######OpenITI# #META# URI: 1331JurjiZaydan.TarikhTamaddunIslami1.Hindawi26382506 #META# Tags: history #META# ID: 26382506 #META# Title: تاريخ التمدن الإسلامي (الجزء الأول) #META# AuthorID: 40590249 #META# Author: جُرجي زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة (1)‏ # مقدمة (2)‏ # مقدمات تمهيدية‏ # الدولة الإسلامية ... كيف نشأت؟‏ # الروم والفرس عند ظهور الإسلام‏ # انتشار الإسلام‏ # الخلفاء الراشدون‏ # الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام‏ # دولة بني أمية‏ # بنو العباس‏ # الدولة الأموية في الأندلس‏ # الدولة الفاطمية‏ # سائر الدول الإسلامية في أنحاء العالم‏ # الدولة الإسلامية‏ # مناصب الدولة الإسلامية‏ # الخلافة‏ # مبايعة الخلفاء‏ # علامات الخلافة‏ # شارات الخلافة‏ # ولاية الأعمال‏ # الوزارة وما يتبعها‏ # الجند وتوابعه‏ # ديوان الجند‏ # بيت المال‏ # البريد‏ # القضاء‏ # ديوان الإنشاء‏ # الحجابة‏ # النقابة‏ # مشيخة الطرق الصوفية‏ # مقدمة (1)‏ # مقدمة (2)‏ # مقدمات تمهيدية‏ # الدولة الإسلامية ... كيف نشأت؟‏ # الروم والفرس عند ظهور الإسلام‏ # انتشار الإسلام‏ # الخلفاء الراشدون‏ # الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام‏ # دولة بني أمية‏ # بنو العباس‏ # الدولة الأموية في الأندلس‏ # الدولة الفاطمية‏ # سائر الدول الإسلامية في أنحاء العالم‏ # الدولة الإسلامية‏ # مناصب الدولة الإسلامية‏ # الخلافة‏ # مبايعة الخلفاء‏ # علامات الخلافة‏ # شارات الخلافة‏ # ولاية الأعمال‏ # الوزارة وما يتبعها‏ # الجند وتوابعه‏ # ديوان الجند‏ # بيت المال‏ # البريد‏ # القضاء‏ # ديوان الإنشاء‏ # الحجابة‏ # النقابة‏ # مشيخة الطرق الصوفية‏ # | تاريخ التمدن الإسلامي (الجزء الأول) # | تاريخ التمدن الإسلامي (الجزء الأول) # تأليف # جرجي زيدان # | مقدمة (1) # لا مشاحة في أن تاريخ الإسلام من أهم التواريخ العامة، لأنه يتضمن تاريخ العالم المتمدن ~~في العصور الوسطى، أو هو حلقة موصلة بين التاريخ القديم والتاريخ الحديث، فيه انتهى التمدن ~~القديم، ومنه أشرق التمدن الحديث، وقد علقنا بدرس هذا التاريخ منذ أعوام، وكنا نغتنم ساعات ~~الفراغ من إنشاء «الهلال» ونعلق ما يبدو لنا من حقائقه على أمل التفرغ لتأليف تاريخ مطول ~~فيه، وقد أعلنا عزمنا على ذلك غير مرة، ولا نزال على هذا العزم بعون الله. # ونظرا لما نعتقده من افتقار قراء العربية على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم إلى نشر هذا ~~التاريخ فيما بينهم - لأنه تاريخ لسانهم وأمتهم وبلادهم، بل هو تاريخ تمدنهم وآدابهم ~~وعاداتهم - وما فتئنا نختلس الفرص لنشر ما يسهل تناوله وتدعو الحاجة إليه في حينه مما يتعلق ~~بهذا التاريخ، وأخذنا نهيئ أذهان القراء على اختلاف طبقاتهم وتفاوت معارفهم ومداركهم، ~~لمطالعة هذا التاريخ بما ننشره من الروايات التاريخية الإسلامية تباعا في «الهلال»، لأن ms0001 ~~مطالعة التاريخ الصرف تثقل على جمهور القراء وخصوصا في بلادنا، والعلم لا يزال عندنا في ~~دور الطفولة، فلا بد لنا من الاحتيال في نشر العلم بيننا بما يرغب الناس في القراءة، ~~والروايات أفضل وسيلة لهذه الغاية. # وقد صدر من تلك السلسلة إلى الآن ست حلقات تتضمن وصف أهم وقائع التاريخ الإسلامي إلى مقتل ~~ابن الزبير وخلوص الخلافة لعبد الملك بن مروان، # 1 # وقد آنسنا من جمهور القراء شوقا إلى التوسع في هذا التاريخ واستطلاع كنه ~~التمدن الإسلامي، ورأينا في أفاضل كتابنا تطلعا إلى البحث في هذا التمدن والنظر في ~~علاقته بالتمدن الأوربي الحديث، وكتب إلينا غير واحد من أهل الأدب يسألوننا رأينا في ذلك، ~~فرأينا أن نجعل تتمة السنة العاشرة من الهلال كتابا في هذا الموضوع نبين فيه تاريخ هذا ~~التمدن ونستطرد مع الكلام إلى علاقته بالتمدن الإفرنجي. # وتاريخ الأمة الحقيقي إنما هو تاريخ تمدنها وحضارتها، لا تاريخ حروبها وفتوحها، وخصوصا ~~على ما تعوده مؤرخو العرب في تاريخ الإسلام، فإنهم يسردون الوقائع على علاتها، وقلما يشيرون ~~إلى الأسباب التي تربط تلك الوقائع بعضها ببعض بحيث يرتاح العقل إلى تعليلها والنظر فيها ~~وترسخ في ذهنه حقيقة تلك الأمة، على أننا نظنهم معذورين في ذلك باعتبار ما كانت تدعوهم إليه ~~الحال من تجنب الخوض في أسباب تلك الوقائع، وأكثرها لا ينجو الباحث فيه من الانتصار لأحد ~~الجانبين وهم يتجنبون ذلك، ولعل لهم عذرا آخر. # أما الآن فليس هناك ما يمنعنا من الخوض في هذا العباب، وقد حاول غير واحد من المستشرقين - ~~من الإفرنج وغيرهم - استطلاع كنه ذلك التمدن، فلم يجدوا في كتب القوم ما يشفي غليلا، لتشتت ~~تلك الحقائق وتبعثرها، ولذلك لما نشرنا في العام الماضي عن عزمنا على تأليف هذا الكتاب، كتب ~~إلينا جماعة من هؤلاء الأفاضل يستغربون إقدامنا على ركوب هذا المركب الخشن. # والحق يقال إننا أعلنا هذا العزم ونحن لا نتوقع العثور على ما يزيد على صفحات تتمة السنة ~~العاشرة من مجلة «الهلال» (160 صفحة) فشمرنا عن ساعد الجد ms0002 وبذلنا جهد المستطاع في مطالعة ما ~~كتبه العرب في الأدب والتاريخ والسياسة وسائر العلوم فيما وفقنا إليه من الكتب المطبوعة ~~والمخطوطة ... # ومن أمثلة ما قرأناه من كتب التاريخ والفتوح والتقاويم مؤلفات البلاذري والمسعودي وابن ~~الأثير وابن خلكان وأبي الفدا وابن خلدون وابن طاطبا والسيوطي والمقري من المؤرخين، ~~وابن خرداذبة والأصطخري وياقوت الحموي من الجغرافيين، ومن كتب الأدب الأغاني لأبي الفرج ~~الأصفهاني، والعقد الفريد لابن عبد ربه، والكشكول، والمستطرف، للإبشيهي، وسراج الملوك ~~للطرطوشي، وغيرها، ومن كتب التفسير والحديث والفقه تفسير الرازي والزمخشري وصحيح البخاري ~~ومشكاة المصابيح والهداية وغيرها. # ومن كتب السياسة والإدارة كتاب الخراج لأبي يوسف، وكتاب الخراج وصنعة الكتابة لقدامة بن ~~جعفر، والأحكام السلطانية للماوردي والعقد الفريد للملك السعيد، ومقدمة ابن خلدون، وغير ذلك ~~من الكتب في موضوعات أخرى لا يخطر للمطالع أنها تفيد في هذا الموضوع، وقد عثرنا فيها على ~~فوائد جمة، مثل حياة الحيوان للدميري، وعجائب المخلوقات للقزويني، وغيرهما، فضلا عن ~~المعاجم والفهارس مثل كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، وكتاب كشف الظنون لحاجي خليفة، وكليات ~~أبي البقاء، وغيرها، وكل ذلك في اللغة العربية ... # ثم طالعنا ما يستطاع الوصول إليه مما ألفه الإفرنج في الإسلام وتاريخه وآدابه في اللغات ~~الفرنسية والإنجليزية والألمانية، مثل كتاب جستاف لوبون الفرنسي في تمدن العرب # 2 # وكتاب ليبو في تاريخ الدولة الرومانية الشرقية المعروفة بالبيزنطية # 3 # ومقالات في المجلة الآسيوية الفرنسية، # 4 # وكتاب فون كريمر بالألمانية في تاريخ تمدن المشرق، # 5 # وكتاب مولر الألماني في تاريخ الإسلام في الشرق والغرب، # 6 # وكتاب ستانلي لين بول الإنجليزي في الدول الإسلامية # 7 # وكتاب إدوارد جيبون الإنجليزي في اضمحلال الدولة الرومانية وسقوطها # 8 # وغيرهم. # وقد زاد عدد ما طالعناه من الكتب العربية والإفرنجية على مائتي مجلد ... عدا ما راجعناه من ~~القواميس العامة والموسوعات على اختلاف اللغات والموضوعات، مع ما رسخ في ذهننا من مطالعة ~~تاريخ المشرق بتوالي الأعوام، فوفقنا بعد كل ما تقدم إلى ما يملأ أضعاف الكتاب المطلوب من ~~الأبحاث الفلسفية في تاريخ ذلك التمدن العجيب، من ms0003 الوجوه السياسية والإدارية والعلمية ~~والأدبية والأخلاقية، فلم نر بدا من تقسيم الموضوع إلى أجزاء نصدر الجزء الأول منها ~~الآن، ثم نصدر ما يليه من الأجزاء تتمة للسنين التالية من الهلال إن شاء الله. # فالجزء الأول، وهو هذا، أساس ما يليه من الأجزاء، وقد صدرناه بمقدمات تمهيدية في العرب ~~والتمدن وحال العرب قبل الإسلام إلى نهضتهم الأخيرة قبيله، والحكومة في الجاهلية وتاريخ ~~الكعبة وقريش إلى ظهور الدعوة الإسلامية وكيفية ظهور هذه الدعوة، وانتشار الإسلام والفتوح ~~الإسلامية إلى قيام الدولة الأموية فالعباسية فالأموية الأندلسية فالفاطمية فغيرها، وقد ~~نظرنا في كل ذلك نظر الناقد، فلم نذكر حادثة إلا أسندناها إلى عللها وأسبابها وبينا ما ~~نتج عنها وذكرنا علاقتها بما بعدها ... وخصوصا فيما ساعد العرب على فتح المملكتين الفارسية ~~والرومية (البيزنطية) مع قلة عددهم وضعف معداتهم، وهو بحث فلسفي لم يستوفه أحد في لغة من ~~اللغات على ما تعلم - إلا ما قد تراه في كتب الباحثين من الإفرنج وأكثره مختصر لا يروي ~~غليلا - ولا يعابون في ذلك والموضوع بعيد عنهم ولا علاقة له بأحوالهم ولا بأديانهم ولا ~~بآدابهم ولا بتاريخهم إلا قليلا - وإنما اللوم علينا نحن أبناء هذا اللسان - وقد سبقنا ~~الإفرنج إلى البحث في تاريخ بلادنا وأمتنا وآدابنا وأخلاقنا. # وعمدنا بعد تلك المقدمات إلى النظر في المملكة الإسلامية في إبان عزها وفي إحصائها، ثم في ~~الدولة الإسلامية وإدارتها وكيف نشأت وتشعبت إلى الوظائف المتعددة كالخلافة وما يتبعها ~~والوزارة وولاية الأعمال وبيت المال والجند وسائر الدواوين، ثم ذكرنا تاريخ كل هذه الإدارات ~~والوظائف وما تفزع منها أو ألحق بها، وقد عانينا المشاق الكبرى في استخراج حقائق تلك ~~التواريخ من كتب القوم، فربما قرأنا المجلد الضخم فلا نستفيد إلا فقرة أو فقرتين، وقد لا ~~تتم الحقيقة الواحة إلا بمطالعة المجلدين أو الثلاثة. # ومن أمثلة ما اتفق لنا من هذا القبيل أننا بعدما كتبنا تاريخ ولاية الأعمال وتاريخ القضاء ~~في الدولة الإسلامية، عمدنا إلى البحث عن رواتب العمال ورواتب القضاة في زمن الخلفاء ~~الراشدين، فوجدنا في ms0004 فتوح البلدان للبلاذري أن عمر بن الخطاب «بعث عمار بن ياسر على صلاة ~~أهل الكوفة وجيوشهم، وعبد الله بن مسعود على قضائهم وبيت مالهم، وعثمان بن حنيف على مساحة ~~الأرض، إلخ» لكنه لم يذكر مقدار عطاء أحد منهم، ثم وجدنا في كتاب سراج الملوك للطرطوشي في ~~باب سيرة السلطان في الإنفاق من بيت المال وسيرة العمال قوله «ولم يقدر عمر الأرزاق إلا في ~~ولاية عمار فأجرى على عمار ستمائة درهم مع عطائه لولاته وكتابه ومؤذنيه، وعبد الله بن مسعود ~~مائة درهم كل شهر، إلخ» ولم يذكر منصب عمار ولا منصب ابن مسعود، ولكننا جمعنا بين الروايتين ~~فاستنتجنا منهما أن راتب من يتولى الجيوش والصلاة في عمل من الأعمال، كان على عهد عمر بن ~~الخطاب ستمائة درهم، وراتب القاضي مائة درهم في الشهر، وعلمنا من قرائن أخرى أن الذي يتولى ~~الصلاة والجيوش في أيام عمر هو العامل، ومن قرائن أخرى أن عمارا كان عاملا لعمر على ~~الكوفة، فتحققنا من مجموع ما تقدم أن راتب العامل كان على عهد عمر ستمائة درهم وراتب القاضي ~~مائة درهم - وقس على ذلك. # وسنبحث في الجزء الثاني عن ثروة المملكة الإسلامية وغنى أهلها وحضارتها وعلاقتها بالدول ~~المعاصرة لها، ووصف أحوال الخلفاء في مجالسهم وألعابهم واهتمامهم بالعلم والعملاء والشعر ~~والشعراء والدخول عليهم وجلوسهم للناس وقصورهم وبذخهم وركوبهم وضيافتهم وكرمهم والأبنية ~~الإسلامية والمدن الإسلامية إلخ ... # والجزء الثالث يبحث في العلوم والآداب والشعر والصناعة وحالها في الشام والعراق قبل ~~الإسلام، وكيف ارتقى إليها المسلمون وتاريخ ذلك الارتقاء ومقداره. # والجزء الرابع يبحث في الآداب الاجتماعية في تلك العصور الزاهرة على ما يقتضيه المقام. # 9 # وسنختم المقام ببيان نسبة التمدن الإفرنجي الحديث إلى التمدن الإسلامي، ويكون الكلام في ~~ذلك جليا واضحا بعد تفصيل عوامل هذا التمدن في الأجزاء السابقة. # 10 # فترى مما تقدم أن الموضوع شاق ووعر، فضلا عن حداثته في عالم التأليف مع قصورنا في هذا ~~الشأن، وفي ذلك تمهيد للعذر على ما قد يشوب هذا الكتاب من النقص، ونتقدم ms0005 إلى أهل الفضل أن ~~يؤازرونا بملاحظاتهم وآرائهم للانتفاع بها فيما سيصدر من الأجزاء التالية إن شاء الله ~~تعالى. # | مقدمة (2) # ظهر هذا الكتاب منذ بضع عشرة سنة، فتناوله الأدباء والعلماء بالتقريظ والانتقاد في الصحف ~~العربية وغيرها، وجاءتنا كتب أهل العلم من أقطار العالم الإسلامي ينشطوننا ويستحثوننا، ~~وفيهم من جاهر صريحا أنه لم يكن يظن تأليف مثل هذا الكتاب ممكنا، لقلة المآخذ المساعدة ~~على ذلك، فزادنا تنشيطهم ثباتا على هذا العمل حتى ظهر الكتاب في أجزائه الخمسة. # وكان له وقع خاص عند أدباء اللغات الأخرى، فأخذوا في نقله كله أو بعضه إلى ألسنتهم، فنقل ~~إلى أهم اللغات الشرقية - نعني الفارسية والأوردية والتركية، ظهر مطبوعا فيها كلها - ونقل ~~إلى أهم لغات أوربا - نعني الإنجليزية والفرنسية - وقد ظهر جزؤه الرابع في الأولى وسيظهر ~~جزؤه الأول في الثانية، وتضاعف الإقبال على الطبعة العربية حتى نفذت نسخ هذا الجزء منذ بضعة ~~أعوام، ونحن نتحين الفرص لإعادة طبعه، فلم نتمكن من ذلك إلا الآن. # وما برحنا منذ صدور الطبعة الأولى ونحن نجمع ما يمر بنا من الفوائد التي يحسن إدخالها في ~~هذا الكتاب عند إعادة طبعه، فاجتمع لدينا من ذلك شيء كثير أضفناه إلى هذه الطبعة، ونظرنا ~~فيما وصل إلينا من انتقادات المنتقدين أو ملاحظات الملاحظين مما نشر في الصحف أو الكتب أو ~~جاءنا في الكتب الخصوصية، وتدبرناها كلها بإخلاص وروية فأصلحنا ما صح عندنا وأغفلنا الباقي ~~- وهو الأكثر - وإنما توهم المنتقدون خطأه، لأنهم نظروا فيه من وجه غير الذي نظرنا منه نحن، ~~أو أننا اطلعنا عليه في مصادر لم يطلعوا عليها، فاكتفينا في هذه الحال يذكر المصدر الذي ~~عولنا عليه في ذيل الصفحة. # فجاءت هذه الطبعة أكبر من الأولى وأوفر مادة وأحسن ترتيبا وأكثر صورا وأشكالا، وفي ما ~~أضفناه له من الصور أو الخرائط ما يزيد البحث إيضاحا، فعسى أن يقع عملنا هذا موقع ~~الاستحسان، وحسبنا أننا قمنا ببعض الواجب في سبيل آداب هذا اللسان. # | مقدمات تمهيدية # البحث في تمدن الأمة يتناول النظر فيما بلغت إليه ms0006 من سعة الملك والعظمة والثروة ووصف ما ~~رافق تمدنها من أسباب الحضارة وثمارها، ويدخل في ذلك تاريخ العلم والأدب والصناعة ولوازمها، ~~كالمدارس والمكاتب والجمعيات، وبسط حال الدولة ومناصبها وما انتهت إليه من الرخاء، وما هو ~~مقدار تأثير ذلك في هيئتها الاجتماعية، وذلك يستلزم وصف عادات الأمة وآدابها الاجتماعية ~~ومناحيها السياسية وإسناد ذلك إلى أسبابه وبواعثه. # غير أن النظر في هذا التمدن على هذه الصورة، لا يكون واضحا وافيا إلا إذا تقدمه البحث ~~عن حال تلك الأمة في بداوتها، وكيف تدرجت إلى الحضارة وما هي العوامل التي ساعدتها على ذلك، ~~والبحث المشار إليه ضروري خصوصا في تاريخ التمدن الإسلامي، لأن فيه عوامل خاصة به لا ~~وجود لها في تمدن الأمم الأخرى. # وبناء على ذلك لم نر بدا من تصدير هذا الكتاب ~~بمقدمات تمهيدية، نبسط فيها حال العرب قبل الإسلام ونسبتهم إلى التمدن وما تقدم الدعوة ~~الإسلامية من أحوال تلك الأمة ... وكيف كانت جزيرة العرب عند ظهور الدعوة، وكيف كانت حال ~~الروم والفرس يومئذ ... وما الذي ساعد هؤلاء العرب على فتح تينك المملكتين مع قلة عددهم وضعف ~~معداتهم ... وكيف نشأت الدولة الإسلامية وارتقت من حالها الدينية في أيام الراشدين إلى حالها ~~السياسية في أيام الأمويين فالعباسيين فالفاطميين فغيرهم. # فإذا فرغنا من ذلك، عمدنا إلى الكلام في سعة المملكة وتاريخ إداراتها ومناصبها وغير ~~ذلك. # فنبدأ بوصف حال العرب قبل الإسلام. ~~(1) العرب والتمدن # زعم بعض الكتاب من الإفرنج أن العرب لا فضل لهم في تمدنهم الإسلامي، لأنهم أنشأوه على ~~أنقاض التمدنين البيزنطي والفارسي، فالتمدن الإسلامي عندهم عبارة عن مزيج من ذينك ~~التمدنين، مع بعض التعديل، وأن العرب من فطرتهم بعيدون عن الحضارة، لأنهم لم ينشؤوا ~~تمدنا من عند أنفسهم في عصر من العصور الجاهلية ولا الإسلامية، وعندنا أن العرب أكثر ~~الأمم استعدادا للحضارة وسياسة الملك، لا يقلون في ذلك عن سواهم من الأمم التي تمدنت ~~قديما أو حديثا وإليك البيان. ~~(1-1) قدماء العرب # المشهور عند المؤرخين أن العرب يقسمون إلى قسمين كبيرين العرب البائدة ms0007 كعاد ~~وثمود، والعرب الباقية، وأن العرب الباقية يقسمون إلى القحطانية سكان بلاد اليمن ~~وما جاورها، وهم ينتسبون إلى قحطان أو يقطان بن عامر وينتهي بأرفخشاد إلى سام، ~~والإسماعيلية أو العدنانية وهم سكان الحجاز ونجد وما جاورهما من أواسط جزيرة العرب، ~~وينتسبون إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل من امرأته هاجر، ويسمون أيضا مضرية ومعدية ~~لمثل ذلك السبب. # وقد بينا في كتابنا «العرب قبل الإسلام» ما كان للعرب من الدول القديمة فيما بين ~~النهرين قبل الميلاد ببضعة وعشرين قرنا ... نعني دولة حمورابي واضع أقدم الشرائع ~~الإنسانية التي وصلت إلينا، وقد أتينا من هناك بالأدلة التي ترجح كون دولته عربية، ~~وبينا أن تلك الأمة كان لها تمدن عظيم وآداب راقية، وكانت للمرأة فيها منزلة وحرية، ~~حتى تقلدت المناصب السياسية والقلمية # 1 # وتفرع من الحمورابيين بعد ذهاب دولتهم دول العمالقة المختلفة، ومن ~~فروعهم عاد وثمود والأنباط وعرب تدمر وغيرها. # ويلي الحمورابيين عرب اليمن وهم القحطانية، وقد تمدنوا قبل العرب الإسماعيلية، ~~لأن بلادهم أقرب إلى الخصب والرخاء من بلاد هؤلاء، فنشأت منهم دول قديمة عاصرت ~~الفراعنة وملوك بابل وأشور، وقد ظهروا بعد الحمورابيين بعدة قرون، ذكرنا منهم الدول ~~المعينية والسبئية والحميرية، أصحاب مأرب وصنعاء وغيرهما. # أما العرب الإسماعيلية وهم أهل الحجاز ونجد فأكثرهم أهل البادية، وقد ظهر منهم ~~دول قبل الميلاد وبعده، أشهرها دول القبائل صاحبة الوقائع التي جرت بينهم قبيل ~~الإسلام والتي تعرف بأيام العرب. # ثم إن العرب ليس في أرومتهم ما يمنع استعدادهم للحضارة، لأنهم إخوان الأشوريين ~~والكلدانيين والفينيقيين ولهم استعدادهم وأهليتهم ... فالذين أقاموا منهم في بلاد مثل ~~بلاد ما بين النهرين أدهشوا العالم بمدنيتهم، والمقيمون في جزيرة أكثر بقاعها جرداء ~~لا أنهر فيها ولا جداول، وإنما يستقون من مياه المطر، قضوا قرونا في البداوة ... ~~فلما أتيحت لهم الإقامة في البلاد الخصبة بعد الإسلام، لم يكن تمدنهم فيها يقصر عن ~~تمدن أولئك. # حمورابي ملك بابل واقفا بين يدي إله الشمس. # فالتمدن الإسلامي ليس أول عهد العرب بالحضارة فقد كان المعينيون والسبئيون ~~والحميريون واسطة ms0008 عقد التجارة بين الشرق والغرب، لتوسط بلاد اليمن بين الممالك ~~المتمدنة في ذلك الحين فكانت تجارات الهند تحمل في البحر الهندي إلى بلاد اليمن ~~وحضرموت، فيحملها أهل اليمن إلى الحبشة ومصر وفينيقية وبلاد الأدوميين والعمالقة ~~وبلاد مدين وبلاد المغرب، وكذلك كان الإسماعيليون ينقلون التجارة من اليمن ومواني ~~بحر العرب إلى بلاد الشام. # زينوبيا (الزباء) ملكة تدمر. # وساعد العرب على التوسع في وسائل التجارة - فضلا عن توسط بلادهم - أنهم كانوا ~~يتكلمون لغة قريبة من لغات أكثر الأمم المتمدنة في ذلك الحين، لأن اللغات السامية ~~كانت يومئذ لا تزال متقاربة لفظا ومعنى، فالعربي والكلداني والأشوري والعبراني ~~والحبشي والفينيقي كانوا يتفاهمون بلا واسطة، لقرب عهد تلك اللغات بالتشعب بما يشبه ~~حال اللغات العامية العربية المتشعبة من اللغة الفصحى الآن، فكان العربي من حمير أو ~~مضر إذا جاء العراق لا يحتاج في مخاطبة الكلداني أو الأشوري إلى ترجمان، وكذلك إذا ~~يمم فينيقية أو الحبشة فإنه يفهم لسان أهلهما كما يفهم الشامي لسان أهل مصر اليوم، ~~ويؤيد ذلك ما جاء في التوراة عن إبراهيم الخليل فإنه نزح من بلاد الكلدان في نحو ~~القرن العشرين قبل الميلاد واجتاز سوريا وفينيقية وبلاد العرب وخالط أهلها ولم ~~يفتقر في مخاطبتهم إلى مترجم، وكذلك بنو إسرائيل في تيههم حوالي القرن الخامس عشر ~~قبل الميلاد، فإنهم قضوا أربعين سنة في أعالي جزيرة العرب ولم يحتاجوا إلى مترجم ~~بينهم وبين أهلها. # والمسافر في بلاد العرب اليوم يجد أكثرها رمالا قاحلة، لكنه لو نقب تحت تلك ~~الرمال في بعض المواضع، لوقف على آثار القصور وغيرها من بقايا المدنية، روى مؤرخو ~~العرب البائدة عما خلفه العاديون من الأبنية الفخمة هناك ما نعده من الخرافات، ~~لخروجه عن المألوف عندنا، مثل حديثهم عن مدينة إرم ذات العماد التي زعموا «أن شداد ~~بن عاد بناها في الأحقاف في بقعة مساحتها عشرة فراسخ في عشرة، فجعل جدرانها من ~~الجزء اليماني وغشاها بصفائح الفضة المموهة بالذهب، وبنى داخل المدينة مائة ألف قصر ~~على عمد من الزبرجد واليواقيت، طول ms0009 كل عمود مائة ذراع، وأجرى في وسطها أنهارا وعمل ~~فيها جداول إلى تلك القصور، وجعل حصاها من الذهب والجواهر واليواقيت، إلى غير ذلك ~~مما يفوق طور الإمكان، لكنه يشف عن حقيقة مهما قيل في تحقيرها، فإنها تدل على أن ~~بعض أبنية العرب البائدة كانت مرصعة في بعض جدرانها أو أساطينها بالحجارة الكريمة، ~~وهذا غاية ما يمكن أن يصل إليه البذخ والترف، ولا يكون ذلك إلا في إبان ~~المدنية. ~~(1-2) عرب اليمن # أما عرب اليمن القحطانية، فقد تمدنوا تمدنا لا تزال آثاره مطمورة تحت الرمال في ~~حضرموت ومهرة واليمن، وأشهر دولهم عند العرب حمير وسبأ وكهلان، وتاريخ هذه الدول ~~أقرب عهدا من عاد وثمود، وقد اكتشف البحاثون بعض آثارهم، وأكثر ما اكتشفوه أنقاض ~~بعض الأبنية في صنعاء وعدن وحضرموت، فاستخرجوا منها ألواحا مكتوبة بالقلم الحميري ~~«المسند» أكثرها دعاء ديني أو نحوه، ولم يتمكنوا من التنقيب عن الدفائن المهمة في ~~داخلية البلاد لمشقة الوصول إليها، ناهيك بما ذكره مؤرخو العرب عن أبهة تلك الدول ~~وكانت قد انحلت قبل الإسلام، لكن أخبارها كانت إلى ذلك العهد لا تزال مألوفة وفيها ~~ما يدل على تمدن قديم لا يقل عن تمدن الأشوريين والمصريين والفينيقيين، فقد أنشأوا ~~المدن وعمروا القصور وغرسوا الحدائق ونحتوا التماثيل وحفروا المناجم ونظموا الجند ~~وفتحوا البلاد ووسعوا التجارة وأتقنوا الزراعة، وقد ذكرهم هيردوتس الرحالة اليوناني ~~في القرن الخامس قبل الميلاد فقال «إن في جنوبي بلاد العرب وحدها البخور والمر ~~والقرفة والدار صيني واللاذن» وعدها من أغنى ممالك العالم في زمانه. # الحروف الحميرية «المسند» وما يقابلها في العربية. # ومن آثار العرب في اليمن، ما لا يزال التاريخ يلهج بذكره ويعد من عجائب الأبنية، ~~نعني بذلك السد المشهور بسد مأرب، بنوه نحو القرن الثاني قبل الميلاد كما بنى محمد ~~علي «باشا» القناطر الخيرية في رأس الدلتا، وكما بنت الحكومة المصرية خزان ~~أسوان. # سد مأرب # وسد مأرب هذا، عبارة عن حائط موصل بين جبلين يحجز الماء الذي يسيل بينهما، ~~فيرتفع ويروي السفحين إلى أعلاهما، جعلوا ms0010 فيه شعبا وأقنية وساقوا إليه سبعين ~~واديا تصب مياهها فيه، فمثل هذا السد العظيم يحتاج إلى مهارة في الهندسة وهمة ~~عالية، وهو أقدم خزان للماء ذكره التاريخ، وعرب اليمن أسبق الأمم إلى هذه ~~الهندسة، وكان بناؤه متينا صبر على صدمات الماء وتأثيرات الهواء بضعة قرون، ~~ولما ضعفت الدولة عن تجديده وأحسوا بقرب تهدمه أخذوا في المهاجرة من جواره، في ~~أواسط القرن الثاني للميلاد، وتفرقوا في البلاد، والمشهور عند العرب أن ~~الغساسنة في الشام، والمناذرة في العراق، والأوس في المدينة، والأزد في منى ~~وخزاعة بجوار مكة منهم «أي من عرب الجنوب»، ثم انفجر السد وطغت المياه فهاجر من ~~بقي، وذلك ما يعبرون عنه بسيل العرم. # وذكر إسترابون الرحالة اليوناني في القرن الأول قبل الميلاد، أن مأرب كانت في ~~زمانه مدينة عجيبة، سقوف أبنيتها مصفحة بالذهب والعاج والحجارة الكريمة، وفيها ~~الآنية الثمينة المزخرفة مما يبهر العقول، وذلك يهون علينا سماع ما ذكره العرب ~~عن إرم ذات العماد. # وفي اعتقادنا أنهم لو بحثوا في أنقاض مأرب وصنعاء وغيرهما من عواصم ملوك سبأ ~~وحمير لعثروا على أحافير ثمينة تكشف للعالم عن تاريخ جديد كما كشفت آثار وادي ~~النيل عن تاريخ الفراعنة، وكما كشفت آثار وادي الفرات عن أخبار ملوك أشور ~~وبابل، ولا يتأتى ذلك إلا بإرسال البعثات العلمية للحفر والتنقيب. ~~(1-3) الأنباط # ومن الأمم العربية التي تمدنت قبل الإسلام الأنباط أصحاب مدينة بطرا Petra # بين فلسطين وشبه جزيرة سيناء وقد امتدت سيطرتهم ~~على تلك الجزيرة وما جاورها من جزيرة العرب إلى الحجاز، وكان الأنباط واسطة عقد ~~التجارة بين الشرق والغرب، وقد عاصروا الرومان في إبان مجدهم وكثيرا ما كانوا ~~عونا لبعض قوادهم في الحروب حتى تأتى لأحدهم وهو الملك الحارث الثالث أن يتولى ~~دمشق برهة قصيرة في القرن الأول للميلاد قبل عهد الغساسنة بأجيال، وقد ضرب النقود ~~باسمه واسم الحاكم الروماني هناك، وما زالت دولة الأنباط سائدة إلى أوائل القرن ~~الثاني للميلاد فدخلت في حوزة الروم وضاعت فيها ولا تزال أنقاضها في بطرا وعليها ms0011 ~~الكتابة النبطية يقرأونها كما يقرأون الكتابة الحميرية. # 2 # نقود الحارث الثالث وأسكاوروس. # ومن الأمم العربية التي تمدنت قديما العمالقة، وقد تفرعوا من الحمورابيين على ما ~~نظن وهم مشهورون بشدة البطش، ومنهم الملوك والرعاة الذين فتحوا مصر وتولوها عدة ~~قرون، غير مستعمرات العرب في مشارف الشام والعراق ومن مدنهم بصرى في حوران ~~للغساسنة، والحيرة في العراق للمناذرة ... # أيقال بعد ما تقدم أن العرب بعيدون بفطرتهم عن الحضارة؟ ~~(1-4) التمدنان اليوناني والفارسي # مسكوكات نبطية. # على أننا لا ننكر أن التمدن الإسلامي قام على أنقاض التمدنين اليوناني والفارسي، ~~لكن شأن العرب في ذلك مثل شأن اليونان والرومان والفرس وسائر الدول العظمى ... لأن ~~اليونان اقتبسوا أكثر عوامل تمدنهم من المصريين وزادوا فيها ووسعوها على مقتضى ~~مؤثرات الطبيعة، حتى صار تمدنا معروفا بهم، فأخذ عنهم الرومان وعدلوا فيه تعديلا ~~طفيفا جدا، وكذلك الفرس فإن تمدنهم قام على أنقاض تمدن الأشوريين والبابليين ~~والكلدانيين قبلهم وأخذوا أيضا عن اليونان. # على أن تلك الأمم لم تستطع الظهور في عالم الحضارة إلا بعد أجيال متوالية، أما ~~العرب فلم يمض على نشوء دولتهم قرن حتى ظهر تمدنهم وبانت ثمار عقولهم، وفي القرنين ~~الثاني والثالث الهجري ملأوا الأرض علما وأدبا ومدنية وحضارة. # وزد على ذلك أن الجرمان الذي نشأ منهم فيما بعد عدد من أعظم دول الأرض، قضوا ~~أجيالا متطاولة وهم يغيرون على الدولة الرومانية قبل الإسلام وبعده، وفتحوا كثيرا ~~من مدنها ودخل بعضهم رومية نفسها ولم يكن من ثمار فتوحهم في القرون الأولى غير ~~النهب والقتل، واعتبر ذلك في غزوات الهون في القرن الخامس للميلاد، فإنهم اكتسحوا ~~شمالي الدولة الرومانية وشرقيها، وفتحوا المجر ورومانيا وسائر شرق أوروبا، وأنشأوا ~~هناك دولة عرفت بدولة الخاقانات حكمت مائتي سنة - كما فعل العرب باكتساح سوريا ومصر ~~والعراق - لكن الهون لم ينشؤوا تمدنا ولا خلفوا حضارة مع أنهم أقرب إلى مركز ~~التمدن اليوناني من العرب. وغزا الصقالبة في القرن السادس للميلاد الدولة الرومانية ~~الشرقية حتى طرقوا أبواب القسطنطينية ثم عادوا ولم يتمدنوا. ألا يدل ذلك ms0012 على أن في ~~العرب استعدادا خاصا للحضارة؟ ~~(2) الحجاز في العصر الجاهلي # لجاهلية العرب عصران الجاهلية الأولى في عهود من ذكرنا من أمم العرب البائدة ومن ~~خلفهم في اليمن وغيرها، والجاهلية الثانية نريد بها حالة جزيرة العرب ولا سيما الحجاز ~~قبل الإسلام بعدة قرون، وللحجاز شأن خاص في ذلك، ففي الجاهلية الثانية تمدن العرب في ~~جنوبي جزيرة العرب وفي شماليها وظل أهل الحجاز في أواسطها على بداوتهم، لجدب أرضها ~~وجفاف تربتها مع بعدها عن الاحتكاك بالدول المتحضرة، لتوسطها في الصحراء ووعورة المسالك ~~إليها، حتى امتنعت على الفاتحين العظام مثل رعمسيس الثاني في القرن الرابع عشر قبل ~~الميلاد، والإسكندر الأكبر في القرن الرابع قبله، وإيليوس غالوس على عهد يوليوس قيصر في ~~القرن الأول للميلاد، وامتنعت أيضا على ملوك الفرس في إبان دولتهم فآل امتناعهم هذا ~~إلى اطمئنانهم وسكونهم، والإنسان لا ينزع إلى الإصلاح إلا مضطرا، بخطر أو نحوه، ولكنه ~~مفطور على الأثرة والمنافسة، فقامت المنازعات بين العرب أنفسهم وأصبحت مصادر الارتزاق ~~فيها الغزو والنهب ... فشغلهم ذلك عن الالتفات إلى المصادر الأخرى. # على أنهم كانوا على جاهليتهم أهل أنفة وذمام وكرم ووفاء، مما يدل على استعدادهم ~~لمستقبل عظيم. # قضى أهل الحجاز في جاهليتهم الثانية قرونا لا يعلم مقدارها إلا الله وهم في حال ~~البداوة، إلا ما اقتبسوه ممن هاجر إليهم من جالية اليمن جيرانهم، أو من لجأ إلى بلادهم ~~من اليهود، وخصوصا في القرون الأخيرة قبل الميلاد والأولى بعده، فرارا من اضطهاد ~~حكامهم الرومانيين ولا سيما بعد خراب بيت المقدس، وربما هاجر إليهم أيضا قوم من ~~الأنباط وهم أهل تمدن كما تقدم، فجعلوا مكة والمدينة والطائف دار هجرتهم بعد استبداد ~~الرومان بهم، أما اليهود فكانوا يقيمون في يثرب على الأكثر. ~~(2-1) مكة # وكان لليهود تأثير عظيم على عرب الحجاز من حيث الآداب الدينية وطقوسها، فاقتبس ~~العرب منهم أمورا كثيرة كانوا يجهلونها، كالحج والذبائح والزواج والطلاق والكهانة ~~والاحتفال بالأعياد ونحوها، وعلموهم بعض أقاصيص التوراة وفصولا من التلمود، ونشروا ~~بينهم كثيرا من تقاليدهم وعاداتهم، وقد ms0013 يكون بعض تلك الآداب أو الطقوس متسلسلا ~~إليهم مما كان عند أسلافهم في الجاهلية الأولى، فضلا عمن هاجر إلى الحجاز من أهل ~~اليمن وغيرهم من الأمم التي كانت تحيط بجزيرة العرب، كالكلدان والمصريين والأحباش ~~وغيرهم، فأصبح أهل الحجاز بعد ذلك الاختلاط فئتين أهل البادية الباقين على الفطرة ~~وهم العرب الرحل، وأهل المدن المقيمين في مكة والطائف والمدينة وهم ~~الحضر. # مكة ومسجدها وفي وسطه الكعبة في القرن الثامن عشر للميلاد. # وكانت مكة أشهر مدن الحجاز لاتخاذها محجا يؤمه الناس من أقاصي البلاد لزيارة ~~الكعبة، فأصبحت بتوالي الأجيال مركزا للتجارة لمن يتوافد إليها من الحجاج في ~~المواسم كل عام، فطمحت إليها أنظار أهل السلطة من القبائل القوية، وكانت في أوائل ~~أزمانها في حوزة الحجازيين بني إسماعيل وهم سدنة الكعبة أي حجابها، ثم نزح إليها ~~بنو خزاعة من اليمن بعد سيل العرم نحو القرن الثاني للميلاد وتسلطوا عليها، وغلبوا ~~الحجازيين عليها بما تعودوه من السيادة في عهد دولتهم باليمن، ~~وكان الإسماعيليون (أو العدنانيون) يومئذ ضعافا ~~لا يقوون عليهم، ولكن ناموس الاجتماع قضى عليهم كما قضى على سواهم فدارت الدائرة ~~بعد عدة أجيال على بني خزاعة وضعف أمرهم، وقوي أمر العدنانية، فتفرع منهم كنانة ~~وتشعب من كنانة قريش. # قصي بن كلاب والكعبة # ففي نحو القرن الخامس للميلاد كان سيد قريش ورئيسها قصي بن كلاب بن مرة، وكان ~~حكيما عاقلا ذا سياسة ودهاء، فتزوج ابنة ولي الكعبة (وهو من خزاعة)، طمعا في ~~السدانة، فولد له أولاد اعتز بهم، واشتغل بالتجارة حتى صار غنيا، ولما اقترب ~~أجل حميه أوصى بسدانة الكعبة لابنته زوجة قصي فاعتذرت بأنها لا تستطيع فتح ~~الباب وإغلاقه - وهو عمل سادن البيت عندهم - ~~فأوصى بالولاية لابن له اسمه المحترش أو أبو غبشان، وكان ضعيفا فابتاع قصي ذاك ~~المنصب منه بزق من الخمر. # 3 # فشق ذلك على خزاعة، وحدثت بسببه حروب بينهم وبين قريش ثم تداعوا إلى الصلح ~~والتحكيم، فحكموا بينهم رجلا من قريش فقضى لقصي، وما زالت سدانة الكعبة في ~~قريش حتى جاء ms0014 الإسلام. # وكانت سدانة الكعبة تستلزم السيادة على مكة، فجمع قصي أهله من قريش في مكة، ~~وحولها فملكوه عليهم، فقسم مكة أرباعا بينهم، فبنوا المساكن وعمرت بهم وأصبح ~~هو سيدهم في كل شيء، وخلفه بعده ابنه عبد مناف، وكان في جملة أولاد عبد مناف ~~ولدان هاشم، وعبد شمس، فلما دنت وفاة عبد مناف أوصى بالسدانة لهما ثم انفرد بها ~~هاشم، وكان لعبد شمس ابن اسمه أمية (جد بني أمية) حسد عمه على الرئاسة، فآل ذلك ~~إلى المنافرة، فكره هاشم أن ينافر ابن أخيه فلم تتركه قريش حتى نافره على خمسين ~~ناقة والجلاء عن مكة عشرين سنة، فرضي أمية وجعلا الكاهن الخزاعي حكما بينهما، ~~فاستفتياه فقضى لهاشم بالغلبة فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها وغاب أمية عن مكة ~~بالشام عشرين سنة على حسب الشرط، وكانت تلك أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية ~~وتوارثها أعقابهما إلى أيام الإسلام، وتولى الكعبة بعد هاشم ابنة عبد المطلب جد ~~النبي صاحب الشريعة الإسلامية. # وكانت منزلة قريش من سائر قبائل العرب مثل منزلة اللاويين من بني إسرائيل، ~~ولهم مثل امتيازاتهم، وهي تشبه امتيازات الكهنة في النصرانية، وكانوا لا يؤدون ~~إتاوة ولا يتكلفون دفاعا ... يحكمون على الناس ولا يحكم عليهم أحد ... وكانوا ~~يتزوجون من أية قبيلة شاءوا ولا شرط عليهم في ذلك، وكانوا لا يزوجون أحدا إلا ~~اشترطوا عليه أن يكون متحمسا لدينهم - «التحمس التشدد في الدين» # 4 ~~- وقد فرضوا فروضا ألزموا الناس باتباعها. ~~(3) حكومة العرب في الجاهلية # ونريد بالعرب خاصة عرب الحجاز وبالأخص قريش، لأن منها ظهر النبي محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. # والحكومة في الجاهلية متشابهة عند سائر أهل البادية، فإن المناصب التي تعد عند أهل ~~العالم المتمدن بالعشرات، تجتمع عندهم في شخص شيخ القبيلة، فالشيخ هو الملك، والقاضي، ~~وصاحب بيت المال، وقائد الجند وكل شيء، وكانوا يختارون لهذه الرياسة أقواهم عقلا ~~وأكثرهم دهاء وسياسة بلا تواطؤ أو تعمد، وإذا تساوى عدة منهم في القوة والدهاء اختاروا ~~أكبرهم سنا وأوسعهم جاها، وإذا اجتمعت عدة قبائل في محالفة ms0015 على حرب واحتاجوا إلى من ~~يرأسهم جميعا، اقترعوا بين أهل الرئاسة، فمن خرج سهمه رأسوه، كبيرا كان أو ~~صغيرا. # ذلك كان شأن العرب الرحل أهل الغزو والسطو، أما الحضر وهم أهل مكة فقد كانت السيادة ~~فيهم لسادن الكعبة، ولما أفضت السدانة إلى قريش، صارت السيادة لهم في كل شيء. ~~(3-1) الكعبة والتجارة وقريش # كانت قريش كما قدمنا حضرا أهل تجارة، وتجارتهم قائم أكثرها على الحجاج الذين ~~يردون مكة في المراسم، فكان من مقتضيات مصلحتهم تسهيل طرق القدوم وترغيب الناس في ~~الحج، وفي جملة ما بعث القبائل على زيارة الكعبة، أنه كان لكل قبيلة منها صنم خاص ~~بها، تأتي في المواسم لزيارته والذبح له حتى زاد عدد الأصنام في الكعبة على ثلثمائة ~~صنم وفيها الكبير والصغير، ومنها ما هو على هيئة الآدميين أو على هيئة بعض ~~الحيوانات أو النباتات. # سوق عكاظ # وكان على مقربة من الطائف سوق يجتمع إليها الناس في الأشهر الحرم، فينصبون ~~خيامهم بين نخيله، يبيعون ويشترون ويتبادلون، وهي سوق عكاظ المشهورة، وكان ~~للعرب أسواق أخرى في أماكن أخرى، ولكن هذه كان يجتمع فيها أهل البلد المجاور ~~لها ... وأما عكاظ فكان يتوافد إليها العرب من كل جهة، وزادت قريش في بواعث ~~الاجتماع إليها بأنهم جعلوها مسرحا للأدب والشعر، تتسابق فيه القبائل إلى ~~إظهار نوابغها من الشعراء والخطباء، فيتناشدون ويتحاجون ويتفاخرون، ومن كان له ~~أسير سعى في فدائه، وكان لعكاظ في أيام الموسم رجل يولونه الحكومة للفصل في ما ~~قد يقع من الخلاف أو نحوه، وكان الغالب أن يكون ذلك الحاكم من بني تميم، ومتى ~~فرغ الناس من سوق عكاظ، وقفوا في عرفة، ثم يأتون مكة فيقضون مناسك الحج ويرجعون ~~إلى موطنهم. # وكان رجال قريش يرحلون للتجارة رحلتين في العام رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة ~~الصيف إلى بصرى في حوران بضواحي الشام، فكانت مكة وسط عقد التجارة، بين اليمن ~~والشام، وكانت طرق التجارة خطرة، إلا عليهم، لحفظ العرب حرمتهم، لأنهم ولاة ~~الكعبة، وكانوا كثيرا ما يسافرون إلى بلاد فارس أو ms0016 إلى الشام، فيأتون من الشام ~~بالأنسجة والأطعمة، ويحملون من فارس السكر والشمع وغيرهما. # فالكعبة كانت مصدر رزق أهل مكة، ولولاها لما استطاعوا المقام في ذلك الوادي ~~وهو غير ذي زرع، على أن أسفارهم ومخالطتهم العالم المتمدن في أطراف العراق ~~والشام، جعلتهم أوسع العرب علما، وأكثرهم خبرة ودراية، ونظرا لعلاقة الكعبة ~~بأسباب معائشهم بذلوا العناية في القيام على شؤونها، وسهلوا على الناس القدوم ~~إليها، فأنشأوا فيها أماكن للسقاية وأخرى للطعام وجعلوا ما يجاورها حرما لا ~~يجوز فيه القتال، وتولى بعضهم السقاية وبعضهم الرفادة وبعضهم غير ذلك، وما زالت ~~تلك المناصب تتعدد حتى أصبحت قبيل الإسلام بضعة عشر منصبا، هي عبارة عن مناصب ~~الدولة في ذلك العهد اقتسمتها قريش في بطونها، وأشهرها عشرة أبطن هاشم وأمية ~~ونوفل وعبد الدار وأسد وتيم ومخزوم وعدي وجمح وسهم، لكل من هذه البطون منصب أو ~~أكثر، وإليك هي: # مناصب القرشيين ~~(1) # السدانة: # وهي الحجابة وصاحبها ~~يحجب الكعبة وبيده مفتاحها ... يفتح بابها للناس ويقفله، ولها المقام ~~الأول عندهم، ومثل هذا المنصب قديم عند اليهود فقد كان عندهم كاهن ~~خاص لحراسة الهيكل يسمونه حافظ الباب، وقد جعل صاحب «العقد الفريد» ~~السدانة والحجابة منصبين. ~~(2) # السقاية: # وصاحبها يتولى سقاء ~~الحجاج لقلة الماء في مكة فينشئ حياضا من الجلد، توضع في فناء ~~الكعبة تنقل إليها المياه العذبة من الآبار على الإبل في المزاود ~~والقرب، وما زال ذلك شأنهم حتى حفرت زمزم وكانت السقاية في بني ~~هاشم. ~~(3) # الرفادة: # وهي خرج كانت تخرجه ~~قريش في كل موسم من أموالها إلى صاحب الرفادة فيصنع منه طعاما ~~يأكله الفقراء، وأول من أشار بالرفادة قصي المتقدم ذكره، وكانت ~~الرفادة في بني نوفل ثم في بني هاشم. ~~(4) # الراية: # كانت لقريش راية تسمى ~~«العقاب» فكانوا إذا أرادوا الحرب أخرجوها، فإذا اجتمع رأيهم على ~~واحد سلموه إياها وإلا فإنهم يسلمونها إلى صاحبها وكانت الراية ~~لبني عبد الدار. ~~(5) # القيادة: # وهي إمارة الركب، ~~وصاحبها يسير أمام الركب في خروجهم للقتال أو التجارة، وكانت ~~القيادة في بني أمية، وصاحبها منهم في أول الإسلام ms0017 أبو سفيان والد ~~معاوية. ~~(6) # الأشناق: # وهي الديات والمغرم ~~وصاحبها إذا احتمل شيئا فسأل فيه قريشا صدقوه فيه، وكانت ~~لتيم. ~~(7) # القبة: # هي قبة كانوا إذا خرجوا ~~إلى حرب ضربوها وجمعوا فيها ما يجهزون الجيش به، أشبه بما يسمى ~~عندنا بالمهمات الحربية. ~~(8) # الأعنة: # وهي أعنة الخيل وصاحب ~~هذا المنصب يتولى خيل قريش ويدبر شؤونها في الحرب. ~~(9) # الندوة: # وهي دار بناها قصي ~~بجانب الكعبة للشورى فيجتمع فيها كبار قريش للمشاورة، ولا يدخلها ~~إلا من بلغ الأربعين من عمره، وكان لا يتزوج رجل ولا امرأة إلا في ~~تلك الدار، ولا يعقد لواء الحرب إلا فيها ولا تدرع جارية من قريش ~~إلا فيها فيشق صاحب الدار درعها ويدرعها بيده، وكانوا يفعلون ذلك ~~في بناتهم إذا بلغن الحلم، وكانت دار الندوة في أيدي بني عبد ~~الدار. ~~(10) # المشورة: # وصاحبها يستشار في ~~الأمور الهامة، وكانت في بني أسد، فلم تكن قريش يجتمعون على أمر ~~حتى يعرضوه عليهم. ~~(11) # السفارة: # هي أنهم كانوا إذا ~~وقعت بينهم وبين غيرهم من القبائل حرب، وأرادوا المخابرة بشأن ~~الصلح بعثوا سفيرا، وإن نافرهم حي لمفاخرة جعلوا السفير منافرا ~~ورضوا به، وكان آخر سفراء قريش في الجاهلية عمر بن الخطاب قبل أن ~~يسلم. ~~(12) # الأيسار: # وهي الأزلام التي ~~كانوا يستقسمون بها للاستخارة ونحوها إذا هموا بأمر عام من سفر أو ~~قتال، فكانوا يستقسمون بالأزلام بما يشبه سحب القرعة عندنا، وكان ~~يتولى ذلك رجل من بني جمح. ~~(13) # الحكومة: # وهي عندهم الفصل بين ~~الناس إذا اختلفوا، وتشبه القضاء في الإسلام أو التحكيم. ~~(14) # الأموال المحجرة: # وهي أموال ~~كانوا يسمونها لآلهتهم، وفيها النقد والحلي وربما أشبهت بيت المال، ~~وكانت ولايتها في بني سهم. ~~(15) # العمارة: # ويراد بها أن لا ~~يتكلم أحد في المسجد الحرام بهجر ولا رفث ولا يرفع فيه صوته. # 5 # فترى مما تقدم أن بعض هذه المناصب لا أهمية لها على الإطلاق، ولكن يظهر أنهم ~~أكثروها ليرضوا كل بطون قريش، خوفا من التحاسد وإجلالا لقدر الكعبة والمبالغة ~~في تعظيمها. # وترى أيضا أنهم جمعوا بها بين السياسة والدين والإدارة والحرب، ms0018 ولكنهم ~~اقتسموها فيما بينهم بما يشبه الجمهورية، أو هو نوع من الحكومة لا ترى له ~~شبيها بين الأمم المتمدنة، وربما أشبهت الحكومة الشورية من بعض الوجوه، إلا أن ~~للشورى رئيسا كالملك أو السلطان أو رئيس الجمهورية وليس في هذه شيء من ذلك إلا ~~ما قد يكون لصاحب دار الندوة أو السدانة من الرياسة. ~~(3-2) النهضة العربية قبل الإسلام # إذا تدبرت تاريخ العرب قبل الإسلام على غموضه وإبهامه، تبين لك أمور تدعو إلى ~~الاعتبار وإعمال الفكرة، منها أن العرب على اختلاف القبائل والبطون، قلما نبغ فيهم ~~شاعر أو خطيب أو حكيم أو كاهن في عصورهم الجاهلية الثانية إلا بعد دخولهم في القرن ~~الأول قبل الهجرة، ولا يعترض بضياع أخبار من ظهر منهم قبل ذلك التاريخ، فقد حفظوا ~~أخبار عاد وثمود وصالح وهود قبل ذلك يقرون متطاولة، وذكروا بضعة شعراء ظهروا قبل ~~القرن الأول المذكور، فلو نبغ غيرهم من الشعراء أو الخطباء لما ضاع ذكرهم ضياعا ~~تاما، وأما تاريخهم في جاهليتهم الأولى وهم في بابل أو اليمن، فلم يصلنا منه ما ~~يشفي الغليل. # فتكاثر الشعراء والخطباء والحكماء في القرن الأول قبل الإسلام دفعة واحدة هو ما ~~عبرنا عنه بالنهضة العربية أو الأدبية، على أنها لم تكن تقتصر على الأدب والشعر ~~ولكنها شملت الدين أيضا، فقد كان هناك نهضة دينية اضطربت فيها الأفكار واختلطت ~~الاعتقادات، وأصبح أهل الجاهلية لا يعرفون لمن يصلون ولا إلى من يتوسلون، يذبح ~~أحدهم للصنم ويدعو إلى الله، وفيهم عبدة الحجارة وعبدة النار وعبدة الأصنام، وفيهم ~~الموحدون والمشركون وغير ذلك من أنواع العبادات المتضاربة، وقد ظهر في أثناء ذلك ~~الاضطراب من حرم الخمر ورفض الأصنام، وأصبح الناس يتوقعون الفرج من باب النبوة، ~~وكان ذلك حديث الناس في مجالسهم، فادعى النبوة غير واحد من قبائل مختلفة وهم بعضهم ~~بادعائها مما يدل على تنبه الأذهان إلى أمر الدين والتفكير في عواقب ~~الأعمال. # سبب تلك النهضة # بينا في ما تقدم استعداد العرب العدنانية للنهوض وأهليتهم للتمدن، لما فطروا ~~عليه من صفاء الذهن ms0019 وسرعة الخاطر، ولكنهم لم يكونوا يستخدمون تلك القوى ~~لاشتغالهم بالغزو وقعودهم عن طلب العلا مع بعدهم عن العالم المتمدن، والإنسان ~~تظهر قواه بالاحتكاك أو الضغط شأن القوى الطبيعية، فالفرد لا يسعى في طلب العلا ~~غالبا إلا إذا عضه الفقر فأحوجه الرزق أو نافسه منافس في أمر يبعث إلى ~~الاستئثارية. # أما الأمم فإنما يدعوها إلى طلب العلا الحروب الخارجية أو الثورات الداخلية، ~~والأولى أكثر تأثيرا لما يرافقها غالبا من الاختلاط بالأمم الأخرى، وفي ذلك ~~من الاحتكاك ما يدعو إلى الاقتباس والمنافسة، وفي التاريخ شواهد كثيرة على ~~ذلك. # غزو الحبشة # ومن هذا القبيل ما أصاب العرب في القرنين الأخيرين قبل الإسلام، كان عرب ~~الحجاز قبل الإسلام يدينون بالطاعة لدولة حمير اليمنية، وكانوا يؤدون لها ~~الإتاوة، ثم غزا الأحباش اليمن في القرن الرابع للميلاد وبعده، وتغلبوا على ~~الحميريين فقلت هيبتهم في قلوب العدنانيين. # لكن هؤلاء ظلوا على الطاعة بعامل الاستمرار، فاتفق أن الحميريين شددوا في طلب ~~الإتاوة في سنة جدب وضيق فضاق العدنانيون ذرعا وتحدثوا في الخروج عن الطاعة، ~~وأول من فعل ذلك قبيلة ربيعة في أواخر القرن المذكور واقتدى بها غيرها # 6 # فكان ذلك من بواعث استنهاض الهمم. # خرطوش بحرف المسند ... فيه أسماء أبرهة وأراحميس وزبيمان من قواد ~~الأحباش في اليمن. # ثم غزا الأحباش الحجاز في أواسط القرن السادس للميلاد، يريدون فتح مكة ~~والاستيلاء على الكعبة، وكانت سدانتها يومئذ إلى عبد المطلب جد النبي فجاء ~~الأحباش بأفيالهم ورجالهم وعدتهم، وأهل مكة لم يتعودوا شيئا من ذلك، لما ~~للكعبة من المنزلة الرفيعة في نفوس القبائل وغيرهم، فلما رأوا الأحباش قادمين ~~شعروا بما يهددهم من الخطر، وأحسوا بافتقارهم إلى الاتحاد لدفع الأجانب عنهم، ~~فدفعوا الأحباش وقد تنبهت أذهانهم وأخذت مواهبهم في الظهور. # ومما يدل على شدة تأثير ذلك الهجوم في نفوسهم أنهم جعلوا يؤرخون به وهو ما ~~يسمونه عام الفيل، وكانوا قبل ذلك يؤرخون بموت الوليد بن المغيرة من مخزوم، أو ~~هشام بن المغيرة، # 7 # ولم يقتصر تأثير ذلك الاحتكاك على تلك النهضة الأدبية ms0020 أو الدينية، ~~لكنها أنتجت رجالا نبغوا في السياسة والقيادة والإدارة وكانوا من أهم العوامل ~~تأثيرا في سرعة انتشار الإسلام، كما أنتجت الثورة الفرنسية بونابرت ~~ورجاله. # ومهما يكن من السبب فإن بلاد العرب كانت قبل الإسلام في نهضة أدبية دينية ~~تمهيدا لقبول الدعوة الإسلامية والقيام بنصرتها، ومثل هذه النهضة تتقدم ~~الدعوات الدينية في الغالب، استعدادا لقبولها. # | الدولة الإسلامية ... كيف نشأت؟ # فرغنا من المقدمات التمهيدية في حال بلاد العرب قبل الإسلام، فنتقدم بعد ذلك إلى الكلام ~~في نشوء الدولة الإسلامية وكيف تكونت وتطورت، حتى صارت على ما عرفناه منها في أوج التمدن ~~الإسلامي. ~~(1) الدعوة الإسلامية ~~(1-1) نشأة النبي الأولى # تلك كانت حالة العرب في الحجاز لما ظهر النبي صاحب الشريعة الإسلامية ودعا الناس ~~إلى التوحيد وأظهر دعوته سنة 609 للميلاد وعمره أربعون سنة، ولا يتسع المقام لتفصيل ~~سيرته، وإنما نذكر هنا ما يتعلق بالموضوع لبيان الأسباب التي رافقت ظهور الدعوة ~~وساعدت على انتشارها. # ولد صاحب الدعوة الإسلامية وقد مات أبوه، وبعد ست سنوات ماتت أمه فكفله جده عبد ~~المطلب، وكانت له السقاية والرفادة من مناصب الكعبة وكان له مقام رفيع في قريش، ~~لكنه توفي بعد سنتين، فكفله عمه أبو طالب وكان وجيها محترما، فشب محمد في بيته ~~كأحد أولاده، وكان أبو طالب صاحب تجارة مثل سائر قريش، فكان إذا خرج في تجارة ~~اصطحبه في أسفاره، فاشتهر منذ حداثته بالحصافة والذكاء وصدق السريرة حتى لقبوه ~~بالأمين واشتهر في مكة بهذا اللقب، فعرفت بأمره خديجة بنت خويلد وكانت ذات ثروة ~~وتجارة فعهدت إليه في الاتجار بمالها فاتجر وربح فازدادت إعجابا به، فعرضت عليه ~~الزواج بها فتزوجها فاتسعت حالة وأصبح من أهل الرخاء واليسار والكل يحبونه ~~ويحترمونه. ~~(1-2) الدعوة # ولما بلغ الأربعين من عمره مال إلى الخلوة والاعتزال عن الناس فأوى إلى الجبال ~~والشعاب كما يفعل النساك، وأول ما ابتدئ به «الرؤيا الصالحة»، وفي رمضان من تلك ~~السنة (يناير 611 ميلادية) كان معتزلا بنفسه في غار حراء بجبل النور على ثلاثة ~~أميال من مكة، # 1 ms0021 # فنزل عليه الوحي وقرأ عليه أول سورة من سور القرآن ودعاه إلى أن يرددها ~~وراءه، فرددها، وأصابه الروع، وأسرع إلى زوجته خديجة وأنبأها بما وقع وقال إن الملك ~~أمره أن يقول «اقرأ باسم ربك الذي خلق» الآية، فقرأها، وإنه خرج إلى وسط الجبل فسمع ~~صوتا من السماء يناديه «يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل» فذعر وأسرع إلى خديجة ~~فأخبرها، وكان لها ابن عم اسمه ورقة بن نوفل قرأ الكتب ونظر فيها وخالط أهل التوراة ~~والإنجيل وسمع أقوالهم، وكان مشهورا في مكة بسعة العلم في الدين والنبوات، فذهبت ~~إليه وأخبرته بما كان فقال «والذي نفس ورقة بيده، لئن صدقتني يا خديجة لقد جاء ~~الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وإنه نبي هذه الأمة». # فرجعت خديجة إليه وأخبرته بقول ورقة فاطمأن باله، ولكنه لم ير إظهار دعوته، ~~لعلمه بما سيكون لها من ثقل الوطأة على قريش، لما فيها من تعييب آلهتهم وتحقير ~~أصنامهم، وفي ذهاب تلك الأصنام ذهاب تجارتهم وأموالهم وكل آمالهم، ولم يكن من الجهة ~~الأخرى يتوقع إذا أنبأهم برسالته أنهم يصدقونه فعمد إلى بث دعوته سرا بين أقرب ~~الناس إليه، قضى في ذلك ثلاث سنين فاجتمع حوله نفر قليلون في جملتهم ابن عمه علي بن ~~أبي طالب وكان لا يزال غلاما وأبو بكر الصديق وكان من وجهاء قريش وأبو عبيدة بن ~~الجراح وغيرهم، فهم بدعوة الناس جهارا وبدا بعشيرته الأقربين فكلف ابن عمه ~~عليا أن يصنع لهم طعاما يدعو أهله إليه وفيهم عمومته بنو عبد المطلب وأولادهم ~~وهم نحو أربعين رجلا، فدعاهم إلى بيت أبيه أبي طالب، فلما فرغوا من الطعام هم محمد ~~بالكلام وكان أهله قد سمعوا بدعوته سرا واستخفوا بها، فلما هم بالكلام علموا أنه ~~سيدعوهم إلى ترك الأصنام وعبادة الله فابتدره عمه أبو لهب وكان أشدهم وطأة عليه ~~فأسكته فسكت وتفرقوا ولم يقل شيئا. # لكنه لم يفشل ولا ضعفت عزيمته فأعاد الوليمة ثانية وقد صمم على التصريح بما في ~~ضميره فلما فرغوا من الطعام قال «ما ms0022 أعلم أن إنسانا من العرب جاء قومه بأفضل مما ~~جئتكم به، فقد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ~~فأيكم يؤازرني في هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟» # 2 # فظلوا ساكتين وكان سكوتهم استخفافا، فتقدم علي ابن عمه وقال «أنا يا ~~نبي الله أكون وزيرك عليهم» فأخذ النبي برقبته وقال «هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ~~فاسمعوا له وأطيعوا» فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب «قد أمرك أن تسمع لابنك ~~وتطيعه» ثم انصرفوا. ~~(1-3) النبي وقريش # على أن استخفافهم هذا لم يقعده عن عزمه ولا أبعده عن قومه، فبدلا من وقوفه عند ~~ذلك الحد، تهيبا وحذرا جاهر بسب الأصنام ونسب أهله وآباءهم إلى الكفر والضلال، ~~فلما علموا بمجاهرته بسب الأصنام أجمعوا على عداوته ومقاومته وتعمدوا أذاه، لكنهم ~~لم يروا سبيلا إلى ذلك وهو في كفالة عمه أبي طالب ... فجاءوا عمه وفيهم أبو سفيان ~~فقالوا له «يا أبا طالب إن ابن أخيك عاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فانهه ~~عنا أو خل بيننا وبينه» فردهم أبو طالب ردا حسنا ووعدهم خيرا. # ثم رأوه لا يزال ماضيا في سب آلهتهم فعادوا إلى أبي طالب وقد اشتد بهم الغيظ ~~وقالوا له «إن لم تنه ابن أخيك وإلا نازلناك وإياه حتى يهلك أحد الفريقين» فعظم ~~ذلك على أبي طالب وأدرك عاقبة الأمر فلما عادوا من عنده قال لابن أخيه «يا ابن أخي ~~إن قومك قالوا كذا وكذا» فظن أن عمه يخذله فشق عليه ذلك وقال «يا عم لو وضعوا الشمس ~~في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا الأمر» وبكى وهم بالانصراف فناداه عمه وقال ~~له «قل ما أحببت، فوالله لا أسلمك أبدا». # وكانت دعوته في أثناء ذلك تذيع على مهل، وقد أسلم جماعة من خيرة الناس كان لهم ~~شأن عظيم في التاريخ الإسلامي منهم أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان والزبير بن ~~العوام وعبد الرحمن بن عوف وحمزة بن عبد المطلب (عمه) وعمر بن الخطاب، وكان لإسلام ms0023 ~~هذين الأخيرين وقع حسن عند النبي، لأنهما كانا من أهل الوجاهة والقوة. # أما سائر أعمامه وأهله فلما يئسوا من وساطة عمه أبي طالب، رأوا أن يحتالوا في ~~استرضائه بالحسنى، فبعثوا إليه وقد اجتمع كبارهم في ندوة ... فجاء فاستقبلوه بالترحاب ~~وقالوا له «يا محمد إنا قد بعثنا إليك وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على ~~قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت ~~الأحلام وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت ~~إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن ~~كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك ~~علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب ~~الطب، حتى نبرئك منه أو نعذر فيك». # فقال لهم «ما بي ما تقولون وما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا ~~الملك عليكم ولكن الله بعثني رسولا، وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ~~ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في ~~الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم». # فلما لم يروا سبيلا إليه جعلوا يعذبون الذين أسلموا وصدقوا دعوته والمسلمون ~~صابرون على ذلك العذاب، حتى إذا اشتد أذى قريش لهم وضاقوا ذرعا عن تحمل ما كانوا ~~يسومونهم من سوء العذاب والإهانة، أشار النبي على الذين ليس لهم عشيرة تحميهم أن ~~يخرجوا من مكة إلى أرض الحبشة، فهاجروا إليها تباعا فبلغ عدد المهاجرين 83 رجلا ~~ما عدا النساء والأولاد، وهي الهجرة الأولى، ولا يخفى ما تقتضيه الأسفار من مكة إلى ~~الحبشة من المشقة، لما في ذلك من ركوب البحر وخصوصا في تلك الأزمان مع ما حملوه ~~معهم من النساء والأطفال، فيدل ذلك على ما كان عليه هؤلاء من الاعتقاد المتين ~~بالإسلام. ms0024 # ويليق بنا الوقوف هنيهة في هذا المقام لإبداء ما ارتسم في مخيلتنا من أمر هذه ~~الدعوة على أثر مطالعتنا الطويلة في تاريخها فنقول: # هل كان يعتقد صدق رسالته؟ # زعم بعض الكتاب من غير المسلمين أن صاحب الشريعة الإسلامية إنما قام بهذه ~~الدعوة، طمعا في السيادة ورغبة في ملاذ الدنيا. # وأما نحن فلا نرى مسوغا لهذا القول وتاريخ الدعوة يدل دلالة صريحة على أنه ~~إنما قام بها عن صدق وإخلاص، فلم يدع الناس إلى الإسلام إلا وهو يعتقد اعتقادا ~~متينا بصحة رسالته وأن الله أرسله لبث تلك الدعوة، ولولا هذا الاعتقاد لم يصبر ~~على ما ناله من الاضطهاد وضروب العذاب، وقد رأيت أنه كان قبل ظهوره بالدعوة ~~موضع احترام أهل مكة كافة، وأهله يحبونه ويكرمونه وهو في عيش هنيء، لما اكتسبه ~~من أسباب اليسار بزواجه بخديجة واتجاره بأموالها، فأصبح بعد ظهوره بالدعوة وقد ~~ناصبه أهل مكة العداء وساموه أنواع العذاب وأهانوه، حتى نقموا على بني هاشم، ~~لأنهم أهله فتعاقدوا أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم وكتبوا بذلك صحيفة أودعوها في ~~جوف الكعبة، فاضطر بنو هاشم أن ينفروا إلى الجبال فأقاموا في الشعب ثلاث سنين ~~لا ينزلون مكة إلا خفية - إلا من جاهرة بعداوته للمسلمين كأبي لهب ~~ونحوه. # ولا يعترض على ما تقدم بأنه لم يثبت إلا لاحتمائه بعمه أبي طالب، لأننا ~~رأيناه بعد وفاة عمه أكثر ثباتا منه في حياته، مع أن الناس أصبحوا أكثر ~~اضطهادا له مما كانوا قبل وفاته، وخصوصا بعد وفاة خديجة وقد ماتا قبل الهجرة ~~بثلاث سنين، فتتابعت بموتهما المصائب عليه، واستبدت به قريش ولا سيما عمه أبو ~~لهب والحكم بن العاص وعقبة بن أبي معيط، لأنهم كانوا جيرانه بمنزله، فكانوا ~~يلقون الأقذار في طعامه، ويرمونه بها وقت صلاته. # حتى إذا لم يعد يستطيع صبرا على هذا الضيم لجأ إلى الطائف، لعله يلقى فيها ~~من ينصره ويؤمن بدعوته، فلم يلق إلا الإعراض والأذى، فعاد وقد يئس منهم لكنه ~~لم يرجع عن حرف من دعوته، ولم يكتف أهل الطائف ms0025 بإعراضهم عنه بل أغروا بعض ~~سفهائهم وعبيدهم أن يسبوه ويصيحوا به ففعلوا حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى ~~الحائط وردوا السفهاء عنه فرجعوا، فأحس عندئذ بما هو فيه من ضيق فشكا أمره إلى ~~الله ، وعاد إلى مكة ولم يغير ذلك شيئا من عزيمته، فلقيه قومه هناك وهم أشد ~~وطأة عليه مما كانوا من قبل. # فاعتبر حاله بعد ذلك الرجوع وقد نبذه الناس قريبهم وبعيدهم مع علمه أنه إذا ~~رجع عن دعوته لقي منهم ترحابا وإكراما كما صرحوا له جهارا، ولكنه لم يكترث ~~لشيء من ذلك ولا أهمه أمر الدنيا. # فلولا اعتقاده المتين بصدق الدعوة التي قام بها وأنه منتدب لهذه الرسالة من ~~الله سبحانه وتعالى لما صبر على ذلك كله. ~~(1-4) أهل المدينة والدعوة # ولما يئس من أهله ومواطنيه جعل يعرض نفسه على القبائل في أيام الحج لعله يلقى من ~~يصغي إليه وأهله يعترضونه ويقفون في سبيله، وخصوصا عمه أبو لهب فإنه كان إذا رآه ~~في جماعة يخاطبهم في شأن الإسلام اعترضه وقال للناس «إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات ~~والعزى من أعناقكم إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه»، ولكن ذلك لم ~~يقعده من دعوة الناس وما زال يعرض نفسه عليهم في المواسم، حتى بايعه نفر من أهل ~~يثرب كانوا وسيلة لنشر الإسلام في تلك المدينة في برهة قصيرة. # ولعل السبب في سرعة انتشار الإسلام هناك كثرة من في المدينة من اليهود وهم أهل ~~كتاب يعتقدون الوحي ويدركون معنى النبوة، وليس فيهم من يخاف على تجارته إذا بطلت ~~عبادة الأصنام، بل هم يفضلون إبطالها لتسقط مكة وتنهض مدينتهم وخصوصا إذا هاجر ~~إليها صاحب الدعوة نفسه وصارت مركزا للدين الجديد يحج إليها الناس بدلا من حجهم ~~إلى مكة واليهود كما لا يخفى أهل النظر في التجارة وأصحاب فراسة في أبواب الكسب، ~~ناهيك بما كان بين تينك المدينتين من المنافسة والمسابقة والتحاسد، لتباعدهما في ~~الأنساب، لأن أهل مكة من العدنانية وأهل المدينة من القحطانية عرب اليمن، فنشطه أهل ~~يثرب ودعوه ms0026 إليهم على أن ينصروه، فهاجر إليهم سنة 622 للميلاد، وهاجر معه من بايعه ~~من قبيلته وهم «المهاجرون»، تمييزا لهم عن الفئة الأخرى من الصحابة وهم «الأنصار» ~~أهل يثرب، سموا بذلك، لأنهم نصروا النبي في مدينتهم، وبهذه الهجرة يؤرخ المسلمون ~~وقائعهم إلى الآن، وقد سميت يثرب - عندما عم الإسلام أهلها - بمدينة النبي، تم ~~اختصر إلى المدينة، ولزمها هذا الاسم إلى الآن. ~~••• # ولقي المسلمون في المدينة ترحابا عظيما فاشتد أزرهم وتحولوا إلى محاربة أهل ~~مكة، فجعلوا يناوئونهم في أثناء مرورهم بتجارتهم بين الشام ومكة وفي أماكن أخرى، ~~ووقعت بين الجانبين وقائع كثيرة هي الغزوات المشهورة، أعظمها غزوة بدر الكبرى التي ~~انتصر المسلمون فيها وكانت فاتحة انتصاراتهم في الغزوات الأخرى، حتى أخضعوا جزيرة ~~العرب كلها وفتحوا مكة وأسلم القرشيون كافة، فوجه النبي التفاته إلى العالم الخارجي ~~وخاطب الملوك يدعوهم إلى الإسلام كما سيأتي. # | الروم والفرس عند ظهور الإسلام # (1) الروم # تأسست رومية (روما) سنة 753 قبل الميلاد وقامت معها الدولة الرومانية، وظلت رومية ~~كرسي تلك الدولة عشرة قرون ونصف قرن، وقد فتحت العالم المعمور يومئذ كله، وفي مايو سنة ~~330 أصبح انقسام الدولة الرومانية إلى قسمين شرقي وغربي، حقيقة واقعة بعد أن كان مجرد ~~تقسيم إداري منذ سنة 295 ميلادية، ذلك أن قسطنطين اتفق مع زميله ليسينيوس على اقتسام ~~الدولة، وتولى هو القسم الشرقي واتخذ بيزانطيوم عاصمة له، وسماها القسطنطينية، هيأ لها ~~كل مقومات العواصم الرومانية، حتى لقد نقل إليها أعدادا من سكان روما وأعضاء مجلس ~~الشيوخ. # وبعد وفاته سنة 337م اختلف أولاده الثلاثة، ثم انفرد بالأمر أحدهم وهو قسطنطيوس، ~~ولكنه لم يستطع الاستمرار، وصار الأمر إلى واحد منهم توفي سنة 360م، فخلفه يوليان ثم ~~جوفيان سنة 264م، ثم توفي هذا بعد بضعة أشهر، فانتخب الرومان إمبراطورا اسمه فالنتيان، ~~وبعد قليل نصب فالنتيان أخاه فالنس إمبراطورا على رومية، وتم انفصال المملكة الرومانية ~~على أثر ذلك إلى مملكتين إحداهما شرقية عاصمتها القسطنطينية والأخرى غربية عاصمتها ~~رومية، وكانت الأولى أسعد حظا وأطول عمرا فأصبحت القسطنطينية مبعث ms0027 العلم ومركز ~~السلطنة ومرجع الدين للجزء الشرقي من الدولة الرومانية القديمة. # وكانت حدود الدولة الرومانية الشرقية في القرن الخامس للميلاد غير ثابتة، ولكننا ~~نستطيع القول بصورة عامة أنها كانت تنتهي في الغرب بالبحر الأدرياتي وفي الشرق بضفاف ~~دجلة، وتمتد حدودها الشمالية إلى جنوبي ما يعرف اليوم بروسيا، بما في ذلك شبه جزيرة ~~القرم، وتنتهي في الجنوب إلى بلاد النوبة، وأرقى عصور هذه الدولة بعد قسطنطين الكبير ~~عصر جستنيان (من سنة 527-565م) تولاها 37 سنة، قضى الخمس الأولى منها في محاربة الفرس ~~الساسانية، وانتهت الحرب بمعاهدة سموها «معاهدة الصلح الدائم» لكنها لم تدم، ومن حسن حظ ~~هذا الإمبراطور أنه رزق بقائدين من أشهر قواد العصور الوسطى هما بليزاريوس ونارسيس فتحا ~~له إيطاليا ورفعا أعلامه فوق أسوار روما شمالي إفريقية وغيرها، وكانا عونا له في سائر ~~فتوحه وساعده الأقوى في توسيع نطاق مملكته. ~~(2) الفرس # والعداوة بين الفرس والروم (اليونان) قديمة ربما تجاوزت القرن الخامس قبل الميلاد، ~~وسببها التنازع على السيادة في العالم، لأنهما كانتا أعظم دول الأرض، في تلك العصور، ~~فأرادت كل منهما الاستئثار بالسلطان دون الأخرى، واتصلت تلك العداوة إلى زمن الإسكندر ~~الكبير ثم اتصلت في عصور الرومان إلى أيام الإسلام. # القائد بليزاريوس يقود جنوده في إحدى المعارك ضد الفرس. # وأفضى عرش الفرس في أيام جستنيان المذكور إلى كسرى أنوشروان المشهور بالعادل، فلم ~~تعجبه مصالحة الروم فحمل عليهم بخيله ورجله، ففتح سوريا وأحرق أنطاكية ونهب آسيا ~~الصغرى، فبعث جستنيان إليه بليزاريوس فحاربه ورده على أعقابه، ثم عاد وعادوا وتوالت ~~الحروب بين الدولتين نحو عشرين سنة (من سنة 541 إلى 561م) وقد مل الملكان وشاخا فتوافقا ~~على صلح قضي فيه على جستنيان بجزية سنوية مقدارها 30000 دينار، وظلت حدود المملكتين كما ~~كانت قبل الحرب. # وللإمبراطور جستنيان ذكر مجيد في تاريخ الدولة البيزنطية، بسبب اتساع حدودها على ~~أيامه واستعادتها للكثير مما كانت قبائل الجرمان قد استولت عليه من ولايات الدولة ~~الرومانية، وبسبب ما قام به من أعمال خلدت ذكره على مدى التاريخ، منها ms0028 اجتهاده في تكوين ~~مجموعات القوانين الرومانية المعروفة وأشهرها المجموعة المعروفة إلى اليوم بمدونة ~~جستنيان التي كانت أساسا لما وضع بعدها من القوانين في أوربا إلى اليوم، وقد أدخل ~~صناعة الحرير إلى أوربا وبنى الكنائس والمعاقل والقصور، وأشهر ما يذكر به كنيسة أيا ~~صوفيا، التي جعلها العثمانيون عند فتح القسطنطينية جامعا لا يزال معروفا بهذا الاسم ~~إلى اليوم. # كنيسة أيا صوفيا التي بناها جستنيان، وهي الآن جامع. # ولكن الدولة المطلقة إنما يكون حظها من السعادة أو الشقاء كما يكون ملكها فإن كان ~~عظيما عظمت أو كان حقيرا حقرت، فلما توفي جستنيان خلفه أناس لا يليقون بالملك فلم تعد ~~تعرف السعادة بعده - خلفه ابن أخيه جستين الثاني ثم طيباريوس ثم الإمبراطور موريس ~~«موريقوس» وقد ضعف أمر الدولة، فأراد هذا الإمبراطور أن يقويها بفتح الشرق فناصب الفرس ~~وحاربهم سبع سنين، وقد توفي كسرى أنوشروان سنة 579، وخلفه ابنه هرمز الرابع، وكان ~~عاتيا فثار عليه رعاياه، فاشتغل بإخماد ثورتهم، والروم يوغلون في بلاده من العراق، ~~والتركمان يسطون عليها من الشمال والشرق حتى كادت تذهب فريسة الفاتحين لو لم يقيض لها ~~الله قائدا شهيرا يعرف ببهرام فحارب العدوين وأنقذ البلاد منهما، فمال الفرس إليه ~~فأنزلوا هرمز وسملوا عينيه وملكوا عليهم ابنه كسرى أبرويز، فلم يقبل بهرام، وأذله ففر ~~أبرويز إلى القسطنطينية واستنجد الإمبراطور موريس، فأنجده بجيش تغلب به على بهرام ~~واستعاد الملك، فعرف أبرويز ذلك الفضل لموريس وما زال على ولاء الروم إلى وفاة ~~موريس. # أما هذا الأخير فقد مات مقتولا سنة 602م وخلفه الإمبراطور فوقاس، وكان فوقاس جلفا ~~جاهلا فأبغضته الرعية والتمسوا من ينقذهم منه، وكان من جملة ولاة الأمور يومئذ وال ~~على إفريقية اسمه هراكليوس «هرقل» فاستنجده أهل القسطنطينية، فأنفذ إليهم عمارة بحرية ~~تحمل جيشا يقوده ابنه، وكان يسمى هرقل أيضا، فقتل فوقاس وتربع في دست الإمبراطورية ~~مكانه سنة 610 وفي أيامه ظهر الإسلام. ~~(3) بين الروم والفرس # ورأى أبرويز بابا لمناوأة الروم فادعى أنه يريد الانتقام من قتلة صديقه موريس فزحف ~~بجنده على سوريا ms0029 سنة 614م وناصره يهودها على البيزنطيين ففتحها وفتح مصر واستولى على ~~أنطاكية ودمشق وبيت المقدس ومدن أخرى من سوريا وفلسطين، ثم أباح لجنده نهب أورشليم «بيت ~~المقدس» فنهبوها وأحرقوا القبر المقدس وكنيسة القيامة وسلبوا خزائنها وحملوا بطريركها ~~والصليب الحقيقي إلى بلادهم، وواصلوا القتل والنهب في سوريا سنة 616م فكان عدد الذين ~~قتلوا من المسيحيين 90000 نفس، وأرسلوا جندا آخر إلى آسيا الصغرى ففتحوها وكان النصر ~~حليفهم حيثما حلوا حتى كادوا يطأون شواطئ البوسفور. # كل ذلك والإمبراطور هرقل معتزل في قصره وقد انغمس في اللهو والقصف والترف لا يبالي ~~بما يهدد مملكته، وكأنه لما تحقق وقوع الخطر نفض غبار الخمول عن عاتقه وخرج للدفاع، ولم ~~يكن عنده مال ينفقه في التجنيد فاقترض أموال الكنائس على أن يعيدها بعد الحرب مع رباها، ~~وحشد جنده وركب البحر إلى كليكيا في آسيا الصغرى واحتل إيسوس فلقيه الفرس هناك فحاربهم ~~وغلبهم سنة 622م، وفي هذه السنة هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة. # هرقل ملك الروم وحاشيته. # قضى هرقل في محاربة الفرس ثلاث سنين متوالية حتى أوغل في بلادهم واضطر أبرويز أن يسحب ~~جنده للدفاع عن قلب مملكته. # أما هرقل فإنه حاربه مرة أخرى سنة 627م فأجهز على قواته وانكسر الفرس انكسارا ~~عظيما، وبلغت جنود الروم نينوى عاصمة الأشوريين القديمة وهي أول مرة وطئ الروم فيها ~~تلك المدينة، وكان أبرويز قد أصبح شيخا طاعنا في السن فأوصى بالملك لابنه مردز، وكان ~~له ابن آخر اسمه شيروبه حسد أخاه وعمد إلى الكيد له ولأبيه، فاستعان ببعض الناس حتى قبض ~~على من بقي من أولاد أبرويز وهم ثمانية عشر ولدا فقتلهم جميعا بين يدي أبيه وزج أباه ~~في السجن حتى مات. # وبموت كسرى أبرويز انقضى مجد الدولة الساسانية ولم يعش ابنه شيرويه بعده إلا ثمانية ~~أشهر فأصبحت حكومة الفرس فوضى، وادعى الملك تسعة ملوك في أربع سنوات، فساد الفساد ~~وتمكن الاختلال فيها فجاءها المسلمون وهي في تلك الحال. # ناهيك بما كان يهدد الروم في أوربا من هجمات برابرة ms0030 القوط، وكان هؤلاء في أوائل ~~الإسلام قد استولوا على غربي هنجاريا «المجر»، وزد على ذلك أن الهون كانوا في أثناء ذلك ~~يهددون مملكة الروم من جهة الشرق. ~~(4) الانقسامات الدينية # ولم يكن الاختلال في دولتي الروم والفرس مقصورا على الوجهة السياسية والإدارية، ~~ولكنه كان يتناول الأحوال الاجتماعية والدينية بما تفاقم فيها من الانقسامات المذهبية ~~مما هو مشهور، فقد كان الروم حوالي القرن السادس للميلاد في منتهى التضعضع، لتعدد الفرق ~~وتشعب المذاهب وخصوصا فيما يتعلق بالطبيعة والطبيعتين والمشيئة والمشيئتين، وأكثر ~~اختلافهم على الألفاظ، والجوهر واحد. # فكان الإمبراطور وأهل دولته يقولون إن للمسيح طبيعتين ومشيئتين، وأما رعيته في مصر ~~والشام فكان أكثرهم يقولون بطبيعة واحدة ومشيئة واحدة وهم اليعاقبة، وفي زمن هرقل سعى ~~البطريرك إثناسيوس بطريرك اليعاقبة في منبج في التوفيق بين الطائفتين، فخاطب الإمبراطور ~~في ذلك وذهب مذهبا متوسطا بين القولين، وهو أن للمسيح طبيعتين ومشيئة واحدة، فوافقه ~~الإمبراطور واستمهله ريثما يخابر بطريق القسطنطينية بيروس وهو سوري الأصل، وكان ~~إثناسيوس قد اتفق معه على ذلك قبل مخاطبة الإمبراطور، فنشر الإمبراطور بهذا المعتقد ~~منشورا قبله أكثر الأساقفة الشرقيين إلا صفرونيوس بطريق بيت المقدس وبعض الأساقفة، وفي ~~مقدمتهم أسقف عمان وسائر أهل الكنيسة الملكية، فشق ذلك على الإمبراطور فعمل على ~~الانتقام من الذين لم يقبلوا منشوره وفيهم جانب عظيم من الروم، فأصبح الانقسام مزدوجا ~~الإمبراطور وبطارقة القسطنطينية والإسكندرية وأنطاكية حزب يقول بطبيعتين ومشيئتين، ~~واليعاقبة ومنهم الأقباط وأهل حوران وسائر أهل داخلية سوريا ومصر حزب آخر، والنساطرة ~~وهم أهل العراق والجزيرة حزب ثالث، فضلا عن طوائف أخرى غير هذه منهم الخياليون الذين ~~يقولون إن المسيح لم يصلب حقيقة، وإنما صلب رجل آخر مكانه، والإكيفاليون القائلون بعدم ~~الخضوع للرؤساء وهم يشبهون الخوارج، ثم إن اليعاقبة أيضا كانوا أقساما مما يطول ~~شرحه. # وكان لهذه الانقسامات تأثير شديد في السياسة لاختلاط السياسة عندهم بالدين، حتى آل ~~ذلك أحيانا إلى خروج أمم بأسرها من حوزة الروم إلى الفرس، كما حصل للأرمن فإنهم لما ~~حرم مجمع القسطنطينية بدعة الطبيعة الواحدة ms0031 جعل الإمبراطور يشدد النكير على متبعيها، ~~والأرمن منهم، فأفضت بهم الحال إلى تسليم بلادهم إلى الفرس، وكذلك فعل القبط بمصر يوم ~~جاءهم عمرو بن العاص، فقد كانوا عونا له في فتحها للسبب عينه. ~~(5) التناقض بين الروم واليهود # ولا بد من الإشارة هنا إلى ما كان بين اليهود والروم من تباغض قوي بسبب ما جرى عليه ~~أباطرة الدولة الرومانية من اضطهاد اليهود في تلك الأيام، وقد بلغ هذا التباغض حده في ~~أيام هرقل فثار اليهود في أنطاكية وقتلوا بطريقها ومثلوا بجثته تمثيلا قبيحا، فأرسل ~~إليهم هرقل فقتل منهم جمعا غفيرا، وثاروا في صور عاصمة فينيقية وقتلوا واليها، وتآمر ~~يهود صور ويهود فينيقية وفلسطين على أن يدخلوا مدينة صور ليلا ويقتلوا النصارى، فاطلع ~~مطران صور على المكيدة وأخبر الوالي بها فأمر الوالي الحامية والبوابين والحراس بأن ~~يكونوا تلك الليلة على حذر، ولما جن الليل هجم اليهود من خارج السور فردهم الجند على ~~أعقابهم، فرجع اليهود إلى الأديرة والكنائس القائمة بجوار المدينة فهدموها وسلبوا ~~آنيتها، وفعلوا مثل ذلك فيما جاورها من القرى، فعاقبتهم الحكومة بقتل كل يهود ~~صور. # وحدث مثل ذلك في قيسارية فلسطين فأرسل الملك أخاه ثاودورس فقتل من كان فيها من ~~اليهود، فاشتد غيظهم على المملكة في كل أنحائها، وزاد الروم خوفا من اليهود وحذرا ~~منهم أن بعض أهل التنجيم أنبأوا الملك أن رجلا من أهل الختان سيأخذ المملكة منه، ويقول ~~العرب إن المراد بأهل الختان المسلمون، ومما فعله اليهود من الفظائع نكاية في الروم، ~~أنهم اشتروا من الفرس ثمانين ألفا من أسرى النصارى وذبحوهم. # ولم يكن التباغض مقصورا على ما بين اليهود والروم، لكنه كان بينهم وبين النصارى على ~~الإجمال، وكانت حكومات النصارى إذا سنت قانونا خصصت بنودا منه لليهود لمعاملتهم ~~بالاحتقار، كما فعل القوط حكام إسبانيا قبيل زمن الفتوح الإسلامية فقد سموا اليهود ~~أعداء الحكومة القوطية، وكانت المجالس الملية في تلك المملكة قد قررت إلغاء الديانة ~~الإسرائيلية فأمرت الحكومة بمنع اليهود من الاحتفال بأعيادهم، وأجبرتهم على النصرانية ~~وضيقت عليهم ms0032 تضييقا شديدا حتى اضطروا للتظاهر بالنصرانية وقلوبهم ما زالت يهودية تكاد ~~تنفجر حقدا وكظما على ما نالهم من صنوف العذاب، ولم يكن القوط يجهلون تكتمهم ولذلك لم ~~يكونوا يعاملون المتنصرين منهم معاملة المسيحيين الأصليين، بل حرموهم من كل الحقوق ~~المدنية وحظروا عليهم اقتناء العبيد وتمادوا في إذلالهم حتى منعوهم من القراءة، فهل ~~نستغرب بعد ذلك إذا كان اليهود عونا للعرب المسلمين على حكامهم المسيحيين ...؟ ~~(6) حالة الفرس الداخلية # أما الفرس فقد كانت حالتهم الاجتماعية في غاية الانحطاط قبل الإسلام بمدة طويلة ~~لانشقاق عصاهم بتشعب المذاهب عن ماني ومزدك، ومن غريب دعوى هذا الأخير أن إلهه بعثه ~~ليأمر بشيوع النساء والأموال بين الناس على السواء، لأنهم أخوة أولاد أب واحد، وتبع هذا ~~المذهب قباذ أحد ملوكهم، فجاء بعده من نقضه وأقام غيره وتشعبت الآراء هناك وفسدت ~~الأخلاق، وفيما كان الروم والفرس على ما ذكرناه من الانحلال كان العرب في إبان نهضتهم، ~~وقد اجتمعت كلمتهم واشتد أزرهم بمن كان يهاجر إليهم من رجال الروم والفرس أنفسهم، ~~فرارا من تغالب الأحزاب أو ضعف الحكام. # | انتشار الإسلام # يبدأ تاريخ الإسلام بالهجرة، فقد هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة، فرارا مما كان ~~القرشيون يسومونهم إياه من الخسف والإهانة وهم قليلون لا يقوون على دفعهم، وقد رأوا من أهل ~~المدينة مؤازرة ونصرة بما أظهروه من البيعة المعروفة ببيعة العقبة فأمر النبي المسلمين ~~بالهجرة إلى المدينة فلاقاه أصحابه هناك بالترحاب وأنزلوه وأنزلوا الذين هاجروا معه على ~~الرحب والسعة. ~~(1) التعاهد بين المهاجرين والأنصار # وأول عمل باشره بعد نزوله هناك المعاهدة بين أصحابه المسلمين (المهاجرين والأنصار) ~~وبين اليهود من أهل يثرب على الاتحاد والتكاتف في الدفاع عن المصالح العامة، وكتب بين ~~الفريقين كتابا يعترفون فيه أنهم أمة واحدة، وقد أورد ابن هشام نص ذلك الكتاب ثم خص ~~المهاجرين من قريش والأنصار من يثرب بعهود أخرى سموها المؤاخاة، فآخى بين أصحابه ~~المهاجرين والأنصار بعهد وثيق، هذا هو الحجر الأول من أساس الدولة الإسلامية والمسلمون ~~يومئذ بضع عشرات، وفرضت الزكاة والصيام وأقيمت ms0033 الحدود وفروض الحلال والحرام وغير ذلك من ~~دعائم الإسلام، ثم انضم إلى المسلمين بعض وجهاء المدينة فتأيد الإسلام بهم كما تأيد من ~~قبل بحمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب. ~~(2) الغزوات # فلما فرغوا من ذلك فكروا في ما بينهم وبين أهل مكة من العداء، فعمدوا إلى مقاتلتهم، ~~لنصرة الإسلام فحدثت الغزوات المشهورة - وهي أول الحروب الإسلامية - بدأت بالغزو ~~والقتال على عادة العرب في جاهليتهم وانتهت بفتح المدن والممالك، وأشهر الغزوات وأهمها ~~غزوة بدر الكبرى، لأن فوز المسلمين فيها قوى عزائمهم ونشطهم على موالاة الغزو. ~~(2-1) غزوة بدر الكبرى # بدر آبار بين مكة والمدينة، تنزل عندها القوافل التجارية المسافرة بين مكة ~~والشام، وكان القرشيون أهل تجارة تسير قوافلهم إلى الشام تحمل إليها البضائع - كما ~~تقدم - فعلم المسلمون في السنة الثانية للهجرة أن قافلة من القرشيين أهل مكة، قادمة ~~من الشام ومعها الأموال يخفرها ثلاثون رجلا يرأسهم أبو سفيان بن حرب كبير أهل مكة ~~يومئذ، فانتدب النبي أصحابه لغزو القافلة وأخذ أموالها، فبلغ أبا سفيان ذلك فعجل ~~بإرسال رسول يطلب النجدة من أهل مكة، فجاءه منهم 950 رجلا فيهم مائة فارس، وخرج ~~المسلمون وهم 313 رجلا منهم 70 من المهاجرين والباقون من الأنصار، ولم يكن معهم ~~إلا فرسان وسبعون جملا، وبلغهم بعد خروجهم من المدينة أن قافلة قريش قاربت آبار ~~بدر، فسبقهم المسلمون إلى المكان وبنوا للنبي عريشا جلس فيه ومعه أبو بكر، وتهيأ ~~أصحابه للحرب. # ثم رأوا قريشا مقبلين وهم نحو ثلاثة أمثالهم، وفيهم نخبة رجال مكة الذين قاوموا ~~الإسلام وأهانوا النبي وفي جملتهم أبو جهل بن هشام، وعلم النبي أن هذه الواقعة حد ~~الفصلين إما أن ينتصر المسلمون ويتأيد الإسلام إذا غلبوهم، وإما أن تعود العائدة ~~عليهم إذا غلبوا، فلما رأى القرشيين قادمين في مثل هذا العدد نظر إلى أصحابه فإذا ~~هم قليلون فقال «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض». # وباشروا القتال بالمبارزة على جاري العادة، ثم قتل أبو جهل فجاءوا برأسه إلى ~~النبي فسجد وشكر الله، ms0034 ودارت رحى الحرب فكان النصر للمسلمين، وقد قتل منهم أربعة ~~عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، وقتل من القرشيين سبعون رجلا ~~وفيهم من أشراف بطون قريش كلها، وخصوصا بني أمية وبني مخزوم وبني أسد، وأسر منهم ~~سبعون رجلا فيهم عقبة بن أبي معيط فأمر بقتله، لما كان من أذاه النبي بمكة، وكان ~~أكثر المسلمين جهادا في تلك الواقعة علي بن أبي طالب ابن عم النبي وحمزة بن عبد ~~المطلب عمه، وفر من بقي من القرشيين وفيهم أبو سفيان بن حرب رئيسهم وعمرو بن العاص ~~الذي صار من أكبر قواد الإسلام فيما بعد، ساروا يطلبون مكة وغادروا الأموال ~~والأمتعة فاستولى المسلمون عليها وتنازعوا في تفريقها، ففرقها النبي عليهم بالسواء ~~ولم يأخذ لنفسه شيئا، ثم بعث القرشيون يفتدون أسراهم، فاجتمع من ذلك مال كثير، وقد ~~عاد أهل مكة مخذولين، فانكسرت شوكتهم وعظم أمر المسلمين، ومما زادهم تأييدا أن أبا ~~لهب المشهور بمقاومة الإسلام، لم يخرج يوم بدر من مكة، لكنه أرسل من يحارب عنه على ~~جاري عادتهم في من يتخلف عن الحرب، فلما أخبروه بفشل القرشيين اشتد به الحزن حتى ~~مات بعد بضعة أيام، ولواقعة بدر شأن عظيم في تاريخ الإسلام، لأنها كانت فاتحة ~~الانتصارات الأخرى. ~~(2-2) واقعة أحد # ثم إن القرشيين عادوا بعد هذه الكسرة فاجتمعوا في السنة التالية، وقائدهم أبو ~~سفيان وعددهم ثلاثة آلاف فيهم 700 دارع و200 فرس، وتهيأوا للأخذ بثأر قتلاهم في ~~بدر، وساروا لمهاجمة المدينة ومعهم النساء يضربن الدفوف ويندبن قتلى بدر ويحرضن ~~الناس على مقاتلة المسلمين، وكان في جملة رجال الحملة خالد بن الوليد الذي اشتهر ~~بين قواد المسلمين بعد ذلك، فلما أقبلوا على المدينة تشاور النبي وأصحابه فكان رأيه ~~البقاء في المدينة للمدافعة، ورأى مثل ذلك أيضا رجل من الصحابة اسمه عبد الله بن ~~أبي بن سلول، ولكن أكثر الصحابة أشاروا بالخروج عليهم، فأطاع النبي الأكثرية وخرج ~~في ألف منهم حتى توسطوا بين المدينة وجبل أحد، وباسم هذا الجبل سميت هذه الواقعة ~~«غزوة ms0035 أحد»، وكان ابن أبي هذا قد غضب، لأن النبي خالف رأيه وأطاع الآخرين، فلما ~~توسطوا الطريق تقهقر هو وثلث الرجال، وأشاع القرشيون في الجند أن محمدا قتل، ففشل ~~المسلمون ولم يظفروا في هذه الواقعة، وقتل منهم حمزة بن عبد المطلب عم النبي، وكان ~~قتله سببا في زيادة الفشل كما كان إسلامه مؤيدا للإسلام، وبلغت جملة قتلى ~~المسلمين سبعين رجلا، وأصيب النبي نفسه بضربة شجت رأسه ودخل بعض حلق المغفر ~~«الدرع» في الشجة فسال الدم، ومثل القرشيون بقتلى المسلمين تمثيلا شنيعا، فقطعوا ~~الآذان والأنوف حتى إن هندا بنت عتبة امرأة أبي سفيان «وأم معاوية» شقت بطن حمزة ~~وأخرجت كبده ولاكتها فلم تستطع أن تبتلعها فلفظتها. # وكانت هذه الواقعة أشد ما أصاب المسلمين إلى ذلك الحين، لكنهم كانوا قد ذاقوا لذة ~~النصر فنسبوا هذا الفشل إلى خيانة عبد الله بن أبي المتقدم ذكره، وعادوا إلى مواصلة ~~الغزو حتى كانت واقعة الخندق. ~~(2-3) واقعة الخندق # وذلك أن قبائل العرب لما رأوا انتصار القرشيين في أحد تحزبوا لأهل مكة وانضموا ~~إليهم، وفيهم قريش وغطفان وسائر قبائل العرب وبنو النضير من اليهود - وكان المسلمون ~~قد أجلوهم عن أماكنهم كما سيأتي فحرضوا قريشا على الحرب - وحملوا على المدينة في ~~بضعة عشر ألفا ونحو أربعمائة فرس وألف بعير، وهم الأحزاب وبهم تعرف الواقعة أيضا، ~~وكان المسلمون لا يزيد عددهم على ثلاثة آلاف، فاضطربوا وخافوا، وقد تعلموا من ~~الواقعة الماضية أن لا يخرجوا من المدينة. # وكان في جملة الصحابة يومئذ رجل من فارس له خبرة بفنون الحرب اسمه سلمان الفارسي، ~~فأشار على النبي بحفر الخندق - وكان العرب لا يعرفون ذلك من قبل - فقال له سلمان ~~«كنا بأرض فارس إذا تخوفنا الخيل خندقنا علينا، فإن ذلك من مكايد الحرب» فاستحسن ~~النبي ذلك وأمر بالحفر، وكان هو نفسه يشتغل معهم بحمل التراب، ولم يكن عندهم العدد ~~اللازمة فاستعاروا بعضها من بني قريظة، فاحتفروا الخندق حول المدينة في بضعة عشر ~~يوما. # وأقامت الأحزاب حول المدينة وحاصروها والخندق يمنعهم من مهاجمتها، فقضوا ms0036 بضعة ~~وعشرين يوما لا يقاتلون إلا بالمراماة بالنبال والحصي، وقد هالهم أمر الخندق ~~وعلموا أنها مكيدة جديدة، على أن بعضهم حاول الوثوب بفرسه من فوق الخندق فسقط فيه ~~واندقت عنقه، فزاد الرعب في قلوب الأحزاب، فلما طال بهم الانتظار عمدوا إلى البراز، ~~فخرج أحدهم وطلب البراز فخرج إليه علي بن أبي طالب فغلبه علي، واتفق على أثر ذلك ~~سقوط الأمطار وهبوب الرياح ، فأثرت في خيام الأحزاب وكفأت قدورهم، وأهل المدينة في ~~منازلهم قلما أثرت فيها الأنواء، فتشاءم أولئك وعادوا على أعقابهم، فزال عن ~~المسلمين عار أحد بهذه الهزيمة. ~~(3) الفتوح # كل ما تقدم من الحروب لا شيء من الفتح فيه وإنما هو غزو ومقاتلة، وأما الفتوح ~~الإسلامية فأولها فتح أرض بني النضير وهم يهود، حدث حادث دعا إلى مطالبتهم بالجلاء عن ~~بلادهم فطلب النبي أن يجلوا عنها فحاصرهم ستة أيام «سنة 4ه»، فطلبوا إليه أن يخلي ~~سبيلهم على أن يحملوا معهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، فأجابهم إلى ذلك ~~فخرجوا وظل ما بقي من أموالهم فيئا للنبي خاصة يعطي منه من يشاء، وكذلك حصل في قريظة ~~وخيبر، وكان لخيبر حصون كثيرة فتحوها تباعا. # حصن خيبر. # أما القرشيون بعد واقعة الخندق فقد هان عليهم مهادنة المسلمين، فعقدوا معهم صلحا في ~~نحو السنة السادسة للهجرة مفاده «أن من شاء من أهل المدينة أن يقدم مكة للحج أو العمرة ~~أو أن يجتاز بها إلى اليمن أو الطائف فهو آمن، ومن قدم من أهل مكة أو من معهم من أهل ~~الشام والمشرق ومر بالمدينة فهو آمن». ~~(3-1) واقعة مؤتة # فتفرغ المسلمون لنشر الدعوة الإسلامية، وكان لفشل الأحزاب مع كثرة عددهم تأثير ~~شديد على قبائل العرب وعظم الإسلام في نفوسهم، فجعلوا يفدون إلى المدينة لقبول ~~الدعوة من تلقاء أنفسهم، وفي جملة الوافدين رجلان لهما شأن عظيم في تاريخ الإسلام، ~~هما خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وكلاهما من أشهر القواد، فاعتز المسلمون بهم ~~واتسعت آمالهم، فأرسل النبي في السنة التالية رسله إلى ملوك الأرض ms0037 يدعوهم إلى ~~الإسلام، في جملتها كتاب إلى المقوقس وإلى مصر، وبعث «سنة 8ه» جندا لمحاربة الروم ~~في الشام، فحاربوهم في قرية من قرى البلقاء في حدود الشام مما يلي حوران اسمها ~~مؤتة، وتلك أول حروبهم مع الروم، والعرب لم يجربوا الجنود المنظمة بعد، فلم يفلحوا ~~فعادوا إلى المدينة وقد قتل منهم بضعة من خيرة الصحابة فيهم زيد بن حارثة وعبد الله ~~بن رواحة وجعفر بن أبي طالب أخو علي. # كتاب النبي إلى المقوقس عثر عليه بعض الفرنسيين سنة 1275ه. (تفصيل ~~ذلك في الهلال صفحة 103 و160 سنة 13). # وحدثت في أثناء ذلك حادثة أفضت إلى نقض الصلح بين المسلمين وقريش، فرأى أبو سفيان ~~أنهم لم يعودوا يقوون على مناوأة المسلمين، فجاء بنفسه إلى المدينة لتجديد العهد، ~~وأدرك المسلمون ضعف عدوهم فلم يغفلوا عن هذه الفرصة، فلما سألهم عن الصلح لم يجيبوه ~~جوابا صريحا عن قبولهم إياه، # 1 # فلما عاد إلى مكة تجهزوا على عجل لكي يباغتوها قبل أن يتأهب أهلها ~~للدفاع، فساروا حتى أقبلوا عليها وهم عشرة آلاف وفيهم المهاجرون والأنصار وقبائل من ~~العرب المحالفة، وكان أبو سفيان وبعض كبراء قريش قد خرجوا من مكة يتجسسون، فلقيهم ~~العباس بن عبد المطلب عم النبي، فسأله أبو سفيان عما هنالك، فأخبره العباس بقوة ~~جندهم واعتزاز أمرهم، فقال أبو سفيان «لقد أصبح أمر ابن أخيك عظيما» فأشار عليه ~~العباس أن يستأمن، فلم ير لنفسه خيرا من ذلك، فجاء معه إلى معسكر المسلمين، فأكرم ~~النبي وفادته ومنع الصحابة من إيذائه، لأنهم كانوا ينوون الإيقاع به، وزاد في ~~تعظيمه حتى جعل كل من يدخل بيته من أهل مكة يوم الفتح آمنا مثل من يدخل ~~المسجد. # مسجد مكة وفي وسطه الكعبة. # فعاد أبو سفيان وأخبر أهل مكة بما كان، فاستضعفوه وخذلوه وشتموه حتى إن امرأته ~~هند بنت عتبة أخذت بشاربيه وقالت «اقتلوا الحميت الدسم الأحمس ... قبحه الله من طليعة ~~قوم» فلم يبال. # ثم دخل المسلمون مكة وفتحوها، وسار النبي توا إلى الكعبة فكسر الأصنام التي ~~كانت في ms0038 المسجد حولها وفي جوفها، ونزع ما كان على جدرانها من صور الملائكة وغيرها، ~~وكان ذلك آخر عهد مكة بالوثنية، وتحولت الكعبة من ذلك الحين إلى مسجد يعبد فيه ~~الله، وأسلم أهل مكة كافة وفيهم أبو سفيان وأولاده، وفي جملتهم معاوية # 2 # بن أبي سفيان مؤسس دولة بني أمية. ~~(3-2) المؤلفة قلوبهم وغزو الطائف # وسمى النبي أشراف مكة الذين أسلموا بعد الفتح «المؤلفة» أو «المؤلفة قلوبهم»، ~~إشارة إلى تأليف قلوبهم لتتألف بهم قلوب أقوامهم، تعزيزا للإسلام، وفي السيرة ~~الحلبية أن من المؤلفة قلوبهم من تألفهم النبي ليسلموا مثل صفوان بن أمية، ومن ~~تألفهم لدفع شرهم، وكان يتألفهم جميعا بالعطاء فيميزهم به عن سائر الصحابة كما ~~سترى، وفي ذلك من حسن السياسة والحلم وسعة الصدر ما فيه. # وبعد فتح مكة بعث النبي سراياه إلى ما حولها يدعو الناس إلى الإسلام، ثم غزا ~~حنينا والطائف، وشتان بن مجيئه إلى الطائف الآن ومجيئه في أول دعوته، لقد جاءهم ~~يومئذ مستنصرا وجاءهم الآن فاتحا، فغلبهم وغنم غنائم بلغ مقدارها 24000 من الإبل ~~و40000 من الغنم و4000 أوقية من الفضة، فلما عمد إلى تفريقها في أصحابه بدأ ~~بالمؤلفة قلوبهم فأعطى أبا سفيان مائة بعير وأعطى ابنه معاوية مائة بعير وابنه يزيد ~~مائة بعير وأعطاهم الفضة، فكان جملة ما أخذه أبو سفيان وأولاده ثلاثمائة بعير ومائة ~~وعشرين أوقية من الفضة، فقال أبو سفيان «بأبي أنت وأمي يا رسول الله لأنت كريم في ~~الحرب وفي السلم». ~~(3-3) عتب المهاجرين والأنصار # وفعل النبي نحو ذلك في سائر الأشراف مثل الحارث بن هشام أخي أبي جهل المشهور ~~وصفوان بن أمية وغيرهما، فشق ذلك على المهاجرين والأنصار وهم دعامة الإسلام وأهل ~~السابقة، فكيف يتركون وتفرق الغنائم في من لم يسلموا إلا مكرهين بعد أن غلبوا على ~~مدينتهم؟ فتشاكى الصحابة في ما بينهم وقالوا «كيف يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا لا ~~تزال تقطر من دمائهم؟» فبلغ ذلك النبي فجمعهم وسألهم فاعترفوا له بما قالوا فصوب ~~قولهم ولكنه قال لهم «إني لأعطي رجالا حديثي ms0039 عهد بالكفر أتألفهم ليحسن إسلامهم ~~ويسلم غيرهم تبعا لهم، وأما أنتم فوكلتكم إلى إسلامكم الثابت الذي لا يتزلزل، ألا ~~ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا أنتم برسول الله ~~إلى رحالكم؟ ...» وقال مثل ذلك للمهاجرين ~~فارتضوا. # ثم عادوا إلى المدينة في نحو السنة التاسعة للهجرة وقد اعتز جانبهم وذاع أمر ~~سلطانهم في كل جزيرة العرب، فجعل الناس يفدون على المدينة يدخلون في ~~الإسلام. ~~(3-4) محاولة فتح الشام # فلما اعتز المسلمون ودانت لهم جزيرة العرب كلها تقريبا، عادوا إلى توسيع دائرة ~~الفتح، فأمر النبي سنة 9ه بالتجهز لإعادة الكرة على الروم، فجهزوا جندا عدده ~~ثلاثون ألفا فيهم عشرة آلاف فارس، وتلك أكبر حملة استطاعها المسلمون إلى ذلك الحين ~~بذلوا فيها كل ما في وسعهم من المال والرجال، ولكنهم لقوا في الطريق شدة عظيمة من ~~العطش، فنزلوا قرية بين المدينة والشام اسمها تبوك وهم يظنون الروم يجتمعون إليها ~~ومعهم عرب لخم وجذام، فجاءهم صاحب أيلة «وهي مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي ~~الشام في رأس خليج العقبة» فصالحهم على الجزية، وفي أثناء هذه الحملة سطا خالد بن ~~الوليد على صاحب دومة الجندل بين المدينة ودمشق، على سبع مراحل من هذه وهو عربي ~~نصراني من كندة، فأخذه خالد وقتل أخاه وأخذ منه قباء من ديباج مخوصا بالذهب وأرسله ~~إلى المسلمين، فلما رأوه تعجبوا منه لأنه أول عهدهم بمثل هذه الملابس، ثم عادوا إلى ~~المدينة ولم يفتحوا شيئا من بلاد الروم. # وفي السنة الحادية عشرة للهجرة توفي صاحب الشريعة الإسلامية، والإسلام لا يزال ~~حديثا، فسعى الذين حط الإسلام من نفوذهم أو وقف في سبيل أغراضهم فارتدت معظم قبائل ~~العرب عنه، إلا أهل المدينة ومكة والطائف، وأصبح الإسلام في خطر شديد، لو لم ~~يتداركه أبو بكر. # | الخلفاء الراشدون # (1) الخلاف بين المهاجرين والأنصار # كان النبي في أثناء حياته أمير المسلمين وقائدهم في الحرب، وإمامهم في الصلاة، ~~وقاضيهم في سائر الأحوال، فلما مات ولم يخلف ذكرا ولا أوصى بالخلافة لأحد - وأما قوله ~~لعلي ms0040 المتقدم ذكره أنه وصيه فالأئمة مختلفون فيه - اختلفوا عند موته فيمن يخلفه، وأولى ~~الناس بخلافته أصحابه وهم المهاجرون والأنصار، فقال المهاجرون نحن أحق بالخلافة، لأننا ~~أهل النبي وأصحابه وقد تركنا أهلنا وبلدنا وهاجرنا معه. وقال الأنصار بل نحن أحق بذلك، ~~لأننا آويناه ونصرناه. واشتد الجدال بينهما حتى كاد يفضي إلى النزاع، فذكرهم أبو بكر ~~بحديث كان النبي قد قاله على مسمع منهم وهو «قريش ولاة هذا الأمر» فأذعنوا وتراجع ~~الأنصار. # ولكن الخطر ما زال يهدد الإسلام من اختلاف المهاجرين على من يختارونه لذلك المنصب ~~العظيم، فأحس عمر بن الخطاب رجل المسلمين بذلك، وخاف الفشل، لأن الإسلام قام على ~~الاتحاد، فبادر إلى أبي بكر فبايعه والناس ينظرون، وهم إنما كانوا يخافونه إذا طلب ~~الخلافة لنفسه، لشدة بطشه وقوته، فلما رأوه سبقهم إلى مبايعة أبي بكر بايعوا معه وانفض ~~المشكل. ~~(2) خلافة أبي بكر # أما مبايعتهم أبا بكر دون سائر المهاجرين وفيهم العباس عم النبي وعلي بن أبي طالب ابن ~~عمه وغيرهما من بني هاشم أهل بيته ففيه نظر، والظاهر من أقوال عمر وغيره في مواقف ~~مختلفة أنهم رأوا بني هاشم قد اعتزوا بالنبوة، لأن النبي منهم فلم يستحسنوا أن يضيفوا ~~إليها الخلافة، ولعلهم فعلوا ذلك اقتداء بالنبي نفسه، لأن عمه العباس طلب إليه مرة أن ~~يوليه عملا فأبى، وصرح بذلك بنو هاشم أنفسهم وفي مقدمتهم الحسن بن علي لما تنازل عن ~~الخلافة لمعاوية فقال «أبى الله أن يجمع النبوة والخلافة فينا». # ومما ساعد على اختيار أبي بكر دون سائر المهاجرين من غير بني هاشم - مثل عمر وعثمان ~~وطلحة والزبير - أنهم اعتبروا السبق في الإسلام، لأن أبا بكر أسبق رجالهم إليه جميعا، ~~وهناك سبب آخر ذو شأن عند العرب من عهد جاهليتهم وهو السن، ولفظ الشيخ يدل عندهم على ~~الشيخوخة والسيادة معا، وكانوا إذا تساوت المناقب في من يترشحون للإمارة فضلوا كبيرهم ~~سنا مع ملاحظة المقام الأدبي - كذلك فعلت قريش في حرب الفجار الثاني فإنها جمعت ~~بطونها وعلى كل بطن رئيس ورأسوا عليهم ms0041 جميعا حرب بن أمية، قال ابن الأثير «وولوه عليهم ~~جميعا لمكانه من عبد مناف سنا ومنزلة»، وقد جمع أبو بكر الامتياز بالسن والوجاهة على ~~سائر قريش، وفوق كل ذلك فإن النبي لما مرض أنابه للصلاة في المسلمين وهي من حقوق ~~الإمامة، فضلا عما امتاز به من العلم وصدق العزيمة وقوة التدبير وعلو الهمة وغير ذلك ~~من المناقب. # بقايا إيوان كسرى في المدائن. # وأول خطبة قالها أبو بكر بعد المبايعة تمثل حقيقة الإسلام، وتبين السر الذي ساعد على ~~سرعة انتشاره وتأييد سلطانه وهي «أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت ~~فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ ~~الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له إن شاء الله تعالى، لا يدع أحد منكم ~~الجهاد فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت ~~الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم». ~~(2-1) الردة # تسلم أبو بكر الخلافة والإسلام في غاية الاضطراب بسبب الردة التي أشرنا إليها، ~~ومن أسبابها أن بعض القبائل دانت للإسلام ولم يتمكن الإسلام من عقولهم وقلوبهم، ~~فلما مات النبي تبادر إلى أذهانهم أن الدعوة إلى النبوة أمر هين وظنوا أنفسهم ~~يستعينون على تأييد دعواهم بقبائلهم وهي أكثر رجالا من قريش، فكيف يستطيع هؤلاء ~~السيادة على جزيرة العرب كلها وهم قليلون؟ فادعى النبوة غير واحد، وفيهم طليحة ~~الأسدي من بني أسد، وسجاح التميمية من تميم، ومسيلمة من بني حنيفة في اليمامة، ~~وغيرهم، واستعان كل منهم بقبيلته وأنصاره، فدعا ذلك إلى اضطراب الأحوال في سائر ~~القبائل، فمنهم من رفض الإسلام وتابع أولئك الدعاة، ومنهم من اكتفى بالامتناع عن ~~أداء الزكاة، والزكاة من دعائم الإسلام الأولية، ولها شأن المال في الدولة، والمال ~~ضروري لقيام الدول في كل زمان ومكان، وبعض العرب امتنعوا عن الزكاة، لأنهم عدوها من ~~قبيل الإتاوة التي كانوا يدفعونها في جاهليتهم. # واشتد أمر الردة واستفحل المرتدون، حتى حمل بعضهم على المدينة نفسها وهي ms0042 عاصمة ~~المسلمين، فهاجموها وكادوا يأخذونها لو لم يدافعهم أبو بكر دفاعا جميلا، وقد تصرف ~~في محاربة المرتدين تصرف الرجل الحكيم الحازم، وبين يديه نخبة القواد وأهل الحزم، ~~فعقد لهم الألوية للقتال، وبلغ عدد ما عقده منها أحد عشر لواء عقدت لأحد عشر ~~قائدا في جملتهم خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وعمرو بن العاص. # فلم تمض على ذلك سنتان حتى استتب الأمر لأبي بكر، وعاد الناس إلى ما كانوا عليه ~~وسكنت الأحوال، فحول التفاته إلى الشام والعراق ، اقتداء بما أراده النبي، فوجه ~~إليهما الجنود فجرت واقعة اليرموك الشهيرة سنة 13ه وكانت سببا في فتح الشام، واشتد ~~أزر المسلمين بها كما اشتد أزرهم بواقعة بدر الكبرى. ~~(3) خلافة عمر # وتوفي أبو بكر في تلك السنة وقد أوصى بالخلافة لعمر بن الخطاب، وليس هو أكبر سائر ~~المهاجرين سنا، لكن الصحابة لم يكونوا مخيرين في خلافته، لأن أبا بكر أوصى له بها، ~~وكان عمر رجلا حازما عادلا شديدا في الحق، وفي أيامه تم فتح الشام والعراق وأهم ~~وقائعها واقعة القادسية سنة 14ه وهي من أشهر الوقائع الرئيسية التي فاز فيها المسلمون، ~~وفي أيامه فتح بيت المقدس واشترط أهلها أن يأتي عمر بنفسه لعقد الصلح على يديه، وفتحت ~~المدائن عاصمة الفرس سنة 16ه ثم أوغلت جنود المسلمين في فارس، وفتحت الجزيرة وأرمينيا ~~سنة 17ه، وفتحت مصر على يد عمرو بن العاص، ثم فتحت برقة. # وهو الذي دون الدواوين ووضع الأعطية كما سنفصله، وفي أيامه بنيت الكوفة والبصرة ~~والفسطاط، وبنى المسجد الحرام بمكة ووسع فيه فأضاف إليه ما كان يخاوره من الأرض، ~~ابتاعها من أصحابها. # وقتل الإمام عمر سنة 23ه وخلفه عثمان بن عفان، ونظرا لكثرة الفتوح في أيامه نذكر ~~الأسباب التي ساعدت عليها. # | الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام # للكتاب وأهل النقد بحث طويل وجدال عنيف في الأسباب التي ساعدت العرب على فتح بلاد الروم ~~والفرس، وقهر القياصرة والأكاسرة برجال يكاد لا يزيد عددهم على عدد حامية مدينة من مدن ~~أولئك، مع ما كان عليه ms0043 العرب يومئذ من سذاجة المعيشة وقلة الدربة في فنون الحرب وضيق ذات ~~اليد وضعف العدة، والروم والفرس أعظم دول الأرض يومئذ وعندهما العدة والرجال والحصون ~~والمعاقل، وزد على ذلك أن العرب فضلا عن قلتهم وسذاجة أحوالهم جاءوا مهاجمين في بلاد لا ~~يعرفونها ولا نصير لهم فيها، وأغرب من ذلك كله أنهم فتحوا تينك المملكتين في مدة لا تتجاوز ~~بضع عشرة سنة، فكيف تأتى لهم ذلك؟ # أشهر أقوال أهل النقد في هذا الشأن أن العرب لم ~~يستطيعوا فتح تينك المملكتين إلا لما كان فيه الروم والفرس من التضعضع والضعف، على أثر ما ~~كان من الحروب بينهما قبيل الإسلام مما بيناه في فصل سابق، وعندنا أن ذلك التضعضع لم يكن ~~وحده علة ذلك النصر، وإلا لكانت إحدى الدولتين أولى بالاستيلاء على جارها وعدوتها من أمة ~~صغيرة قليلة العدد ضعيفة العدة غلبت الدولتين جميعا، على أننا لا ننكر ما كان لتضعضع الروم ~~والفرس من التأثير في تسهيل الفتح ولكنه لم يكن هو علته، وهناك أسباب أخرى سيأتي ~~بيانها. ~~(1) ما الذي جرأ العرب على الفتح؟ # لنبحث أولا في الأسباب التي جرأت العرب على مهاجمة تينك المملكتين، وهم أهم بادية ما ~~برحوا من أجيال متطاولة ينظرون إلى الروم والفرس نظر الاحترام والتهيب، يضربون الأمثال ~~بضخامة ملكهما ويخافون اسميهما، فكيف تتجرأ شرذمة منهم على مناوأتهما ببضعة آلاف ليس ~~على أبدانهم إلا غليظ الكساء، وأكثر طعامهم الشعير، وعدتهم الرماح مشدودة بعصب والسيوف ~~معلقة بخرق؟ ولماذا لم يفعلوا ذلك قبل الإسلام؟ والجواب على ذلك أن العرب أصبحوا بعد ~~الإسلام غير ما كانوا عليه قبله كانوا قبائل مشتتة متباغضة فأصبحوا أمة واحدة بقلب ~~رجل واحد، وهذا وحده لا يكفي لإقدامهم على هذا الأمر العظيم، وإنما ساعدهم على ذلك ~~اعتقادهم صدق الدعوة التي دعوا إليها، اعتقادهم أنهم إنما يفتحون الدنيا في سبيل الدين، ~~وأن الله يدعوهم إلى نشر الإسلام في الأرض، وأن من مات منهم مات شهيدا، وأن العالم ~~الآتي خير وأبقى، هذا الاعتقاد هو الذي جرأ العرب على ركوب ms0044 هذا المركب الخشن، غير ما ~~ذاقوه من حلاوة النصر في غزواتهم وسراياهم في أيام النبي، والإنسان إذا خدمه التوفيق في ~~أمر هانت عليه المخاطر بكل ما له في سبيله. ~~(1-1) الاتحاد بالإسلام # أما الاتحاد بالإسلام فإنه ظاهر في كل أعمالهم، يشهد بذلك ما قدمناه من أمر ~~المعاهدة والمؤاخاة في أول سنة للهجرة، ويؤيده أن الإسلام عنوان التوحيد كما يتضح ~~من مراجعة القرآن والحديث، ولا تكاد تخلو خطبة من خطب الخلفاء أو الأمراء في صدر ~~الإسلام من الإشارة إلى تلك الوحدة، وتذكير المسلمين بما كان عليه آباؤهم في ~~الجاهلية من التفرق والتشتت، وما يدعوهم إليه الإسلام من نزع العصبية وتوحيد ~~الكلمة، وقد زاد متانة تلك الوحدة اجتماعهم خمس مرات في اليوم للصلاة خلف الإمام أو ~~من يقوم مقامه، وفي ذلك من توطيد عرى الاتحادة والإجماع على الطاعة ما لا يخفى، ذكر ~~البلاذري أن أبا سفيان لما جاء المسلمين قبل الفتح - وهو لم يسلم بعد - رآهم قائمين ~~للصلاة إذا ركع النبي ركعوا وإذا سجد سجدوا فقال «تالله ما رأيت كاليوم طواعية قوم ~~جاءوا ههنا وههنا ولا فارس الكرام والروم ذات القرون». ~~(1-2) اعتقادهم صدق الدعوة # وأما اعتقاد العرب صدق الدعوة وأنهم كانوا يعملون لآخرتهم لا لدنياهم فظاهر من ~~أقوالهم وأعمالهم في أثناء الفتح، كقول المغيرة لما قال له رستم القائد الفارسي في ~~أثناء واقعة القادسية «إنكم تموتون في ما تطلبون» فقال المغيرة «يدخل من قتل منا ~~الجنة، ومن قتل منكم النار، ويظهر من بقي منا على من بقي منكم»، وكقول عبادة بن ~~الصامت للمقوقس صاحب مصر، لما خوفه بجموع الروم وأنهم لن يقدروا عليهم وهم محاصرون ~~حصن بابل فقال عبادة: # يا هذا لا تغرن نفسك ولا أصحابك، أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم ~~وكثرتهم وأننا لا نقوى عليهم، فلعمري ما هذا بالذي تخوفنا به ولا بالذي ~~يكسرنا عما نحن فيه، وإن كان ما قلتم حقا فذلك والله أرغب ما يكون في ~~قتالهم وأشد لحرصنا عليهم، لأن ذلك أعضر لنا عند ms0045 ربنا إذا قدمنا عليه، إن ~~قتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته، وما شيء أقر لأعيننا ولا أحب ~~لنا من ذلك، وإننا منكم حينئذ لعلى إحدى الحسنيين إما أن تعظم لنا بذلك ~~غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، ولإنها أحب ~~الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا، وإن الله - عز وجل - قال لنا في كتابه # كم من فئة قليلة غلبت فئة ~~كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ~~، وما منا ~~رجل إلى ويدعو ربه صباحا ومساء أن يرزقه الشهادة وأن لا يرده إلى بلده ~~ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منا هم فيما خلفه، وقد استودع ~~كل منا ربه أهله وولده، وإنما همنا ما أمامنا، وأما قولك إننا في ضيق وشدة ~~من معاشنا وحالنا! فنحن في أوسع السعة، لو كانت الدنيا كلها لنا ما أردنا ~~منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه ... # حصن بابليون الذي فتحه عمرو بن العاص. # وأمثال ذلك كثير في تاريخ الإسلام حتى لقد كان المسلم يقاتل أباه وأخاه إذا كانا ~~مشركين ولا يبالي ... بل هو يعتقد أنه يفعل خيرا، ويؤيد ذلك ما جاء في تواريخ ~~الأديان الأخرى فإن الإنسان لا يستهلك في أمر ويعرض حياته للخطر من أجله إلا إذا ~~كان من قبيل الدين، وفي أحاديث الشهداء عند النصارى وسائر الأديان الأخرى ما ~~يكفي. ~~(1-3) خصب البلاد المفتوحة # وقد زاد في رغبة العرب في فتح الشام والعراق ومصر ما علموه من خصب تلك الأرضين ~~وكثرة خيراتها، وبلادهم قاحلة لا تفي بمطالبهم بعد تلك النهضة الدينية، وكانت بعض ~~القبائل التي دخلت الإسلام، تحارب لمجرد الكسب من الأسلاب والغنائم، يستدل على ذلك ~~مما أظهروه بعد غزوة حنين والطائف، فقد كانت الأموال كثيرة والغنائم غزيرة - كما ~~تقدم - فلما فرغوا من الحرب ورد السبايا «ركب (النبي) وتبعه الناس يقولون يا رسول ~~الله قسم علينا فيأنا من الإبل والغنم، حتى ألجأوه إلى شجرة فاختطفت عنه رداءه فقال ~~ردوا علي ردائي أيها الناس، فوالله لو كان ms0046 بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ~~ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا». ~~(2) ما الذي ساعدهم على الفتح؟ # ذلك ما جرأ العرب على الفتح، أما ما ساعدهم عليه فهاك تفصيله: ~~(2-1) نشاطهم وخفة أحمالهم # لأنهم أهل بادية تعودوا خشونة العيش فأصبحوا لا يبالون بالجوع ولا العطش، إذا ~~سافر أحدهم إلى حرب لا يحمل معه شيئا يثقل كاهله أو يشغل بعيره، وقد لا يحملون ~~طعاما وإنما يقتاتون بما يكسبونه بالغزو في أثناء الطريق. # وللإبل فضل كبير في تغلب العرب، لأنها كانت تقوم عندهم مقام المركبات والخيول ~~والماشية عند الروم، فالعربي يركب ناقته ويحمل عليها أثقاله ويغتذي من لبانها ~~ويستريح في ظلها، وهي تقتات بالعشب في الصحراء ولو كان يابسا، وتصبر على الجوع ~~وتحتمل الظمأ أياما، وأما الرومي أو الفارسي فلا يستطيع الانتقال إلى الحرب إلا ~~بالأحمال والأثقال من المؤونة والذخيرة مما لا يقوى على حمله إلا المركبات، ~~والمركبات تحتاج في جرها إلى دواب، والدواب تحتاج إلى طعام ومياه، ويذكرنا ذلك بما ~~شاهدناه في حرب الإنجليز وعرب السودان في أثناء الحملة النيلية التي أنفذوها سنة ~~1884 لإنقاذ غردون باشا من الخرطوم، فقد كان الإنجليزي لا يستطيع الانتقال إلا ومعه ~~الأحمال من البقسماط واللحوم المطبوخة والسكر والشاي والبن والشمع وفناطس الماء ~~وأحمال الخيم والأمتعة وأطعمة الخيل، وغير ذلك مما يحتاج إلى الدواب الكثيرة، فكان ~~رجال حملة «المتمة» 1400 وجمالها أربعة آلاف ومعها الجمالة والخدم، وهي عبء ثقيل ~~على كاهل الحملة، وأما السوداني فقد كان في غنى عن كل ذلك بجراب فيه شيء من الذرة ~~الناشفة يتأبطه ويمشي. ~~(2-2) اعتقادهم بالقضاء والقدر # وأن الإنسان لا يموت إلا إذا جاء أجله، فإذا أتت ساعته مات ولو كان على فراشه، ~~وإذا تأخرت فلا يصاب بسوء ولو كان تحت مراهف السيوف، وكان هذا الاعتقاد متمكنا ~~فيهم وهو علة معظم ما كان يبدو من بسالتهم في وقائعهم المشهورة، وفي تاريخ الفتح ~~شواهد كثيرة على ذلك. ~~(2-3) مهارتهم في ركوب الخيل ورمي النبال # فقد كانوا أمهر من الروم ms0047 والفرس فيهما، وخيل العرب أنجب من خيول أولئك، وكانت ~~أكثر وقائعهم بالمبارزة بين الأفراد على جاري العادة في تلك العصور، فيختارون ~~فارسا من كل جند فيتبارزان، فمن غلب كان أصحاب الغالبين، وكان العرب يغلبون في ~~المبارزة على الأكثر، وكثيرا ما كان نصرهم متوقفا على غلب في مبارزة أو رمي بنبلة ~~صائبة إذا أصابت رئيس الجند أحبطت رجاله، وسيأتي تفصيل ذلك في كلامنا عن ~~السلاح. ~~(2-4) رجال صدر الإسلام # اختص صدر الإسلام برجال توفرت فيهم خصال النصر، وقد امتاز ذلك العصر بنبوغ الرجال ~~العظام كما امتاز عصر نابليون الكبير بقواد لم تلد فرنسا مثلهم، وقد نبغ قواد ~~نابليون على أثر الثورة الفرنسية، كما نبغ قواد الصدر الأول للإسلام على أثر واقعة ~~الفيل التي سطا بها الأحباش على الكعبة، وحركت ساكن العرب فأظهرت قواهم بالضغط ~~والاحتكاك كما تقدم، فكأن الله قدر للعرب النصر فاختصهم بقواد من نخبة رجال العالم ~~في الحرب والسياسة والدهاء والحكمة، كخالد بن الوليد وخالد بن سعيد وأبي عبيدة بن ~~الجراح وسعد بن أبي وقاص ويزيد بن أبي سفيان وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، ~~ممن تغلب عليهم البسالة ويحسنون قيادة الجند، ومثل عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي ~~سفيان والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه من أهل الدهاء والسياسة، وأبي بكر الصديق ~~وعمر بن الخطاب من أهل الحزم والتقوى وصدق العزيمة. # فنبوغ هؤلاء الرجال وأمثالهم في أوائل الإسلام، كان من أكبر العوامل في سرعة ~~نجاحه، وكان المسلمون يعلمون ذلك حتى إن النبي نفسه قال في أول ظهور الدعوة «اللهم ~~أيد الإسلام بأبي جهل بن هشام» ولما أسلم حمزة وعمر بن الخطاب قال «قد تأيد الإسلام ~~بحمزة وعمر»، وأمثال أبي بكر وعمر وعلي وابن العاص ومعاوية وخالد لو ظهروا اليوم ~~لكانوا من عظماء الناس الذين يمثلهم العالم المتمدن بعظمتهم، كما يتمثل الإفرنج ~~ببونابرت وكرومويل وبسمارك وغلادستون وغيرهم، غير من ظهر من رجال الإسلام في عصر ~~الأمويين والعباسيين. ~~(2-5) الصبر والمطاولة # أصبح العرب بعد فشلهم في واقعة مؤتة ms0048 وقد عرفوا قوة الروم وخبروا كثرتهم، وعلموا ~~أن قتالهم غير قتال أهل البادية الذين كانوا يغزونهم ببلاد العرب، فلما تحققوا من ~~ذلك جعلوا عمدتهم في حروبهم الصبر والمطاولة، والصبر هين عليهم لاكتفائهم بالشيء ~~اليسير من الطعام واللباس كما تقدم، وإذا قل زادهم عمدوا إلى الغزو واقتاتوا بما ~~تصل إليه أيديهم من الماشية أو الحنطة أو غيرهما. # وكانت حروبهم في أول خروجهم إلى الشام والعراق أشبه بالغزو منها بالفتح، بل تلك ~~كانت قاعدتهم في أكثر فتوحهم، كانوا يرسلون جماعة منهم لغزو البلد الذي يريدن فتحه ~~- وقد لا يكون قصدهم الفتح في بادئ الرأي - فيحومون حول البلد يغزون وينهبون حتى ~~تتاح لهم فرصة للفتح فيغتنمونها، كذلك فعلوا في كثير من فتوحهم في صدر الإسلام ~~وبعده، فإن موسى بن نصير إنما أرسل طارقا إلى سواحل إسبانيا سنة 92ه غازيا لا ~~فاتحا، فاتفقت له أسباب ساعدته على الفتح تشبه الأسباب التي ساعدت العرب على فتح ~~الشام فدخل طارق الأندلس، فلما بلغ موسى ذلك استغربه وشق عليه أن لا يكون هو الفاتح ~~فبعث يستوثق منه، إلى آخر ما كان بينهما، هكذا كان شأنهم قبل ذلك في فتح إفريقية ~~وما يليها. ~~(2-6) نجدة العرب # كان الإسلام في أول أمره نهضة عربية، والمسلمون هم العرب حتى أصبح اللفظان ~~مترادفين في كثير من الأحوال، وكان العرب أقرب الأمم للدخول في الإسلام لما اختصهم ~~به دون غيرهم من الافتخار، وتمكن ذلك من الأذهان خصوصا لما أمر عمر بإخراج غير ~~المسلمين من جزيرة العرب. # خريطة مشارف الشام والعراق. # والمسلمون لم يهاجموا مدن الشام والعراق رأسا، ولكنهم قضوا زمنا طويلا يغزون ~~ضواحيهما مما يلي البادية، وسكان تلك البادية عرب مثلهم وفيهم الغساسنة في بصرى ~~وغيرها من حوران على حدود الشام، والمناذرة بنو لخم في الحيرة على حدود العراق، ~~وكان الغساسنة عمال الروم في الشام، وبنو لخم عمال الفرس في العراق، ولم يكن هؤلاء ~~العرب يحبون الروم ولا الفرس، وإنما كانوا يخضعون لهم قسرا أو طمعا في الغنائم ~~إذا حاربوا معهم، وخصوصا ms0049 بنو لخم، فقد كان بينهم وبين الفرس ضغائن على أثر مقتل ~~النعمان بن المنذر الملقب أبا قابوس، فإن كسرى أبرويز قتله وحصلت بسبب قتله واقعة ~~شهيرة بين الفرس والعرب في مكان يقال له «ذو قار» وبه تعرف الواقعة، فيها انهزم ~~الفرس شر هزيمة، وهي أعظم واقعة انتصف فيها العرب من العجم، ومن غريب الاتفاق أنها ~~حدثت في السنة التي جرت فيها واقعة بدر الكبرى، والعرب فازوا في كلتيهما. # وظلت الضغائن بين المناذرة والفرس حتى جاءهم المسلمون، وعرض عليهم خالد بن الوليد ~~الإسلام أو الجزية أو السيف، فاختاروا الجزية وصالحوه على مال يدفعونه كل عام، ووقع ~~نحو ذلك في بصرى وغيرها من بلاد العرب والنصارى في ضواحي الشام، وفي غيرها من بلاد ~~العرب في حدود البادية بين العراق والشام، كعين التمر وفيها قوم من كندة وإياد، ~~وقراقر وهو ماء لبني كلب، وغيرهم من القبائل التي حاربها خالد في أثناء قدومه من ~~العراق إلى الشام، فكانت العرب أقرب سائر الأمم إلى نجدة الإسلام للأسباب التي ~~قدمناها، ولأسباب أخرى تختص بكل قبيلة على حدة، كحقد عرب اليمن على الفرس منذ فتحوا ~~بلادهم وحكموهم قبل الإسلام، ثم تقلص ظلهم عنهم وانحسر إلى البحرين، وكانت ربيعة ~~تقيم في الجزيرة ببلاد الفرس، وكانوا عونا للعرب المسلمين على الفرس، نكاية في ~~هؤلاء. # وكثيرا ما كان هؤلاء العرب وغيرهم من أهل الشام الأصليين يضافرون المسلمين على ~~الروم فرارا من أداء الجزية، كما فعل الجراجمة في جبل اللكام، فإن حبيب بن مسلمة ~~الفهري غزاهم فبادروا بطلب الأمان، فصولحوا على أن يكونوا أعوانا للمسلمين وعيونا ~~ومسالح في جبل اللكام وأن لا يؤخذوا بالجزية ... ودخل من كان في مدينتهم من تاجر ~~وأجير وتابع من الأنباط وغيرهم من أهل القرى في هذا الصلح فسموا الرواديف. ~~(2-7) خط الرجعة # ثم إن العرب كانت قاعدتهم في حروبهم هناك المحافظة على خط الرجوع، فلا يقاتلون ~~الفرس أو الروم إلا وهم في حيطة، وكان حفظ ذلك الخط هينا عليهم، لأنهم كانوا ~~يجعلون الصحراء وراءهم وهي ملجأهم، ms0050 فإذا اندحروا لا يستطيع الروم أو الفرس اللحاق ~~بهم إليها ولا يهمهم ذلك اللحاق، ومتى عاد الروم إلى مساكنهم عاد العرب عليهم، ~~وهكذا حتى يقلقوا راحتهم ويضعفوهم بالمطاولة والصبر، ولو كانوا أقل عددا منهم، ~~وشأنهم في ذلك مثل شأن البوير مع دولة الإنجليز لما حاربوها سنة 1902، كانوا نفرا ~~قليلين فأقلقوا راحة الجيوش الإنجليزية بضع سنوات، وهؤلاء أكثر عددا وعدة وعندهم ~~الحصون والمعاقل، ولكن البوير إنما أتعبوهم بالمطاولة بالسطو حينا بعد حين، ثم ~~الرجوع إلى مكامنهم بين الجبال حيث لا يستطيع الإنجليز الذهاب إليها إلا تحت الخطر ~~الشديد. # وكانت هذه القاعدة مرعية عند العرب يحرضون بعضهم بعضا عليها، ومن هذا القبيل قول ~~المثنى بن حارثة الشيباني، أحد قواد العرب لما علم بقدوم المسلمين لمحاربة الفرس في ~~العراق، فبعث إليهم يقول «قاتلوا الفرس على حدود أرضهم على أدنى حجر من أرض العرب، ~~ولا تقاتلوهم بمقر دارهم، فإن يظهر الله المسلمين فلهم ما وراءهم، وإن كانت الأخرى ~~رجعوا إلى فيئة ثم يكونون أعلم بسبيلهم وأجرأ على أرضهم إلى أن يرد الله الكرة ~~عليهم». # ويؤيد ذلك رغبة الخليفة عمر في بقاء المواصلة بين مركز الخلافة في المدينة وبين ~~سائر أطراف المملكة الإسلامية بحيث لا يكون بينه وبين سائر المسلمين ماء، فقد كتب ~~إلى قواده في الأطراف بعد فتح فارس ومصر - وكان سعد بن أبي وقاص مقيما في مدائن ~~كسرى وعمرو بن العاص في الإسكندرية - «لا تجعلوا بيني وبينكم ماء متى أردت أن أركب ~~إليكم راحلتي حتى أقدم عليكم قدمت» فتحول سعد إلى الكوفة وتحول عمرو إلى الفسطاط، ~~فأقاما بجندهما في مضارب الخيام، ثم صارت تلك المضارب مدنا بعد ذلك. ~~(2-8) واقعة اليرموك وواقعة القادسية # تلك كانت القاعدة في حروب العرب بالشام والعراق، ثم جرت واقعة اليرموك الشهيرة ~~(13 رجب 15ه/20 أغسطس 636م) التي بدأت في حياة أبي بكر، واليرموك واد بناحية الشام ~~بجوار بصرى يسيل فيه الماء حتى يصب قرب بحيرة طبرية واسمه اليوناني # Hieromax # 1 # عربه العرب «يرموك»، وعلى ضفاف ذلك الماء حصلت ms0051 تلك الواقعة الهائلة وهي ~~ذات شأن عظيم في فتوح الشام، لأن فوز المسلمين فيها نشطهم على مواصلة الفتح وأضعف ~~عزائم الروم. # وإذا تأملت في تفاصيلها رأيت سبب الفوز فيها سداد رأي عمرو بن العاص وشجاعة خالد ~~بن الوليد، وذلك أن الروم لما رأوا ما كان من مناوأة العرب لهم في ضواحي الشام ~~ومطاولتهم، جمعوا قواتهم وعزموا على الفتك بهم دفعة واحدة، وكان المسلمون متفرقين ~~في ضواحي الشام والعراق، فتكاتبوا بشأن ذلك فقال عمرو بن العاص «إن الرأي عندي ~~لمثلنا الاجتماع، فإننا إذا اجتمعنا لا نغلب من قلة وإن تفرقنا لا تقوم كل فرقة بمن ~~استقبلها، لكثرة عدونا» فكتبوا إلى أبي بكر بذلك فأجاب مثل جواب عمرو، فاجتمع جند ~~المسلمين من العراق والشام فلاقاهم الروم في اليرموك، وعددهم على قول ابن الأثير ~~240 ألفا والمسلمون 50 ألفا بقيادة خالد بن الوليد، فخطب خالد فيهم خطابا حرضهم ~~فيه على الثبات وجعل الجند كراديس على كل كردوس قائد، ولم تكن الحرب بالكراديس ~~معروفة عند العرب كما سترى، والظاهر أن خالدا عبأ الجند تلك التعبئة، لمقاومة ~~الروم بمثل نظامهم. # وشعر خالد بتهيب المسلمين وخوفهم من كثرة الروم، وسمع أحدهم يقول «ما أكثر الروم ~~وأقل المسلمين!» فقال له «ما أقل الروم وأكثر المسلمين! إنما تكثر الجنود بالنصر ~~وتقل بالخذلان»، وبينما هم في القتال جاءهم الخبر بموت أبي بكر، فكتموه وصبروا صبر ~~الرجال، لعلمهم أن الفشل في تلك الواقعة يذهب بكل أعمالهم، فقاتلوا قتالا شديدا ~~حتى إن النساء كن يقاتلن بالعصي، فانتصر المسلمون، وكان هذا النصر مقدمة سائر ما ~~نالوه في الشام. وكذلك واقعة القادسية في العراق، فقد كانت فاتحة نصرهم على الفرس، ~~وقد صبروا في هذه الواقعة صبرا جميلا وطال أمرها كثيرا. ~~(2-9) نقمة الرعايا على حكامهم # قد علمت ما كان من انقسام الروم والفرس فيما بينهم، وانحطاط الحالة الاجتماعية في ~~بلادهم، فضلا عما كان من الشحناء بين الرعية أهل البلاد الأصليين وحكامهم، وخصوصا ~~في مصر والشام، فإن المصريين الأصليين وهم الأقباط كانوا قد عانوا ms0052 سلطة الأجانب ~~أجيالا متطاولة (الفرس فاليونان فالرومان) وهان عليهم الانتقال من سلطان إلى ~~سلطان، فرارا من الظلم أو الضغط، وكذلك أهل الشام، وهم أخلاط الآراميين والسريان ~~والأنباط واليهود وغيرهم، وكان حظهم من ذلك مثل حظ جيرانهم المصريين وقد يئسوا من ~~الاستقلال مثلهم، فلا يهمهم إذا كان حاكمهم روميا أو عربيا وإنما يهمهم أن يكون ~~لهم راحة تحت سلطانه، وربما فضلوا العرب، لأنهم أقرب إليهم لغة ونسبا وأخلاقا، ~~وزد على ذلك أن المرء من طبعه يرجو النفع من البعيد أكثر من القريب، ويتوسم الخير ~~في القادم المجهول أكثر مما يتوسمه في الحاصل المعلوم، وعلى الخصوص إذا كان الفرق ~~بينهما ظاهرا مثل ظهوره بين الروم والعرب، فالروم كانوا يومئذ في دور انحطاطهم وقد ~~فسدت أحكامهم وآدابهم، والعرب في دور نموهم وفي إبان نهضتهم وقد جعلوا العدل ~~والمساواة وجهتهم، فضلا عما كان بين أهل هذين القطرين وبين حكامهم الروم من ~~الانقسامات الدينية التي قدمناها، حتى هان عليهم الرضوخ لأية دولة كانت، ولم يروا ~~بأسا في أن يكونوا عونا لها على حكامهم. ~~(2-10) اليهود # كان الروم مع انقسامهم إلى طوائف وأحزاب قد أجمعوا على اضطهاد اليهود - كما ~~تقدم - ولما جاء المسلمون لفتح الشام كانت البغضاء قد بلغت أقصاها حتى هان على ~~اليهود أن يخسروا أموالهم - مع رغبتهم في الأموال - في سبيل الانتقام من الروم، وفي ~~الواقع أنهم كثيرا ما كانوا عونا للعرب عليهم وكانوا يدلونهم على عورات المدن ~~ويدخلونهم إليها، كذلك فعلوا بقيسارية بعد أن حاصرها المسلمون سبع سنين ولم يقووا ~~عليها، لقوة جندها، ومناعة حصونها، فكان يحرس أسوارها كل ليلة مائة ألف جندي، وكان ~~قائد المسلمين هناك يومئذ معاوية بن أبي سفيان، فجاء يهودي من أهلها اسمه يوسف ~~دلهم على طريق في سرب فيه ماء إلى حقو الرجل على شرط أن يؤمنوه وأهله، فدخل ~~المسلمون المدينة وفتحوها. # وقس على ذلك مدنا أخرى سلمها اليهود نكاية في الروم حكامهم، وخصوصا في الأندلس ~~للأسباب التي قدمناها. ~~(2-11) عدل المسلمين ورفقهم وزهدهم # كان لتلك المناقب تأثير ms0053 عظيم في من يدخل تحت سلطان المسلمين من رعايا الروم أو ~~الفرس، وتلك كانت الوصية الأولى التي يتزودون بها إذا خرجوا للفتح، وإليك وصية أبي ~~بكر لأسامة يوم خروجه بالمسلمين إلى الشام قال «لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلوا، ~~ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كيبرا، ولا تعقروا نخلا أو تحرقوه ولا ~~تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لله، وسوف تمرون بأقوام ~~قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له». # وفي حكاية بناء الفسطاط ورفق عمرو بن العاص باليمام الذي كان معششا في فسطاطه ما ~~يدل على رغبتهم في الرفق. ~~(2-12) التسوية بين الناس # ومن هذا القبيل التسوية بين طبقات الناس، رفيعهم ووضيعهم، ومن أوضح الأدلة على ~~ذلك ما كان من أمر جبلة بن الأيهم ملك غسان لما أسلم في زمن عمر بن الخطاب وجاء ~~المدينة بخيله ورجله، وقد فرح عمر بإسلامه وخرج أهل المدينة للنظر إلى موكبه وفيه ~~الخيول المعقودة أذنابها وفي أعناقها سلاسل الذهب وعلى رأس جبلة تاج مرصع بالجوهر، ~~على أن ذلك لم يمنع عمر من إقامة الحد عليه، لما وطئ أحد بني فزارة إزاره وهو يطوف ~~بالكعبة فرفع جبلة يده وهشم أنف الفزاري، فاشتكاه الفزاري إلى عمر فبعث إلى جبلة ~~فأتاه فقال له «ما هذا؟» قال «نعم يا أمير المؤمنين، إنه تعمد حل إزاري ولولا حرمة ~~الكعبة لضربت بين عينيه بالسيف»، فقال عمر «قد أقررت على نفسك، فإما أن ترضي الرجل ~~وإما أن أقيده منك فآمره بهشم أنفك كما فعلت به» فقال «وكيف ذلك يا أمير المؤمنين ~~وهو سوقة وأنا ملك؟!» فقال «الإسلام جمعك وإياه، فلست تفضله إلا بالتقى والعافية» ~~فلم ير جبلة مخرجا من حكم عمر إلا بالفرار، فهرب إلى القسطنطينية ولم يرجع إلى ~~بلاد العرب. # ومثلها حكاية القبطي الذي ضربه ابن عمرو بن العاص وذهب إلى عمر بن الخطاب في ~~المدينة فاستعاذ به، فبعث عمر إلى عمرو فاستقدمه وابنه، فلما جاء أعطى الخليفة ~~القبطي سوطا وأمره ms0054 أن يضرب ابن عمرو فضربه، وأراد أن يضرب أباه عمرا فقال عمرو ~~«إنما ابني الذي ضربه»، فقال له «يا عمرو، منذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم ~~أحرارا؟». # ولا يخفى ما كان لهذه المناقب من التأثير في تعجيل الفتح، لأن أهل الشام والعراق ~~ومصر كانوا يشكون استبداد حكامهم فيهم واحتقارهم إياهم، فلما علموا بعدل المسلمين ~~ورفقهم مالوا إليهم. ~~(2-13) استبقاء الناس على أحوالهم # كان العرب إذا فتحوا بلدا أقروا أهله على ما كانوا عليه من قبل لا يتعرضون لهم ~~في شيء من دينهم أو معاملاتهم أو أحكامهم المدنية أو القضائية أو سائر أحوالهم، ~~كذلك فعلوا بمصر لما فتحها عمرو بن العاص، فإنه جعل أمور الأقباط لأنفسهم يحكم في ~~مصالحهم قضاة منهم، وفعلوا مثل ذلك في معظم ما فتحوه من البلاد. # وكان المسلمون يفرضون على من يقبل البقاء على دينه من أهل البلاد المفتوحة ضريبة ~~تسمى الجزية في مقابل حمايتهم وتأمينهم، وكان الروم قد تعودوا أداء مثل هذا المال ~~للعرب المقيمين في حدود الشام من الغساسنة وغيرهم، يبتاعون به نصرتهم على الفرس، ~~كما كان الفرس يؤدون المال إلى عرب العراق لينصروهم على الروم. # وأما العرب فقد اشترطوا مع دفع المال الخضوع لهم عملا بنص الآية # حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون ~~، وكانوا مع ذلك يتعهدون بحماية الذين يدفعون الجزية أي ~~يعتبرونهم في ذمتهم، ولهذا فقد سموا أهل الذمة، والغالب أن يراد بها حماية أهل ~~البلاد الأصليين من حكامهم الروم، لأنهم كانوا يريدون الخروج من طاعتهم وهم يخافون ~~سطوتهم. # وترى ذلك واضحا في كلام عبادة بن الصامت للمقوقس حاكم مصر ولسائر القبط لما ~~دعاهم إلى الإسلام فقد قال لهم «وإن أبيتهم إلا الجزية فأدوها إلينا عن يد وأنتم ~~صاغرون، وأن نعاملكم على شيء نرضى به نحن وأنتم في كل عام أبدا ما بقينا وبقيتم ~~ونقاتل عنكم من ناوأكم وتعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك ~~عنكم إن كنتم في ذمتنا وكان لكم به عهد علينا ... إلخ»، ومثله كتاب ms0055 خالد بن الوليد ~~إلى ابن نسطونا في العراق، وغيره من كتب العهود لأهل الذمة وهي كثيرة، ويؤيد ذلك أن ~~المسلمين لما دعوا إلى الاجتماع في اليرموك، وكانت حمص في ذمتهم، ردوا إلى أهلها ما ~~كانوا أخذوه منهم من الجزية وقالوا «قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على ~~أمركم»، فقال أهل حمص «لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والضيم، ~~ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم» وكثيرا ما كانوا يعفون غير المسلمين من ~~الجزية إذا تعهدوا بالقتال معهم، وأكثر ما يكون ذلك مع العرب النصارى، ولكنه وقع مع ~~غير العرب كالجراجمة وغيرهم. # فلم يكن استيلاء المسلمين ثقيلا على الناس، بل كان الأهالي كثيرا ما يفضلونهم ~~على حكامهم الأصليين، والجزية التي كانوا يتكفلون دفعها إلى المسلمين أقل كثيرا من ~~مجموع الضرائب التي كانوا يؤدونها إلى الروم أو الفرس. ~~(2-14) الخلاصة # وجملة القول أن المسلمين لم يجزئهم على الفتح ويساعدهم عليه إلا الدين وشدة ~~الاعتقاد بالنصر، مع ما كان من مهارتهم في الفروسية ورمي النبال، وقوة أبدانهم ~~ونشاطهم من عيشة البداوة، مع المطاولة في الحرب ونبوغ أفراد منهم في الرأي ~~والشجاعة، فضلا عن عدلهم ورفقهم واختلال أحوال الروم والفرس، فلم تمض بضع عشرة ~~سنة حتى فتحوا الشام وفلسطين ومصر والعراق وفارس في زمن عمر بن الخطاب، وتواصل ~~الفتح في أيام عثمان بن عفان ومن بعده. ~~(3) عود إلى الخلفاء الراشدين ~~(3-1) الفتنة # وفي زمن عثمان حدثت الفتنة، ثم استشرى أمرها بمقتله سنة 35ه فغيرت طور التاريخ ~~الإسلامي، وسببها أن عمر لما طعنه أبو لؤلؤة سنة 23ه وأحس بدنو الأجل أهمه أمر ~~المسلمين بعده، فعمد إلى طريقة لانتخاب من يتولاهم بعده بالأكثرية، فسمى نفرا من ~~الصحابة فيهم عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب ~~وأوصاهم أن يجتمعوا في بيت عائشة زوج النبي ويختاروا واحدا منهم يتولى الخلافة ~~بعده، فاختاروا عثمان بن عفان وهو من بني أمية وأكبرهم سنا. # وكان بنو أمية أوفر بطون قريش ms0056 عددا وقوة، لكن أكثرهم لم يدخلوا في الإسلام إلا ~~بعد فتح مكة وبعد أن أسلم أبو سفيان زعيمهم، فلم يكن لهم جهاد في الغزوات التي قامت ~~عليها دعائم الدولة الإسلامية، فلما تولى أبو بكر لم يولهم الأعمال، إلا قليلا ~~منهم، وربما كان السبب في ذلك أنه لم يكن يثق بصدق إسلامهم، لحداثة عهدهم فيه، أو ~~لأنهم أسلموا مضطرين، فطالبوه بزيادة نصيبهم في الولايات فقال لهم «أدركوا إخوانكم ~~في الجهاد» وأنفذهم لحروب الردة، ثم بعثهم عمر لحروب الشام، وهم مع ذلك يرون أنهم ~~أولى بطون قريش بالسلطة، لأنهم أعز من بني هاشم جانبا وأكثر عددا، وكانت القيادة ~~في الحروب قبل الإسلام إليهم كما رأيت في كلامنا عن مناصب الجاهلية، وزاد نفوذهم ~~بعد موت أبي طالب عم النبي، وكانت بين الهاشميين والأمويين منافسة متصلة بزمن ~~الجاهلية. # فلما تولى عثمان بن عفان اعتزوا به، وكان رجلا صالحا لكنه كان يؤثر أقرباءه ~~فجعل يوليهم الأعمال في الأمصار ويعهد إليهم بمصالح الدولة، فشق ذلك على الصحابة ~~الذين كانت الأعمال إليهم من قبل، وحدثت أسباب أخرى يطول شرحها آلت إلى نقمة أهل ~~الأمصار على عثمان، فجاءوا إلى المدينة وفيهم أهل مصر والكوفة وأهل البصرة وطلبوا ~~إليه أن يخلع نفسه، فأبى فقتلوه وهو يقرأ القرآن فتلطخ قميصه بالدم. ~~(3-2) علي وطلحة والزبير # فلما قتل عثمان اختلفوا في من يخلفه من كبار الصحابة، وكان غرض أهل مصر في علي بن ~~أبي طالب، وغرض أهل البصرة في طلحة بن عبيد الله، وغرض أهل الكوفة في الزبير بن ~~العوام - وهم أكثر الصحابة تطلعا إلى الخلافة - وكان أكثر مسلمي الشام مع بني ~~أمية، وهم يريدونها لعثمان أو من يخلفه منهم، وأما أهل المدينة فكانوا يريدونها ~~لعلي بن أبي طالب، جريا على عادتهم في نصرة بيت النبي منذ هاجر النبي إليهم، وانضم ~~إلى أهل المدينة في نصرة علي ربيعة واليمن وغيرهما، فكان دعاة علي أكثر عددا من ~~سائر الأحزاب، لكنهم كانوا لفيفا من قبائل شتى وأكثرهم من المدينة، وبين أهل مكة ~~والمدينة ms0057 منافسة قديمة تمكنت بعد الإسلام، لما رأيته من نصرة أهل المدينة للمسلمين ~~بعد الهجرة، حتى تأيد أمرهم بهم وعادوا ففتحوا مكة، وسارت المدينة عاصمة المسلمين ~~وتحولت إليها التجارة والنفوذ وضعف أمر مكة، فلما بايع أهل المدينة عليا بايعه ~~أيضا طلحة والزبير مكرهين، وخرجا إلى مكة فنصرهما أهلها، نكاية في أهل المدينة، ~~ثم شخصا إلى العراق للاعتزاز بأحزابهما هناك فتبعهما علي بجنده، فجرت بين الجيشين ~~واقعة الجمل الشهيرة بجوار البصرة، فقتل فيها طلحة والزبير وخلصت الخلافة لعلي، ~~فنقل عاصمة المسلمين من المدينة إلى الكوفة، وقد أخطأ في تخليه عن أحزابه بالمدينة ~~واعتماده على أهل العراق. ~~(3-3) علي ومعاوية # وظن علي أن الجو قد خلا له، وما درى أن في الشام رجلا عظيما يطلب البيعة ~~لنفسه - نعني معاوية بن أبي سفيان - وقد رأيت أن ~~أبا سفيان وأولاده لم يدخلوا في الإسلام إلا بعد أن يئسوا من الفوز، فلما قتل عثمان ~~كان معاوية بالشام وحوله نخبة الرجال من قريش، وكلهم يستهلكون في سبيل نصرته، لما ~~ذكرناه من كثرة بني أمية وقوتهم من أيام الجاهلية، وقد شق عليهم في أول الإسلام أن ~~تكون النبوة في بني هاشم فنقموا عليهم، ولما خرج بنو هاشم من مكة بالهجرة خلا الجو ~~في مكة لبني أمية، وسارت الرياسة إليهم في أثناء محاربتهم المسلمين في وقائعهم ~~المشهورة في بدر وغيرها، ورئيسهم في كل ذلك أبو سفيان والد معاوية، ولما تولى أبو ~~بكر وأرسلهم للجهاد تولى ولاية الشام منهم يزيد بن أبي سفيان، ثم مات فخلفه أخوه ~~معاوية في زمن عمر، فلما تولى عثمان أقره عليها ومعظم جنده من قريش، فاتصلت رياسة ~~بني أمية - وخصوصا بيت أبي سفيان - على قريش في الإسلام كما كانت قبله، واستقل بنو ~~هاشم بأمر النبوة ونبذوا الدنيا. ~~(3-4) التحكيم # فلما قتل عثمان رأى معاوية سبيلا لالتماس الخلافة، فعرض قميص عثمان الملطخ بالدم ~~في مسجد دمشق ودعا الناس للمطالبة بثأره، لأنه من رهطه، واتهم عليا وأصحابه ~~بقتله، ثم رأى الحرب منتشبة في العراق بين علي وطلحة ms0058 والزبير، فظن هذين يكفيانه ~~مؤونة الحرب، فلما قتلا وفاز علي عمد معاوية للمطالبة بدم عثمان، واستنجد رجالا من ~~دهاة العرب فيهم عمرو بن العاص، وكان عثمان قد عزله عن مصر، فاستدناه معاوية ووعده ~~بولاية مصر إذا هو فاز، فحارب معه في واقعة صفين الشهيرة سنة 37ه وكادت رجال علي ~~تظفر بمعاوية وأصحابه فيها، فاستنبط ابن العاص حيلة أخرجت الخلافة من أهل البيت إلى ~~بني أمية. # وذلك أنه أمر رجال معاوية برفع المصاحف على أسنة الرماح، إشارة إلى طلب الهدنة ~~للمخابرة، فانخدع أصحاب علي بذلك فألحوا عليه أن يوقف القتال ففعل، وبعد المخابرة ~~توافقوا على التحكيم، فاختار معاوية عمرو بن العاص، واختار أصحاب علي أبا موسى ~~الأشعري، وشتان بين الرجلين في الدهاء والذكاء، ورضي الفريقان بما يحكم به هذان ~~وعينوا يوما لسماع الحكم، فاحتال عمرو على أبي موسى حيلة غلب بها على عقله، أظهر ~~أنه يريد خلع علي ومعاوية معا ليختار المسلمون واحدا سواهما، فقبل أبو موسى ذلك، ~~لكن عمرا طلب إليه أن يتكلم قبله، لأنه أرفع منه منزلة وأكبر سنا، فانخدع أبو ~~موسى فوقف وقال «أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ~~ألم لشعثها من أمر أجمع رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع عليا ومعاوية ويولي ~~الناس أمرهم من أحبوا، وإني قد خلعت عليا فاستقبلوا أمركم وولوا من رأيتهموه ~~أهلا». # ثم وقف عمرو وقال «إن هذا قد قال ما سمعتموه وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما ~~خلعه وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي عثمان والمطالب بدمه وأحق الناس بمقامه». # فلما سمع الناس ذلك أيقنوا أنها حيلة قد عملت، ولو أنها آلت إلى خلافة معاوية فقط ~~لهان أمرها، ولكنها أوجبت انقسام رجال علي عليه، لأن بعضهم لاموه على قبول التحكيم ~~وخرجوا من حكمه وهم الخوارج، فأصبح علي بين عدوين، والخوارج أشدهما خطرا عليه، ~~لأنه قتل بطعنة من أحدهم في السنة 40 للهجرة في مسجد الكوفة. # فبايع أهل الكوفة ابنه الحسن، ومعاوية لا يزال يطالب ms0059 بالخلافة لنفسه فرأى الحسن ~~أنه لا يقوى على حربه فتنازل له عنها، حقنا للدماء، فبويع معاوية في الشام وانتقل ~~كرسي الخلافة من الكوفة إلى دمشق، وكان ذلك آخر العهد بدولة الخلفاء ~~الراشدين. ~~(4) أحوال الخلفاء الراشدين # نرى مما تقدم أن دولة الخلفاء تأسست على التقوى وشيدت بالعدل، وكان خلفاؤها في أبسط ~~أحوال العيش، وكانت الخلافة على عهدهم أشبه بالرتب الدينية منها بمصالح الدولة، وكان ~~أحدهم يلبس الثوب من الكرباس الغليظ (الكرباس القطن الأبيض) وفي رجليه نعلان من ليف، ~~وحمائل سيفه ليف، ويمشي في الأسواق كبعض الرعية، وإذا كلم أدنى الناس سمع منه أغلظ من ~~كلامه، وكانوا يعدون ذلك من قبيل الدين ويحكمون الناس بالتقوى والعدل والقدوة ~~الحسنة. # وكان طعامهم أدنى من أطعمة فقرائهم، وهم لم يتقللوا منه لفقر أو عجز، ولكنهم كانوا ~~يفعلون ذلك مواساة للفقراء من رعيتهم، فقد كان لعلي بن أبي طالب دخل طائل من أملاكه ~~يخرجه جميعه على الفقراء. # ولم يكونوا يعبأون بالمال، وكان ذلك شأن سائر الصحابة في أيامهم، ولعل السبب في ذلك ~~قربهم من عهد النبوة ولا تزال رهبتها آخذة بمجامع قلوبهم، فلما بعد عهدها زالت تلك ~~الرهبة من قلوبهم فعكفوا على مطالب الدنيا، ويظهر أن ذلك بدأ فيهم في أواخر عهد ~~الراشدين، فقد ذكر المسعودي أنه «في أيام عثمان اقتنى جماعة من الصحابة الضياع والدور، ~~فكان لعثمان يوم قتل عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي ~~القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار، وخلف إبلا وخيلا كثيرة، وبلغ الثمن الواحد من ~~متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلف ألف فرس وألف أمة، وكانت غلة طلحة من ~~العراق ألف دينار كل يوم، ومن ناحية السراة أكثر من ذلك، وكان على مربط عبد الرحمن بن ~~عوف ألف فرس وله ألف بعير وعشرة آلاف من الغنم، وبلغ الربع من متروكه بعد وفاته أربعة ~~وثمانين ألفا، وخلف زيد بن ثابت من الفضة والذهب ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلف من ~~الأموال والضياع بمائة ms0060 ألف دينار، وبنى الزبير داره بالبصرة وبنى أيضا بمصر والكوفة ~~والإسكندرية، وكذلك بنى طلحة داره بالكوفة وشيد داره بالمدينة وبناها بالجص والآجر ~~والساج، وبنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق ورفع سمكها وأوسع فضاءها وجعل على أعلاها ~~شرافات، وبنى المقداد داره بالمدينة وجعلها مجصصة الظاهر والباطن، وخلف يعلى بن منبه ~~خمسين ألف دينار وعقارا وغير ذلك ما قيمته ثلثمائة ألف درهم». # وكانت مدة حكمهم نحو ثلاثين سنة اتسعت فيها الفتوح الإسلامية، حتى وطئت خيل العرب ما ~~بين إفريقية في الغرب إلى أقاصي خراسان في الشرق وعبرت النهر إلى سمرقند. # | دولة بني أمية # بينا في أواخر كلامنا عن الخلفاء الراشدين كيف انتقلت الخلافة إلى بني أمية وأولهم معاوية ~~بن أبي سفيان، وتمتاز الخلافة في عهد بني أمية بأنها سلطنة دنيوية يحكمها خليفتها بالدهاء ~~والسياسة، ويستدني الناس بالإرهاب ويؤيد سلطانه ببذل الأموال، والسبب في ذلك أن مؤسس هذه ~~الدولة لم يستطع تأييدها لولا ما في الشام من الخير الكثير والأموال الطائلة، فلما خلصت له ~~الخلافة عمد إلى التوسعة على الناس ببذل الأموال، وكان يبذلها خصوصا لبني هاشم، تخفيفا ~~لما في أنفسهم من النقمة عليه، لانتزاعه الخلافة من أيديهم، وكان إذا وفد أحدهم عليه بالغ ~~في إكرامه وإرضائه وقضاء حوائجه، وكثيرا ما كانوا وهم في حضرته يذكرون حقهم بالخلافة ~~ويعرضون باغتصابه إياها، وهو يغضي عن ذلك ويقطع ألسنتهم بالمال والحلم مما هو مأثور ~~عنه. # واقتبس معاوية من الروم أسباب البذخ ودواعي الترف وقلدهم في أبهة الملك، فأقام الحرس ~~يحملون الحراب بين يديه إذا مشى أو قام للصلاة، وبنى لنفسه قصرا نصب فيه السرير وأوقف ~~الحاجب ببابه، وبنى مقصورة في المسجد إذا جاء للصلاة صلى فيها، ولعله اتخذ هذه الوسائل ~~خوفا من أن يغتاله أحد كما اغتالوا عليا وكادوا يغتالونه هو، وقلد الروم في لبس الخز ~~والديباج، وهو الذي وضع البريد على مثال ما كان عند الفرس والروم وأنشأ ديوان الخاتم، مما ~~سيأتي تفصيله. # ومما استحدثه معاوية في الإسلام أنه جعل الخلافة وراثية في ms0061 نسله، بعد أن كانت انتخابية، ~~وهو أول من استطاع ذلك من المسلمين، فبايع لابنه يزيد وحمل الناس على بيعته بولاية العهد، ~~ولا عبرة في بيعة الحسن بعد أبيه علي، فإن الناس بايعوه من عند أنفسهم ولم يوص له أبوه ~~بالخلافة. ~~(1) الخلافة وبنو أمية # ولا بد من النظر في الأسباب التي أعانت معاوية على إخراج الخلافة من أهل البيت وحصرها ~~في قبيلته، وكان هو وكل الذين بايعوه يعتقدون أن أهل البيت أحق بها منه، والأسباب عديدة ~~ذكرنا بعضها في ما تقدم، ومنها أيضا أن معاوية استخدم في شد أزره رجالا هم أشهر دهاة ~~الإسلام استدناهم إليه بالأطماع، منهم عمرو بن العاص فقد أطمعه بمصر فساعد على مبايعته ~~كما قد رأيت، ومنهم زياد بن أبيه وهو رجل لا يعرف أبوه ولكنه ذو دهاء وسياسة فانتحل ~~معاوية حكاية استلحقه بها بنسبه وزعم أنه أخوه من أبيه أبي سفيان وسماه زياد بن أبي ~~سفيان، فكان زياد هذا من أكبر أعوان معاوية وله فضل كبير في تأييد هذه الدولة في العراق ~~وغيره، وابنه عبيد الله بن زياد هو الذي قتل الحسين بن علي قتلته المشهورة على يده، ~~وما زال آل زياد يعدون من قريش حتى رد نسبهم الخليفة المهدي (سنة 195ه) إلى رجل اسمه ~~عبيد الرومي من ثقيف، وممن استخدمهم معاوية في تأييد خلافته المغيرة بن شعبة، وهو الذي ~~شجعه على مبايعة ابنه يزيد بالخلافة وحصر الخلافة في نسله وساعده أيضا في استدناء زياد ~~بن أبيه. # والمؤرخون يعدون هؤلاء الأربعة أعظم دهاة العرب، ومن ذلك قول أحدهم «ما رأيت أثقل ~~حلما ولا أطول أناة من معاوية، ولا رأيت أغلب للرجال ولا أبذلهم حين يجتمعون من عمرو ~~بن العاص، ولا أشبه سرا بعلانية من زياد، ولو كان المغيرة في مدينة لها ثمانية أبواب ~~لا يخرج من باب منها إلا بالمكر لخرج من أبوابها كلها». # ومما ساعد معاوية على الفوز أن عليا لم يكن يرى الاحتيال في الملك ولا يعرف الدهاء ~~في السياسة، يدلك على ذلك ما ms0062 فرط منه من هذا القبيل لما بويع بعد مقتل عثمان، فجاءه ~~المغيرة يومئذ وأشار عليه باستبقاء معاوية وسائر العمال، كما كانوا في زمن عثمان حتى ~~يستتب له الأمر وتجتمع على بيعته القلوب وتتفق الكلمة، ثم يفعل بعد ذلك ما شاء وهو رأي ~~رجل حازم، فعده علي من قبيل المداهنة في الدين فلم يعمل به، ونصحه أيضا مثل هذه ~~النصيحة ابن عمه عبد الله بن عباس فأبى، فقال له ابن عباس «يا أمير المؤمنين أنت رجل ~~شجاع لست صاحب رأي في الحرب، أما سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول الحرب خدعة؟» فلم يقتنع # 1 ~~... أما المغيرة فلما رأى ضياع نصيحته معه عمد إلى مسايرته وعاد إليه في ~~الغداة وحسن له ما رآه، ولو عمل علي برأي المغيرة وابن عباس لما نقم هؤلاء عليه ولا خرج ~~المغيرة ولا غيره من أحزابه ولا كانت واقعة الجمل، وربما لم يصل الأمر إلى بني ~~أمية. ~~(1-1) بذل المال # وهناك عامل ذو تأثير عظيم استخدمه معاوية وسائر بني أمية في تأييد سلطانهم، نعني ~~به «المال»، فقد كانوا يصطنعون به الأحزاب ويستدنون به الأعداء، فيبذلون للشعراء ~~والوافدين، ففازوا به على علي بن أبي طالب وأولاده وأحفاده، على حين أن هؤلاء كانوا ~~يعدون استخدام المال في هذا السبيل رذيلة يجلون أنفسهم عنها، ويعتقدون أن الحق وحده ~~يكفي لتأييد دعوتهم، وقد صح زعمهم هذا في أوائل الإسلام والناس في دهشة النبوة قبل ~~أن تغلب عليهم أهواؤهم، فلا نظن أهل الكوفة نكثوا بيعة الحسين إلا بالمال، حتى آل ~~الأمر إلى قتله فكأنهم قتلوه بالمال، وهم لم يقتلوا عبد الله بن الزبير إلا بالمال، ~~ولو بذل عبد الله هذا المال مثلهم لكانت الخلافة في نسله لا في بني أمية، ولكنه ~~استنكف أن يعطي الناس من أموال الكعبة فأضر بنفسه، وقد صرح بذلك خصمه عبد الملك ~~فقال وهو على فراش الموت «ما أعلم أحدا أقوى على هذا الأمر (الخلافة) مني، إن ابن ~~الزبير طويل الصلاة كثير الصيام، لكنه لبخله لا ms0063 يصلح للسياسة». # وكان أخوه مصعب بن الزبير مع ذلك ينفق الأموال الطائلة على نفسه وأهله، حتى إنه ~~بذل مليون درهم في زواج سكينة بنت الحسين، وكان الجند في ضيق يطلبون مالا ولا يعطي ~~لهم، فكتب عبد الله بن همام إلى عبد الله بن الزبير يقول: # بلغ أمير المؤمنين رسالة # من ناصح لك لا يريد خداعا # يضع الفتاة بألف ألف كامل # وتبيت سادات الجنود جياعا # ولو لأبي حفص أقول مقالتي # وأبث ما أبثثتكم لارتاعا # وقد كان عبد الملك من أكثر بني أمية بذلا للمال في سبيل تأييد سلطانه، فإن عامله ~~الحجاج بن يوسف لما حاصر الكعبة وفيها ابن الزبير أمر رجاله أن يرموا الكعبة ~~بالمنجنيق فتهيبوا، فجاء بكرسي وجلس عليه وقال «يا أهل الشام، قاتلوا على أعطيات ~~عبد الملك» ففعلوا. # وكثيرا ما كان عبد الملك يرد أذى الأحزاب عنه بالمال، ينشره على الناس فيشتغلون ~~به عنه، ومن ذلك ما