينية ~~نحونا أشبه بشعلة متقدة كأنها كوكب مذنب حتى وقعت خارج السور، فتبعثرت وأشعلت مساحة كبيرة ~~من العشب اليابس هناك وتطايرت منها رائحة حادة، فذعرت وأسرعت إلى والدتي وأنا في تلك الحال ~~وأخبرتها، فأخبرتني ms125 أنهم كثيرا ما يطلقون هذه النار فتحرق ما تصيبه، فلم أعد أجسر على ~~الاقتراب من السور، ثم علمت بعد ذلك أنها ما يسمونه «النار اليونانية» وأظنهم انتصروا علينا ~~بتلك النار؛ لأنهم أحرقوا بها أسطولنا من جهة البحر، وكانت الريح قد ساعدت الأسطول المذكور ~~حتى دخل الخليج تجاه المدينة من جهة الشرق، وكان لوصوله تأثير شديد على قلوب الروم، وقد ~~أخبرني بعد ذلك بعض الذين كانوا داخل المدينة في أثناء الحصار أنهم كانوا إذا أطلوا على ~~البحر رأوا أسطولنا كأنه غابة أشجارها الأشرعة والسواري لا يقف البصر على آخرها، وإذا نظروا ~~من جهة البر رأوا معسكرنا كأنه بحر أمواجه الناس والدواب وسفنه الخيام والأعلام. # وقد ساعدنا الحظ في أن السلسلة التي تعود قياصرة الروم قطع مدخل القسطنطينية بها عند قرن ~~الذهب في مثل هذه الحال كانت محلولة، وتحدث الأمراء في اغتنام هذه الفرصة والدخول في ذلك ~~الخليج، فأشار عليهم بعض العارفين بالتوقف برهة لئلا يكون في الأمر دسيسة، ولكنهم مع ذلك ~~اقتربوا من الشاطئ كثيرا فما شعروا إلا والأسطول اليوناني يقترب منهم فتهيئوا للدفاع، وإذا ~~بهؤلاء يطلقون عليهم النار كأنها خارجة من نوافذ جهنم، فأحرقت معظم السفن، والذين نجوا منها ~~جاءونا وهم ينادون بالويل والثبور وقد مات منهم كثيرون. # فأصبح أسطولنا بعد ذلك لا نفع فيه وتحولت الأنظار إلى قوة البر، وكان مسلمة يتوقع أن يمل ~~أهل القسطنطينية من طول الحصار وتقل عندهم المئونة فيضطروا إلى التسليم، وقد أطمعنا في ذلك ~~أننا بعد الحصار ببضعة أشهر بعث الروم إلى مسلمة يعرضون عليه أن يعطوه على كل رأس دينارا ~~وينصرف، فطمع وأبى إلا أن يفتحها عنوة أو يستسلم أهلها جوعا وأما نحن فكان مسلمة قد أعد ~~لنا كل ما يلزم للزرع والحصاد، فقضينا الشتاء والصيف، فزرعنا ورعينا الماشية ونحن نتوقع أن ~~يمل أهل القسطنطينية فما رأيناهم ملوا، وقد حاصرناهم سنة وبعض السنة، وعلمت بعد ذلك أن ملك ~~القسطنطينية يومئذ واسمه أناستاسيوس أو أرتميوس قبض على زمام الملك وليس هو من عائلة ~~القياصرة ms126 ولكنه كان حكيما عاقلا، فلما عاد إليه سفيره من دمشق بخبر الحرب وقدوم العرب ~~عليه برا وبحرا علم أن العرب سيحاصرونه فأعلن أهل القسطنطينية أن كل من لا يستطيع اختزان ~~مئونة تكفيه ثلاث سنوات فليخرج من المدينة فاشتغل الناس باختزان الحنطة والحبوب ورمموا ~~الأسوار واستعدوا للدفاع والحصار، ولذلك فقد مللنا نحن قبلهم؛ لأننا كنا نتوقع نجدة من ~~الخليفة في مرج دابق، فمات ولم تصلنا النجدة.» # فقطعت سالمة كلامه قائلة: «هل تعرف سبب موته؟» # قال: «كلا.» # قالت: «لقد مات شهيد الشراهة مات من التخمة وذلك أن أحد نصارى دابق أتاه بزنبيلين مملوءين ~~تينا وبيضا، فأمر من يقشر له البيض وجعل يأكل بيضة وتينة حتى أتى على الزنبيلين ثم أتوه ~~بمخ وسكر فأكله، فأصيب بالتخمة ومرض ومات.» # الفصل الحادي والخمسون # | البلغاريون # فعاد رودريك إلى كلامه، وهو يخشى ضياع الوقت، فقال: «وبرغم وفاة الخليفة، فقد كان يمكننا ~~أن نصبر على الحصار سنة أخرى، وقد تعودنا الزرع وألفنا الإقليم، ولكن جاءنا شتاء قاس لم ~~نستطع معه الزرع ولا العمل فقلت مئونتنا حتى أكلنا الدواب والجلود وجذوع الأشجار والورق، ~~ومما زاد الطين بلة أن ملك القسطنطينية - وهو يومئذ لاون - لما طال عليه الحصار، ورأى العرب ~~مقيمين عمل على مضايقتنا، فبعث إلى البلغاريين المقيمين على ضفاف الطونة (الدانوب) يستحثهم ~~الدفاع عن عاصمته بالأموال والهدايا، فجاءوا في البر وأحاطوا بمعسكرنا وضيقوا علينا حتى ~~أصبح الرجل منا لا يستطيع الخروج من المعسكر وحده لئلا يصطاده أولئك البرابرة، وأعد لاون ~~منشورا وزعه على أهل بلده أوهم الناس فيه أن الإفرنج قادمون إلى القسطنطينية بالأساطيل ~~الهائلة للدفاع عن النصرانية، فلما وصل ذلك الخبر إلى مسلمة لم يعد يستطيع صبرا على البقاء ~~فأزمع الانسحاب. # فاستقدم ما بقي من أسطوله وأمر بالإقلاع والتقويض للركوب في البحر والرجوع إلى شواطئ ~~آسيا، فجاءت السفن وأخذوا ينقلون إليها الخيام وما بقي من الخيول والجمال، وكنت أنا كما ~~أخبرتك مقيما مع والدتي في الخباء فلما أخذوا في تقويضه اشتغل كل بمهام نفسه، واشتغلت ~~والدتي عني، فخرجت ms127 لالتقاط بعض النبال المبعثرة هناك فبعدت عن المعسكر وأنا لا أدري، ~~والظاهر أنهم لم ينتبهوا لذلك فما شعرت إلا واثنان من البلغاريين انقضا علي كالذئاب ~~الكاسرة فصحت وناديت: يا أبتاه! يا أماه! وما من مجيب، على أني التفت بعد هنيهة نحو معسكر ~~العرب وأنا بين ذراعي أحدهما فرأيت والدتي المسكينة تنظر إلي من فوق السور وهي تلطم وجهها ~~وتصيح وتستغيث، ثم توارى بي الرجل بين الأشجار فلم أعد أرى أحدا، فأخذت في البكاء وهم تارة ~~يهددونني، وطورا يتملقوني.» # وتوقف رودريك عن الحديث، فذرفت سالمة دمعتين تدحرجتا على خديها حتى ضاعتا في أهداب خمارها ~~وهي تنظر إلى رودريك والأسف باد على وجهها تتخلله الدهشة، ففهم أنها فعلت ذلك لتأثرها من ~~حكايته، فهم بإتمام حديثه فإذا هي تقطع حديثه قائلة: «هل علمت بما أصاب والدتك ~~ووالدك؟» # قال: «كلا يا مولاتي؛ لأني لم أعد أراهما ولا سمعت خبرا عنهما، ولا رأيت أحدا يعرفهما ~~من ذلك الحين؛ لأني ربيت في بلاد البلغار في أشقى الأحوال، أعمل في رعاية الماشية وجمع ~~الأحطاب والأخشاب للوقود من شدة البرد، وكنت أطوف التلال والأودية مع رفاقي من أولاد ~~البلغار أو بعض خدمهم، نلتقط ما نعثر عليه من قطع الخشب ونحوها ونأتي بها إلى المنازل، فإذا ~~أظلم الليل اجتمع أهل المنزل في غرفة قد أوقدوا النار في وسطها من الحطب والعيدان والأعشاب ~~اليابسة، فيصطفون حولها يستدفئون وفيهم الرجال والنساء والأطفال وكلهم أحسن مني لباسا، فقد ~~كان على بعضهم أردية من الفرو أو الصوف، وأنا لا أزال كما جاءوا بي ليس علي إلا رداء ~~وقميص، ولولا إشفاق ربة ذلك المنزل علي لتوفيت من شدة البرد، فإنها نفحتني ببقية خمار ~~مبطن بالجلد كان لأحد أولادها، فخمرتني به وأعطتني شبه جبة من جلد الماعز كانت لزوجها وقد ~~تهرأت، فلبستهما فغطتني إلى أسفل قدمي فارتدت إلي روحي، ولا أظنهم فعلوا ذلك شفقة وإنما ~~ساءهم أن أموت فيخسروا ما كانوا يطعمون فيه من ثمني. # الفصل الثاني والخمسون # | سوق الرقيق # فقضيت في ذلك بضعة أعوام ms128 وقد تعلمت اللغة البلغارية، وتعودت عاداتهم في الطعام والشراب ~~والصلاة ونحوها، ونسيت لغة أمي وديانتها، فلما بلغت الثانية عشرة حملوني في جماعة من ~~الأحداث، كانوا قد جمعوهم من أعالي بلاد الصقالبة وساقوهم، وفيهم الذكور والإناث ولا كساء ~~عليهم غير الجلود، وشعورهم مرسلة كأنهم كانوا يقتاتون على نبات البرية ويعاشرون حيواناتها، ~~فجمعونا معا وشدوا أيدينا بعضها إلى بعض بأمراس، وساقونا فمشينا بضعة أيام على تلك الحال ~~ونحن نساق كالأنعام حتى وصلنا إلى بقعة رأينا فيها ازدحاما من كثرة الناس والخيول والماشية ~~والأحمال، فسألنا عن المكان فقالوا: إنه سوق عمومي يجتمع فيه الناس من أقاصي البلاد للبيع ~~والشراء أو للمبادلة أو المقايضة، وساقونا جميعا إلى شبه زريبة حولها سور بعضه من الخشب ~~وبعضه من الأحجار، وأغلقوا بابه علينا بعد أن حلوا أيدينا من الأمراس، وعند وصولي إلى السوق ~~نسيت متاعبي ومصائبي لاشتغال خاطري بما شاهدته هناك من مختلف الأجناس وأشكال السلع على غير ~~المألوف عندي، وكنا قد وصلنا إلى ذلك المكان قبيل الغروب فبتنا في الظلام والبرد وأنا لا ~~أكلم أحدا من رفاقي؛ لأني لا أعرف لغتهم ولا هم يعرفون لغتي، ولما أصبح الصباح وأشرقت ~~الشمس نسينا البرد، ثم رأينا الناس يتبايعون ويتقايضون ونحن نتوقع ساعة بيعنا، وإذا برجلين ~~أحدهما طويل القامة جدا، والآخر قصيرها وقد ارتديا الجبب المبطنة بالفرو السميك وتلثما ~~بخمارين من صوف، وبرزت لحيتهما من بين جناحي الخمار واحمرت عيناهما من كثرة الدفء أو من شرب ~~الخمر، دخلا الزريبة وأصحابنا البلغاريون يسيرون أمامهما باحترام وفي أثرهما جماعة من ~~الخدم. # فلما دخلا ظل الرجل الطويل واقفا مع أصحابنا، وتقدم القصير إلينا وجعل يتفحصنا واحدا ~~واحدا، وينتقي من يقع عليه اختياره منا، حتى إذا وصل إلي تفرس في وجهي وتكلم بلغة لا ~~أفهمها أظنها قوطية أو عبرانية؛ لأني علمت بعد ذلك أن الرجل من تجار اليهود، فمد يده فأمسك ~~بيدي وجذبني نحوه وأمرني أن أفتح فمي، ففحص أسناني وفمي وجس كتفي وهزهما ونظر في عيني ~~وأذني ويدي وقدمي، ثم أشار إلي ms129 فانضممت إلى المختارين، وبعد الفراغ من الانتقاء تساوموا، ~~فلما تمت صفقة البيع ساقنا أصاحبنا الجدد إلى زريبتهم بعد أن دفعوا الثمن وأظنه بخسا ~~جدا، ثم أعطونا خبزا يابسا وألبسونا أكسية ثقيلة متشابهة من الخيش والجلد، وقصوا شعورنا ~~وأصلحوا من شأننا بعض الشيء، فسررت للشبع والدفء. # وحملنا أولئك التجار بعد أيام على الدواب بالتناوب ونحن نحو المائة حتى أتو بنا بلاد ~~الإفرنج، فأنزلونا في خان حبسونا فيه أياما، ثم انتقوا جماعة منا لصغر سنهم وجمالهم ~~وأرسلوهم إلى مكان يخصون فيه الصبيان، وبلغني بعد ذلك أنهم أغضوا عني؛ لأني كبرت على تلك ~~العملية.» # ولما وصلت بكلامه إلى هنا، سمعا صوت النفير يدعو الجند إلى الاجتماع فقال: «أظنني أطلت ~~الحديث، فأقول بالاختصار إني انتقلت بالبيع إلى بعض الأعيان من الإفرنج، ثم بالمقايضة إلى ~~الدوق أود، وكنت في أثناء إقامتي في هذه البلاد قد سمعت بقدوم العرب لفتحها، وكانت تحدثني ~~نفسي بالفرار إليهم لأبحث عن والدي؛ لأني لم أعد أسمع عنهما شيئا منذ خطفت بالقسطنطينية، ~~وكنت قد أزمعت إذا كان معسكرنا بقرب معسكر العرب أن أفر إليهم فلم أتمكن من ذلك لأسباب يطول ~~شرحها فها قد قصصت عليك خبري.» # قالت: «لقد سرني صدق فراستي فيك، فأنت الآن عربي وأنا متفانية في خدمة العرب، ولا يسمح ~~لنا الوقت الآن بالتفصيل فلنترك ذلك لفرصة أخرى، وعندي أمور تتعلق بوالديك وجديك سأقصها ~~عليك، أما الآن فامض في عملك، واجتهد - إذا حملتموني معكم في هذا السفر - أن أكون على اتصال ~~بك لنتفاهم بشأن النجاة.» # قال: «سمعا وطاعة.» وتحول من الغرفة وأغلق الباب وراءه، فإذا هو يكاد يعثر برجل عليه ~~لباس مخالف لزي الجند، كان جالسا القرفصاء في الدهليز بقرب الباب، ودفن رأسه في حجره فلما ~~رآه رودريك أجفل وخشي أن يكون قد سمع ما دار بينه وبين سالمة، فرفسه بقدمه كأنه يوقظه من ~~النوم فلم يتحرك، فرفسه ثانية وهزه، فتظاهر بالكسل الشديد ورفع رأسه وتثاءب وتمطى وجعل يفرك ~~عينيه ويلتفت حوله كأنه أفاق من سبات عميق فارتاح بال ms130 رودريك، إذ توهم أنه كان نائما هناك ~~نتيجة كسل أو تعب، فانتهره وأمره أن ينصرف فتظاهر بالخوف ووقف مسرعا وخرج يهرول. # الفصل الثالث والخمسون # | موكب الدوق # أما سالمة فإنها فرحت برودريك واستبشرت بالنجاة على يده لما ظهر لها من ثقة الدوق أود به، ~~فإذا كان هو حارسها في ذلك المعسكر هانت النجاة عليهما، فتذهب إلى معسكر العرب وتخبر عبد ~~الرحمن بما علمته من استنجاد أود لشارل (قارله) لئلا ينخدع بقلة جند الإفرنج، فيأتيه شارل ~~على غرة فيهزمه، وإذا هزم العرب هناك في وقعة واحدة أخفقت مساعيهم كلها ثم تذكرت حسانا ~~وكيف تركته في الدير وتمنت أن يكون في خير وعافية، وأن يبقى على قيد الحياة حتى يرى رودريك ~~ويعرف من هو لأمر يهمه، وكانت الشمس قد مالت عن الهاجرة، فوقفت سالمة إلى النافذة تتشاغل ~~بما يبدو من اهتمام الجند بالتقويض والتحميل ريثما يأتيها النبأ في شأنها لترى إلى أين ~~تسير. # قضت ساعة وهي في تلك الحال حتى رأت موكب الدوق أود وحوله الفرسان على أفراس سروجها مفضضة ~~وعليهم الملابس البراقة بالألوان الباهرة: كالأزرق، والأرجواني، والدوق أود في الوسط على ~~فرس من جياد الخيل، وعلى رأسه قبعة مرصعة تتلألأ حجارتها في أشعة الشمس كأنها مصابيح، وعلى ~~كتفيه طيلسان أو رداء سنجابي اللون كالطيلسان مزركش بالقصب إلى أردانه، وفي عنقه قلادة من ~~الذهب يتدلى منها على صدره صليب من الذهب مرصع بالحجارة الكريمة من الماس والياقوت، ونظرت ~~سالمة إلى سرج الجواد ولجامه فإذا هما أيضا مرصعان والجواد تحته يتلاعب كأنه يرقص تيها، ~~وهو أكثر زهوا من فارسه الدوق، وكان الدوق قد أصلح من شأنه، ولكن الاضطراب ظل باديا من ~~خلال تلك العظمة، وربما كان السبب في ذلك ندمه على استنجاده بعدوه شارل، على العرب ولعلك لو ~~اطلعت على أعماق نفسه لرأيته يفضل ألا يجيب شارل دعوته أو أن يحدث ما يثنيه عن عزمه فيبقى ~~هو وحده أمام العرب، فإما أن يغلبهم فيبقى سيد أكيتانيا وحده، أو إذا خشي أن يهزموه صالحهم ~~فيملكوه ms131 أرضه تحت حمايتهم، وأما شارل فإذا تم النصر على يده فلا يقنعه غير السيادة على ~~الإفرنج كافة ويصبح هو نسيا منسيا، هذا إذا لم يقتله بعض المتزلفين لشارل، ونظن أنه لو ~~تأكد أن الإفرنج سيعاملونه مثلما يعامله العرب لفضل العرب على الإفرنج، لما في فطرة البشر ~~من التحاسد بين الأقرباء أكثر مما بين الغرباء، فالإنسان إذا خير بين أن يذل نفسه لبعض ذوي ~~قرابته أو لأحد الغرباء لفضل الخضوع للغريب، ولهذا السبب ترى الشعوب التي يحكمها الفاتحون ~~من الغرباء أسهل انقيادا وأقرب خضوعا لقوانين الدولة ممن يحكمهم أناس من أبناء جلدتهم، ~~وذلك لذهاب الهيبة بين أبناء الأب الواحد؛ لأنهم يتعارفون وهم صغار ومن يعرفك صغيرا لا ~~يحترمك كبيرا، وبهذه القاعدة نستدل على كثير من غوامض التاريخ المختلف في حقيقتها كأصل ~~الفراعنة الأولين مثلا، فالمؤرخون مختلفون في: هل هم مصريون أو دخلاء؟ ونظرا لما نعلمه من ~~خضوع أهل البلاد الأصليين لهم نرجح أنهم غرباء فاتحون للأسباب التي قدمناها، ناهيك بالتحاسد ~~بين الرئيس والمرءوس في أبناء الوطن الواحد، ويشتد الحسد بين اثنين على نعمة كلما تقاربت ~~قدرتهما على نيلها، أو تشابهت أسبابهما إليها، ولذلك كان التحاسد على أشده بين أصحاب المهنة ~~الواحدة. # فلا غرو بعد ذلك إذا تخيلنا في أود الندم على استنجاد شارل، على أنه حينما اقترب بموكبه ~~من نافذة سالمة التفت نحوها، فوقع نظره عليها فرنا إليها قليلا ولم يبد إشارة، ثم توارى ~~الموكب عن سالمة، ورأت الجنود تسير على الأقدام في أثره جماعات وبينهم الأمراء والقواد ~~يمتطون الأفراس وعليهم الدروع والخوذات وبين أيديهم حملة الأعلام، وهي كثيرة الأشكال ~~والألوان، على بعضها رسم الصليب وعلى البعض الآخر صورة العذراء مريم تحمل طفلها، أو صور ~~الملائكة أو طيور أو غير ذلك من الشارات المسيحية أو الرومانية، وكانت جوقة الموسيقى قد مشت ~~بين يدي الدوق صامتة، فلما تحرك الجند سمعت سالمة قرع الطبول والصنوج والأبواق ونحوها، ~~فتحركت عواطفها وتصورت قرب نشوب الحرب بين العرب والإفرنج بعد وصول النجدة لهؤلاء فكيف تكون ~~العاقبة ms132 لو قدرت الغلبة للإفرنج وعاد العرب مهزومين؟ وحينما تصورت ذلك اقشعر بدنها وصعد ~~الدم إلى وجنتيها. # فلما سار الجند، وكان يتوارى عن بصرها ولم يبق في ذلك المعسكر إلا شراذم قليلة من الخدم ~~والأعوان، ورأت نفسها لا تزال وحيدة ولم يأت رودريك إليها بطعام ولا كلام، انشغل بالها ~~وأوجست من تأخره شرا، فتحولت عن النافذة نحو الباب لعلها ترى أحدا قادما فإذا هي تسمع ~~وقع أقدام بلا خفق نعال ومشية غير مشية رودريك، فقالت في نفسها: «من عساه أن يكون القادم؟» ~~وما لبث أن فتح الباب ودخل منه رجل بملابس أشبه بملابس العرب، وحالما وقع بصرها عليه رأت ~~فيه شبيها بالرسول الذي جاء بالكتاب إلى أود وهي عنده فاستعاذت بالله وخافت، ولكنها تجلدت ~~وثبتت جأشها وابتدرت الرجل قائلة: «ما الذي تريده؟» # الفصل الرابع والخمسون # | الأحول # فنظر إليها وعيناه تتباعدان من شدة الحول وتتراقصان وقال: «لا أريد شيئا، ولكن حضرة ~~الدوق أمرني أن أكون في خدمتك.» قال ذلك وهو يصلح رداءه على كتفيه وقد بان السيف من ~~تحته. # فلما رأت سالمة حوله عرفته، فانقبضت نفسها وخشيت سوء العاقبة لعلمها أنه من أكبر ~~جواسيس ميمونة، واعتقدت أن كل ما نالها من الشر إنما كان على يده، ولكنها لم تكن تجسر على ~~التصريح بذلك، فلم تر خيرا من التجاهل والتجلد، فقالت: «بورك فيك لعلك من أهل هذا ~~المعسكر؟» # فابتسم كأنه يهزأ من جهلها وقال: «لا ولكني من معسكر آخر.» وضحك ثم قال: «هل تحتاجين إلى ~~خدمة أقدمها لك؟» # فظلت سالمة على تجاهلها ولم تكترث بما بدا منه فقالت: «لا غنى لي عن خدمتك، ولكن أين هو ~~الشاب الذي كان يخدمني قبلك؟» # قال وهو يقلب شفته السفلى استخفافا: «لا أدري ولعله سار في مهمة إلى طليطلة أو بلغاريا ~~أو ربما اشتد حنينه إلى أجداده فطار إليهم.» # فلما سمعت تعريضه بما دار بينها وبين رودريك سرا خفق قلبها وكادت تظهر البغتة في وجهها، ~~فبالغت في التجاهل وقالت: «إني أشكرك لا أحتاج إلى شيء الآن.» وأرادت ms133 أن ينصرف فتخلو بنفسها ~~وتفكر في أمرها. # فقال لها: «ألا تحتاجين إلى شيء أبدا مطلقا؟ ألا تتوق نفسك إلى أحد في بوردو أو نهر ~~لوار؟» # ففهمت أنه يسخر منها وأنه مطلع على أسرارها ولو أجابته لسمعت من هزئه ما يؤلمها، فتحولت ~~عنه وهي تتظاهر بالسذاجة وقالت: «لا لا أحتاج إلى شيء.» # فقال: «إذا كنت لا تحتاجين إلى شيء، فأنا أحتاج إلى أشياء.» # فالتفتت إليه لتستطلع غرضه، فإذا هو يضحك ويستخف بها، ثم قال: «إني أحتاج إلى ~~حضرتك.» # فقطبت جبينها وبدا الغضب في وجهها وغلبت عليها الأنفة وعزة النفس وقالت: «وما هي حاجتك يا ~~غلام؟» # قال وقد تهيب منظرها: «لا تغضبي، يا مولاتي، إني أطالب بما أمرني به حضرة الدوق.» # قالت: «وما هو؟» # قال: «أن تتأهبي للمسير في أثر هذه الحملة فننزل حيث ينزلون.» # ففهمت من صيغة الجمع في كلامه أنه سائر معها، فقالت: «وهل نسير الآن؟» # قال: «نعم هذه الساعة، وقد أعددنا لك فرسا تركبينه.» # قالت: «إني مستعدة إذ ليس عندي أثاث أحمله معي.» # قال: «فتفضلي إذن.» قال ذلك وأشار بيده نحو الباب. # قالت: «اخرج وأنا خارجة في أثرك.» فخرج . # فالتفت بردائها فوق الخمار، وتفقدت المحفظة وسائر ما معها، وخرجت إلى الدهليز ومنه إلى ~~الباحة حتى أطلت على صحن الدار، فرأت هناك فرسا مسرجا وحوله فرسان مدججون بالسلاح وفي ~~أيديهم الحراب وعليهم الدروع كأنهم يحرسون عشرين سجينا متمردين، فلم تعبأ سالمة بهذا ~~المنظر، وتقدمت إلى فرسها فركبته وساقته، فمشى الفرسان حولها في شبه حلقة، وركب الأحوال ~~حمارا كان هناك وسار في أثرهم. # سارت سالمة في ذلك الموكب وهي غارقة في بحار الهواجس تفكر فيما دهمها على غير انتظار بعد ~~أن كادت تنجو من الخطر، وفكرت في رودريك فغلب على ظنها أنهم حبسوه أو قتلوه وأنها صائرة إلى ~~مثل ما صار هو إليه، ولم يكن الموت ليخيفها لولا خوفها من أن يفوت عليها أمورا تود إنجازها ~~قبل الموت ومن الناس من تتسلط عليه فكرة القيام بالواجب حتى تنسيه حاجات نفسه، فلا ms134 يطلب ~~البقاء إلا لواجب يقوم به، فإذا أدى الواجب أصبح الموت والحياة عنده سواء. # قضت برهة في هذه الهواجس حتى تعبت وفرسها سائر بها إلى حيث لا تعلم، ولكنها كانت ترى ~~الحملة تارة أمامها وطورا إلى جانبها، فعلمت أنها تابعة لها وتبينت من مسيرهم نحو الشمال ~~أنهم يقصدون تورس على نهر لوار، فلما تذكرت ذلك النهر اختلج قلبها في صدرها وتصورت ما عليها ~~من العهود والمواثيق المتعلقة بذلك النهر، وتذكرت أشياء كثيرة زادتها انقباضا وعظم في ~~نظرها الأمر حتى كادت تبكي، ولو بكت لخفت حدة انقباضها. # وفي الغروب وصلت الحملة إلى سهل حطوا أحمالهم فيه للمبيت مؤقتا، وفي الصباح نهضوا ~~لمواصلة السير، وسالمة لا يخاطبها أحد في شيء غير ما لا بد منه مما يتعلق بالطعام أو نحوه، ~~وكانت في أثناء الطريق تتأمل فيما يقع عليه بصرها من الدروب أو التلال أو نحوها، وتتفهم ما ~~يدور بين الجند من الحديث لعلها تطلع على أخبار جند العرب وأين هم وكانت تتفحص الطريق الذي ~~يسيرون فيه عسى أن ترى أثرا يدل على اجتيازهم ذلك المكان فلم تر شيئا يدل على مرورهم، ~~فترجح عندها أنهم لم يصلوا إلى هناك بعد، مع أنها سمعت بقيامهم من بوردو، يطلبون بواتيه ~~فنهر لوار وكانت على يقين من أنهم لن يلقوا في طريقهم مقاومة كبيرة لما مهدته لهم، وأما ~~المعركة الكبرى فستكون على ذلك النهر فمن غلب هناك ملك. # الفصل الخامس والخمسون # | تورس # وباتوا تلك الليلة أيضا في الطريق، وأصبحوا مسافرين يجدون في السير، وقضوا يوما رابعا ~~على هذه الصورة وهم تارة ينحدرون في واد، وآونة يصعدون على جبل، وحينا يمرون في سهل حتى ~~وصلوا في أصيل اليوم الرابع إلى نهر صغير يقال له نهر شير، تحف به التلال من الضفتين فضلا ~~عن الغياض والبساتين، فقطعوا النهر من ضفته اليسرى إلى اليمنى، ثم صعدوا أكمات أطلوا منها ~~على سهل واسع ينتهي بمدينة تورس الكبرى ووراءها نهر لوار؛ لأنها واقعة على ضفته اليسرى، ~~وكان الليل قد أسدل ستاره ms135 فلم تشاهد سالمة شيئا لبعد المدينة عنهم. # وبعد مسير بضعة أميال من شير، اختاروا مكانا عسكروا فيه على نية الإقامة هناك، فعلمت ~~سالمة أنهم قد حطوا عصا التسيار، فلبثت تنتظر ما يفعلونه بها، فإذا هي بالأحول المعهود قد ~~جاء ومعه بعض الخدم، فنصبوا خيمة خاصة على