فعله مع رجال عمرو بن سعيد بن الأشدق لما طمح بالشام دونه وخاف ~~عبد الملك على نفسه فأمنه، واحتال في استحضاره إلى ديوانه وقتله غدرا، ثم علم ~~أصحابه بمقتله فتجمهروا حول المجلس، وخاف عبد الملك العاقبة فأمر رجلا أن يرمي رأس ~~عمرو إلى الناس، وأخذ ابنه عبد العزيز المال في البدر وجعل يلقيها إليها، فلما رأى ~~الناس الرأس والأموال اشتغلوا بالأموال وتفرقوا. # وكان للمال تأثير أعظم من ذلك في أيام العباسيي، فإن سلطانهم كان يقوى ويضعف ~~بنسبة ما يبذله الخليفة من الأموال للجند، وخصوصا لما استبد الأتراك في أمور ~~الدولة فكانوا يبيعون نصرتهم بالمال، وكان إذا تولى الخليفة طالبوه بحق البيعة وقد ~~يفرضون عليه رزق سنة أو غير سنة. ~~(1-2) الدهاء والحزم # ومن الأسباب التي أيدت سلطان بني أمية أنهم كانوا يعولون في تأييده على الدهاء ~~والسياسة والحزم، ولو كان فيها خرق لحرمة الدين أو إهانة لأهله، فإنهم قتلوا ابن ~~بنت النبي، وضربوا الكعبة بالمنجنيق، ولعنوا ابن عم النبي وصهره على المنابر، ~~وقتلوا من لم يلعنه، وسنعود إلى تفصيل ذلك في مكان ms0064 آخر. ~~(2) خلفاء بني أمية # قلنا إن معاوية جعل الخلافة وراثية في نسله، لكنها لم تتعد أولاده ولم يخلفه منهم ~~إلا يزيد الذي بويع بولاية العهد في حياته، ولم يحكم إلا بضع سنين ارتكب في أثنائها ~~أمورا كبارا في جملتها مقتل الحسين بن علي، ولما مات يزيد اختلف الناس على البيعة، ~~وكان له ابن اسمه معاوية (الثاني) ولوه وهو لا يرى الخلافة حقا لهم، ومات بعد قليل، ~~فبايع بنو أمية شيخا أمويا من غير بيت معاوية اسمه مروان بن الحكم سنة 65ه، تولى ~~الخلافة بضعة أشهر ومات، ثم انحصرت الخلافة في نسله، وكل خلفاء بني أمية بعده من ولده ~~أشهرهم عبد الملك بن مروان المتقدم ذكره تولاها من سنة 65-86ه. ~~(2-1) عبد الملك بن مروان وابنه الوليد # ولعبد الملك ذكر حسن في تاريخ التمدن الإسلامي، لأنه عمم اللغة العربية في دواوين ~~الممالك الإسلامية، وكانت لا تزال إلى أيامه تكتب بلغات أهلها ويتولاها أناس من ~~الوطنيين فالديوان المصري كان يكتب بالقبطية ويتولى أعماله جماعة من قبط مصر، ~~والشامي يكتب باليونانية وأموره بأيدي أناس من نصارى الشام، والعراق بالفارسية ~~ويكتبه بعض أهل العراق، فأمر عبد الملك أن تكون كلها بالعربية وسلم مقاليدها إلى ~~المسلمين، ولا يخفى ما كان لهذا العمل من التأثير العظيم في تأييد الدولة ~~الإسلامية، لأنه جعل اللسان العربي لسانا عاما في سائر أنحاء المملكة، فأصبح ~~أهلها بتوالي الأجيال وقد نسوا جنسياتهم وصاروا يعدون أنفسهم عربا، وساعد على ذلك ~~أن العربية هي لغة الدين أيضا. # 2 # ومن أعمال عبد الملك أنه ضرب النقود الذهبية بالعربية، ونقل الطراز من الرومية ~~إلى العربية، وسيأتي تفصيل ذلك. وكان عامل عبد الملك على العراق الحجاج بن يوسف ~~المشهور بدهائه وغلظته، وكان نصيرا له على تأييد دولته فحارب عبد الله بن الزبير، ~~وكان هذا يدعو الناس إلى بيعته دون بني أمية فحاصره الحجاج في مكة وضرب الكعبة ~~بالمنجنيق، ثم قتله واستخلص الخلافة لعبد الملك. # قال ابن الأثير «وهو (عبد الملك) أول من غدر في الإسلام، وأول ms0065 من نهى عن الأمر ~~بالمعروف، فإنه قال في خطبته بعد قتل ابن الزبير ولا يأمرني أحد بتقوى الله بعد ~~مقامي هذا إلا ضربت عنقه». # 3 # ومنهم الوليد بن عبد الملك (سنة 86-96) وفي أيامه فتحت الأندلس وامتدت فتوحاته من ~~جهة تركستان وبعض جزائر البحر المتوسط، واتسعت حال بني أمية في بناء القصور واتخاذ ~~المصانع والضياع. ~~(2-2) عمر بن عبد العزيز # ومن أشهر خلفاء بني أمية عمر بن عبد العزيز بن مروان (حكم سنة 99-101ه) وكان ~~أقربهم جميعا إلى سيرة الخلفاء الراشدين، ولعله كان كذلك لقرابته من عمر بن ~~الخطاب، لأنه ابن حفيدته، فلما تولى الخلافة جعل جده عمر قدوته بالزهد والعدل، ~~وكان بنو أمية منذ جاهروا بطلب الخلافة فرضوا لعن علي على المنبر فرأى عمر أن ذلك ~~لا يوافق روح الإسلام فأمر بإبطاله # 4 # فلم تقع أعماله هذه موقعا حسنا لدى بني أمية، وخصوصا لأنه منعهم من ~~اقتناء الأملاك، وكان عمر بن الخطاب قد نهاهم عن ذلك فلم يسمعوا فأعاده هو، فخافوا ~~إذا طال حكمه أن يخرج الخلافة منهم فعجلوا به. ~~(2-3) يزيد بن عبد الملك # وخلفه ابن عمه يزيد بن عبد الملك، وكان من أهل اللهو والطرب فشغل عن مصالح الدولة ~~بجاريتين اسم إحداهما سلامة والأخرى حبابة، وتسلطت حبابة على عقله وقلبه فأصبحت ~~المملكة طوع إرادتها، تولي من شاءت وتعزل من شاءت، وهو لا يعرف من أمور الدنيا ~~شيئا، فلامه أخوه مسلمة وقال له «توليت هذا الأمر بعد عمر بن عبد العزيز وعدله، ~~فتشاغلت بهذه الجارية عن النظر في الأمور، والوفود ببابك وأصحاب الظلامات يصيحون ~~وأنت غافل عنهم» فتأثر لقوله وقال «صدقت» وهم بترك الشراب ولم يجتمع بحبابة ~~أياما، فاشتاقت هي له فلما كان يوم الجمعة قالت لبعض جواريها «إن خرج أمير ~~المؤمنين للصلاة فأعلميني» فلما أراد الخروج أعلمتها فتلقته والعود في يدها ~~وغنت: # ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا # فقد غلب المحزون أن يتجلدا # فغطى يزيد وجهه وقال «مه، لا تفعلي»، ثم غنت: # فما العيش إلا ما تلذ ms0066 وتشتهي # وإن لام فيه ذو الشنان وفندا # فلم يتمالك أن عدل إليها وقال «صدقت والله ... قبح الله من لامني فيك! يا غلام، ~~مر مسلمة أن يصلي بالناس»، وأقام معها يشرب وتغنيه وعاد إلى ما كان عليه. # 5 # وما زال يزيد في ذلك حتى مات بعد موتها حزنا عليها، وخبر موتهما أنه نزل ببيت ~~رأس بالشام ومعه حبابة وقال في نفسه «زعموا أنه لا تصفو عيشة لأحد يوما إلى الليل ~~إلا كدرها شيء عليه، وسأجرب ذلك»، ثم قال لمن معه «إذا كان غد فلا تخبروني بشيء ولا ~~تأتوني بكتاب»، وخلا هو وحبابة وأتيا بما يأكلان ويشربان، فأكلت حبابة رمانة فشرقت ~~بحبة منها فماتت. # فأقام يزيد ثلاثة أيام لا يدفنها حتى تغيرت وأنتنت، وهو يشمها ويرشفها، ولم ~~يتركها حتى عابه أهله وعاتبوه فأذن بدفنها، ولم يعش بعدها إلا خمسة عشر يوما ثم ~~مات ودفن بجوارها سنة 105ه. ~~(2-4) هشام وبقية خلفاء بني أمية # وتولى الخلافة بعده أخوه هشام (من سنة 105-125ه) وكان غزير العقل لكنه كان ~~بخيلا، والبخل مضر في دولة تأسست بالكرم. # وخلفه الوليد بن يزيد، وكان قبل الخلافة منهمكا في اللهو والشراب والغناء مثل ~~أبيه وله أشعار في ذلك، فلما أفضت الخلافة إليه زاد انهماكا في اللذات واستهتارا ~~بالمعاصي، وزاد على ذلك أنه أغضب أهله وأساء إليهم فهجموا عليه مع أعيان رعيته ~~فقتلوه وبايعوا يزيد بن الوليد بن عبد الملك. # وكان يزيد هذا عاقدا النية على إصلاح الأحوال، ولكن الأمر كان قد استفحل وبدأت ~~الدعوة العباسية واضطرب حبل بني أمية. # وفي أيام خلفه مروان بن محمد بن مروان خرجت الخلافة من أيديهم سنة 132ه رغم ما ~~كان عليه مروان هذا من الرغبة في استبقائها والهمة في سبيل الدفاع عنها، لكنه جاء ~~متأخرا وقد قضي عليها بالزوال. # | بنو العباس # (1) الدعوة العباسية # قلنا في عرض كلامنا عن خلافة أبي بكر أن المسلمين لم يشاءوا أن يجمعوا في بني هاشم ~~النبوة والخلافة فبايعوا غيرهم من قريش، وأما بنو هاشم فكانوا يعدون ذلك عدولا ms0067 عن الحق ~~وأنهم أولى الناس بذلك الأمر وجعلوا يسعون في سبيله، والهاشميون المطالبون بالخلافة ~~أصناف منهم العلويون من أعقاب علي بن أبي طالب، وهم فئتان إحداهما تدعو لنسل فاطمة ~~الزهراء، والأخرى تدعو لمحمد ابن الحنفية (ابن علي من غير فاطمة)، ومنهم العباسيون ~~سلالة العباس عم النبي، وكان كل من هؤلاء يدعو الناس إلى نفسه فيبايعونه سرا ويظل ~~صاحب الدعوة مستترا لا يظهر، فلما ظهر ضعف بني أمية واضطرابهم هان على الناس الخروج من ~~طاعتهم، وخصوصا لأنهم لم يخضعوا للأمويين إلا طعما أو خوفا وأكثرهم يعتقدون أن بني ~~هاشم أولى بالخلافة منهم. # ووفق العباسيون يومئذ إلى رجل فارسي من أهل خراسان ذي بطش وبسالة اسمه أبو مسلم ~~الخراساني، فأنفذوه في طلب البيعة لهم في خراسان، لبعدها عن مركز الخلافة الأموية فوفق ~~إلى ذلك توفيقا عجيبا، فحارب وجاهد حتى أدنى الخلافة من بني العباس وسلم أزمتها إلى ~~أبي العباس السفاح أول خلفائهم سنة 132ه، ولأبي مسلم فضل في تأسيس الدولة العباسية أعظم ~~من فضل عمرو بن العاص في خلافة معاوية، لأن عمرا نصر معاوية برأيه، وأما أبو مسلم فإنه ~~نصر العباسيين بسيفه وقومه. ~~(2) الدولة العباسية # مهما قيل في دولة بني أمية فهي تمتاز عن دولة بني العباس بأنها عربية حقيقية، لأن ~~عمالها وقضاتها وسائر رجالها كانوا عربا، إلا بعض الكتبة والأطباء ونحوهم، وأما بنو ~~العباس فقد غلب في العصر الأول من دولتهم العنصر الفارسي، لأن الفرس هم الذين سلموا ~~إليهم مقاليد الأحكام - كما رأيت - فاتخذوا منهم الوزراء، وهم أول من اتخذ الوزراء، ~~اقتبسوا هذا المنصب من الفرس كما سيأتي. # أول خلفائهم أبو العباس السفاح، وكان له عدة إخوة وأعمام استخدمهم في تأييد سلطانه، ~~وكان مقر السفاح في الأنبار على الفرات غربي بغداد، وما زال فيها حتى مات ولم يحكم إلا ~~بضع سنين. ~~(2-1) المنصور وخلفاؤه # فخلفه أخوه أبو جعفر المنصور سنة 136-157ه وهو من أعظم رجال الإسلام دهاء ~~وسياسة وشجاعة، بنى مدينة قرب الكوفة سماها الهاشمية ثم اتفق له فيها حرب مع ms0068 ~~جماعة يقال لهم الراوندية فكرهها لذلك ولقربها من الكوفة، وكان يخاف أهل الكوفة، ~~لأنهم قتلوا عليا والحسين، فخرج منها وبنى مدينة بغداد وهي أشهر عواصم المسلمين، ~~ثم رأى أن بقاء أبي مسلم يجعل مركزه في خطر، لأنه أقدر الناس على إخراج الملك من ~~أيدي العباسيين كما سلمه إليهم فقتله غيلة، وعذره في ذلك أنه كان عقبة في سبيله ~~فأزالها، كما فعل محمد علي بالأمراء المماليك، وكما فعل السلطان محمود الثاني ~~بالإنكشارية بعد ذلك بأحد عشر قرنا. وأيام المنصور كلها حروب وفتوح. # وخلفه ابنه محمد الهادي فهارون الرشيد ثم ابنا الرشيد الأمين فالمأمون، وفي أيام ~~الرشيد والمأمون بلغت الدولة العباسية أوج مجدها ومعظم سلطانها، وزهت فيها العلوم ~~والمعارف وترجمت الكتب وتفجرت ينابيع الثروة مما سنأتي على تفصيله في ~~أماكنه. # قتل المنصور أبا مسلم الخراساني، خوفا من طمعه في السلطة وهو فارسي، لكنه ~~استخدم في بلاطه رجالا من الفرس، وفعل خلفاؤه مثله وقدموهم في مناصب الدولة ومنها ~~الوزارة وهي أرفع هذه المناصب عندهم، فآل ذلك إلى استفحال أمرهم في أيام الرشيد ~~وزاد سلطان البرامكة، فلما رآهم الرشيد يستبدون بمصالح الدولة دونه نكل بهم كما هو ~~مشهور. ~~(2-2) المعتصم والأتراك # وخلف المأمون المعتصم بالله سنة 218ه فأكثر من استخدام الأتراك، وكان صبيان ~~الأتراك يحملون إلى بلاد الخلفاء في أوائل الدولة العباسية هدايا من عمال الأمصار ~~في تركستان، وكان الخلفاء ينتقون أحسنهم خلقا وأقواهم بنية، لاستخدامهم في قصورهم ~~وكانوا يسمونهم المماليك، وكانوا يدخلون في الإسلام ويتعلمون ويتثقفون فظهرت ~~مواهبهم فولاهم الخلفاء كثيرا من مناصب الدولة، وأخذوا يرتقون بحسب اقتدارهم حتى ~~وصلوا إلى أعلى مناصب الإمارة والجند، فأصبحت مقاليد السلطة تتنازعها قوتان ~~متوازنتان الترك، والفرس - وسنعود إلى تفصيل ذلك. # واصطنع المعتصم قوما من أهل الحوف بمصر (الشرقية والدقهلية) واستخدمهم في جنده ~~وسماهم المغاربة، وجمع خلقا من سمرقند وأشروسنة وفرغانة سماهم الفراغنة فكانوا من ~~أصحابه وحاشيته، فضلا عما كان عنده من الجند العربي، واصطنع غيره بعده أناسا ~~آخرين من أمم أخرى، فتعددت العناصر وكثرت الأيدي الأجنبية ms0069 المتعارضة، فآل ذلك إلى ~~ضعف الخلفاء واستبداد العمال في الولايات واستقلالهم. ~~(2-3) تفرع الدولة العباسية # وجعلت سلطة الخلفاء تتقلص حتى اقتصرت على السواد بين الفرات ودجلة، ولم يكد يدخل ~~القرن الرابع للهجرة حتى انحصرت سلطتهم في مدينة بغداد، وإليك فروع المملكة ~~الإسلامية على عهد الراضي بالله (934/322-940/329): # الولايات # حكامها # البصرة # في يد محمد بن رائق بالإضافة إلى إمرة الأمراء. # خوزستان، الأهواز # في يد أبي عبد الله البريدي. # فارس # في يد عماد الدين أبي الحسن علي بن بويه. # كرمان # في يد أبي علي محمد بن إلياس. # الري وأصفهان والجبل # في يد ركن الدولة أبو علي حسن بن بويه وغيره. # الموصل وديار بكر ومضر وربيعة # في يد بني حمدان. # مصر والشام # في يد محمد بن طغج الإخشيد. # خراسان وما وراء النهر # في يد السامانية. # طبرستان وجرجان # في يد الديلم. # البحرين واليمامة # في يد القرامطة. ~~(2-4) استبداد الجند والخدم # ومما زاد الأمر استفحالا أن الخدم والأجناد أصبحوا مطلقي الأيدي في قصور ~~الخلفاء، يستبدون في أعمالها ويسومون الخلفاء أصناف الإهانة وأنواع العذاب، كما فعل ~~جند المغاربة والأتراك في المعتز سنة 225ه لما خلعوه، لأنه قصر في عطائهم، فإنهم ~~دخلوا حجرته وجروه برجله إلى باب الحجرة وضربوه بالدبابيس وخرقوا قميصه وأوقفوه في ~~الشمس، فكان يرفع رجلا ويضع الأخرى لشدة الحر، وبقي بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده، ~~وأدخلوه حجرة وأحضرا ابن أبي الشوارب القاضي وجماعة فأشهدوهم على خلعه ثم سلموه إلى ~~من يعذبه ومنعوه الطعام والشراب ثلاثة أيام، ثم أدخلوه سردابا وجصصوه عليه فمات، # 1 # ومع كل ما لحق الخلفاء من الذل والضعف لم يخطر للفرس ولا للأتراك ولا ~~لغيرهم من عرب قريش أن ينزعوا الخلافة من أعناق بني العباس. # فما زالت الخلافة العباسية في بغداد حتى جاءها التتر من مفازة الصين فافتتحوها ~~وقتلوا خليفتها سنة 656ه ففر من بقي من أهله إلى مصر والتجأوا إلى سلاطينها ~~المماليك فأنزلوهم على الرحب والسعة إلى أن فتح السلطان سليم العثماني مصر سنة 923ه ~~فأخذ الخلافة منهم، وبلغ عدد ms0070 الخلفاء العباسيين جميعا نيفا وخمسين خليفة، منهم 37 ~~في العراق، أولهم السفاح وآخرهم المستعصم، والباقون في مصر. # | الدولة الأموية في الأندلس # أول من دخل بلاد الأندلس من المسلمين طريف بن زرعة ثم أعقبه طارق بن زياد وموسى بن نصير ~~سنة 92ه في عهد الدولة الأموية بالشام، فافتتحاها وتولاها الأمراء باسم الخلفاء الأمويين، ~~فلما أفضت الخلافة إلى بني العباس وأعمل أبو العباس السفاح السيف في بني أمية قتلهم جميعا ~~إلا نفرا قليلا منهم فيهم شاب اسمه عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك نجا وفر ~~إلى بلاد المغرب واجتاز البحر إلى الأندلس، وكان عليها أمير اسمه عبد الرحمن بن يوسف ~~الفهري، فامتلكها منه وخطب فيها للسفاح زمنا قصيرا # 1 # ثم قطع الدعوة عن العباسيين ودعا لنفسه سنة 138ه وأقام في قرطبة عاصمة الأندلس ~~في ذلك الحين، وخلفه حكام من بيته كانوا يلقبون أنفسهم بالأمراء إلى آخر القرن الثالث، حتى ~~صار الأمر إلى عبد الرحمن الثالث المعروف بالناصر فسمى نفسه خليفة سنة 317ه وهو أعظم خلفاء ~~بني أمية في الأندلس: حارب الإفرنج مرارا وردهم على أعقابهم، فلما مات خلفه بضعة عشر خليفة ~~ليس فيهم من يعدل به. # حكم الناصر خمسين سنة تعد العصر الذهبي للسلطان السياسي للإسلام في الأندلس، وقد ساد عبد ~~الرحمن شبه الجزيرة الأيبيرية كلها ودانت له بالطاعة الممالك والإمارات التي قامت في شمال ~~شبه الجزيرة وشمالها الشرقي، ونشر سلطانه على شمالي مراكش الحالية وراسله أباطرة الدولتين ~~البيزنطية والأتونية في ألمانيا. # وخلفه في الحكم المستنصر، وهو أعلم خلفاء بني أمية الأندلسيين، عني بالعلوم والآداب، ~~وأنشأ مكتبة القصر التي تعد أعظم مكتبة عامة أنشئت في العصور الوسطى. # وبعد الحكم المستنصر صار الأمر إلى ابنه هشام الثاني الملقب بالمؤيد، وكان شابا ضعيفا ~~خامل الذهن محدود الذكاء، فسيطر عليه الحاجب أبو محمد بن أبي عامر الملقب بالمنصور وأصبح ~~صاحب السلطان الأعلى في البلاد، ويعتبر المنصور من أعظم السياسيين ورجال الحكم الذين أنجبهم ~~الإسلام في شتى عصوره، وقد ارتقى من صفوف الشعب ms0071 إلى أعلى المناصب بالذكاء وسعة الحيلة وبعد ~~النظر والمثابرة والدأب على العمل، وجمع زمام الأمور كلها في يده وحرص على أن يواصل نشاط ~~الحملات على الممالك والإمارات الإسبانية الشمالية حتى كاد يقضي عليها، وقد تمتع الأندلس في ~~عهده برخاء لم يعهده في أي عهد مضى. # وعندما مات خلفه ابنه عبد الملك المعروف بالمظفر، فسار على سيرة أبيه دون أن تكون له ~~كفايته، ولكنه استطاع أن يحتفظ بما خلفه له أبوه سبع سنوات، وعاجلته المنية سنة 1008 فخلفه ~~أخوه عبد الرحمن ولقب نفسه المأمون، وكان شابا مضطرب العقل مستغرقا في هواه، لم يكتف بأن ~~يحكم باسم الخليفة هشام المؤيد، وأراد أن يجعل نفسه وليا للعهد، فبدأت سحب الثورة تتجمع ~~في سماء الأندلس، ثم انفجرت دفعة واحدة فأطاحت بملك بني عامر، وبدأت الفتنة العامة التي ~~تسمى في تاريخ الأندلس بالفتنة الكبرى. # أبو عبد الله آخر ملوك الأندلس كما صوره الإسبان. # بدأت هذه الفتنة التي قصمت ظهر الأندلس من أوائل القرن الخامس الهجري، فانقسمت الأندلس ~~إلى إمارات يتولاها رؤساء أو أمراء أشهرهم بنو حمود في مالقة والجزيرة الخضراء ~~(408 / 1017-449 / 1057) وبنو عباد في إشبيلية (414 / 1023-484 / 1091) وبنو زيري ~~في غرناطة (403 / 1012-483 / 1090) وبنو جهور في قرطبة (422 / 1030-461 / 1068) ~~وبنو ذي النون في طليطلة (427 / 1035-478 / 1085) والصقالبة العامريون في بلنسية ~~(412 / 1021-478 / 1085) وبنو هود في سرقسطة (410 / 1019-536 / 1141) وبنو مجاهد ~~العامريون في دانية (408 / 1017-468 / 1075)، ويعرف هؤلاء الرؤساء بملوك الطوائف، ~~وتنازعوا وتغالبوا فيما بينهم وحاربهم الإفرنج، لأنهم طمعوا فيهم على أثر ذلك ~~الانقسام. # وضاق بنو عباد ذرعا في حرب ألفونس السادس ملك ليون، فاستنجدوا ملك المرابطين من المغرب، ~~فأقبلوا بقيادة يوسف بن تاشفين اللمتوني، وانضم إليهم عدد كبير من ملوك الطوائف وجنودهم ~~وتمكنوا من الانتصار على ألفونس السادس في موقعة الزلاقة عام 478 / 1086 انتصارا حاسما ~~أنقذ دولة الإسلام في الأندلس إلى حين، ثم عاد يوسف بن تاشفين إلى المغرب حاسبا أن أمراء ~~الطوائف سيصلحون من أحوالهم، ولكنه تبين أنهم عادوا إلى ما كانوا ms0072 فيه، فرجع إلى الأندلس مرة ~~أخرى واستنزل ملوك الطوائف جميعا عن عروشهم، عدا بني هود أصحاب سرقسطة، وجعل ما بقي بيد ~~المسلمين من الأندلس جزءا من دولة المرابطين، وظل الأمر على ذلك حتى سنة 540 / 1145 ~~عندما تغلب الموحدون على المرابطين في المغرب وأزالوا ملكهم وحلوا محلهم، وأنشأوا ~~إمبراطورية واسعة شملت المغرب الإسلامي كله وما بقي بأيدي المسلمين من البلاد ~~الأندلسية. # ونشأت في نهاية العصر الموحدي إمارات صغيرة في بلنسية ومرسية وغيرهما من قواعد الأندلس، ~~أهمها في غرناطة الدولة النصرية أو دولة بني الأحمر، نسبة إلى مؤسسها أبي عبد الله محمد بن ~~نصر الملقب بابن الأحمر ... وكان في أول أمره فارسا يعمل في خدمة بني هود أصحاب شرق الأندلس، ~~ثم ضبط قاعدة أرجونة وحصنها وانتهز فرصة ضعف بني هود فاستقل عنهم، وأخذ يوسع حدود مملكته، ~~فاستولى على جيان وأطاعته بياسة ووادي آش ومالقة وغرناطة، ثم نقل مركز دولته إلى ذلك البلد ~~الأخير، واختار ضاحية من ضواحي غرناطة تقوم على تلال حمراء على ضفة نهر حداره أحد نهيرات ~~نهر شنيل المتفرع من الوادي الكبير، وهناك أنشأ حصونا وقصورا وزودها بكل ما يلزم المدن، ~~وتلك هي المعروفة بالحمراء، ونقل إلى الحمراء مركز الحكم، وأدار عليها وعلى غرناطة سورا، ~~وتكشف عن كفاية إدارية وعسكرية مكنت له من تدعيم أسس الدولة التي أنشأها وقدر لها أن تكون ~~آخر معاقل الإسلام في إسبانيا، واستمرت تقاوم عناصر الفناء المحيطة بها والمتأصلة في كيانها ~~254 سنة ابتدأت من سنة 1238 وانتهت في يناير سنة 1492، وانتهى معها سلطان الإسلام في شبه ~~الجزيرة الأيبيرية بعد أن دام 781 سنة. # وقد زهت الأندلس في أيام بني نصر وظهر فيها الشعراء والأدباء على نحو ما كانت عليه في ~~أيام عبد الرحمن الناصر، لكن الإسبان ما زالوا يهاجمون المسلمين ويناوئونهم وهم يدافعونهم ~~إلى أواخر القرن التاسع للهجرة فهاجم غرناطة فرديناند وإيزابلا سنة 897 / 1492 ففر ملكها ~~أبو عبد الله وهو محمد الحادي عشر من تلك الدولة، فانقضت بفراره دولة المسلمين في ~~الأندلس. ms0073 # وللأندلس شأن عظيم في التاريخ الإسلامي، فقد نبغ فيها العلماء والشعراء وأنشئت فيها ~~المدارس والمكاتب وشيدت الأبنية والقصور، وسنأتي على كل شيء في موضعه. # | الدولة الفاطمية # نشأت هذه الدولة في بلاد المغرب، وهي تنتسب إلى السيدة فاطمة بنت الرسول # صلى الله عليه وسلم # عن طريق ~~جعفر الصادق، وأول من ظهر بالدعوة منهم عبيد الله المهدي في أواخر القرن الثالث للهجرة، ~~ولذلك فهي تسمى أيضا العبيدية، وقد أعانهم على نيل الخلافة رجل اسمه أبو عبد الله الشيعي ~~نحو ما فعل أبو مسلم مع العباسيين، فلما استتب لهم الأمر قتلوه كما فعل المنصور بأبي مسلم، ~~وامتد سلطانهم في أواسط القرن الرابع إلى مصر على يد القائد جوهر الصقلي، وكانت مصر في حوزة ~~العباسيين ففتحها جوهر الصقلي وبنى فيها مدينة القاهرة نحو سنة 360ه وسميت القاهرة المعزية، ~~نسبة إلى المعز لدين الله أول من جاء مصر من الخلفاء الفاطميين، وتناوبها خلفاؤه بعده حتى ~~أصابهم ما أصاب الدولة العباسية في بغداد من الاستكثار من جند الأتراك والمغاربة والسودان ~~ومن إليهم. # باب النصر من أبواب القاهرة. # وقد بدأ الفاطميون حكمهم في مصر بدءا طيبا وعرفت في أيام المعز لدين الله ~~(341 / 952-365 / 975) والعزيز بالله (365 / 975-386 / 996) والحاكم بأمر الله ~~(386 / 996-411 / 1020) رخاء عظيما واستقرارا لم تعرفه منذ سنوات طويلة، واتسعت ~~حدودها حتى شملت الشام والحجاز واليمن وبرقة، بالإضافة إلى إفريقية (تونس) التي كانت تدين ~~بالولاء للفاطميين، وقد استمر هذا الازدهار حتى منتصف خلافة المستنصر بالله ~~(427 / 1035-487 / 1094)، ثم توالت عليها الأزمات والمتاعب بسبب سوء السياسية ~~الاقتصادية التي جرى عليها الفاطميون من ناحية، ثم إسرافهم في استخدام جند الأتراك ~~والمغاربة والسودان، وتنازع طوائفهم فيما بينهم، حتى انتهت البلاد إلى حال من الضعف ~~والاضطراب لم تعرفه فيما سلف من عصورها الإسلامية، وأضيفت إلى ذلك كوارث طبيعية كانخفاض ~~مستوى الفيضان سنين متوالية، مما ذهب بالرخاء جملة، فتوالى الغلاء والمجاعات، وعجز الناس عن ~~دفع الضرائب وازدادت مطالب الجنود وفتك بعضهم ببعض، مما هوى بالبلاد إلى درك سحيق من الفوضى ms0074 ~~والفقر البالغ. # قلعة القاهرة # واحتاجت الدولة إلى من يضبط الأمر، فاستعان الخليفة المستنصر ببدر الجمالي والي عكا، وكان ~~من أصل أرمني، فأقبل وتولى الأمور، وأظهر كفاية عظيمة، وضرب على أيدي الجند، وساعفته ~~المقادير، فتحسنت حالة الفيضان، وبدأت البلاد تخرج بفضل حزمه وإدارته الرشيدة من الهاوية ~~التي تردت فيها. # بيد أن الخلافة الفاطمية أخذت تتلاشى شيئا فشيئا؛ فقد انتقل السلطان بصورة نهائية إلى ~~الوزير ومن يستعين بهم في ضبط الأمور، وتعاقب الوزراء على السلطان واتخذوا لقب الوزراء ~~العظام، وأولهم الأفضل بن بدر الجمالي وآخرهم صلاح الدين يوسف بن أيوب. # وكان معظم أولئك الوزراء على جانب كبير من المهارة والقدرة، ولكن أكبر جانب من اهتمامهم ~~كان منصرفا إلى المحافظة على مراكزهم بالاستكثار من الجند المرتزقة، وإرهاق الأهالي ~~بالضرائب حتى يستطيع دفع رواتب الجنود، ووجد خلفاء الفاطميين بعد المستنصر أن سلطانهم قد ~~تلاشى تماما، فمضوا يكيدون للوزراء ويدبرون المؤامرات للقضاء عليهم كما فعل الخليفة الآمر، ~~إذ دبر اغتيال الأفضل بن بدر الجمالي، واستعان بنفر من الباطنية على ذلك، وتم اغتياله عام ~~515 / 1121 وتولى الوزارة بعده كبير المتآمرين المأمون البطالحي، واستمر النزاع بين الخلفاء ~~والوزراء إلى آخر أيام الدولة الفاطمية، وقد خسر الخلفاء المعركة وفقدوا كل سلطان ابتداء من ~~عهد الخليفة الظافر 544 / 1149-549 / 1154، بل إن أحدهم وهو طلائع بن رزيك اتخذ لنفسه لقب ~~الملك الصالح، وهو أمر له دلالته. # وآخر خلفاء الفاطميين هو العاضد الذي بدأ حكمه باغتيال طلائع بن ~~رزيك سنة 556 / 1161 وأقام مقامه أبا شجاع العادل، وفي ~~سنة 558 / 1163 نازعة في الوزارة شاور والي الوجه القبلي وغلبه وقتله وتولى الأمر مكانه، ~~ولم يدم له الأمر، إذ نافسه فيه ضرغام، وكان أميرا لفرقة من الجند تسمى البرقية، وطال ~~النزاع بين الرجلين، فاستنجد شاور بنور الدين محمود واستنجد ضرغام بعموري ملك بيت المقدس، ~~وانتهى الأمر باستيلاء نور الدين على مصر وتعيينه أسد الدين شيركوه وزيرا، فلما مات خلفه ~~ابن أخيه صلاح الدين، فوزر لنور الدين السني وللعاضد الشيعي في وقت ms0075 واحد، ولكنه تمكن بحسن ~~سياسته من التخلص من العاضد، واستخلاص مصر لنفسه بعد موت نور الدين المبكر، وقد مات العاضد ~~في سنة 567 / 1171 وبذلك انتهت الدولة الفاطمية وبدأت الدولة الأيوبية. # وتعتبر الدولة الأيوبية من أقصر الدول التي حكمت مصر عمرا، فلم تتعد مدة حكمها واحدا ~~وثمانين عاما (567 / 1671-648 / 1250) ولكنها تعد من أخطرها شأنا، لأن الذي أنشأها كان ~~صلاح الدين الأيوبي أعظم شخصية سياسية وعسكرية في تاريخ مصر الإسلامية، ولأنها نجحت في ~~الخلاص بمصر والدولة الإسلامية عموما من أكبر خطر تهددها خلال هذه العصور وهو خطر ~~الصليبيين. # كانت الدولة الأيوبية دولة عسكرية في طبيعتها ووظيفتها، وقد قامت للغرض الواحد الكبير ~~الذي ذكرناه وانتهت بتلاشي الخطر، وقد دفعتها الظروف التي عاشت في ظلالها إلى طلب الجند بأي ~~ثمن والاستكثار من المماليك، وخاصة في أيام سابع سلاطينها الصالح نجم الدين أيوب، فقد اشترى ~~منهم آلافا أسكنهم بجزيرة الروضة فسموا لذلك بالبحريين، وكان من الطبيعي أن يحوزوا الدولة ~~عندما ضعف أمر السلاطين، وهذا هو الذي حدث بعد موت الصالح نجم الدين أيوب ومقتل ابنه توران ~~شاه، إذ عجزت عصمة الدين أم خليل شجر الدر عن مدافعة المماليك، فغلبها أيبك التركماني وتولى ~~السلطنة سنة 648 / 1250، وبدأت بذلك دولة المماليك الأولى المعروفين بالمماليك البحرية وقد ~~حكموا 136 سنة (648 / 1250-784 / 1382) وأعظمهم عز الدين أيبك وسيف الدين قطز وركن الدين ~~بيبرس والمنصور سيف الدين قلاوون، وكان البحريون على الجملة قوادا عسكريين ممتازين ~~وإداريين قادرين، وقد علا اسم مصر في أيامهم واتسعت إمبراطوريتها وزاد رخاؤها وأصبحت مركز ~~العلوم والآداب في العالم الإسلامي كله. # وأعقب المماليك البحرية على ملك مصر مماليكهم المعروفون بالبرجية، وأولهم الملك الظاهر ~~أبو سعيد برقوق وآخرهم طومان باي الثاني، وقد حكموا مصر 139 سنة من 784 / 1382 إلى ~~923 / 1517 وكانوا قادة عسكريين ممتازين، ولكنهم لم يظهروا أي كفاية إدارية أو مالية، وقد ~~ضعفت مصر في أيامهم شيئا فشيئا، واضطربت ماليتها بعد تحول التجارة إلى رأس الرجاء الصالح، ~~وأظهروا قصر نظر مخجل فيما ms0076 يتعلق بموقفهم من الخطر العثماني، مما انتهى بسقوط مصر في أيدي ~~الأتراك العثمانيين سنة 923 / 1517. # | سائر الدول الإسلامية في أنحاء العالم # ولو أردنا ذكر الدولة الإسلامية التي نشأت في العالم لطال بنا الكلام، فنكتفي بجدول نبين ~~فيه أسماء الدولة الإسلامية وعواصمها وعدد ملوك كل منها وسني ولايتهم، وإليك هو: # جدول الدولة الإسلامية منذ ظهور الإسلام إلى سنة 1914. # اسم الدولة # كرسي ملكها # عدد ملوكها # سنة نشأتها ه # سنة انقضائها ه # الخلفاء الراشدون # المدينة # 4 # 11 # 40 # الدولة الأموية بالشام # دمشق # 14 # 41 # 132 # العباسية «في بغداد» # بغداد # 37 # 132 # 656 # العباسية «في مصر» # القاهرة # 17 # 659 # 923 # الأموية بالأندلس # قرطبة # 16 # 138 # 422 # بنود حمود العلويون # مالقة (الأندلس) # 9 # 407 # 449 # بنو حمود العلويون # الجزيرة (الأندلس) # 2 # 431 # 450 # بنو عباد # إشبيلية (الأندلس) # 3 # 414 # 484 # بنو زيري # غرناطة (الأندلس) # 5 # 403 # 483 # بنو جهور # قرطبة (الأندلس) # 3 # 422 # 461 # بنو ذي النون # طليطلة (الأندلس) # 3 # 427 # 478 # الصقالبة العامريون # بلنسية # 5 # 412 # 483 # بنو تجيب وبنو هود # سرقطسة ولاردة (الأندلس) # 9 # 410 # 536 # وتطيلة (الأندلس) # مجاهد العامري وأولاده # دانية والجزائر الشرقية (الأندلس) # 2 # 408 # 468 # بنو نصر «بنو الأحمر» # غرناطة (الأندلس) # 21 # 629 # 897 # بنو صمادح # ألمرية # 2 # 433 # 480 # الأدارسة # وليلى ثم فاس «بمراكش الحالية» # 12 # 172 # 375 # الأغالبة # القيروان والمهدية ورقادة # 11 # 184 # 296 # بنو زيري الصنهاجيون # القيروان # 8 # 362 # 543 # بنو حماد بالمغرب الأوسط # قلعة بني حماد # 9 # 398 # 547 # المرابطون # مراكش # 6 # 448 # 541 # الموحدون # شمالي إفريقية # 13 # 524 # 668 # بنو حفص # تونس # 24 # 625 # 981 # بنو زيان # تلمسان بالمغرب الأوسط «الجزائر الحالية» # 25 # 633 # 962 # بنو مرين # فاس # 27 # 592 # 831 # الشرفاء ثم السعديون # مراكش # 25 # 955 # لا تزال # الطولونيون # القطائع «مصر» # 5 # 254 # 292 # الإخشيدية # الفسطاط «مصر» # 5 # 323 # 358 # الفاطمية # القيروان والقاهرة # 14 # 297 # 567 # الأيوبيون في مصر # القاهرة # 9 # 564 # 648 # الأيوبيون في دمشق # دمشق # 12 # 582 # 658 # الأيوبيون في حلب # حلب ms0077 # 5 # 579 # 634 # المماليك البحرية # القاهرة # 25 # 648 # 792 # المماليك البرجية # القاهرة # 24 # 784 # 922 # أسرة محمد علي # القاهرة # 10 # 1220 # 1371 # بنو زياد # زبيد «اليمن» # 9 # 204 # 412 # بنو يعفور # صنعاء «اليمن» # 10 # 247 # 387 # بنو نجاح # زبيد وجند «اليمن» # 7 # 412 # 553 / 554 # الصليحية # صنعاء وغيرها «اليمن» # 3 # 429 # 492 # الهمدانيون # صنعاء وغيرها «اليمن» # 8 # 492 # 569 # بنو مهدي # زبيد «اليمن» # 3 # 554 # 569 # الزريعية # عدن «اليمن» # 8 # 476 # 569 # الرسولية # زبيد وغيرها «اليمن» # 13 # 626 # 858 # بنو طاهر # عدن وزبيد «اليمن» # 4 # 850 # 923 # الأئمة من بني رسى # صعدة وصنعاء«اليمن» # 17 # 280 # 700 # الحمدانيون في الموصل # الموصل «سوريا» # 9 # 293 # 323 # المرداسيون في حلب # حلب «سوريا» # 7 # 332 # 406 # العقيليون # الموصل وغيرها «سوريا» # 5 # 386 # 448 # المروانية # ديار بكر «سوريا» # 5 # 380 # 489 # المزيدية # الحلة «سوريا» # 8 # 403 # 545 # بنو دلف # كردستان (فارس) # 6 # 210 # 285 # بنو الساج # الري (فارس) # 2 # 306 # 314 # العلوية «الزيدية» # آمل وسادية في طبرستان (فارس) # 2 # 250 # 270 # خراسان # 6 # 205 # 261 # بنو طاهر # نيسابور (فارس) # 5 # 261 # 395 # السامانية # الري وشيراز بخراسان # 12 # 204 # 308 # خانات أيلك «آل أفرازياب» # تركستان # 27 # 315 # 607 # الزيارية # جرجان وغيرها # 10 # 315 # 471 # بنو حسنوية # كردستان # 3 # 348 # 406 # بنو بويه # بغداد # 11 # 334 # 513 # بنو كاكويه # أصبهان وهمدان # 5 # 398 # 443 # السلاجقة وفروعهم # أصبهان وإيران والعراق والشام وكرمان # 31 # 429 # 619 # الدانشمندية # سيواس وملطية # 12 # 455 # 567 # الأتابكة من بني بوري # دمشق # 6 # 497 # 564 # الأتابكة الزنجيون # الموصل ودمشق وحلب # 20 # 516 # 660 # بنو بكتكين # أربل # 3 # 539 # 630 # بنوارتق # حصن كيفا وآمد وخرتيرت وماردين # 30 # 495 # 811 # شاهات أرمن # خلاط بأرمينية # 8 # 493 # 604 # أتابكة أذربيجان # أردبيل # 5 # 531 # 622 # بنو سلغر # فارس # 11 # 543 # 686 # بنو هزراسب # لورستان # 14 # 543 # 740 # شاهات خوارزم # خوارزم # 8 # 470 # 628 # الخانات القتلغية # كرمان # 8 # 619 # 703 # آل عثمان # الآستانة وغيرها # 35 # 699 # 1922 # خانات المغول ms0078 # زنقارية وغيرها # 34 # 603 # 1092 # مغول الفرس # فارس # 17 # 654 # 754 # خانات العشائر الذهبية # قاراخيتاي # 40 # 621 # 907 # خانات القرم # القرم # 45 # 823 # 1197 # خانات جاغتاي # تركستان # 44 # 624 # 978 # آل جلائر # العراق وغيرها # 9 # 736 # 827 # المظفريون # فارس وكردستان وكرمان # 7 # 713 # 795 # السربداريون # خراسان ودامغان # 13 # 737 # 783 # آل كرت عمال دنيسابور # هراة وبلخ وسرخس # 8 # 643 # 791 # أمراء القراقيوتلو # أذربيجان (تبريز) # 6 # 780 # 873 # أمراء آق قيوتلو # الموصل وبغداد ثم أذربيجان # 12 # 780 # 908 # شاهات العجم # إيران وغيرها # 31 # 907 # لا تزال # التيموريون # سمرقند # 13 # 771 # 906 # الشيبانيون # سمرقند # 13 # 832 # 1007 # المنغيتيون # بخارى # 10 # 1170 # 1329 # خانات خيوه # خوارزم # 35 # 921 # 1290 # خانات خوقند # خوارزم # 17 # 1112 # 1293 # الجانيون # بخارى (استراخان) # 11 # 1009 # 1200 # الغزنويون # أفغانستان وبنجاب # 21 # 351 # 582 # الغوريون # أفغانستان وهندستان # 14 # 493 # 658 # سلاطين دهلي # هندستان # 38 # 602 # 975 # حكام البنغال وسلاطينها # البنغال (الهند) # 55 # 599 # 984 # ملوك الشرق بجونبور # بيهار أوذوقنوج، بهرايج، جونبور (الهند) # 6 # 796 # 881 # ملوك مالوا # مالوا (الهند) # 10 # 804 # 968 # ملوك كجرات # كجرات (الهند) # 14 # 793 # 991 # الفاروقيون ملوك خاندش # برهان بور (خاندش) (الهند) # 13 # 801 # 1008 # البهمنيون # الدكن (الهند) # 18 # 748 # 933 # بنو عماد شاه # برار (الهند) # 5 # 890 # 980 # بنو نظام شاه # أحمد نجر (الهند) # 10 # 896 # 1004 # بنو بريد شاه # بيدر (الهند) # 7 # 895 # 1097 # بنو العادل شاه # بيجابور(الهند) # 8 # 895 # 1097 # بنو قطب شاه # كولكندا (الهند) # 7 # 918 # 1098 # أباطرة المغول # هندستان (الهند) # 17 # 932 # 1274 # ولاة المغول العظام # بنغالة (الهند) # 23 # 984 # 1088 # أمراء وملوك أفغانستان # أفغانستان # 15 # 1160 # لا يزالون # وخلاصة ذلك أن الدول الإسلامية التي ظهرت من أول الإسلام إلى الآن نيف ومائة دولة عدد ~~رؤسائها نحو 1200 رئيس، فيهم الخلفاء والسلاطين والملوك والأمراء والأتابكة والإخشيدية ~~والخديويون والشرفاء والبايات والدايات وغيرهم، ومن عواصمهم المدينة والكوفة ودمشق وبغداد ~~والقاهرة والقيروان وقرطبة والآستانة وصنعاء وعمان ودهلي وغيرها. # هذه مقدمات تاريخية في كيفية تأسيس ms0079 الدولة الإسلامية وإنشاء التمدن الإسلامي، تمهيدا لما ~~سيأتي من تاريخ ذلك التمدن. # وقد رأيت أنهم أنشأوا دولا كثيرة تمدنت في عصور مختلفة، ولما كانت الدولة العباسية ~~أشهرها جميعا وأسبقها إلى المدنية فسنجعل ما يأتي من وصف التمدن خاصا بها على ~~الأكثر. # | الدولة الإسلامية # سعتها وأعمالها # تأسست الدولة الإسلامية في المدينة في السنة الأولى للهجرة والمسلمون قليلون وكل أرض خارج ~~حدود المدينة لا تدخل في زمامهم وكل رجل من غير الصحابة والمهاجرين والأنصار عدو لهم، وحدود ~~تلك الدولة محصورة بيثرب وبعض ضواحيها، وكانت دار الحكومة والقضاء يومئذ المسجد أو بيت ~~النبي أو بيوت الصحابة، وما زال ذلك شأنها إلى السنة الرابعة للهجرة فأضافوا إليها أرض بني ~~النضير، وفي السنة التالية أرض خيبر ثم فدك، فوادي القرى فتيماء، ثم فتحوا مكة فالطائف ~~فتبالة فجرش، ثم مدوا حدودهم شمالا إلى تبوك وأيلة وجنوبا إلى نجران فاليمن فعمان ~~فالبحرين فاليمامة. # ولما توفي النبي سنة 10 للهجرة كانت سطوة الإسلام قد أظلت كل جزيرة العرب، وشاهد النبي ~~دولة الإسلام تمتد من تبوك وأيلة شمالا إلى شواطئ اليمن جنوبا ومن خليج العجم شرقا إلى ~~بحر القلزم غربا. ~~(1) سعتها في زمن الخلفاء الراشدين # فلما تولى أبو بكر وفرغ من الردة بعث الجند لفتح الشام والعراق، وأتم فتحهما عمر بن ~~الخطاب وفتح مصر، وكانت أكثر الفتوح في عصره، وخلفه عثمان ففتح بلادا أخرى، وشغل ~~المسلمون عن الفتوح بعد مقتله بالفتنة التي شبت بينهم، حتى إذا انقضى عصر الخلفاء ~~الراشدين وضع معاوية يده على أزمة الخلافة ورايات المسلمين تخفق على الشام ومصر والنوبة ~~وإفريقية والعراق وفارس وأرمينية وأذربيجان وجرجان وطبرستان والأهواز وغيرها. # وكان الخليفة يقيم في المدينة (أو الكوفة) ويرسل عماله إلى الأعمال (الولايات)، ~~وأكبر أعمال المملكة الإسلامية يومئذ الشام وتحتها أجناد حمص وقنسرين والأردن وفلسطين ~~والثغور، ثم العراق وأعظم أعماله السواد وهو ما بين دجلة والفرات وعاصمته الكوفة على ~~الفرات، وما عدا السواد البصرة وقرقيسية والري وأصفهان ونهاوند وأذربيجان وحلوان وهمدان ~~وغيرها، وفي بلاد العرب مكة والطائف والبحرين ms0080 وعمان وصنعاء، وفي قارة أفريقيا مصر وما ~~يتبعها من أفريقية في بلاد المغرب والنوبة في أعالي وادي النيل، وكان الخلفاء يرسلون ~~عمالهم إلى هذه الأعمال رأسا من المدينة (أو الكوفة)، إلا الشام فقد كان عاملها يقيم ~~في دمشق وهو يولي عمالا على ما تحتها من الأجناد، وكذلك مصر، كان عاملها في الغالب ~~يرسل العمال من تحت إمرته إلى أفريقية والنوبة. # وكان عامل الشام في أيام عمر بن الخطاب إلى آخر عصر الخلفاء الراشدين معاوية بن أبي ~~سفيان، ثم صار خليفة ونقل مركز الخلافة إلى دمشق كما تقدم، وتخلفت جزيرة العرب كلها عن ~~بيعته وظلت على بيعة علي ثم أولاده، وبعد مقتل الحسين ظلت الجزيرة على بيعة ابن الزبير، ~~حتى قتله الحجاج في أيام عبد الملك بن مروان سنة 72ه فانضمت إلى دولة بني أمية. ~~(2) سعتها في أيام بني أمية # شارل مارتل يحارب العرب بين تورس وبواتييه بفرنسا. # في أيام بني أمية زادت الدولة الإسلامية اتساعا ففتحت الأندلس وسائر المغرب غربا، ~~وأوغل بنو أمية في أوربا من وراء إسبانيا فقطعوا جبال ألبرت - وهي المعروفة بالبرانس ~~- ودخلوا فرنسا وأوغلوا فيها إلى نهر الرون سنة 114ه، ~~فارتعد الإفرنج لذلك وخافوا أن يصيبهم ما أصاب إسبانيا، فتكاتفوا لدفعهم بكل جهدهم، ~~فحصلت بين الفريقين وقائع دموية دامت بضعة أيام والحرب سجال، وانتهت بهزيمة العرب في ~~مكان يسمى بلاط الشهداء بين بلدتي تور وبواتييه في وسط فرنسا الحالية، ولم يذكر العرب ~~من أخبار هذه الوقائع إلا إشارات مختصرة، وأما الإفرنج فإنهم فصلوها مع ما يقتضيه ~~المقام من إعجابهم بالعرب وبسالتهم، وإن كانت الوقائع كما سجلها مؤرخوهم مضطربة أسطورية ~~الطابع، وكان يقود الفرنجة في معركة بلاط الشهداء ملكهم شارل مارتل جد الإمبراطور ~~شارلمان، ولم ينسحب العرب من غالة (وهي فرنسا الحالية) بعد موقعة بلاط الشهداء، وإنما ~~ظلوا مسيطرين على جزء كبير من الجنوب نحو 30 سنة بعد هذه الموقعة (سنة 732) وكانت ~~عاصمتهم في هذه الناحية مدينة أربونة (نربون) حتى تخلوا عنها سنة 133 / 751. # وقد ورد في تاريخ ms0081 ابن الأثير ذكر هذه الحروب فقال: إن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي ~~أمير الأندلس خرج غازيا سنة 114ه (وهي تقابل سنة 732 تقريبا) ببلاد الإفرنج فقتل هو ~~ومن معه شهداء. وهذه هي الحملة التي حاربها شارل مارتل المذكور. # ومما يستدعي الاعتبار والتأمل أن العرب لو فازوا في هذه الواقعة لانتشر الإسلام في ~~فرنسا ثم سائر أوربا، لأن الفرنجة - سكان غالة إذ ذاك وهي فرنسا الحالية - كانوا أقوى ~~أمم أوروبا النصرانية على مدافعة العرب يومئذ، ولانتشرت اللغة العربية في تلك القارة ~~كما انتشرت في قارتي آسيا وأفريقيا وسائر العالم الإسلامي. # وامتدت فتوح الأمويين في بلاد فارس فخراسان وما وراءها إلى حدود الهند، وهاك أقسام ~~المملكة الإسلامية في زمن بني أمية: ~~(3) أعمال المملكة الإسلامية في زمن بني أمية ~~(1) # الشام وتقسم إلى أربعة أجناد. ~~(2) # الكوفة. ~~(3) # البصرة وتشمل فارس وسجستان والبحرين وعمان. ~~(4) # أرمينية. ~~(5) # مكة. ~~(6) # المدينة. ~~(7) # إفريقية. ~~(8) # مصر. ~~(9) # اليمن. ~~(10) # خراسان. ~~(4) أعمالها في زمن العباسيين # ولما أفضت الخلافة إلى بني العباس ترتبت الولايات على هذه الصورة: ~~(1) # الكوفة والسواد. ~~(2) # البصرة ومهرجان قباد إلى كور دجلة وما وراءها جنوبا إلى البحرين ~~فعمان. ~~(3) # الحجاز واليمامة. ~~(4) # اليمن. ~~(5) # الأهواز (خوزستان). ~~(6) # فارس. ~~(7) # خراسان. ~~(8) # الموصل. ~~(9) # الجزيرة (بين النهرين وأرمينية وأذربيجان). ~~(10) # الشام. ~~(11) # مصر وإفريقية. ~~(12) # السند في حدود الهند. ~~(13) # الأندلس. # ثم اتسع نطاق المملكة الإسلامية على عهد العباسيين حتى صارت إلى أوسع ما بلغت إليه في ~~زمن الإسلام حتى الآن، ولا عبرة بخروج بعض الأعمال من سيطرة العباسيين كالأندلس، لما ~~تولاه بنو أمية، واستقلال بعض الدول الثانوية كالطاهرية والسامانية والأغلبية ~~والطولونية ونحوها، فقد كان أمراء هذه الدولة كلها يخطبون للخليفة العباسي (إلا ~~الأندلس) ومهما اختلفت الدول فالمملكة إسلامية وحكامها مسلمون. # وقد بلغت حدود هذه المملكة شمالا إلى أعالي تركستان في آسيا وجبال ألبرت (وهي ~~المعروفة اليوم بالبرانس) في شمال إسبانيا، وجنوبا إلى بحر العرب والمحيط الهندي ~~وقاصية الصحراء الإفريقية الكبرى، وشرقا إلى بلاد السند والبنجاب من بلاد الهند، ~~وغربا المحيط الأطلنطي، وزادت مساحتها بذلك على ضعفي مساحة أوربا. # ولبيان عظمة تلك المملكة الواسعة نأتي ms0082 بأسماء أعمالها ثم نبين مقدارها: # السواد # مهرجان قذق # الموصل # الأهواز # الأبغارين # ديار ربيعة # فارس # قم وقاشان # أرزن ومياقارقين # كرمان # أذربيجان # طوران # مكران # الري # طريق الفرات # أصبهان # قزوين # قنسرين والعواصم # سجستان # طبرستان # حمص # خراسان # تكريت # دمشق # همذان # شهر زور # الأردن # ماسبذان # الدامغان # فلسطين # مصر # حلوان # أرمينية # جيلان # الكوفة # آمد # برقة # البصرة # ديار مضر # إفريقية # زنجان # اليمن # الجزيرة والديارات # قومس # اليمامة والبحرين # والفرات وموقان وكرخ # جرجان # عمان # مكة والمدينة # هذه أعمال الدولة الإسلامية العباسية ما عدا مملكة بني أمية في الأندلس، وكانت معاصرة ~~لها وقد فتحت صقلية ومالطة وغيرهما من جزر البحر المتوسط، وكان على كل عمل من هذه ~~الأعمال وال أو عامل يوليه الخليفة أو وزيره أو نائبه كما سترى، فبلغ عدد هذه الأعمال ~~- أو الولايات في اصطلاح هذه الأيام - 48 ولاية، لكل منها بيت مال وديوان خراج وقاض أو ~~أكثر، وسكانها هم أمم العالم المتمدن في ذلك الحين، وفيهم العرب والفرس والأتراك ~~والأكراد والمغول والتتر والأفغان والهنود والأرمن والسريان والكلدان والروم والقوط ~~والقبط والنوبة والبربر وغيرهم، وكانوا يتكلمون العربية والفارسية والبهلوية والهندية ~~والرومية والسريانية والتركية والكردية والأرمنية والقبطية والبربرية وغيرها، فمنهم من ~~أصبحت اللغة العربية لغتهم وضاعت لغاتهم الأصلية كأهل الشام ومصر والمغرب والعراق، ~~ومنهم من اختلطت العربية بلغاتهم الأصلية كأهل فارس وتركستان والهند والأفغان وغيرها، ~~ولا تزال كثير من أمم آسيا وأفريقيا تكتب لغاتها بالحروف العربية إلى الآن، أثرا لذلك ~~التمدن العظيم. ~~(4-1) إحصاؤها # وكان يحسن بنا في هذا المقام النظر في إحصاء هذه البلاد في تلك الأيام، ولكن ذلك ~~غير مستطاع، لأن العرب قلما اهتموا بتعداد سكان ممالكهم، وإنما ننظر في إحصاء سكان ~~هذه البلاد اليوم فنأتي بما يقابلها واسم الدولة التي هي تابعة لها وعدد سكانها ثم ~~نقابل بين أحوالها سنة 1914 وأحوالها في تلك الأيام، وهذا هو إحصاؤها: # أسماء البلاد # الدولة التابعة لها # عدد سكانها # 95276000 # إيران كلها # مستقلة # 9500000 # أفغانستان # مستقلة # 4500000 # السند وبلوخستان # إنجلترا # 3500000 # تركستان # روسيا # 6000000 # القوقاز # روسيا # 11000000 # أرمينية وكردستان # تركيا ms0083 # 2500000 # العراق والجزيرة # تركيا # 2500000 # سوريا وفلسطين # تركيا # 3765000 # جزيرة العرب # تركيا # 5000000 # القطر المصري # تركيا # 12000000 # النوبة وبعض السودان # السودان # 2000000 # طرابلس الغرب # إيطاليا # 1000000 # جزائر الغرب # فرنسا # 5231000 # تونس # فرنسا # 1500000 # مراكش # مستقلة # 5000000 # إسبانيا # مستقلة # 20000000 # قبرص # إنجلترا # 260000 # كربد # تركيا # 310000 ~~(5) مقدار العمارة # هذا هو تعداد سكان تلك البلاد لغاية سنة 1914 ولكن كثيرا من المدن الإسلامية أصبح ~~خرابا بعد ذلك، في أواخر العصور الوسطى بالقياس إلى ما كان عليه في عهد الدولة ~~الإسلامية، وخصوصا العراق أو السواد، وعلى الأخص بغداد والبصرة والكوفة وسائر مدن ~~العراق، وقد وصف الأصطخري مدينة البصرة وصفا يمثل ما كانت عليه أرض العراق من العمارة ~~في عصره قال: ~~(5-1) البصرة ~~«البصرة مدينة عظيمة لم تكن في أيام العجم وإنما مصرها العرب ... وليس فيها مياه ~~إلا أنهارا، وذكر بعض أهل الأخبار أن أنهار البصرة عدت أيام بلال بن أبي بردة ~~فزادت على مائة ألف نهر وعشرين ألف نهر يجري فيها الزوارق، وقد كنت أنكر ما ذكر من ~~عدد هذه الأنهار في أيام بلال، حتى رأيت كثيرا من تلك البقاع، فربما رأيت في مقدار ~~رمية سهم عددا من الأنهار صغارا تجري في كلها زوارق صغار، ولكل نهر اسم ينسب به ~~إلى صاحبه الذي احتفره أو إلى الناحية التي يصب فيها ... فجوزت أن يكون ذلك في طول ~~هذه المسافة وعرضها». # فاعتبر المسافة التي تحفر فيها 120000 نهر أو ترعة كم يمكن أن يكون سكانها؟ وهذا ~~مستغرب عند أهل هذا الزمان لكنه يدل على كل حال على عمران تلك الأرض. ~~(5-2) بغداد # وناهيك ببغداد مدينة الخليفة ودار السلام، فقد ذكر الأصطخري أيضا في وصفها كما ~~شاهدها في أيامه في القرن الرابع للهجرة، قال: «وتفترش قصور الخلافة وبساتينها من ~~بغداد إلى نهر بين فرسخين على جدار واحد، حتى تتصل من نهر بين إلى شط دجلة، ثم يتصل ~~البناء بدار الخلافة مرتفعا على دجلة إلى الشماسية نحو خمسة أميال، وتحاذي ~~الشماسية في الجانب الغربي الحربية فيمتد نازلا ms0084 على دجلة إلى آخر الكرخ، ~~إلخ. # بغداد وجسرها ممتد فوق دجلة. # ثم قال: «وبين بغداد والكوفة (أو بين دجلة والفرات) سواد مشتبك غير مميز تخترق ~~إليه أنهار من الفرات» ثم عدد الأنهر التي تمتد من الفرات إلى دجلة. # فأين هذه العمارة صارت إليه بغداد عند اضمحلالها إبان العصر التركي؟ فإن إحصاء ~~ولاية البصرة كلها قبيل الحرب العالمية الأولى 200000 نفس، وتعداد ولاية بغداد ~~850000، ونظن إحصاء الولايتين جميعا كان إذ ذاك أقل كثيرا مما كانت تحويه مدينة ~~بغداد وحدها. # وقس على ذلك مدينة دمشق وغيرها من المدن التي ضعف أمرها اليوم وهناك مدن أخرى ~~كانت يومئذ في إبان مجدها فأصبحت الآن اسما بلا مسمى، مثل الفسطاط في مصر، والكوفة ~~في العراق، والقيروان في إفريقية، وبصرى في حوران، وغيرها مما لا محل للكلام فيه ~~هنا. ~~(5-3) مصر # وأما مصر فيؤخذ من كلام مؤرخي العرب أنها لما فتحها المسلمون كان عدد الذكور فيها ~~ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك «ليس فيهم امرأة ولا صبي ولا شيخ» ثمانية آلاف ألف ~~(8000000) منهم في الإسكندرية وحدها 300000، فإذا أضفنا إلى ذلك عدد الإناث ~~والأطفال والشيوخ زادت جملته على 30000000 وهو نحو ثلاثة أمثال سكانها ~~اليوم. # وقد يطعن في صحة هذه الرواية، ولكن يستدل من مجمل أقوالهم في مصر أنها كانت في ~~رغد ورخاء، وكان عمرانها بالغا حد النهاية. # وذكر ياقوت في معجم البلدان «أن المقوقس قد تضمن مصر من هرقل بتسعة عشر ألف ألف ~~دينار، وكان يجبيها عشرين ألف ألف دينار، وجعلها عمرو بن العاص عشرة آلاف دينار أول ~~عام، وفي العام الثاني اثني عشر ألف ألف دينار، ولما وليها في أيام معاوية جباها ~~تسعة آلاف ألف دينار، وجباها عبد الله بن سعد بن أبي سرح أربعة عشر ألف دينار، # 1 # وقد أجمع المؤرخون المحدثون تقريبا على تقدير سكانها في تلك الأيام ~~بنحو 20000000 نفس. # قال المقريزي: «إن هشام بن عبد الملك (سنة 107ه) أمر عبيد الله بن الحبحاب عامله ~~على خراج مصر أن يمسحها، فمسحها ms0085 بنفسه فوجد مساحة أرضها الزراعية مما يركبه النيل ~~30000000 فدان» # 2 # مع أن مساحة الأرض الزراعية في وادي النيل (1914) مع ما تبذله الحكومة ~~في العناية في إخصابها وتعميرها لم تتجاوز ستة ملايين فدان كثيرا، ومساحة وادي ~~النيل كلها أي الوجه البحري والصعيد على جانبي النيل لا تزيد على هذا القدر إلا ~~قليلا، فيستحيل أن تكون مساحتها في أوائل الإسلام خمسة أضعاف ذلك. # ولكن يظهر أن العرب زرعوا ما يجاور هذا الوادي من الشرق نحو البحر ومن الغرب إلى ~~وادي النطرون، لأن مساحة مصر بما فيها من الواحات في صحراء ليبيا والأرض بين النيل ~~والبحر الأحمر وبينه وبين بحر الروم (البحر الأبيض المتوسط) إلى العريش تزيد على ~~4000000 ميل مربع وذلك يساوي نحو 187 مليون فدان، فلا غرابة إذن أن يكون العامر ~~منها 30 مليون فدان، وأن يكون سكانها 30 مليون نفس. # ويؤيد ذلك أن مؤرخي العرب كانوا يقدرون مساحة مصر نحو ما تقدم تقريبا، قال ~~المقريزي: «وآخر ما اعتبر حال أرض مصر فوجد مدة حرثها ستين يوما ومساحة أرضها ~~180000000 فدان، يزرع منها في مباشرة ابن المدبر (في أواسط القرن الثالث للهجرة) ~~24000000 فدان، وأنه لا يتم خراجها حتى يكون فيها 480000 حراث يلزمون العمل بها ~~دائما ...» إلخ. # 3 # واعتبر نحو هذا العمران أيضا في مدن الإسلام الكبرى في الأندلس، مثل قرطبة ~~وغرناطة وطليطلة، وفي العراق والشام بلاد لا تحصى كانت في تلك الأيام مدنا كبرى ~~وأصبحت الآن قرى صغيرة. # فإذا اعتبرنا كل ما تقدم لا نستبعد أن يكون إحصاء المملكة الإسلامية في إبان ~~عمرانها نحو 250000000 نفس إلى 300 مليون وهو نحو تعداد سكان أوربا كلها الآن، ~~وسنعود إلى ذلك في كلامنا عن ثروة المملكة. # | مناصب الدولة الإسلامية # انتهينا من الكلام في نشوء الدولة الإسلامية وتكونها فننتقل إلى الكلام في تنظيمها ~~الإداري ودواوينها وإدارات حكوماتها وتاريخ كل منها، وخصوصا الكلام في كيفية نموها وتفرعها ~~إلى تلك المناصب. ~~(1) نمو الدولة الإسلامية # نشأت الدولة الإسلامية في المدينة في السنة الأولى للهجرة، ms0086 والمسلمون يومئذ من ~~الصحابة لا يزيد عددهم على بضع عشرات، بعضهم من المهاجرين وبعضهم من الأنصار، فجعلوا ~~أساسها المساواة والمؤاخاة والتعاون، فقد ذكرنا أن النبي آخى بين المسلمين ومكن ~~المؤاخاة بأن جعل أموالهم واحدة ومصالحهم واحدة كما يستدل من قوله: «من ترك كلا # 1 # فإلينا ومن ترك مالا فلورثته»، وقد كان الاشتراك في المصالح داعيا إلى ~~زيادة الاتحاد، وأعمال الدولة يومئذ محصورة في النبي وتشمل السياسة والإدارة والدين، ~~ففرضت الصلاة والزكاة وغيرهما من الفروض التي تعد من قبيل الدين، ولا نبحث فيها إلا من ~~حيث دخلها في تأسيس الدولة. # أما صلاة الجماعة فكانت تبعث على الاتحاد والنظام والطاعة للنظام العام من الناحية ~~الاجتماعية، وأما الزكاة فقد كانت من أول الأمر مظهرا من مظاهر التساند الاجتماعي بين ~~طبقات الأمة، ولم تعتمد عليها الدول الإسلامية كمصدر رئيسي من مصادر الدخل، فقد تركت ~~الدول أمرها للناس ولم تجمعها للخزانة، إلا في حالات قليلة. # ولا يخفى أن للدول نظما مختلفة، ففيها الملكي والجمهوري والمطلق والمقيد، ولكل دولة ~~قوانين تختلف عما للأخرى مما لا يحصره وصف، ولكنها ترجع كلها إلى أمرين أساسيين تشترك ~~فيهما جميعها، وهما المال والجند، وما من دولة مهما كان نوع نظامها إلا وفيها الجندية ~~والمالية، إذ لا قوام لها بدونهما، وربما كانت الحاجة إليهما في أوائل الدولة أشد مما ~~بعدها، والمسلمون هم الجند، والزكاة والضرائب المختلفة التي تقررت شيئا فشيئا هي ~~الموارد المالية التي تقوم بتكاليف الدولة فكان أساس الدولة الإسلامية هذه الآية: # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع ~~الراكعين ~~. ~~(1-1) الزكاة # الزكاة توطد عرى الاتحاد بين أفراد المجتمع الإسلامي، والاتحاد هو أساس الإسلام، ~~وذلك لأنها تؤخذ من أغنياء المسلمين مما يزيد من أموالهم وتعطى للفقراء منهم، وتسمى ~~الزكاة في كثير من الأحيان صدقة، وقد بدأ المصطلحان بمعنى واحد، ثم اختلف ~~استعمالهما بعض الشيء فيما بعد، وللأئمة والفقهاء في ذلك آراء تعني من يدرسون ~~الأصول، ولكن المؤرخ يهتم بناحية الزكاة الاجتماعية وبأهميتهما كمورد من موارد ~~الدخل الاجتماعي للدول الإسلامية، وقد أشار ms0087 إلى معناها الاجتماعي رسول الله عندما ~~قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن، إذ قال له «إنك تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن ~~الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا فأعلمهم أن الله فرض ~~عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم ~~أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». # وفي فرض الزكاة على الأغنياء وإعطائها للفقراء حكمة عالية، لأنها تسترضي الفقراء ~~وهم الجمهور الأكبر وخصوصا في عصور الجاهلية أيام الاستبداد والاستئثار، وقد جاء ~~الإسلام لنصرة الضعيف والمساواة بينه وبين القوي، ولذلك كان خصوم الدعوة المحمدية ~~من كبار القوم الذين ساءهم أن يشاركوا فقراءهم بأموالهم وأن يكونوا إخوة ~~لهم. # وبعد واقعة بدر الكبرى سنة 2ه حدثت الغنائم والجزية كما سيأتي، فأصبحت موارد ~~الدولة في العهد النبوي وعهد أبي بكر منحصرة في الزكاة التي تجمع من أغنياء ~~المسلمين وتفرق في فقرائهم، والغنائم المكتسبة بالغزو وتقسم في المحاربين، وما ~~فرضوه على من دخل في ذمتهم من اليهود والنصارى في بلاد العرب من الجزية ونحوها، ~~ويتولى ذلك كله النبي أو خليفته، وكانت الأموال التي ترد من الغنائم تفرق فيهم على ~~السواء، الصغير والكبير، الحر والعبد، الذكر والأنثى، فإذا جاء المدينة مال من بعض ~~البلاد أحضر إلى المسجد وفرق على ما يراه النبي أو الخليفة بلا قيد ولا ضبط ولا ~~يبقى منه باق. ~~(1-2) الديوان # ولما فتحت البلاد في زمن عمر بن الخطاب، واختلط العرب بالروم والفرس، واتسع سلطان ~~المسلمين وكثرت وارداتهم وتعددت مصادر الدخل، اضطروا إلى ضبط ذلك وتقييده وتعيين ما ~~يدخل وما يخرج منه، فرأى عمر أن يضبط الوارد في الدفاتر، فيدفع منه رواتب معينة ~~في العام إلى كل على قدر استحقاقه، والذي يبقى من الأموال يحفظ للانتفاع به عند ~~الحاجة، فشرع في ذلك في السنة العشرين للهجرة (وقالوا في السنة الخامسة عشرة) وهو ~~ما ms0088 يعبر عنه بالديوان، اقتداء بما كان عند الفرس والروم. # ونظر عمر فيمن حوله من المسلمين فإذا هم طبقات ودرجات، باعتبار أدوارهم في إنشاء ~~هذه الدولة وتوسيع سلطانها، فرأى أن يجعل عطاء كل واحد منهم على قدر خدمته، ولكنه ~~اعتبر أيضا القرابة من النبي فميز أهله بشيء خاص كما سنفصله، واستناب عنه في تدوين ~~ذلك كاتبا يتولى ضبطه. # ولما تكاثرت موارد المال إلى المدينة أنشأ عمر خزانة أو دارا سماها «بيت المال»، ~~وهو أول من فعل ذلك من الخلفاء، وإن كنا نرى ذكر بيت المال في عهد أبي بكر فما هو ~~إلا من قبيل القياس، لأن أبا بكر لم يكن يفضل عنده مال يحفظه في خزانة أو ~~بيت. # فانقضت دولة الخلفاء الراشدين (سنة 40ه) وأصحاب المناصب فيها: ~~(1) # الخليفة. ~~(2) # عماله في الأمصار. ~~(3) # كاتب يكتب له الكتب ويتولى أمر الديوان. ~~(4) # خادم خاص كانوا يسمونه الحاجب. # 2 ~~(5) # خازن يتولى بيت المال. ~~(6) # قاض يقضي في الخصومات. # فلما أفضت الخلافة إلى بني أمية وأصبح الأمر ملكا سياسيا وكثرت مخالطة ~~المسلمين للأعاجم، جعلت تلك الإدارات تتفرع وتتوسع، عملا بناموس الارتقاء العام، ~~وأضافوا إليها مناصب اقتبسوها من الروم والفرس، وقضى عليهم الترف وأبهة الملك أن ~~يتخذوا الخدم والحشم والحجاب والحراس، فحدث في عهد بني أمية الحرس وديوان الخاتم ~~والبريد وديوان الخراج مما سيأتي بيانه. # ولما آل الأمر إلى بني العباس زادت عوامل الاختلاط وزاد ميل الخلفاء إلى الترف ~~والرخاء، فاستنابوا من يقوم مقامهم في مباشرة الأعمال، فاستحدثوا منصبي الوزارة ~~والحسبة وغيرهما، وتفرعت المناصب الأولى وتشعبت على مقتضيات الأحوال، ثم أحدثت كل ~~دولة من دول الإسلام مناصب اقتضتها أحوالها، فاختلفت في بغداد عما في قرطبة، ~~وفيهما عما في القاهرة مما لا محل لتفصيله. ~~(2) تشعب المناصب # كان الخليفة في عهد سذاجة الدولة هو الذي يراقب أعمال الدواوين بنفسه، وكان عماله لا ~~يزالون من أهل الزهد والتقوى لا يحتاجون إلى من يراقب أعمالهم أو يستطلع خفاياهم، ولم ~~يكن للخليفة أموال خاصة ولا ضياع تحتاج إلى كتاب أو حساب، وكان إذا كتب ms0089 إلى أحد عماله ~~كتابا ختمه بخاتمه بيده، وربما كتب الكتب بيده، فلما اتسع سلطانهم، وتبدلت وجهة ~~الخلافة من الدين إلى السياسة، ومال الخلفاء إلى التقاعد وتقليد القياصرة والأكاسرة، ~~استخدموا من يقوم بتلك الأعمال، فأقاموا من يباشر أمور الدولة عنهم وهم الوزراء، ومن ~~يراقب تصرف العمال في الأمصار وهو صاحب ديوان البريد، ومن يتولى ختم الرسائل وتقييدها ~~وهم أصحاب ديوان التوقيع أو الخاتم، ومن يتولى النظر في ضياعهم وأملاكهم وهم عمال ديوان ~~الضياع، ومن ينظر في حسابات حاشيتهم وخدامهم وهم عمال ديوان الخاص، واقتضت حضارتهم أن ~~يضربوا النقود ويتخذوا الطراز، فأنشأوا دار الضرب وديوان الطراز، ودواوين أخرى بعضها ~~لعرض الرسائل وبعضها لغير ذلك، مثل ديوان الترتيب وديوان العزيز، وهذا ما كان يشبه ~~الباب العالي. # وكان الكاتب في عهد الخلفاء الراشدين هو الذي يتولى الديوان على ما وضعه عمر، فيدون ~~ما يرد من أموال الخراج والجزية وغيرهما، وما ينفق على الجند والعمال والقضاة وغيرهم، ~~ويتولى مكاتبة العمال، فلما اتسعت أعمال الدولة تشعب ذلك الديوان إلى ما يختص بحسابات ~~الخراج والجزية وهو ديوان الخراج، وإلى ما يختص بالنفقة على الجند وغيرهم وهو ديوان ~~الزمام والنفقة، وإلى ما يتعلق بغير ذلك مثل ديوان الإقطاع وديوان المعادن، وإلى ما ~~يختص بتدوين أسماء الجند وطبقاتهم ورواتبهم وهو ديوان الجند، وتفرع من ديوان الجند ~~ديوان الأساطيل وديوان الثغور وغيرهما، وأفردوا لمراسلات العمال وغيرهم ديوانا خاصا ~~هو ديوان الرسائل أو الإنشاء. # وكان بيت المال مخزنا عاما لكل أموال المسلمين، فتفرع في أيام الأمويين والعباسيين ~~إلى عدة فروع، بعضها لأموال الصدقات، وبعضها لأموال المظالم، وبعضها لأموال الورثة، ~~وبعضها لغير ذلك، وعلى هذا النمط تشعبت المناصب الأخرى، فتفرع من القضاء ديوان المظالم ~~والحسبة والشرطة ونحو ذلك مما لا يمكن حصره. # وشأننا في هذا المقام النظر في نشأة الدواوين الأساسية وتاريخها وسائر أحوالها، ولا ~~ينجلي ذلك إلا إذا نظرنا في أصولها وكيف تكونت وتفرعت، والأحوال التي دعت إلى ذلك، ~~فنبدأ بالخلافة وتوابعها وملحقاتها ، فولاية الإقليم، فالوزارة، ثم نفرد لكل من الجند ms0090 ~~والمال وغيرهما بابا خاصا. # | الخلافة # (1) ماهيتها # الخلافة ضرب من الملك خاص بالإسلام لم يكن في سواه من قبل، وهي من قبيل السلطة ~~الملكية المطلقة، ولكنها تمتاز عن سلطة القياصرة والإمبراطورين والأكاسرة بأن الخلافة ~~تشمل السلطتين الدينية والدنيوية، فتحمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم ~~الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، وأما تلك فتنحصر في حمل الكافة على مقتضى النظر ~~العقلي في جلب المصالح الدنيوية. # وقد يظهر الفرق بين السلطتين كبيرا ومرجعهما إلى مبدأ واحد، لأن الذي يتأتى له أن ~~يتولى أمور الناس ويحكم فيهم حكما مطلقا، إما أن يسير بهم على قانون مفروض، أو على ~~مقتضى ميوله وأغراضه، وأكثر حكام العالم المتمدن يحكمون بقوانين سياسية وضعها عقلاء ~~الأمة وأكابر الدولة، يطيعها الناس ويجرون على أحكامها، كذلك كان الفرس والروم قبل ~~الإسلام، وكان هذا شأن الملوك المطلقين في أوربا إلى عهد قريب، بل كذلك شأن ~~الديموقراطيات التي يتولى الحكم فيها ملك يرث العرش عن آبائه، أو رئيس جمهورية ينتخبه ~~الشعب وفق قواعد مقررة في الدستور، ويقوم بالحكم في حدود يعينها الدستور أيضا. # وأما الخلافة فإنها مقيدة بقوانين دينية شرعية ~~يسوس الخليفة بها أمته ويحمل الناس على أحكامها بالنيابة عن النبي صاحب تلك الشريعة، ~~ومن هذا القبيل اشتمال الخلافة على الإمامة، وقد سموا الخليفة إماما، تشبيها بإمام ~~الصلاة في اتباعه والاقتداء به. ~~(2) شروط الخلافة # للخلافة أربعة شروط يشترط توفرها في الخليفة، وهي: العلم، والعدالة، والكفاية، وسلامة ~~الحواس، واختلفوا في شرط خامس هو النسب القرشي أي أن لا يقوم خليفة إلا من قبيلة قريش، ~~فامتنع حينئذ أن يتولى أمور المسلمين أعجمي باسم الخليفة، وأصل هذا الشرط حديث، احتجت ~~به قريش لما طلب الأنصار الخلافة لهم كما تقدم في الكلام على بيعة أبي بكر، وكان هذا ~~الشرط مرعيا كل الرعاية في سائر أحوال الدولة الإسلامية، والخلافة لم يتطلبها غير ~~القرشيين قط، ومع كل ما انتاب الخلفاء في أواخر الدولة العباسية من الضعف واستبداد ~~الأمراء فيهم حتى جردوهم من كل قوة دنيوية وأنشأوا الدول دونهم ولقبوا ms0091 أنفسهم ~~بالسلاطين، رغم ذلك كله لم يخطر لأحد منهم أن يدعي الخلافة أو أن ينصب نفسه ~~خليفة. # هذه دول بني بويه والسلاجقة والغزنوية والطاهرية والأيوبية وغيرهم، قد استقلوا في ~~الأحكام، وفيهم من غلب على الخلفاء، ولكنهم لم يسموا أنفسهم إلا سلاطين، بل كانوا ~~يتزلقون إلى الخلفاء، ليثبتوهم في الحكم وكذلك فعل صلاح الدين الأيوبي في مصر، فإنه ~~تناول أزمة الملك في مصر من آخر خليفة فاطمي - وليس من يطالبه أو ينافسه على السلطة ~~وبيده مقاليد البلاد - فلما أراد الاستقلال بالملك دعا على المنابر للخليفة العباسي، ~~ولم يسم نفسه خليفة بل اكتفى بلقب السلطان، وأول من تولى الخلافة الإسلامية من غير قريش ~~السلطان سليم الفاتح العثماني سنة 923ه، وحجة الأئمة الحنفية في صحة خلافة بني عثمان أن ~~الخليفة يتولى الخلافة بخمسة حقوق وهي: # حقوق الخليفة عند الحنفية ~~(1) # حق السيف: # ومعنى ذلك أن طالب الخلافة ~~يجب أن يقوم بدعوته أنصار لا يقوى عليهم مناظر آخر على وجه الأرض، وقد كان ~~ذلك شأن السلطان سليم يوم التمس الخلافة بعد فتح مصر. ~~(2) # حق الانتخاب: # أي مصادقة أهل العقد، وهو ~~مجلس من الأئمة والعلماء، وحجتهم في ذلك أن هذا المجلس كان في أول عهد ~~الإسلام بالمدينة ثم نقل إلى دمشق، ثم إلى بغداد، ونقل من بغداد إلى ~~القاهرة، فيجوز أيضا نقله من القاهرة إلى القسطنطينية، فلما فتح السلطان ~~سليم مصر حمل معه جماعة من علماء الأزهر، وأضاف إليهم عدة من علماء ~~الأتراك، وألف من الفئتين مجلسا صادق على انتخابه وسلموه السيف، وكانت هذه ~~هي العادة الجارية في تقليد الخلفاء العثمانيين السيف من أيدي العلماء، ~~وكانوا يفعلون ذلك في جامع أيوب بضواحي الأستانة. ~~(3) # الوصاية: # وهي وصاية الخليفة لمن يخلفه ~~بعد موته، وقد أوصى المتوكل آخر الخلفاء العباسيين بمصر يوم فتحها الأتراك ~~للسلطان السليم بالخلافة. ~~(4) # حماية الحرمين: # فقد كان السلاطين ~~العثمانيون حماة الحرمين - إلا سبع سنوات تولاهما فيها أئمة صنعاء في القرن ~~العاشر، وسبع سنوات أخرى تولاهما فيها الوهابيون. ~~(5) # الاحتفاظ بالأمانات: # وهي المخلفات ~~النبوية المحفوظة في الآستانة، ms0092 وهم يقولون: إن الآثار النبوية سلمت من ~~اغتيال التتر في بغداد، فحملها الخلفاء العباسيون معهم في القاهرة، ما زالت ~~فيها حتى نقلها السلطان سليم إلى القسطنطينية، وهي محفوظة إلى الآن في ~~صندوق من الفضة في غرفة بالسراي القديمة «طوبقبيو» سيأتي ذكرها. # | مبايعة الخلفاء # (1) نوع المبايعة # لم تجر ولاية الخلافة على عهد الخلفاء الراشدين على نظام واحد، فقد كان المفروض أن ~~تكون انتخابية، ولهذا لم يوص رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بمن يخلفه، بل ترك الأمر في ذلك ~~للمسلمين، فاختاروا أبا بكر، ولم يشأ أبو بكر أن يدع الأمر للناس ليختاروا من يشاؤون، ~~فأوصى لعمر بن الخطاب، وعندما حضرت عمر الوفاة لم يدعها شورى خالصة، ولا انتخابية ~~خالصة، بل أوصى لستة نفر من كبار الصحابة ليجتمعوا ويختاروا الخليفة من بينهم، وسمى ~~ابنه عبد الله في جملتهم ولكنه نهى عن انتخابه، فاختاروا عثمان بن عفان، فلما قتل دون ~~أن يوصي اختار الناس عليا بلا شورى، فشق ذلك على كثيرين من كبار الصحابة، لأنهم كانوا ~~وقت مقتل عثمان متفرقين في الأمصار لم يشهدوا بيعة علي، فمنهم من بايع ومنهم من توقف ~~حتى يجتمع الناس، ثم كان ما كان من أمر الفتنة المشهورة. # فلما قتل علي أرادت شيعته حصر الخلافة في نسله، باعتبار أنهم بضعة من النبي، فسألوه ~~وهو على فراش الموت «أنبايع الحسن؟» فقال: «لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر»، أما هم ~~فبايعوا ابنه الحسن، وهذا تنازل عنها لمعاوية بن أبي سفيان، فصارت في بني أمية. # فطريقة الخلفاء الراشدين في انتخاب الخلفاء من أفضل ما بلغ إليه جهد المتمدنين حتى ~~الآن، وهي جامعة بين الجمهورية والملكية والشورى، أما الجمهورية فلأن الخليفة كان ينتخب ~~من جمهور القرشيين بلا حصر ولا تعيين، وهي شورية، لأن الانتخاب يكون بالشورى، وهي ~~مطلقة، لأن الخليفة إذا قبض على أزمة الملك كان مطلق التصرف، فإذا أضفت إلى ذلك شروطها ~~الأربعة التي ذكرناها كانت أفضل أنواع الحكومات على الإطلاق، لأن الحاكم المطلق إذا كان ~~عادلا مع علم وكفاية وسلامة ms0093 الحواس لم يكن أقدر منه على النهوض بأعباء المملكة وتوسيع ~~نطاقها والتوفيق بين رعاياه، هذا إلى جانب ما في طريقتهم هذه من أدلة التقوى والزهد في ~~الدنيا، كما يتضح ذلك من مراجعة سير الخلفاء الراشدين. # فلما أفضى الأمر إلى بني أمية واختلطوا بالروم في الشام، واطلعوا على طرق الحكومات ~~عندهم، وفي جملتها توالي الملك في الأعقاب، رأى معاوية أن يجعله كذلك في نسله، ولكنه ~~تهيب، لعلمه بما فيه من مخالفة في سنة الراشدين، فاستشار بعض خاصته، فشجعه المغيرة بن ~~شعبة. # وقد زاده إقداما ما خافه من افتراق الكلمة إذا ترك الأمر بعده فوضى فيتطلبه بنو ~~هاشم، ولا يرضى بنو أمية تسليمه إلى سواهم، فيؤول ذلك إلى الفتنة بعد ذهاب دهشة النبوة، ~~وتغلب طبيعة الملك ورجوع الناس إلى العصبية، فتجنبا للفتنة بايع ابنه يزيد، وخوفا من ~~الافتنان عليه بعد موت معاوية طلب له البيعة في حياته، وتربص ليرى ما يبدو من الناس فلم ~~ير شرا، وجرى على ذلك خلفاؤه بعده - إلا عمر بن عبد العزيز - فإنه أراد الرجوع إلى ~~طريقة الخلفاء الراشدين، ولكنه لم يوفق إلى ذلك، لتغلب العامة عليه، فلم تطل مدته، ~~فعادوا إلى طريقة معاوية. # وأراد مثل ذلك أيضا المأمون في الدولة العباسية، فعهد إلى علي بن موسى بن جعفر ~~الصادق من نسل الإمام علي وسماه «الرضا»، فعظم ذلك على بني العباس ونقضوا بيعة المأمون ~~وبايعوا عمه إبراهيم بن المهدي، ولو لم يبادر المأمون إلى ملافاة الأمر لخرجت الخلافة ~~من يده، فعاد إلى الخلافة بالإرث، وجرى عليها العباسيون والفاطميون وغيرهم من خلفاء ~~المسلمين. ~~(2) البيعة # البيعة هي العهد على الطاعة، فإذا بايع الرجل أميرا كأنه عاهده وسلم إليه النظر في ~~أمر نفسه لا ينازعه في شيء من ذلك، وإنه يطيعه فيما كلفه به من الأمر على المنشط ~~والمكره، وكان العرب إذا بايعوا أميرا جعلوا أيديهم في يده، تأكيدا للعهد بما يشبه ~~فعل البائع والمشتري، فسمي «بيعة» مصدر «باع»، وصارت البيعة مصافحة الأيدي، وهو مدلولها ~~بعرف اللغة أيضا، وأقدم بيعة في ms0094 الإسلام بيعة العقبة، ومنها أيمان البيعة التي كان ~~الخلفاء يستحلفونها على العهد ويستوعبون الأيمان كلها. # وكانت العادة إذا هموا بمبايعة خليفة بايعه أولا كبار الدولة، ثم من يليهم من أصحاب ~~المناصب، وفي الدولة العباسية كان أول من يبايع الخليفة الجند والقواد وقضاة بغداد، ~~وكان كاتب الجيش هو الذي يتولى استحلافهم على الغالب، ويدعوهم بأسمائهم، ويقف الوزير أو ~~من يقوم مقامه فيعمم الخليفة بيده ويلبسه البردة، ومتى تمت المبايعة يعرضون على الخليفة ~~ألقابا فيختار لقبا منها، وهذه الألقاب حادثة في الإسلام، وكانت في أوائل الدولة ~~العباسية بسيطة، كالأمين والمأمون والرشيد، فلما كانت أيام المعتصم أضاف اسم الجلالة ~~إلى لقبه فسموه «المعتصم بالله»، وصارت تلك عادة في من خلفه من بني العباس. # فإذا بويع في داره جاؤوه بموكب الخلافة، وهي أفراس مسرجة ولكل دابة سائس بالألبسة ~~الفاخرة، فيركب الخليفة وحوله الفرسان من كبار الدولة، ويمشي بين يديه رجل بالحربة، ~~ويصف الجنود في الطريق صفين يسير الموكب بينهما إلى دار الخليفة، وهي دار العامة في ~~بغداد، ثم ترد عليه وفود المهنئين من الأمصار على مقتضى الأحوال. ~~(3) يمين البيعة # يختلف نص يمين البيعة باختلاف الدول والأحوال، وإن كان مرجعها واحدا، فلما بايع ~~الأنصار النبي بالعقبة قالوا «يا رسول الله، إنا برآء من ذمامك حتى تصير إلى دارنا، ~~فإذا وصلت فإنك في ذمامنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا». وهناك نص آخر ~~تمت به البيعة بالعقبة يعرف ببيعة النساء، وهي «بايعنا على أن لا نشرك بالله شيئا ولا ~~نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا ~~نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن خشيتم من ذلك شيئا، فأمركم إلى الله - عز ~~وجل - إن شاء عذب، وإن شاء غفر». # ويمين بيعة بني العباس منذ طلبها لهم أبو مسلم الخراساني هي: # أبايعكم على كتاب الله وسنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # والطاعة للرضا من أهل بيت ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عليكم بذلك عهد الله وميثاقه ms0095 والطلاق والعتاق والمشي إلى ~~بيت الله الحرام على أن لا تسألوا رزقا ولا طعما حتى يبتدئكم به ~~ولاتكم. # وقد اختلفوا في نص يمين البيعة وفي كيفية الاحتفال بالمبايعة باختلاف الدول، ولكن ~~الجوهر واحد، وهو تبادل العهود بين الخليفة ورعيته بالسير على ما يقتضيه الكتاب والسنة ~~ونحو ذلك، وكان شأنهم في المبايعة الاختصار كما تكون الدول في أبسط أحوالها، وكانت ~~البيعة تتلى شفاها ثم صارت تكتب وتحفظ، وكانت كلمات قليلة فصارت سطورا عديدة بما ~~أدخلوه فيها من الحشو والإطناب، لما اقتضاه استغراق القوم في الترف من الميل إلى ~~التفخيم والتبجيل والتطويل، شأن الدول في أيام بذخها. # وقد تغيرت صورتها، فبعد أن كان الرجل يخاطب الخليفة بالبيعة، أصبح أحد الوزراء ممن ~~يأخذون البيعة للخلفاء يخاطبون المبايع ويشترطون عليه الشروط، كما فعل أبو مسلم، وهذا ~~نص بيعة الخلفاء العباسيين في أواسط دولتهم، وفي نشرها ما يغني عن الإسهاب: # نبايع عبد الله الإمام أمير المؤمنين بيعة طوع وإيثار، ورضا واختيار، واعتقاد ~~وإضمار، وإعلان وإسرار، وإخلاص من طويتك، وصدق من نيتك، وانشراح من صدرك، وصحة ~~من عزيمتك، طائعا غير مكره، ومنقادا غير مجبر، مقرا بفضلها، مذعنا بحقها، ~~ومعترفا ببركتها، ومعتدا بحسن عائدتها، وعالما بما فيها، وفي توكيدها من ~~صلاح الكافة، واجتماع كلمة العامة والخاصة، ولم الشعث وأمن العواقب، وسكون ~~الدهماء، وعز الأولياء، وقمع الأعداء - على أن فلانا عبد الله وخليفته، ~~المفترض عليك طاعته، الواجب على الأمة إمامته وولايته، اللازم لهم القيام بحقه، ~~والوفاء بعهده، لا تشك فيه، ولا ترتاب به، ولا تداهن بأمره ولا تميل. وإنك ولي ~~أوليائه، وعدو أعدائه من خاص وعام، وقريب وبعيد، وحاضر وغائب، متمسك في بيعته ~~بوفاء العهود وذمة العقد، سريرتك مثل علانيتك، وضميرك فيه وفق ظاهرك، على أن ~~إعطاءك هذه البيعة من نفسك، وتوكيدك إياها في عنقك لفلان أمير المؤمنين عن ~~سلامة من قلبك، واستقامة من عزمك، واستمرار من هواك ورأيك، في أن لا تتأول عليه ~~فيها، ولا تسعى في نقض شيء منها ، ولا تقعد عن نصره في الرخاء والشدة، ms0096 ولا تدع ~~النصح له في كل حال راهنة أو حادثة، حتى تلقى الله موفيا بها، مؤديا للأمانة ~~فيها، إذ كان الذين يبايعون ولاة الأمر خلفاء الله في الأرض إنما يبايعون الله، ~~ويد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، عليك بهذه البيعة التي طوقت ~~بها عنقك، وبسطت لها يدك، وأعطيت فيها صفقتك، وما شرط عليك فيها من وفاء ~~وموالاة ونصح ومشايعة وطاعة وموافقة واجتهاد ومبالغة، عهد الله إن عهده كان ~~مسؤولا، وما أخذ الله على أنبيائه ورسله - عليهم السلام - ~~وعلى من أخذ من عباده من مؤكدات مواثيقه ~~ومحكمات عهوده، وعلى أن تتمسك بها فلا تبدل، وتستقيم فلا تميل، وإن نكثت هذه ~~البيعة، ومتى بدلت شرطا من شروطها، أو عفيت رسما من رسومها، أو غيرت حكما من ~~أحكامها، معلنا أو مسرا أو محتالا أو متأولا، أو زغت عن السبيل التي ~~يسلكها من لا يحقر الإمامة، ويستحل الغدر والخيانة، ولا يستجيز حل العقود وختل ~~العهود، فكل ما تملكه من عين أو ورق أو آنية أو عقار أو سائمة أو زرع، أو غير ~~ذلك من صنوف الأملاك والأموال المدخرة، صدقة على المساكين يحرم عليك أن ترجع ~~شيئا من ذلك إلى مالك بحيلة من الحيل، على وجه من الوجوه وسبب من الأسباب، أو ~~مخرج من مخارج الإيمان، وكل ما تستفيده في بقية عمرك من مال يقل خطره أو يجل ~~فصدقة في سبيل الله، إلى أن تتوفاك منيتك ويأتيك أجلك، وكل مملوك لك اليوم من ~~ذكر أو أنثى وتملكه إلى آخر أيامك أحرار سائبون لوجه الله، ونساؤك يوم يلزمك ~~الحنث ومن تتزوج بعده في مدة بقائك طوالق ثلاثا طلاق الحرج والسنة لا مبتوتة ~~ولا رجعة، وعليك المشي إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجة حافيا راجلا لا يرضى ~~الله منك إلا بالوفاء بها، ولا يقبل الله لك صرفا ولا عدلا، وخذلك يوم تحتاج ~~إليه وبرأك من حوله وقوته وألجأك إلى حولك وقوتك، والله - عز وجل - بذلك شهيد ~~وكفى بالله شهيدا. # 1 # وبلغت المبايعة التي ms0097 كتبت للحاكم بأمر الله العباسي في أواسط القرن الثامن للهجرة ~~بمصر ما يملأ أربع صفحات من هذا الكتاب، ونشر السيوطي في حسن المحاضرة مبايعة أحد ~~الخلفاء العباسيين بمصر في سبع صفحات كبار. # 2 ~~(4) بيعة ولي العهد # ذكرنا في كلامنا على الخلافة بعد أن صارت وراثية أن الخلفاء كانوا يبايعون لأولادهم ~~بولاية العهد أو لغيرهم من ذوي قرابتهم، وكانوا يحتفلون بذلك مثل احتفالهم بمبايعة ~~الخلفاء، وكثيرا ما كانوا يعرضون عزمهم في ذلك على أهل الرأي، كما فعل المنصور لما ~~أراد البيعة لابنه المهدي، وكان جعفر يعترض عليه في ذلك فأمر المنصور بإحضار الناس، ~~وقامت الخطباء فتكلموا وقامت الشعراء فأكثرت في وصف المهدي فرجحت بذلك بيعة ~~المهدي. # وكانوا إذا رأوا غير واحد من أولادهم أو إخوتهم أهلا للخلافة بايعوا لأحدهم وشرطوا ~~أن يخلفه فلان أو فلان، كما فعل يزيد بن عبد الملك لما أراد أن يبايع بولاية العهد، ~~وكان ابنه لا يزال صغيرا فبايع أخاه هشاما على أن يخلفه ابنه الوليد بن يزيد، وكثيرا ~~ما كانوا يغيرون في شروط المبايعة بعد حين إذا رأوا لزوما لذلك، وقد يبايع الخليفة ~~بولاية العهد لأحد أولاده ويذكر من يخلفه ويخيره في استخلافه، كما فعل الرشيد لما كتب ~~بولاية العهد لابنه المأمون ومن بعده للقاسم وجعل أمره للمأمون إن شاء أقره وإن شاء ~~خلعه. # والعهد كتاب يكتبه الخليفة أو من يكتب له، ويختمه بخاتمه وخواتم أهل بيته، ويدفعه إلى ~~ولي العهد أو من يتولى أمره فيحفظه إلى حين الحاجة، وقد يحفظه في مكان أمين في خزانة أو ~~مسجد أو في الكعبة، كما فعل الرشيد بالكتابين اللذين كتبهما لأولاده بولاية العهد، ~~أحدهما للأمين والآخر للمأمون وبعد هذا للقاسم. # ويدعى لولي العهد على المنابر بعد الدعاء للخليفة، فيقولون بعد الدعاء للخليفة «اللهم ~~وبلغه الأمل في ولده فلان ولي عهده في المسلمين، اللهم وال من والاه من العباد وعاد ~~من عاداه في الأقطار والبلاد، وانصر من نصره بالحق والسداد، واخذل من خذله بالغي ~~والعناد ، اللهم ثبت دولته وشعاره، وانبذ ms0098 من نابذ الحق وأنصاره». # | علامات الخلافة # علامات الخلافة ثلاث: البردة، والخاتم، والقضيب. ~~(1) البردة # أما البردة فهي بردة النبي، وما زال النبي يلبسها حتى أعطاها إلى كعب بن زهير بن أبي ~~سلمى الشاعر المشهور، وكان كعب قد هجا النبي وفر من وجه المسلمين، فلما فتح المسلمون ~~مكة كتب له أخوه بجير بن زهير: «أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ~~ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش قد هربوا في كل وجه، فإن كانت في نفسك حاجة فطر إلى ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا»، فلم ير كعب مفرجا إلا رجوعه ~~وتوبته، فجاء المدينة وسلم نفسه إلى النبي ومدحه بقصيدته المشهورة التي مطلعها: «بانت ~~سعاد فقلبي اليوم متبول». # فأكرمه النبي، وأراد بعض الصحابة قتله فمنعهم، وبالغ في إكرامه فخلع عليه بردته، فظلت ~~البردة عند أهل كعب حتى اشتراها منهم معاوية بن أبي سفيان في أثناء خلافته بأربعين ألف ~~درهم «1600 جنيه» وتوارثها الخلفاء الأمويون والعباسيون، وذكر أبو الفداء أنها انتقلت ~~من العباسيين إلى التتر، لكنها الآن في جملة المخلفات النبوية في السراي القديمة في ~~الأستانة، ولعل أبا الفداء وهم بما علمه من غزو التتر بغداد وفرار العباسيين إلى مصر، ~~فظن البردة كانت في جملة ما انتهبوه من قصر الخليفة، والظاهر أن العباسييون حملوا ~~البردة معهم إلى مصر فأخذها السلطان سليم مع الخلافة. ~~(2) الخاتم # وأما الخاتم فقد اتخذه الخلفاء تشبها بالنبي، لأنه لما أراد أن يكتب إلى قيصر وكسرى ~~يدعوهما إلى الإسلام قيل له إن العجم لا يقبلون كتابا إلا أن يكون مختوما. فاتخذ ~~خاتما من فضة ونقش عليه «محمد رسول الله»، وانتقل هذا الخاتم إلى أبي بكر، ثم إلى عمر، ~~ثم إلى عثمان، ووقع من يد عثمان في بئر أريس ولم يعثروا عليه بعد ذلك، فاصطنع عثمان ~~خاتما مثله، وكان كل من ولي الخلافة بعده يصطنع له خاتما يختمون به الكتب في أسفل ~~الكتابة وفي أعلاها بالطين أو المداد، ms0099 ثم صاروا يختمون به الرسائل بالشمع بعد طيها، ~~وأول من فعل ذلك معاوية، تجنبا للتزوير، لأنه كتب مرة إلى زياد بن أبيه عامله بالكوفة ~~أن يدفع لعمر بن الزبير مائة ألف درهم وسلم الكتاب إلى عمر ليحمله إلى زياد، فجعل عمر ~~المائة مائتين فدفعهما زياد له، ولما رفع حسابه إلى معاوية بان التزوير، فأمر من ذلك ~~الحين بحزم الكتب وختمها على طرفيها بعد طيها أو لفها. # وذكر البلاذري أن زيادا أول من اتخذ من العرب ديوان زمام وخاتم في أثناء ولاية ~~العراق، امتثالا لما كانت الفرس تفعله، وإنه كان لملوك الفرس قبل الإسلام عدة خواتم ~~يستخدم كل منها لغرض: خاتم للسر، وخاتم للرسل، وخاتم للسجلات والإقطاعات، وخاتم للخراج، ~~وكان الذي يتولاها يسمى صاحب الزمام. # وما زال ديوان الخاتم معدودا من الدواوين الكبرى ~~من أيام معاوية إلى أواسط دولة بني العباس فأسقط، لأن مباشرة الأعمال تحولت إلى الأمراء ~~والوزراء والسلاطين وغيرهم، ولما أراد الرشيد أن يستوزر جعفر بن يحيى بدل الفضل أخيه ~~قال لأبيهما يحيى: «يا أبت إني أردت أن أحول الخاتم من يميني إلى شمالي» فكني بالخاتم ~~عن الوزارة. # وكان لخاتم الخلفاء عندهم مقام عظيم، إذا تناوله الوزير أو غيره ليختم به كتابا وقف ~~على رجليه تعظيما للخلافة، وكانوا إذا ختموا كتابا دافوا الطين أو المداد وطبعوه على ~~صفح القرطاس أو على جسم لين كالشمع حتى ترتسم صورة الختم عليه، وقد يكون ذلك في آخر ~~الكتاب أو في أوله بكلمات منتظمة من تحميد أو تسبيح أو اسم الخليفة أو شيء يعنونه، ~~ويكون ذلك إشارة إلى صحة ذلك الكتاب ويكون الكتاب بدونه ملغيا، ويسمون الختم أيضا ~~علامة. # ولما نشأت السلطنات جعل السلاطين علامة السلطنة مثل علامة الخلافة، وسموها الطغراء، ~~وهي نقشة تكتب بقلم غليظ وفيها ألقاب الملك، وكانت تقوم عندهم مقام خط السلطان بيده على ~~المناشير والكتب ويستغنى فيها عن علامة السلطان بيده، وكانت الدولة السلجوقية تسمي ~~ديوان الإنشاء ديوان الطغراء. # والطغراء سمي بها الحسين أبو إسماعيل الطغرائي صاحب لامية العجم ms0100 المشهورة، كان وزيرا ~~للسلطان مسعود السلجوقي وكان خطه جميلا ويكتب تلك الطغراء بخط جميل فلقبوه بها، ويقال: ~~إنه أول من كتبها (قتل 51ه). # ولم يكن الخلفاء ينقشون على خواتمهم أسماءهم، ولكنهم كانوا ينقشون عليها عبارات فيها ~~مواعظ وحكم، فقد كان نقش خاتم أبي بكر «نعم القادر الله» وخاتم عمر «كفى بالموت واعظا ~~يا عمر» وخاتم عثمان «لتصبرن أو لتندمن» وخاتم علي «الملك لله»، وجرى على نحو ذلك خلفاء ~~بني أمية وبني العباس، ولكل منهم فقرة خاصة نقشها على خاتمه، والغالب أن يكون بينها ~~وبين اسمه مناسبة معنوية، فقد كان نقش خاتم المأمون «عبد الله يؤمن بالله مخلصا»، وختم ~~الواثق «الله ثقة الواثق»، وختم المتوكل «على الله توكلت»، والمعتمد «اعتمادي على الله ~~وهو حسبي»، وقس على ذلك. # وكانوا يعبرون عن علامات الخلافة أيام الخلافة العثمانية بالمخلفات النبوية، وكانت ~~محفوظة في الأستانة في صندوق من الفضة في غرفة بقصر طوب قبو، وهي: البردة، وسن من أسنان ~~النبي، وشعرات من شعره، ونعاله، وبقية من العلم النبوي، وإناءان من حديد يقال: إن ~~إبراهيم الخليل كان يشرب بهما من بئر زمزم، وجبة الإمام أبي حنيفة، وذراع سيدنا يحيى، ~~ويحتفلون بزيارة هذه المخلفات في 15 رمضان من كل سنة، فيخرج السلطان بموكبه إلى السراي ~~المذكورة، فيؤدي فروض الزيارة والتبرك بها ومعه كبار رجال الدولة، وقد وصفنا هذه الغرفة ~~في السنة الثامنة عشرة من الهلال ورسمها في الصفحة المقابلة. # أما القضيب فهو ثالث علامات الخلافة، وإذا تولى الخليفة جاؤوه بالبردة والخاتم ~~والقضيب، وظل الأمر على ذلك في بني أمية وبني العباس. # | شارات الخلافة # وشارات الخلافة أيضا ثلاث: الخطبة، والسكة، والطراز. ~~(1) الخطبة # هي الدعاء للخلفاء على المنابر في الصلاة، وأصلها أن الخلفاء كانوا يتولون إمامة ~~الصلاة بأنفسهم فكانوا يختمون فروض الصلاة بالدعاء للنبي والرضا عن الصحابة، فلما فتحوا ~~البلاد وبعثوا إليها العمال، صار الولاة يتولون إمامة الصلاة في ولايتهم، فكانوا إذا ~~صلوا ختموا الصلاة بالدعاء للخلفاء، وأول من فعل ذلك منهم عبد الله بن عباس لما تولى ~~البصرة ms0101 على عهد الإمام علي، فإنه وقف على منبر البصرة وقال: «اللهم انصر عليا على الحق» # 1 # واتصل العمل على ذلك فيما بعد، وصار الدعاء للخليفة في بلاده علامة سلطانه ~~عليها، ولما ضعف شأن الخلفاء في بغداد كان المتغلبون من السلاطين أو الأمراء يشاركون ~~الخلفاء بذلك فيذكرون أسماءهم بعدهم، ثم صار السلاطين يستقلون في الدعاء لأنفسهم، ولا ~~يزال الدعاء على المنابر لأولي الأمر إلى اليوم. ~~(2) السكة والنقود # ومن شارات الخلافة - أو هي شارات الملك على الإطلاق - الختم على النقود بطابع من حديد ~~ينقش فيه اسم الخليفة أو السلطان ويقال لها السكة، وهي لازمة للدولة وإليك خلاصة ~~تاريخها. ~~(2-1) نقود العرب قبل الإسلام # كان العرب قبل الإسلام يتعاملون بنقود كسرى وقيصر، وهي الدراهم والدنانير، وكانت ~~الدنانير على الإجمال نقودا ذهبية، والدراهم نقودا فضية بما يقابل الجنيه والريال ~~عندنا، وكانوا يعبرون عن الذهب بالعين، وعن الفضة بالورق، وكان عندهم أيضا نقود ~~نحاسية، منها الحبة والدانق، ومرجع قيمة هذه النقود إلى الوزن، لأن المراد بالدينار ~~قطعة من الذهب وزنها مثقال عليه نقش الملك أو السلطان الذي ضربه، والمراد بالدرهم ~~وزن درهم من الفضة، ويسمونه الوافي، ويقدرون الدينار اليوم بثمانية وأربعين قرشا ~~مصريا، وكان الدينار عندهم عشرة دراهم، وربما اختلفت قيمته إلى 13 أو 15 درهما ~~أو أكثر، على حسب الأحوال، فكان الدرهم يقابل أربعة قروش ونصف في المتوسط. # الدراهم # وقد ذكر صاحب الأحكام السلطانية أن الدراهم الفارسية كانت ثلاثة أوزان منها ~~درهم على وزن المثقال عشرون قيراطا وهي الدراهم البغلية، ودرهم وزنه اثنا عشر ~~قيراطا، ودرهم وزنه عشرة قراريط، وذكر غيره دراهم وزن الواحد منها ستة مثاقيل ~~ويسمونها الدراهم السمرية الثقال، ودراهم وزنها خمسة مثاقيل وهي السمرية ~~الخفاف، وكلها فارسية. # الدنانير # وكانت الدنانير عند العرب قبيل الإسلام صنفين: دنانير هرقلية أو رومية ~~ودنانير كسروية أو فارسية، وكذلك كانت الدراهم، ولكن الغالب أن تكون معاملتهم ~~بالدنانير الرومية والدراهم الفارسية، ولذلك كانت الهرقلية أعز عندهم وأرغب، ~~حتى ضربوا المثل بجمالها وزهوها. # الدينار الرومي. # والدينار لفظ لاتيني، ms0102 والأصل فيه الدلالة على قطعة من الفضة تساوي عشرة آسات، ~~والآس درهم من دراهم الروم، والدينار ضرب أولا لهذه الغاية، وهو مشتق عندهم من # Deni # أي عشرة، وكان وزنه سبع الأوقية ~~الرومانية أو جزء من مائة من الرطل «الليبرة»، أي أنهم كانوا يقسمون الليبرة من ~~الفضة إلى مائة دينار، ثم ضربوه مع الذهب، فصار عندهم ديناران: الواحد من ~~الفضة، والآخر من الذهب، وعنهم أخذ الفرس فضربوا نقودا مثلها وسموها ~~باسمها. # الدينار الفارسي. ~~(2-2) النقود الإسلامية # وما زال العرب يتعاملون بالنقود الرومية ~~والفارسية، حتى ظهر الإسلام وافتتحوا البلاد وأسسوا الدولة الإسلامية فعمدوا إلى ~~إنشاء تمدنهم، فكان في جملة عوامله السكة، فضربوا الدراهم والدنانير أولا مشتركة ~~بينهم وبين الروم والفرس، منها قطعة ضربها خالد بن الوليد في طبرية في السنة ~~الخامسة عشرة للهجرة، وهي على رسم الدنانير الرومية تماما بالصليب والتاج ~~والصولجان ونحو ذلك، وعلى أحد وجهيها اسم خالد بالأحرف اليونانية # Xaved # وهذه الأحرف ~~(Bou) ~~، ويظن الدكتور مولر المؤرخ الألماني ناقل ~~هذا الاسم أنها مقتطعة من «أبو سليمان» كتبه خالد بن الوليد. # نقود خالد بن الوليد. # وهناك قطعة أخرى ضربت باسم معاوية، ولكنها على مثال دينار من دنانير الفرس برسمه ~~وشكله إلا اسم معاوية عليه، وقد نقلنا رسمه عن الدكتور مولر المشار إليه ~~أيضا. # نقود معاوية بن أبي سفيان. # وذكر الدميري في كتاب «حياة الحيوان» ضربا من النقود يقال لها البغلية، قال إن ~~«رأس البغل» ضربها لعمر بن الخطاب بسكة كسروية عليها صورة الملك وتحت الكرسي مكتوب ~~بالفارسية «نوش خور» أي: كل هنيئا. # وذكر المرحوم جودت (باشا) أنه رأى نقودا ضربها الأمراء والولاة في عهد الخلفاء ~~الراشدين، أقدمها ضرب سنة 28ه في قصبة هرتك طبرستان، وعلى دائرها بالخط الكوفي «بسم ~~الله ربي»، ورأى نقدا مضروبا سنة 38ه على دائرته هذه العبارة أيضا، ونقدا ضرب ~~سنة 61ه في يزد على دائرته «عبد الله بن الزبير أمير المؤمنين» بخط بهلوي، وقال المقريزي: # وأول من ضرب المعاملة في الإسلام عمر بن الخطاب في سنة ثماني ms0103 عشرة من ~~الهجرة على نقش الكسروية وزاد فيها «الحمد لله محمد رسول الله»، وفي بعضها ~~«لا إله إلا هو» وعلى جزء منها اسمه «عمر»، وعبد الله بن الزبير ضرب بمكة ~~دراهم مستديرة، وهو أول من ضرب هذه الدراهم ونقش بدائرها «عبد الله» وبأحد ~~الوجهين «محمد رسول الله» وبالآخر «أمر الله بالوفاء والعدل». ~~(2-3) عبد الملك والنقود # على أن هذه المسكوكات لم تكن تعتبر رسمية في ~~الدول الإسلامية، بل كانت أكثر معاملاتهم بالنقود الرومية والفارسية، فاتفق في أيام ~~عبد الملك بن مروان «سنة 65-86ه» أن هذا الخليفة أراد تغيير الطراز من الرومية إلى ~~العربية كما سيجيء، فشق ذلك على ملك الروم، فبعث إليه يهدده بأن ينقش على دنانيره ~~شتم النبي فعظم هذا الأمر على عبد الملك، فجمع إليه كبار المسلمين واستشارهم، فأشار ~~عليه أحدهم بمحمد الباقر أحد الأئمة الاثني عشر من الشيعة وكان يقيم في المدينة، ~~فلم يشأ عبد الملك أن يستنجد أحد أئمة بني هاشم - وهم مناظروه في الملك - لكنه لم ~~ير بدا من استقدامه فكتب إلى عامله في المدينة أن «أشخص إلي محمد بن علي بن ~~الحسين مكرما ومتعه بمائة ألف درهم لجهازه و30000 لنفقته، وأرح عليه في جهازه ~~وجهاز من يخرج من أصحابه»، فلما قدم محمد إلى دمشق استشاره عبد الملك فيما ينويه ~~ملك الروم في الإساءة بالإسلام، فقال محمد «لا يعظم هذا عليك، ادع هذه الساعة ~~صناعا فيضربون بين يديك سككا للدراهم والدنانير، وتجعل النقش عليها صورة التوحيد ~~وذكر رسول الله «ص» أحدهما في وجه الدرهم أو الدينار والآخر في الوجه الثاني، وتجعل ~~في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنة التي تضرب فيها تلك ~~الدراهم والدنانير، وتعمد إلى وزن ثلاثين درهما عددا - من الأصناف الثلاثة التي ~~العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، وعشرة منها وزن ستة مثاقيل، وعشرة منها وزن خمسة ~~مثاقيل، فتكون أوزانها جميعا واحدا وعشرين مثقالا - فتجزئها من الثلاثين فتصير ~~العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل، وتصب صنجات من قوارير لا تستحيل إلى ms0104 زيادة ولا ~~نقصان، فتضرب الدراهم على وزن عشرة مثاقيل، والدنانير على وزن سبعة مثاقيل». # ففعل ذلك عبد الملك، وبعث نقوده إلى جميع بلدان الإسلام، وتقدم إلى الناس في ~~التعامل بها، وهدد بقتل من يتعامل بغير هذه السكة من الدراهم والدنانير وغيرها، وأن ~~تبطل تلك وترد إلى مواضع العمل حتى تعاد إلى السكة الإسلامية. # هذا ما قاله الدميري، ولكن ابن الأثير ينسب هذا الرأي إلى خالد بن يزيد بن ~~معاوية، وغيره ينسبه إلى غيره، وتسمى دنانير عبد الملك الدنانير الدمشقية، وأمر ~~الحجاج عامله في العراق أن يضرب الدنانير على 15 قيراطا من قراريط الدنانير، ثم ~~صار أمراء العراق يضربون النقود لبني أمية في الأكثر. ~~(2-4) نقش النقود # ونقش نقود بني أمية على أحد الوجهين في الوسط «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» ~~وحول ذلك «بسم الله ضرب هذا الدرهم في بلد كذا سنة كذا» وفي الوجه الآخر بالوسط ~~«الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» وحولها «محمد رسول ~~الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون» وكانت هذه ~~الكتابة تنقش على الدينار والدرهم على السواء. # نقود عبد الملك بن مروان. # وأبطل المسلمون استخدام النقود الرومية والفارسية وغيرها من ذلك الحي، وأجود نقود ~~بني أمية الهبيرية التي ضربها لهم عمر بن هبيرة، والخالدية نسبة إلى خالد بن عبد ~~الله البجلي، واليوسفية التي ضربها يوسف بن عمر، وكلهم من عمال العراق لبني أمية، ~~فلما أفضت الخلافة لبني العباس لم يكن المنصور يقبل في الخراج من نقود بني أمية ~~سواها. # نقود إسلامية صقلية. # وللنقود الإسلامية تاريخ طويل لا محل له هنا، وفي كتابنا «تاريخ مصر الحديث» رسوم ~~أكثر النقود الإسلامية وأسماء ضاربيها، ولكننا نقول بالإجمال إن المسكوكات ~~الإسلامية ضربت في كل عواصم الإسلام وفي أشهر مدنها في العراق والشام والأندلس ~~وخراسان وصقلية والهند وغيرها، وهي تختلف رسما وسعة ونصا باختلاف الدول ~~والعصور. # وكانت الكتابة على النقود تنقش بالحرف الكوفي، ثم تحولت إلى ms0105 الحرف النسخي ~~الاعتيادي سنة 621ه في أيام العزيز محمد بن صلاح الدين الأيوبي بمصر. # نقود العزيز بن صلاح الدين. # ويظهر أنهم لم يكونوا يذكرون اسم البلد الذي ضربت النقود فيه إلى أوائل القرن ~~الثاني للهجرة، وكانوا إذا ذكروا تاريخ الضرب سبقوه بلفظ «الستة» ثم أبدلوها بلفظ ~~«عام»، وكثيرا ما كانوا يقولون شهور سنة كذا أو شهور عام كذا أو في أيام دولة ~~فلان، وكان يكتب التاريخ أولا بالحروف على حساب الجمل ثم كتب بالأرقام، وأقدم ما ~~عثروا عليه مؤرخا بالأرقام سنة 614ه. ~~(2-5) دار الضرب # وكانت دار الضرب ضرورية للدولة كما نراها ضرورية في هذه الأيام، إذ لا تخلو دولة ~~من دول الأرض المتمدنة من دار تضرب فيها النقود، وكان ذلك شأن الدول الإسلامية في ~~كل أدوارها، ولم تكن تخلو عاصمة أو قصبة من دار للضرب، في بغداد والقاهرة ودمشق ~~والبصرة وقرطبة وغيرها شيء كثير، وكان لدار الضرب ضريبة على ما يضرب فيها من النقود ~~يسمونها ثمن الحطب وأجرة الضراب، ومقدار ذلك درهم عن كل مائة درهم أي واحد في ~~المائة، وربما اختلفت هذه الضريبة باختلاف المدن، فكان للدولة من ذلك دخل ~~حسن. # وأما مقدار ما كان يضرب في الدولة من النقود فيختلف كثيرا، ويتعذر تقديره ~~لاختلاف أحوال السكة عندهم، فقد يمر على الدولة أعوام وهي تتعامل بنقود دولة أخرى ~~ولا دار للضرب عندها، أو ربما كانت تضرب نقودا في عاصمتها وتتعامل بنقود غيرها ~~أيضا مما لا يمكن ضبطه، ولكننا نأتي بما اتصل بنا من هذا القبيل على سبيل المثال، ~~فقد ورد في نفح الطيب للمقري أن دار السكة في الأندلس بلغ دخلها من ضرب الدراهم ~~والدنانير على عهد بني أمية في القرن الرابع للهجرة 200000 دينار في السنة وصرف ~~الدينار 17 درهما، فإذا اعتبرنا هذا الدخل باعتبار واحد في المائة عن المال ~~المضروب، بلغ مقدار ما كان يضرب في الأندلس وحدها من ممالك الإسلام 20000000 دينار ~~أو نحو عشرة ملايين جنيه، وذلك نحو ضعفي ما كانت تضربه إنجلترا قبل ms0106 الحرب العالمية ~~الأولى وهي في إبان قوتها الاقتصادية وثبات عملتها، فإذا أضيف إليها ما كان يضرب في ~~القاهرة عاصمة الدولة الفاطمية، وفي بغداد عاصمة الدولة العباسية، وفي غيرها من ~~المدن الإسلامية يومئذ، كان مبلغ ذلك شيئا كثيرا. # وكانت صناعة ضرب النقود في تلك العصور لا تزال في أبسط أحوالها، وهي عبارة عن ~~طابع من حديد تنقش فيه الكلمات التي يراد ضربها على النقود مقلوبة، ثم يقسمون الذهب ~~أو الفضة أجزاء بوزن الدنانير أو الدراهم، ويضعون الطابع فوق تلك القطعة ويضربون ~~عليها بمطرقة ثقيلة حتى تتأثر وتظهر الكتابة عليها، وكانت هذه الحديدة تسمى أولا ~~«السكة»، ثم نقل هذا المعنى إلى أثرها في النقود وهي النقوش، ثم نقل إلى القيام على ~~ذلك العمل والنظر في استيفاء حاجاته وشروطه وهي الوظيفة، فصار علما عليها، ويدخل ~~في دار الضرب كثير من الوظائف، وفيها عدد كبير من العمال، من الوازن والضارب وصاحب ~~العيار وغيرهم. ~~(3) الطراز # ومن شارات الخلافة أيضا الطراز، وهو قديم في الدول من عهد الفرس والروم، وذلك أن ~~يرسم الملوك والسلاطين أسماءهم أو علامات تختص بهم في طراز أثوابهم المعدة للباسهم من ~~الحرير أو الديباج أو الإبريسم، كأنها كتابة خطت في نسيج الثوب لحاما وسدى بخيط من ~~الذهب، أو بما يخالف لون الثوب من الخيوط الملونة من غير الذهب، ما يحكمه الصياغ بحيث ~~تصير الثياب الملوكية معلمة بذلك الطراز، للدلالة على أن لابسها من أهل الدولة من ~~السلطان فما دونه، كما هي الحال في لباس أجناد هذه الأيام، فترى على بعضهم شرائط القصب ~~والأزرار الصفراء ونحوها من علامات الرتب، كرسوم التيجان والسيوف والنجوم ~~ونحوها. # وكان ملوك الفرس والروم يجعلون رسم ذلك الطراز بصور ملوكهم وأشكالهم، أو صور أخرى ~~تشير إلى الملك، فلما استقر المسلمون على عرش الأكاسرة والقياصرة وعظمت دولتهم أحبوا ~~الاقتداء بهم، ولم يستحسنوا اتخاذ الصور فاعتاضوا بكتابة أسمائهم وكلمات أخرى تجري مجرى ~~الفأل أو الدعاء. ~~(3-1) الطراز العربي # وأول من نقل الطراز إلى العربية من ملوك المسلمين عبد الملك بن مروان ms0107 الأموي، لأن ~~الخلفاء الراشدين ظلوا على سذاجة البداوة كما تقدم، فلما أفضت الخلافة إلى بني أمية ~~وخالطوا الروم، وساروا على خطواتهم في أكثر شؤون دولتهم، وكان في جملة ذلك الطراز ~~على أثوابهم وستور منازلهم وقراطيسهم «والقراطيس برد مصرية كانوا يحملون بها ~~الآنية والثياب» فاتخذ المسلمون الطراز كما كان عند الروم والكتابة عليه بالرومية، ~~وظلوا على ذلك أيام عبد الملك بن مروان فجعله في العربية، وبدأ بالقراطيس وكانت ~~تنسج بمصر، وأكثر من في مصر لا يزال على النصرانية، فكانوا يطرزونها بالرومية ~~وطرازها «بسم الآب الابن والروح القدس»، فظهر الإسلام وفتحت مصر والشام والطراز باق ~~على ما كان عليه، وكيفية تنبه عبد الملك لذلك، أنه كان يوما في مجلسه فمر به قرطاس ~~فرأى عليه الطراز بالرومية، فلاح له أن يستطلع فحواه فأمر أن يترجم بالعربية، فلما ~~وقف على الترجمة أكبر أمرها وقال «ما أغلظ هذا في أمر الدين والإسلام أن يكون طراز ~~القراطيس وغير ذلك مما يطرز من ستور وغيرها من عمل مصر تدور في الآفاق والبلاد وقد ~~طرزت على هذه الصورة»، ثم كتب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان عامله على مصر بإبطال ~~ذلك الطراز، على ما كان يطرز به من ثوب وقرطاس وغير ذلك، وأن يستبدلوا تلك العبارة ~~بصورة التوحيد «لا إله إلا هو» ففعل، وظل هذا طراز القراطيس في سائر أيام الدول ~~الإسلامية، ولم يغير شيء من جوهره، وكتب عبد الملك إلى عمال الآفاق جميعا بإبطال ~~ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز الروم، ومعاقبة من يخالف ذلك بالضرب ~~الوجيع والحبس الطويل. # فلما حملت هذه القراطيس إلى بلاد الروم، وعلم الإمبراطور بخبرها وعلم ترجمة ما ~~فيها أنكره واستشاط غيظا، فكتب إلى عبد الملك «إن عمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز ~~هناك للروم ولم يزل يطرز بطرازهم، فإن كان من تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت، ~~وإن كنت قد أصبت فقد أخطأوا، فاختر إحدى الحالتين» وبعث إليه بهدية يسترضيه بها ~~للرجوع إلى الطراز، فرد عبد الملك الهدية وأخبر الرسول ms0108 أن لا رد عنده، فأعاد إليه ~~أضعافها وطلب الجواب، فلما لم يرد عليه جوابا غضب الإمبراطور وبعث يهدد بنقش سب ~~النبي على النقود، فكان ذلك داعيا إلى تنبه عبد الملك إلى ضرب النقود الإسلامية ~~الحقيقية كما تقدم. # ذلك ما كان من أمر القراطيس، والظاهر أن المسلمين تنبهوا للطراز على الأثواب من ~~ذلك الحين، فجعلوا على ملابس أجنادهم ورجال دولتهم شارة الخلافة، وهي اسم الخليفة ~~أو لقبه أو نحو ذلك، وبقاء هذا الطراز على شارات الدولة وبنودها وكسائها يدل على ~~بقاء سلطانها، فإذا أراد أحد الولاة الخروج من طاعة الخليفة قطع الخطبة له وأسقط ~~اسمه من الطراز، كما فعل المأمون لما بلغه وهو على خراسان أن أخاه الأمين نكث ~~بيعته. ~~(3-2) دور الطراز أو الكسوة # وأنشأ الخلفاء للطراز دورا في قصورهم تسمى دور الطراز، لنسج أثوابهم وعليها تلك ~~الشارة، وكان القائم على النظر فيها يسمى «صاحب الطراز»، وهو ينظر في أمور الصياغ ~~والآلة والحاكة فيها ويجري عليهم أرزاقهم ويشارف أعمالهم، وبلغت تلك الدور أفخم ~~أحوالها في أيام الدولتين الأموية والعباسية، وكانوا يقلدون أعمال هذه الدور لخاصة ~~دولتهم وثقات مواليهم، وكذلك كانت الحال في دولة بني أمية بالأندلس، وفي الدولة ~~الفاطمية بمصر، ومن كان على عهدهم من ملوك العجم. # ومن هذا القبيل ما كان يسمى في الدولة الفاطمية بدار الكسوة، وكان يفصل فيها جميع ~~أنواع الثياب والبز وقيمة ما كان يخرج منها من الكسي 600000 دينار في العام، وكانت ~~خلعهم على الأمراء الثياب الديبقي والعمائم بالطراز الذهب، وكانت قيمة طراز الذهب ~~والعمامة خمسمائة دينار، وكانوا يفرقون الكسوات مرتين في العام، مرة لتفريق كسوة ~~الصيف، ومرة لتفريق كسوة الشتاء، على جميع أهل الدولة من الخدم والحواشي من العمامة ~~إلى السراويل، وقدروا عدد القطع التي صدرت منها سنة 516ه فبلغت 14305 قطع، وفي ~~المقريزي فصل خاص في تعداد ضروب الألبسة التي كانت تفرق في تلك الدار. # وما زالت دور الطراز في الدول الإسلامية على نحو ما تقدم، حتى ضاق نطاق تلك ~~الدولة وضعف أمرها ms0109 وتعددت فروعها، فتعطلت هذه الوظيفة من أكثرها، ولكن الطراز نفسه ~~لم يبطل في ملابسهم، على أنهم لم يعودوا يصنعونه في دورهم، بل صاروا ينسجون ما ~~تطلبه الدولة من ذلك عند صناعه من الحرير أو من الذهب الخالص، ويسمونه المزركش ~~ويرسم اسم السلطان أو الأمير عليه، كذلك فعل السلاطين المماليك بمصر، ويشبهه في ~~الدولة العثمانية رسم الطغراء العثمانية، والشرائط المزركشة على ألبسة الضباط ~~وغيرهم من رجال الدولة، والعلامات الأخرى في الدول الأخرى. # وأما الهلال في الدولة العثمانية فلم نقف على ما يقابله في دول الخلفاء سوى ما ~~كان يؤخذ من ألوان الرايات عندهم، واختصاص كل لون بدولة كما سيجيء، والظاهر أنهم ~~كانوا يطرزون أسماء الخلفاء أو ألقابهم على راياتهم وأسلحتهم، كما كانوا يضربونها ~~على نقودهم. # فقد ذكر ابن خلكان في ترجمة العزيز بالله الفاطمي، أن مملكته اتسعت وفتحت له حمص ~~وحماه وشيزر وحلب، وخطب له المقلد بن المسيب صاحب الموصل بالموصل وضرب اسمه على ~~السكة والبنود. وفي كلام أبي الفداء عن استيلاء بجكم على بغداد أنه اتصل بخدمة ابن ~~رايق وانتسب إليه حتى كتب على رايته «الرايقي»، فالظاهر أن تطريز الاسم على الرايات ~~والبنود بعد أن كان خاصا بالخلفاء في أوائل الإسلام شاع في أواخر الدولة بين ~~الأمراء وكل ذي سلطان. # اسم السلطان بيبرس. # وكانوا يعدون من قبيل شارات الملك أيضا السرير والمنبر والتخت والكرسي، وذكروا ~~من شارات الخلافة الآلة وهي الألوية «وهي الأعلام» الرايات والموسيقى. سيأتي الكلام ~~عليها في باب الجند. # | ولاية الأعمال # (1) الولايات قبل الإسلام # يراد بالولاية الإمارة على البلاد، فيولي السلطان أو الملك من يقوم مقامه في حكومة ~~الولايات، وهي الأعمال في اصطلاحهم، وهذا النوع من الحكومة قديم، وكانت الشام لما فتحها ~~المسلمون واحدة من ولايات الروم يسمونها ولاية الشرق، وتقسم إلى 11 إقليما تحت كل ~~إقليم عدة بلاد ولكل إقليم قصبة، وهاك أسماءها وأسماء قصباتها وعدد المدن التابعة ~~لها: # أسماء الأقاليم # عدد بلادها # اسم قصبتها ~~(1) سوريا الأولى # 9 # أنطاكية ~~(2) سوريا الثانية # 7 # حماه ~~(3) سوريا الثالثة # 13 # منبج ms0110 ~~(4) فينيقية الأولى أو البحرية # 12 # صور ~~(5) فينيقية الثانية # 13 # دمشق ~~(6) بلاد العرب حوران # 14 # بصرى ~~(7) الجزيرة أو بين النهرين # 13 # ديار بكر ~~(8) أسروانا # 12 # أورفا ~~(9) فلسطين الأولى # قيسارية ~~(10) فلسطين الثانية # 6 # بيسان ~~(11) فلسطين الثالثة # بطرا # وكان لكل إقليم حاكم أو عامل، والغالب أن يكون بطريقا، والبطريق Patricius # عند الروم غير البطريرك، وإنما هو لقب جماعة ~~من شرفاء المملكة الرومانية نشأوا بنشوء مدينة رومية، وكان لهم نفوذ عظيم في دولة ~~الرومان قد انحط شأنهم ولم يعد لهم عمل في الحكومة، فلما امتدت تلك المملكة إلى إفريقية ~~وسائر المشرق، رأت الحكومة أن هذه الولايات البعيدة تحتاج إلى من يتولاها ويكون له هيبة ~~وسطوة، فجعلوا يولونهم الحكومات في تلك المستعمرات، وفي جملتها الشام ومصر وما ~~يليها. # فكان على كل إقليم من أقاليم الشام حاكم يقيم في قصبته ومعه الجند في القلاع، وكان ~~على كل من هذه الأقاليم حاكم عام يقيم في أنطاكية، ولهذا الحاكم أن يولي ويعزل من يشاء ~~من حكام الأقاليم، وهو يتولى جباية الخراج والإنفاق على الجند وسائر أعمال الولاية، ~~وكانت مصر أيضا على نحو هذا النظام من حيث الانقسام إلى أقاليم وبلاد، وحاكمها العام ~~كان يقيم في الإسكندرية. # وكانت العراق وبلاد فارس هكذا أيضا، وربما كان ولاتها أكثر تقيدا من ولاة الشام ~~ومصر، لقرب دار الملك منهم. ~~(2) الولايات في الإسلام # فلما ظهر الإسلام ونهض المسلمون للفتح، كانوا إذا أرسلوا قائدا إلى فتح بلد ولوه ~~عليه قبل خروجه لفتحه، أو شرطوا عليه إذا فتحه فهو أمير عليه، وكان ذلك شأنهم من أيام ~~النبي، فإنه أرسل في السنة الثامنة للهجرة أبا زيد الأنصاري وعمرو بن العاص ومعهما كتاب ~~منه يدعو الناس إلى الإسلام وقال لهما «إن أجاب القوم إلى شهادة الحق وأطاعوا الله ~~ورسوله فعمرو الأمير وأبو زيد على الصلاة وأخذ الإسلام على الناس وتعليمهم القرآن ~~والسنن»، وكان كذلك. # 1 # فلما تولى أبو بكر وبعث البعوث لفتح الشام، كان إذا عقد لأحدهم لواء على بلد أو إقليم ~~ولاه قبل ذهابه لفتحه، هكذا ms0111 فعل في أول بعث بعثه وولى عليه ثلاثة من كبار قواد الدولة ~~إذ ذاك، فعقد لواء لعمرو بن العاص وأمره أن يسلك طريق أيلة عامدا إلى فلسطين، وعقد ~~لواء آخر ليزيد بن أبي سفيان وأمره أن يسلك طريق تبوك إلى دمشق، وعقد لشرحبيل بن حسنة ~~على أن يسير في طريق تبوك أيضا إلى الأردن، وولى كل واحد منهم البلد الذي هو سائر ~~لفتحه وقال لهم «إذا كان بكم قتال فأميركم الذي تكونون في عمله». # ولما تولى عمر بن الخطاب الخلافة ولى أبا عبيدة بن الجراح أمر الشام كله وإمرة ~~الأمراء في الحرب والسلم، فأشبه عمله هذا ما كانت عليه الشام قبل فتحها، وهي أن يكون ~~على كل إقليم عامل، وعلى عمال الأقاليم وال عام كما رأيت، ولكن حاكم الروم العام كان ~~يقيم في أنطاكية، فاختار المسلمون دمشق بدلا منها، لبعدها عن البحر، وقربها من بلاد ~~العرب، عملا برغبة عمر بن الخطاب أن لا يقيم المسلمون في مكان يحول بينه وبينهم ماء ~~كما تقدم. ~~(2-1) الاحتلال العسكري # وكانت ولاية الأعمال في بادئ الرأي أشبه بالاحتلال العسكري منه بالتملك، وكان ~~العمال، أو الولاة، عبارة عن قواد الجند المقيم بضواحي البلاد المفتوحة بما يعبرون ~~عنه بالرابطة أو الحامية، وكانت الجنود الإسلامية تنقسم إلى قوات تقيم في قواعد ~~عسكرية بأماكن أقرب إلى طريق الصحراء منها إلى السواحل للأسباب التي ~~قدمناها. # وكانت كل قاعدة عسكرية تسمى جندا، فيقال جند دمشق وجند قنسرين وجند الأردن، وكان ~~سلطانها يشمل زماما واسعا يعادل زمام الولاية الرومانية أو البيزنطية التي تقع ~~فيها القاعدة، ومن هنا فقد أطلق على هذه الولايات التي يحكمها قائد قاعدة عسكرية: ~~الجند، فالجند على هذا الاعتبار هي الولاية العسكرية، وكانت أكثر ما تكون على ~~الحدود. # فكانت عساكر الشام أربعة أجناد تقيم في دمشق وحمص والأردن وفلسطين ومنها تسمية ~~هذه الأقاليم بالأجناد، وقوات العراق كانت تقيم في الكوفة والبصرة، وقوات مصر في ~~الفسطاط وضواحي الإسكندرية ... ولم يكونوا يسكنون القرى ولا المدن ولا يختلطون ~~بالأهلين أول الأمر، ms0112 وقد منعهم الخليفة عمر بن الخطاب من اتخاذ الزرع، وشدد عليهم ~~في ذلك، فكانوا يقيمون في معسكراتهم إلى زمن الربيع، فيسرحون خيولهم بالمرعى في ~~القرى يسوقها الأتباع ومعهم طوائف من السادات، وكانوا كثيري العناية بتربية خيولهم ~~وأسمائها، ومن أقوال عمرو بن العاص لجنده في مصر «لا أعلمن - ما أتى - رجلا قد ~~أسمن جسمه وأهزل فرسه، واعلموا أني معترض الخيل كاعتراض الرجال، فمن أهزل فرسه من ~~غير علة حططت من فريضته قدر ذلك». ~~(2-2) انتشار الإسلام في البلاد المفتوحة # وكان عمرو بن العاص إذا جاء الربيع كتب لكل قوم بربيعهم ولبنهم إلى حيث أحبوا، ~~فتتفرق العرب في القرى على حسب راياتهم وقبائلهم، وخصوصا في منوف وسمنود وأهناس ~~وطحا، وكانت قرى مصر كلها في جميع الأقاليم يسكنها القبط والروم، ولم ينتتشر ~~الإسلام في قرى مصر إلا بعد المائة الأولى من تاريخ الهجرة، ثم تضاعف في أواسط ~~المائة الثانية، ولم يقووا إلا في المائة الثالثة - يؤيد ذلك أن المسلمين لم ينشئوا ~~في القرى مساجد قبل ذلك الحين، وأن القبط كانوا إذا انتقضوا أتعبوا المسلمين ولا ~~يهون على هؤلاء إخضاعهم، وما زالوا في ذلك حتى أوقع المأمون بهم سنة 216ه وجعل ~~الإسلام ينتشر في القرى. # وقس على ذلك حال الأندلس لما فتحها المسلمون سنة 92ه، فإنهم أقروا أهلها على ما ~~كانوا عليه إداريا وسياسيا ودينيا، وتركوا لهم أعمال الحكومة وإدارة شؤونها، ~~وإنما أبقوا لأنفسهم الرئاسة العامة وقيادة الجند. هكذا كانت حال الأعمال الإسلامية ~~في أوائل الإسلام، إلا ما قرب منها من مركز الخلافة كالشام في أيام بني أمية، ~~والعراق في أيام بني العباس. # فكان العمال في عهد الخلفاء الراشدين قواد الجند الذين افتتحوا تلك الأعمال، ~~وواجباتهم الرئيسية مراقبة سير الأحكام في البلاد التي افتتحوها وإقامة الصلاة ~~واقتضاء الخراج، وقد رأيت في غير هذا المكان أن أعمال الحكومة في البلاد المفتوحة ~~في مصر والشام والعراق ظلت سائرة على ما كانت عليه قبل الفتح، إلى أواسط أيام بني ~~أمية، وبدأت ولايات الأعمال تتحول إلى حكومات محلية ms0113 من أواخر دولة الراشدين، حتى ~~كانت أيام عبد الملك بن مروان، فأتم السيطرة الإسلامية بنقل الدواوين إلى اللغة ~~العربية، وأخرج منها من لم يعرف لغة العرب فاجتهد أهل البلاد في تعلم اللغة العربية ~~حتى يحتفظوا بهذه الوظائف، وبذلك كان هذا الإجراء الذي قام به عبد الملك بن مروان ~~من أهم ما قام به خلفاء الإسلام، فقد كان له أثر حاسم في تعريب إدارة الدولة ~~الإسلامية وفي نشر اللغة العربية، ثم تنوعت الولايات وصارت درجات متفاوتة، على ما ~~اقتضاه الزمان والمكان، ولكنها ترجع إلى إمارتين: إمارة عامة، وإمارة خاصة، ~~والإمارة العامة ضربان: إمارة استكفاء، وإمارة استيلاء. ~~(3) الإمارة العامة ~~(3-1) إمارة الاستكفاء # فإمارة الاستكفاء أو إمارة التفويض، هي التي كان يعقدها الخليفة لمن يختاره من ~~رجاله الأكفاء، فيفوض إليه إمارة الإقليم على جميع أهله، ويجعله عام النظر في كل ~~أموره، ويشتمل نظره فيه على سبعة أمور: ~~(1) # تدبير الجيوش، وترتيبهم في النواحي، وتقدير أرزاقهم (إلا إذا كان ~~الخليفة قدرها). ~~(2) # النظر في الأحكام، وتقليد القضاة والحكام. ~~(3) # جباية الخراج، وقبض الصدقات، وتقليد العمال فيهما وتفريق ما استحق ~~منهما. ~~(4) # حماية الدين والدفاع عن الحريم. ~~(5) # إقامة حدود الشرع. ~~(6) # الإمامة في الصلوات. ~~(7) # تيسير الحج. # وإذا كان الإقليم المشار إليه متاخما لعدو، ترتب على العامل أمر ثامن هو جهاد ~~ذلك العدو، وقسمة الغنائم في المقاتلة، وأخذ خمسها لأهل الخمس، كما هو مفصل في باب ~~الجند والمال. # وكان أكبر ولايات الإسلام على هذه الصورة، وخصوصا لما بعد منها عن مركز الخلافة، ~~كالعراق في بني أمية ومصر والشام في بني العباس وخراسان في كليهما. # عمال الاستكفاء في زمن بني أمية # ومن عمال الاستكفاء في أيام بني أمية في العراق زياد بن أبيه، وابنه عبيد ~~الله، وبشر بن مروان، والحجاج بن يوسف، ويزيد بن المهلب، ومسلمة بن عبد الملك، ~~وعمر بن هبيرة، وخالد بن عبيد الله القسري، ويوسف بن عمر الثقفي، وعبد الله بن ~~عمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عمر بن هبيرة، وكانت تسمى إمارة كل منهم «إمارة ~~العراقين»، لاشتمالها على ms0114 الكوفة والبصرة. # فكان كل أمير من هؤلاء يتصرف في إمارته تصرف الملوك المستقلين بالكيفية التي ~~قدمناها، فيعين العمال على البلاد تحت إمارته وسائر عمال حكومته، ويجبي الأموال ~~فينفق منها على جنده وفي ما تقتضيه العمارة من إصلاح الجسور وحفر الترع ونحو ~~ذلك ، ويرسل ما يبقى عنده إلى بيت المال في الشام. # وكانت الحال نحو ذلك في مصر، فقد كان عاملها من عمال الاستكفاء من عهد عمرو ~~بن العاص فما بعده، وربما كان عامل مصر أكثر استقلالا من سواه، وخصوصا عمرو ~~بن العاص لما تولاها المرة الأخيرة بأمر معاوية بعد أن نصره على علي، وربما فعل ~~معاوية مثل ذلك بزياد بن أبيه لما ولاه خراسان، وبالمغيرة بن شعبة لما ولاه ~~الكوفة، رغبة منه في إرضاء أطماع هؤلاء كما تقدم. # عمال الاستكفاء في أيام العباسيين # ولما أفضت الخلافة إلى بني العباس ساروا على نحو هذه الخطة، لكنهم قلما كانوا ~~يجعلون أمر العراق مفوضا للعمال، لقربه من مركز الخلافة، على أنهم كانوا ~~يفوضون العمال في الأقاليم البعيدة، كالشام ومصر وخراسان وسائر ما وراء العراق ~~نحو الشرق إلى أقصى بلاد الترك وما وراء النهر، ولما تمكن البرامكة من الدولة ~~وغلب نفوذهم فيها، ولى الرشيد أحدهم - جعفر بن يحيى - الغرب كله، من الأنبار ~~إلى إفريقية، وقلد أخاه - الفضل بن يحيى - الشرق كله، من شروان إلى أقصى بلاد ~~الترك سنة 176ه، فأقام جعفر بمصر، وأرسل العمال بأمره إلى الشام وإفريقيا ~~وغيرهما، وأما الفضل فإنه سار إلى عمله حتى وصل إلى خراسان، فأصلح وبدل واستخلف ~~عمالا، وعاد إلى العراق. # وكثيرا ما كان الخلفاء يفوضون إلى بعض خاصتهم عملا من الأعمال، فيرسل هذا ~~من يقوم مقامه في ذلك العمل، ويبقى هو في بلاد الخليفة، وأكثر ما كان يقع ذلك ~~في الدولة العباسية، في عصرها الثاني. # وكانت إمارة الاستكفاء هذه من جملة الأسباب التي ساعدت على تشعب المملكة ~~العباسية إلى دول مستقلة ... لأن الوالي كان يقيم في ولايته كأنه ملك مستقل، إلا ~~فيما يتعلق بإرسال فضلات الخراج إلى الخليفة، ms0115 والخطبة له، وضرب النقود باسمه، ~~وأمور أخرى لا تضغط على إرادته، فإذا كان الوالي ذا دهاء وآنس من الخليفة ~~ضعفا، جمع أهل الإقليم على ولائه واستقل بعمله، إما استقلالا تاما وإما على ~~مال معين يبعث به إلى الخليفة ببغداد، أو على شروط أخرى ، وعلى نحو هذا النمط ~~استقل الأغالبة في إفريقية، وبنو طاهر في خراسان، وابن طولون في مصر، ولكن تلك ~~الأقاليم ظلت تعد إمارات عباسية من الناحية النظرية على الأقل. ~~(3-2) إمارة الاستيلاء # ويراد بإمارة الاستيلاء أن يعقد الخليفة لأمير على إقليم اضطرارا، بعد أن يستولي ~~الأمير على ذلك الإقليم بالقوة، فكان الخليفة يثبته في إمارته، ويفوض إليه تدبير ~~سياسته فيكون الأمير باستيلائه مستبدا بالسياسة والتدبير، ويكون الخليفة بإذنه ~~منفذا لأحكام الدين، ولهذه الإمارة شروط تفرض على الأمير في مقابل ذلك وهي: ~~(1) # حفظ منصب الإمامة في خلافة النبوة وتديبر أمور الملة. ~~(2) # إلزام الناس بالتزام أشراط العقيدة. ~~(3) # جمع الكلمة على الألفة والتناصر، ليكون للمسلمين يد على من ~~سواهم. ~~(4) # أن تكون عقود الولايات الدينية جائزة والأحكام فيها نافذة. ~~(5) # أن يكون استيفاء الأموال الشرعية بحق تبرأ به ذمة مؤديها. ~~(6) # أن تكون الحدود مستوفاة بحق وقائمة على مستحق. ~~(7) # أن يهتم الأمير في حفظ الدين. # ولأمير الاستيلاء أن يستخدم الوزراء وغيرهم، ومن هذه الإمارات ما انتهت إليه ~~الدولة العباسية من التشعب وظهور الدول الصغرى فيها، كالدولة الحمدانية والبويهية ~~والغزنوية والإخشيدية وغيرها، وكلها كانت إمارات مستقلة تدعو للخليفة على المنابر، ~~وتضرب السكة باسمه، وترسل إليه مالا معينا في السنة يتم الاتفاق عليه، وهو الذي ~~يثبت أمراءها، ويكون الحكم متسلسلا في أعقابهم. ~~(4) الإمارة الخاصة # وأما الإمارة الخاصة، فهي أن يكون الأمير فيها مقصورا على تدبير الجيش، وسياسة ~~الرعية، وحماية البيضة، والدفاع عن الحرية ضمن حدود معينة، وليس له أن يتعرض للقضاء أو ~~الأحكام أو لجباية الخراج أو الصدقات في شيء حتى الإمامة في الصلاة، فربما كان القاضي ~~أولى بها منه، والخليفة يعين لهذه الإمارة قضاة وجباة من عنده، فالجباة يجمعون الخراج ~~لحساب بيت المال المركزي، وهم ms0116 يؤدون أعطيات الجند وغيرها مما يجمعونه، والإمارات الخاصة ~~كانت قليلة في إبان الدولة العباسية. ~~(5) رواتب العمال # أما رواتب العمال فقد قدرها عمر بن الخطاب، بعد تدوين الدواوين وتعيين أرزاق الجند، ~~وأول ما فعل ذلك لما وجه عمار بن ياسر إلى الكوفة وولاه صلاتها وجيوشها ، فجعل له ستمائة ~~درهم في الشهر، وعين الرواتب لولاته وكتابه ومؤذنيه ومن كان يقوم بالأمر معه، فبعث ~~عثمان بن حنيف على مساحة الأرض، وعبد الله بن مسعود على قضاء الكوفة، وشريحا على قضاء ~~البصرة، وأجرى على عثمان ربع شاة وخمسة دراهم كل يوم، وجعل عطاءه خمسة آلاف درهم في ~~السنة، وأجرى على عبد الله مائة درهم في الشهر وربع شاة في اليوم، وأجرى على شريح مائة ~~درهم وعشرة أجربة في الشهر، فترى مما تقدم أنه فضل عمار بن ياسر عليهم أجمعين، لأنه كان ~~على الصلاة والجند وهي الإمارة يومئذ، ولما ولى عمر معاوية بن أبي سفيان على الشام، جعل ~~له ألف درهم كل سنة، وكان عمر يشدد في محاسبة العمال، فإذا رآهم ربحوا مالا من شيء ~~قاسمهم وأخذ النصف لبيت المال. # وأما بنو أمية فقد نال عمال الأقاليم في أيامهم امتيازات كثيرة، منحهم إياها معاوية، ~~ترغيبا لهم في البقاء على ولائه، فولى زياد بن أبيه البصرة وخراسان وسجستان ووسع له ~~بما يريد، وفعل نحو ذلك مع عمرو بن العاص بمصر. # وجرى العباسيون على نحو ذلك، فلما ولى المأمون الفضل بن سهل على الشرق جعل له 3000000 ~~درهم في السنة، وكانت رواتب العمال تختلف باختلاف نوع العمل وسعته وأهميته. # | الوزارة وما يتبعها # (1) الوزارة # الوزارة أسمى الرتب السلطانية، وليست من محدثات الإسلام بل هي فارسية الأصل اتخذها ~~المسلمون في عهد الدولة العباسية، أما إذا أريد بالوزارة استعانة الخليفة بمن يشد أزره ~~أو يعاونه في الحكم، فهي تتصل بصدر الإسلام، لأن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يشاور أصحابه ~~ويفاوضهم في مهماته العامة والخاصة، ويختص أبا بكر بخصوصيات أخرى، حتى إن العرب الذين ~~خالطوا الروم والفرس قبل الإسلام كانوا ms0117 يسمون أبا بكر وزيره، وكذلك كان شأن عمر مع أبي ~~بكر، وشأن علي وعثمان مع عمر، ولكن لفظ الوزير لم يكن يعرف بين المسلمين في سذاجة ~~الدولة. # على أن بني أمية لما جعلوا الخلافة ملكا، وأصبح معولهم في استبقاء ملكهم على السياسة ~~والدهاء، احتاجوا إلى من يستشيرونهم ويستعينون بهم في أمور القبائل والعصائب واستئلافهم ~~واصطناع الأحزاب منهم، فاستخدموا أناسا لنحو ذلك الغرض وهي الوزارة بمعناها ولكن يظهر ~~أنهم لم يكونوا يسمون صاحب هذه الرتبة الوزير، فانقضت دولة بني أمية دون أن يتخذ ~~الخلفاء وزراء، ودون أن تظهر الوزارة في نظم الإسلام. # ولكن دولة بني أمية عرفت نظام الكتاب أو كتاب الخلفاء، ووظيفة الكاتب هي الأصل الذي ~~تطور فيما بعد إلى وظيفة الوزير، وقد عرف الإسلام الكتاب من أول أمره، وكتب لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # نفر من الصحابة وكان لكل واحد من الخلفاء الراشدين كاتب أو أكثر يكتب عنه، ~~وعلى هذا النظام مضى بنو أمية. # ولم يكن الكاتب أول الأمر كاتب الدولة بل كاتب الخليفة، أي أمين سره وصاحب ديوانه ~~وسجلاته، ثم صار مع الزمن كاتبا للدولة أي أمينا عاما لها، وقد حدث هذا التطور على ~~أيام عبد الملك بن مروان. # فلما أفضت الخلافة إلى بني العباس، واستفحل الملك وعظمت مراتبه، عظم شأن الوزير وصارت ~~إليه النيابة في إنفاذ الحل والعقد، وأضيف إلى الوزارة النظر في ديوان الحساب، ثم النظر ~~في المكاتبات، لصون أسرار الخليفة، فأصبحت الوزارة شاملة لخطتي السيف والقلم. # وأول وزراء بني العباس أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال وزير أبي العباس السفاح وهو أول ~~من سمي وزيرا في الإسلام، قال ابن خلكان: «ولم يكن قبله من يعرف بهذا النعت لا في دولة ~~بني أمية ولا في غيرها»، وكان أبو سلمة يسمى وزير آل محمد، كما يسمى أبو مسلم الخراساني ~~أمير آل محمد، وكلاهما فارسيان، والعباسيون أول من عول على الوزراء، فسلموا إليهم أمور ~~الدولة، وأكثرهم من الفرس، وأشهر وزرائهم البرامكة، وقد استفحل أمرهم في الدولة حتى ms0118 ~~اضطر الرشيد إلى الفتك بهم في نكبتهم المشهورة. # وتقلبت على الوزارة أحوال شتى في أيام بني العباس، ففي القرن الرابع للهجرة أضيف إلى ~~اسم الوزير لقب «صاحب»، وأول من لقب به منهم أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عباد بن ~~العباس، وكان أولا وزير مؤيد الدولة بن بويه وعرف بالصاحب، وصار كل من تولى الوزارة ~~بعده يسمى الصاحب ... # وأخذ نفوذ الوزارة في بني العباس يتقلص بتقلص نفوذ الخلفاء، حتى استبد العمال في ~~الأعمال، وتفرعت المملكة العباسية، فأصبحت الوزارة كالخلافة اسما بلا مسمى، فأسقطوها ~~وأبدلوها بإمرة الأمراء. ~~(2) أمير الأمراء # عندما عجز خلفاء بني العباس عن ضبط الأمور، بسبب استبداد أمراء النواحي بما تحت ~~أيديهم وضعف الخلفاء عن السيطرة على جندهم، بسبب قلة الجباية والتوقف عن دفع الأعطيات، ~~أخذوا يستبدلون الوزراء واحدا بواحد، باحثين عن شخصيات تستطيع القيام بشئون الدولة ~~ومواجهة المشاكل العسيرة التي واجهتها، وقد عين الخليفة الراضي سنة ~~(322 / 934-329 / 940) خمسة وزراء واحدا بعد الآخر، وكان آخرهم سليمان بن الحسن بن ~~مخلد، وعندما ضاقت به الحيل اتجه ببصره إلى أكبر القواد العسكريين في أيامه، وهو ابن ~~رائق، وكان واليا على واسط والبصرة، فاستدعاه وسلم إليه مقاليد الأمور ولقبه أمير ~~الأمراء. # فاستحدث بذلك وظيفة كبرى كانت قاضية على الوزارة، وكان لها أثر بعيد في الهبوط بمستوى ~~الخلافة، وفي ذلك يقول ابن طباطبا: «واستبد ابن رائق أمير الأمراء بالأمور، ورد الحكم ~~في جميع الأمور إلى نظره، ولم يبق للوزير سوى الاسم» - (الفخري، ص253). # ويقول مسكويه إن الراضي «عرفه أنه قلده الإمارة ورياسة الجيش، وجعله أمير الأمراء، ~~ورد إليه تدبير أعمال الخراج، والضياع وأعمال المعادن في جميع النواحي، وفوض إليه تدبير ~~المملكة، وأمر بأن يخطب له على جميع المنابر في الممالك ...» - (تجارب الأمم، ج1 ~~ص356). # ويبدو أن ابن رائق لم يكن أول من تلقب بأمير الأمراء، فقد ذكر مسكويه أن الخليفة ~~المقتدر منح هذا اللقب لمولاه مؤنس الخادم، ولقبه بمؤنس المظفر، ولكن هذه الوظيفة لم ~~تأخذ مظهرها الحقيقي إلا في أيام ابن رائق، ms0119 وعندما استبد بنو بويه بأمور الخلافة على يد ~~معز الدولة بن بويه ابتداء من سنة 320 / 932 انتقل إليهم هذا اللقب. # وما زال هذا اللقب في بني بويه إلى سنة 449ه، فانتقل إلى السلاجقة الأتراك وأولهم ~~طغرل بك، ثم صار خلفه ألب أرسلان من أعظم ملوك زمانه، وظل هذا اللقب في السلاجقة إلى ~~سنة 547ه وسقط بسقوط دولتهم في بغداد. # وكان بنو بويه لما استفحل أمرهم يولون أمير الأمراء من عند أنفسهم، ولم يتركوا ~~للخلفاء إلا نائبا يسمى «رئيس الرؤساء»، ثم عاد الخلفاء في أيام السلاجقة إلى تولية ~~أمير الأمراء. # ومن يتدبر تاريخ منصب الوزارة في الدولة العباسية، يتبين له أنها كانت من جملة أسباب ~~انحلال هذه الدولة، لأن الخلفاء سلموا مقاليد الحكومة إلى وزرائها وتقاعدوا عن أمور ~~السياسة، فأصبحوا بتوالي الأجيال عاجزين عنها. # وأما الدول الأخرى، فالدولة الفاطمية بمصر أول وزرائها يعقوب بن كلس وزير العزيز ~~بالله سنة 363ه، والدولة الأموية في الأندلس كانت الوزارة فيها كما كانت في أيام أمويي ~~الشام: كانت مشتركة في جماعة يعينهم الخليفة للإعانة والمشاورة، ويخصهم بالمجالسة ~~ويختار منهم شخصا لمكان النائب المعروف بالوزير في دولة بني العباس، فيسميه الحاجب ثم ~~سمي الوزير، وكانت هذه الرتبة عندهم كالمتوارثة في البيوت المعلومة، كما كان شأن ~~البرامكة في بغداد. ~~(3) وزارة التفويض # كانت الوزارة وزارتين: وزارة تفويض ووزارة تنفيذ مثل إمارة الأعمال، فوزارة التفويض ~~أن يستوزر الخليفة رجلا يفوض إليه تدبير الأمور برأيه وإمضاءها على اجتهاده، فيتولى ~~الوزير كل شيء يمضيه عن الخليفة إلا ثلاثة أشياء: ~~(1) # ولاية العهد فإن للخليفة أن يعهد إلى من يرى وليس ذلك للوزير. ~~(2) # للخليفة أن يعزل من قلده الوزير وليس للوزير أن يعزل من قلده ~~الخليفة. ~~(3) # للخليفة أن يستعفي الأمة من الإمامة وليس ذلك للوزير. # ومن وزراء التفويض آل برمك، ويحيى بن أكثم، وابن الفرات وغيرهم في الدولة العباسية، ~~وأمير الجيوش في الدولة الفاطمية، وقد بلغ من تفويض بني العباس لوزرائهم أنهم كثيرا ما ~~كانوا يسلمون إليهم خاتم الخلافة يختمون به الكتب ms0120 دونهم، وفي حكاية الرشيد مع جعفر ~~والفضل يوم أخذ الخاتم من جعفر وسلمه إلى الفضل دليل على مقدار نفوذهم. # وناهيك بحكاية جعفر بن يحيى البرمكي مع عبد الملك بن صالح دليلا على ذلك كان جعفر في ~~مجلس فدخل عبد الملك بن صالح (ابن عم الرشيد) عليه وهم في الطرب، فقال له جعفر «هل من ~~حاجة تبلغها مقدرتي وتحيط بها نعمتي فأقضيها لك مكافأة على ما صنعت؟»، قال «بلى، إن في ~~قلب أمير المؤمنين تغيرا علي فتسأله الرضا عني»، فقال جعفر «قد رضي عنك أمير ~~المؤمنين»، قال «وعلى عشرة آلاف دينار» فقال جعفر «هي حاضرة لك من مالي، ولك من مال ~~أمير المؤمنين مثلها»، قال «وأريد أن أشد ظهر ابني إبراهيم بمصاهرة أمير المؤمنين»، قال ~~«قد زوجه أمير المؤمنين بابنته الغالية»، قال «وأحب أن تخفق الولاية على رأسه»، قال «قد ~~ولاه أمير المؤمنين مصر»، ثم انصرف عبد الملك، وقد أقدم جعفر على ذلك كله من غير ~~استئذان! # وفي الغد دخل جعفر على الرشيد فقال له الرشيد «كيف يومك يا جعفر بالأمس؟»، قال جعفر ~~«فقصصت عليه القصة حتى بلغت إلى دخول عبد الملك بن صالح، وكان الرشيد متكئا فاستوى ~~جالسا وقال «لله أبوك! ما سألك؟»، قلت «سألني رضاك عنه يا أمير المؤمنين»، قال «قد ~~رضيت عنه، ثم ماذا؟»، قلت «وذكر أن عليه عشرة آلاف دينار فأجبته قد قضاها عنك أمير ~~المؤمنين»، قال «قد قضيتها عنه، ثم ماذا؟»، قلت ورغب أن يشد أمير المؤمنين ظهر ولده ~~إبراهيم بمصاهرة منه، فقلت له قد زوجه أمير المؤمنين ابنته الغالية»، قال «قد أجبته إلى ~~ذلك، ثم ماذا؟»، قلت «قال: وأحب أن تخفق الألوية على رأسه، فقلت قد ولاه أمير المؤمنين ~~مصر»، قال «لقد وليته إياها»، ثم أنجز له جميع ذلك من ساعته. # وكثيرا ما كان الخلفاء يقلدون وزراءهم مع الوزارة منصبا آخر مهما، كما تقلد الفضل ~~بن سهل رئاسة السيف مع الوزارة، فسموه ذا الرئاستين. ~~(4) وزارة التنفيذ # أما وزارة التنفيذ فالنظر فيها مقصود على تنفيذ ما ms0121 يراه الخليفة، فيكون الوزير واسطة ~~بين الخليفة وبين الرعية، فيمضي ما يأمره الخليفة به من تقليد الولاة، وتجهيز الجيوش، ~~ويعرض عليه ما ورد من مهم وتجدد من حدث ملم، خلافا لوزير التفويض، فإنه يولي ويعزل كما ~~يشاء، يقضي ويمضي بلا حد ولا قياس، ويجوز للخليفة أن يستوزر وزيري تنفيذ: أحدهما للحرب ~~مثلا والآخر للخراج، ولكنه لا يستوزر إلا وزيرا واحدا تفويضيا. ~~(4-1) راتب الوزير # أما راتب الوزير فقد كان يختلف باختلاف العصور واختلاف الأشخاص، ولكن الوزراء لم ~~تكن نفقاتهم تقتصر على رواتبهم، لأن الخلفاء كانوا يفرضون الرواتب لإخوتهم وأولادهم ~~وحواشيهم، وقد فرض المقتدر بالله العباسي لوزيره علي بن عيسى خمسة آلاف دينار في ~~الشهر، وإليك راتب الوزير في الدولة الفاطمية وما يلحقه من رواتب أهله وأتباعه: # الوزير راتبه في الشهر 5000 دينار. # لكل واحد من أولاده وإخوته راتبه في الشهر من 200-300 دينار. # لكل واحد من حواشيهم راتبه في الشهر من 300-500 دينار. # ما عدا الإقطاعات وما كان يدفع إليهم في المواسم من الهدايا وما يخلع عليهم من ~~الخلع في الأعياد ونحوها فربما بلغ راتب الوزير وتوابعه بما يلحقهم من ~~الإقطاع نحو 100000 دينار في السنة، وسنعود إلى ~~الرواتب في الجزء الثاني من هذا الكتاب في الكلام عن مالية الدولة. ~~(4-2) السلطان # كان هذا المنصب في أوائل أمره لقبا لوزراء الدولة العباسية، يلقبون به على سبيل ~~التفخيم بأمر الخلفاء كما تقدم، وذكر ابن خلدون أن جعفر بن يحيى دعي سلطانا، ويظهر ~~من مجمل ما نقرأه من كتبهم أنهم يطلقون لفظ السلطان على والي بغداد أو والي الشام، ~~ولعله رئيس الشرطة أو ما يشبه المحافظ اليوم، وقد يريدون بالسلطان الخليفة نفسه، ~~وكل ذلك على سبيل المجاز، ولم تصر السلطنة رتبة رسمية إلا في أيام محمود الغزنوي ~~ابن سبكتكين، وهو أول سلطان في الإسلام، سمي به في أواخر القرن الرابع للهجرة بدلا ~~من لقب أمير الأمراء الذي ذكرناه، وكأنه ابتذل كما ابتذل اسم الوزير قبله، فأبدلوه ~~بلقب سلطان، وصار بعد ذلك لقبا ms0122 لملوك الأتراك والأكراد والجراكسة، وغيرهم من ~~السلاجقة والأيوبية والمماليك والعثمانيين، والوزارة لم يكن الإرث شرطا فيها، فلما ~~صارت إلى السلطنة صار الإرث شرطا فيها، والسلطان يعهد إلى ولي عهده قبل ~~موته. # وذكر ابن خلكان في ترجمة الرازي الطبيب أن الملوك السامانية كانوا يسمون ملكهم ~~«سلطان السلاطين» # 1 ~~- والملوك السامانية قبل الغزنوي - فالظاهر أن هذا اللقب كان معروفا ~~من قبل، فإذا صح ذلك كان لقب الغزنوي موروثا عنهم، ولكننا رأينا لبعض الباحثين ~~كلاما في شأن هذا اللقب يرجح قولنا الأول، وإلا فربما كان ذلك اللقب عند السامانية ~~قبل اعتناقهم الإسلام، فيكون محمود أول سلطان في الإسلام، والله أعلم. # وكان الخلفاء هم الذين يولون السلاطين، وإن كانت القوة في أيدي هؤلاء، ولكنهم ~~كانوا يعتبرون ذلك من وجهه الديني، وكانوا يحتفلون بتولية السلطان احتفالا شائقا، ~~فيخلع عليه الخليفة سبع خلع، ويلبسه طوقا وتاجا وسوارين، ويعقد له اللواء، ويقلده ~~السيف، ويخطب له. # ومن أمثلة ذلك احتفال الخليفة المستظهر بالله بتولية محمد بن ملكشاه في بغداد ~~بحضور أخيه سنجر، # 2 # فإن الخليفة جلس لهما في قبة التاج على سدته، وعلى كتفه بردة النبي، ~~وعلى رأسه العمامة، وبين يديه القضيب، وأفاض على محمد بالخلع وألبسه الطوق والتاج ~~والسوارين، وعقد له اللواء بيده وقلده سيفين وأعطاه خمسة أفراس بمراكبها، وخطبوا له ~~بالسلطنة في جامع بغداد. # وكانوا يلقبون السلاطين يوم الاحتفال بتوليتهم ألقابا تشير إلى تأييد الخلافة ~~بهم، مثل ناصر الدولة وسيف الدولة وعضد الدولة ونحو ذلك. # | الجند وتوابعه # تاريخ الجند ~~(1) أصل الجند ونظامه # كان الناس في أوائل أدوار تمدنهم قبائل جندها رجالها، إذا احتاجت إلى قتال اجتمع ~~الرجال من كل قبيلة بلا نظام ولا ترتيب، وينال كل واحد من الغنيمة ما يستطيع الحصول ~~عليه بنسبة شجاعته وقوة بطشه، فلما تحضر الناس وتقاسموا الأعمال ونشأت الدول كان من ~~أقدم المهن عندهم الكهانة والجندية. # وأول دولة نظمت الجند الدولة المصرية الفرعونية، فقد جندت جيشا من الزنوج والأحباش ~~حوالي القرن العشرين قبل الميلاد، أخضعت بهم سكان سواحل البحر الأحمر، ثم ms0123 انتشر أمر ~~التجنيد في الدول القديمة في آشور وبابل وفينيقية واليونان والرومان والإسلام. # فالفراعنة أسبق الأمم إلى تنظيم الجند، وكان نظامه عندهم الصفوف المتعاقبة المتراصة، ~~وعلى آثارهم كثير من صور هذه الصفوف، والمشهور أن رمسيس الثاني هو منظم الجند المصري ~~على النظام المعروف، لأنه كان يحب الحرب، وبلغ عدد جنده إلى 600000 راجل و24000 فارس ~~و27000 مركبة وعمارة بحرية، واقتبس البابليون والفرس هذا النظام مع بعض التعديل على ~~مقتضيات الأحوال، وبه تغلب قورش وقمبيز في حروبهما مع اليونان وغيرهم. ~~(2) جند الروم # وأما اليونان فإنهم اقتبسوا نظام الجند المصري ونوعوه، فأنشأوا الكتائب ويعبر عنها في ~~لسانهم بلفظ Phalanx # وهو أن تتراص الجنو صفوفا ~~متعاقبة، وكانت الكتيبة تتألف من 4000 رجل، يصطف رجالها الواحد بجانب الآخر على بضعة ~~أقدام في صفوف متعاقبة، الواحد وراء الآخر ... فجعلها فيليب المقدوني ضعفي ذلك، ثم جعلها ~~ابنه الإسكندر أربعة أضعافه، وقارب ما بين الرجال حتى كادت تتماس أكتافهم وتترابط ~~تروسهم، واصطنع لهم رماحا طول بعضها 23 قدما، وتكون رماح الصف الأمامي قصيرة، ورماح ~~ما وراءه أطول فأطول، حتى تبرز رماح الصف الخامس ثلاثة أقدام نحو الأمام، وكان فيليب قد ~~نظم فرقة من الفرسان، فأضاف ابنه إليها آلات الحرب وفي جملتها المنجنيق، وبهذا النظام ~~تغلب الإسكندر على العالم في القرن الرابع قبل الميلاد. # كتيبة الإسكندر في أثناء المعركة وقد فتكت رماحها بالأعداء. ~~(3) جند الرومان # فلما نشأت دولة الرومان اقتبست نظام الكتائب عن اليونان وأدخلته في جندها، وكان الجيش ~~الروماني في إبان الدولة مؤلفا من فرق عدد رجال كل منها 6000 تتألف من ثلاث طبقات من ~~الرجال: ~~(1) # الشبان ومنهم يتألف الصف الأول من الكتيبة في الحرب. ~~(2) # الكهول في الصف الثاني. ~~(3) # أهل الدربة والحنكة ويتألف منهم الصف الثالث. # وكان يلحق كل فرقة عندهم كوكبة من الفرسان تتقلد السهام والمقاليع والمزاريق لمشاغلة ~~الأعداء عن حرب المشاة. # قواد الروم وأجنادهم وآلاتهم وأسلحتهم. # ثم قسم الرومان الفرق إلى كراديس بلا تقييد بالصف، فجعلوا الفرقة عشرة كراديس، ~~والكردوس ثلاثة أقسام، وكل قسم فصيلتين ms0124 عدد رجال كل منهما مائة رجل، وهذا النظام يخالف ~~نظام الكتائب المتقدم ذكره بأن لا يتقيد الجند بصف واحد أو كتيبة واحدة، بل يكون عدة ~~كتائب كل كتيبة منها كردوس، وظل نظام الجند الروماني في حروبه على هذه الصورة إلى الفتح ~~الإسلامي. # ولما ظهر الإسلام كانت جنود الروم 120000 يقود كل عشرة آلاف منها قائد يغلب أن يكون ~~بطريقا، وتحت البطريق ضابطان يسمى كل منهما طومرخان يتولى قيادة 5000، وتحت الطومرخان ~~خمسة طرنجارية # Drungari # كل واحد يقود ألف رجل، وتحته ~~خمسة قوامس واحدهم قومس # Comes # يتولى قيادة 200 جندي، ~~وتحت القومس قمطرخ # Centuriones ~~، وتحته الدمرداخ، وهذا ~~تحته عشرة رجال، وترى في هذا النظام مشابهة كلية بنظام جند هذه الأيام. # وأما الفرس فقد كان جندهم أربع طبقات: الأولى طبقة القواد العظام ويسمى واحدهم ~~ميرميران، تحته أربعة قواد يسمى كل منهم أصفهبذ، وتحت كل أصفهبذ أربعة مرازبة، وتحت كل ~~مرزبان أربعة سالارية، وتحت كل سالار عشرة أساورة (وهم الفرسان المفردة) وخمسة من ~~الرجال المشاة ويسمونهم البيادة. ~~(4) جند العرب # أما العرب قبل الإسلام فقد كانوا أهل بداوة لا نظام للجند عندهم، وإنما كانوا قبائل ~~إذا أرادت إحداها حربا جردت رجالها، وفيهم الفرسان، والمشاة ومعهم الأسلحة المعروفة في ~~الجاهلية، كالقوس والرمح والسيف ... إلا ما كان من نظام الجند في الدول العربية التي ~~تمدنت قبل الإسلام، كالتبابعة ملوك حمير والمناذرة ملوك الحيرة، فقد ذكروا للمناذرة ~~كتيبتين من الجند تسمى إحداهما الدوسر والأخرى الشهباء، وأما عرب الحجاز فقد كانوا قبل ~~الإسلام على الفطرة البدوية كما قدمنا. # فلما ظهر الإسلام انفرد المسلمون عن سائر العرب، واتحدوا بجامعة الدين يدا واحدة في ~~محاربة أعدائهم، فكانوا كلهم جندا كبيرهم وصغيرهم، وأول جنود المسلمين المهاجرون، فلما ~~جاءوا المدينة اتحدوا بالأنصار وصاروا جميعا جندا واحدا قائدهم النبي بنفسه، ~~ورابطتهم المعاهدة والمؤاخاة وعددهم يومئذ قليل جدا. ~~(4-1) جند العرب في دولة الراشدين # ثم جعلوا يزدادون بالفتح والغزو في أيام النبي وأبي بكر، بمن انضم إليهم من قبائل ~~العرب في الحجاز واليمن ونجد واليمامة ms0125 كبارا وصغارا، تجمعهم جامعة الإسلام، حتى ~~تكاثروا فتكاتفوا وحملوا على الشام والعراق ومصر، ففتحوا البلاد ومصروا الأمصار، ~~وانقسموا إلى أجناد يقيم بعضها في مصر وبعضها في الشام وبعضها في العراق، في محطات ~~خاصة بهم، وكان جند كل محطة ينقسم باعتبار القبائل والبطون، فكان جند البصرة مثلا ~~خمسة أقسام تسمى الأخماس، يقيم في كل خمس منها قبيلة من قبائل المسلمين وهم: الأزد ~~وتميم وبكر وعبد القيس وأهل العالية «قريش وكنانة والأزد وبجيلة وخثعم وقيس عيلان ~~كلها ومزينة » وكانوا يسمون أهل العالية والكوفة أهل المدينة، وكان على كل خمس أمير ~~من أمراء تلك القبائل، وقس على ذلك سائر أجناد المسلمين في الكوفة والفسطاط مما ~~مصره المسلمون، أو في غيرهما من مدن العراق والشام ومصر، فقد كان لهم في كل إقليم ~~جند ينقسم على نحو هذه الكيفية. # كل ذلك والمسلمون كلهم جند محارب لا يعمل أحد منهم عملا، وقد نهاهم عمر بن ~~الخطاب عن الزرع، كأنه رآهم بعد أن فتحت لهم الأمصار ورأوا خصب الأرض قد مالوا إلى ~~الرخاء والتقاعد عن الحرب، فأمر مناديه أن يخرج إلى أمراء الأجناد يتقدمون إلى ~~الرعية أن عطاءهم قائم وأن رزق عيالهم سائر فلا يزرعون، ولعله أراد بذلك أن لا ~~يتوطنوا في بلد، إذ ربما مست الحاجة إلى تجنيدهم لنجدة إخوانهم في بلاد أخرى أو ~~لحماية بعض الأمصار فلا يثقل عليهم ذلك. ~~(4-2) تنظيم جند العرب في أيام بني أمية # أما تنظيم الجند فئة خاصة دون سائر فئات المسلمين، فقد بدأ في أيام عمر عند تدوين ~~الدواوين كما سيأتي، وتم في أيام بني أمية، ويظهر أن التجنيد الإلزامي بدأ في أواسط ~~هذه الدولة، وكان الناس من قبل يذهبون إلى الحرب جهادا في سبيل الله فيصيبون ~~الغنائم والفيء، فلما قامت الفتنة بعد مقتل عثمان (سنة 35ه) اشتغلوا بالحرب فيما ~~بينهم مدة، وكل طائفة تندفع إلى ذلك دفاعا عن رأيها واعتقادا بأنها تدرأ عن الحق، ~~فلما أفضى الأمر إلى بني أمية، وصار المسلمون دولة واحدة، وضعفت قوة الأحزاب بتغلب ms0126 ~~العنصر الأموي، لم يعد الناس يرون ما يدفعهم إلى الحرب طوعا، فجعلوا يتقاعدون ~~فاضطر الخلفاء إلى التجنيد بالإلزام. # ولعل أول من فعل ذلك الحجاج بن يوسف على عهد عبد الملك بن مروان، وكانت الدولة ~~الأموية قد بلغت ذروة مجدها، وكثر المسلمون ومالوا إلى العمل في الأرض وأطلق لهم ~~السراح، وكانوا قد هموا بالتقاعد عن الحرب في أيام معاوية، فغلبهم بدهائه وعطائه، ~~فلما تولى ابنه يزيد، ثم معاوية الثاني، ثم مروان بن الحكم - ولم يكن فيهم من يملك ~~القلوب أو الأعناق - تجرأ الجند على التقاعد، فتولى عبد الملك الخلافة والجند على ~~ما تقدم لا يرحلون برحيله ولا ينزلون بنزوله، فشكا ذلك إلى روح بن زنباع صاحب شرطته ~~فقال له «يا أمير المؤمنين، إن في شرطتي رجلا لو قلده أمير المؤمنين عسكره لأرحلهم ~~برحيله وأنزلهم بنزوله يقال له الحجاج بن يوسف» فأطاعه عبد الملك وقلد الحجاج أمر ~~العسكر. # وكان الحجاج شديدا عاتيا، فلم يعد أحد يتخلف عن الرحيل والنزول إلا أعوان روح ~~بن زنباع، فوقف الحجاج عليهم يوما وقد رحل الناس وهم على طعام، فقال لهم «ما منعكم ~~أن ترحلوا برحيل أمير المؤمنين؟» فقالوا له «انزل يا ابن اللخناء فكل معنا!» فقال ~~«هيهات! ذهب ما هنالك!». # ثم أمر بهم فجلدوا بالسياط وطوقهم في العسكر وأمر بفساطيط روح نب زنباع فأحرقت ~~بالنار، فدخل روح بن زنباع على عبد الملك بن مروان باكيا فقال له «ما لك؟» فقال ~~«يا أمير المؤمنين، الحجاج بن يوسف الذي كان في عديد شرطتي ضرب عبيدي وأحرق ~~فساطيطي»، قال «علي به»، فلما دخل عليه قال «ما حملك على ما فعلت؟»