مقربة من فسطاط الدوق أود، علمت ذلك من شكل ~~الفسطاط بما فيه من دلائل البذخ والترف، فلم يهمها الأمر وقد كادت أن تيأس، وقضوا معظم ذلك ~~الليل في نصب الخيام وإعداد مستلزمات الإقامة. # أما سالمة فإنها دخلت خيمتها فرأت الخادم قد أحضر لها الطعام، فتناولته والتمست الراحة ~~فنامت وهي تفكر في رودريك؛ لأنها لم تره في أثناء الطريق ولا سمعت عنه شيئا، ولم تكن تجرؤ ~~على ذكر اسمه خوفا من زيادة الشبهة عليه. # وأفاقت في صباح اليوم التالي على صوت البوق بما لم تعهده من قبل فنهضت واستفهمت من الرجل ~~الموكل بحراستها عن السبب قال لها: «إن الدوق يدعو الجند إلى الاجتماع في الساحة الكبرى ~~أمام فسطاطه للصلاة قداسا كاملا على اسم القديس مرتين حامي حمى الإفرنج؛ لأنه مدفون في ~~هذه الجهات وقبره بمثابة حج للنصارى في أنحاء أكيتانيا وأوستراسيا.» # وكانت سالمة تعرف أن القديس مرتين المذكور كان رسول النصرانية إلى الغاليين في القرن ~~الرابع للميلاد وكان أسقفا في تورس، ولما توفي دفنوه في ضاحية من ضواحيها، وبنوا بجانب ~~قبره كنيسة وديرا وأصبح المكان بلدة تعرف باسمه، وصاروا يحجون إليه وينسبون له ~~المعجزات. # فلما رأت سالمة اجتماع الجند وكهنتهم في تلك الساحة للصلاة وقفت بباب خيمتها لتشاركهم في ~~صلواتهم، فإذا بالدوق قد خرج من فسطاطه في حاشيته وأعوانه وكلهم بالملابس الرسمية وقد ~~تقدمهم القسس بالثياب الكهنوتية وبأيديهم الصلبان، وهم يتمتمون وأمامهم بعض الشمامسة يحملون ~~صليبا على عصا طويلة حتى وقفوا في تلك الساحة على شبه منبر، ووجوههم نحو كنيسة القديس ~~مرتين عن بعد والجند وقوف، فأقاموا قداسا طويلا، وكانت القلوب خاشعة يراودها الأمل في ~~النصر على الأعداء ببركة تلك الصلاة. # ومن غرائب مطامع البشر ms136 وضعف طبيعتهم أنهم يسنون الشرائع بتحريم القتل، ويشددون النكير على ~~القاتلين، ثم يرفعون أكف الضراعة إلى موحي تلك الشرائع أن يساعدهم على قتل أبناء جلدتهم، ~~وهم مع ذلك يتوقعون إجابة سؤلهم لاعتقادهم أنهم إنما يلتمسون نصرة الحق وتأييد الصواب، وكل ~~طائفة تعتقد ذلك وتفعله، ولو أدركوا معنى التدين الحق لطلبوا حقن الدماء وتكاتفوا على حفظ ~~السلام، ولكنهم لا يفعلون ذلك، وكأنهم أدركوا بالسليقة أن الحرب ضرورية للبقاء، وأنهم لو لم ~~يقتلوا بعضهم بعضا لقتلهم الجوع والوباء؛ لأن الأرض إذا مضى عليها بضعة قرون ولم تحدث فيها ~~الحرب ضاقت بساكنيها، وقد قدروا أن الذين قتلوا بسبب الحروب من أول عهد التاريخ إلى الآن ~~خمسة أضعاف سكان الأرض كلها، عدا ما كان يترتب على بقائهم من التكاثر بالتناسل ~~المتضاعف. # ومهما يكن من الأمر، فالحرب باقية ما بقي حب الذات، وهو باق ما بقي الإنسان لهذا سعى بعض ~~رجال التمدن إلى الحديث في تخفيف ويلات الحرب بما اخترعوه من آلات الدمار التي لم تكن ~~معروفة في عهود التمدن القديم. # وكانت سالمة حينما سمعت أصوات المرتلين وشمت رائحة البخور قد تخشعت واستغرقت في الأفكار ~~وتذكرت تاريخ حياتها وما مر بها من الأهوال ولم يقف فكرها إلا عند عبد الرحمن إذ تذكرت ~~ابنتها مريم وكيف تركتها هناك، وما عسى أن يكون من أمرها بعد انتقال العرب في طريقهم إلى ~~تورس، وتذكرت ميمونة فاختلج قلبها لذكراها خوفا على مريم من حبائلها، لما تحققته من أمرها، ~~وأصبحت شديدة الرغبة في أن تطلع العرب على ما عرفته عنها، وإذا استطاعت ذلك فإنها تنقذهم من ~~مكائدها، ولما بلغت تصوراتها إلى هذا الحد تذكرت حسانا؛ لأنه لو كان معها لأنفذته في هذه ~~المهمة، واستغرقت في هذه الهواجس مدة والناس يضجون بالصلاة، والقسس يرفعون أصواتهم ~~بالتراتيل، ووجوههم متجهة نحو القديس مرتين. # وكانت سالمة واقفة تسمع القداس وترسل بصرها إلى أطراف ذلك المعسكر وما وراءه من السهول ~~إلى نهر لوار، ومدينة تورس على ضفته وبإزائها محلة دير القديس مرتين على أنها لم ms137 تكن ترى من ~~تلك الأماكن إلا رءوس الأبنية الشامخة لبعد المسافة. # وفيما هي تسرح بصرها على تلك الصورة رأت إلى يسار المعسكر شبحين ظهرا من وراء الأفق عن ~~بعد، فأطل أولا رأساهما، ثم ظهر بدناهما بالتدريج فإذا هما فارسان فظل بصرها عالقا بهما ~~وشعرت برغبة في استطلاع حالهما، ثم ما لبثت أن رأت عليهما ملابس الرهبان السوداء وعلى ~~رأسيهما القبعة، فقلت رغبتها في الاستطلاع لكثرة الرهبان في تلك الأصقاع، وكثرة ترددهم على ~~المدن لابتياع حاجات الأديرة، وبعد قليل رأت الراهبين قد اختلطا بالجند ووقفا معهم للصلاة، ~~فحولت وجهها عنهما وعادت إلى هواجسها فتذكرت الشاب رودريك وودت لو أنها تجتمع به هناك، ولو ~~لم تكن ثمة فائدة من ذلك الاجتماع فإنها قد تستأنس به. # الفصل السادس والخمسون # | طارقان # ثم سمعت دق الأجراس مؤذنة بالفراغ من الصلاة، وتفرق الجند إلى مضاربهم، وعاد أود إلى ~~فسطاطه وحوله الحاشية والأعوان، ودخلت سالمة خيمتها وحول الخيمة ثلاثة من رجال أود بالحراب ~~يحرسونها، ولكنها لم تر الأحول بينهم ولا رأته منذ ذلك الصباح، وقضت بقية ذلك اليوم في ~~الخيمة وقلبها يحدثها بأمر سيحدث، ويكون فيه الفرج لها، وإن كانت لا ترى ما يدعو لهذا الأمل ~~فكل الظروف المحيطة بها توحي باليأس ولكن في ذوات الإحساس الدقيق من النساء نوعا من الشعور ~~لا يعبر عنه بغير الإلهام، فقد تشعر المرأة بالحادث قبل وقوعه وتنذر رجلها به، ولو طالبها ~~بالدليل لأسكتها؛ لأنها لا تتكلم عن اقتناع بالبرهان، ولكنها تشعر فتتحدث عما تشعر به ويغلب ~~صدقها فيه لأسباب لا تزال مجهولة، وأما الرجل فإنه لا يتخيل إلا ما يرشده إليه عقله بالقياس ~~والبرهان، فلما أحست سالمة بتلك الآمال انبسطت نفسها، ولكنها كانت تعزو ذلك الشعور إلى ~~الوهم؛ لأنها ترى المصائب محدقة بها من كل ناحية. # ولما أمسى المساء جلست على بساط مفروش في خيمتها وهي تشعر بارتباك وتردد، فعمدت إلى ~~الصلاة؛ لأنها كانت قد تأثرت من قداس ذلك الصباح ورأت في الصلاة راحة، وبعد الصلاة توسدت ~~وليس في خيمتها ms138 مصباح، وهي لم تطلب النوم لرغبة فيه، ولكنها ملت الحبس - ومن يظلم بصره ~~تستنر بصيرته - فاستغرقت في الأفكار، ولم يكن يعترض تيار تفكيرها غير ضجيج الخدم في ذهابهم ~~وإيابهم وصوت النفير أحيانا، وبينما هي كذلك إذ سمعت حديثا قريبا من خيمتها فنهضت ~~والتفتت، فرأت بصيص نور يتراءى في الخارج وراء جدار الخيمة وسمعت لغطا لم تستطع فهمه، ~~فجلست وأصاخت بسمعها فانجلى لها الصوت فسمعت الحديث الآتي بلغة البلاد: لا أظنك تقدر على منعي. ~~- بل أنا قادر حتى يأمرني الدوق بما يريد. ~~- وماذا في هذه المسألة مما يستدعي مشورة الدوق؟ ~~- بل لا بد من مشورته؛ لأن لهذه السجينة شأنا خاصا لا يقارن بشئون سائر المسجونين، وقد ~~أوصانا حضرة الدوق بمنع أي كائن عن مقابلتها. ~~- يا للعجب، أبلغت منك القحة أن تقف في سبيل الفروض الدينية؟ ~~- لا يهمني وما الذي يضرك لو استأذنت الدوق في ذلك؟ ~~- لا يضرنا شيء، ولكنكم تعلمون أننا كرسنا حياتنا لاستتابة المجرمين وأصحاب الذنوب وأننا ~~نطوف السجون ونعظ المسجونين وندعوهم إلى التوبة. ~~- ربما كان ذلك صحيحا، ولكننا أمرنا بالمنع منعا باتا ومع ذلك فإن لنا قيما لو كان ~~هنا لأغنانا عن مشورة الدوق؛ لأنه مفوض من قبله في هذا الشأن. ~~- أين هو ذلك القيم؟ ~~- لا ندري، فقد ذهب في هذا الصباح وأكد التوصية علينا، وشدد في منع أي كائن من ~~الدخول. ~~- أرسلوا واحدا يستأذن الدوق. ~~- نخشى أن يكون في فراشه فأجلوا المقابلة إلى الغد. ~~- الوقت ضيق لا يأذن بالتأجيل؛ لأننا ذاهبون في صباح الغد إلى دير القديس مرتين اذهب ~~لاستئذان الدوق، ولا تطل الجدال إني لم ألق وقحا مثلك طول عمري وإذا لم تذهب، فإني سأدخل ~~الخيمة رغم أنفك وستلاقي جزاء وقاحتك في الغد. # صوت آخر: لا تغضب يا حضرة الأب، إن رفيقي شاب لا يعرف حقوق السادة الرهبان والقسس ~~تفضلا وادخلا ولا حاجة إلى الاستئذان، لكننا نطلب إليك أن تذكرنا في صلاتك. ~~- بورك فيك يا بني، هكذا يكون أبناء الخلاص ولكنني أرغب إليكم أن تبتعدوا قليلا عن ms139 جوانب ~~الخيمة لئلا يصل إليكم حديث الاعتراف، ولا يخفى عليكم أن الاعتراف سر من الأسرار ~~المقدسة. ~~- طبعا لا شك في ذلك تفضل وادخل ونحن مبتعدون ولكن أرجو من قداستك أن تختصر بقدر الإمكان ~~لئلا يبلغ الأمر إلى حضرة الدوق فيلومنا على إدخالكم بدون إذنه. # وكانت سالمة تسمع ذلك وقلبها يخفق خفقانا شديدا لدهشتها واستغرابها، وبذلت جهدها في ~~معرفة ذلك الصوت فلم تعرفه، ولكنه ذكرها بالراهب الذي صحبها من الدير إلى قرب بواتيه؛ لأنه ~~مثل صوته. # فلبثت صامتة لترى ما ينتهي إليه الجدل، فلما انتهى على تلك الصورة نظرت لترى الداخل، فإذا ~~بيده مصباح على شكل طائر ملتفت إلى أعلى، والنور فتيلة مضيئة بارزة من منقاره، وقد أمسك ~~الراهب ذلك المصباح بإحدى يديه على قبضة في أسفله على شكل صليب، وتوكأ باليد الأخرى على ~~عكازه فلما رأته سالمة نهضت وتفرست في وجهه فإذا هو ذلك الراهب بعينه، فرحبت به وهمت بتقبيل ~~يديه والصليب الذي هو قابض عليه، وبينما هي تفعل إذا رأت راهبا آخر دخل وأسرع إلى يدها ~~ليقبلها فأجفلت وتراجعت وقد خجلت، ولكنها ما لبثت أن تفرست في وجهه حتى عرفت أنه خادمها ~~حسان، فبغتت وكادت تنطق باسمه لو لم تنتبه لنفسها وتتذكر موقفها، فتجلدت وأشارت إلى الراهب ~~وحسان بالجلوس وجلست هي والدهشة لا تزال بادية على وجهها، وهي تتوقع أن تسمع من أحدهما ما ~~يذهب بدهشتها. # فوضع الراهب المصباح على الأرض وجلس، وظل حسان واقفا فأشارت إليه أن يجلس فجلس متأدبا ~~وهو يقول بصوت منخفض: «أحمد الله على وصولي إليك، يا مولاتي، وأرجو أن أكون قد جئتك ~~بالفرج.» # فهمت سالمة بالجواب وهي تحاذر أن يبدو منها ما تؤاخذ عليه لعلمها أن رئيس ذلك الدير شديد ~~التعصب للإفرنج ويكره العرب، فلم تكن تتوقع مجيء ذلك الراهب إليها لنصرتها فقالت: «وما الذي ~~جئتني به؟ أليس حضرة الأب من رهبان الدير الذي بتنا فيه وبقيت أنت هناك جريحا؟» # فأجابها الراهب قائلا: «بلى وأنا أوصلتك إلى بواتيه حيث أخذوك مني فرجعت وأخبرت حضرة ms140 ~~الرئيس بما جرى، ولولا ذلك لم يكن الاهتداء إليك ممكنا.» # فلم يزدها قوله إفصاحا عن المهمة التي قدما من أجلها، فالتفتت إلى حسان وتفرست في ثوبه ~~فكاد يضحكها ما هو فيه من ملابس الرهبان فقالت له: «يظهر أنك انتظمت في سلك ~~الرهبنة!» # قال: «لبست هذا الثوب يا مولاتي ذريعة للوصول إليك، وقد نصحني بذلك حضرة الرئيس، وأرسل ~~معي حضرة الأب برسالة سيبلغها إليك.» # فاشتاقت لمعرفة ما تضمنته تلك الرسالة فالتفتت نحو الراهب ولسان حالها يقول: ~~«تفضل.» # الفصل السابع والخمسون # | بشرى # ولما هم الراهب بالكلام، تذكرت سالمة ما حدث لها في المرة الماضية مع رودريك، وكيف اطلع ~~ذلك الأحوال على حديثهما، فطلبت من الراهب أن يتمهل، وأشارت إلى حسان أن يتفقد الحرس ~~وأماكنهم، فأطل من باب الخيمة ومن ثقوب في بعض جوانبها، فتحقق من بعد الحراس بضعة أمتار عن ~~الخيمة، وأنهم جلوس يتحدثون، فعاد وطمأنها وجلس فأخذ الراهب في الحديث بصوت منخفض، وسالمة ~~تنصت وكلها آذان لاستيعاب كلامه، فقال: «لا يخفى على مولاتي أننا معشر الرهبان وسائر جماعة ~~الأكليروس قد أوقفنا حياتنا لعبادة الله وخدمة بني الإنسان، لا نبتغي على ذلك أجرا سوى ~~خلاص نفوسنا، ولذلك فقد أكرم الأمراء والملوك وفادتنا وساعدونا في مشروعاتنا، ونحن أيضا ~~ساعدناهم في حمل الشعوب على الطاعة، وكثيرا ما كنا سببا في تنصيبهم وعزلهم، فأصبح الرهبان ~~موضع ثقة أولي الأمر ومحل احترامهم، لا يحلون أمرا دونهم ونحن نحافظ على ولائهم ونبذل أقصى ~~الجهد في خدمتهم، وكان الدوق أود (وخفت صوته) من أنصارنا ونحن من أنصاره إلا في بعض ~~الأحوال، ولكننا على الإجمال كنا نغضي عن بعض سقطاته ونعزوها إلى الضعف البشري، لعلمنا أننا ~~في حال تدعو إلى جمع الكلمة في أثناء الحرب، ولو انحرفنا عنه قليلا وأظهرنا استياءنا منه ~~أمام الشعب لقضي على دولته من زمن بعيد؛ لأن الشعب الغالي أهل هذه البلاد الأصليين لا يحبون ~~الإفرنج، وهم مستعدون لخلع نيرهم عند أول إشارة منا، ولكننا لم نفعل ذلك بل كنا نبذل الجهد ~~في حفظ تلك ms141 السلطة لهم، وأظنك لاحظت ذلك من رئيسنا المحترم في أثناء حديثك معه، أما الآن ~~فقد ارتكب الدوق أود أمرا دل على ضعفه وجبنه، فلم يبق لنا معه صبر على هذه الحال، ولعلك ~~عرفت ذلك الأمر!» # فأطرقت سالمة وأخذت تفكر في معرفة ذلك السبب، ولكن الراهب لم ينتظر جوابها فقال: «إن ~~الأمر الذي أراده الدوق أود إذا وفق إليه فإنه سيذهب بسلطانه ويضيع كرامتنا، ويخرب ديارنا، ~~فيضعف شأن الدين ويصبح الناس فوضى.» # فأدركت سالمة غرضه، فقالت: «أظنك تعني استنجاده بالدوق شارل صاحب أوستراسيا؟» # قال: «نعم هذا الذي أعنيه؛ لأن هذا الدوق من أشد الناس قسوة على رجال الله، وقد أذاق ~~أكليروس أوستراسيا مر العذاب فاستولى على أملاك الأديرة ووزعها على جنده وأهان الأساقفة ~~وارتكب في ذلك كل معصية، وقد دعاه أود لنصرته، فإذا فاز أصبحت أكتانيا هذه في قبضته وأصبحت ~~أديرتها عرضة لمطامعه. # وكثيرا ما كان أود يهم باستنجاد شارل ونحن نرجعه ونخوفه على نفسه وعلينا، فلما تملكه ~~الخوف من العرب وسيوفهم عمد إلى الاستنجاد بذلك الرجل، وقد وقع هذا الخبر وقعا سيئا عند ~~أهل هذه البلاد كافة، كهنتها وشعبها، لعلمهم بما سيترتب على هذا الأمر.» # وكان الراهب يتكلم، وقلب سالمة يطفح سرورا، وتذكرت ما كانت تحدثها به نفسها في أثناء ذلك ~~النهار، واعتقدت أنها ألهمت الصواب وأن الأمر أخذ ينقلب على الإفرنج من تلك الساعة، ولكنها ~~ظلت صامتة لتسمع بقية الحديث. # ولم يتوقف الراهب عن الكلام إلا ريثما سعل ومسح لحيته بمنديله ثم قال: «وكان من أشد الناس ~~غضبا لذلك رئيسنا المحترم؛ لأنه كان من أكثرهم ولاء لأود ودفاعا عن مصلحته، فلما علم بما ~~ارتكبه أصبح شديد الرغبة في عرقلة مساعيه لاعتقاده أنه إذا نجح في ذلك يكون قد خدم شعبه ~~وحكومته وكنيسته، والظاهر أنه كان قد لاحظ من كلامك نصرة العرب أو ربما جاءه كتاب من أسقف ~~بوردو في هذا الشأن لا أدري ولكن الذي أعلمه أنه بعث إلي ذات صباح وسألني عنك مع أني كنت ~~قد أنبأته يوم ms142 عودتي بما جرى أمام بوابة بواتيه، ولكنه دقق في البحث عنك وسألني عن الرجال ~~الذين أخذوك مني فأخبرته أنهم من رجال الدوق أود فهز رأسه ومص شفته وأمرني أن أستقدم هذا ~~الشيخ، وكان قد أخذ في النقاهة من جرحه، ولم أخبره بعد بخبرك لئلا أكدره، فلما أمرني الرئيس ~~باستقدامه سرت إليه وقصصت عليه خبرك فتكدر، ثم أتيت به إلى الرئيس، فلما وقف بين يديه، ~~أمرني فأغلقت الباب فأسر إلينا أمرا كلفني أن أبلغك إياه ولا ريب أنه يسرك؛ لأنه يهدف إلى ~~الغرض الذي تسعين إليه فهل أقوله؟» # فقالت: «أتسألني؟ قل.» # قال: «لقد أعطاني كتابا كتبه بخط يده إلى رئيس دير القديس مرتين، لا أدري فحواه، ولكنه ~~بلا شك يتضمن تحريضه على مقاومة شارل وجنده حتى لا يفوزوا على العرب، أو لكيلا يحاربوهم؛ ~~لأن رئيسنا أصبح يفضل سلطان العرب على سلطان شارل وزمرته لما تحققه من رفق المسلمين ~~برعاياهم المسيحيين فنأمن - على الأقل - على أديرتنا وكرامتنا.» # فلم تتمالك سالمة عند سماع تلك العبارة عن الابتسام من شدة الفرح، ونسيت كل ما مر بها من ~~المتاعب، وتحققت أن كل ما أصابها من الشرور إنما كان القصد منه الوصول إلى هذا الخير، وأن ~~ذلك كله حدث بعناية خاصة من مدبر هذه الكائنات، ذلك هو اعتقاد أهل الأديان، والإنسان بفطرته ~~ميال إلى ذلك، فيحسب أن الدنيا قد وجدت لخدمته وحده، فإذا زرع وأمطرت السماء قال: إنها تمطر ~~إكراما له، وإذا جفت فجفافها نكاية فيه، ولذلك فإذا أصابته مصيبة وإن كان هو الجاني بها ~~على نفسه شكا من فاعل آخر يتبع خطواته إذا لم يسمه الخالق سماه الدهر أو الزمان، فلما توسمت ~~سالمة قرب نجاح مهمتها، ابتسمت وقالت للراهب: «وأين الكتاب؟» # فمد يده إلى كمه وأخرج لفافة دفعها إليها فتناولتها، فإذا هي مختومة، فوضعتها في جيبها ~~وهي تقول: «وما هو السبيل إلى دير القديس مرتين وحولي الحراس ساهرون ليلا ونهارا؟ ألا ~~يقوم بإيصال هذا الكتاب أحد بالنيابة عني؟» # فقال الراهب: «لا يستطيع ذلك أحد سواك؛ ms143 لأنه في الواقع كتاب توصية بك، وقد ترك لك إقناع ~~الرئيس، وأوصانا رئيسنا حفظه الله أن نبذل أقصى الجهد في سبيل إنقاذك من هذا السجن، فما ~~الذي ترينه؟» # قالت: «لا أدري وأظن أن حضرة الرئيس قال ذلك وهو لا يعلم مقدار التضييق المحدق بي في هذا ~~السجن، وقد شاهدتم ذلك بأنفسكم الآن وسمعتم أقوال الحراس فهل ترون حيلة لي؟» # الفصل الثامن والخمسون # | شهامة # وكان حسان لا يزال صامتا إلى تلك الساعة، فلما رأى حيرتهما قال: «علي أنا تدبير هذا ~~الأمر.» # فالتفتا إليه وهما لا يتوقعان منه القدرة على ذلك، فأصاخا بسمعهما إليه وقالت سالمة: «وما ~~هو التدبير؟ إذا كنت ترى تدبيرا خاصا، فيكن عاجلا.» # قال: «علي تدبير ذلك في هذه الساعة.» # قالت: «وكيف؟» # فوقف حسان وعمد إلى جبة الرهبنة التي كانت عليه فحل حبلها من حول خصره، وطوقها من حول ~~عنقه، وأخذ في نزعها وهو يقول: «عليك بهذه الجبة فالبسيها فوق ثيابك واجعلي هذه القبعة على ~~رأسك وهي تقفل من الجانبين فتغطي الوجه، وإليك هذا العكاز واخرجي مع حضرة الراهب، فلا يشك ~~أحد في أنكما الراهبان اللذان دخلا الآن، ومتى بعدتما عن المعسكر فافعلا ما تريانه.» # فأعجب الراهب بتلك الحيلة اللطيفة، ودهش لشهامة حسان إذ فضل أن يلقي بنفسه إلى التهلكة ~~فداء لمولاته، أما سالمة، فإنها لم تدهش لذلك، وأثنت على حسان فقالت: «لا أستغرب هذه ~~الشهامة يا حسان، فقد رأيت منك مثلها مرارا ولكني ضنينة بك لسابق تعبك، وقد دنا الوقت الذي ~~آن لي فيه أن أكافئك على جهودك في خدمتي منذ أعوام عديدة وخصوصا الآن فقد كنت راغبة في ~~لقائك لأبشرك بأمر يسرك كثيرا ولا أستطيع أن أخبرك به إلا إذا كنا معا وأخشى إذا افترقنا ~~الآن ألا نلتقي.» ~~«قال حسان: عليك بهذه الجبة فالبسيها فوق ثيابك، واجعلي القبعة على رأسك، ~~وإليك هذا العكاز واخرجي مع الراهب.» # فتوقف حسان عن خلع الجبة وتطاول بعنقه وقال: «أخبريني عن ذلك الآن قبل أن نفترق.» # قالت: «عندي أمور كثيرة أقصها عليك ms144 وأستطلع رأيك فيها وسأحتاج إليك في تنفيذ بعض ~~الشئون.» # قال: «وهل تظنين أن في بقائي هنا خطرا علي؟ اطمئني وثقي أنكما لا تخرجان من هذا ~~المعسكر حتى ألحق بكما.» # قالت: «أظنك إذا اطلعت على ما سأقصه عليك تفضل البقاء هنا بضعة أيام!» # فلم يعد حسان يستطيع صبرا عن سماع ذلك الخبر فقال: «أخبريني، يا مولاتي، بما علمت مما ~~يهمني سماعه، أو مريني بما تريدين ثم نتداول - قبل ذهابك - فيما تأمرين.» # ثم انتبهت سالمة إلى نفسها فرأت أن الأجدر بها أن تغض النظر عن إطلاع حسان على ما يشغله ~~أو يؤخره في ذلك المعسكر والحالة تدعو إلى سرعة إرساله إلى عبد الرحمن لتخبره بما علمته من ~~شأن ميمونة وما في معسكر الإفرنج من المعدات، وما كان من استنجاد أود بشارل وغير ذلك مما ~~يئول إلى نصرة العرب، فلما رأت من حسان القلق على استطلاع الخبر قالت: «إن الوقت لا يساعدنا ~~على ذلك يا حسان، وإني أفضل أن أبقى أنا وتذهب أنت برسالة أبعثها معك إلى أمير العرب، فإن ~~الحالة تدعو إلى سرعة الذهاب وإلا ضاعت الفرصة وذهب سعينا هباء منثورا، فأطعني واذهب أنت ~~ولا بأس علي من البقاء هنا.» # قال: «الأمر لك يا مولاتي، ولكنني لا أرى شيئا أدعى إلى العجلة من إطلاق سراحك لمقابلة ~~رئيس دير القديس مرتين وعرقلة مساعي الدوق شارل القادم لنجدة هذا الجند، ومتى تم لنا ذلك ~~نذهب بالبشائر إلى الأمير عبد الرحمن دفعة واحدة.» # قالت: «ولكن الأمر الذي أطلب إبلاغه إلى عبد الرحمن الآن أهم كثيرا من خبر دوق ~~أوستراسيا.» # فاستغرب حسان ذلك وقال: «وهل هو أهم من خبر هذا الدوق وهو قادم لنجدة أود بجيش جرار معه ~~العدة والسلاح فضلا عما عرف به شارل من البسالة والقوة؟» # قالت: «إني أخاف على جند العرب من عدو مقيم في قصر أميرهم وهم يحسبونه صديقا، وقد اكتشفت ~~سره في أثناء إقامتي في هذا الأسر ولم يكن استنجاد شارل إلا برأيه فإذا لم نبادر إلى كشف ~~سره استفحل أمره.» ms145 # الفصل التاسع والخمسون # | أول الأسرار # فبغت حسان لذلك، وحدق بعينيه، وقال: «من هو ذلك العدو يا مولاتي هل تخبرينني؟ قولي الآن ~~ولا تخافي من وجود حضرة الراهب معنا فإنه صديق مخلص لنا في نصرتنا أو تكلمي بالعربية فإنه ~~لا يعرفها قولي من هو ذلك العدو؟» # قالت: «هو ميمونة أو بالحري تلك المرأة الداهية التي سمت نفسها ميمونة وما هي إلا ~~ملعونة.» # قال: «ولم تكن هذه المرأة مجهولة لدينا، فقد شاهدناها غير مرة فما الذي عرفته من أمرها ~~هنا؟» # قالت: «لم أكن أجهل أمرها منذ رأيتها في معسكر عبد الرحمن للمرة الأولى، ولكنني أجلت كشف ~~أمرها ريثما أعود من مهمتي هذه، وخشيت إن أنا بحت بشأنها أن يؤدي ذلك إلى أن تصرح بحقيقة ~~أمري، وأنت تعلم أننا لا نريد ذلك الآن وإن كان اطلاع عبد الرحمن على حقيقتي لا يزيده إلا ~~إكراما لي، ولكنني مقيدة بالعهود والمواثيق ألا أطلع أحدا على شيء قبل عبور هذا النهر ~~(وأشارت إلى نهر لوار) ولو علمت ما قد يترتب على سكوتي عنها لما صبرت على كتمان أمرها، وأما ~~الآن فلا بد من كشف سرها لعبد الرحمن على عجل.» # قال: «وما هو شأنها يا مولاتي، هل يجوز لي الاطلاع على هذا السر؟» قال ذلك وجثا بين يدي ~~سالمة وحملق بعينيه. # فقالت: «هل أخفي عنك سرا وأنت تعلم أنك خزانة أسراري، بل أنت الرجل الوحيد المطلع على ~~حقيقة حالي عدا الكونت أود صاحب هذا المعسكر، فإنه عرفني وهددني ثانية ولكنه شغل عني أو أجل ~~النظر في أمري؛ لأنه أمن جانبي لاعتقاده أني سجينته حتى يشاء لست أخفي عنك سرا يا حسان، ~~اعلم أن المرأة التي يسمونها ميمونة وتعد نفسها من محظيات عبد الرحمن وتتقرب إليه بجمالها ~~ومكرها، إنما هي لمباجة بنت الدوق أود صاحب هذا الجند.» # فلما سمع حسان قولها بغت وانتفض واقفا، ثم قال وقد بح صوته من محاولة تخفيضه مع تهيج ~~عواطفه وبغتته: «بنت الدوق أود هذا؟ قائد هذا المعسكر؟» # قالت: «نعم هي بعينها وأظنك ms146 تعرفها أنت وقد رأيتها غير مرة وهي مع زوجها المقتول ألا تعرف ~~المنيذر الإفريقي الذي كان حاكما في بلاد البيرنية بين إسبانيا وأكيتانيا؟» # قال: «نعم أعرفه وبلغني أن الأمير عبد الرحمن الغافقي لما قام بجنده لفتح هذه البلاد، ~~بلغه أن المنيذر هذا متواطئ مع الإفرنج على حساب العرب، فسار إليه بغتة وقتله واستولى على ~~أمواله ونسائه وبعث بها إلى الخليفة في دمشق.» # قالت: «هل تعلم السبب الذي حفزه على مواطأة الإفرنج ضد العرب؟» # قال: «كلا.» # قالت: «إن الدوق أود علم بما بين العرب والبربر من التحاسد لأسباب لا تخفى عليك، وبلغه أن ~~المنيذر البربري المذكور صاحب نفوذ كبير في قبائل البربر وأنه إذا اكتسب ثقته واسترضاه يكون ~~عونا له على العرب، فاتصل به وأفضت المحادثات بينهما أن يتزوج المنيذر من لمباجة ابنة ~~الدوق أود، وقد رضي أود أن يزف ابنته إلى هذا البربري على أمل أن تكون وهي عنده قابضة على ~~زمام إرادته تستخدمه فيما تريده لمصلحة والدها، وهي مشهورة بالجمال والدهاء، وبعد أن أقامت ~~مع زوجها المذكور مدة وهي تدبر الحيل لتطوح بدولة العرب نهض الأمير عبد الرحمن وعرف الخطر ~~الذي يحدق بالعرب من ذلك الأمير فبغته وقتله.» # قال حسان: «نعم سمعت ذلك من قبل وسمعت أيضا أن امرأة أخذت في جملة الغنائم والأموال إلى ~~دمشق لتكون للخليفة.» # قالت: «وقد أشاعوا ذلك زورا وبهتانا، فالظاهر أن الزوجة ألبست إحدى نسائها ثيابها ~~وأوهمت أن تلك لمباجة، وإنما هي من بعض خدمها وسراريها لتبقى في معسكر عبد الرحمن عينا ~~لأبيها على العرب وحركاتهم، وقد تحققت من أنها هي التي كتبت إلى أبيها أن يستنجد بشارل دوق ~~أوستراسيا، ولم يكن ليقدم على ذلك من تلقاء نفسه حياء من رجاله ورعاياه، فأغرته هي بما لها ~~من النفوذ عليه فاستنجد به ومما يخيفني من أمرها أن الأمير عبد الرحمن يثق بها، ويفضي إليها ~~بأسراره، ويستشيرها فهل من خطر على جند العرب أعظم من هذا؟» # فقال حسان: «كلا يا مولاتي فينبغي أن أذهب بهذا الخبر ms147 إلى الأمير سريعا، فهل تكتبين ~~كتابا أحمله إليه حالا؟» # قالت: «ولا بد قبل كل شيء أن نخرج من هذا السجن ومتى خرجنا يهون علينا كل أمر ~~عسير.» # الفصل الستون # | الجوزة الكبيرة # وكان الراهب أثناء ذلك الحديث واقفا يتشاغل بالمشي في أرض الخيمة ويتطلع من بعض شقوقها ~~وثقوبها إلى الخارج وكأنه رأى أمرا بغتة فأسرع إلى سالمة وهي تقول ذلك وقال لها: «أظننا ~~أطلنا الكلام حتى قلق الحراس، إنني أراهم في هرج، يتشاورون ويتهامسون، وأخشى أن يكون في ذلك ~~خطر علينا.» # فقال حسان: «عليك بهذا الرداء يا مولاتي فالبسيه واخرجي مع حضرة الأب، وغادرا المعسكر، ~~وسأتبعكما سريعا والملتقى على ضفة نهر شير عند الجوزة الكبيرة التي جلسنا تحتها بالأمس يا ~~حضرة الأب.» قال ذلك وألبس سالمة عباءة الرهبان وجعل على رأسها القبعة وأعطاها العصا وأشار ~~إليها بالخروج على عجل. # فتنحنح الراهب وقرع بعصاه عمود الخيمة وسعل وخرج من الخيمة وسالمة في أثره فلما أطل على ~~الحراس تظاهر بانشغاله برسم الصليب والصلاة ثم رفع يده كأنه يباركهم، فأحنوا رءوسهم جميعا ~~ونزعوا قبعاتهم إجلالا واحتراما ولم يجرؤ أحد على الاقتراب منهما لما لاحظوه من اشتغالهما ~~بالصلاة تمتمة، وكانت سالمة تمشي وركبتاها ترتعدان ليس خوفا على حياتها ولكنها استنكفت ~~الفرار خلسة والتنكر بملابس الرهبان، ولما بعدا عن المعسكر واطمأنا على نفسيهما اشتغل بال ~~سالمة على حسان، وخشيت أن يقع في الأسر. # سارا في المعسكر، وهما في زي الرهبان، والحرس لا ينتبهون لهما، وأكثر الجند نيام، إلى أن ~~خرجا من بين الخيام، وكانت سالمة تمشي وتتلفت يمينا وشمالا، ثم تلتفت ورائها لعلها ترى ~~حسانا قادما، وقد ندمت على تركه في تلك الخيمة؛ لأنه أقدر منها على تحقيق ما تطلبه في تلك ~~الساعة وكان الظلام مخيما، لا يريان مما يحيط بهما غير الأشجار العالية إذا اعترضت بينهما ~~وبين الأفق، وكانت سالمة تتمشى في أثر الراهب أينما مشى؛ لأنها لا تعرف مكان تلك ~~الشجرة. # وبعد مسير ساعة، وهما صامتان، التفت الراهب إلى سالمة وقال: «قد أصبحنا على ms148 مقربة من ~~الجوزة، يا مولاتي، وهذه رءوس أغصانها.» وأشار بيده إلى الأمام، فالتفتت فلم تر شجرا ~~ولكنها رأت أغصانا متفرقة تتراءى في الأفق فعلمت أن الشجرة في منخفض وأنها ترى رءوس ~~أغصانها، ثم رأت شبحا يظهر بجوار تلك الأغصان رويدا رويدا كأنه قادم من وراء أكمة ~~نحوهما، فتفرست في ذلك الشبح حتى بدا كله ودنا منهما، فإذا هو بملابس جند الإفرنج ولما ~~اقترب منهما اختلج قلبها في صدرها لعلمها أنه عدلان الأحول، فاستعاذت بالله منه وخافت على ~~حسان من دهائه أما هو فظل ماشيا لا سلام ولا كلام، فسرت سالمة بذلك، وبعد قليل وصلا إلى ~~قمة التل فشاهدت سالمة وراءه شجرة هائلة تظلل سهلا واسعا، فانحدرا نحوها وجلسا تحتها ~~وأمامهما عين ماء تصب في منحدر، تحته واد يجري فيه نهر شير، وكانت سالمة قد تعبت من المشي ~~والقلق فجلست على حجر ناعم أملس، من كثرة ما لامسه من الأيدي بمرور الزمن، وكانت تلك الشجرة ~~مهبطا للمسافرين هناك ولما جلسا قالت سالمة للراهب: «إني خائفة على حسان ولا أظنه يستطيع ~~الخروج من ذلك المعسكر، وإذا كان لم يخرج الآن فإنني لم أعد أرجو خروجه.» # قال: «وكيف ذلك؟ إذا لم يخرج الآن، يخرج بعد ساعة أو ساعتين ويكون الحرس نياما.» # قالت: «لا أخاف عليه من الحرس ولكنني أخاف عليه من هذا الرجل الذي رأيته مارا بنا وهو ~~الذي وشى بي حتى قبضوا علي، ولو لم يكن غائبا الليلة عن المعسكر ما انطلت حيلتكم على ~~الحرس ...» # قضا مدة في مثل ذلك وسالمة تعد اللحظات وتحسب الساعة يوما من شدة القلق، ثم سمعا وقع ~~أقدام مسرعة فالتفتا فرأيا شبحا يعدو نحوهما فلم تشك سالمة أنه حسان، فلما اقترب منها ~~ارتعدت فرائصها من منظره؛ لأنه كان عاري الصدر والذراعين مكشوف الرأس، وقد نبش شعره وأرسله ~~على وجهه حتى أصبح منظره كمنظر الجان أو الشياطين على ما كانوا يصفونهم في ذلك العصر، ولم ~~تكد سالمة تتبين ملامح وجهه حتى سمعته يقول «لا تخافي، يا مولاتي، أنا ms149 حسان.» فاطمأنت، ~~وصاحت فيه قائلة: «ويلك ما هذا العمل؟» # قال: «لولا هذه السحنة ما نجوت من الأسر فعندما تحققت أنكم بعدتم عن المعسكر، تعريت كما ~~تريان، ونبشت شعري، وخرجت من الجانب الخلفي للخيمة أعدو على يدي وقدمي، وأصيح صياح ~~الشياطين، فأجفل الحرس من حولي وتفرقوا لاعتقادهم أني شيطان، ولم يرجع إليهم رشدهم ويفطنوا ~~إلى الحيلة حتى صرت خارج المعسكر، ولكنني التقيت هناك برجل أظنه عدلان البربري الأحول وقد ~~رآني ولم يعرفني، هل شاهدكما هنا؟» # قالت: «رآنا ولم يعرفنا.» # فقال: «لا بد لنا إذن من تغيير هذا المكان أعطوني العباءة أولا.» # فأعطته سالمة العباءة فلبسها وهو يقول: «هلم بنا نذهب من هنا، فإن هذا البربري الشرير لا ~~يلبث أن يصل إلى المعسكر ويعرف بأن الراهبين تمكنا من مساعدتك على الفرار حتى يأتي إلى هذا ~~المكان بالجند، ولا طاقة لنا بالحرب.» # فقال الراهب: «هذا هو الصواب فلنمض إذن إلى دير القديس مرتين، فإننا نستطيع أن نبلغه قبل ~~الصباح فنصير هناك في مأمن، وإذا أردت إرسال حسان بعد ذلك افعلي، وربما أرسلنا معه من يهديه ~~إلى الطريق.» # الفصل الحادي والستون # | دير القديس مرتين # فاستحسنت الرأي ونهضت، فمشوا في طريقهم إلى الدير والراهب دليلهم فوصلوا إليه عند الفجر ~~وقد أخذ التعب منهم مأخذا عظيما فأطلوا على حلة أشبه ببلد صغير، وفي وسط البلد بناء شامخ ~~محاط بسور عال مثل سائر الأديرة هناك، ولكنه أفخمها جميعا، ومحيط السور هائل يحسبه الناظر ~~سور مدينة لسعته وارتفاعه، وكان دير القديس مرتين مشهورا في أكيتانيا وأوستراسيا وسائر ~~أوروبا بالغنى والثروة لكثرة ما حواه من الآنية الذهبية والفضية، غير الأموال المدخرة في ~~خزانته من الهبات والنذور ونحوها، وكانت سالمة تسمع بذلك الدير ولم تدخله بعد، فلما أطلت ~~عليه تركت للراهب أن يتصرف في كيفية الدخول، فإذا به تقدم إلى الباب، وهو كبير على خلاف ~~أبواب سائر الأديرة، فأمسك بحبل مدلى هناك وشده فدق الجرس دقة خاصة، وبعد هنيهة أطل أحد ~~الرهبان من برج فوق الباب، فكلمه الراهب رفيق سالمة ms150 باللاتينية فأسرع ذاك إلى الباب وفتحه ~~ورحب بالقادمين، فدخل الراهب وسالمة من باب آخر وراءه، فأطلا على فناء واسع أشبه شيء ~~بالحديقة، وفي وسط الفناء بناء كبير هو الدير، وبجانبه بناء آخر عرفا من قبته والصليب في ~~أعلاه أنه كنيسة القديس مرتين. # وكان حسان سائرا في أثرهما، وهو لا يزال بمظهره الغريب، فأمره رفيقه الراهب أن يمكث عند ~~الباب، وأشار إلى البواب أن يبقيه عنده ريثما يطلبانه فمكث هناك وظلت سالمة والراهب سائرين ~~والراهبان يتخاطبان باللاتينية، فلم تفهم سالمة من حديثهما إلا قليلا ثم تكلم راهبها ~~بالإفرنجية قائلا: «إن حضرة السيدة قادمة بكتاب إلى حضرة المحترم رئيس هذا الدير فهل هو ~~هنا؟» # قال: «أظنه لا يزال في عبر النهر عند دوق أوستراسيا إلا إذا كان قد دخل الدير من بابه ~~الآخر المشرف على هذا النهر.» # قال: «ومتى قطع النهر؟» # قال: «قطعة بالأمس على حين غفلة.» # قال: «وما الذي دعاه إلى ذلك؟» # وكان الراهب يتكلم وهو يمشي في الحديقة بين أشجارها ويتفرس في طرقها كأنه يفتش عن أحد، ~~فلما أفضى بهم الحديث إلى هنا كانوا قد وصلوا إلى مقعد من الحجر بجانب الكنيسة، فأشار ~~الراهب إلى سالمة بالجلوس وجلس هو، ونور الصبح آخذ في الإشراق، وقد تطايرت العصافير وانطلق ~~النسيم فاختلط حفيف الأشجار بتغريد الأطيار فكان لذلك تأثير شديد على سالمة بعد أن قاست ما ~~قاسته من التعب والقلق طول الليل الماضي، وأحست بالنعاس ولكن حواسها تنبهت لسماع حديث ~~الراهبين لتعرف سبب خروج الرئيس من ديره على غرة، فسمعت الراهب يقول: «إن الذي دعا إلى ذلك ~~الخروج يا أخي أمر جديد كفانا الله شره.» # فقال الراهب: «وما هو ذلك الأمر لا سمح الله؟» # قال: «ألم تسمع بمجيء الدوق شارل صاحب أوستراسيا بجيشه الجرار؟» # قال: «سمعت أنه قادم فهل وصل؟» # قال: «نعم يا أخي وصل منذ أيام وهو الآن على الضفة اليمنى، وحالما وصل بعث إلى حضرة ~~المحترم رئيس ديرنا أن يوافيه إلى هناك على عجل فلم يسعه غير الطاعة.» # قال: «وما ms151 الذي يبتغيه منه وليس عنده جند ينجده به؟» # قال: «يظهر أنك تجهل حال هذا الدوق مع رجال الله والكنائس والأديرة.» # قال: «أعرف عنه قليلا.» # قال: «ألا تعرف طمعه في أموال الكنائس وأرزاقها وهل فاتك ما ارتكبه من الظلم مع أكليروس ~~أوستراسيا؟» # قال: «سمعت بعض الشيء وأخشى أن يفعل مثل ذلك في كنائسنا هنا.» # قال: «وهذا الذي نخشاه نحن.» # وبينما هما في ذلك، إذ سمعا قرع الجرس فبغت راهب الدير ووقف الباقون وهم يحسبون الجرس ~~يقرع للصلاة، ولكنهم رأوا الكنيسة لا تزال مغلقة وقد تقاطر الرهبان من كل ناحية نحو طرقة من ~~طرقات الحديقة تؤدي إلى سور الدير من جهة النهر، فظلت سالمة وراهبها واقفين بجوار المقعد ~~ينتظران ما يكون، ولم يمض قليل حتى رأيا جماعة من الرهبان عائدين وفي مقدمتهم راهب بملابس ~~خاصة، يمتاز عن الباقين وعلى رأسه قلنسوة خاصة فعرفت سالمة أنه الرئيس وقد عاد من مهمته ~~التي ذهب لأجلها إلى شارل فاستغربت رجوعه في ساعة مبكرة، وتفرست فيه عن بعد فرأته ماشيا ~~وحوله الرهبان والجميع سكوت تهيبا مما في وجهه من مظاهر الغضب. # وكان ذلك الرئيس كهلا كثيف اللحية قد وخطه الشيب في أواسط لحيته من مقدم الذقن ولا يزال ~~الباقي حالكا، وكذلك شاربه فإنه كان غليظا كثيفا وكانت عيناه كبيرتين براقتين، فوقهما ~~حاجبان عريضان ومنظره في الجملة وقور مع جلال، وقد زاده الغضب هيبة ووقارا حتى ألجم ~~الرهبان كافة عن الكلام، فتوسمت سالمة من ذلك الغضب خيرا ولما دنا من الدير أسرع رفيقها ~~الراهب إلى يده، فقبلها وهو جاث وقبعته بيده، ففعلت سالمة مثله ثم تنحى الجميع ودخل الرئيس ~~من باب الدير وتبعه جماعة الرهبان وعلى وجوههم علامات الدهشة، ولا يجسر أحد على الكلام إلا ~~همسا. # فظلت سالمة وراهبها يترقبان فرصة تسمح بدخولهما على الرئيس، وكانت سالمة تفضل الدخول عليه ~~وحدها ومعها الكتاب، وبعد هنيهة جاء الراهب الذي كان قد استقبلهم من باب السور وقال: «هذا ~~هو الرئيس قد عاد فما الذي تريدانه؟» # قالت سالمة: «أريد أن ms152 أحظى بتقبيل يديه ومعي كتاب أريد تقديمه إليه.» # قال: «وأين الكتاب؟» # فمدت يدها وأخرجته من جيبها، ودفعته إليه مختوما فتناوله ودخل ثم عاد ودعا سالمة للدخول ~~وحدها، فسرت لذلك ومشت وهي تعد في ذهنها ما ستلقيه على الرئيس لعلمها أن رئيس دير القديس ~~مرتين يمتاز عن سائر رؤساء الأديرة بعلو منزلته وغنى ديره فدخلت في دهليز انتهت منه إلى ~~باحة رأت فيها الرهبان متزاحمين يذهبون ويجيئون كأنهم في شغل عظيم وقد تسربوا أزواجا ~~وأثلاثا، فلما رأوها وسعوا لها الطريق، فمشت والراهب يتقدمها حتى وصلت إلى غرفة الرئيس ~~وعلى بابها ستار شقه الراهب بيساره وأشار إلى سالمة بيمينه أن تدخل، فدخلت إلى قاعة مفروشة ~~بالبسط وعلى جدرانها صور بديعة الصنع تمثل أهم حوادث النصرانية، وفي صدر القاعة صورة القديس ~~مرتين بالحجم الطبيعي الكامل ورأت الرئيس جالسا على مقعد في صدر القاعة تحت تلك الصورة، ~~فلما دنت منه جثت وقبلت يده فأنهضها وطلب مقعدا أجلسها عليه، والكتاب لا يزال بيده وقد ~~تبسم ترحابا بالقادمة والغضب لا يزال باديا في عينيه. # الفصل الثاني والستون # | أمل جديد # فجلست سالمة متأدبة والخمار يجلل رأسها، وثوبها الأسود يزيدها كمالا ورزانة، وظلت صامتة ~~احتراما للرئيس، أما هو فأعاد نظره إلى الكتاب وتفرس فيه كأنه يقرؤه ثانية، ثم قال: «ممن ~~هذا الكتاب؟» # قالت: «إن خاتم صاحبه فيه.» # قال: «لا أرى خاتما ولكنني عرفته من خطه هل أنت سالمة؟» # قالت: «نعم يا مولاي، إني أمتك سالمة.» # قال: «العفو يا أختي كلنا عبيد ربنا ومخلصنا ما الذي تريدينه مني الآن؟» # قالت: «لا أريد إلا ما تريده قداستكم وليس لي رأي بعد رأيكم.» # فابتسم غضبا وقال: «لا حاجة بنا إلى المجاملة والتردد لقد جئتني لأمر يقول أخي رئيس دير ~~... أنه يهمني ويهمه وأن عليه يتوقف مستقبل الكنيسة في أكيتانيا فتفضلي بما تأمرين.» # قالت: «إني خاطئة لا أستحق هذه العناية، ولكني كنت خاطبت كاتب هذا الكتاب في شأن دافعني ~~فيه وأنكره علي، ولكنه ما أن سمع بقدوم الدوق شارل إلى هذه البلاد ms153 حتى استصوب رأيي فهل ~~أعجبك حضرة الدوق بمجيئه؟ اصفح عن جرأتي في هذا السؤال؛ لأن عليه يتوقف حديثي.» # قال: «صدقت يا ابنتي هذا السؤال لا يجسر أحد من رهباني أن يسألني إياه ولكنك جئت في وقت ~~أجيز لك فيه هذا السؤال، وفي كلام أخي الرئيس صاحب هذا الكتاب ما يحملني على الثقة بك فأقول ~~إني وجدت الدوق شارل خطرا على الكنيسة في أكيتانيا.» # قالت: «وهذا الذي رآه هو، وأراد أن أكون الواسطة في عرض طريقة أرجو أن تعود بالنفع على ~~الكنيسة وأهلها.» # قال: «وما هي طريقتك؟» # قالت: «هل تعد الدوق شارل مسيحيا حقا؟» # قال: «هو يزعم أنه مسيحي، ولكن أنى له ذلك وهو يحلل ما حرمته الكنيسة كنا نسمع عنه ~~أمورا لم نكن نصدقها لغرابتها حتى سمعناها من شفتيه.» قال ذلك وقد تجدد غضبه ثم قال: «كنا ~~نسمع أنه أخذ أموال الأديرة وأساء إلى الأكليروس، وكنا نستغرب ذلك منه حتى دعاني بالأمس ~~إليه وبدلا من أن أسمع منه تملقا وتزلفا لشدة حاجته إلينا في كل شيء سمعت منه تهديدا ~~ووعيدا.» # فانشرح صدر سالمة لهذه الشكوى، واستبشرت بتحقيق أمنيتها، ولكنها أظهرت الدهشة وقالت: ~~«تهديد ووعيد؟ ولماذا؟ ألعلكم عصاة؟» # قال: «كلا يا ابنتي ولكنه كلفني أمرا لم أوافقه عليه كما أراد، دعاني وطلب إلي أن أدفع ~~ما في صندوق هذا الدير من الأموال عاجلا؛ لأنه يحتاج إليها في الحرب، ثم عرض بفضله علينا ~~في هذه الساعة؛ لأنه سيدفع عنا العرب سامح الله الدوق أود ما أضعف قلبه، إنه سيجر علينا ~~البلاء مضاعفا باستنجاده بهذا الرجل المستبد.» # فأظهرت سالمة الاهتمام وقالت: «في الحقيقة إن الخطأ الأكبر من الدوق أود، فقد أضاع ~~استقلاله وجر البلاء على الكنيسة وما الذي يظنه مولاي الرئيس في هؤلاء العرب؟» # قال: «هم أعداؤنا وأعداء ديننا!» # فابتسمت بلطف وقالت: «اسمح لي يا حضرة الرئيس المحترم أن أعترض على هذه التهمة هل رأيت ~~العرب أو عاشرتهم؟» # قال: «كلا ولكنني سمعت عنهم شيئا كثيرا سمعت أنهم يعبدون الأصنام وأنهم إذا نزلوا بلدا ms154 ~~نهبوا كنائسه وسبوا نساءه وخربوا منازل أهله.» # قالت: «ألا تصدق امرأة عاشرتهم أعواما؟» # قال: «هل عاشرتهم كثيرا؟ وأين؟ وما هي علاقتك بهم وأنت من أهل هذه البلاد على ما ~~يظهر؟» # قالت: «فليسمح لي مولاي أن أجيب على أسئلته بما في استطاعتي لقد عاشرت هؤلاء العرب ~~أعواما فظهر لي أنهم أهل ديانة مثل ديانتنا، يعبدون الله مثلنا وهم أهل رفق وعدل، يوفون ~~بالعهود ويحافظون على المواثيق، وقد فتحوا بلاد الإسبان ومعظم أكيتانيا ولم يظهر منهم إلا ~~العدل والرفق، ترى النصارى في إسبانيا وفي بوردو وبواتيه وغيرها من البلاد التي فتحوها ~~متمتعين بحريتهم الدينية، لا خوف على كنائسهم، ولا على أموالهم، ولا على شيء مما يملكون، ~~ولا يخلو أن يطمع أحدهم في نهب أو سلب فإذا لم يكن محقا فإنه ينال جزاءه من أميره.» ثم ~~قصت عليه حكاية كنيسة بوردو وبذلت جهدها في تنميق العبارة وبسطها لعلمها أنها إذا أقنعت ~~رئيس دير القديس مرتين هان عليها إقناع أسقف تورس، وإذا هم لم يساعدوا العرب كفاها ألا ~~يساعدوا الإفرنج. # الفصل الثالث والستون # | الرهينة # وكان الرئيس يسمع كلامها ويتفرس في وجهها ويستطلع حقيقتها، فلم تسعفه الفراسة إلا قليلا ~~وظل مستغربا غيرة هذه المرأة على العرب وهي غير عربية ولكنه استحسن امتداحها العرب خصوصا ~~وهو على تلك الحال، فتوهم أن مجيء هذه المرأة أثناء نفوره من شارل وخوفه منه لا يخلو من ~~عناية خاصة روحانية، فمال إلى موافقة سالمة في رأيها ولكنه أعظم أن ينصاع إليها في سهولة، ~~وأراد من ناحية أخرى أن يحافظ على غيرته الدينية لعلمه أن انحيازه إلى العرب - إذا لم ~~يكونوا كما وصفت - يغير مستقبل النصرانية في تلك البلاد ويقلب الأحوال رأسا على عقب، وكان ~~يرجو رجوع شارل عن مطالبه، فإذا رجع لم يبق ثمة داع لعدوله عن نصرته، فظل مدة مطرقا وهو ~~يعبث بأطراف لحيته بين أنامله، ثم التفت إلى سالمة وقال لها: «إني شاكر لسعيك، وأرجو أن ~~تمهليني ريثما أفكر وأستخير الله وأعمل بإلهامه جلت قدرته.» # قالت: «تبصر يا ms155 مولاي في الأمر كما تشاء، ولكنني أذكرك بما أنت مسئول عنه أمام الله من ~~مصالح الرعايا وإنما هدفي أن يعود سعيك بالخير على الكنيسة وأهلها.» قالت ذلك ووقفت ~~فابتدرها الرئيس قائلا: «أما أنت فتبقين عندنا ريثما نرى ما يكون.» # فأدركت أنه يريد بقاءها عنده رهينة حتى يصدق قولها، فلم تبال لاعتمادها على وعود عبد ~~الرحمن، فقالت: «إني رهينة أمرك فيما تريد.» # فصفق الرئيس فجاء أحد الرهبان فقال: «انزل هذه الضيفة في غرفة خاصة بها وأكرموها.» # فمضت مع الراهب إلى علية أعدوها في طرف الدير من جهة نهر لوار، ولها نافذة مطلة على ذلك ~~النهر، فاتكأت على السرير وقد أخذ التعب منها مأخذا عظيما فاستلقت ونامت واستغرقت في ~~النوم، ولم تفق إلا على قرع جرس يدعو الرهبان للغذاء، فنهضت والتفت بثيابها وأطلت على النهر ~~فبغتت لما شاهدته - من بعد - من السفن الصغيرة المرابطة صفوفا كالجسور، وقد أخذ الناس في ~~العبور عليها إلى هذه الضفة ومعهم الأعلام أشكالا وألوانا. # فعلمت أنهم جنود شارل فوقفت تنظر إلى مجرى النهر، وقد رجعت بها أفكارها إلى مريم والعهود ~~التي تربطها بذلك النهر وما يتوقف على الجيشين هناك من الأمر الهام، وكانت كثيرة الاطلاع ~~على أحوال الإفرنج، وقد علمت أنه لم يبق عندهم رجل قوي إلا شارل هذا فإذا دارت عليه ~~الدائرة فالغلبة للمسلمين على كل أوروبا؛ لأنه لن يقف في طريقهم شيء بعد ذلك، وإذا كانت ~~الغلبة للإفرنج، فلا مقام للمسلمين هناك أبد الدهر وأشد من ذلك وطأة عليها أن العرب إذا لم ~~يقطعوا نهر لوار لم يبق لها ولا لابنتها عيش فلما تذكرت ذلك مدت يدها إلى جيبها وافتقدت ~~المحفظة وفيها كل سرها وأخرجتها وقبلتها، فدمعت عيناها وأحست من تلك الساعة بشوق شديد إلى ~~مريم بعد ذلك الغياب الطويل وهي لا تدري كيف حالها، على أنها لم تكن تخشى عليها من أحد ~~ليقينها بحكمتها وعناية عبد الرحمن بها. # استغرقت سالمة في تلك الهواجس، وعيناها تنظران إلى معبر الجند وقد استغربت كثرتهم على ~~الضفتين، وكانت ms156 تسمع صوت الطبول برغم بعد المسافة؛ لأن الهواء كان يهب من الشمال والشرق ~~والصوت يأتي معه، وقضت سالمة في ذلك ساعة، ولو تركت لنفسها لانقضى النهار ولم تنتبه، ولكنها ~~ما لبثت أن سمعت قرع الباب فتحولت وفتحته، وإذا براهب ومعه خادم يحمل خوانا عليه الأطعمة ~~فقدماها لها، وخرجا فأحست بالجوع وكانت قد نسيت نفسها، فجلست ولم تزدرد اللقمة الأولى حتى ~~تذكرت حسانا ورفيقها الراهب فصفقت، فجاءها خادم فطلبت إليه أن يستقدم خادمها عند باب ~~الدير، فذهب ثم عاد بحسان وهو بعباءة الرهبان وشعره لا يزال مشعثا، فدخل وتأدب، فأمرته أن ~~يقفل الباب وراءه، فلما خلت به دعته للجلوس فأبى، فقالت: «دعنا من المجاملة فإنك من أعز ~~الأعزاء إلي، وأي عزيز يضحي بنفسه في مصلحة صديقه أو صاحبه كما فعلت؟ فاسمح لي أن أعاملك ~~معاملة الصديق اجلس وتناول الطعام معي.» # فتراجع وقال: «أما الجلوس في حضرتك فأطيعك فيه، وأما الطعام فلا حاجة لي به؛ لأني أكلت مع ~~بواب الدير الساعة، وقد شغل بالي لإبطائك في دعوتي وخشيت أن يفشل مسعاك فأرجو أن أسمع ~~أخبارا طيبة هل نجحت مع رئيس الدير؟» # قالت : «أحمد الله على ذلك، ولم يبق إلا أن نبلغ نتيجة أعمالنا إلى الأمير عبد الرحمن ~~ليعلم كيف يتصرف مع تلك الداهية ميمونة، وأين جند العرب الآن يا ترى؟» # قال: «لقد علمت من حديث دار بيني وبين أحد الرهبان في هذا الصباح أن العرب أصبحوا على ~~مقربة من هذا المكان ولكنهم قادمون من جهة الغرب، وأن جند شارل قادم من جهة الشرق وسيلتقي ~~الجيشان في هذه الساحة جنوبي هذا الدير.» # فبغتت وأبرقت أسرتها، وقالت: «هل أنت واثق من ذلك يا حسان؟» # قال: «هذا الذي سمعته - يا مولاتي - والجميع يتناقلونه وأظنه صحيحا.» # قالت: «فعلينا الإسراع في إبلاغ الرسالة، وكنت أود أن أذهب أنا أيضا معك لولا إصرار ~~الرئيس على بقائي هنا لغرض لا أعلمه.» # فقال: «لا بأس من بقائك في الدير إذ تكونين هنا في مأمن من كل شر؛ لأنه فضلا عن ms157 تحصينه ~~بالأسوار والأبراج فله مكانته عند الجيشين واتركي ما بقي من المهام علي، فإني أفعل ذلك إن ~~لم يكن إكراما لك فإكراما لنفسي، وفي فوز العرب فوزي وفي سقوطهم سقوطي.» # فتذكرت سالمة ما كان من حديث رودريك، وقد فاتها أن تخبره به بالأمس فقالت: «بورك فيك ~~وعندي خبر جديد يهمك أكثر من كل ذلك.» # فقال: «وما هو يا سيدتي؟» # قالت: «أتذكر حفيدك سعيدا؟» # فأجفل عند سماع ذلك الاسم لطول ما مر به من الأيام على إغفاله وهو يحسبه في عداد الأموات ~~وقال: «كيف لا أذكره رحمه الله ورحم والده.» # قالت: «إنه لم يمت يا حسان.» # قال: «من؟ سعيد حي؟ أين هو.» # قالت: «هو في معسكر الدوق أود واسمه عندهم رودريك.» وقصت عليه ما تعرفه عنه، فأطرق ~~واستغرق كأنه في حلم، ثم رفع بصره وقال: «وهو هو هناك الآن؟» # قالت: «لا أدري وإذا كان هناك فإنه يكون سجينا.» # قال: «سوف أسعى إليه وأبحث عنه بعد ذهابي برسالتك إلى الأمير عبد الرحمن.» # فأعجبها منه إيثار خدمتها على البحث عن حفيده مع شدة قلقه عليه، فلما فرغت من الطعام أمرت ~~حسانا فجاءها بمداد ، وتناولت منديلا كتبت عليه رسالة إلى عبد الرحمن ودفعتها إلى حسان ~~وقالت له: «سر في رعاية الله، وإذا احتجتم إلي في شيء فإني مقيمة هنا، وأرى قبل ذهابك أن ~~تصلح من شأنك وتتزيا بزي الرهبان لتأمن غوائل الطريق، وأظن أن رفيقنا الراهب سيعود إلى ~~ديره، فاصطحبه وبلغه سلامي.» # فودعها حسان وخرج. # الفصل الرابع والستون # | معسكر عبد الرحمن # فلنرجع إلى ما كان في معسكر عبد الرحمن بعد طول سكوتنا عنه وانشغالنا بحديث سالمة تركناهم ~~قرب مضيق دردون بعد أن فر الإفرنج من وجوههم، فمكثوا هناك ينتظرون رجوع سالمة من مهمتها، ~~وقد رأيت ما كان من مقتل بسطام وفشل ميمونة، وعرف القارئ أنها لمباجة بنت الدوق أود، وكانت ~~بارعة الجمال والدهاء كما رأيت، وقد وضعت نفسها موضع السبية خدمة لوالدها فانطلت حيلتها على ~~عبد الرحمن ورجاله، ولولا سالمة لظل أمرها مكتوما، وكانت ms158 سالمة قد عرفتها منذ قابلتها في ~~الخباء، ولكنها خشيت أن يكتشف سرها هي فأجلت الأمر حتى تعود، ولو علمت حقيقة مهمتها ما صبرت ~~عن أمرها فظلت ميمونة بعد ذهاب سالمة والكل يعتقدون أنها من وصيفات لمباجة وهي لا تدخر ~~وسعا في عرقلة مساعي العرب بكل سبيل، فلما فرغت يدها من وقعة دردون وتخلصت من التهمة، عمدت ~~إلى أحد شياطينها فبعثت معه إلى والدها كتابا أنبأته فيه عن مهمة سالمة والغرض الذي ذهبت ~~من أجله إلى بوردو وبواتيه وغيرهما، وحرضته على القبض عليها؛ لأنه إذا حبسها فكأنه حبس نصف ~~جيش المسلمين، فلم تدركها المكيدة إلا على أبواب بواتيه كما رأيت، وكانت ميمونة قد تحققت من ~~عجز والدها عن دفع ذلك الجند من العرب بعد ما شاهدته في الوقعتين الأخيرتين بفضل اتحاد ~~القبائل وعجزها عن تفريق كلمتها، فعمدت إلى شيطانها الأحول وبعثت معه إلى والدها تستحثه على ~~الاستنجاد بشارل لعلمها أن أباها لا قبل له بذلك وحده، ومن غريب دهائها واحتيالها أنها كانت ~~شديدة التأثير على والدها لا تكاد تشير عليه بأمر إلا حققه لإيمانه بحكمتها وسعة اطلاعها، ~~وخاصة على أحوال العرب بعد الإقامة بينهم أعواما، ولما جاءه كتابها، كان قد يئس من الفوز ~~وخاف على نفسه، فوافق رأيها مصلحته فبادر إلى الاستنجاد بشارل دوق أوستراسيا، فلبى هذه ~~الدعوة لعلمه أنه إذا انتصر على المسلمين انتصر على أود وملك فرنسا كلها. # أما عبد الرحمن فلما طال غياب سالمة مل الانتظار، وبعث يبحث عنها في بوردو فعلم أنها خرجت ~~منها منذ أيام، وكانت مريم مع تعلقها بهانئ واستغراقها في لجج العواطف أشد الجميع قلقا على ~~والدتها، وكان هانئ يختلس الفرص في أثناء الإقامة هناك ويجتمع بمريم، إما في الخباء أو في ~~الصحراء، ويتحادثان ويتشاكيان في غفلة من الرقباء، وعبد الرحمن يغض النظر، حتى تمكنت المحبة ~~بينهما وكادا يتناسيان الحرب وأسبابها لو لم يكن زواجهما متوقفا عليها وعلى اختراق ~~أكيتانيا إلى نهر لوار، ولذلك فإن هانئا لم يكن يفتر عن تحريض عبد الرحمن على ms159 السير قبل ~~فوات الفرصة واستعداء الأعداء، وعبد الرحمن يأخذ الأمر بالتؤدة والتأني حتى جاءهم الجواسيس ~~ذات يوم بخبر استنجاد أود بشارل، فعقد عبد الرحمن مجلسا من الأمراء حضره هانئ وأطلعهم على ~~الخبر، فقال هانئ: «وهذا ما كنت أخشاه، ولذلك كنت أستعجل الأمير في التقدم.» # فقال عبد الرحمن: «فالذي أراه أن نبادر حالا إلى المسير.» # قال هانئ: «هذا هو رأيي.» # ولبث عبد الرحمن ساكتا ليسمع آراء سائر الأمراء وفيهم أمراء البربر فلم يفه أحد منهم ~~بكلمة، فتخوف من ذلك السكوت وأدرك هانئ خوفه، وعلم أن مطامع البرابرة متعلقة بالغنائم ~~والسبايا، وأنهم لما علموا باتحاد جيشي أكيتانيا وأوستراسيا خافوا على أنفسهم فوقف هانئ وهو ~~يبتسم وقال: «لا حاجة بنا إلى طول البحث في هذا الشأن، فإن الله قد ضم جيش أوستراسيا إلى ~~جيش أكيتانيا غنيمة لنا؛ لأن عند أولئك من الأموال والتحف ما لا تقاس به تحف هذه البلاد، ~~وإذا انتصرنا على الجيشين مرة واحدة ملكنا هذه الأرض الكبيرة كلها، وقطعناها حتى نذهب إلى ~~رومية والقسطنطينية فنتم فتح العالم كله، وننشر الإسلام بين الناس كافة، ويكون الفضل في ذلك ~~لسيوفكم وخيولكم.» قال ذلك وقد مزج طلب الغنائم بالجهاد حتى لا يفتر طالب الغنائم عن تلبية ~~دعوته وما أتم كلامه حتى صاح الجميع بصوت واحد: «الخيل! الخيل!» # فقال عبد الرحمن: «بارك الله فيكم ونفع الإسلام بكم.» ثم أمر بالاستعداد للرحيل، ولما ~~انصرف الأمراء بقي هانئ وعبد الرحمن ولاحظ هانئ على عبد الرحمن انقباضا، فقال: «ما بالك ~~منقبض النفس وقد أطاعنا هؤلاء على المسير؟» # قال: «أنت تعلم يا هانئ أنهم لا يحاربون إلا طمعا في الأموال وقد تجمعت الغنائم عندهم ~~حتى كادوا ينوءون تحت أثقالها فالرجل منهم لا يكاد يستطيع حمل طعامه وغنائمه، فبماذا ~~يقاتلون؟» # قال هانئ: «لقد نبهتني أيها الأمير إلى أمر ذي بال: إن تعلق هؤلاء البرابرة بالغنائم ضربة ~~ثقيلة على هذا الجيش ليس لاستئثارهم بها دون سواهم، ولكن لأنها تشغلهم عن الحرب، فإذا ~~حملوها أثقلتهم وأعاقت حركتهم، وإذا تركوها خلفوا قلوبهم ms160 معها، فلا بد من حيلة نحتالها ~~عليهم في ذلك.» # فأطرق عبد الرحمن ثم وقف، فوقف هانئ معه وتشاغل عبد الرحمن بإصلاح عمامته وهانئ بإصلاح ~~حسامه، ثم التف عبد الرحمن بعباءته وهو يقول: «لا بد لنا من النظر في هذا الأمر، وفي ~~اعتقادي أن ترك هذه الغنائم الثقيلة والذهاب إلى الحرب بدونها أربح لنا جميعا، ولكن من ~~يجسر أن يقول لهؤلاء البرابرة: تخلو عن غنائمكم! ونحن إنما رغبناهم في الحرب بذكر الغنائم ~~والأموال.» # فضحك هانئ وقال: «أظنك لاحظت ذلك من عبارتي في هذا الشأن وقد كان في نفسي أن أرغبهم في ~~سرعة المسير إلى تورس بذكر ديرها الغني؛ لأن بقربها ديرا يقال له دير القديس مرتين هو من ~~أغنى الأديرة الإفرنجية ولكنني خشيت إن أنا قلت لهم ذلك أن يشتغلوا بنهبه عن الحرب، فنكسب ~~عداوة الأهالي والكهنة فضلا عن عداوة الجند.» # قال عبد الرحمن: «لقد أحسنت بالسكوت عن ذلك والذي أراه أننا متى وصلنا إلى ساحة الحرب ~~ندبر تدبيرا لا يغضب أحدا فنجعل هذه الغنائم في مكان خاص فيكون أصحابها في اطمئنان لا ~~يخافون عليها بأسا أو نجعلها وراء الأخبية، أو بينها وبين الجند.» فمشى هانئ وهو يقول: ~~«سننظر في ذلك في حينه.» وخرجا لإعداد معدات السفر. # أما مريم فقد كانت لا تزال على اعتقادها في إخلاص ميمونة، وهذه لم تكن تدخر وسعا ولا ~~تضيع فرصة لا تجتذب فيها قلب مريم بالإطراء والإعجاب، ومريم - لسلامة نيتها وصدق محبتها - ~~كانت تثق بميمونة ثقة تامة، ولم يكن ذلك عن جهل أو بله ولكن حر الضمير يصدق الناس ويعتقد ~~أنهم يصدقونه، فإذا سمع قولا صدقه لسلامة نيته وصدق لهجته، وفي جملة ما استخدمته ميمونة من ~~أسباب الخداع لمريم أنها كانت تحدثها بحوادث وقعت لها مع عبد الرحمن أو غيره، تزعم أنها مما ~~لا يفشى لغير الأصدقاء الأخصاء وتتوقع أن تفشي لها مريم شيئا من سرها مع هانئ، ولكن مريم ~~كانت شديدة الحرص على أسرار الحب وميمونة تسايرها في كتمانه فيزيدها ذلك استسلاما لها، فلما ms161 ~~تمكنت ميمونة من مريم وكسبت ثقتها أصبحت مريم لا تفارقها إلا ساعة النوم، أو عندما تلتقي ~~بهانئ أو لأسباب قاهرة. # الفصل الخامس والستون # | ساحة القتال # وفي صباح الغد قوضوا الخيام ووضعوا الأحمال على الجمال والبغال وسار الجند على نسق خاص ~~المشاة حسب قبائلهم وأمام كل قبيلة راية خاصة بها يحملها أحد فرسانها، وقد يكون للقبيلة عدة ~~رايات تخفق في الهواء حتى إذا نظر ناظر إلى ذلك الجند وراياته عن بعد ظن الرايات أشرعة وظن ~~حامليها سفنا، والناس بحرا ومسيرهم موجا يتلاطم، وكأن عمائمهم البيضاء وبجوانبها رءوس ~~الأسنة تكسر الموج على سطح البحر، وكان من جملة المشاة رجال البربر بحسب قبائلهم ومعهم سائر ~~الموالي من غير العرب كالنبط والشوام وغيرهم، وهم سائرون بإزاء العرب، وملابسهم تختلف عن ~~ملابس العرب بعض الشيء، وأما الفرسان فقد اصطفوا فرقة على حدة تتقدمها الرايات بحسب ~~الأمراء، وراية هانئ أكبرها جميعا وأكثر الفرسان بالدروع المتينة وعلى رءوسهم الخوذات ~~الفولاذية، وكان عبد الرحمن يسير تارة بجانب هانئ أمام الأمراء أصحاب الأخبية ومعهم النساء ~~والأطفال في هوادج، إلا مريم فكانت على جواد كأحد الفرسان، وكانت ميمونة تتظاهر بالرغبة في ~~ملازمتها فتركب جوادا إلى جانبها، ويجيء وراء تلك الحملة ساقة الجند وأمامهم الأحمال ~~والأثقال، وكان عبد الرحمن وهانئ إذا دارا حول ذلك الجيش أو نظرا إليه من أكمة اطمأنا ~~لكثرته وتوسما النصر به. # وكان المسلمون يسيرون ولا يلاقون في طريقهم إلا حقولا مهجورة وأدوات متروكة وبيوتا ~~خالية، فيأخذون ما شاءوا ويتركون ما شاءوا، حتى إذا أمسى عليهم المساء يحطون رحالهم فيأكلون ~~وينامون ثم ينهضون، فلما وصلوا بواتيه، لم يلاقوا منها مقاومة كبيرة؛ لأن معسكر أود كان قد ~~بعد عنها، وقليل من الجند من دخل المدينة؛ لأن مقصدهم كان مدينة تورس قاعدة تلك الناحية ~~وعندها جند الإفرنج. # وأنبأهم الخبراء ذات الصباح أنهم أصبحوا على مرحلة من نهر لوار، فاستراحوا وأصلحوا شئونهم ~~وساروا - وعبد الرحمن وهانئ يتقدمان الجند - نحو ميل ومعهما كبير الخبراء لاستكشاف مواقع ~~العدو قبل النزول، وليختاروا مكانا يعسكرون ms162 فيه، وفي أصيل ذلك اليوم صعدا على رابية على ~~ضفة نهر شير ووليا وجهيهما نحو الشرق فكان نهر لوار إلى يسارهما عن بعد والشمس وراءهما ~~فنظرا إلى ما بين أيديهما شرقا، فأشرفا على سهل واسع مثلث الشكل قاعدته ضفة نهر لورا إلى ~~يسارهما ورأس المثلث في الجنوب وشاهدا عنده خياما وأعلاما، فعرفا أنه معسكر الدوق أود، ~~وبين هذا المعسكر وضفة نهر لوار سهل واسع، طوله نحو ميلين، يصلح ميدانا للقتال لخلوه من ~~الأغوار، حتى ينتهي عند قاعدة المثلث بالأبنية على ضفة النهر وأقربها إليها مدينة تورس ثم ~~محلة دير القديس مرتين، ومع بعدها عنهما فإنهما عرفاها من فخامة ديرها وقبة كنيستها، وشاهدا ~~وراء تلك المحلة مما يلي النهر حركة وغبارا عرفا مما يتخلل ذلك من الأعلام والخيول أنها ~~حركة جند قادم من جهة النهر فأمر عبد الرحمن رجلا في ركابه أن يمضي إلى جند المسلمين ~~فيأمرهم بالوقوف حيث هم ريثما يعود من هذا الاستكشاف، ثم التفت إلى الخبير وكان من الإفرنج ~~وقد تعلم العربية وقال: «أليس هذا دير القديس مرتين؟» # قال الخبير: «بلى، يا مولاي، هذا هو أغنى الأديرة النصرانية في هذه البلاد.» # قال: «وما الذي تراه وراءه؟» # قال: «أرى جند الدوق شارل يعبر النهر من ضفته الشمالية إلى الضفة الجنوبية، وقد علمت من ~~رجل لقيته في هذا الصباح قادما من محلة هذا الدير أن الدوق المذكور أخذ منذ بضعة أيام في ~~نقل رجاله على جسور من السفن، ولم يفرغ بعد لكثرة ما بها من الرجال والأحمال.» # قال: «ألا يعرفون عدد جنده؟» # قال الخبير: «لم يحصوه، ولكن لا ريب عندي أن الدوق شارل جرد كل ما يستطيع تجريده من قبائل ~~الإفرنج في أوستراسيا وما وراءها لعلمه بشدة بأس المسلمين وقوتهم، ولأن على حربه هذه يتوقف ~~إما امتداد سلطانه على فرنسا كلها أو خروج أوستراسيا من يده.» # فقال هانئ: «وسيتحقق الأمر الثاني بإذن الله.» # فاعترض عبد الرحمن كلامه قائلا: «أليس ما نراه إلى يميننا في الجنوب معسكر الدوق أود ~~شريد مضيق ms163 دردون؟» # فضحك الخبير وقال: «بلى يا سيدي، وهو شريد على كل حال؛ لأنه سواء انتصر عبد الرحمن أو ~~شارل فإن سلطانه على أكيتانيا سيخرج من يده إما لكم وإما لشارل، فحاله تستوجب ~~الشفقة.» # فاكتفى عبد الرحمن بما سمعه، وفكر في اختيار مكان يعسكرون فيه فقال هانئ: «لا أرى لنا ~~مكانا نعسكر فيه خيرا من النقطة التي نحن فيها، فنقطع هذا النهر الصغير (شير) ونعسكر ~~وراءه فنكون على بعد واحد تقريبا من هذين الجيشين، وإذا تضاما فنكون متقابلين ويكون هذا ~~الماء وراءنا فإذا قضت الحرب أن نقهر - لا سمح الله - قطعنا النهر وجعلناه خندقا بيننا ~~وبينهم.» # فأعجب عبد الرحمن برأي هانئ وابتسم له ابتسام والد سمع من ابنه عبارة تدل على الذكاء، ~~وقال: «لقد رأيت الصواب وأزيد على ذلك أن نترك أثقالنا وأحمالنا ونساءنا هنا ولا يقطع النهر ~~إلا الرجال المحاربون فنكون في اطمئنان على أموالنا وأعراضنا، وأرى أن نترك هنا أيضا ~~الغنائم التي أثقلت رجالنا فيذهبون إلى الحرب خفافا، وقد أخبرتك بأن أمر هذه الغنائم أقلق ~~راحتي، فإذا لم نقنع رجالنا وخصوصا البرابرة بالتخلي عنها يوم الحرب كانت سببا في فشلنا، ~~وأنت تعلم أن الرجل إنما يغلب بخفة حركته.» # الفصل السادس والستون # | مشكلة الغنائم # قال هانئ: «لنعقد مجلسا - إذا أمرت - نحدث الأمراء فيه ونقنعهم بوجوب التخلي عن الغنائم ~~ونبين لهم ما يترتب على حملها من الأضرار ونرى ماذا يكون.» وكان في ركاب عبد الرحمن أيضا ~~صاحب النفير (البوق) فأمره أن يذهب إلى المعسكر فيخبر الأمراء بمبيت الجند هذه الليلة حيث ~~هم، ثم يدعو الأمراء إلى تلك الأكمة حيث كانا واقفين للبحث في موضوع المكان الذي سيعسكرون ~~فيه فأسرع الرسول، ولم تمض هنيهة حتى تقاطر الأمراء على جيادهم، فلما وصلوا نزل عبد الرحمن ~~عن جواده وهانئ عن أدهمه، فنزل سائر الأمراء وسلموا جيادهم إلى الخدم، ووقفوا على تلك ~~الرابية فأطلوا على سهل تحف به تورس ومحلة القديس مرتين من الشمال إلى يسارهم، ومعسكر أود ~~من الجنوب إلى يمينهم فقص عليهم عبد ms164 الرحمن ما خطر له بشأن المكان الذي يعسكرون فيه بحيث ~~يكون الماء وراءهم إلى أن قال: «وأستشيركم في أمر هام أظن أن فيه خيرا لنا، وهو ألا يعبر ~~هذا النهر منا غير الرجال المحاربين، وأن نترك النساء والأحمال هنا ومعهم من يحميهم فما ~~رأيكم؟» # فقال اثنان من أمراء القيسية: «لقد رأى الأمير صوابا.» فوافق سائر الأمراء على ~~ذلك. # فقال عبد الرحمن: «وهناك أمر ذو بال طالما خشيته على هذا الجند، وذلك أن جندنا قد أصبح من ~~كثرة ما أفاء الله على المسلمين من الغنائم مثقلا بالتحف والأموال، حتى لقد يتعذر على ~~الرجل أن يحمل غنائمه فكيف يستطيع القتال بها؟ فالذي أراه أن نجعل الغنائم المذكورة في مكان ~~أمين في جملة ما سنخلفه هنا عند ذهابنا في الغد، فنجعل تلك الذخائر والتحف في خيمة خاصة ~~يحرسها من تثقون به من رجالكم، كما فعلنا بقرب بوردو.» # فلم يتم عبد الرحمن كلامه حتى اعترضه شاب من أمراء البربر قائلا: «أما نحن فلا نوافق على ~~هذا الرأي، ولا تذكرونا بما أصابنا في بوردو على أثر مثل هذا العمل، فقد احتفظنا بالغنائم ~~هناك حسب أمركم فكانت النتيجة أننا خسرنا أكبر أمرائنا وأشجع رجال هذا الجند.» # فلما سمع عبد الرحمن تلك العبارة، وما تنطوي عليه من التعريض بمقتل بسطام مع ما تدل عليه ~~من الضغينة والحقد خشي الانقسام إذا هو اعترض عليه أو وبخه لعلمه أنه لم يجسر على هذا القول ~~إلا وهو مدفوع من جماعة، فتظاهر عبد الرحمن بالسذاجة والأسف وقال: «في الحقيقة إننا خسرنا ~~في تلك الوقعة خسارة يصعب تعويضها؛ لأن الأمير بسطاما يندر أن يجود الزمن بمثله ولكنني لا ~~أرى علاقة بين مقتله والغنائم.» ثم التفت إلى جمهور الأمراء وقال: «أظنكم توافقونني على ~~تناسي ذلك الحادث والاشتغال بما هو أهم منه، وقد عرضت عليكم رأيا فإذا كنتم ترون فيه خطأ ~~فبينوه؛ لأن الهدف واحد، والمصلحة واحدة.» # فتهامس الأمراء وتداولوا مليا ثم قال أحد أمراء اليمنية: «أرى الأمير على صواب في رأيه؛ ~~لأن الرجل ms165 منا لا يستطيع الحرب وهو مثقل بالأحمال، وإذا خسر الإنسان غنيمته وانتصر في حربه ~~عوض أضعافها.» # فوافق على ذلك كثيرون ولحظ هانئ أن البربر لا يزالون يلوذون بالصمت، فخشي الفشل فقال: ~~«وأزيد على ما قاله الأمير أننا إذا انتصرنا في هذه الوقعة كانت غنائمنا فوق ما تدركه ~~العقول؛ لأن الدوق قارله (شارل) صاحب هذا الجند وأشار إلى جند شارل قد حمل معه كل ما في ~~بلاده من التحف وكل ما في الأديرة والكنائس والقصور، فإذا انتصرتم عليه ظفرتم بالغنى والفخر ~~والسعادة.» قال ذلك بلهجة تحمل كل معاني الإخلاص، وهو يبتسم ويتفرس في وجوه الأمراء. # فلم يجد أمراء البربر ما يدفعون به قوله، فتكلم شيخ من أمرائهم قائلا: «لا ريب في أن ~~الجندي لا يستطيع الحرب إلا إذا كان خفيفا، ولكن من لنا بمن يقنع أفراد الجند بأن يتركوا ~~غنائمهم التي ظفروا بها بعد شق الأنفس وهم لا يطمعون في إمارة أو قضاء وإنما ربحهم من هذه ~~الحرب ما يرجعون به من الغنائم، فعندي أننا بدلا من أن نترك الغنائم هنا نحملها معنا في ~~صباح الغد ونجعل لها مكانا بجانب معسكرنا ، فإن ذلك أيسر على أصحابها من أن يتركوها في مكان ~~يحول بينهم وبينه نهر.» # الفصل السابع والستون # | رسول أمين # فلم ير عبد الرحمن بدا من الموافقة فعادوا إلى المعسكر وباتوا تلك الليلة هناك، ~~وأصبحوا في اليوم التالي وأخذوا في عبور النهر إما خوضا أو سيرا على قوارب نصبوها عرضا، ~~وكان ذلك النهر جدولا صغيرا لا يعد شيئا بالنسبة إلى نهر لوار وهو يصب فيه فعبر أولا ~~عبد الرحمن وهانئ ليعينا أماكن الخيام فوقفا على مرتفع أطلا منه على ذلك السهل، وأخذا في ~~تعيين الأماكن والجند يشتغلون في نصب الخيام وغرس الأعلام إلى قرب الأصيل فلاحت من هانئ ~~التفاتة وهو ينظر إلى الأفق فرأى شبحا يعدو نحوهما عدوا سريعا، فتعلق ذهنه به وجعل يتفرس ~~فيه فرأى عليه ملابس الرهبان فازداد استغرابا، ثم رآه قد سقط على الأرض وهو يشير بيديه نحو ms166 ~~هانئ، فركض هانئ فرسه حتى وقف عنده فإذا هو حسان خادم سالمة وقد استلقى على ظهره وقبض بإحدى ~~يديه على جنبه كأنه يشكوا ألما هناك وأمسك بيده الأخرى شيئا أومأ به نحو هانئ. # فترجل هانئ، وأراد أن يساعد حسانا على الجلوس، فأشار له بعينيه أن يتركه، فسأله عن أمره ~~فقال بصوت متقطع وهو يلهث وقد ضغط بكفه على جنبه من شدة الألم: «أرسلتني مولاتي سالمة ~~برسالة إلى الأمير عبد الرحمن من دير القديس مرتين فحملتها (وأشار بيده والرسالة فيها) حتى ~~إذا خرجت من الدير ورأيت أعلامكم عن بعد أسرعت نحوكم، فما شعرت إلا ونبل أصابني في جنبي من ~~خائن أظنه عدلان الأحول فأيقنت أني ميت فأسرعت حتى أدرككم بهذه الرسالة؛ لأنها في غاية ~~الأهمية فسقطت قبل أن أصل إليكم وهذه هي الرسالة.» # ثم انقطع صوته وتزايد ألمه وأغمض عينيه وأرخى يديه، فناداه هانئ فلم يجب، وكان عبد الرحمن ~~قد شاهدهما فأسرع إليهما وسمع كلام حسان، فلما رآه على تلك الحال أسف لحاله أسفا شديدا ~~وكذلك هانئ، وترجح عنده أنه ميت، ولكن الأمل لا ينقطع من الحياة طالما بقي نفس يتردد ، فأشار ~~عبد الرحمن إلى هانئ أن يستقدم أحد الأطباء. # فركب بنفسه على أدهمه وركض نحو الجند، وصاح: «هاتوا طبيبا.» وبعد قليل جاء الطبيب وهو من ~~نصارى الأندلس وقد قضى في خدمة العرب زمنا طويلا، فأسرع إلى حسان وجس نبضه فإذا هو ميت لا ~~حراك به، فطلب إليهم أن يدبروا أمر غسله ودفنه، فحملوه إلى خيمة خاصة بذلك. # أما عبد الرحمن فتناول الكتاب وفضه وأخذ يتلوه وهانئ يسمع، فإذا فيه: # إلى الأمير عبد الرحمن الغافقي # أكتب إليك من دير القديس مرتين وقد وصلت إليه بعد مشقات يطول شرحها سأقصها عند ~~اللقاء القريب إن شاء الله، وإنما بعثت هذه الرسالة لأخبرك بأمر هام، اطلعت عليه في ~~أثناء سياحتي هذه وهو أن المرأة التي تسمي نفسها ميمونة إنما هي لمباجة بنت الدوق ~~أود وقد نصبت لي الحبائل الكثيرة في أثناء هذه الرحلة، وهي ms167 التي حرضت أباها على ~~استنجاد صاحب أوستراسيا بكتاب أرسلته مع خادمها الأحول، فاحذروها وافعلوا بها ما ~~شئتم، ثم إني أبشركم بأن رئيس هذا الدير ناقم على شارل وقد وعدني بالمساعدة ولكنه ~~استبقاني عنده رهينة، وأنا في أمن وإكرام، أطلب لكم النصر، وأوصيك بفلذة كبدي مريم، ~~والسلام. # سالمة # فما جاء على آخر الكتاب حتى بغت، فنظر إلى هانئ ثم أعاد النظر إلى الكتاب، وقد أخذت منه ~~الدهشة مأخذا عظيما، فقال هانئ: «لم أكن أعتقد في هذه الملعونة خيرا، وكنت مع فرط جمالها ~~أشعر بنفور من منظرها لسبب لا أعلمه، فكأن قلبي دلني على حقيقتها وكثيرا ما كنت أستغرب ~~إكرامك لها.» # فقطع عبد الرحمن كلامه قائلا: «كنت أراعيها على حذر ولم أثق بها قط، ولكنني كنت أتوقع ~~منها نفعا في أثناء حروبنا؛ لأنها من أهل هذه البلاد وقد قضي الأمر الآن، فيجب أن نتدبر في ~~شأنها، فما الذي ترى أن نفعله؟» # قال: «أرى أن نقتلها حالا ونريح أنفسنا منها.» # قال: «سننظر في ذلك بعد الفراغ من ترتيب هذا المعسكر.» # قال ذلك وركب جواده وتحول نحو الجند لإتمام ترتيبهم، فجعل معسكره في نحو ثلث الضلع الممتد ~~بين تورس ومعسكر أود وجعل فسطاطه في وسط المعسكر نحو الأمام وبجانبه خيمة هانئ، يليها ~~بالترتيب مضارب القبائل كل قبيلة على حدة وخيمة أميرها في وسط خيامها، وراية الأمير مغروسة ~~في باب خيمته، وقد يكون للقبيلة الواحدة عدة أمراء وعدة رايات باعتبار البطون والأفخاذ وجمع ~~بين القبائل المتقاربة في النسب المضرية في جانب واليمنية في جانب، وجعل البرابرة في جانب ~~آخر جنوبي المعسكر ببقعة اختاروها هم، وعبد الرحمن يسايرهم؛ لأنهم أكثر فئات الجند عددا ~~فترتبوا باعتبار قبائلهم وبطونهم، وكذلك الأمم الأخرى من الأنباط والشوام وهم أقل سائر ~~الفئات ثم أمر بالغنائم أن توضع في خيام نصبوها لها بجانب المعسكر من جهة الجنوب، وقد طلب ~~البرابرة ذلك لتكون غنائمهم أقرب إلى مضاربهم، كأنهم خافوا أن يسطوا عليها العرب ويأخذوها ~~منهم، ونصبوا مرابط الخيل وراء المعسكر مما يلي النهر ms168 الصغير. # وكان هانئ في أثناء ذلك الترتيب يطوف المعسكر لمساعدة عبد الرحمن، وهو يفكر فيما قرأه عن ~~ميمونة وسالمة، وخطر له أن مريم إذا عرفت بمقام والدتها في ذلك الدير ربما طلبت الذهاب ~~إليها، فارتاح إلى ذلك الخاطر لاعتقاده أنها تكون هناك في مأمن على حياتها لو قضي على العرب ~~بالهزيمة، على أنه ترك الاختيار لها وإن كان لا يقوى على فراقها. # الفصل الثامن والستون # | لمباجة # قضوا ذلك اليوم واليوم التالي في الانتقال والترتيب، حتى لم يبق في الضفة الأخرى غير ~~الأخبية والأحمال الثقيلة ونحوها، وفي أصيل اليوم التالي، سار عبد الرحمن وهانئ معا إلى ~~الأخبية لمحاكمة ميمونة سرا، وكان هانئ لا يرى باعثا على المحاكمة ولو ترك الأمر له لقطع ~~رأسها بسيفه بغير سؤال ولا جواب، أما عبد الرحمن فأراد أن يتصرف بحكمة وتؤدة فلما وصلا إلى ~~الخباء الأكبر ترجلا ودخلا القاعة، وبعث عبد الرحمن إلى القهرمانة فجاءته بخلاخلها ودمالجها ~~وهي تترجرج في مشيتها كأنها في أحد قصور طليطلة، فلما وصلت إلى عبد الرحمن حيته، فقال: «أين ~~ميمونة؟» # قالت: «لم أشاهدها منذ مساء الأمس وأظنها مع مريم في غرفتها .» # قال: «ابعثي إليها أن تأتينا وحدها.» # فصفقت القهرمانة فجاءها أحد الصقالبة الخصيان فقالت: «اذهب إلى السيدة ميمونة، وقل لها إن ~~الأمير عبد الرحمن يحتاج إليها.» وقد كلمته بألفاظ عربية مشوشة على نحو ما ينطق بها الغرباء ~~عن اللغة إذا تعلموها التقاطا من أفواه الناس، شأن أولئك الصقالبة والإفرنج وأمثالهم ممن ~~كانوا في خدمة العرب في تلك الأيام. # فأشار الصقلبي برأسه إشارة الطاعة، وخرج ولبثوا في انتظاره، وهانئ يود الانصراف ليرى مريم ~~ويخبرها عن والدتها ويكون هو أول من يخبرها بذلك - وفي هذا السبق لذة يشعر بها كل إنسان ~~وخصوصا بين المحبين - فإن الرجل إذا سمع خبرا جديدا وهو بعيد عن زوجته أو حبيبته، فإنه ~~يشعر بميل شديد إلى إطلاعها عليه، وإذا كان ما سمعه من قبيل السر كان أشد رغبة في مكاشفتها ~~به، وكلما بالغوا في تحريضه على كتمانه ازداد ms169 رغبة في كشفه، وهو لا يعد ذلك إفشاء للسر؛ ~~لأنه يكاشفها به سرا ويوصيها بأن تكتمه، وربما كان السبب في لذة المكاشفة شعور الحبيبين ~~بالامتزاج قلبا وروحا، بحيث لا يليق التكتم مع ذلك الامتزاج وزد على ذلك أن المساواة تزيد ~~في توثيق عرى المودة، فإذا تواد اثنان تزداد الرابطة بينهما وثوقا إذا اطلعا على سر لا ~~يعلم به سواهما، ولهذا السبب كانت المحافظة على الأسرار الماسونية من أقوى أسباب ثباتها وإن ~~لم تكن تلك الأسرار مهمة، فما بالك إذا سمع المحب خبرا يتعلق بشخص حبيبه كما كان الحال مع ~~هانئ، فإن الخبر متعلق بمريم نفسها فلا غرو إذا رأيناه شديد الميل إلى مكاشفتها. # على أنه كان من ناحية أخرى يريد البقاء مع عبد الرحمن بعد مجيء ميمونة ليحرضه على قتلها، ~~وقد طال غياب الرسول، فبعثت القهرمانة رسولا آخر وآخر، وبعد برهة عاد الرسول الأول وحده ~~وهو يقول: «بحثت عن السيدة ميمونة في كل مكان، فلم أقف لها على أثر.» # فبغت عبد الرحمن وهانئ أكثر من بغتة القهرمانة لعلمهما بما لم تعلمه، فقال عبد الرحمن: ~~«وأين ميمونة يا خالة؟» # قالت: «ربما كانت في شغل وستعود منه قريبا.» # قال: «إني أريد مقابلتها الساعة، اذهبي أنت للبحث عنها.» # فنهضت وهي تقول: «لم أرها منذ غروب شمس الأمس وليس أحد أعلم برواحها وغدوها من مريم.» ثم ~~خرجت وهي تتمايل وتتدحرج، وطال غيابها ثم عادت ومريم معها وهي تقول: «لم أجدها في أي مكان ~~فهي بلا شك في غير هذه الأخبية.» # ولما دخلت مريم فاحت رائحة طيبها، وابتسم لها عبد الرحمن رغم غضبه من ميمونة وخوفه من ~~فرارها بعد أن عرفت حقيقتها وكان في وجه مريم من المعاني والملامح ما لا يستطيع معها الناظر ~~غير الإعجاب بها والانشراح لرؤيتها، فكيف بهانئ بعد أن ملكت فؤاده واستولت على عواطفه حتى ~~أصبح يغار عليها من النسيم، فأصبح عند دخولها كله آذان وعيون يرقب ما يبدو منها أو من عبد ~~الرحمن عند المقابلة، ولا مسوغ لتلك الغيرة غير ms170 الحب الشديد؛ لأن الحب يدعو إلى الغيرة حتى ~~من أقرب الناس نسبا وأبعدهم شبهة، وهاك لسان حال المحب الغيور يخاطب حبيبته: # أغار عليك من نظري ومني # ومنك ومن خيالك والزمان # ولو أني وضعتك في عيوني # إلى يوم القيامة ما كفاني # أما عبد الرحمن فما لبث أن ابتسم لمريم وأمرها بالجلوس، ثم ابتدرها بالسؤال عن ميمونة ~~فقالت: «لم أشاهدها منذ مساء الأمس، وقد قضيت كل ما مضى من هذا النهار وأنا أبحث عنها؛ ~~لأنها رفيقتي ومعزيتي على غياب والدتي.» # فقال: «وهل عرفت سببا يدعو إلى خروجها؟» # قالت: «لم أعرف شيئا من هذا القبيل، ولكنني رأيت منها ما يدل على الاضطراب والقلق منذ ~~أصيل الأمس، فلم أعبأ بذلك ولا سألتها عن سببه.» # قال: «هل رأيت أحدا جاءها بكتاب أو خطاب في صباح الأمس؟» # قالت: «لم أشاهد غير بعض الخدم ممن تعودوا خدمتها.» # قال: «هل كان بينهم عدلان الأحول؟» # قالت: «نعم وكان قد مضى علي مدة لم أشاهده.» # فلما قالت ذلك تبادل عبد الرحمن وهانئ نظرتين تفاهما بهما، فتحققا أن عدلان، بعد أن رمى ~~حسانا بالنبال، جاء إلى ميمونة وحرضها على الذهاب إلى أبيها خوفا من انكشاف أمرها. # الفصل التاسع والستون # | هانئ ومريم # وكانت مريم تنظر إلى هانئ وتتوسم في وجهه خبرا، وخاصة بعد تلك الأسئلة، وكانت القهرمانة ~~قد خرجت ولم يبق هناك غير مريم والأميرين فنظرت مريم إلى هانئ نظرة فيها غنى عن كل حديث ~~ففهم أنها تسأله عما يكتمانه، فالتفت إلى عبد الرحمن، فرآه مستغرقا في التفكير فقال له: ~~«الأرجح أن تلك الخائنة علمت بافتضاح أمرها ففرت إلى أبيها، ولكنها لن تنجو من حد هذا السيف ~~بإذن الله.» # فبغتت مريم لما سمعته؛ لأنه يناقض اعتقادها في ميمونة وظهرت البغتة على وجهها بما تصاعد ~~إليه من الدم، وأبرقت عيناها والتفتت إلى هانئ وسألته قائلة: «وما الذي حدث حتى استوجبت هذه ~~المسكينة غضب الأمير، وعهدي أنها من أشد الناس غيرة وأصفاهم سريرة؟» # فالتفت هانئ إلى عبد الرحمن وقال: «هل تأذن لي بذلك الكتاب؟» ms171 # فاستاء عبد الرحمن من تسرع هانئ في طلب الكتاب؛ لأنه لم يكن ينوي إطلاع مريم عليه خوفا ~~من قلقها على والدتها، ولم يبد استياءه مراعاة لإحساس هانئ، ولكنه أنكر الكتاب وتظاهر أنه ~~لا يعرف مكانه فازدادت مريم قلقا واضطرابا، وسبق إلى خاطرها أن لذلك التكتم سببا يسوءها ~~ذكره، ولم يخطر ببالها شيء غير والدتها، فصاحت بلغتها المعهودة ولم تستطع إمساك عواطفها: ~~«ما الذي تكتمانه عني؟ هل أصاب والدتي شغ (شر)؟ أين هي؟» قالت ذلك وأجهشت بالبكاء. # فأثر منظرها في هانئ، فقال: «أطمئنك يا مريم إن والدتك في خير وأمان.» # قالت: «وأين هي؟» # قال: «هي في هذا الدير.» وأشار إلى دير القديس مرتين. # قالت: «ولماذا لم تأت إلى هنا، لعلها مريضة أو مسجونة أو ماذا؟» # فتظاهر عبد الرحمن عند ذلك بالبحث عن الكتاب حتى وجده فدفعه إليها وهو يقول: «هذا هو ~~كتابها، وفي قراءته جواب كاف.» # فتناولته بلهفة، فلم تستطع رؤية الأحرف مما غشي عينيها من دموع البغتة والخوف والأمل ~~والفرح معا، فمسحت عينيها بكمها وقرأت الكتاب حتى أتت على آخره، ولما وصلت إلى قولها: ~~«وأوصيك بفلذة كبدي مريم.» صاحت: «أماه !» وقد خنقتها العبرات، ثم أعادت النظر إلى ما ذكرته ~~عن ميمونة فبغتت وحسبت نفسها في حلم، ثم رفعت رأسها إلى عبد الرحمن وقد تحول حنانها النسائي ~~إلى غضب وقالت: «قبح الله تلك الخائنة قد فهمت الآن سبب اختلائها بذلك البربري الأحول في ~~مساء الأمس ولكنها ستذوق جزاء تلك الخيانة إن شاء الله.» ثم سألته عمن حمل ذلك الكتاب لكي ~~تقابله وتستزيده من أخبار والدتها، فقص عليها هانئ ما كان من أمره وأنه مات ودفنوه، فأسفت ~~عليه كثيرا حتى بكت، ولولا انشغال خاطرها بخيانة ميمونة والشوق إلى والدتها لندبته كثيرا؛ ~~لأنه رباها منذ طفولتها، وكان ضنينا بها حريصا على راحتها وراحة والدتها، ولكنها كانت في ~~قلق عظيم على والدتها، وأصبحت لا تصبر عن رؤيتها فنظرت إلى عبد الرحمن بعينين يغشاهما ~~الدمع، وتوسلت إليه بصوت يمازجه ذلك السؤال قائلة: «ألا يسمح لي ms172 الأمير بالمسير إلى والدتي ~~لأشاهدها وأقبل يدها ثم أعود؟» # فتأثر عبد الرحمن لسؤالها ولم يسعه إلا الإجابة فقال: «لا أمنعك من الذهاب إليها ولكنني ~~أحب أن أحافظ على وصيتها، وقد رأيت أنها ختمت هذا الكتاب بك.» # فقالت: «لا بأس علي بإذن الله، والطريق سهل والمكان قريب وكأني أرى الدير من ~~هنا.» # فقال هانئ: «لا نخاف عليك بأسا بعدما شاهدناه منك في مضيق دردون، ولكنني أرى أن أسير في ~~ركابك حتى تبلغي باب الدير وأعود.» قال ذلك بنغمة التصميم القاطع، فاستحسن عبد الرحمن رأيه ~~فقال: «إذا كان لا بد من الذهاب فانهضا الآن حتى تصلا قبل الغروب، هل يحتاج هانئ إلى أن ~~أستحثه لسرعة الرجوع؟ أما مريم فلا بأس من بقائها هناك، بل إن الدير أكثر أمانا ~~عليها.» # ففرح هانئ بتلك المهمة فنهض وأمر بفرس لمريم، فلبست ثوبها والتفت بعباءتها وركبت وركب ~~هانئ والتف بعباءته وأصلح عمامته وساقا الجوادين سوقا حثيثا، وقطعا النهر الصغير على جسر ~~مما نصبوه بالأمس، وسارا نحو الشمال الشرقي يلتمسان دير مرتين فبعد أن ركضا جواديهما برهة ~~أمسكاهما ومشيا متحاذيين وقد حلت لهما تلك الخلوة فأراد هانئ مداعبة مريم، فقال لها: ~~«أتعلمين ما وراء هذه الأبنية؟» # قالت: «النهغ الكبير (النهر الكبير) و... # قال: «وما اسمه؟» # قالت: «نهر لوار.» بلفظ الراء غينا، ولم تكد تنطق بهذين اللفظين حتى فطنت للموعد المضروب ~~لاقترانهما هناك، فخجلت وحولت وجهها إلى عرض البر وأرادت تغيير الحديث فقالت: «وكأني أرى ~~جند الدوق شارل آتيا نحونا.» # فبغت هانئ وتفرس في الغبار المتصاعد وراء محلة الدير وقال: «لا أشك أنك ترين معسكر الدوق ~~شارل أما الغبار المتصاعد فوقه فليس نتيجة السير، ولكنهم يلاعبون خيولهم على سبيل التمرين.» ~~قال ذلك وأخذ يفكر فيما يتوقعه من القتال الهائل في تلك الساحة، ولكنه كان شديد العزم قوي ~~القلب؛ لأنه لم يصادف هزيمة في قتال بعد، ولذلك فأول ما يسبق إلى ذهنه عز الانتصار. # الفصل السبعون # | سالمة في الدير # وبينما هو يفكر في ذلك إذ سمع جرسا يقرع، فأصاخ ms173 بسمعه فابتدرته مريم قائلة: «هذا جرس ~~الدير؛ لأننا على مقربة منه.» وكانت الشمس قد دنت من المغيب ولو التفتا إليها لرأيا شكلها ~~يتجسم، وجرمها يتعاظم، وحدتها تنفثئ حتى يخيل لهما إذا لمساها أنها لا تلدغ ولكنهما كانا في ~~شغل عن ذلك بغبار رأوه يتصاعد في بعض السهول من جهة الجنوب قرب معسكر أود كأن خيالة يسوقون ~~أفراسهم، فحملا ذلك على ما شاهداه من معسكر شارل، ووصلا في الغروب تماما إلى باب الدير ~~فقرعه هانئ فأطل الراهب البواب، فقالت له مريم بالإفرنجية إنها تسأل عن ضيفة هناك، فنزل ~~وفتح الباب ورحب بها واستغرب ملابس هانئ، وخصوصا عمامته؛ لأنه لم يكن رأى عربيا قط، وإن ~~كان قد سمع بمجيء العرب للحرب فترجلت مريم وهم هانئ بوداعها للرجوع، وقلبه لا يطاوعه على ~~ذلك الفراق، وكانت هي في مثل حاله فلما أراد وداعها نظرت إليه نظرة نفذت إلى قرارة قلبه ~~فتحول عن جواده، وهو يقول: «أرى أن أوصلك إلى والدتك، وأطمئن عليها وعليك، ثم أعود.» ~~فاستحسنت رأيه، وابتسمت، ومشت فمشى هو بعد أن أشار إلى أحد خدم الدير أن يمسك الجوادين، ~~فأخذهما البواب إلى الإسطبل، ولما دخلا من الباب الثاني استقبلهما راهب آخر وسألهما عما ~~يطلبانه فقالت مريم: «عندكم نزيلة اسمها سالمة؟» # فابتسم الراهب وقال: «نعم» وأشار إليهما فتبعاه حتى دخلا الدير وصعد بهما إلى علية سالمة، ~~وكانت سالمة لا تزال بعد إرسال حسان منفردة في تلك العلية، تارة تطل منها إلى النهر، وطورا ~~تجلس على الأرض تفكر في مريم، وقد ذاب قلبها لفراقها، وكانت لم تفارقها قبل هذه المرة قط، ~~ثم تنتقل بأفكارها إلى ما تكتمه في صدرها ولم يحن وقت كشفه، وتخشى أن يطول وقته أو تحول ~~الأقدار دون ذلك فتذهب مساعيها أدراج الرياح، ونهضت في صباح ذلك اليوم منقبضة النفس، فنزلت ~~إلى الكنيسة لاستماع الصلاة، وتخشعت في صلاتها كثيرا، ودعت لابنتها بالسلامة ثم صعدت إلى ~~عليتها فأحست كأنها في سجن، مع أنها في أحسن غرف الدير وأكثرها انطلاقا ولكن السجن سجن ms174 ~~الإرادة، فقد يحبس الإنسان نفسه بإرادته أياما في مكان مظلم وهو يعد نفسه مطلقا، فإذا حكم ~~عليه بالحبس يوما واحدا ولو في أفخم القصور فإنه يعد نفسه سجينا. # ولما عادت من الصلاة وصعدت السلم، حدثتها نفسها أن تطل على سهل تورس لعلها ترى رسولا ~~قادما، أو تتنسم ريح ابنتها حتى ترى معسكر العرب عن بعد فمشت حتى أطلت من سطح الدير على ~~ذلك السهل، وعرفت مكان كل من العرب والإفرنج فخفق قلبها لما تتوقعه من القتال هناك، ثم عادت ~~إلى عليتها، وقد أخذت هواجسها تتزايد فلما كان الغروب أحست بزيادة الانقباض وشعرت بضيق ~~وقنوط - وساعة الغروب أثقل ساعات اليوم على الإنسان، وهو حر طليق فكيف إذا كان سجينا - ~~فهمت بالخروج للصلاة، فسمعت وقع أقدام على السطح، فخفق قلبها ووقفت لترى ماذا يكون، فلما ~~سمعت الخطوات تقترب نحوها تزايد خفقان قلبها، وأخيرا سمعت قرع الباب وكأنهم قرعوا صدرها، ~~فنهضت وركبتاها ترتجفان وفتحت الباب، فاستقبلها الراهب وأشار بيده إلى رفيقيه، فلما رأت ~~ابنتها صاحت: «مريم» وألقت بنفسها عليها وجعلت تقبلها وتتحسس جسمها، والدموع تتساقط من ~~عينيها، حتى كاد يغمى عليها، ومريم تقبلها وتقبل يدها ودموعها تتساقط بهدوء ثم دخلتا العلية ~~وهانئ لا يزال بالباب فقالت مريم: «هذا هو الأمير هانئ جاء ليوصلني ويراك ثم يعود.» # فرحبت به وأثنت عليه ودعته للدخول فقال: «لا بد لي من سرعة الرجوع؛ لأننا في حال يدعو إلى ~~التيقظ كيف أنت؟ لقد وصلنا كتابك وشكرنا فضلك واهتمامك.» # قالت: «وماذا فعلتم بتلك الخائنة؟» # قال: «لم نجدها في المعسكر مع أنها كانت فيه إلى الأمس يبدو أنها علمت بكتابك ففرت إلى ~~أبيها.» # فضربت سالمة كفا بكف وصاحت: «نجت الملعونة! الظاهر أن شيطانها الأحول أخبرها بخبرنا، ~~فأيقنت باكتشاف أمرها فهربت.» # فقالت مريم: «قبح الله ذلك الأحول فإنه السبب في شرور كثيرة ولو علمت ما فعله هذا الشيطان ~~لحزنت.» # قالت سالمة: «وما الذي فعله؟» # قالت مريم: «إنه رمى حسانا بالنبال، وهو ذاهب من عندك فأصاب جنبه، فقاوم ذلك المسكين ~~آلامه وأسرع ms175 حتى أدرك معسكر العرب وهو في آخر رمق من الحياة، فبلغ الرسالة ومات.» # فصاحت سالمة: «مات؟ حسان مات؟» # قالت مريم: «نعم يا أماه مات أشرف ميتة مات شريفا أمينا صادقا وقد قاموا بواجب غسله ~~ودفنه رحمه الله.» # فأطرقت سالمة وسكتت ثم هزت رأسها وهي تقول بصوت خفيض: «مسكين حسان مات ولم يشاهد حفيده ~~بعد أن علم ببقائه حيا، ولا شاهد نتيجة انتظارنا الطويل لهذه الوقعة الهائلة.» # الفصل الحادي والسبعون # | دعوة خطرة # وكان هانئ قد دخل الغرفة وذهب الراهب فأتاهم بالشمع فأضاءوه وغرسوه في مشمعة ناتئة من ~~الحائط وعاد الراهب، وكانت مريم تفكر في صلتها بهانئ؛ لأنها أحبته ووالدتها لا تعلم، وقد ~~أوصلها إلى أمها وسيرجع قريبا ولا طاقة لها بفراقه، وهي تريد أن تستطلع رأي والدتها بشأنه، ~~فإذا لم توافقها على حبه كانت المصيبة كبيرة عليها، وأرادت من ناحية أخرى أن تشغلها عن حديث ~~حسان، فقالت: «ألا تعرفين الأمير هانئا يا أماه؟» # فابتسمت وقالت: «كيف لا أعرفه؟ أليس هو الذي أنقذنا من ذلك الأمير البربري؟» # قالت: «بلى وهو أكبر أمراء جند العرب بعد الأمير عبد الرحمن، والأمير عبد الرحمن يحبه ~~ويعتمد عليه؛ لأنه أمير الفرسان ويده اليمنى في تدبير الجيش.» # فخجل هانئ من هذا الإطراء وأحب أن يعترض ليخفي خجله، فلم تمهله سالمة فقالت: «لم يخف ~~علي شيء من شأن هذا الأمير وقد صحبته في مهمة إلى أسقف بوردو ألا تذكرين ذلك؟» # فانشرح صدر مريم واطمأن بالها وهمت بالانتقال إلى ما وراء ذلك فسمعت دبدبة وضوضاء فتوقفت، ~~وأنصتوا جميعا ثم سمع هانئ جواده يصهل صهيلا متواصلا كأنه يطلب النزال فوقف هانئ وهو ~~يقول: «أرى جوادي يدعوني إلى النزال وهو ينبهني إلى سرعة الرجوع.» # وما أتم كلامه حتى سمعوا خطوات قادم على السطح، ثم فتح الباب ودخل الراهب رفيق حسان، ~~وكانت سالمة تحسب أنه قد سافر معه فلما دخل رحبت به ودعته للجلوس، فإذا هو يهم بالكلام ~~والبغتة ظاهرة في وجهه وكأنه أراد أن يتكلم فارتج عليه فظنته أمسك حياء من ms176 الحاضرين، فقالت ~~له بالإفرنجية: «تفضل يا حضرة الأب، أخبرنا بما عندك وليس هنا أحد غريب.» # فقال ولسانه يتلجلج: «كلفني رئيس هذا الدير أن أبلغك أمرا يعز علي أن أنقله ~~إليك.» # فخفق قلب سالمة ومريم، أما هانئ فلم يفهم شيئا؛ لأنه لا يعرف الإفرنجية ولكنه لاحظ من ~~تغيير الوجوه ما أقلقه، فقالت سالمة: «قل يا حضرة الأب.» # قال: «إن الدوق أود بعث بكوكبة من الفرسان بالعدة والسلاح وقد وصلوا إلى الدير ومعهم رسول ~~يحمل كتابا إلى حضرة الرئيس يطلب منه فيه أن يبعث بك إليه، ولما يعلمه الرئيس من دالتي ~~عليك فقد بعث إلي وأطلعني على ذلك الكتاب وتشاور معي في شأنه، فأشرت عليه أن يمتنع عن ~~تسليمك فأظهر أنه يرغب في ذلك من صميم فؤاده ولكنه يخشى العاقبة، وهو لا يدري لمن تكون ~~الغلبة في الحرب القادمة، وواجباته تقضي عليه أن يكون نصيرا للإفرنج، ثم كلفني أن أكون أنا ~~برفقتك من قبله لأوصي الدوق أود برعايتك، وإذا شئت أخذنا من الرئيس كتاب توصية بشأنك ~~أيضا.» # وكان الراهب يتكلم ولسانه يكاد يتلعثم، والتأثر باد في كل حركة من حركاته، وكانت سالمة ~~ومريم تصغيان وقد شخص بصرهما في الراهب كأنهما أصيبتا بالجمود، فلما فرغ من قوله وقف شعرهما ~~وخصوصا مريم، وكان هانئ ينظر إليهما ويقرأ تلك العواطف في وجهيهما، فلما فرغ الراهب من ~~الكلام قال هانئ: «ما الخبر؟» # قالت مريم: «إن الدوق أود بعث إلى رئيس هذا الدير يطلب والدتي منه.» # قال هانئ: «وماذا يريد منها؟» # قالت: «يطلبها لغرض لا نعلمه.» # قال هانئ: «لا تذهب.» # فقالت سالمة: «بل أرى أن أذهب؛ لأني لو أبيت الذهاب لأخذوني قهرا.» # فصاح هانئ: «قهرا؟ يأخذونك قهرا وهانئ معك؟ ذلك لا يكون أبدا.» # ووقف ويده على قبضة حسامه، وقد أخذ الغضب منه مأخذا عظيما. # ففرحت مريم بما أبداه هانئ من الحمية بشأن والدتها، ولم تكن هي أقل حمية منه فقالت: «كيف ~~نسمح يا أماه أن يأخذوك أسيرة ولو كانوا ألوفا إننا سندافع عنك إلى الموت.» # فقالت: «أعلم ms177 ذلك ولكن شروط الحرب تقضي علينا ألا نعرض أمير فرسان العرب وعمدة أمرائهم ~~لشرذمة من الإفرنج فربما أصابه أحدهم بنبل، كما أصابوا حسانا بالأمس، فيذهب الأمير هانئ ~~رخيصا - لا سمح الله - وهو عميد جند العرب وقائدهم ووساطة عقدهم فكأننا عرضنا الجند للخطر ~~فإذا كنتما تحبانني فأطيعاني فيما أقول ولا تخافا علي بأسا؛ لأني سأسير مكرمة، وسيكون ~~معي حضرة الراهب، وسأحمل من رئيس الدير كتاب توصية أو نحوه بحيث لا أخشى ضررا، بل أرجو أن ~~أخدم العرب وأنا هناك خدمة لا أستطيعها وأنا معكم ومع ذلك فلا حيلة في قضاء الله.» # فقال هانئ: «إنك تحاولين محالا هل أكون حاضرا وتساقين أنت أسيرة؟ لا يكون ذلك أبدا ~~والله لأعملن السيف في الإفرنج ولو كانوا ألوفا.» # فقطعت سالمة كلامه قائلة: «إذا فعلت غير ما أقوله فإنك تكدرني وأنا أعلم إنك لا تريد ذلك ~~إن الدوق أود يعرف عني أكثر مما تعرف أنت أو تعرفه ابنتي هذه وهو لا يطلبني إليه ليسوءني، ~~ولو كان غرضه ذلك لفعله وأنا سجينة عنده إلى الأمس، دعنا الآن من هذا البحث، وأرغب إليك ~~بشرف العرب وعز الإسلام أن تطيعني في ذلك، وقد آن لي الأوان أن أطلعكما على شيء جديد حفظته ~~سرا منذ أعوام.» ثم التفتت إلى الراهب وقالت: «قل لحضرة الرئيس إني أتأهب للخروج حسب أمره ~~بعد ساعة أو ساعتين لغرض لي مع ابنتي هذه قبل سفري.» # فحنى الراهب رأسه وخرج. # الفصل الثاني والسبعون # | سر جديد # وبعد خروجه نهضت سالمة وأصلحت رداءها كأنها تستعد للخروج، وجعلت تخطر في أرض الغرفة ~~ذهابا وإيابا ثم وقفت إلى النافذة وأطلت على النهر، ولبثت صامتة ومريم وهانئ ينتظران ما ~~تقول ويعجبان لتلك الحركة وذلك السكوت، ثم تحولت عن النافذة، وأقبلت إليهما وقد تغيرت ~~ملامحها وتقطبت أساريرها، وظهر الاهتمام في عينيها، وذهب ما كان يبدو على محياها من ~~الابتسام وقد تحول إلى هيبة وغضب فلما رآها هانئ على تلك الحال تهيب والتفت إلى مريم فرآها ~~أكثر اهتماما منه، ولكنهما ألجما عن الكلام ms178 وأصابهما ذهول، وأما سالمة فنظرت إلى مريم ~~وخاطبتها قائلة: «أتعرفين من هو والدك يا مريم؟» # قالت: «لا يا أماه.» وتوردت وجنتاها من الخجل، وبغتت لذلك السؤال على غير انتظار، ولم يكن ~~هانئ أقل استغرابا منها، ولكنه ظل صامتا ليرى ما يكون. # قالت سالمة: «أتعرفين من هي والدتك؟» # ثم التفتت سالمة إلى هانئ وقالت: «اعلم يا بني أني اؤتمنت على هذا السر منذ نحو عشرين ~~سنة، على ألا أبوح به إلا لقائد جند العرب بعد عبور هذا النهر، ولكن قضت الأحوال أن أبوح ~~ببعضه قبل ذلك الحين لأمير هو على ما أعلم يتلو القائد الأكبر، وللضرورة أحكام لقد ضاق صدري ~~عن كتمان هذا السر بعد هذا الزمن الطويل وقد استخرت روح ذلك العزيز صاحب هذا السر أن أكشفه ~~في هذه الساعة لابنتي ولك يا هانئ، على شرط أن تحتفظا به حتى تبلغاه إلى الأمير عبد الرحمن ~~بعد هذه الوقعة، وليس قبلها فأصغيا إلي.» # وكانت تتكلم وهانئ شاخص ببصره، ومريم يكاد الدم يجمد في عروقها لفرط تأثرها من منظر أمها، ~~وما شاهدته في وجهها من المعاني التي لم تلمسها من قبل. # فجلست سالمة وأصلحت ثوبها وأخذت تقص حديثها فقالت وهي توجه خطابها لمريم: «أنت تعلمين يا ~~مريم أن والدتك سالمة ولكنك لا تعرفين من هي سالمة هذه، وقد سألتك عن والدك فقلت إنك لا ~~تعرفينه؛ لأنه توفي وأنت طفلة ولم أذكره لك قط، ولم يكن أحد يعرف نسبك غير ذلك الشيخ ~~المسكين حسان وقد قتل، ولو أصبت أنا بنبلة لذهب هذا السر أدراج الرياح ولذلك عجلت في كشفه ~~لصاحبه، فاعلمي يا مريم أن أمك التي تسمينها سالمة هي أجيلا زوجة رودريك ملك الإسبان الذي ~~قتله العرب في وقعة فحص شريش منذ بضع وعشرين سنة عندما جاء طارق لفتحها. # وبعد أن قتل رودريك المسكين جاء موسى بن نصير فأتم الفتح حتى بلغ طليطلة، عاصمة إسبانيا ~~في ذلك الحين، وكنت أنا هناك فانطويت على نفسي بعد وفاة زوجي وأقمت مكرمة وعشت في هناء ورغد ms179 ~~كما كنت في أيامه، وكانوا يسمونني أم عاصم ولم يمسني أحد بسوء؛ لأن موسى - رحمه الله - كان ~~عادلا رفيقا يعلم كيف يفتح البلاد ولكن مدة حكمه لم تزد على بضع سنين إذ وشى به الواشون، ~~فاستقدمه الخليفة إلى الشام وسجنه، وكان نصب عيني موسى بعد أن فتح الأندلس وجمع غنائمها أن ~~يواصل بالفتح فيما وراءها حتى يبلغ القسطنطينية ويتقدم منها إلى الشام، ويفتح ما في طريقه ~~من البلاد حتى يصير البحر الأبيض محاطا بالمسلمين من كل جهة، ولو فعل ذلك يومئذ لكان هينا ~~على المسلمين؛ لأن البلاد كانت ضعيفة مفككة والحكام في انقسام. # فلما أخذ موسى إلى الشام استخلف على الأندلس ابنه عبد العزيز بن موسى (قالت ذلك وتنهدت) ~~وكان عاقلا حكيما عادلا، وقد أطلعه أبوه على ما كان في عزمه من فتح هذه البلاد التي ~~يسميها العرب الأرض الكبيرة، وكنت أنا لا أزال في طليطلة فلما تولى عبد العزيز ورآني ورأيته ~~أحبني وأحببته فطلب الزواج مني، ولم أكن أطمع في رجل أرفع منه مقاما، فقبلت على أن أبقى ~~على النصرانية، فرضي ولكنه علمني الإسلام فوجدته كثير الشبه بمذهب أجدادنا القوط ~~(الأريوسية) ثم انتقل بي إلى إشبيلية فأقمنا هناك بضع سنوات كان في أثنائها مثال العقل ~~والحزم، وقد أسر إلي أمورا كثيرة كان عازما على القيام بها خدمة العرب والمسلمين، أهمها ~~فتح هذه الأرض الكبيرة (أوروبا) وقد كان ذلك هينا كما قدمت، وخصوصا لعبد العزيز؛ لأنه - ~~رحمه الله - كان يعامل أهل البلاد بالعدل والحسنى والرفق، فأصبح الناس على اختلاف طوائفهم ~~يحبونه، وشاع ذلك عنه إلى أقصى بلاد النصرانية، ولو طال مقامه لفتح هذه البلاد في غير عناء؛ ~~لأن أهلها كانوا ينتظرون من يمكنهم من حقوقهم وحريتهم، ولا عبرة بمذهبه عندهم وكثيرا ما ~~كان عبد العزيز يحدثني عن رغبته في ذلك الفتح، وأنا أحثه على إكرام الأهالي والإحسان إليهم ~~وهو يطيعني لما يترتب على ذلك الإحسان من الكسب العظيم، وقد بذل جهده من الجهة الأخرى في ~~جمع كلمة المسلمين من العرب ms180 والبربر وغيرهم؛ لأنه بغير هذا الاتحاد لا يستطيع عملا. # وإنه لفي هذه الآمال إذ وشى به الحساد كما وشوا بأبيه واتهموه بأنه طامع في الملك لنفسه، ~~وقد بنوا أدلتهم على محاسنته أهل البلاد، وقالوا إني سيطرت على عقله حتى حملته على أن يرغم ~~أصحابه ورعيته على السجود له إذا دخلوا عليه، كما كان يفعل زوجي رودريك على زعمهم، ومن ~~مفترياتهم أني جعلته يفتح بابا قصيرا في مجلسه الذي يجلس فيه حتى إذا دخل أحدهم منه طأطأ ~~رأسه كالراكع، والله يعلم إنهم افتروا علي ذلك الافتراء ولم يفقهوا سر الأمر، ولما نفذت ~~الوشاية به عند الخليفة لم يوفدوه إليه كما فعلوا بأبيه ولكنهم دسوا له من قتله وهو في ~~المسجد وا لهفي عليه.» # وتوقفت عن الكلام برهة، ثم شرقت بريقها وهانئ ومريم كأنهما في حلم لا يجرؤ أحدهما على ~~التلفظ لئلا يقطع كلامها، فقالت وهي تنظر إلى مريم وتحاول الابتسام: «وكنت قد ولدت منه وقد ~~بلغت السنة الثالثة، وكان يحبك حبا لا مزيد عليه خلافا لمن ولد له من النساء الأخريات، ~~وكان لا يهنأ له عيش إلا إذا قبلك وضمك إلى صدره صباحا ومساء، وإذا رجع من مجلسه وأتى قصره ~~جعل يلاعبك ويبذل جهده فيما يرضيك حتى نسيني من أجلك، فلما علم بما نصبوه له من الحبائل ~~وتحقق من وقوع القضاء دعاني ليلة مقتله قبل نزوله إلى المسجد، فأتيته وأنت على ذراعي ~~فتناولك وجعلك في حجره وطفق يقبلك ويبكي بكاء مرا وهو يشهق شهيق الطفل، فانخرطت في ~~البكاء معه؛ لأني أحببته حبا كثيرا لما رأيته من صدق محبته وكبر نفسه وحسن قصده، وبعد أن ~~بكى وودعك نادى حسانا وأوصاه بي وبك ثم التفت إلي وقال: لقد أبى هؤلاء القوم إلا أن ~~يضيعوا تعبي ويفسدوا ما هيأته لدولتهم مما لم يكونوا يحلمون به، أما موتي فبقضاء الله وقدره ~~فلا اعتراض لي عليه، ولكنني أشفق على ما أضاعوه وسيضيعونه بقتلي مما دبرته لهم؛ لأني لا ~~أظنهم سيوفقون إلى رجل آخر يغار على الإسلام ms181 غيرتي ويهيئ له مثل ما هيأت من الظروف المساعدة ~~على الفتح وهي إرضاء الأهالي وجمع كلمة المسلمين وتوفر الأسباب الأخرى المؤدية إلى ذلك.» ثم ~~أشار إليك وقال: لو كانت هذه الحبيبة غلاما لأوصيتك بتربيته لهذه الغاية، سأموت في الغد ~~أسفا على الفرصة التي أضاعوها بجهالتهم، ولكنني أوصيك أن تربي ابنتنا هذه تربية عربية، ~~وتعلميها ركوب الخيل، ولا تخبريها من هو أبوها، ولا تجعلي عربيا يعرف سرها إلا من توسمت ~~فيه الغرض الذي ذكرته وتوفرت فيه الصفات المساعدة على تحقيقه، فإذا رأيت قائدا عربيا نهض ~~للفتح وقد أدرك العوامل المساعدة على ذلك، فإن هذه الفتاة تكون له زوجة أو ابنة كما ~~يشاء.» # ولما قال ذلك أخرج من جيبه هذه المحفظة (وأخرجت هي المحفظة من جيبها) ودفعها إلي وهو ~~يقول: «وإذا وفق المسلمون إلى ذلك الرجل، فإنه فاتح هذه البلاد لا محالة، فإذا تمكن من ~~الفتح حتى بلغ نهر لوار فقصي عليه خبري وأطلعيه على وصيتي وسلمي هذه الابنة له ومعها هذه ~~المحفظة فإن فيها ما ينفعه وينفع المسلمين.» فأخذت المحفظة وحفظتها معي من ذلك الحين، ولم ~~تفارقني يوما واحدا ولا ساعة واحدة وأنا لا أعلم ما فيها، فلما قتلوه تلك القتلة الشنيعة ~~- سامحهم الله - لم يبق لي عيش في الأندلس، فغادرتها ومعي حسان وعنده كل أسراري، وقد كان ~~خادم الأمير مخلصا له رحمه الله. # وقد تولى الأندلس بعد عبد العزيز عدة أمراء وأكثرهم تحفزوا للفتح، ولكنهم لم يظفروا به ~~لطيشهم وتهورهم وطمعهم، حتى إذا سمعت بعبد الرحمن وما أتاه قبل النهوض للفتح من طوافه ~~بإسبانيا وتعهده حكامها وعزل الضعفاء وأهل المطامع، ومحاسنة أهلها وسعيه في جمع كلمة الجند ~~من العرب والموالي، قلت: هذا هو الرجل المنتظر وصبرت حتى أتى إلى بوردو وفتحها وكان ما كان ~~مما تعرفينه.» ثم وجهت كلامها إلى هانئ وقالت: «فالذي أراه أن الأمير عبد الرحمن هو الرجل ~~الذي عناه الأمير عبد العزيز، فمريم له وهذه المحفظة (ودفعتها إلى مريم) معها أيضا. # ولكن بالطبع لا يكون له شيء ms182 من ذلك إلا بعد قطع النهر.» فتناولت مريم المحفظة وخبأتها بين ~~ثيابها. # الفصل الثالث والسبعون # | الوداع # وكانت سالمة تتكلم والعرق يتصبب من جبينها ويتسرب على خديها حتى يقطر على ثيابها، وقد ~~احمرت عيناها وتوردت وجنتاها من شدة التأثر، أما مريم فإنها نهضت مبهوتة وقبلت والدتها وهي ~~تقول: «أنت والدتي الحمد لله، لقد أقلقت بالي بسؤالك إذا كنت أعرف والدتي، فخشيت أن أكون ~~ابنة سواك فإذن أنا عربية ووالدي أمير عربي وأمي ملكة الإسبان ...» # فقطع هانئ كلامها، وقد غلب عليه الحب وسره تفويض أمر مريم إلى عبد الرحمن لسهولة الظفر ~~بها على يده، وقال: «لا شك أنك عربية الأصل عريقة في الحسب والنسب.» والتفت إلى سالمة وقال ~~لها: «إن حديثك يا سيدتي قد نقش على صفحات قلبي، وأراك فقت العرب بحفظ الوداد ووفاء العهود، ~~وتفضلت عليهم بالحب العميق لزوجك، ونصرتهم بسعيك وفديتهم بنفسك فبورك فيك، والله لو كان في ~~رجالنا عشرة مثلك أو مثل ابنتك هذه لفتحنا العالم لا محالة، ولكننا محاطون بجماعة لا يجمعهم ~~إلا الجشع، وقل فيهم من يفهم معنى الفتح والنصر، وإنما يفهمون الغنائم والسبايا، ونحن في كل ~~يوم نقاسي العذاب في سبيل التوفيق بين قبائلهم وشعوبهم ولو كان أميرنا غير عبد الرحمن ما ~~استطعنا الوصول إلى هنا، فنطلب إليه تعالى أن يأخذ بناصرنا حتى نقطع هذا النهر، وإذا قطعناه ~~هان علينا كل عسير.» والتفت إلى مريم وضحك ففهمت أنه يشير إلى زواجهما، ولكن قلقها لفراق ~~والدتها شغلها عن الخجل. # وكانت سالمة في أثناء ذلك مشتغلة بمسح العرق عن وجهها وكأنها أحست بحمل أزيح عن صدرها بعد ~~أن كشفت ذلك السر، لكنها انتبهت للمحفظة فقالت لمريم: «أوصيك بتلك المحفظة، اعتني بها ولا ~~تسلميها لعبد الرحمن الغافقي بعد عبور هذا النهر.» # فقالت مريم: «والآن لا بد من ذهابك إلى الدوق أود؟» # قالت: «نعم ولا بأس علي منه اطمئني واعلمي أنك في كفالة الأمير عبد الرحمن فقد أوصيته ~~بذلك من قبل.» # فتنسمت من هذه التوصية أن والدتها لا ترجو اللقاء ms183 بعد هذا الفراق، وأحست سالمة أنها تريد ~~مراجعتها فنهضت وهي تقول: «لقد آن لي إجابة طلب الدوق.» قالت ذلك وضمت مريم إلى صدرها وأخذت ~~في تقبيلها تكرارا، وكلاهما تبكي وهما متعانقتان متماسكتان كأنهما لا تريدان الفراق، فأثر ~~منظرهما في هانئ حتى كاد يبكي، ثم خاف عليها فتقدم وفرق بينهما فرأى عيني سالمة حمراوين من ~~شدة البكاء، وهي مع ذلك تنظر إلى ابنتها وتبتسم ومريم تقول لها: «قلت إن هانئا لا يجب ~~التفريط فيه لحاجة الجند إليه وأنا ما الفائدة مني؟ دعيني أسير حيثما تسيرين.» # فقطع هانئ كلامها قائلا: «إن الجند لا ينفع شيئا بدونك.» # ففهمت أن هانئا لا يريد فراقها وتذكرت شدة حبه لها فهان عليها فراق والدتها، وسمعته ~~سالمة يقول ذلك فأدركت أنه يحبها، ولكنها كانت تثق في شهامته وتعلم منزلته عند عبد الرحمن، ~~وازدادت ثقة به حينما رأت عبد الرحمن قد أذن له أن يرافق مريم إلى هذا الدير. # ولما استعدت للخروج قالت لهانئ: «اذهب أيها الأمير بمريم قبل ذهابي.» # قال: «العفو أيتها الملكة الجليلة إني لا أخطو خطوة قبل أن أراك ذاهبة بإكرام ورعاية، ~~وإلا فإنهم لن يأخذوك وفي عرق ينبض.» # قالت: «ثق بأني سأذهب مكرمة، وسأقيم هناك لا أقول مكرمة ولكني لا أخاف بأسا؛ لأن أود ~~يعرف من أنا، وأرجو أن يكون بقائي في معسكر أود هذه المرة مثمرا مثل بقائي المرة الماضية، ~~فقد كشفت فيه سرا أبعد عنا شرا عظيما.» # قال: «ربما كان ذلك، ولكنني أستحي من نفسي أن أخرج من هذا الدير وحوله الجند يطلبونك فإذا ~~كنت لا تسمحين أن أمنعهم من أخذك أفلا تأذنين لي أن أراك ذاهبة معهم؟» # قالت مريم: «إن هانئا مصيب في رأيه.» # قالت سالمة: «فلأذهب إذن لرئيس الدير لأودعه، فانتظراني في الحديقة.» قالت ذلك وخرجت ~~فتبعاها فتحولت هي إلى غرفة الرئيس، ونزلا هما إلى الحديقة وكانت مضيئة بالأقباس، وطلب هانئ ~~من البواب أن يحضر الجوادين، فأمر فجيء بهما فدفع هانئ إليه صرة فيها دنانير فاستأنس البواب ~~بذلك الكرم وأمر ms184 الخادم أن يحسن العناية بالجوادين، فوقف بهما وجواد هانئ يتجلى كالعروس بما ~~عليه من العدة المتقنة وما في عنقه من القلائد والعقود، وما على عدته من الأحجار الكريمة، ~~وخصوصا اللؤلؤة الكبيرة المصاغة على شكل النجمة فوق جبهته، ناهيك بلجامه المذهب وما على ~~صدره من سلاسل الفضة، وهو أدهم شديد السواد فأصبح كأنه ليل تتلألأ فيه النجوم، وكان هانئ ~~واقفا إلى جانبه ينظر إليه نظرة وإلى مريم نظرة أخرى، ولم يبق أحد من أهل الدير في تلك ~~الحديقة أو بالقرب من الباب إلا وقد جاء ينظر إلى الأدهم وإلى صاحبه، وكلاهما غريب في ~~نظرهم، وكأن الأدهم أدرك إعجاب الناس فازداد دلالا وأخذ يضرب الأرض بيمناه ويصهل ويشخر، ~~كأنه يطلب النزال، أو كأنه فهم من صهيل الخيول حول سور الدير أنهم أعداء صاحبه فأخذ يهددهم ~~به. # أما مريم فقد كادت تنسى فراق والدتها قبل ذهابها لانشغال خاطرها بحب هانئ وخاصة بعد هذه ~~السفرة، وقد تحققت من أنها عربية الأب ملوكية الحسب فتذكرت المحفظة فافتقدتها وعادت إلى ~~هواجسها. # وبعد قليل سمعوا ضوضاء داخل الدير، ثم خرج بعض الخدم يحملون الشموع ووراءهم جماعة من ~~الرهبان يسيرون بين يدي سالمة ورفيقها الراهب، وساروا بهما إلى السور فمروا بهانئ ومريم ~~فحيتهما سالمة، ومشت حتى خرجت من الباب وكانوا قد أعدوا لها جوادا ركبته وركب الراهب ~~جوادا آخر، ونفخ في البوق فاجتمع الفرسان الإفرنج ومشوا إلى جانبها وبعضهم إلى ورائها ~~برعاية وإكرام، وهانئ ومريم ينظران، وأحست مريم في تلك اللحظة أن أمها اقتلعت من قلبها، ~~فغلب عليها البكاء ولكنها كتمت بكاءها. # الفصل الرابع والسبعون # | ضوء القمر # أما هانئ فبعد أن سار الركب بسالمة ركب جواده، وأشار إلى مريم فركبت جوادها فخرجا وتحولا ~~نحو المعسكر، فلما بعدا عن الدير أحسا بالانفراد، وكان الليل مقمرا وقد صفا الجو وهدأت ~~الحياة وسكن الهواء كأن الطبيعة قد شاركتهما في التهيب والاعتبار، فلم يسمعا إلا وقع حوافر ~~الجوادين على التراب، وكأن الجوادين قد أحسا بما يتقد على ظهريهما من لواعج الغرام فاعتبرا ms185 ~~وطأطآ ومشيا مشية الاحترام - والحب سلطان تطأطئ له الرءوس - وظل الحبيبان مدة صامتين تهيبا ~~من منظر الطبيعة وتفكيرا فيما رأياه وسمعاه تلك الليلة من الأمور الهامة، وقد سرهما ~~الاطلاع على ذلك السر، فأصبح ارتباطهما بعده من الأمور الهامة، وقد علما أنهما أقرب نسبا ~~وأوثق عهدا، وأحست مريم أنها مطالبة بنصرة العرب عملا بوصية والدها. # فلما اقتربا من المعسكر رأيا نيرانه، ولم تكد تظهر لهما عن بعد لتغلب ضوء القمر فأسف هانئ ~~لوصوله إلى المعسكر قبل أن يخاطب مريم في شيء بعد ما عرفه من أمرها، فأمسك شكيمة جواده ~~ليسير الهوينا فاقتدت به مريم وهي تتوقع أن تسمع منه شيئا فإذا هو يقول على سبيل المداعبة: ~~«أراك صامتة يا مريم ألعل ما علمته من شرف أصلك خفف شيئا من حبك؟» # فأوقفت جوادها بغتة ونظرت إليه كأنها تستطلع قصده من تلك العبارة، فلما رأته يبتسم علمت ~~أنه يمازحها ولكنها قالت: «إذا علمت بشرف أصلي فلا فضل لي في شرف ورثته من الأجداد، وإنما ~~الشريف من نال الشرف بحد حسامه كما ناله الأمير هانئ.» فقال وقد هاجت عواطفه وهو يمسك ~~الجواد عن المسير والجواد لا يطيعه: «فأنت إذن صاحبة الشرف طارفا وتليدا فقد رأيت منك في ~~وقعة دردون ما تعجز عنه أعاظم الفرسان، فسبحان من جمع فيك شجاعة الرجال ورقة ~~النساء.» # فقطعت كلامه قائلة: «إني لم أفعل شيئا يا هانئ، وإذا ساعدتني الأقدار سأتفانى في تحقيق ~~وصية أبي، ولو لم أكن رجلا كما قال، فإن الشجاعة ليست وقفا على الذكور دون الإناث آه يا ~~هانئ.» وسكتت كأنها تكتم أمرا. # فنظر إليها هانئ والقمر تجاه وجهها، وقد وقعت أشعته على محياها وحول النقاب الأسود، ولو ~~رآها شاعر عربي لقال: تقابل القمران، والحقيقة أن القمر ليس له ما في وجوه الملاح من ~~المعاني الجاذبة والخالبة، وبخاصة فتاتنا العربية سلالة الملكيين، فقد كان في وجهها فضلا ~~عن الجمال ملامح الهيبة والذكاء، وجاءهما الحب فزادهما رونقا وزاد المحب افتتانا، فنظر ~~هانئ إلى وجهها وقد أطرقت، كأنها تكتم ms186 أمرا يمنعها الحياء من إفشائه، وتشاغلت بإصلاح الشعر ~~على عنق جوادها، والجواد مستأنس بمرور أناملها على عنقه، وأراد هانئ أن يسألها عما تكتمه ~~فإذا هو بفارس قادم عليهما من جهة دير مرتين ينهب الأرض نهبا، فأمسك هانئ جواده وتفرس في ~~القادم فما لبث أن عرف من زيه أنه إفرنجي، ورأى معه علما أبيض فتحقق أنه رسول من شارل، ~~ولم يكن هانئ يعرف الإفرنجية، فلما دنا الفارس منهما أمسك شكيمة جواده ومشى الهوينا فخاطبته ~~مريم بالإفرنجية قائلة: «من الرجل؟» # فقال: «إني رسول من الدوق شارل إلى الأمير عبد الرحمن فأين هي خيمته.» # فأفهمت هانئا ما قاله فقال: «إنها رسالة ذات بال والأحسن أن نسير به لنرى ما ~~سيكون.» # فقالت مريم للرسول: «نحن ذاهبان إليه فتعال في أثرنا.» ومشيا وقد انصرف خاطرهما إلى ما ~~يهدد هذا الجند من الأمر العظيم، وتذكرت مريم حسانا؛ لأنها كثيرا ما كانت تراه قادما ~~بمثل هذه المهمة، فما تمالكت أن قالت «مسكين يا حسان!» وكان هانئ كله آذان لسماع أية كلمة ~~تخرج من فم مريم، فلما سمعها تذكر حسانا تذكر عبارة قالتها سالمة في ذلك النهار عندما سمعت ~~بمقتل حسان، فقال هانئ: «سمعت والدتك تقول لما علمت بمقتل حسان أنه مات ولم ير حفيده فمن ~~هو حفيده؟» # قالت: «علمت من بعض ما كان يدور قديما بين حسان ووالدتي أنه كان له ابن سار في حرب لا ~~أدري ما هي، وكان لابنه غلام فقده في تلك الحرب ضياعا - وهو حفيده - وكان حسان كثيرا ما ~~يتحسر لضياع ذلك الغلام ولأنه لا يعرف مقره، فلما قالت والدتي تلك العبارة ظلت في خاطري ~~وسألتها تفسيرها بعدئذ، فقالت إنها عثرت على الغلام المذكور في معسكر أود وقد صار شابا ~~والإفرنج يحسبونه منهم ويسمونه رودريك، وإنها تركته في معسكر أود عند فرارها ولم تعلم ~~بمقره.» وكان هانئ قد أراد مباسطتها للتلذذ بألفاظها ولثغتها، ولم يكن يهمه أمر حسان كثيرا ~~لكنه عندما سمع حكايته أسف لفقده. # فلما اقتربوا من المعسكر، أمسك هانئ شكيمة جواده ms187 ونظر إلى مريم، فأدركت أنه يريد أن تنصرف ~~إلى الأخبية حيث تقيم النساء فقالت: «هل أذهب إلى الخباء؟» # قال: «نعم يا حبيبتي لتكوني هناك في مأمن حتى يقضي لنا الله بالنصر ونذهب معا إلى نهر ~~لوار، وأرجو أن يكون ذلك قريبا.» # قالت: «أما إذا خيرتني فإني أفضل البقاء هنا لأمر أراني مسئولة عنه مثل مسئوليتك، أو ~~مسئولية الأمير الكبير، ولكن الطاعة واجبة، فالآن لا ينبغي أن ننسى السر الذي عهد إلينا ~~بحفظه ولا بد من كتمانه إلى حينه.» قالت ذلك وافتقدت المحفظة فوجدتها. # فقال هانئ: «هل أرسل معك بعض الحراس، لا أقول لحراستك؛ لأنك في غنى عن ذلك وإنما أرسلهم ~~لخدمتك.» # فقطعت كلامه قائلة: «لا حاجة لي بالخدم يا هانئ، وأنا سائرة في ظلك وأنت معي أينما ~~توجهت.» قالت ذلك وأومأت برأسها للوداع، وأدارت شكيمة الجواد وانصرفت نحو الأخبية، فلما ~~توارت عنه عاد إلى الفارس وسارا معا حتى دخلا المعسكر ولم يعترضهما الحرس؛ لأنهم عرفوا ~~الأمير هانئا من أدهمه حتى إذا وصلا فسطاط الأمير ترجل هانئ وهو يستفسر من الحاجب: «هل عند ~~الأمير أحد؟» فقال: «كان الأمراء عنده منذ هنيهة وانصرفوا.» # الفصل الخامس والسبعون # | رسالة من شارل # فدخل هانئ وأشار إلى الرسول بالبقاء خارجا، وكان عبد الرحمن جالسا وقد سمع صوت هانئ قبل ~~دخوله، فصاح فيه صيحة الوالد بولده: «ما الذي أخرك يا هانئ؟ لقد شغلت بالنا!» # فقص عليه ما حدث بعد وصولهما إلى الدير، وكيف بعث أود جندا أخذوا سالمة إليه، وكيف أراد ~~إنقاذها وهي لم ترض، ولكنه لم يذكر شيئا عن السر، وأخبره أن مريم رجعت معه وقد توجهت إلى ~~الأخبية إلى أن قال: «وقد أتيتك برسول من قارله (شارل) قائد جند الإفرنج أظنه يحمل إليك ~~كتابا وهو بالباب الآن هل يدخل؟» # فصفق عبد الرحمن فدخل أحد الحجاب من غلمانه فقال له: «ادع لنا أحد المترجمين فإذا جاء ~~فأدخله مع الرسول.» فخرج الغلام وظل عبد الرحمن صامتا كأنه بغت لخبر جديد، ولم يكن هناك ~~شيء جديد، ولكنه تنسم ms188 رائحة القتال، وتمثل له عظم الأمر الذي هو قادم عليه، وأدرك هانئ ~~اهتمامه فتهيب وظل ساكتا حتى عاد الغلام ومعه الترجمان، وهو من يهود إشبيلية وكان يعرف عدة ~~لغات، وللمسلمين ثقة كبرى فيه مثل ثقتهم في سائر يهود الأندلس؛ لأنهم كانوا عونا كبيرا ~~لهم في فتح تلك البلاد، ثم دخل الرسول وتأدب في موقفه فسأله عبد الرحمن بواسطة الترجمان عن ~~غرضه فقال: «إنه قادم برسالة من الدوق شارل صاحب أوستراسيا.» فقال عبد الرحمن: «وأين ~~الرسالة؟» # فمد الرسول يده إلى شبه خرج معلق تحت أبطه وأخرج منه لوحا ملفوفا بمنديل من الحرير ~~الأحمر، وقد شد حول المنديل شريط من الحرير الأزرق، فتناول عبد الرحمن الرسالة وأشار إلى ~~الرسول فخرج، ثم حل الشريط وفتح المنديل وأخرج ما فيه وهو عبارة عن لوح من الخشب الرقيق ~~مكسو بالشمع، وقد كتب عليه حفرا في ذلك الشمع على عادتهم في مكاتبات تلك الأيام في أوروبا ~~فلما ظهر اللوح، علم عبد الرحمن - قبل أن يقرأها - أنها رسالة إفرنجية لعلمه أن العرب ~~يكتبون على الجلد أو القرطاس أو النسيج فدفع اللوح إلى الترجمان فقرأه، وهاك ترجمته: # بسم الآب والابن والروح القدس # من الدوق شارل قائد جند الإفرنج وصاحب أوستراسيا إلى الأمير عبد الرحمن قائد جند ~~العرب أما بعد، فإن أخي الدوق أود صاحب أكيتانيا أخبرني بما تعمدتموه من الإيغال في ~~بلاده لغير سبب يدعو إلى الحرب بيننا وبينكم، فأنتم إنما تطلبون الفتح التماسا ~~للكسب، وقد أطمعكم في ذلك ما رأيتموه من ضعف الذين حاربتم من جند هذه البلاد إلى ~~اليوم، وقد بلغني ما أنت عليه من الشجاعة والتعقل وعلو الهمة فرأيت أن أنصحك لترجع ~~عن قصدك بدون سفك الدماء، ولا أكلفك تسليما بل أطلب إليك الانسحاب من هذه البلاد ~~بما تحمله من الغنائم إلى حدود إسبانيا على الأقل إذ لا قبل لكم بالوقوف أمامنا، ~~هذه نصيحتي لكم وإذا لم تقبلوها فموعدنا في النزال قريب والسلام. # فلما فهم عبد الرحمن فحوى الكتاب بما فيه من التهديد ظهر الغضب ms189 في وجهه لكنه أمسك نفسه، ~~ونظر إلى هانئ كأنه يستشيره فقال هانئ: «يظهر أن الرجل مغرور بنفسه فأرى أن يكون جوابنا ~~السيف.» # فتبسم عبد الرحمن وصفق فجاء الغلام فقال له: «ادع الأمراء للمفاوضة.» فأدرك هانئ أنه لا ~~يقضي أمرا إلا بالشورى خوفا من العتاب أو الفشل، وبعد ساعة جاء الأمراء فتلى الكتاب ~~عليهم، ففوضوا عبد الرحمن أن يجيب عليه فأشار إلى الترجمان أن يكتب: # بسم الله الرحمن الرحيم # من عبد الرحمن الغافقي قائد جند المسلمين في أكيتانيا إلى الدوق قارله قائد جند ~~الإفرنج، أما بعد، فقد قرأت كتابك وساءني اغترارك بنفسك مع ما بلغني من علو همتك ~~وبسالتك، أيها الدوق، إننا لم نجرد هذا الجند لفتح أكيتانيا وحدها ولكننا نهضنا ~~لفتح هذه الأرض الكبيرة ولو لم تأت أنت للقائنا هنا لالتقينا في بلدك ثم نحمل على ~~رومية فالقسطنطينية حتى يدين لنا العالم كله كما وعدنا نبينا، فننصح لك أن تعتبر ~~بما أصاب أخاك صاحب أكيتانيا وإلا فلا تلومن إلا نفسك والسلام. # ولف الكتاب وختمه وأعاده إلى الرسول فحمله وعاد، وانصرف الأمراء إلا هانئا فظل عند عبد ~~الرحمن وقد انتصف الليل ، فقضيا ساعة في المداولة ثم انصرفا إلى النوم. # وقضيا اليوم التالي في التأهب وتدبير الشئون، وكانا في أصيل اليوم الثالث يطوفان بفرسيهما ~~جناح الجند الأيسر إذ جاءهما أحد الطلائع يقول إنه شاهد غبارا يتصاعد في عرض الأفق بجوار ~~دير القديس مرتين، فأدركا أن شارل لما وصله الجواب زحف بجنده للقتال، فصعدا إلى أكمة أطلا ~~منها فرأيا غبارا يتصاعد أيضا من جهة الجنوب حيث معسكر أود، فعلما أن الجيشين متحدان ~~عليهم، فقال عبد الرحمن: «لقد آن وقت العمل يا هانئ وهذه جنود الإفرنج قادمة، فينبغي لنا أن ~~نتيقظ ونتأهب لئلا يهاجموننا على غرة، فامض إلى فرسانك واجعلهم على أهبة النهوض وأنا ماض ~~إلى تنبيه سائر الأمراء.» قال ذلك وتحول، فمضى هانئ في أثره ونفسه تشتاق إلى النزال. # على أن الجيشين لم يواصلا الزحف على العرب، ولكنهما عسكرا تجاه معسكرهم، وما بينهما ms190 وبينه ~~إلا ساحة القتال، فلما رأى عبد الرحمن نزول الإفرنج علم أنهم لا ينوون الهجوم في ذلك اليوم ~~فبعث إلى هانئ سرا، وبعد صلاة العشاء خرجا من المعسكر ماشيين إلى أكمة قريبة كان عبد ~~الرحمن قد عاينها بنفسه في الأمس، فصعدا إليها ونظرا إلى ما بين أيديهما، وقد طلع القمر ~~وأرسل أشعته في الفضاء فوق ذلك السهل، فكشفت عن معسكرين: معسكر شارل في الشرق، ومعسكر أود ~~نحو الجنوب، تجاه معسكر العرب، ونظر عبد الرحمن إلى مضارب ذينك الجيشين وأمعن في النظر ~~ليقدر عددهم فوجدهم كثيرين يزيدون على جند المسلمين، وود لو أنه يلتقي بمن ينبئه عن قوة ~~الجيشين ومعداتهما وسائر أحوالهما. # وكان يفكر في ذلك ويمشط لحيته بأنامله وهانئ واقف بجانبه يفكر في مثل ذلك الأمر، وقد ~~تبادر إلى ذهنه أن حسانا لو كان حيا لكان أفضل من يقوم بالاستطلاع؛ لأنه يعرف لغة البلاد ~~وعادات أهلها وهو حسن الأسلوب ذكي مخلص، فأراد أن يخاطب عبد الرحمن في هذا الشأن على سبيل ~~فتح الحديث فرآه يتفرس في عرض الأفق كأنه يرى شيئا جديدا، فالتفت هو إلى هناك فرأى شبحا ~~كأنه رجل يعدو من جهة معسكر الدوق شارل وعليه ملابس الإفرنج، ولكنه لا يحمل راية ولا يبدو ~~من مظهره أنه رسول، فقال هانئ: «ما رأيك في هذا القادم أيها الأمير؟» # قال: «لا أظنه رسولا فربما كان جاسوسا أو صديقا.» # وما أتم كلامه حتى أصبح الرجل على بضعة عشر مترا منهما فتباطأ في مشيته حتى اقترب وهما ~~لا يكلمانه، فلما دنا منهما قال بلفظ عربي مكسر: «أين الأمير عبد الرحمن؟» # فقال له هانئ: «وما الذي تريده منه؟» # فأومأ بإصبعه إلى لسانه مع إشارة النفي، أي أنه لا يعرف العربية، ثم أومأ أنه قادم من ~~معسكر أود لأمر خاص بالأمير. # الفصل السادس والسبعون # | معسكر شارل # فالتفت عبد الرحمن إلى هانئ وقال: «لو قلنا له إني الأمير عبد الرحمن لا يصدقنا، فالأفضل ~~أن ندله على خيمتي ثم ندخلها من باب آخر ونوهمه أننا كنا هناك.» ms191 فأشار هانئ بيده إلى فسطاط ~~الأمير وأمامه النار ومشى وتبعه الرجل، ومضى عبد الرحمن من جهة أخرى حتى دخل خيمته من باب ~~سري ثم دخل هانئ، وبعد قليل جاءه الحاجب يقول: «إن شابا إفرنجيا بالباب.» فأمره عبد ~~الرحمن بإدخاله فأدخله، وعاد لاستقدام الترجمان وخيمته بقرب خيمة الأمير، فلما دخل الشاب ~~نظر إليه عبد الرحمن فإذا هو في مقتبل العمر عليه قيافة الإفرنج وملامح العرب، أسمر البشرة، ~~خفيف اللحية، صغير العارضين لحداثته، فلما جاء الترجمان أمره عبد الرحمن أن يسأله عن غرضه، ~~فسأله فقال الشاب: «أنا لا أخاطب أحدا غير الأمير عبد الرحمن، وإذا كان غائبا فالأمير ~~هانئ.» # فلما سمع هانئ اسمه تعجب، فقال عبد الرحمن بواسطة الترجمان: «إنك في حضرة الأميرين ~~معا.» # قال: «إني رسول من سالمة.» # فلما سمعا ذلك الاسم توسما خيرا فقال عبد الرحمن: «وأين هي الآن؟ ومن أنت.» # قال: «هي في معسكر الدوق أود، وأما أنا فإني رجل عربي الأصل، وانتهى بي الأمر إلى ~~الانتظام في جند الدوق أود، ولي حديث طويل قصته علي سالمة منذ برهة وجيزة، وقد قبض علينا ~~أود وسجن كلا منا في مكان ، ثم افترقنا ففرت هي من سجنها وظللت أنا في المعسكر، ثم أطلق ~~الدوق سراحي وأحسن الظن بي وأعادني إلى خدمته، ثم علم أود من عدلان الأحول أنها في دير ~~مرتين فبعث فرسانا لاستقدامها كنت أنا في جملتهم.» # فقال هانئ: «لعلك رودريك؟» # فبغت الشاب، والتفت إلى هانئ وابتسم، وقد استأنس بذلك السؤال وقال: «نعم يا سيدي هذا هو ~~اسمي.» # وكان عبد الرحمن يسمع ذلك ويتعجب، ونظر إلى هانئ نظرة استفهام فقال هانئ بصوت منخفض: «إن ~~هذا المسكين حفيد حسان وله قصة تعرفها مريم.» # فالتفت عبد الرحمن إلى رودريك وقال: «اقصص علينا سبب مجيئك.» # قال: «عندما رجعنا من الدير المذكور ومعنا سالمة ذهبنا بها إلى خيمة باتت فيها تلك ~~الليلة، وفي الصباح التالي جاءوا بها إلى مجلس الدوق وكنت في جملة الحرس الواقفين ببابه، ~~ورأيت عنده امرأة جميلة كانت جالسة بجانبه عرفت ms192 بعد ذلك أنها ابنته لمباجة، وأنها كانت في ~~معسكر العرب وفرت إلى أبيها في تلك الليلة، فلما دخلت سالمة خفت عليها من غضب الدوق، ولكنني ~~رأيت من إجلاله إياها واحترامه لها ما كاد يذهب برشدي، وسمعتها تخاطبه بجرأة وقوة وهو يتحمل ~~منها ويستعطفها كما يستعطف المحب حبيبته، وقد سمعته يسميها بغير اسمها ويعاتبها وأخيرا أمر ~~بإرجاعها إلى خيمتها، وكانت قد لاحت منها التفاتة وهي خارجة فرأتني وعرفتني، فأومأت إلي ~~خلسة أن أقابلها، فاحتلت في مقابلتها تلك الليلة فلما رأتني قالت: «إنك عربي وأولى بنصرة ~~العرب مني فامض إلى معسكر الدوق شارل واستطلع أحواله، وأخبر أمير جند العرب بذلك؛ لأنهم ~~إذا عرفوا قوة عدوهم هان عليهم أن يحاربوه.» وألحت علي بسرعة الذهاب فخرجت في تلك الساعة ~~والمعسكران متقابلان، وبت في معسكر شارل وقضيت طول الأمس واليوم في الاستقصاء، ولما أمسى ~~المساء فررت إليكم كما رأيتموني.» # فأعجب الأميران بشهامة سالمة، وتذكر هانئ قولها إنها ستكون في معسكر أود أنفع لهم مما في ~~معسكر العرب، فقال عبد الرحمن: «ما الذي عرفته من أحوال الجند؟» # فقال: «اعلم يا مولاي أن قائد هذا الجند رجل شديد اسمه شارل (قارله) بن ببين وهو رئيس ~~حاشية ملك نوستريا من العائلة الميروفيجيانية، ونظرا لضعف ذلك الملك كان حظ شارل من تلك ~~المملكة دوقية أوستراسيا وراء نهر لوار لكنه لم يقنع بالدوقية بل طمع في لبس التاج، ولذلك ~~كان أود هذا من أكبر منافسيه ولم يستنجد به على العرب إلا بعد اليأس الشديد، فلما استعان ~~به، جرد ما يستطيع جمعه من قبائل الإفرنج وما يمكن حمله من العدة والسلاح واستقر في هذا ~~المعسكر ...» # فقطع عبد الرحمن كلامه قائلا: «كم عدد جنده؟» # قال: «لم أستطع معرفة عدده تماما ولكنني علمت أنه كثير، وربما زاد على ضعفي عدد جيشكم، ~~على أنني تحققت أنه مؤلف من عدة قبائل تختلف لغاتها وعاداتها وأخلاقها، وإن كانت تعد في ~~الجملة من الإفرنج، أو الأوروبيين ولكنها على التخصيص مؤلفة من شعوب عديدة من جملتهم ~~الأوستراسيون أهل ms193 البلاد الأصليون، والأتوريون، والبروكتيون، والطورنجيون، والهيميون، ~~وغيرهم، وعليهم دروع من الجلد وعلى صدور خيولهم دروع من الحديد الثقيل أسلحتهم السيوف ~~الطويلة المعتدلة ذات الحدين والفئوس الحادة، والرماح المستطيلة، والدبابيس الثقيلة في ~~رءوسها حسك الحديد، والجند مؤلف من المشاة والفرسان، أما الفرسان فإنهم قليلون وهم وحدهم ~~يرمون النبال.» # وكان رودريك يتكلم باهتمام، وعبد الرحمن وهانئ يصغيان لكل كلمة يقولها، فلما بلغ إلى هنا ~~ابتسم هانئ والتفت إلى عبد الرحمن وقال: «نحن بلا ريب غالبون؛ لأن فرساننا كثيرون وقد عرفت ~~بسالتهم وخبرت مهارتهم، وفيهم الرماة وحملة السيوف والفارس العربي يفوق ثلاثة من الفرسان ~~الإفرنج، ولأن مشاتنا فيهم الرماحة والرماة، والنصر من عند الله يؤتيه من يشاء.» # والتفت عبد الرحمن إلى رودريك فرآه يتحفز للنهوض، فقال له: «وهل عندك خبر آخر؟» # قال: «كلا يا مولاي ولكنني عائد إلى معسكر أود بأمر السيدة سالمة فهل من رسالة؟» # قال عبد الرحمن: «هل أمرتك بالرجوع؟» # قال: «نعم لعلها تطلع على أمر يهمكم من هذا القبيل فتبعثني به.» # فقال عبد الرحمن: «بلغها سلامنا وقل لها إننا حافظون لها هذا الفضل.» # فنهض رودريك واستأذن وخرج، ثم خرج الترجمان ومكث عبد الرحمن وهانئ برهة يتداولان في أمر ~~الجيش، فقررا الإسراع في الهجوم ما أمكن قبل أن يستعد الإفرنج للدفاع وفي اليوم التالي بعد ~~صلاة الفجر نفخ في النفير فاجتمعت جيوش المسلمين، فجعل عبد الرحمن المشاة في الوسط والفرسان ~~في الجناحين، وجمع الأمراء على اختلاف قبائلهم، فجاءوا على خيولهم وعلى رءوسهم العمائم مكان ~~الخوذ وقد تقلدوا السيوف، فوقف عبد الرحمن أمامهم موقف الخطيب وقال: «اعلموا أيها الأمراء ~~أننا قطعنا أكيتانيا كلها والظفر حليفنا، ولما يئس عدونا من الفوز استنجد بعدوه صاحب ~~أوستراسيا وقد جاءنا بجنده وكفانا مئونة الذهاب إليه وهذا معسكره وفيه كل قواته، والذي ~~نصرنا على صاحب أكيتانيا سينصرنا عليه، وقد علمنا أنه أضعف منا عددا وعدة والنصر موقوف على ~~الصبر، فاصبروا وتكاتفوا ينصركم الله، فتفتحون بلادا طالما تشوق المسلمون لفتحها، ويتم على ~~يدكم ما وعد الله نبيه من ms194 فتح العالم، فيكون لكم الفخر ويخلد لكم الذكر مدى الدهر، وأنا ~~واثق من أنكم فاعلون بإذن الله، والله مع الصابرين.» # ولما فرغ من كلامه تقدم هانئ على أدهمه وعلى وجهه أمارات البشر وقال وهو يبتسم: «إن هذا ~~اليوم يوم الموعد العظيم سنناله بالصبر والجلد، يكفينا سعادة أننا وقفنا إلى أمر طالما تحسر ~~أسلافنا لعدم الوصول إليه وسيحسدنا عليه الذين سيخلفوننا ويتمنون لو شاركونا فيه بدمائهم ~~وأعناقهم، وسترونني وأنا أضعفكم عزيمة وأقلكم بسالة باذلا نفسي في سبيل الله، فإذا فزنا ~~فتحنا عالما جديدا وإذا استشهدنا في الجهاد، فذلك خير لنا عند الله.» قال ذلك والعرق ~~يتصبب من تحت عمامته والحماس باد في كل جارحة من جوارحه. # ثم قال عبد الرحمن: «فعليكم أيها الأمراء أن تستحثوا رجالكم وتوصوهم بالصبر والثبات، ~~وأخبروهم بالفخر الذي سينالونه بحد سيوفهم فضلا عن الغنائم فإنها أضعاف ما نالوه حتى ~~الآن.» ثم تلا من آيات القرآن ما يزيدهم حماسا وشجاعة، فتقدم كبير أمراء البرابرة وقد تحمس ~~خصوصا بعد أن سمع بكثرة الغنائم وقال: «لا يخفى على مولانا الأمير أن جند البربر من أشد ~~جنود المسلمين بطشا وأكثرهم ثباتا في ساحة الحرب، وكلهم من الرماة الماهرين فاجعلوهم في ~~المقدمة.» # فأراد عبد الرحمن تشجيعهم فقال: «نفعل ذلك.» وأمر أن يتقدم البربر بأقواسهم، وبعدهم العرب ~~والفرسان في الجناحين. ~~••• # وكان شارل من الجهة الثانية يتأهب لمهاجمة المسلمين، والمخابرات جارية بينه وبين أود، في ~~كيفية التعاون على ذلك، ولكنه لم يكن يتوقع هذه السرعة فلما أخبرته الطلائع باصطفاف ~~المسلمين للحرب رتب جنوده صفوفا متلاصقة بشكل الكتائب، فأصبحوا كأنهم سور من الرجال ~~وأكثرهم من الجنود المحنكة، وقد حاربوا تحت راية شارل غير مرة، فوقفوا موقف الدفاع، والرماح ~~ناتئة من بينهم صفوفا بعضها فوق بعض لتمنع العرب من اختراق ذلك السور المتين. # الفصل السابع والسبعون # | الحرب # قف معي هنيهة قبل الهجوم، وانظر إلى ذينك الجيشين وهما يختلفان جنسا ولغة ودينا، ~~ويتباينان مطعما ومشربا وملبسا ويتباعدان خلقا وأدبا، اجتمع أحدهما من أقاصي آسيا ~~وأفريقيا من أمم ms195 شتى لا يجمعهم غير الإسلام إلى بلاد لم يطئوها من قبل، وإقليم لم يتعودوا ~~برده ومطره، وقد رأوا أمامهم رجالا دروعهم من الجلود وعلى رءوسهم خوذات من الجلد وراياتهم ~~مستطيلة وعليها شارات النصرانية، وجاء الآخرون من شمال أوروبا وهم قبائل مختلفة اجتمعوا ~~الآن لدفع عدو غريب جاءهم بدين جديد وشكل جديد، وقد دهشوا لغرابة ما بدا لهم من اصطفاف تلك ~~العمائم المتراصة في تلك الساحة الرحبة كأنها بحر يتلاطم بالأمواج، تظهر من بينها رايات ~~متشابهة عليها كتابة لا يستطيعون قراءتها، ولو تفصحت ما يجول في خواطر ذينك الجيشين ~~لرأيتهما متضاغنين متشاحنين، يتضرع كل منهما إلى ربه أن ينصره على الآخر تأييدا للحق، فإذا ~~استعرضت الأسباب التي دعت إلى ذلك القتال لما رأيت سببا غير الجشع الذي انفرد به الإنسان ~~من دون سائر المخلوقات، فإننا لم نسمع بسرب من الحيوان يجتمع لقتال سرب آخر من نوعه، وإذا ~~تنازع حيوانان فإنهما يتنازعان على لقمة، يلتمس كل منهما أن يسد بها جوعه، فلهما العذر في ~~ذلك الخصام وأما الإنسان فإنه يقتل أخاه على شيء لا يعبر عنه بغير الوهم، بل هو لا يقدم على ~~قتله إلا على شبع، وإنما يطلب وهما يعبر عنه بالسيادة أو الشهرة، وكلاهما لا تسدان جوعا ~~ولا ترويان عطشا. # طلعت شمس ذلك النهار وهو على تقديرهم يوم سبت من شهر أكتوبر عام 732 للميلاد، فبدأ العرب ~~بالهجوم وأمطروا الإفرنج بالنبال، وانقضوا عليهم بجيادهم انقضاض الصاعقة فتلقاهم هؤلاء ~~بالثبات والحزم ولم يتزحزحوا عن أماكنهم، فانقضى النهار ولم يلتحم الفريقان إلا سطحيا وقد ~~تقابلا وتناديا وتصايحا، ولكنهما لم يتفاهما؛ لأن كلا منهما يعد لغة الآخر رطانة وألغازا ~~وربما كان التفاهم أقرب فيما بين خيولهم مما بينهم، ولكنهم تعارفوا بالوجوه ولم ينفعهم ~~التعارف؛ لأنه لم يزدهم إلا ضغينة وحقدا، ثم افترقوا على أن يعيدوا الكرة في غد. # رجع هانئ وهو منقبض النفس، وأمر فرسانه أن يعودوا إلى مضاربهم، وتحول بأدهمه مجانبا ~~الساحة ليطل عليها من أكمة، وإذا هو بفارس ملتف بعباءة قد ms196 ساق جواده نحوه فأمسك شكيمة ~~الأدهم وتفرس فيه ولا تسل عن دهشته حين رأى مريم على ذلك الجواد فخفق قلبه وصاح فيها: ~~«مريم؟ ما الذي جاء بك إلى هنا؟» # فقالت: «لأشاهد حبيبي هانئا يبدد الكتائب ويفل الجيوش ...» # فأحس عند سماعه قولها كأنها طعنته بحربة في صدره، وحمل كلامها محمل التوبيخ لرجوعه بلا ~~طائل، وبدا التأثر على وجهه وأدركت مريم ذلك فاستدركت قائلة: «لقد رأيتك تصول صولة الأسد، ~~ولكن الحرب سجال على أني كنت أتوقع النصر لكم لو لم تجعلوا أولئك البرابرة في مقدمة الجند، ~~فهم لا يستطيعون اختراق صفوف الإفرنج ولن يستطيع اختراقها إلا الفرسان، فلو تقدمت فرسانك ~~وأنت معهم لبددتم شملهم؛ لأن خيالة الإفرنج ضعيفة.» # فرأى في قولها حكمة؛ لأنه كان يرى رأيها وقد هم بعرضه على عبد الرحمن، فابتسم ونظر إليها ~~نظرة الحب والإعجاب وقال: «بورك فيك، فقد عهدت فيك لطف النساء وبسالة الرجال، ولكنني لم أكن ~~أعرف فيك مهارة القواد إننا عاملون برأيك في غد بإذن الله وهو رأيي أيضا، ولكننا قدمنا ~~البرابرة مسايرة لهم، كما تعلمين حالنا معهم ولكن لماذا عرضت نفسك للنبال؟ لقد كنت أنا أجول ~~في ساحة الوغى أتصورك في الخباء تتوقعين رجوعي ظافرا، فلما رجعنا كما ترين انقبضت نفسي ولو ~~رأيتك بجانبي لكانت النتيجة غير ذلك.» # فأدركت أن علمه بوجودها يزيده بسالة ونشاطا فقالت: «فموعدنا غدا.» # فقال: «لا لا تعرضي نفسك للخطر فإني أخاف عليك من الهواء، فكيف بالنبال؟» # فقالت: «لعلي لا أخاف عليك من ذلك؟ ولكن هل إذا أصيب هانئ بسوء أبقى أنا؟ دعنا من هذا ~~الآن، وإن غدا لناظره قريب.» وكانا يتكلمان وفرساهما يسيران حتى أصبحا بجانب المعسكر فهمزت ~~جوادها نحو الخباء وهي تقول: «أستودعك الله إلى الغد.» # فما زال ينظر إليها وهي تسوق فرسها حتى توارت والظلام يتكاثف، فتحول حتى بلغ خيمة عبد ~~الرحمن، وأطلعه على رأيه فوافقه عليه وبعث إلى الأمراء ففاوضهم في الأمر فوافقوه على هذا ~~الرأي. # قضى عبد الرحمن ليلته قلقا وهو يقدر العواقب ويحسب المخاوف تجنبا ms197 للفشل، وأزمع أخيرا ~~أنه إذا خشي على جنده من التقهقر طلب قائد الإفرنج للنزال، فإذا غلبه تشدد العرب وإذا غلب ~~فالموت خير من الحياة، وأما هانئ فقد كان أوسع أملا وأعظم ثقة بالنصر، مع أنه لم يكن يجهل ~~شأنا من شئون الجند يعرفه عبد الرحمن ولكن للشبيبة آمالا تسهل الصعاب. # وأصبح الصباح فاجتمع المسلمون للصلاة وتلاوة آيات القرآن ورتبوا الجند، فجعلوا الفرسان في ~~المقدمة والمشاة في الجناحين: البربر في الجناح الأيمن، والعرب في الجناح الأيسر، وعبد ~~الرحمن وهانئ وسائر الحاشية في القلب، ومشت تلك الحامية نحو الإفرنج، وكانوا قد اصطفوا ~~اصطفاف الأمس وفرسانهم في الجناحين، وأخذوا في رمي النبال على العرب بسرعة وكثرة حتى كادت ~~تحجب أشعة الشمس، ولكن العرب ظلوا سائرين وهم لا يبالون حتى إذا دنوا من صفوف الإفرنج صاح ~~هانئ في فرسانه، فأطلقوا الأعنة لخيولهم واستحثوها وهو على أدهمه في مقدمتهم وقد شرع سيفه، ~~فلم يستطع الإفرنج الوقوف في وجه السيل فتضعضعوا وأمراؤهم يحرضونهم ويستحثونهم، والتحم ~~الجيشان وقد رجحت كفة النصر للعرب، وهانئ يزداد حماسا وبسالة حتى خيل له لما آنسه من ضعف ~~الإفرنج وتقهقرهم أنه يطارد أغناما . # وبينما هو في ذلك، إذ سمع صوتا خرق أحشاءه واستلفت كل جوارحه، وقائلا يقول: «لله درك ~~أيها الأمير.» فعلم من غنة الصوت واللثغة أنه صوت مريم، فالتفت فرآها على جوادها وقد التفت ~~بعباءتها واعتمت على رأسها فوق الخمار ولم يبق ظاهرا من وجهها غير عينيها وحاجبيها وأنفها ~~وفمها، وقد تجلت الحماسة في تينك العينين فأبرقتا، وأخرجت يمناها من العباءة وفيها سيف ~~مسلول، وأخرجت يسارها وفيها درقة لطيفة من الجلد، وأغارت بجانب هانئ وخلفه والناس يفرون من ~~بين يديها كأنها قضاء نازل، فأحس هانئ لما رآه في تلك الحال أن قوته تضاعفت وأيقن بالفوز، ~~ولكنه خاف على مريم من نبل تصيبها في مقتل على أنه أصبح بعد ما شاهده من بشائر النصر لا ~~يخشى خطرا - والإنسان إذا سالمته الحوادث يظن أن الأقدار قد أبرمت معه عهدا ألا ترميه ~~بسوء - وظل ms198 هانئ هاجما وهو يستحث رجاله ويمنيهم بالظفر وكأن أدهمه أحس بالنصر فتحمس وازداد ~~صهيلا وهو يشخر ويلهث والعرق يتصبب من عنقه على صدره وقد تحلب الرغاء من فمه وتساقط على ~~العرق تحت ضرام صدره، وهانئ كلما سمع صهيل جواده ازداد حماسا، ثم رأى أن يختم أسباب النصر ~~بمبارزة شارل، فطلبه بين يديه فلم يجده فجعل يتلفت للبحث عنه وهو يمتاز عن سائر الجند بزيه ~~ورايته والصليب على خوذته، فلمحه عن بعد كأنه بجانب الأمير عبد الرحمن، فأراد أن يحول شكيمة ~~الأدهم إلى هناك فسمع مريم تصيح فيه: «احذر أيها الأمير! احذر! التفت!» # فالتفت وهو يحسبها تحذره من فارس يحاول اغتياله من الخلف، فلم ير أحدا غير بعض العبيد ~~أو الخدم من سعاة العرب الذين يطوفون ساحة القتال في أثناء المعركة، لالتقاط النبال ~~المتساقطة وإعطائها إلى الرماة، أو لإسعاف فارس سقط سيفه أو قوسه يلتقطونه له، وقد تعودوا ~~المرور بين قوائم الخيل مرور السهام فالتفت هانئ إلى مريم ليستطلع سبب ندائها، فرآها تسوق ~~جوادها في أثر أحد أولئك السعاة وهو يعدو أمامها وفي يده خنجر يقطر دما، وما عتمت أن ~~أدركته خارج المعركة فأطارت رأسه بحسامها فوقع يتخبط في دمه، ورجعت وهانئ مندهش مما يراه ~~فسمعها تقول له: «تحول عن جوادك فإنه مقتول، وخذ هذا الجواد.» قالت ذلك وهي تتحول عن ~~جوادها. # فلم يفهم هانئ قصدها، ولكنه التفت إلى فرسه فرأى الدم ينسكب من أحشائه انسكاب الماء من ~~القربة، فانقبضت نفسه فتحول عنه، وجاءه أحد فرسانه بفرس ركبه وأشار إلى مريم أن تعود إلى ~~فرسها وعادت وهي تقول: «قبح الله ذلك الأحول فقد تخلصنا منه.» ففهم هانئ أن الأحول تزيا بزي ~~السعاة واغتال الجواد، ثم التفت هانئ إلى الأدهم فرآه قد سقط فأسف على موته أسفا شديدا ~~وتشاءم من سقوطه، على أن أمله في النصر أنساه الجواد فعاد إلى الهجوم لئلا يضعف ~~رجاله. # أما عبد الرحمن فكان يراقب الجند من القلب، فلما رأى تغلب الفرسان انشرح صدره وأخذ يتنقل ~~بفرسه على ms199 أمراء القبائل يستحثهم ويحرضهم ويبشرهم ويمنيهم وخصوصا قبائل البربر، لعلمه ~~بشدتهم وشجاعتهم، إذا هجموا لا يقف في طريقهم سور ولا خندق ولا سيل. # وكان شارل قد أسر في ضميره مثل ما أسره عبد الرحمن، فلما رأى ضعف جنده، وقد مالت الشمس ~~إلى الأصيل، أخذ يبحث عن أمير جند العرب ليبارزه، فلما رآه عبد الرحمن عرفه من الراية التي ~~كانت إلى جانبه فأقبل شارل على جواده كأنه جبل، وعليه درع من الفولاذ بشكل الحراشف ~~المتراكمة تغطي صدره وكتفيه وذراعيه، وتسترسل على فخديه ومقدم ساقيه إلى المقدمين حتى ~~الركابين وعلى رأسه خوذة في قمتها صليب، وقد استرسل من جانبي الخوذة وقفاها نسيج من زرد ~~الفولاذ يغطي خديه وقفاه، وعلى صدر جواده غطاء من الحديد بشكل الدرع معلق بمقدم السرج، وقد ~~رفع بيمناه دبوسا من حديد على شكل الصليب، وأمسك بيسراه راية عليها رسم الصليب رسم السيد ~~المسيح مصلوبا وقد أسند قناة الراية إلى الركاب الأيسر. # وأما عبد الرحمن فكانت خوذته العمامة مثل سائر العرب، وهي مع خفتها ولينها تقي الرأس كما ~~تقيه الخوذة، وعلى صدره الدرع تحت العباءة وقد تقلد السيف والخنجر، وكان بالإجمال أخف حملا ~~وأسرع حركة من شارل وقلما كان يختلف في زيه ومظهره عن سائر فرسانه أما شارل فقد كان يمتاز ~~عنهم بخوذته ودرعه ورايته وجواده، فعرفه عبد الرحمن عن بعد فصاح فيه صيحة أجفل لها جواده، ~~وأغار عليه وسيفه مسلول بيده، فتلقى شارل الضربة بدبوسه وأخلى نفسه منها وتقهقر لا عن فرار، ~~فتبعه عبد الرحمن ثم خشي أن يكون في ذلك التقهقر مكيدة، فتراجع على أن يتأهب لطعنه إذا عاد ~~إليه، وإذا هو بالصياح قد علا في الجناح الأيمن من معسكره بين البرابرة وعلت الضوضاء، وهم ~~يصيحون: «ذهبت غنائمنا ضاعت جهودنا هباء.» فالتفت فرآهم يتقهقرون ويتحولون إلى الوراء ~~فرسانا ومشاة، ورأى جيش أود هاجما على مخازن الغنائم في الخيام فاستعاذ بالله وجعل يصيح ~~في البرابرة أن يثبتوا في مواقفهم وأن غنائمهم لا تغني عنهم شيئا، فلم يلتفت أحد ms200 إلى قوله، ~~وبعد أن كان جند العرب فائزا تخاذل واغتنم الإفرنج فرصة ذلك التخاذل فأعادوا الكرة، ولولا ~~هانئ وفرسانه لانكسر العرب شر كسرة. ~~••• # ولكن هانئا لما علم بما أصاب البرابرة، بذل جهده في تثبيت رجاله ومريم معه، وقد نزعت ~~العمامة والخمار عن رأسها وألقت العباءة عنها وظهرت بثوبها النسائي الأسود، وقد استرسل ~~شعرها على كتفيها وخديها وهجمت والسيف مشهر بيدها، وقد انحسر كمها عن زندها وهي تقول: «عار ~~على العرب أن يفروا كما فر البربر إن هؤلاء يطلبون الغنائم، وأما أنتم فتطلبون الجهاد ~~وغنيمتكم الفخر والنصر والحسنى في الدنيا والآخرة.» # وكان الفرسان يحسبونها رجلا، فلما تبينوا أنها فتاة وشاهدوا جمالها وهيبتها مع تلك ~~البسالة والغيرة، خيل لهم أنها ملاك نزل من السماء لنصرتهم، فتحمسوا وثبتوا في هجومهم، ~~وصمموا على التفاني تحقيقا لندائها ونداء هانئ، ولكن الظلام فصل بين الجيشين فنفخ في ~~الأبواق فتراجع كل منهما إلى معسكره. # الفصل الثامن والسبعون # | بعد المعركة # فلما تراجع الجيشان تحول هانئ إلى مكان عبد الرحمن فلم يجده، فسأل عنه فلم ينبئه أحد ~~بخبره، فأركض فرسه للبحث عنه هنا وهناك فلم يقف له على أثر، فأمر فرسانه بالرجوع إلى ~~أماكنهم وترجل هو ومريم عن فرسيهما وجعلا يطوفان ميدان المعركة يتفحصان القتلى على نور ~~الشفق، ثم طلع القمر فأضاء تلك البقعة المغطاة بجثث الناس وفيهم الميت والجريح والعاجز، ~~وبينهم الأفراس في نحو ذلك بين صهيل وشخير وأنين وزفير، فتفقدا كل مكان فلم يجدا عبد ~~الرحمن، وإذا هما بصهيل يشبه صهيل فرسه عن بعد فأجفلا واستبشرا، فالتفتا إلى أطراف تلك ~~الساحة، فرأيا في أحد جوانبها مما يلي الجنوب فرسا واقفا وهو يصهل ويفحص الأرض، فصاح ~~هانئ: «هذا فرس الأمير.» وأسرع إليه ومريم تتبعه حتى وصل إلى الجواد فرآه واقفا وأمامه شبح ~~ملقى، عرفا أنه عبد الرحمن، فأسرع هانئ إلى يده يجسها فإذا هو جثة هامدة، وقد استلقى على ~~ظهره وبسط ذراعيه وعيناه شاخصتان نحو الشرق كأنهما تستقبلان نور القمر عند طلوعه، وشاهدا ~~سهما مغروسا في عنقه فعلما ms201 أنه سبب وفاته، فجثا هانئ عند رأسه وصاح: «وا أسفاه عليك يا ~~أميري ووالدي ويا أخي ويا نصيري، بل يا نصير المسلمين، ولكنك فزت بجنات النعيم؛ لأنك قتلت ~~مجاهدا فعسى أن ألحق بك عاجلا.» # وكانت مريم واقفة تنظر إلى تلك الجثة وتأسف لقتل ذلك القائد، لكنها كانت تتعزى ببقاء هانئ ~~حيا وترجو له النصر، فإذا فاز بالفتح أصبح أكبر قواد ذلك الجند، وقد نفر سمعها من تمنيه ~~اللحاق عاجلا بعبد الرحمن، فقالت: «دعنا من الندب فإنه يليق بالنساء، وهلم بنا إلى المعسكر ~~ندبر شئون الجند قبل الفشل، وإذا فزنا في الغد - ونحن الفائزون إن شاء الله - ففي ذلك تعزية ~~عن كل خسارة.» فاستصوب هانئ قولها وقال: «فلا بد لنا من دفنه.» # قالت: «متى وصلنا إلى المعسكر أرسلنا من يأتي بالجثة ثم تصلون عليها وتدفنونها.» قالت ذلك ~~ومشت وهي لا تزال مسترسلة الشعر مكشوفة الذراعين لا تبالي بما في صفاء ذلك الليل من برد ~~الخريف، ومشى هانئ والسيف يجر وراءه وقلبه في شغل تتنازعه عوامل الفشل والأسف والأمل، ~~وتظلله غياهب الحب والوجد، ومريم تسير إلى جانبه وهي في مثل حاله، وقد وليا وجهيهما نحو ~~المعسكر وساحة المعركة إلى يمينهما ومعسكر أود إلى يسارهما وليس في تلك الساحة أنيس، ولا ~~يسمعان فيها غير الأنين والزفير، وربما شاهدا بعض العبيد يبحثون في الجثث يلتقطون ما بينها ~~من سلاح أو آنية أو حلي، ولاحت من هانئ لفتة إلى جثة بين يديه عليها ملابس الإفرنج كاد ~~يتعثر بها فأراد أن يعرج عنها فرأى في وجهها شيئا يعرفه، فتفرس فيها فإذا هي جثة رودريك، ~~فبغت وقال: «ألا تعرفين هذا الوجه يا مريم؟» # فنظرت إليه وقالت: «كلا.» # قال: «هذا رودريك حفيد حسان، وكان قد حمل إلينا بالأمس رسالة من والدتك أنبأتنا فيها ~~بأمور كثيرة عن أحوال هذا الجند ساعدتنا على حربهم اليوم، وأخبرنا أنها عند أود في خير ~~وإكرام، ثم عاد مسرعا إليها لعلها تحتاج إليه في مهمة أخرى، فما الذي جاء به إلى هنا يا ~~ترى ms202 حتى قتل؟» # فصاحت مريم: «أرى في يده شيئا كالكتاب أظنه رسالة من والدتي.» # قالت ذلك ومدت يدها لإخراج الكتاب من قبضته، فلم تستطع كأنه قابض عليه بقوة، فارتعشت ~~جوارحها؛ لأنها تصورت الرجل حيا، فتقدم هانئ ونزع الكتاب بعنف وهو يقول: «يظهر أنه مات ~~منذ هذا الصباح.» وناول الكتاب لمريم وهو لفافة من جلد فصاحت: «رسالة! رسالة من والدتي ~~فلنقرأها!» # فوقف هانئ إلى جانبها، وأخذت تقرأ في ضوء القمر: # إلى الأمير عبد الرحمن سلام - أما بعد - فإني أكتب هذا الكتاب إليك عند الفجر ~~والناس نيام، وقد بت بالأمس قريرة العين بما شاهدته من شجاعة العرب وتجددت آمالي ~~بالنصر، ثم بلغني تدبير دبرته تلك المرأة المسماة ميمونة إذا وفقت إلى إتمامه كانت ~~العاقبة وخيمة - لا سمح الله - وذلك أنها اجتمعت في هذا الليل بوالدها وأخبرته بما ~~عليه رجال البربر من ضعف الإسلام والتعلق بالغنائم، وأشارت عليه إذا نشبت الحرب في ~~هذا اليوم وخشي تقهقر الإفرنج أن يبعث بشرذمة من رجاله يسطون على مستودعات الغنائم ~~في معسكركم، وأن يبعث أناسا عليهم ملابس العرب يصيحون في جندكم، أن الغنائم قد ~~أخذت، وسيتولى ذلك عدلان البربري الأحول؛ لأنه يستطيع التنكر في مظهر عربي، وتكفل - ~~قبحه الله - بقتل أدهم الأمير هانئ لتضعف الفرسان وهم أقوى جنودكم علمت بهذا ~~التدبير من الشاب رودريك وسأرسل هذا الكتاب معه، ولكني أتوجس خيفة عليه من عدلان ~~لئلا يفعل به كما فعل بجده، أو ربما أصابه نبل في أثناء ذهابه، ولا حيلة لي في ~~تلافي ذلك إذ لا بد من إبلاغ هذا التدبير إليكم بالوسائل الممكنة فإذا أدرككم كتابي ~~هذا في حينه ونفعكم ما فيه فإني ضامنة لكم النصر بإذن الله، وإلا فإني أخاف عليكم ~~العاقبة، وإذا أخفق هذا المسعى - لا سمح الله - وقدر النصر للإفرنج فلن تقوم للعرب ~~قائمة في هذه البلاد، أما أنا فقد أتممت المهمة التي انتدبت لها، ولا حاجة لأن ~~أوصيك بمريم فإنها في رعايتك وإن كنت لا أرضى لها البقاء إذا انكسر العرب، ولا هي ~~ترضاه ms203 لنفسها، وإذا فشل العرب ولم يقطعوا نهر لوار فلا قيمة للحياة، ولذلك فلا ~~تطلبوني فإنكم لن تجدوني في أي مكان والملتقى في الدار الآخرة فإنها تجمع شتات ~~المحبين والسلام. # وما أتت مريم على آخر الكتاب حتى وقف شعرها وارتعشت أناملها وغشى الدمع عينيها والتفتت ~~إلى هانئ، فإذا هو مطرق يفكر، ثم رفع بصره إليها وقال: «قد علمت الآن سر الانقلاب الذي ~~أصاب جندنا بعد أن كدنا نهزم الأعداء.» # فقالت: «لعن الله لمباجة وعدلان خادمها إذ لولاهما لكنا الآن في معسكر شارل وفي الصباح ~~نقطع ذلك النهر.» # فقال: «العيب يا مريم مرجعه إلى جندنا فإنه متفرق الكلمة متباين الأغراض، وخصوصا أولئك ~~البربر فإنهم لا يفهمون من الحرب غير السلب والنهب، ولولا دراية الأمير عبد الرحمن - رحمه ~~الله - وحسن أسلوبه وسعة صدره ما استطعنا الوصول إلى هنا، وقد مات عبد الرحمن الآن ولا نعلم ~~ما يصير إليه أمرنا بعد.» # فقالت: «نعم إن مقتل هذا الأمير خسارة كبرى، ولكننا لا ينبغي أن ننوء تحت هذا العبء، وإني ~~أقدم نفسي لما تنتدبني إليه في هذه الحرب.» # قال: «يكفي منك تحريض الأمراء على الاتحاد والصبر، فقد رأيت من تأثير أقوالك في وقعة ~~اليوم ما أدهشني.» # قالت: «لك علي ذلك؛ لأني إن لم يفز هذا الجند فلن يكون لي بقاء تلك هي وصية والدتي في ~~هذا الكتاب.» # فقال: «وأنا هل أبقى وحدي؟ ولكني أرجو ألا نتعرض لهذه الأخطار، هلم بنا إلى المعسكر.» قال ~~ذلك ومشى، فمشت مريم وهي لا تزال حاسرة الرأس مسترسلة الشعر لا تنتبه لنفسها حتى إذا اقتربا ~~من المعسكر، لم يسمعا جعير الجمال ولا صهيل الخيل، ولا رأيا نارا ولا حركة ولا شيئا يدل ~~على الجند مع أن الخيام كانت لا تزال باقية كما هي، فأسرع إلى فسطاط الأمير الكبير فإذا هو ~~خال خاو، فخرجا منه إلى ما يجاوره وطلبا خيمة الأمير هانئ فوجداها خالية، وبالجملة فقد ~~كان معسكر العرب كأنه خيام منصوبة في الصحراء لا إنسان فيها ولا دابة حتى ولا حشرة. ms204 # فقضيا برهة يتمشيان وهما صامتان من الدهشة والاستغراب ثم تكلم هانئ قائلا: «ما الذي ~~أراه؟ أين ذهب الجند؟ أين الخدم؟ أتظنينهم ذهبوا نحو الأخبية ليجعلوا هذا النهر الصغير ~~ترسا لهم في الدفاع؟» # قالت: «ربما فعلوا ذلك هل نذهب إلى الأخبية؟» # قال: «نذهب» وخرجا من بين الخيام كأنهما خارجان من مكان خرب حتى عبرا النهر الصغير إلى ~~الأخبية فلم يجدا فيها أنيسا، فقال هانئ: «إذا فرضنا أن البربر جبنوا وفروا، فأين العرب؟ ~~بل أين النساء والأولاد؟ ما أسرع نهوضهم وفرارهم يظهر أن وجود عبد الرحمن وحده كان جامعا ~~لهم فلما مات، ماتت قلوبهم.» # ثم أطرق حينا لا يتكلم، وقلبه يكاد ينقطع حنقا ويأسا، لا يدري ماذا يقول، وقد حدثته ~~نفسه بأمور كثيرة أكبر أن يذكرها، وكانت مريم تسير بجانبه لا تقول شيئا، وهي تكتم أمرا ~~أجلت التصريح به حتى تسمع رأيه فيه، وبعد المسير مدة على مثل هذه الصورة بين الأخبية ~~والخيام وكل منهما غارق في أفكاره يتعثر بالأطناب والأوتاد، قال هانئ: «يجب علينا قبل كل ~~شيء أن نواري جثة أميرنا - رحمه الله - لئلا تذهب فريسة العقبان أو يمثل بها الأعداء.» قال ~~ذلك وتحولا نحو ساحة المعركة فعرفا مكان الجثة من صهيل الجواد، فتعاونا في حملها على الفرس ~~إلى حفرة في مكان منفرد، وضعاها فيه وأهالا عليها التراب ولم ينبس أحد منهما ببنت شفة، فكان ~~لذلك الدفن على بساطته هيبة ووقار بما كان يضطرم في قلبيهما من نيران الحزن والأسف ~~المريرين، فضلا عما كان يضطرم من نيران الحب ولواعج الغرام. # الفصل التاسع والسبعون # | اللقاء الدائم # فرغا من الدفن وهما صامتان، وكان القمر قد تكبد السماء وأصبح نوره مثل نور النهار فقالت ~~مريم: «وما العمل يا هانئ؟» # فتنهد هانئ وقال: «لو كان معي خمسون رجلا لهاجمت بهم هذين المعسكرين، على أن وحدتي لا ~~تمنعني من الهجوم ولو كان فيه فنائي، ولكنني أخاف على مريم إذا أنا قتلت أن يلحق بها عار أو ~~إهانة.» # فالتفتت إليه وقالت: «وهل تبقى مريم بعدك؟ ذلك لا ms205 يكون وقد قرأت وصية والدتي (وتنهدت) ~~فإنها تحبب إلي اللقاء بها في الدار الآخرة، ولا أشك في أنها هناك الآن، فإذا كنت تحب ~~مريم وتريد أن تطمئن على حياتها وعزها، فاسمح لي أن ألحق بوالدتي إذ لا فائدة من بقائي، ~~وأما أنت فإن الإسلام يحتاج إليك والجهاد يفتقر إلى سيفك وذراعك.» # فلما سمع كلامها هاج غرامه حتى أنساه موقفه فقال: «إن الإسلام مفتقر إلى مثلك أكثر من ~~افتقاره إلى مثلي إنك ابنة الملكين فقد حزت فضائل الجنسين والله لو صبر أولئك الجبناء وكنت ~~أنت رائدهم في حومة الوغى لفازوا وقطعنا نهر لوار آه من هذا النهر لقد امتنع علينا عبوره ~~فامتنع اجتماعنا أتطيعيني يا مريم؟» # قالت: «إني أطوع لك من بنانك إلا إذا أردت بقائي بعدك.» # قال: «لقد فشل جندنا، وفر من بقي منا حيا وفي الفرار بقاء ترتاح له نفس الجبان، وقد ~~اجتمعنا الآن ولا رقيب علينا وكل منا يريد البقاء، ولا بقاء إلا بالفرار، ونفسي تأبى ذلك، ~~ولا يخفى عليك يا منيتي أن فؤادينا قد ذابا تطلعا إلى اليوم الذي نقطع فيه ذلك النهر؛ لأن ~~في قطعه اجتماعنا فما الذي يمنعنا من الاجتماع فيه الآن؟» # فقطعت كلامه قائلة: «في جوفه؟» # فقال: «بل في قاعه وإذا كنا معا فلا أبالي أين نكون ولا كيف نكون.» قال ذلك ووثب حتى ركب ~~جواد عبد الرحمن وأمسك بيدها فأردفها وراءه وأركض الفرس وهي ممسكة بعباءته، واتجها نحو نهر ~~لوار خارج مدينة تورس حتى وصلا إلى ضفة من الرمال تنكسر عليها مياه النهر بعد تموج ضعيف، ~~وسطح النهر يتلألأ في ضوء القمر ويتلون، فترجلا عن الفرس وأطلقا له العنان فعاد إلى ~~المعسكر، وظلا هناك منفردين والجو هادئ ساكن لا يسمع فيه غير خرير الماء ونقيق الضفادع، ~~فخلعا نعالهما ومشيا على الرمل المرطب بالماء، ونزع هانئ عمامته وعباءته فأصبح حاسر الرأس ~~والذراعين مثل مريم، وله ضفيرة كانت العمامة تغطيها فاسترسلت مثل ضفائر مريم، فمشيا على ~~الرمل حتى أصبح تكسر المياه يصيب كعبيهما فوقفا هناك ms206 ومد هانئ يديه إلى مريم، قبض بهما على ~~يمناها فأحس ببرودتها ولينها، ولم يشعر بقشعريرتها لانشغاله بقشعريرته، فضغط على يدها بكلتا ~~يديه فارتعدت فرائصها جميعا، ولم تعد مريم تستطيع الوقوف لاصطكاك ركبتيها، فأسندت رأسها ~~بيسراها على كتف هانئ، فأسكرتها رائحة عرقه كما أسكرته رائحة طيبها ولمس شعرها وجهه واشتبك ~~بشعر لحيته، فأحس بقشعريرة دبت في جسمه دبيب النمل بين اللحم والعظم وخشي لشدة تأثره أن ~~تخونه قدماه فيقع فأبقى يسراه قابضة على يمناها، وأدار يمناه إلى كتفها وتساندا وهما صامتان ~~والهوى يتكلم، ثم رفعت رأسها عن كتفه ونظرت في وجهه، وعيناها ذابلتان من شدة التأثر وقد ~~غشيهما الدمع وقالت بصوت مختنق: «أتحبني يا هانئ؟» # فأعاد يده الأخرى فأمسك يمناها بيديه وأدناها إلى صدره، وقد غلب عليه الحب ونسي مواقف ~~القتال وقال: «نعم أحبك! أحبك!» قالت: «آه، ما ألطف الحب وما ألذه!» قال: «لا لذة بغير ~~الاجتماع هل في الدنيا اثنان يتمتعان بألذ مما نحن فيه الآن؟ ضميني يا مريم يا حبيبتي ضميني ~~إلى صدرك ألا تشعرين بخفقان قلبي؟ إني أشعر بدقات قلبك.» قال ذلك وإحدى يديه فوق كتفها ~~والأخرى قابضة على يدها. # أما هي فرفعت بصرها إلى السماء فرأت القمر مشرقا إشراقا باهرا، وعلى وجهه رسم يشبه ~~رأسين متقاربين كأنهما حبيبان يتعانقان فقالت: «إني أرى صورتنا قد ارتسمت على وجه القمر ~~انظر يا هانئ، ألا ترى وجهين مثل وجهينا؟» # قال: «لا أرى في الدنيا من يشبهنا، ولا من حال تشبه حالنا.» وكانت مريم قد جفت دموعها ~~فلما سمعت قوله تذكرت حالها فقالت وهي تغص بريقها: «إن حالنا عجيبة يا هانئ تمنينا الاجتماع ~~وسعينا إليه فامتنع علينا، فلما التقينا ساءنا الاجتماع خوفا من الفراق.» # فأجابها وبصره شاخص في وجهها قائلا: «إني لا أرى ما يشفي غليلي بعد طول التحسر إلا أن ~~نجتمع اجتماعا متواصلا لا يتخلله فراق ولا يكون ذلك إلا بالموت معا، هل تموتين معي يا ~~مريم؟» # فالتفتت إليه ويدها ملتفة بيده إلى الكتف وعيناها ذابلتان ولو لم تتكلم هي ms207 لتكلمتا، ثم ~~قالت: «الموت معك حياة يا حبيبي يا حبيبي آه ما ألذ هذا اللفظ، وكم كنت أتلذذ بتكراره في ~~خلوتي وأتحسر على سماعه من فمك.» # قال: «صدقت ولا يعرف لذة هذا اللفظ غير المحبين، وقد كفانا من حبنا المتبادل التمتع بهذا ~~اللفظ؛ لأننا مقيدان بعهود لا تجيز لنا ما وراءه، ولو كتب لنا النصر وقطعنا هذا النهر لكان ~~اجتماعنا أطول وملذاتنا أكبر على أننا لم نكن مع ذلك نأمن الفراق ونكد العيش، والدنيا تأتي ~~بالعجب العجاب أما الآن فإذا متنا متعانقين فكأننا عشنا الدهر معا ولم ينغص عيشنا ~~فراق.» # قالت: «عجل إذن ولا تطل بنا الوقوف لئلا يحدث ما يحرمنا هذه السعادة.» قالت ذلك ومدت يدها ~~إلى جيبها وأخرجت المحفظة ونظرت إليها لحظة ثم قبلتها وضمتها إلى صدرها وبكت وهي تقول: ~~«أماه يا أماه وا لهفي عليك ما كان أشقاك قضيت العمر في التكتم والتستر والحذر ثم ذهبت ~~قتيلة ذلك السر محافظة على عهد حبيبك وإكراما لوصيته، ولو عرفت ذلك من قبل لاستغربت منك ~~هذا التعلق وأما الآن فقد ذقت طعم الحب فلا ألومك، بل أنا فاعلة مثل فعلك وها أنا ذا أتبع ~~وصيتك.» ثم أعادت المحفظة إلى جيبها وهي تقول: «هذا سرك ذاهب معنا إلى غياهب ~~الأبدية.» # وكان هانئ يسمع كلامها وهو يرقب حركات شفتيها وعينيها ويشاركها بكل جارحة من جوارحه، فلما ~~فرغت من قولها أشار بعينيه إلى جسمها الغض وقال لها: «أليس غبنا أن تذهب هذه الأعضاء ~~طعاما لأسماك البحر؟» # فقطعت كلامه قائلة: «ذلك خير لها من أن يفترسها وحوش البر الذين يسمون أنفسهم بنى الإنسان ~~عجل يا هانئ قبل أن يغلب علينا حب البقاء.» # فمد يديه ومدت يديها، وتخاصرا من جانب وتماسكا من الجانب الآخر ومشيا على الرمل حتى غرقت ~~أقدامهما في الماء فأحسا ببرده وبانزلاق الرمل تحت الأخمصين، وكانا كلما انغمرا في الماء ~~ازدادا تعانقا وازدادا تجاذبا حتى أصبحا جسما واحدا، وغطسا في الماء وكل منهما يتلذذ ~~بذكر اسم الآخر وبعد دقيقة بدا بعض الرأسين، ms208 والشعر سابح على سطح الماء، ثم غطسا إلى قاع ~~النهر ولم يعد يعلم مصيرهما إلا الله. # أما جيش الإفرنج فإنهم أصبحوا في اليوم التالي وهم يتوقعون هجوم العرب عليهم، فرأوا الأرض ~~قفرا والخيام خالية، فاستولوا على ما كان باقيا فيها من الغنائم وكان ذلك آخر عهدهم ~~بالعرب هناك على ما دونه التاريخ. ms209