، قال «ما أنا ~~فعلته يا أمير المؤمنين»، قال «ومن فعله؟»، قال «أنت والله فعلته! إنما يدي يدك، ~~وسوطي سوطك، وما على أمير المؤمنين إلا أن يخلف على روح بن زنباع للفسطاط فسطاطين ~~وللغلام غلامين ولا يكسرني فيما قدمني له» فأخلف الخليفة لروح بن زنباع ما ذهب له، ~~وتقدم الحجاج في منزلته، وكان ذلك أول ما عرف عن كفايته. # فيشبه ms0127 أن يكون ذلك أول تاريخ التجنيد الإلزامي، ثم صار التجنيد سنة وأصبح الجند ~~الإسلامي فئتين: المرتزقة والمتطوعة، وكلاهما عرب يرجعون في أنسابهم إما إلى قحطان ~~وهم اليمنية، أو إلى عدنان وهم المضرية، وفيهم جماعة من الموالي أو العبيد. ~~(5) جند الأعاجم في الإسلام ~~(5-1) في الدولة العباسية # فلما تولى بنو العباس واحتاجوا إلى مؤازرة الأعاجم في تأييد سلطانهم، دخل في جند ~~العرب جماعات منهم، وأول من دخل في الجند الإسلامي منهم آل خراسان، لأنهم هم الذين ~~نصروا العباسيين في دعوتهم ، وسلموا إليهم أزمة الخلافة بقيادة أبي مسلم الخراساني، ~~فكانت فرق الجند في أيام المنصور ثلاثا: اليمنية، والمضرية، والخراسانية، ثم أضيف ~~إليها فرقة رابعة هي فرقة الحرس الخاص، اتخذها الخلفاء خوفا مما كانوا ينصبونه لهم ~~من الحبائل أو يقيمونه عليهم من الثورات، ومن غريب هذه الأعمال أن الأمر الذي أراد ~~الخلفاء أن يحفظوا سلطانهم به كان علة خروج ذلك السلطان من أيديهم ... # ولما أفضت الخلافة إلى المعتصم بالله (سنة 218ه) كانت العناصر الأجنبية قد تمكنت ~~من الدولة، وزاد الخلفاء خوفا على أنفسهم، فخاف المعتصم من جنده على نفسه، فاصطنع ~~قوما من الحوف بمصر (الشرقية والدقهلية) استخدمهم في حاشيته، وسماهم المغاربة - ~~لأن مصر غربي بغداد - ولعل فيهم بعض أهل المغرب، وجمع خلقا من أشروسنة وسمرقند ~~وفرغانة ابتاعهم من أسواق بغداد تدريجا وجند منهم جندا سماه جند الفراغنة ثم سموا ~~الأتراك، وقد كانوا أشد خطرا على الدولة العباسية من سائر فرق الجند، وآل الأمر ~~بهم إلى الاستبداد بأهل الدولة، واحتقار الجند العربي الأصلي وإساءة سائر أهل ~~بغداد، حتى إنهم كثيرا ما كانوا يركبون الدواب في شوارع بغداد ويركضونها، فيصدمون ~~الرجل والمرأة والصبي، فتأذى الناس وشكوا أمرهم إلى المعتصم، فلم ير سبيلا إلى ~~تلافي ذلك إلا بإخراج جنده من بغداد، فبنى لهم سامراء (سنة 221) وأقام معهم ~~فيها. # وكانت خلافة المعتصم بدء نفور العرب من خلفائهم وشكواهم منهم، وكانوا يعبرون ~~بالجند يومئذ عن الأتراك وغيرهم من الأعاجم، «وبالحربية» عن جند العرب وكلهم مشاة، ~~ثم المتطوعة وهم ms0128 الذين يقدمون على الحرب من تلقاء أنفسهم، ويغلب أن يكون المتطوعة ~~في الحروب خارج حدود المملكة الإسلامية، وكان من فرق الجند عند الخلفاء النشابون ~~الذين يرمون النشاب، والنفاطون الذين يرمون النفط لإحراق حصون الأعداء، ~~والمنجنيقيون رماة المنجنيق وهم مثل مدفعية هذه الأيام، والعيارون وهم رماة الحجارة ~~من المخالي، وكان للجند أطباء وصيادلة يرافقونهم في الحرب والسلم، كما تفعل الدول ~~المتمدنة اليوم. # جند من المسلمين بأعلامهم وأبواقهم في القرن الثامن للهجرة نقلا عن ~~مخطوط قديم. # ثم نشأت فرق أخرى من جند الأتراك وجعلوا يتنازعون النفوذ في الدولة، وكان في جملة ~~تلك الفرق فرقة الشاكرية ... ظهرت في أيام المهتدي واستفحل أمرها في أيام المستعين ~~بالله، ونشأ في أثناء ذلك ضرب من الحرس الخاص في قصور الخلفاء يسمونهم الغلمان ~~الحجرية، وكان في دولة الفواطم بمصر فرقة منهم، وتحول قسم كبير من جند المشاة العرب ~~إلى فرقة عرفت بالرجال المصافية، ثم تشكلت فرقة عرفت بالفرقة الساجية، نسبة إلى ابن ~~الساج أحد عمال المقتدر بالله، وهناك فرق أخرى من الأتراك وغيرهم تقرأ أسماءهم ~~عرضا في تاريخ الدولة العباسية كالبلالية والسعدية وغيرهما، وكانت كل فرقة تستعمل ~~نفوذها في الدولة على ما يبلغ إليه جهدها، وكثيرا ما كانت تقوم الفتن فيما بينها ~~أو بينها وبين حرس الخلفاء، حتى آل الأمر إلى خروج الأحكام من العرب على الإجمال، ~~ونسي أمر قريش والعرب - كما سيأتي - وصارت الأحكام إلى الأتراك ونحوهم، فنشأت منهم ~~الدولة المشهورة، وتقلبت نظم الجند بعد قيام دول الأتراك الكبرى على أحوال شتى، ~~نذكر منها نظامهم في زمن السلاطين المماليك بمصر ثم العثمانيين. ~~(5-2) جند السلاطين المماليك بمصر # كان جند المماليك أخلاطا من الأتراك والجركس والروم والأكراد، وأكثرهم من ~~المماليك المبتاعين، وهم طبقات أعلاها الأمراء ومن يليهم إلى الجندي البسيط، وأما ~~الأمراء فهم كالضباط في هذه الأيام، ومنهم من له إمرة مائة فارس أو أكثر إلى ألف ~~فارس، وهؤلاء من الأمراء يسمون أكابر النواب، وتحتهم أمراء الطبلخانات ولكل منهم ~~إمرة أربعين فارسا إلى السبعين، ولا تكون الطبلخانة ms0129 لأقل من 40 فارسا، يليهم ~~أمراء العشرات من عشرة إلى أربعين، ثم جند الحلقة وهؤلاء لكل أربعين منهم مقدم ليس ~~له حكم عليهم إلا إذا خرج العسكر، وكانت قيادتهم إليه وكانت رواتبهم تعطى بالإقطاع ~~كما سيجيء. # خوذة أحد السلاطين المماليك بمصر. # وكان لهم في الجند مناصب تتفاوت رفعة ونفوذا، أهمها أمير السلاح وصاحبها يتولى ~~حمل السلاح للسلطان، والدوادار لتبليغ الرسائل عن السلطان وهو من أمراء المئين، ~~والحاجب يقف بين الأمراء والأجناد، وأمير جاندار كالمتسلم للباب ومن أراد السلطان ~~قتله كان على يده ، والأستاذ دار يتولى أمر بيوت السلطان ونفقاتها، ونقيب الجيش ~~لإحضار من يطلب السلطان إحضارهم، والوالي وهو صاحب الشرطة، # 1 # وقد تولدت هذه المناصب في دولة المماليك بالتدريج حسب الأحوال، ومن ~~أكثر السلاطين عملا في ذلك السلطان ركن الدين بيبرس البندقداري، فإنه من كبار ~~المؤسسين لهذه الدولة. # ولهم في تدريب ذلك الجند طرق خاصة بهم، يبدأون به منذ دخول المملوك في ملك ~~السلطان: إذا قدم تاجر عرض مملوكا على السلطان يشتريه ويجعله في طبقته، ويسلمه إلى ~~الطواشي برسم الكتابة، فأول ما يبدأ تعليمه ما يحتاج إليه من القرآن، وكانت كل ~~طائفة لها فقيه يأتيها كل يوم، ويأخذ في تعليمها القرآن ومعرفة الخط، والتمرن بآداب ~~الشريعة الإسلامية وملازمة الصلوات والأذكار، وكان الشائع إذ ذاك أن لا تجلب التجار ~~إلا المماليك الصغار، فإذا شب الواحد من المماليك علمه الفقيه شيئا من الفقه ~~وأقرأه فيه مقدمة، فإذا صار إلى سن البلوغ أخذ في تعليمه فنون الحرب من رمي السهام ~~ولعب الرمح ونحو ذلك، فيتسلم كل طائفة معلم حتى يبلغ الغاية في معرفة ما يحتاج ~~إليه، وإذا ركبوا إلى لعب الرمح أو رمي النشاب لا يجسر جندي ولا أمير أن يحدثهم أو ~~يدنو منهم، فينقل عند ذلك إلى الخدمة وينتقل في أطوارها رتبة بعد رتبة، إلى أن يصير ~~من الأمراء، فلا يبلغ هذه الرتبة إلا وقد تهذبت أخلاقه وكثرت آدابه، وامتزج تعظيم ~~الإسلام وأهله بقلبه، واشتد ساعده في رماية النشاب، وحسن لعبه بالرمح ms0130 ومرن على ركوب ~~الخيل. # ولما فتح السلطان سليم مصر سنة 923 ضعف أمر المماليك، لكنهم ما زالوا محافظين على ~~جنديتهم يتوارثون تقاليدها أجيالا، حتى تولى محمد علي ففتك بالمماليك في قلعة ~~القاهرة سنة 1811 وأباح قتلهم حيثما وجدوا، فلم ينج من أمرائهم إلا مملوك اسمه ~~أمين بك وثب بجواده من أمام باب القلعة في أثناء المذبحة فقتل جواده ونجا هو، ~~وانقرض المماليك وجندهم من ذلك الحين، # 2 # وكان جند محمد علي من الألبانيين، ثم اتخذ الجند النظامي من ~~المصريين. ~~(5-3) الجند العثماني الإنكشارية # وللجند العثماني تاريخ طويل ، يبدأ منذ تأسيس الدولة العثمانية، وقد بني على نظام ~~جند السلاجقة، ثم نشأ جند الإنكشارية المشهور، أنشأه قره خليل أحد كبار رجال الدولة ~~العثمانية في زمن السلطان أورخان، وقد نظر في تنظيمه إلى خلوه من عصبية تبعثه على التمرد # 3 # وكان العثمانيون يومئذ يفتحون البلاد وأكثر أهلها مسيحيون، فيدخل في ~~حوزتهم جماعة من غلمان النصارى الذين قتل آباؤهم وأصبحوا لا نصير لهم ولا مرجع ~~لآمالهم، فارتأى أن يربى أولئك الغلمان تربية إسلامية، ويدربهم على الفنون الحربية، ~~ويجعلهم جندا دائما لا يخشى منه التمرد، لأنه لا يعرف عصبية غير الدولة، ولا ~~عملا غير الجندية، ولا دينا غير الإسلام، فجندهم وسار بهم إلى الحاج بكطاش شيخ ~~طريقة البكطاشية بأماسية، ليدعو لهم، فدعا لهم وسماهم «يكى جرى» أي الجند ~~الجديد. # ولم يكن قره خليل هذا أول من جند غلمان النصارى، كما يظن أكثر مؤرخي الأتراك، فإن ~~الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر فعل ذلك قبل تأسيس الدولة العثمانية، وهو متوجه إلى ~~دمشق سنة 565ه لملاقاة عساكره العائدة من غزوة بلاد سيس، فنزل بلدا اسمه قارا بين ~~دمشق وحمص، فأمر بنهب أهلها النصارى وقتل كبارهم، لأنهم كانوا يسرقون المسلمين ~~ويبيعونهم سرا للصليبيين، وأخذ صبيانهم مماليك رباهم بين الأتراك في الديار ~~المصرية، فنشأوا على الإسلام وتجندوا في الجيش التركي. # على أن قرة خليل جعل شروطا للإنكشارية لم يسبق لها مثيل، فقسمهم إلى وجاقات، ~~واحدها وجاق، والوجاق يقسم إلى أورط، ms0131 إحداها أورطة، ولكل أورطة عدد تعرف به، ~~ولبعضها أسماء خاصة، ويختلف عدد الجند في كل أورطة حسب العصور من 100 إلى 500، ~~ويختلف عدد الأورط في الوجاق، وعدد الوجاقات بمقتضى ذلك، وأكبر ضباط الوجاق أو ~~قائدها الأكبر يسمى «آغا»، تحته سكبان باشي، تحته غيره فغيره، على هذه الصورة: # الآغا: # قائد الوجاق، يقابل اللواء في هذه الأيام. # سكبان باشي: # ينوب عن الآغا في الآستانة، ويقابل القائمقام اليوم. # قول كخيا أو كخيا بك: # نائب الآغا أو السكبان باشي. # سمسونجي باشي: # قائد أورطة رقم 71. # زغرجي باشي: # قائدالأورطة رقم 64. # محضر أغا: # ينوب عن الإنكشارية عند الصدر الأعظم. # خصكي: # ينوب عن الأغا في القيادة على الحدود. # باشجاويش: # قائد الأورطة الخامسة. # كخيايري: # ينوب عن الوجاق لدى الأغا. # الأفندي: # الكاتب. # ولكل أورطة ضباط يقتسمون قيادتها وإدارة شئونها على هذه الصورة: ~~(1) # الجوربجي: # رئيس الأورطة، يشبه ~~الكولونيل. ~~(2) # أوده باشي: # نائب الجوربجي في ~~المناورات العسكرية وغيرها. ~~(3) # وكيل الخرج: # يولى أمر الطعام ~~والشراب. ~~(4) # بيرقدار: # يتولى الإعلام ~~والبيارق. ~~(5) # باش اسكي: # يتولى قيادات ~~القراقولات. ~~(6) # اشجي: # الطاهي. # قوانين الإنكشارية # قد رأيت أن جند الإنكشارية تشكل في زمن السلطان أورخان، لكن الفضل الأكبر في ~~تنظيمه وترتيبه للسلطان مراد الأول (تولى سنة 761ه) وهذه خلاصة قوانينهم: ~~(1) # الطاعة المطلقة لقوادهم وضباطهم أو من ينوب عنهم. ~~(2) # الاتحاد بين سائر الفرق كأنها فرقة واحدة وتكون مساكنها ~~متقاربة. ~~(3) # التجافي عن كل ما لا يليق بالجندي الباسل من الإسراف أو ~~الانغماس، ويكون معولهم على البساطة في كل شيء. ~~(4) # الإخلاص في الانتماء إلى الحاج بكطاش من حيث الطريقة، مع القيام ~~بفروض الإسلام. ~~(5) # لا يقبل في سلك الإنكشارية إلا الذين يشبون من غلمان الأسرى على ~~التربية الخاصة بين الغلمان الأعاجم. # إبراهيم بن محمد علي في ثوبه ~~العسكري عند أول تشكيل الجند ~~النظامي. ~~(6) # أن الحكم عليهم بالإعدام ينفذ بشكل خاص. ~~(7) # يكون الترقي في المراتب على حسب الأقدمية. ~~(8) # لا يجوز أن يوبخ الإنكشارية ولا يعاقبهم غير ضباطهم. ~~(9) # إذا عجز أحدهم عن العمل يحال على المعاش. ~~(10) # لا يجوز لهم إرسال لحاهم. ~~(11) # لا يجوز لهم أن يتزوجوا. ~~(12) # لا ms0132 يجوز لهم الابتعاد عن ثكناتهم. ~~(13) # لا يجوز لهم أن يتعاطوا عملا غير الجندية. ~~(14) # يقضون أوقاتهم في الرياضة البدنية والتمرين بالحركات ~~العسكرية. # فإذا تدبر هذه القوانين، هان عليك تصور الأعمال العظيمة التي أتاها هذا الجند ~~في مصلحة الدولة العثمانية من الفتوح العظام، وقد يتبادر إلى الذهن، لأول وهلة، ~~ترفع الناس عن الانتظام في هذا الجند، لأنه مجموع لقطاء لا يعرف لأحد منهم أب ~~ولا أم، لكنك تفهم من البند الخامس من قوانينهم أنهم كانوا يحظرون على غير ~~اللقيط أو المملوك الانتظام في جندهم، وكان السلاطين يتوخون تعظيم هذا الأمر في ~~عيونهم. # وما زال جند الإنكشارية معول الدولة العثمانية في حروبها، حتى صار عقبة في ~~سبيل أعمالها لتمكنه من النفوذ، وقاسى السلاطين منه عذابا شديدا، إلى أن فتك ~~به السلطان محمود الثاني في أوائل القرن الماضي، وتم تشكيل الجند ~~النظامي. # | ديوان الجند # تأسس ديوان الجند في المدينة، أسسه عمر بن الخطاب ودون فيه أسماء الرجال وفرض أعطياتهم، ~~ولم يكن هذا الديوان يومئذ يعرف بديوان الجند، لكنه كان يسمى «الديوان» فقط، وكان يشمل ~~أسماء المسلمين من المهاجرين والأنصار ومن تابعهم، ومقدار أعطياتهم تبعا للنسب النبوي ~~والسابقة في الإسلام، وكان لكل مسلم راتب يتناوله لنفسه، ورواتب لأهله وأولاده، فكأنه ديوان ~~المسلمين، باعتبار أن المسلمين كانوا كلهم جندا في ذلك الحين، وظل العطاء باعتبار النسب ~~والسابقة، حتى انقرض أهل السوابق، وصار الجند فئة من المسلمين قائمة بنفسها، فترتب الجند ~~باعتبار الشجاعة والبلاء في الحرب. # وكان عندهم لاختيار الجند من بين الناس شروط، منها أن من أراد الانتظام في الجندية يقدم ~~طلبا إلى صاحب ديوان الجند، وهو ينظر في أهليته لها، ولا يكون أهلا لذلك إلا إذا كان ~~حرا، بالغا، مسلما، سليما، مقداما، فإذا استوفى هذه الشروط قبل، ودون اسمه في دفاتر ~~الجيش، مع نسبه وقده ولونه وملامحه وسائر ما يتميز به على غيره، لئلا تتفق الأسماء. ~~(1) طبقات الجنود # أما ترتيب الجنود في الديوان، فظلوا يراعون فيه ما وضعه عمر من السابقة والنسب، ~~فيترتب الجند أولا ms0133 باعتبار القبائل والأجناس، حتى تتميز كل قبيلة من غيرها، وكل جنس من ~~غيره، فلا يخلو الجند من أن يكونوا عربا أو عجما، فإن كانوا عربا تترتب قبائلهم على ~~حسب القربى من النبي، فيبدأ بالترتيب بأصل النسب النبوي، ثم بما يتفرع عنه، فالعرب ~~مثلا عدنان وقحطان، فيقدمون عدنان على قحطان، لأن النبوة فيهم، وعدنان يجمع ربيعة ~~ومضر، فتقدم مضر على ربيعة، لأن النبوة فيهم، ومضر تجمع قريشا وغير قريش، فتقدم قريش، ~~لأن النبوة فيهم، وقريش تجمع بني هاشم وبني أمية وغيرهم، فيقدم بنو هاشم لأن النبوة ~~فيهم، فكان بنو هاشم قطب الترتيب ، ثم من يليهم من أقرب الأنساب كما تقدم، وإن كانوا ~~عجما لا يجتمعون على نسب، فكانوا يجمعونهم على الجنس، كالترك والهند، أو على البلد ~~كالخراسانيين والفراغنة والمغاربة، ثم إذا كان لهؤلاء الأعاجم سابقة، ترتبوا عليها في ~~الديوان، وإلا فيترتبون بالقرب من ولي الأمر، فإن تساووا في ذلك، ترتبوا بالسبق إلى ~~طاعته، وكان لديوان الجند فروع، بعضها للمراسلة وبعضها للعطاء وبعضها للنفقات، أو لغير ~~ذلك مما يختلف باختلاف الأحوال والأزمان. ~~(2) أعطيات الجند ~~(2-1) في دولة الراشدين # ويراد بأعطيات الجند رواتبهم التي يستولون عليها في أوقات معينة من العام، وكانت ~~تلك الأعطيات في أيام النبي غير محدودة، فتتبع ما يقع في أيديهم من الغنائم أو ~~الفيء، فكان يفرد خمسه لله، ويتولى رسول الله إنفاقه في مصالح الجماعة الإسلامية ~~حسبما يرى، ويفرق الأربعة الأخماس الباقية في الصحابة على السواء، بلا تمييز في ~~السابقة أو النسب، وجرى على ذلك أبو بكر، فلما تولى عمر ووضع الديوان، ميز الناس في ~~العطاء باعتبار النسب والسابقة، فرتبهم طبقات، وقد ميز راتب كل منهم باعتبار نسبه ~~من النبي، أو سابقته في الإسلام، أو غير ذلك على ما تراه في هذه الجريدة، وهي عبارة ~~عن رواتب الجند السنوية في صدر الإسلام: # درهم # لكل من المهاجرين والأنصار الذين شهدوا واقعة بدر الكبرى # 5000 # لكل من المهاجرين والأنصار الذين لم يشهدوا بدرا # 4000 # لكل من أزواج النبي # 12000 # العباس عم ms0134 النبي # 12000 # الحسن والحسين # 5000 # عبد الله بن عمر بن الخطاب ابن الخليفة # 3000 # كل من أبناء المهاجرين والأنصار # 2000 # كل واحد من أهل مكة # 800 # كل واحد من سائر المسلمين على اختلاف طبقاتهم # 300-500 # لكل من نساء المهاجرين والأنصار # 200-600 # تلك هي أعطيات المسلمين، أو رواتب الجند - على عهد عمر - مع اختلاف طفيف ببعض الروايات، # 1 # فإذا اعتبرت مقادير هذه الرواتب وقابلتها برواتب هذه الأيام، رأيت ~~الفرق عظيما، فإذا قدرنا الدرهم بأربعة قروش ونصف القرش - وهي قيمة على وجه ~~التقريب - كان راتب أعظم رجال الإسلام لا يزيد على خمسة آلاف درهم، أي نحو مائتي ~~جنيه في السنة، وإذا اعتبرنا المسلمين كلهم جندا ، كان المهاجرون والأنصار ضباط ذلك ~~الجند ومنهم عمر نفسه، وأما الجنود فهم الذين عبرنا عنهم «بسائر المسلمين على ~~اختلاف طبقاتهم»، ورواتب هؤلاء أقل كثيرا من رواتب أولئك، فإنها تختلف من ثلاثمائة ~~إلى خمسمائة درهم، باختلاف بعض الاعتبارات من حيث القبيلة وجهادها ومقدار فضلها في ~~الإسلام، وبناء عليه تكون رواتب ضباط الجند الإسلامي - على عهد عمر - من أربعة آلاف ~~إلى خمسة آلاف درهم في العام، ورواتب العساكر من ثلاثمائة إلى خمسمائة درهم، غير ما ~~كان يدفع لنسائهم وأولادهم، وما فرض لهم من الحنطة، وهو جريبان لكل واحد في الشهر، ~~والجريب 3600 ذراع مربع، ويراد به ما ينبت في تلك المساحة. وخلاصة ذلك أن رواتب ~~صغار الجند في أوائل الإسلام كانت تزيد على رواتب أنفار جنود هذه الأيام، وبعكس ذلك ~~رواتب ضباطهم. ~~(2-2) أعطيات الجند في الدولة الأموية # وظلت أعطيات الجند على هذا القدر في أيام الراشدين، فلما طمع بنو أمية في الملك ~~واحتاج معاوية إلى الاعتزاز بالعرب، كان في جملة ما استخدمه في سبيل اجتذابهم إلى ~~جانبه المال، فزاد أعطيات الجند، وكان جنده ستين ألفا، ينفق عليهم ستين مليون درهم ~~في العام، فيلحق كل رجل ألف درهم، وذلك أكثر من ضعفي ما فرضه عمر. # وكان في مقدمة القبائل التي أخذت بيده وحاربت عنه وأيدت دعوته قبائل اليمن، وهي ms0135 ~~إنما فعلت ذلك رغبة في العطاء، لأنه كان يحارب بهم عربا آخرين، فلم يكن الجهاد ~~دافعهم إلى الانضمام إليه، فجعل معاوية اليمنية فرقة قائمة بنفسها وعدتهم ألفا ~~فارس، وفرض لهم عطاء مضاعفا، وجعلهم جندا مستقلا لا يختلطون بسواهم، وكان ~~يستشير أمراءهم ويقربهم، فاستفحل أمر اليمنية حتى عرضوا بذكر فضلهم على دولة بني ~~أمية، وأنهم لو شاءوا لأخرجوا المضرية من الشام (وفيهم بنو أمية) فندم معاوية على ~~اختصاصهم بذلك الامتياز، وقرب منه القيسية وأعطاهم مثل عطائهم، وصار يغزو البحر ~~باليمنية والبر بالقيسية، فشق ذلك على اليمنية، لأن القيسية من مضر، فعاتبوه فجمع ~~بين القبيلتين وأغزاهم معا. # ولم يكن معاوية يعتمد على المال في استرضاء الجند فقط ، بل كان يستخدمه في اصطناع ~~الأحزاب وتخفيف ويلات المتعصبين عليه، فكان كثيرا ما يأمر عماله بزيادة أعطيات ~~أناس يعرض أنهم على غرض علي، وكان عماله لا ينفذون أوامره لقصور إدراكهم عن غرضه، ~~ومن هذا القبيل أن أهل الكوفة كانوا من أشد الناس تعصبا لعلي، فأمر معاوية عامله ~~عليها - النعمان بن بشير - أن يزيد في أعطيات أهلها عشرة دنانير، فأبى النعمان أن ~~ينفذها لهم فلم ينفعه ذلك. # وظل هذا شأن العطاء أيام يزيد ومروان وعبد الملك، وكان عبد الملك يبالغ في ~~الإنفاق، تأييدا لأحزابه في مقاومة دعاة الخلافة في أيامه، فإن الحجاج سير الجند ~~إلى رتبيل بإذن عبد الملك، وكان عددهم أربعين ألفا أنفق عليهم مليوني درهم سوى ~~أعطياتهم، فضلا عما أعطاه لكبارهم، ولما تولى الوليد بن يزيد زاد العطاء عشرة ~~دراهم يوم خلافته، ولعله فعل ذلك إرضاء للجند، لما كان هو فيه من الاعوجاج ~~والإسراف، وفي أواخر دولة بني أمية قلت الرواتب، حتى صارت في آخرها خمسمائة ~~درهم. ~~(2-3) أعطيات الجند في الدولة العباسية # فلما آلت الخلافة إلى بني العباس جعل السفاح رزق الجندي ثمانين درهما في الشهر ~~(960 درهما في السنة) فكأنه أرجعه إلى ما كان عليه في أوائل بني أمية، وكان للفارس ~~ضعفا هذا الراتب لينفق نصفه على فرسه، ويظهر أن الرواتب لم ms0136 ترتفع بارتقاء الدولة ~~العباسية بل هي أخذت في التناقص، فصارت في أيام المأمون عشرين درهما في الشهر ~~للراجل وأربعين للراكب، فكان جيش عيسى بن محمد بن أبي خالد عام 201ه 125 ألف فارس، ~~فأعطى الفارس أربعين درهما والراجل عشرين، وزد على ذلك أن قيمة الذهب كانت قد ~~ارتفعت عما كانت عليه في أوائل الإسلام، وكان الدينار في أيام عمر يساوي عشرة دراهم ~~فأصبح في أيام المأمون يساوي 15 درهما. # فرأيت مما تقدم أن الرواتب زادت في دولة بني أمية عما كانت عليه في أيام ~~الراشدين، ثم نقصت في أيام بني العباس، والسبب في ذلك أن بني أمية زادوها ترغيبا ~~لقبائل العرب في خدمتهم، لتأييد سلطانهم كما تقدم، وأما في أيام بني العباس فكان ~~العرب قد انتشروا في أنحاء البلاد واختلطوا بالأعاجم، وعمل العباسيون على الاستكثار ~~من هؤلاء، لأنهم ساعدوهم على إنشاء دولتهم، فأصبحت الدولة العباسية مخيرة في ~~استخدام من شاءت من الفئتين في جندها، وكان الأعاجم يرضون بالراتب القليل، ومع ذلك ~~فهو أضعاف ما كان يدفعه الروم لجندهم إذا صح ما نقله ابن خرداذبه، فقد ذكر أن راتب ~~الجندي عندهم كان يختلف من 18 إلى 12 دينارا في السنة، وكانوا لا يستولون على ~~رواتبهم إلى كل ثلاث سنوات أو أربع، وأما رواتب الجند العرب فقد كانت تدفع في ~~أوقاتها، إلا في أواخر الدولة العباسية فقد كانت تتأخر وتتراكم، ويفوز بالخلافة من ~~يتمكن من إرضاء الجند، شأن الدول في دور انحطاطها. ~~(2-4) عطاء الجند في الدولة التركية # وما زال العطاء يدفع نقدا إلى أيام الدولة السلجوقية، فصار يعطى إقطاعا، وأول ~~من فعل ذلك نظام الملك الطوسي وزير آل سلجوق (توفي سنة 485ه) وكان رجلا عظيما وزر ~~للدولة السلجوقية وأدخل فيها إصلاحات جمة، وهو أول من أنشأ المدارس في بغداد، وله ~~فيها المدرسة التي تعرف باسمه (المدرسة النظامية)، وكان وزيرا لألب أرسلان ثم ~~لابنه ملك شاه المشهور، فصار أمر الدولة كله لنظام الملك وليس للسلطان إلا التخت ~~والصيد، فأقام على ذلك عشرين ms0137 سنة، وكان عاقلا حسن القصد، ورأى الدولة السلجوقية قد ~~اتسع نطاقها فأحب أن يحفظها بالإقطاع، فحولها إلى إقطاعات سلمها إلى الجند، ~~لاعتقاده أن تسليم الأرض إلى المقطعين يضمن عمارتها لاعتناء مقطعيها بأمرها، بخلاف ~~ما إذا شمل جميع أعمال المملكة ديوان واحد، فإن الخرق يتسع ويدخل الخلل في البلاد، ~~ففعل نظام الملك ذلك، وعمرت المملكة وكثرت الغلات، واقتدى بفعله من جاء بعده من ~~الملوك والسلاطين، إلى أوائل القرن الماضي. # واختلفت غلات الأمراء من إقطاعاتهم، فقد بلغت غلة إقطاع بعض أكابر أمراء المئين ~~في دولة المماليك نحو 200000، ويليهم من غلتهم نصف ذلك أو ربعه، وأما أمراء العشرات ~~فنهايتها سبعة آلاف دينار، إلى ما دون ذلك، أما جند الخليفة فمنهم من يبلغ إقطاعه ~~1500 دينار وما دون ذلك إلى 250 دينارا، # 2 # وسيأتي الكلام في الإقطاع. ~~(3) عدد الجند # قلنا إن المسلمين كانوا في صدر الإسلام كلهم جندا، فعددهم يومئذ هو عدد الجند ~~الإسلامي، فالجند كانوا في السنة الأولى للهجرة لا يزيد على بضع عشرات يقيمون في ~~المدينة، ثم ازدادوا بمن اعتنق الإسلام من قبائل العرب، وفي حديث أخرجه البخاري أن ~~النبي قال «اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام فكتبنا له ألفا وخمسمائة». # وفي غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة - وهي آخر الغزوات - بلغ عدد المسلمين ثلاثين ~~ألفا، ومعهم عشرة آلاف فرس، فذلك عدد جند العرب في أواخر أيام النبي، ثم تزايد عددهم ~~في أيام أبي بكر وعمر، حتى زادوا على مائة وخمسين ألفا، وتضاعف ذلك العدد في أواخر ~~أيام الراشدين. # وفي أوائل بني أمية بلغ عدد من في البصرة والكوفة من الرجال فقط 140000، منهم 80 ~~ألفا في البصرة و60 ألفا في الكوفة، ومعهم من العيال 200000 بين نساء وأولاد، وكان في ~~مصر أربعون ألفا ما عدا العيال، وكان جند الشام نحو ذلك، غير من في فارس ~~وغيرها. ~~(3-1) الإحصاء في الإسلام # وكان للخلفاء في صدر الإسلام عناية في إحصاء المسلمين، اقتداء بما فعله النبي، ~~فجعلوا على كل قبيلة من قبائل العرب رجلا يصبح كل ms0138 يوم فيدور على المجالس فيقول «هل ~~ولد الليلة فيكم مولود، وهل نزل بكم نازل؟» فيقال «ولد لفلان غلام، ولفلان جارية» ~~فيكتب أسماءهم. ويقال «نزل بهم رجل من أهل كذا بعياله» ويسميه وعياله، فإذا فرغ من ~~ذلك عاد إلى الديوان وأثبت الأسماء فيه. # وكانوا يجددون التدوين (الإحصاء) كل مدة في كل ولاية على حدة، وأول تدوين في مصر ~~مثلا دونه عمرو بن العاص، ثم دون عبد العزيز بن مروان (تولى إمارة مصر من سنة ~~65-86ه)، ثم دون قرة بن شريك (سنة 90-96ه)، ثم بشر بن صفوان (سنة 101ه)، وآخر إحصاء ~~أحصوا به العرب في الأمصار على ما تقدم كان في خلافة هشام بن عبد الملك (سنة ~~105-127ه)، ولكن تلك الإحصاءات لم تصل إلينا، فقد ضاعت في جملة ما ضاع من آثار بني ~~أمية. # فلما تولاها بنو العباس أهملوا أمر العرب، وبذلوا عنايتهم في اصطناع الأعاجم في ~~الفرس والترك وغيرهما - كما قدمنا - حتى إذا بويع المعتصم بالله سنة 218ه بعث إلى ~~عماله في الأمصار أن يسقطوا من في دواوينهم من العرب ويقطعوا العطاء عنهم، فشق ذلك ~~على العرب وثاروا، ولكنهم لم ينالوا وطرا، فانقضت دولة العرب من ذلك الحين، وصار ~~جند الدولة العجم والموالي، ولذلك لما مات المعتصم وتولى بعده الواثق، كان دعبل ~~الخزاعي الشاعر المشهور في الصميرة، فلما جاءه نعي المعتصم وقيام الواثق أنشد هذين ~~البيتين: # الحمد لله لا صبر ولا جلد # ولا عزاء إذا أهل البلا رقدوا # خليفة مات لم يحزن له أحد # وآخر قام لم يفرح به أحد # وأما عدد الجند في أثناء دولة بني أمية وبني العباس فمما لا يتيسر الوقوف عليه، ~~لكننا نستدل من عدد ما كانوا يجندونه إلى الحرب أنه كان كثيرا، فلما حمل يزيد بن ~~المهلب على جرجان وطبرستان جرد إليهما 120000 من الجند المرتزقة، سوى الموالي ~~والمتطوعة، وحمل الرشيد على هرقلة بجند عدده 135000 من المرتزقة، ما عدا الأتباع ~~والمتطوعة، وكان جند محمد بن طغج مؤسس الدولة الإخشيدية بمصر (سنة 323-334ه) 400000 ~~جندي وثمانية ms0139 آلاف مملوك، يحرسه منهم ألفان كل ليلة على التناوب، وروى ابن خلدون أن ~~المعتصم نازل عمورية في جند عدده 900000، ولا غرابة في ذلك إذا اعتبرنا عدد الحامية ~~في الثغور الدانية والقاصية شرقا وغربا، فضلا عن المصطنعين والموالي والخاصة، ~~فقد أحصيت خاصة المأمون من بني العباس وحدهم فبلغوا 33 ألفا. ~~(3-2) رتب الجند وأصنافهم # لم يكن للعرب في الجاهلية جند، فلم تكن له عندهم رتب، ولكنهم كانوا يولون على ~~القبيلة أكبر رجالها سنا أو أعظمهم حسبا، ويسمونه الشيخ أو الأمير، فإذا احتاج ~~الأمير إلى من ينوب عنه على فصيلة يرسلها إلى غزو أو نحوه، ولى رجلا كانوا يسمونه ~~المنكب، وتحت المنكب العريف، والمنكب يكون على خمسة عرفاء، والعريف يكون على نفير ~~أو نفر. # وظل العرب في أوائل الإسلام على نحو ما كانوا عليه في الجاهلية، فقسموا الجند إلى ~~عرفاء، تحت كل عريف عشرة رجال، وسلموا القيادة إلى أناس من أهل السابقة، وكذلك كان ~~نظامهم في أثناء الفتوح، ثم جعلت العرفاء أسباعا، وجعلوا مائة عريف بعضهم على ~~ثلاثين أو أربعين رجلا، وبعضهم على عشرين على حسب طبقات الجند من حيث السابقة ~~ونحوها، وكان على العرفاء أمراء يقال لهم أمراء الأسباع، يتولون تفريق العطاء في ~~العرفاء، والعرفاء يفرقونه في الجند. # وقلما حدث تغيير في رتب الجند في أيام بني أمية، أما في الدولة العباسية فكانت ~~رتب الجند أن على كل عشرة رجال «عريفا»، وعلى كل خمسين «خليفة»، وعلى كل مائة ~~«قائد»، ثم تنوع الترتيب فصار العريف على عشرة، وعلى كل عشرة عرفاء (أو مائة نفر) ~~«نقيب»، وعلى كل عشرة نقباء (أو 10000 رجل) «أمير»، ولا يخلو الأمر من وقوع التبديل ~~في هذا النظام بالنظر إلى الدول. # ولا بد من أن يكون لكل رتبة علامة تميزها عن سواها، كما يتميز الضباط اليوم بعضهم ~~عن بعض وعن العساكر، لكننا لم نعثر على شيء صريح بهذا الشأن، وقد تقدم لنا كلام ~~بهذا الموضوع في بحثنا عن الطراز، ومن هذا القبيل ما كانوا يسمون به الخيل لتمتاز ms0140 ~~خيول الدولة عن سواها، وكان لكل دولة سمة خاصة، وسمة خيل بني أمية لفظ (عدة) كانوا ~~يطبعونها على الخيول كيا بالنار، كما كان العرب يفعلون بإبلهم في عصور جاهليتهم، ~~فقد كان عندهم لكل قبيلة ميسم يميز إبلها عن إبل غيرها، ووسم الدواب شائع في الدول ~~المتمدنة اليوم. ~~(4) استعراض الجند # استعراض الجند قديم في الدول المتمدنة قبل الإسلام: كان الإسكندر يستعرض جنده بنفسه ~~ويتفقدهم ويتفقد سلاحهم وخيولهم، ولما ظهر الإسلام كان الفرس يعرضون جنودهم في مواقيت ~~معينة من السنة، وكان رسمهم في ذلك أن يمر الفارس الذي هو في الطبقة الأولى على حصانه، ~~ومعه الغلام والدرع والمغفر والكفوف الزرد والرانات والتجافيف للخيل ويسمى بركستوان ~~والترس والرمح والسيف والدبوس والسكين الكبيرة والحبل والمخالي والسكك الحديد والمقاود ~~وكبة خيوط ومخصف ومقص ومطرقة وكاز ومسل وإبر وخيوط وزناد وطرطور ولباد وقوسان موتوران ~~ووتران زائدان، خوف الانقطاع، وجعبتان للنشاب، إحداهما معه، والأخرى مع غلامه. # ولما تمدن العرب وجندوا الجنود اتخذوا هذه العادة على نحو ما كانت عند الفرس، لكن ~~يظهر أنهم كانوا يستعرضون رجالهم قبل تمصير الأمصار وتجنيد الجنود، فإن النبي نفسه كان ~~يستعرض أصحابه، وقد جاء في السير أنه استعرضهم يوم بدر الكبرى (سنة 2ه) فجعلهم صفوفا، ~~وأخذ يعدل صفوفهم وفي يده سهم بلا ريش، فمر برجل اسمه سواد كان مستنثلا من الصف فطعنه ~~النبي في بطنه وقال له «استو يا سواد بن غزية» وبعد أن عدل الصفوف عاد إلى العريش الذي ~~كانوا نصبوه له هناك. # 3 # وكان الخلفاء الراشدون يعرضون الجند على نحو ذلك، ثم بنو أمية، وكان الحجاج إذا عرض ~~الجند يسأل عن رجل رجل من هو، وما هي قبيلته، وعن حاله وسلاحه. # وكان الاستعراض في الدولة العباسية أقرب إلى عادة الفرس، لأن العباسيين اقتبسوه منهم، ~~فكان الخليفة، أو وزيره، يجلس لعرض الجند، وربما جلس الخليفة وعليه الدرع والخوذة كأنه ~~في استعداد للحرب، فينادي المنادي بأسماء القواد فيمرون أولا، فيتفقد أفراسهم وعدتهم، ~~فإذا رأى كل شيء حسنا تاما صرف لهم أرزاقهم، وهي ms0141 جائزة يمنحونها يوم العرض، وقد ~~يستنكف القائد الكبير أن ينتفع بتلك الجائزة فيهبها لبعض أتباعه. # ومن أمثلة ذلك ما كان يفعله عمرو بن الليث على عهد الخليفة المعتمد (سنة 271ه) فإنه ~~نال حظوة لدى الخليفة، وتمكن من قوانين المملكة، وتولى النظر في الجند، وكان ينفق لهم ~~مرة كل ثلاثة أشهر ويحضر بنفسه على ذلك، وكان عارض الجيش يقعد والأموال بين يديه والجند ~~كلهم حاضرون، وينادي المنادي أولا باسم عمرو بن الليث، فتقدم دابته إلى العارض بجميع ~~آلة الفرس، فيتفقدها ويأمرون بوزن ثلاثمائة درهم باسم عمرو فتحمل إليه في صرة، فيأخذ ~~الصرة فيقبلها ويقول «الحمد لله الذي وفقني لطاعة أمير المؤمنين حتى استوجبت منه ~~الرزق»، ثم يضعها في خفه فتكون لمن ينزع خفه ثم يدعى بعد ذلك بأصحاب الرسوم على ~~مراتبهم، فيتعرض لآلاتهم التامة ولدوابهم الفره، ويطالبون بجميع ما يحتاج إليه الفارس ~~والراجل من صغير آلة وكبيرها ، فمن أخل بإحضار شيء منها حرموه رزقه، فاعترض يوما فارس ~~كانت له دابة في غاية الهزال فقال له عمرو «يا هذا! تأخذ مالنا تنفقه على امرأتك ~~فتسمنها وتهزل دابتك التي عليها تحارب وبها تجد الأرزاق؟ امض فليس لك عندي ~~شيء!». # فقال له الجندي «جعلت لك الفداء ... لو اعترضت امرأتي لاستسمنت دابتي!». # فضحك عمرو وأمر بإعطائه وقال: «استبدل بدابتك». ~~(5) مساكن الجند # كان المسلمون في صدر الإسلام (وهم الجند) إذا فتحوا بلدا جعلوا مساكنهم في بعض ~~ضواحيه، وكانوا لا يقيمون في مكان بينه وبين المدينة بحر أو نهر، عملا يوصيه عمر بن ~~الخطاب كما تقدم، ولذلك لم يقم جند مصر في الإسكندرية عاصمة الديار المصرية، بل أقاموا ~~في الخيام قرب حصن بابل، في بقعة عرفت بعد ذلك بالفسطاط، ولم يقم جند العراق في المدائن ~~عاصمة كسرى، بل أقاموا على ضفاف الفرات مما يلي بادية الشام، في البصرة والكوفة، وفعل ~~ذلك غيرهم في سائر الأقاليم التي فتحت في صدر الإسلام، فأقاموا في ضواحي البلاد المفتوح ~~لمجرد حمايتها كما قدمنا في كلامنا عن ولاية الأعمال، ولكنهم كانوا ينتقلون ms0142 للحرب يومئذ ~~بنسائهم وأولادهم، فإذا فتحوا بلدا أقاموا فيه جميعا، فأصبحت تلك المعسكرات بتوالي ~~الأجيال مدنا عامرة. # ولما تمدن العرب صاروا يذهبون إلى الحرب دون نسائهم، ولكنهم ظلوا على إنشاء المعسكرات ~~خارج المدن، وكثيرا ما كانت هذه المعسكرات تتحول إلى مدن بتوالي الأجيال، كما حصل في ~~الفسطاط والكوفة والبصرة: كانت الفسطاط مضرب خيام حول فسطاط عمرو بن العاص، ثم عمرت ~~وصارت مدينة سميت الفسطاط، وبعد عمرانها بقرن وبعض القرن، لما قام العباسيون للمطالبة ~~بالخلافة، فر مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية ولجأ إلى مصر، فتعقبه العباسيون بقيادة ~~صالح بن علي وعسكروا بضواحي الفسطاط وسموا مقامهم «العسكر» أي المعسكر، ثم بنى الناس ~~هناك وصار المكان مدينة مثل الفسطاط اسمها العسكر. # وبعد ذلك بقرن وبعض القرن سنة 257ه تولى مصر أحمد بن طولون وأكثر من الجند والحاشية ~~والآلات، فضاقت الفسطاط دونه، فأنشأ معسكرا بجوار جبل المقطم، وبنى لنفسه فيه قصرا ~~وميدانا، وتقدم إلى غلمانه وأتباعه أن يبنوا، فبنوا حتى اتصل البناء بالفسطاط وصار ~~المكان مدينة سميت القطائع، وفعل مثل ذلك جوهر قائد الفاطميين، لما جاء لفتح مصر بعد ~~قرن وبعض القرن سنة 365ه فإنه أنزل جنده بسفح المقطم خارج القطائع والفسطاط، ولما فتح ~~البلاد أنشأ في ذلك المعسكر مدينة القاهرة الباقية إلى الآن، ويقال نحو ذلك في سائر ~~المدن الإسلامية، فإن المنصور إنما بنى بغداد حصنا له ولجنده، وكذلك فعل ابنه المهدي ~~ببناء العسكر خارجها. # وقس عليه غيره من المعسكرات الإسلامية، فإنهم كانوا ينشئونها خارج المدن بعيدا عن ~~بيوت الناس، ولذلك لما أنزل الحجاج جنده في بيوت أهل الكوفة، بعد واقعة الجماجم، نقم ~~عليه أهلها وعدوا ذلك عتوا منه، وخصوصا لأن الأمراء الذين جاءوا بعده كانوا كثيرا ~~ما يعملون عمله. ~~(6) اللواء أو الراية ~~(6-1) تاريخ الألوية # اللواء والراية شيء واحد، وربما كان اللواء أصغر من الراية، أو أن الراية تسمى ~~لواء إذا عقدت للحرب، وهي الأعلام، أو البنود، أو البيارق في اصطلاح هذه الأيام، ~~والراية قديمة في التاريخ، اتخذها المصريون القدماء ms0143 ومن عاصرهم أو أخذ عنهم، وكانت ~~شائعة في العرب الجاهلية قبيل الإسلام، وكان لكل قبيلة راية تجتمع تحتها. # وللراية شأن كبير في الحرب، لأن الناس إنما يؤتون من قبل راياتهم إذا زالت زالوا، ~~وقد رأيت، في كلامنا عن حكومة الجاهلية، أنه كان في جملة مناصب قريش منصب اللواء، ~~ويسمونه «العقاب» باسم رايتهم يومئذ، وكانوا إذا خرجوا إلى حرب أخرجوا الراية، فإذا ~~اجتمع رأيهم على أحد سلموه إياها، وإلا فإنهم يسلمونها إلى صاحبها، وكان مرة من بني ~~أمية ومرة من بني عبد الدار، ولعلهم سموا رايتهم «العقاب» اقتباسا من الروم، لأن ~~العقاب أو النسر شارة الرومان، يرسمونها على أعلامهم وينقشونها على أبنيتهم، ~~فاقتبسها العرب منهم. # وفي السيرة الحلبية أن المسلمين في غزوة بدر الكبرى كانت لهم ثلاث رايات: إحداها ~~بيضاء دفعها النبي إلى مصعب بن عمير، والأخريان سوداوان إحداهما حملها علي بن أبي ~~طالب، ويقال لها العقاب صنعت من مرط لعائشة (والمرط كساء من صوف أو خز تضعه المرأة ~~على رأسها أو تأتزر به) والأخرى مع رجل من الأنصار، وأن أبا سفيان كان يحمل راية ~~الرؤساء في تلك الواقعة، واسمها أيضا راية العقاب، فالظاهر أن العقاب كان اسما ~~لصنف من الرايات، فقلدوا الروم بها وليس اسم واحدة منها. # ولما جاء الإسلام، وانتشر العرب في أنحاء الشام وفارس ومصر، وتعددت دولهم ~~وقبائلهم، كثرت ضروب الألوية عندهم، وتنوعت أشكالها وتعددت ألوانها وأطالوها، ~~وسموها بأسماء مختلفة: عقد أبو مسلم الخراساني عند قيامه بالدعوة العباسية لواء بعث ~~به إليه إبراهيم الإمام يدعى «الظل» على رمح طوله أربعة عشر ذراعا، وعقد راية كان ~~قد بعث بها إليه اسمها «السحاب» على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعا، إرهابا للناس، ~~ولما عقد المتوكل البيعة لبنيه سنة 235ه عقد لكل واحد منهم لواءين أحدهما أسود وهو ~~لواء العهد والآخر أبيض وهو لواء العمل، ولما ولى المأمون الفضل بن سهل على المشرق ~~كله وسلم إليه رئاسة الحرب والقلم وسماه ذا الرئاستين عقد له لواء على سنان ذي ~~شعبتين. وجملة القول أن ms0144 أشكال الألوية تعددت بتوالي الأزمان وتفاخر الخلفاء ~~والسلاطين بتعدادها، فقد بلغ عدد رايات العزيز بالله الفاطمي لما خرج إلى فتح الشام ~~500 راية و500 بوق، وربما نقشوا على الرايات أسماء الخلفاء أو السلاطين أو الأمراء ~~الذين يتولون قيادة الجند، كما كتب ابن بجكم على رايته «الرائقي» نسبة إلى ابن ~~رائق. ~~(6-2) ألوان الرايات # لا نعرف ماذا كانت ألوان الرايات في الجاهلية سوى راية «العقاب»، فقد تقدم أنها ~~كانت سوداء، وكذلك كانت راية النبي، وذكر صاحب «آثار الأول» أنه كانت له أيضا ~~ألوية بيضاء، أما الراية الإسلامية، فقد كانت ألوانها تختلف باختلاف الدول، فكانت ~~أعلام بني أمية حمراء، وكل من دعا إلى الدولة العلوية فعلمه أبيض، ومن دعا إلى بني ~~العباس فعلمه أسود، والسواد شعار العباسيين على الإطلاق، اتخذوه حزنا على شهدائهم ~~من بني هاشم ونعيا على بني أمية في قتلهم، ولهذا سموا المسودة، ولما افترق ~~الهاشميون وخرج الطالبيون على العباسيين في كل جهة وعصر، ذهبوا إلى مخالفتهم في ~~ذلك، فاتخذوا الرايات بيضاء وسموا المبيضة، والظاهر أن شعار دعاة بني هاشم من ~~الشيعة كان الخضرة، لأن المأمون لما بايع لعلي بن موسى بولاية العهد أمر جنده بطرح ~~السواد ولبس الثياب الخضر، حتى إذا رجع عن البيعة عاد إلى السواد. # راية الناصر الموحدي في موقعة العقاب. # وأما ملوك البربر في المغرب، من صنهاجة وغيرها، فلم يختصوا في راياتهم بلون واحد ~~بل وشوها بالذهب، واتخذوها من الحرير الخالص ملونة، وفي دير بظاهر مدينة برغوس في ~~الأندلس راية من الحرير الأحمر المطرز بالنقوش الجميلة، وعليها كتابات كثيرة وآيات ~~قرآنية، وقد نشرها غستاف لوبون في كتابه «تاريخ تمدن العرب» وسماها: راية الموحدين، ~~لكن صديقنا المأسوف عليه روحي بك الخالدي بعث إلينا بنسخة من صورة هذه الراية سنة ~~1907 وقال في جملة وصفها: «وأظن هذه الراية كانت بابا لخيمة المنصور، لأنها أشبه ~~بباب الخيمة منها بالراية». # وأما دول الأتراك في المشرق فكانوا يتخذون راية واحدة للسلطان، في رأسها خصلة ~~كبيرة من الشعر يسمونها الشالش والجتر وهي ms0145 شعار السلطان عندهم، ثم تعددت الرايات، ~~ويسمونها سناجق واحدها سنجق وهو الراية في لسانهم، والراية العثمانية حمراء عليها ~~صورة الهلال، واختلفوا في أصل هذه الشارة بين أن يكون الأتراك اقتبسوها من الروم ~~بعد فتح القسطنطينية، أو أنهم جاءوا بها من بلادهم من تركستان. ~~(6-3) عقد اللواء # كان الخلفاء في صدر الإسلام إذا وجهوا جيشا إلى حرب عقدوا له الألوية وسلموها ~~إلى الأمراء، لكل أمير راية قبيلته، ويدعون لهم بالنصر ويوصونهم بالصبر والجلاد، ~~وكان عمر بن الخطاب إذا عقد لواء يقول وهو يعقده «بسم الله وبالله وعلى عون الله، ~~امضوا بتأييد الله، وما النصر إلا من عند الله ولزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل ~~الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجبنوا عند اللقاء، ~~ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا ~~وليدا، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان، وعند شن الغارات». # وكان لكل خليفة أسلوب في الدعاء والوصاية، والمرجع واحد فيها كلها، وكانوا يعقدون ~~الألوية أيضا للعمال إذا ولوهم الأمصار، وخصوصا في أوائل الإسلام، لأن العامل كان ~~قائد الجند، وكانوا يعقدونها على حساب النجوم، فيختارون أحد الاقترانات على زعمهم، ~~وكان العباسيون إذا عقدوا لواء لقائد أو صاحب جند أو صاحب ثغر، خرج إلى بعثه أو ~~عمله من دار الخليفة أو من داره، في موكب من أصحاب الرايات والطبول، حتى لا يميز ~~بين موكب العامل وموكب الخليفة إلا بكثرة الألوية وقلتها، أو بما اختص به الخليفة ~~من الألوان لراياته. # وكان للدولة الفاطمية بمصر دار يقال لها «خزانة البنود» كانوا يختزنون فيها ~~الأعلام والرايات والدرق، وكانوا ينفقون عليها 80 ألف دينار كل سنة، ظلوا على ذلك ~~قرنا كاملا، وكل ما صنع من الأعلام بقي متراكما فيها ومعه الأسلحة بأنواعها، ~~والسروج واللجم، وفيها المفضض والمذهب، ثم احترقت الخزانة فاحترق كل ما كان فيها من ~~هذه الأمتعة والآلات، وكان يقدر بثمانية ملايين دينار، ولم يستطيعوا إخراج غير ~~القليل منها، وفي جملة ذلك لواء كانوا ms0146 يسمونه «لواء الحمد». ~~(7) الموسيقى # واتخاذ الموسيقى في الجند قديم، والأصل في اتخاذه إثارة حاسات الجند في أثناء الحرب، ~~أو صرف أذهانهم عن الاشتغال بالأخطار التي يتوقعونها، ومن هذا القبيل الغناء أو النشيد ~~أمام الجند، فإنه من قبيل الموسيقى وكان العرب في جاهليتهم لا يعرفون من هذه الآلات غير ~~الطبل، وكان المسلمون في صدر الإسلام يتجافون عن اتخاذ الأبواق والطبول، تنزها عن غلظة ~~الملك ورفضا لأحواله، فلما انقلبت الخلافة ملكا، وتبحبحوا في زهرة الدنيا، ولابسهم ~~الموالي من الفرس والروم وأهل الدول السالفة، وأروهم ما كان أولئك يتحلون به من مذاهب ~~البذخ والترف، كان في جملة ما اقتبسوه منهم الموسيقى، وأذنوا لعمالهم في اتخاذها، ~~تنويها بالملك وأهله، ثم جعلوا يستكثرون منها، وهي مقصورة على الطبل والبوق، وربما كان ~~في الجند مئات من الأبواق والطبول. ~~(8) السلاح # أشهر أسلحة العرب في جاهليتهم السيف والرمح والقوس والترس، وكانت لهم عناية كبرى في ~~استخدامها، لأنهم كانوا يحمون بها أعراضهم ويستجلبون بها معاشهم ، وخصوصا القوس. ~~(8-1) القوس # كان لهم بالقوس مهارة عظمى، لحدة أبصارهم، نتيجة لسكنى البادية ولأنهم أحوج إليها ~~من سائر الأسلحة، فقد كانوا يستخدمونها في صيد الغزلان، فضلا عن الحرب والطعان، ~~وبلغ من مهارتهم في النزع بالقوس ما يكاد يفوق طور التصديق، حتى ولو أراد أحدهم أن ~~يرمي إحدى عيني غزال دون العين الأخرى لرماها، ولذلك سموا مهرة الرمي «رماة الحدق» ~~وكان أحدهم يعلق ضبا بشجرة، ثم يرميه بالنبال فيصيب أي عضو شاء من أعضائه، حتى ~~يرمي فقراته فقرة فقرة فلا يخطئ واحدة منها. # 4 # فلما جاء الإسلام كانت مهارتهم هذه من جملة ما ساعدهم على غلبة الروم، لأن هؤلاء ~~لم يكونوا يحسنون رميها، وقد بينا ذلك في كلامنا عن الفتوح الإسلامية، ولم يكن ~~قواد المسلمين يجهلون فضل النبال في نصرتهم، فكانوا يحرضون رجالهم على إتقان الرمي ~~بها، وكان النبي يقول «اركبوا وارموا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا»، ومن ~~أقواله «كل لهو المؤمن في ثلاث تأديبه فرسه، ورميه عن كبد قوسه، وملاعبته امرأته ms0147 ~~فإنه حق، إن الله ليدخل الجنة بالسهم الواحد عامله المحتسب والرامي في سبيل الله»، ~~ومن أقواله وهو قائم على المنبر «أعدوا ما استطعتم من قوة، ألا إن القوة الرمي، ألا ~~إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي». # وكان الخلفاء والقواد بعد النبي يستحثون رجالهم على إتقان الرماية، كما يحرضونهم ~~على العناية بخيولهم، لأن العرب أهل فروسية، وخيول العرب مشهورة بخفتها وسرعتها ~~وسهولة قيادها، وكان القواد يوصون رجالهم أن يعتنوا بأفراسهم مثل عنايتهم بنسائهم، ~~وقد تقدم لنا كلام في ذلك. # وتفنن المسلمون بالرمي في العصور الوسطى، حتى اصطنعوا من الأقواس آلات مركبة، ~~ولعلهم أخذوا بعضها عن الفرس، كالمجراة التي استنبطها العجم لما حاربوا التتر، وهي ~~عبارة عن أنبوب من حديد أو خشب، فيه شق يوضع السهم فيه ويقذف قذفا شديدا، كما ~~نقذف الرصاصة بالبندقية اليوم، وتكون الأسهم قصيرة، واصطنعوا لرمي السهام ضروبا من ~~المجانيق، توضع في الواحد منها عدة سهام، وترمى عنها بالأقواس. ~~(8-2) السيف # وكان العرب يعدون السيوف أشرف الأسلحة، وكانوا يستجلبونها من الخارج، وأشهرها ~~السيوف اليمانية والهندية والسليمانية والخراسانية، وتعرف كلها بالسيوف العتيقة، ~~وكان لكل منها شكل مخصوص أو علامة يمتاز بها: فاليمانية العتق مثلا التي صنعت في ~~الجاهلية، كانت تمتاز بثقبين في سنبل السيلان (والسيلان أصل مقبض السيف)، وثقب ~~السنبل من إحدى وجهتيه أوسع من الوجهة الأخرى، أو الوجهتان متساويتان ووسطه أضيق، ~~وكان من السيوف اليمانية سيوف يقال لها المحفورة، وشطبها شبيه بالأنهار، وقد حفر ~~بمبرد مدور، ومنها ذات حفر مربع، ومنها ذات شطب، وقلما تسلم اليمانية من العروق، ~~وقد تنقش عليها تماثيل، أو يكتب عليها، أو يصور عليها صورة. # غير أن هذه السيوف أكثر قطعها في اللين، فإذا صادفت الحديد أو اليابس تقصفت، ~~وكانت أسياف الروم أمتن منها، لأنهم كانوا يجيدون سقايتها حتى تبري الحديد، ولذلك ~~كان العرب إذا أصابوا سيفا قاطعا تناقلوا خبره وأطروه، وقد اشتهر في أوائل ~~الإسلام سيف ذي الفقار لعلي بن أبي طالب، وسيف الصمصامة لعمرو بن معدي كرب وغيرهما، ~~ولعلهما في الأصل ms0148 من أسياف الروم، ولذي الفقار شأن كبير في تاريخ الإسلام، توارثه ~~آل أبي طالب، ثم أخذه المهدي العباسي، ثم صار إلى الهادي فالرشيد، ويقال إنه سمي ذا ~~الفقار، لأنه كان به ثماني عشرة فقرة. وفي المتحف البريطاني أمثلة من السيف الهندي ~~والسيف الدمشقي، شاهدناه في رحلتنا إلى لندن سنة 1912. ~~(8-3) الرماح # أكثر ما يكون استخدام الرمح على الخيل، ولكنهم لم يكونوا يأمنون له خوف انكساره، ~~ومن وصاياهم في استخدام الرمح في الحرب قول صاحب «آثار الأول» في طرائق حركات الرمح ~~وتصرفاته، قال «واللعب به في الميادين وبين يدي الملوك غير التحرك به في الحروب ~~منها المواجهة، وهي أن تحمل على مبارزك وقد أخذت الرمح تحت إبطك وجعلته بين أذني ~~فرسك، وتقصده مستويا حتى تقرب منه، فإن رأيته قد طرح رمحه يمنة فاطرح رمحك يسرة، ~~وإن طرحه يسرة فاطرح رمحك يمنة، واجتهد أن تبدأ بالحمل عليه وأنت مسدد، وتحول الرمح ~~يمنة أو يسرة كي تدهشه، فلا يدري من أين يجيئه، فإذا دنوت منه دخلت عليه من الخلل ~~الذي لا يكون رمحه فيه، وإذا أردت أن تبتدئ بالخروج، فخذ أسفل الرمح بيدك اليمنى ~~ورأسه إلى الهواء وهو على عاتقك الأيمن، وتحمل على قوتك وأنت كذلك، وإن شئت قربت ~~منه حتى لا يدري من أي وجه يلقاك ... وإن خرجت إلى فارسين وتفرقا فاحمل على الأدنى، ~~وإذا كان قريبين فأر أحدهما أنك تريد رفيقه، واحمل عليه ولا تتم حملتك ثم اعدل إلى ~~الآخر واصدقه الحملة، وإن حذقا ورأيتهما يفترقان عليك فتطرف ولا تتوسط واحمل على ~~الأدنى إليك، فإن تساويا فأدهش الأضعف، واحمل على الأقوى، فإن تساووا وكانوا جماعة ~~فامتد أمامهم حتى يتبعوك، ثم كر على الأدنى منك فاطعنه، وإن دخلت مضيقا فتلقاك ~~فارس برمح، فإياك والمصادمة بل انزل إلى الأرض واطعنه، وإن كان خلفك فارس وقدامك ~~فارس في مضيق، فانزل وتحيل واقصد أقربهما إليك، وتترس من الآخر بدابتك ... ~~إلخ». # الترس الغرناطي. # وكانت أسنة الرماح عندهم تختلف شكلا، بين المشعب والعريض والرفيع والمستوي ~~والمموج وغير ms0149 ذلك. ~~(8-4) الترس # وكان الترس عند العرب على أصناف، كل منها يصلح لشيء: فمنها المسطح والمستطيل ~~المحفر الوسط، والمقبب، فالمقبب المنحني الأطراف. ولكل ترس فائدة: فالمقبب المنحني ~~الأطراف لا يتقى به الرمح، لأنه متى طعن ثبت الرمح فيه، وإنما يتقى به النشاب ~~والحجارة والسيف، والترس المسستطيل يتقى به النشاب، لأن رأسه يستر رأس الفارس، ~~وطوله يقيه لأنه ينظر بإحدى عينيه من التخصير، ولا يكشف رأسه، والمسطح ينقى به ~~الرمح، وقد يشترك رجلان في الطعان فيترس أحدهما للآخر. # وتفنن المسلمون في اصطناع الأتراس، ونقشوا عليها الآيات والحكم والأشعار، وتميزت ~~أتراس كل بلد بشكل خاص، ومنها الترس الدمشقي والترس العراقي والغرناطي ~~وغيرها. ~~(8-5) الدرع # الدروع كثيرة عند العرب، ومنها الحديد والفولاذ والكتان، يسمون درع الكتان ~~«دلاص»، ولم يكن يقتني الدروع من العرب غالبا إلا الفرسان، وهي من صنع الروم أو ~~الفرس في الغالب، وعندهم دروع مشهورة بأسماء معينة، مثل درع خالد بن جعفر، فقد ~~كانوا يسمونها ذات الأزمة، لأنها كانت لها عرى تعلق إذا أراد لابسها أن ~~يشمرها. # درع أبي عبد الله آخر ملوك الأندلس. # وكانت الدروع مؤلفة من الجزء الذي يقي الصدر وهو الجوشن، والبيضة، والخوذة، ~~والمغفر للرأس، ومنها أجزاء للساعدين، والساقين، والكفين. # تلك كانت أسلحة العرب في أوائل الإسلام، ثم أضافوا إليها شيئا من أسلحة الأعاجم، ~~كالخناجر والطبر والفاس وغيرها، وتفننوا في صنعها تبعا للزمان والمكان، فترى السيف ~~الدمشقي يختلف عن السيف العراقي، والدرع المصرية تختلف عن الدرع الأندلسية. ~~(9) آلات الحصار # لم يكن للعرب آلات للحصار، لأنهم لم يكونوا يحاصرون، وإنما كانت منازلهم الخيام مطلقة ~~لا يحميها سور ولا خندق، وأول خندق بناه العرب خندق المدينة يوم حرب الأحزاب (سنة 5ه) ~~أشار به سلمان الفارسي كما قدمنا، فلما اختلطوا بالأعاجم كان في جملة ما اقتبسوه منهم ~~آلات الحصار، وأهمها المنجنيق والدبابة والكبش والنار اليونانية. ~~(9-1) المنجنيق # هو آلة قذافة استخدمها الفنيقيون قديما، ومنهم أخذها اليونان والإسرائيليون، ~~وورد ذكرها غير مرة في سفر المكابيين، وانتشرت بواسطة اليونان في سائر دول الأرض، ms0150 ~~فاستخدمها الفرس وعنهم أخذها العرب بعد الإسلام. # والمشهور أن العرب لم يستخدموا هذه الآلة إلا في أواسط القرن الأول للهجرة، بعد ~~مخالطتهم الروم والفرس، ولكننا رأينا في السيرة الحلبية أنهم استخدموها في حصار ~~الطائف، أرشدهم إليها سلمان الفارسي في جملة ما أرشدهم إليه من فنون الحرب ~~الفارسية، ويقال إنه صنعه لهم بيده، وذكر صاحب هذه السيرة أيضا أن المسلمين لما ~~فتحوا حصن الصعب في خيبر، وجدوا فيه منجنيقات ودبابات. # والمنجنيق أصناف كثيرة، منها الكبير والصغير، ومنها ما يشد بلوالب وأقواس، أو ~~ما يدار شبه المقلاع، وهي تستخدم إما لرمي السهام أو الحجارة أو قدر النفط أو ~~العقارب، أو نحوها من آلات الأذى، فإن كانت المقذوفات خفيفة ثقلوها بالرصاص، وإن ~~كانت من السوائل كالنفط ونحوه، اتخذوا لها كفة كالكأس علقوها بسلاسل. # وفي الشكل صورة منجنيق روماني كانوا يرمون به السهام، فترى السهام مشكوكة في ~~القائمتين (ب وج) ورؤوسها متجهة نحو العدو، وترى الرجلين يديريان البكرة (د) وهي ~~تدير البكرة المسننة (ن) ويلف عليها حبل ممتد من طرف القائمة (أ) بالبكرة (س) ~~والبكرتين (ف) بحيث تشد طرف القائمة (أ) نحو الوراء، وهي مصنوعة من قطع متصلة بجلد ~~أو حديد، حتى تصير مرنة كالأقواس، بحيث إذا أطلقت بعد شدها ارتدت على أطراف السهام ~~بعنف، فترسلها إلى مسافة بعيدة. # منجنيق روماني لرمي السهام. # وفي الشكل الآخر صورة منجنيق لرمي الحجارة، عبارة عن عمود في رأسه معلق شبه ~~المقلاع، يوضع فيه الحجر ويشد العمود بالأمراس نحو الوراء، وهو متصل من أسفله بقوس ~~مرنة، فإذا شد العمود جيدا ثم أطلق بغتة وقع على السطح المائل بعنف، وانطلق الحجر ~~من المقلاع إلى مسافة بعيدة، وهناك أشكال أخرى للمنجنيق تندرج تحت هذين. # منجنيق لرمي الحجارة. # فكانوا يستخدمون المنجنيق لهدم الحصون بالحجارة الضخمة، أو لرمي الأعداء بالنبال، ~~أو لإحراق أماكن العدو بالنفط ونحوه، فيرسلون به نفطا مشتعلا بالنار، يقذفونه ~~بواسطة كفة من الزرد، يجعلون بها الأوعية المملوءة بالنفط كالقدور ونحوها، أو ~~يرسلونها بمنجنيق رمي الحجارة أو غيرها. # وكانت المجانيق ms0151 تتفاوت في أقدارها، وكثيرا ما كانوا يسمون كلا منها باسم يدل ~~على بعض أوصافه، على نحو ما يسمون السفن والمدافع الكبرى في هذه الأيام، فقد كان ~~عند الحجاج بن يوسف منجنيق اسمه «العروس»، كان يمد به خمسمائة رجل، أرسله محمد بن ~~القاسم لمحاربة ملك الهند سنة 89ه وهدم به صنما من أصنامهم. ~~(9-2) الدبابة # هي آلة متحركة تتخذ من الخشب السميك، وتغلف باللبود أو الجلود المنقعة في الخل ~~لدفع النار، وتركب على عجل مستديرة، وتحرك فتنجر، وقد يجعلونها برجا من خشب بمثل ~~هذا التدبير، ويدفعها الرجال فتندفع على البكر، ويصعد الرجال في أعلاها ويستعلون ~~على السور وينزلون فوقه، وهي أقدم من المنجنيق، استخدمها المصريون القدماء ~~والآشوريون فاليونان فالرومان والفرس فالمسلمون، وهي عبارة عن قلعة سائرة على ~~العجل، يهجمون بها على الأسوار لمحاربة المحاصرين من أعلى السور. # وقد يستخدمون الدبابة لهدم الأسوار، فيسيرونها ويحتمون بجدرانها ويجعلون رأسها ~~محددا يصدمون به الأسوار حتى تهدم. ~~(9-3) الكبش # هو كالدبابة، لكن رأسه في مقدمته مثل رأس الكبش، ويتحصن الرجال في داخله ~~ويستخدمون الكبش لهدم الأسوار، والرأس المذكور متصل في داخل الدبابة بعمود غليظ، ~~معلق بحبال تجري على بكر معلقة بسقف الدبابة لسهولة جرها، فيتعاون الرجال من داخل ~~الدبابة وورائها على ضرب السور بها حتى يخرقوه. # رأس الكبش. # كبش روماني في فتح القدس. # وفي الشكل صورة كبش روماني يهاجم أسوار البرطيين وقد خاف البرطيون وأتوا بأعلامهم ~~يلتمسون الأمان ويسلمون. # واستخدم المسلمون الدبابة والكبش في كثير من حروبهم، لتسلق الأسوار وهدمها أو ~~خرقها، وكانوا يجعلون في الجيش عدة دبابات، أكثرها صغير الحجم تسع الواحدة بضعة ~~رجال تتفرق حول الأسوار، واستخدم الخليفة المعتصم بالله الدبابات في فتح عمورية، ~~فعمل منها دبابات تسع كل واحدة عشرة رجال. # وكيفية استخدام الدبابات في تسلق الأسوار أنهم كانوا يركبون الدبابة ويدحرجونها ~~إلى السور، فإن كان هناك خندق يمنعهم من الوصول إليه طرحوا الأخشاب على الخندق مثل ~~الجسور، فإذا كان الخندق عريضا، طرحوا فيه الحطب والزرجون والتراب وغيره، مما ~~يحملونه معهم في ms0152 الدبابة لهذه الغاية حتى يمتلئ الخندق، كل ذلك وأهل الدبابة يحمون ~~الصناع بالجفان، فيجرون الدبابة إلى السور وينقبونه ويدعمونه بالأخشاب، ثم يخرقونه ~~ويلتصقون بالسور، فإذا لم يدركوا سطحه صعدوا إليه بالسلالم، ونزلوا منه إلى المدينة ~~إذا استطاعوا إلى ذلك سبيلا وإلا تحاربوا. # دبابة لتسلق الأسوار. # وكان عندهم ضرب من الدبابات أو الأبراج المسيرة على العجل، في أعلاها مواقف ~~للرجال، إذا اقتربت من السور ولم تستطع خرقه، ألقى أصحابها من أعلى الدبابة سلالم ~~مشوا عليها إلى داخل السور. ~~(10) النار اليونانية # عرب يستخدمون النار اليونانية (نقلا عن مخطوط قديم). # ومما اقتبسه العرب من الروم النار اليونانية، وهي في الأصل من اختراع المشارقة، فقد ~~كان هؤلاء يستخدمون في حروبهم مزيجا سريع الاشتعال لم يعرفه أهل أوربا إلا في القرن ~~السابع عشر للميلاد، والمظنون أن رجلا من أهل الشام اسمه كالينكوس نقله إليهم، وكان ~~الروم يومئذ في إبان حاجتهم إليه ليردوا به هجمات العرب عن القسطنطينية وغيرها من مدنهم ~~في أوربا وآسيا، وقد فازوا بغرضهم منه، لأن العرب حاصروا القسطنطينية مرارا ولم ~~يستطيعوا فتحها، وبالغ الروم في كتمان أسماء المواد التي يتألف منها ذلك المزيج، فظل سر ~~هذه النار مكتوما حتى اطلع عليه العرب، فإذا هي مزيج من الكبريت وبعض الراتنجات ~~والأدهان، في شكل سائل يطلقونه من أسطوانة نحاسية مستطيلة كانوا يشدونها إلى مقدم ~~السفينة، فيقذفون منها السائل مشتعلا، أو يطلقونه بشكل كرات مشتعلة أو قطع من الكتاب ~~المتلوث بالنفط، فيقع على السفن أو البيوت فيحرقها، والظاهر أن المقذوفات التي احترقت ~~بها الكعبة في حصار الحصين بن نمير لعبد الله بن الزبير سنة 64ه كانت من هذه ~~النار. # وفي المكتبة الأهلية بباريس مسودة خطية قديمة عليها صور رجال من العرب بعضهم على ~~الخيول والبعض مشاة، وفي أيديهم خرق مبسوسة بالنار اليونانية يرمون بها الأعداء، وكانوا ~~يسمون النار اليونانية «النفط القاذف». ~~(11) اختراع البارود # وهناك اختراع ذو بال ينسب فضله إلى الإفرنج، وهو للعرب - نعني اختراع البارود - ~~فالمشهور عند الإفرنج أن مخترع البارود اسمه شوارتز سنة ms0153 1320م (719ه) ولكن راهبا ~~إنكليزيا اسمه ~~(Roger Bacon) # روجر باكن من أهل القرن ~~الثالث عشر للميلاد أشار إلى مزيج من قبيل البارود كان شائعا في أيامه، الصحيح أن ~~العرب أسبق الناس إلى استخدام البارود وإذا لم يكونوا اخترعوه فلا أقل من أنهم أوصلوه ~~إلى ما عرف به في الأجيال الوسطى، فقد ذكر كوندي المستشرق الإسباني المتوفى سنة 1820 أن ~~أهل مراكش استخدموا الأسلحة النارية في محاربتهم سرقوسة سنة 1118م. # وزد على ذلك أن تواريخ العرب تشير إلى استخدام هذه الأسلحة في القرن الثالث عشر ~~للميلاد في حرب المسلمين بالمغرب، ونرى ذلك صريحا في كلام ابن خلدون عن قدوم أبي يوسف ~~سلطان مراكش لفتح سجلماسة سنة 762ه 1273م، قال: # ولما فتح السلطان أبو يوسف بلاد المغرب ... وجه عزمه إلى افتتاح سجلماسة من ~~أيدي بني عبد الواد المتغلبين عليها وإدالة دعوته فيها من دعوتهم، فنهض إليها ~~في العساكر والحشود في رجب من سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، فنازلها، وقد حشد ~~إليها أهل المغرب أجمع، من زناتة والعرب والبربر وكافة الجنود والعساكر، ونصب ~~عليها آلات الحصار من المجانيق والعرادات وهندام النفط القاذف بحصى الحديد، ~~ينبعث من خزنة أمام النار الموقدة في البارود بطبيعة غريبة ترد الأفعال إلى ~~قدرة باريها، فأقام عليها حولا كريتا يغاديها القتال ويراوحها إلى أن سقطت ~~ذات يوم على حين غفلة طائفة من سورها بإلحاح الحجارة من المنجنيق عليها، ~~فبادروا إلى اقتحام البلد، فدخلوه عنوة من تلك الفرجة. # وفي هذا القول شاهد صريح على أن البارود كان معروفا عند العرب، وكانوا يستخدمونه في ~~حروبهم قبل شوارتز بنحو نصف قرن. # اختراع العرب للأسلحة النارية. # أدوات النفط. # وفي مكتبة بطرسبرج مسودة عربية قديمة، فيها صور رجلين من العرب يشتغلان في الأسلحة ~~النارية، أحدهما إلى اليمين يحمل ما يشبه البندقية وفيها القنبلة والبارود داخلها، وقد ~~أدناها من لهيب أمامه حتى يولع البارود ويقذف القنبلة. # وهناك أيضا صورة فارس يحمل قناة ملفوفة بقماش، ذات أهداب تلت بالنفط وترمى على ~~الأعداء حين الاقتضاء، وبجانبي الفارس رجلان ms0154 ماشيان، على بدنيهما وبدنه وبدن فرسه نسيج ~~ذو أهداب يستخدم للنفط عند الحاجة. ~~(12) المدافع # هي أنابيب ترسل بها المقذوفات كما ترسل بالمنجنيق، لكنها في هذا ترسل بحركات ~~ميكانيكية كالمقاليع والأتار ونحوها، وأما في المدافع فإنها تقذف بالبارود. # وأول من أتقن استخدام المدافع في الدول الإسلامية الدولة العثمانية، وبها استعانوا ~~على فتح القسطنطينية سنة 1453، وفي كثير من الفتوح والحروب، فأصبح الجند المحاصر لبلد ~~ينصب حوله المدافع بدل المجانيق، يفرقها مع جنده حول المكان المراد محاصرته، وكانوا في ~~أول شيوع المدافع يستخدمون معها سائر آلات الحصار القديمة، من الأبراج والدبابات ~~وغيرها، لأن المدافع لم تكن في أول أمرها تقذف قنابلها إلى مسافات بعيدة، وكان ~~المحاصرون من الجهة الأخرى يحيطون معسكراتهم أو قلاعهم بالأسوار العالية والخنادق ~~العميقة، على أشكال مختلفة، ويجعلون السور مضاعفا أو مثلثا ينصبون عليه آلات الدفاع ~~كالمدافع وغيرها. # وكان المحاصرون يبنون على الأسوار أبراجا، يجمعون فيها الحامية للدفاع بآلات القذف ~~المختلفة، ويبذل المحاصرون جهدهم في أخذ الأبراج. ~~(13) تعبئة الجيوش # قلنا في كلامنا عن تاريخ الجند أن نظامه كان عند الأمم المتمدنة الصفوف والكتائب، ~~وأما العرب في جاهليتهم فقد كانوا على غير نظام، وكانت حروبهم من النوع الذي يعبرون عنه ~~بالكر والفر، واسمه يدل عليه، وذلك أنهم كانوا إذا هموا بالقتال كروا على عدوهم، فإذا ~~أحسوا بضعف فروا، ثم يعودون فيكرون وهكذا، بلا نظام ولا قاعدة، فلما ظهر الإسلام كان في ~~جملة أوامره ترتيب الناس صفوفا في الحرب، عملا بالآية: # إن ~~الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص ~~، وفي الحديث «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا». وبناء ~~على ذلك كانت حروب المسلمين في أيام النبي صفوفا، وهو ما يعبرون عنه بالزحف فكانوا ~~يسوون كما تسوى الصفوف للصلاة، ويمشون بصفوفهم إلى العدو قدما واحدة. # فحاربوا البدو بنظام لا يعرفونه، وكان ذلك من جملة أسباب نصرتهم على قبائل العرب أهل ~~الكر والفر، واعتبر ذلك في تراجم الفاتحين العظام كالإسكندر والسلطان سليم العثماني ~~وبونابرت وغيرهم، فإنهم إنما غلبوا العالم بنظام جديد ms0155 أدخلوه في جنودهم، أو بأسلحة ~~جديدة تفردوا بها دون أعدائهم. # وكان أهل الكر والفر يمنعون رجالهم عن الفرار بإبلهم والظهر الذي يحمل ظعائنهم، ~~فيصفونها وراءهم فتكون فيئا لهم ويسمونها «المجبوذة»، وهي التي تثبت أقدامهم في الحرب، ~~أما المسلمون فكانوا مع ثباتهم بالزحف يجعلون وراءهم الإبل والنساء والولدان والأحمال، ~~فيزيدهم ذلك استماتة في الحرب وصبرا على القتال. # كان الجند في أيام النبي يترتب صفا أو صفين، تبعا للكثرة والقلة، فلما تكاثر ~~المسلمون في أيام الخلفاء الراشدين صاروا يجعلونه صفوفا يرتبونها باعتبار أسلحتها ~~والأحوال المحيطة بها، وإليك طرفا من وصية علي بن أبي ~~طالب لجنده، يوم واقعة صفين سنة 37ه فإنها تنطوي على ~~خلاصة نظام الجند في الحرب أيام الراشدين، قال: ~~... فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدموا الدارع وأخروا الحاسر، وعضوا على ~~الأضراس فإنه أنبى للسيوف عن الهام، والتووا على أطراف الرماح فإنه أصون ~~للأسنة، وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب، وأخفتوا الأصوات فإنه ~~أطرد للفشل وأولى بالوقار، وأقيموا راياتكم فلا تميلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي ~~شجعانكم، واستعينوا بالصدق والصبر فإنه بقدر الصبر ينزل النصر. ~~(13-1) الكراديس # ثم تكاثر جند العرب واختلطوا بالأعاجم في أيام بني أمية، فعمدوا إلى «التعبئة»، ~~وهي ترتيب الكتائب كراديس، كما بيناه في تاريخ الجند، وذلك أن الروم كانوا إذا نشبت ~~الحرب قسموا جنودهم إلى أقسام يسمونها كراديس # Koortis ~~(كورتيس في اليونانية ومعناها الكتلة أو الكتيبة)، ويسمون كل كردوس ~~كتيبة بصفوفها، فيجعلون الملك أو القائد العام وحاشيته وراياته وشعاره كتيبة تقوم ~~في الوسط ويسمونها القلب، وأمامها كتيبة يغلب أن تكون من الفرسان وهي المقدمة، ~~ويقيمون كتيبة أخرى عن يمين كتيبة الملك يسمونها الميمنة، وأخرى إلى يساره يسمونها ~~الميسرة، وكتيبة وراءه يسمونها ساقة الجيش على هذه الصورة: # المقدمة # الميمنة # قلب الجيش # الميسرة # الساقة # وترى التعبئة على هذه الكيفية خمسة أجزاء، ومنها تسمية الجيش بالخميس، ويتقدم ~~الخميس كوكبة من الفرسان يقال لها: «الطليعة»، لأجل الاستكشاف على مواقف العدو، ~~فإذا ترتب الجيش على هذه الصورة زحف على العدو زحفا، وربما جعلوا ms0156 وراءهم ما يثبتهم ~~في زحفهم كما كان الفرس يفعلون، فإنهم كانوا يتخذون الفيلة في الحروب، يحملون عليها ~~أبراجا من الخشب أمثال الصروح، مشحونة بالمقاتلة والسلاح والرايات، ويضعونها ~~وراءهم في حومة الحرب كأنها حصون فتقوى بها نفوسهم، وربما جعلوا ملجأهم الأسرة، ~~فينصبون للملك سريره في حومة الحرب وراء المقاتلة، ويحف به من خدمه وحاشيته وجنوده ~~من هو زعيم بالاستماتة دونه، وترفع الرايات في أركان السرير، ويحدق به سياج آخر من ~~الرماة والرجالة، يعظم هيكل السرير ويصير فيئا للمقاتلة وملجأ لهم. # وكثيرا ما كانت العجم تحارب بالكر والفر، وتجعل مثل ذلك الملجأ وراء جندها مما ~~لا يقع تحت حصر، فاضطر العرب في كثير من وقائعهم مع الفرس والروم في صدر الإسلام أن ~~يحاربوا بالكراديس، كما فعل خالد بن الوليد في واقعة اليرموك سنة 13ه فعبأ تعبئة لم ~~تعبئ العرب مثلها قبلها، فجعل جيشه 36 كردوسا إلى الأربعين، وجعل القلب كراديس، ~~وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس، وأقام عليها عمرو بن العاص وشرحبيل بن ~~حسنة، وجعل الميسرة كراديس، وعليها يزيد بن أبي سفيان إلخ ... وكذلك فعل سعد بن أبي ~~وقاص في القادسية سنة 14ه. # ولكن يظهر أنهم فعلوا ذلك اضطرارا، لمحاربة الروم بمثل نظامهم، ولم يجعلوا ~~التعبئة قاعدة حروبهم إلا سنة 128ه على عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، فإنه ~~أبطل الصفوف ونظم الكراديس، فحارب بها الضحاك الخارجي ثم الخبيري، ولما بطلت الصفوف ~~تنوسي الزحف، ثم تنوسي الصف وراء المقاتلة بما دخل الدولة من الترف، ولم يعودوا ~~يحملون نساءهم وأولادهم معهم إلى الحرب. # وهاك ما قاله عبد الحميد كاتب محمد بن مروان يوصي ولي عهد الخلافة بتعبئة الجيوش، ~~وهي صورة من صورها في زمن بني أمية، قال: # إذا كنت من عدوك على مسافة دانية وسنن لقاء مختصر، وكان من عسكرك مقتربا ~~وقد شامت طلائعك مقدمات ضلالته وحماة فتنته، فتأهب أهبة المناجزة وأعد ~~إعداد الحذر واكتب خيولك وعبئ جنودك، وإياك والمسير إلا مقدمة وميمنة ~~وميسرة وساقة، قد شهروا الأسلحة ونشروا البنود ms0157 والأعلام، وعرف جندك ~~مراكزهم، سائرين تحت ألويتهم، قد أخذاو أهبة القتال واستعدوا للقاء، ملحين ~~إلى مواقفهم عارفين بمواضعهم عن مسيرهم ومعسكرهم، وليكن ترجلهم وتنزلهم على ~~راياتهم وأعلامهم ومراكزهم، وعرف كل قائد وأصحابه موقعهم من الميمنة ~~والميسرة والقلب والساقة والطليعة، لازمين لها غير مخلين بما استنجدتهم له ~~ولا متهاونين بما أهبت بهم إليه، حتى تكون عساكرهم في كل منهل تصل إليه ~~ومسافة تختارها كأنه عسكر واحد، في اجتماعها على العدة وأخذها بالحزم ~~ومسيرها على راياتها ونزولها على مراكزها ومعرفتها بمواضعها، إن ضلت دابة ~~عن موضعها عرف أهل العسكر من أي المراكز هي ومن صاحبها وفي أي المحل حلوله ~~منها، فردت إليه هداية ومعرفة ونسبة قيادة صاحبها، فإن تقدمك في ذلك ~~وإحكامك له اطراح عن جندك مؤونة الطلب وعناية المعرفة وابتغاء الضالة، ثم ~~اجعل على ساقتك أوثق أهل عسكرك في نفسك صرامة ونفاذا ورضاء في العامة ~~وإنصافا من نفسه للرعية وأخذا بالحق في المعدلة، مستشعرا تقوى الله ~~وطاعته، آخذا بهديك وأدبك واقفا عند أمرك ونهيك معتزما على مناصحتك ~~وتزيينك نظيرا لك في الحال وشبيها بك في الشرف وعديلا في المواضع ~~ومقاربا في الصيت، ثم اكتشف معه الجمع وأيده بالقوة وقوه بالظهر وأعنه ~~بالأموال واغمره بالسلاح، ومره بالعطف على ذوي الضعف من جندك ومن زحفت به ~~دابته وأصابته نكبة من مرض أو رجلة أو آفة، من غير أن تأذن لأحد منهم في ~~التنحي عن عسكره أو التخلف بعد ترجله إلا المجهود أو المطروق بآفة، ثم تقدم ~~إليه محذرا ومره زاجرا وانهه مغلظا بالشدة على من مر به منصرفا عن ~~عسكرك من جندك بغير جوارك شادا لهم أسرا وموقرهم حديدا ومعاقبهم ~~موجعا، أو موجههم إليك فتنهكهم عقوبة وتجعلهم لغيرهم من جندك عظة ... ~~إلخ. # على أن بعض دعاة الخلافة من أهل البيت اعتبروا العدول عن الصف إلى الكراديس بدعة ~~في الإسلام، فظلوا على الزحف صفوفا ولو أدى بهم إلى الخطر، كما فعل إبراهيم بن عبد ~~الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، لما بعث ms0158 المنصور عيسى بن موسى لمحاربته، فالتقيا ~~عند باخمرا على 16 فرسخا من الكوفة، فأشار عليه بعض أصحابه أن يجعل جنده كراديس، ~~«لأن الكراديس أثبت في الحرب، فإذا انهزم كردوس ثبت كردوس، أما الصف فإذا انهزم ~~بعضه تداعى سائره»، فقال إبراهيم وسائر من معه: «لا نصف إلا صف أهل الإسلام»، يعني ~~الآية: # إن الله يحب الذين يقاتلون في ~~سبيله صفا # إلخ، فدارت الدائرة على إبراهيم ... # وبعد رسوخ المسلمين في المدنية تفننوا في تعبئة الجيوش، بما اقتبسوه من فنون ~~الحرب عند القدماء بعد ترجمة كتبهم أو دراستها، وتعددت ضروب التعبئة عندهم حتى صارت ~~سبع تعبئات، وإن كانوا لا يستعملونها كلها، ولكنهم أدخلوها في فنونهم الحربية: ~~التعبئة الأولى أن ترتب الجيوش بشكل الهلال، قالوا إن الفرس المتقدمين ذكروه. وهو ~~نوعان: الهلال المرسل أو الحاد وهو البسيط مثل هلال السماء والهلال المركب وهو أن ~~يكون إلى جانبي الهلال شبه هلالين كأنهما جناحان، وهي التعبئة الثانية، والتعبئة ~~الثالثة المربع المستطيل، والتعبئة الرابعة الهلال المقلوب، والخامسة أن ينظم الجيش ~~في شكل المعين أو المربع المنحرف، والسادسة المثلث، والسابعة الدائرة المزدوجة، ~~وهي: دائرتان إحداهما داخل الأخرى، وكانوا يعمدون إلى هذا الضرب من التعبئة إذا كان ~~جندهم قليلا وجند عدوهم كثيرا، وهو يشبه آخر ما بلغ إليه المتمدنون من التفنن في ~~التعبئة - نعني مربع بونابرت الذي دوخ به الممالك، وهو عمدة الجنود المنظمة إلى ~~اليوم، فكان المسلمون إذا عبأوا الجيش إلى الحرب، نظموه إما كراديس أو مربعات أو ~~مثلثات أو جعلوا بعضه كراديس وبعضه مربعا أو هلاليا أو معينا أو مثلثا، على ما ~~تقتضيه الأحوال. ~~(14) المعسكر # أما تنظيم المعسكر فلم يكن له علم خاص في أوائل الإسلام، بل كان العرب يجرون في نصب ~~خيامهم وترتيبها على ما كانوا في جاهليتهم فيكون فسطاط الأمير في الوسط، وحوله فساطيط ~~الأمراء والخاصة، وإذا كانت النساء والأولاد معهم، جعلوها وراء المعسكر، ولما أبطلوا ~~حمل العيال معهم - كما تقدم - جعلوا يقلدون الروم والفرس في مضاربهم، وتفننوا في ذلك ~~على ما اقتضته الأحوال، فلما ms0159 تعددت فرق الجند، وكثرت الحاشية والمماليك والخدمة، صار ~~المعسكر أشبه ببلد، فيه الكتاب والفقهاء والأطباء والكحالون وأصحاب الطبول والأتباع ~~وغيرهم، فضلا عن أصناف الجند، كما ترى في الصفحة التالية، وهو أرقى ما بلغ إليه نظام ~~المعسكر في الإسلام. # معسكر روماني (له أربعة أبواب: ‏ # A ~~‏ في ~~مقدمه و # R ~~‏ في مؤخره ~~و # C ~~‏ ~~و # D ~~‏ في الجانبين، كل باب منها خاص بطبقة من ~~الجند. وقد ترتبت ‏الكتائب أو الكراديس في ستة صفوف مزدوجة بينها طرق ~~طولية، ويقطعها عرضا شارع واحد. وأمام الكتائب خيم كبار ‏القواد 1 و2 و3 ~~وإلى جانبها 4 و5 خيم المتطوعين. وأمامها في أول المعسكر 6 و7 جند المتطوعة ~~وبعدها على ‏الزاويتين 8 المساعدون من جند الأجانب). ~~(15) مناداة الجند # كانوا في أوائل الإسلام إذا تهيأ الجيش للقتال نادى قواده «النفير النفير» وهي علامة ~~الهجوم عندهم، تقابل نداء قواد الجند الآن في مصر «هجوم حاضر ال» ثم «هجوم!» وإذا ~~أرادوا إرجاعهم قالوا «الرجعة الرجعة!» وهي مثل قولهم اليوم «جريه!»، وكانوا إذا أرادوا ~~أن يركب الفرسان للحرب نادوا «الخيل الخيل!» ويقال لمثل ذلك في الجيش المصري: «بين ما ~~به حاضر ال!» ثم «بين!» وإذا أرادوا أن يترجلوا قالوا «الأرض الأرض!»، ومثلها في مصر ~~«أين مايه حاضر ال!» ثم «أين!». # ولما تمدن المسلمون وتعددت أجزاء جندهم وتنوعت حركاتهم، جعلوا لكل حركة نداء خاصا ~~يدل لفظه على المراد به، وهذه أسماؤها: ~~(1) # الميل. ~~(2) # الانقلاب. ~~(3) # الانفتال. ~~(4) # تسوية الانفتال. ~~(5) # استدارة صغرى. # معسكر إسلامي كامل نحو القرن الثامن ~~للهجرة في أرقى ما بلغ إليه نظام الجند عندهم. ~~(6) # استدارة كبرى. ~~(7) # تقاطر. ~~(8) # اقتران. ~~(9) # رجوع إلى الاستقبال. ~~(10) # استدارة مطلقة. ~~(11) # أضعاف. ~~(12) # أتباع الميمنة. ~~(13) # أتباع الميسرة. ~~(14) # جيش منحرف. ~~(15) # جيش مستقيم. ~~(16) # جيش مورب. ~~(17) # رض. ~~(18) # تقدم. ~~(19) # حشو. ~~(20) # رادفة. ~~(21) # ترتيب بعد ترتيب. # فكانوا إذا أراد قائد الجند أن يميل جنده إلى جهة، أو يتخذ شكلا خاصا من هذه ~~الأشكال، أو حركة من هذه الحركات، ناداه بكلمة من هذه الكلمات، وهم قد تدربوا على ~~المراد من كل منها، فيميلون كما يشاء على مثال الحركات العسكرية ms0160 في جنود هذه الأيام، ثم ~~اختصروا ذلك في كلمتين هما: «هوا جوا!» و«هو برا!» واستعانوا على إتمام المراد ~~بالإشارات، ولذلك كان على الجند أن يراعوا الرئيس بأعينهم، حتى إذا مال إلى جهة مالوا ~~معه، وفسروا هذين اللفظين بأن المراد بهو جوا أن تقبل الوجوه تجاه بعضها بعضا، وعكس ~~ذلك هو برا. ~~(16) شعار الجند # كان للعرب في جاهليتهم ألفاظ يتعارفون بها في أثناء الحرب يسمونها الشعار، وليست هي ~~ألفاظا معينة، ولكنهم كانوا يصطلحون عليها على مقتضى الأحوال، كان شعار الأحزاب في ~~غزوة أحد «يا للعزى يا لهبل»، وكان شعار تنوخ في الحيرة «يا آل عباد الله»، وجعل النبي ~~لكل من المهاجرين والأنصار شعارا، فكان شعار المهاجرين «يا بني عبد الرحمن»، وشعار ~~الأوس «يا بني عبيد الله»، وشعار الخزرج «يا بني عبد الله»، وسمى خيله «خيل الله»، وكان ~~المسلمون بعد ذلك يجعلون لجنودهم شعارا يتعارفون به، على نحو ما تقدم. ~~(17) الثغور والعواصم # ويراد بها حدود المملكة الإسلامية برا وبحرا، فقد رأيت فيما تقدم أن العرب لما ~~جاءوا لفتح الشام إنما بدأوا ببرها من جهة حوران مما يلي الصحراء، لأن قوات الروم كان ~~معظمها في مدن السواحل، فجعلوا فتوحهم تمتد من البر نحو البحر، ومن العرب وأهل البلاد ~~الأصليين إلى الروم، فبعد أن فتحوا دمشق ساروا نحو السواحل، وفي مقدمتهم يزيد بن أبي ~~سفيان وأخوه معاوية، وكان ذلك في أيام أبي عبيدة عامر بن الجراح على دمشق، جاءوا بيروت ~~وصيدا وجبيل ففتحوها فتحا يسيرا، ثم عاد الروم بعدئذ فاسترجعوها، لأن قواتهم في البحر ~~كانت كبيرة، وما زالت في أيدي الروم حتى تولى الخليفة عثمان، ومعاوية عامله على الشام، ~~ففتحوا طرابلس وغيرها، وكانت لمعاوية رغبة في غزو البحر، وعثمان يخافه كما كان عمر ~~يخافه من قبل، وما زال معاوية يلح على عثمان حتى أذن له، فسلمت ثغور الشام عندئذ ~~للمسلمين، فجعل الناس ينتقلون إليها من كل ناحية، فعمرت بهم. # وكانت ثغور الشام في أيام الخللفاء الراشدين أنطاكية، وغيرها من السواحل التي سماها ~~الرشيد عواصم، ms0161 فكان المسلمون يغزون ما وراءها، وكان للروم بقية في بعض المسالح بين ~~الإسكندرونة وطرسوس، فلما تولى بنو أمية أتموا فتحها، وزادت عمرانا في أيام بني ~~العباس، وجعلوا فيها الحامية والسلاح لدفع غارات الروم، لأنهم كانوا لا ينفكون عن ~~مناداة العرب، فبنى العرب حصونا هناك، ورمموا الحصون التي كان الروم قد بنوها، وجعلوا ~~لأهلها عطاء كبيرا وأمروهم بالغزو. # وفعلوا نحو ذلك في حدود المملكة الإسلامية من جهة البر، فاتخذوا مدنا حصينة جعلوها ~~ثغورا يقيمون فيها الجند والسلاح في قلاع لدفع العدو أو لغزو بلاده. # وبناء على ذلك فإن تخوم المملكة الإسلامية بعضها من جهة البر، والبعض الآخر يتصل إليه ~~بالبر والبحر معا. # والحدود البحرية هي على الإطلاق ثغور الشام ومصر، فإذا عددنا الثغور الشامية من ~~الشمال كان أولها طرسوس فأدنة فالمصيصة وعين زربة والكنيسة والهارونية وإياس ونقابلس، ~~وارتفاعها - أي دخلها - نحو 100000 تنفق في مصالحها وسائر وجوه شأنها، من نفقات الحامية ~~والترميم والمخائض والحصون وغير ذلك، لا يرد منها شيء إلى بيت المال، بل قد ينفق عليها ~~بيت المال ورواتب الجنود، وثغور مصر منها رفح والعريش ودمياط والإسكندرية. # ويلي ثغور الشام من الشمال الثغور التي سموها الجزرية، نسبة إلى جزيرة العراق، وأولها ~~مرعش ثم الحدث ثم حصون متتابعة إلى ثغر شميشاط ثم ملطية، وارتفاع هذه الثغور مع ملطية ~~70000 دينار، يصرف في مصالحها 40000 ويبقى 30000، ويحتاج لنفقة الأولياء والصعاليك ~~170000 دينار تضاف إلى تلك البقية، فيكون المجموع مئتي ألف دينار سوى نفقات المغازي، ~~والثغور المذكورة هي الواسطة التي منها كانت المغازي، وعواصم هذه الثغور دلوك ورعبان ~~ومنبج، ناهيك بالثغور التي تحاذي بلاد الهند في الشرق، مما يطول شرحه. ~~(18) الغزوات # فالثغور المذكورة هي حدود المملكة الإسلامية، وهي التي عزلها هارون الرشيد سنة 170ه ~~عن الجزيرة وقنسرين وسماها العواصم، وكان المسلمون يخرجون منها كل سنة للغزو في البحر ~~والبر، جهادا في سبيل الإسلام، وكان الجهاد فرضا على المسلمين يحرضهم الخلفاء عليه، ~~كما رأيت في قول أبي بكر يوم تولى الخلافة «لا يدع أحد ms0162 منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم ~~إلا ضربهم الله بالذل»، أما غزو البحر فقد كانت مراكبهم تجتمع في سواحل الشام ومصر، حتى ~~تلتقي في جزيرة قبرص، وعددها ما بين 80-100 مركب، ويسمى ما يجتمع منها هناك الأسطول، ~~وكان يتولى قيادة الأسطول صاحب مراكب الثغور الشامية، وكانت تبلغ النفقة على هذه ~~المراكب، إذا غزت مصر والشام، مائة ألف دينار. # وكانت غزواتهم تعين باعتبار الفصول، فمنها غزوة صيفية وتسمى صائفة، أو شتوية وتسمى ~~شاتية، أو ربيعية تقع في العاشر من شهر أيار (مايو) أي بعد أن يكون المسلمون قد أربعوا ~~دوابهم وحسنت أحوال خيولهم، فيقيمون في الغزوة ثلاثين يوما أي إلى العاشر من حزيران ~~(يونيو) فكأنهم يجدون الكلأ حينئذ في بلاد الروم ممكنا، فترتبع دوابهم ربيعا ثانيا، ~~ثم يقفلون فيقيمون 25 يوما أي إلى 5 تموز (يوليو) حتى تقوى الخيول فيجتمون لغزو ~~الصائفة أي الصيف، ثم يغزون لعشر تخلو من تموز، فيقيمون إلى وقت قفولهم ستين يوما، ~~وكانوا في بعض السنين يغزون صائفتين، يسمونهما الصائفة اليمنى والصائفة اليسرى. # أما في الشتاء فغزواتهم قليلة ولا يبعدون فيها أكثر من عشرين ليلة، ويكون ذلك في آخر ~~شباط (فبراير) فيقيم الغزاة إلى أوائل أذار (مارس) ثم يرجعون ويربعون دوابهم. # فترى مما تقدم أن الخلفاء لم يقتصروا على حفظ مملكتهم، بل جعلوا غزو الممالك الملاصقة ~~لها فرضا واجبا عليهم، وهو من قبيل الجهاد في سبيل الله - كما قدمنا - وكان من أكثر ~~الخلفاء رغبة في ذلك بنو العباس، فإنهم لما استتب لهم الأمر ودانت لهم المملكة ~~الإسلامية تحولوا إلى الغزو، فكانوا في أوائل دولتهم يرسلون بعض القواد لغزو الروم كل ~~سنة، كما يرسلون من يحج بالناس، ثم صاروا يغزون بأنفسهم، فقد غزا المهدي سنة 163ه الروم ~~بنفسه، وسير ابنه الرشيد سنة 165ه لغزوهم ومعه 95930 رجلا، فأوغلوا في بلاد الروم حتى ~~بلغوا خليج القسطنطينية، بعد أن مروا بمسالح الروم في طريقهم، فاسترضاهم صاحبها بمال ~~مقداره: 193450 دينارا و21140800 درهم. # فلما وصل الرشيد إلى القسطنطينية خافه أهلها، وكان ms0163 على كرسي القسطنطينية الإمبراطورة ~~إيريني، فصالحته على فدية مقدارها سبعون ألف دينار تدفعها له كل سنة، وأن تقيم له ~~الأدلاء والأسواق في الطريق، وطول الهدنة ثلاث سنين، وبلغ مقدار ما غنمه المسلمون في ~~أثناء تلك الغزوة غير ما تقدم 5643 رأسا من السبي، وعشرين ألف رأس من الدواب، ومائة ~~ألف رأس غنم وبقر، وقتلوا من الروم في تلك الغزوة وحدها 54 ألف نفس، ما عدا الأسرى، ومن ~~ذلك يتبين لك ما كان يزيد المسلمين رغبة في الغزو. ~~(19) الأساطيل ~~(19-1) ركوب البحر # لم يركب العرب البحر قبل الإسلام، إلا ما كان من سفائن حمير وسبأ في أيام ~~التبابعة، لأنهم كانوا أهل تجارة في البر والبحر، وأما عرب الحجاز فإنهم كانوا ~~يخافون البحر ولا يجسرون على ركوبه - وذلك شأن البدو إلى هذا اليوم، فلما ظهر ~~الإسلام وخفقت أعلام المسلمين على سواحل الشام ومصر، رأوا سفن الروم وشاهدوا حروبها ~~فيها فتاقت أنفسهم للغزو في البحر، وأول من ركب البحر منهم العلاء بن الحضرمي، وكان ~~عاملا على البحرين في أيام عمرو بن الخطاب، فأحب أن يفتح سواحل فارس وبينه وبينها ~~خليج فارس، فعبر إليها في المراكب ولم يستأذن عمر، ولم يفلح في غزوته. # فشق ذلك على عمر، فجعل قصاصه أن يكون تحت إمرة سعد بن أبي وقاص أمير الكوفة ~~يومئذ، وشدد عمر في منع المسلمين من ركوب البحر، وكان معاوية قد تولى جند دمشق ~~والأردن، وهو رجل المطامع البعيدة، فراقه ركوب بحر الروم لغزو ما وراءه، فبعث إلى ~~عمر يستأذنه فأبى، فألح عليه ورغبه في الكسب، فكتب عمر إلى عمرو بن العاص أمير مصر ~~يطلب إليه أن يصف له البحر فأجابه «يا أمير المؤمنين، إني رأيت البحر خلقا كبيرا ~~يركبه خلق صغير ... ليس إلا السماء والماء، إن ركد أحزن القلوب وإن ثار أزاغ العقول، ~~يزداد فيه اليقين قلة والشك كثرة، هم فيه دود على عود، إن مال غرق وإن نجا برق»، ~~فلما جاءه الكتاب بعث إلى معاوية «والذي بعث محمدا بالحق لا أحمل فيه ms0164 مسلما ~~أبدا». # أسطول عربي يحارب الروم وهم يرمونه بالنار اليونانية. # فلما كانت خلافة عثمان أطاع معاوية لشدة إلحاحه، ولكنه شرط عليه أن يجعل الغزو في ~~البحر اختياريا، فمن اختار ركوبه حمله وأعانه، فركب معاوية في البحر إلى قبرص سنة ~~28ه فصالحه أهلها على 7200 دينار يدفعونها له كل سنة، وهي أول غزوة غزاها المسلمون ~~في البحر، وراقهم النصر فازدادوا رغبة في غزوه فجعلوا ذلك في أوقات معينة من الصيف ~~والشتاء كما تقدم. ~~(20) الأساطيل في الإسلام # ولم يكن للعرب معرفة في الملاحة، فاستخدموا أولا من كان في حوزتهم من الروم، وفيهم ~~أهل الصناعة والنواتية، فأنشأوا لهم السفن والشواني، وشحنوها بالرجال والسلاح، وأركبوها ~~العساكر والمقاتلة لغزو ما وراء البحر، وسموا مجمع السفن أسطولا، وهو لفظ يوناني ~~(Stolos) # عربوه، وجعلوا مقر أساطيلهم بحر الروم ~~خاصة، واشترك في ملاحة البحر منهم أهل الشام وأفريقية والأندلس، وأنشأوا دور الصناعة ~~(الترسانة) في تلك البلاد لبناء السفن وإعداد معداتها، وأول دار للصناعة في الإسلام ~~بنيت في تونس على عهد عبد الملك بن مروان، فأمر عامله على إفريقية حسان بن النعمان بذلك ~~ففعل، وأنشأ السفن وجهزها بالعدة والسلاح، وبعث فيها المقاتلة لغزو صقلية (سيسيليا) فلم ~~يتيسر لهم فتحها إلا في أيام الأغالبة، ففتحها أسد بن الفرات على عهد زيادة الله بن ~~إبراهيم بن الأغلب، وفتح أيضا قوصرة فازداد المسلمون رغبة في غزو البحر، فبالغوا في ~~إنشاء الأساطيل في إفريقية والأندلس، فبلغ عدد سفن أسطول الأندلس في أيام عبد الرحمن ~~الناصر في أواسط القرن الرابع للهجرة مائتي سفينة، وكان أسطول إفريقية نحو ذلك، وأشهر ~~مرافئ الأندلس بجانة وألمرية، وكانت دور الصناعة قد تعددت هناك، وكل دار تبني أسطولا ~~عليه قائد ورئيس، فالقائد يدبر أمر سلاحه وحربه ومقاتليه، والرئيس يدبر أمر جريه بالريح ~~أو المجاديف، فإذا اجتمعت الأساطيل لغزو أو غرض آخر عسكرت بمرفئها المعلوم، وجعلوا ~~النظر فيها كلها لأمير واحد من أعلى طبقات المملكة. # وأما مصر فقد أنشئت فيها دور الصناعة في أواخر القرن الأول للهجرة كما سيأتي، وأول ms0165 من ~~أنشأ الأسطول فيها عنبسة بن إسحق أميرها من قبل الخليفة المتوكل على الله العباسي، وسبب ~~ذلك أن الروم نزلوا دمياط سنة 238ه وملكوها، وقتلوا وسبوا، فعظم الأمر على أمير مصر ~~فأمر بإنشاء الشواني للأسطول، وجعل للبحر غزاة مثل غزاة البر، وجعل أرزاقهم مثل ~~أرزاقهم، فاجتهد الناس في تعليم أولادهم الرماية وجميع أنواع المحاربة، وانتخب له ~~القواد العارفين وشحنه بالرجال والسلاح، وأرسله لغزو الروم في جملة أساطيل إفريقية ~~والأندلس والشام، فكانت الحروب بين المسلمين والروم سجالا، يأسر بعضهم بعضا، فاحتاج ~~الخلفاء إلى افتداء أسراهم بالمال، فوضعوا ما يسمونه الفداء. ~~(21) الفداء # وأول من افتدى أسرى المسلمين بالمال هارون الرشيد العباسي سنة 189ه، وكان الفداء قبله ~~يقع بالمبادلة: النفر بالنفر، وأشهر الأفدية 13، وكلها في أيام بني العباس، آخرها جرى ~~في أيام المطيع لله سنة 335ه، وبلغ عدد الذين افتداهم الخلفاء في هذه المدة نحو 50 ألف ~~نفس، وكان الفداء يقع غالبا على ضفتي نهر اللامس من سواحل بحر الروم قريبا من طرسوس، ~~ويحضر الفداء جمهور من المسلمين والروم فيقضون في الافتداء بضعة عشر يوما إلى بضع ~~عشرات، وشهد الفداء الأول نحو 50000 نفس من المسلمين، بأحس ما يكون من العدد والخيل ~~والسلاح والقوة، حتى ملأوا السهل والجبل وضاق بهم الفضاء، وجاءت مراكب الروم الحربية ~~بأحسن ما يكون من الزي ومعهم الأسرى، وكان عدد الذي ~~فودوا فيه 3700 نفس، وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة يخاطب الرشيد من أبيات: # وفكت بك الأسرى التي شيدت لها # محابس ما فيها حميم يزورها # على حين أعيا المسلمين فكاكها # وقالوا سجون المشركين قبورها ~~(22) الأساطيل المصرية # ولما دخلت مصر في حوزة العبيديين (الفاطميين) ملوك إفريقية، بذلوا عنايتهم في إنشاء ~~الأساطيل في الإسكندرية ودمياط ومصر، وبلغت الجنود البحرية في أيامهم خمسة آلاف لهم ~~الرواتب المعينة، منهم عشرة قواد راتب كل واحد منهم من 10 إلى 20 دينارا، ومنهم أقل من ~~ذلك إلى دينارين وهي أقلها، ولهم إقطاعات كانوا يسمونها أبواب الغزاة، وكانوا ينتخبون ~~أحد هؤلاء القواد رئيسا للأسطول، ms0166 فإذا ساروا إلى الغزو كان هو آمرهم وناهيهم، ومع هذا ~~الرئيس أمير كبير من أمراء الدولة، وأما النفقة على غزاة الأساطيل فكان الخليفة يتولى ~~تفريقها بنفسه بحضور الوزير، مبالغة في إكرام رجال البحر ورفع منزلتهم، وبلغت المراكب ~~في أيام المعز لدين الله أول الخلفاء الفاطميين بمصر 600 قطعة، ثم نقصت بعده حتى أصبحت ~~مائة قطعة. # وكانوا يحتفلون في إخراج الأسطول إلى الغزو احتفالا شائقا يحضره الخليفة، فيجلس في ~~منظرة معدة له على ساحل النيل بالمقس خارج القاهرة لوداع الأسطول، فيجيء القواد ~~بالمراكب إلى هناك، وهي مزينة بأسلحتها وبنودها، وفيها المنجنيقات فيرمي بها فتنحدر ~~المراكب وتقلع، وتفعل ما تفعله لو كانت في حرب، وهو ما يعبرون عنه اليوم بالمناورة، ثم ~~يحضر الرئيس والمقدم بين يدي الخليفة فيودعهما ويدعو لهما، ويعطى المقدم 100 دينار ~~والرئيس 20 دينارا، ويحتفلون مثل هذا الاحتفال عند عودتهم من الغزو، وفي أيام صلاح ~~الدين أنشئ للأساطيل ديوان خاص سموه ديوان الأسطول، وعينوا الأموال للنفقة عليه. ~~(23) فتوح المسلمين البحرية # وكان للأساطيل تأثير كبير في توسعة المملكة الإسلامية، لأنهم فتحوا بها أشهر جزر بحر ~~الروم، ومنها سردينية «سردينيا» وصقلية «سيسيليا» ومالطة وأقريطش «كربد» وقبرص وغيرها، ~~وفتحوا كثيرا من شواطئ هذا البحر مما يلي أوربا، وسارت أساطيلهم فيه جائية ذاهبة، ~~وعليها العساكر الإسلامية تجوز البحر من صقلية إلى بر إيطاليا في الشمال، فتوقع بملوك ~~الإفرنج وتثخن في ممالكهم، وخصوصا في أيام بني الحسين الكلابيين ملوك صقلية القائمين ~~فيها بدعوى الفاطميين، فانحاز الإفرنج بأساطيلهم إلى الجانب الشمالي الشرقي من هذا ~~البحر، وملك المسلمون سائره بمراكبهم وأساطيلهم، وصاروا سلاطين البحر كما كانوا سلاطين ~~البر، وضعف أمر الإفرنج إلى أن أدرك الدولة العبيدية بمصر والأموية بالأندلس الفشل، ~~وطرقها الاعتلال بحكم ناموس الاجتماع، وأفاق الإفرنج وعادوا إلى استرجاع بلادهم ~~فاسترجعوها، وسطوا على بلاد المسلمين نفسها، وكان ما كان من الحروب الصليبية على ما هو ~~مشهور. # وكان المسلمون قد أهملوا أمر الأساطيل، وقل تجنيدهم لها وبطل ديوانها، وبعد أن كان ~~جند البحر عندهم يلقبون بالمجاهدين ms0167 في سبيل الله، والغزاة في أعداء الله ويتبرك بدعائهم ~~الناس، أصبح «أسطولي» بمصر لقب إهانة، وصارت خدمة الأساطيل عارا عندهم، وظل ذلك شأنهم ~~حتى تولى الملك الظاهر بيبرس البندقداري سلطان المماليك الشهير، فأعاد شأن الأساطيل، ~~لكنها لم تعد إلى ما كانت عليه في عز الإسلام، على أنهم بذلوا جهدا كبيرا في دفع ~~الصليبيين عن مصر، وكان الصليبيون يأتون غالبا من جهة النيل، وكان المماليك يبنون على ~~ضفتي النيل أبراجا من الخشب يوصلون بينها بسلاسل الحديد، لتمنع سفن الإفرنج من المرور ~~في النيل. # بربروسا أو خير الدين باشا. # انحط شأن الأساطيل في مصر والشام، وبقي في الأندلس وإفريقية، وبقيت دولة المغرب مختصة ~~بها، وظل ذلك شأنهم إلى أواخر دولتهم وكان عدد أساطيلهم في العدوتين «أوربا وإفريقية» - ~~على ما رواه ابن خلدون - مائة أسطول، وفي أثناء ذلك نبغ أحمد الصقلي قائد أساطيل المغرب ~~في القرن السادس للهجرة، وانتهت أساطيل المسلمين في أيامه إلى ما لم تبلغ قبله ولا ~~بعده، ثم انحطت بانحطاط الدولة حتى انقضت بانقضاء الإسلام في الأندلس، ثم عاد الأسطول ~~الإسلامي إلى الظهور في عهد الدولة العثمانية، واشتهر من قواده بربروسا خير الدين باشا ~~في القرن التاسع للهجرة. ~~(24) دار الصناعة # يراد بدار الصناعة عندهم ما نعبر عنه اليوم بالترسانة أو الترسخانة، وهما منقولتان عن ~~تلك الكلمة، لأن الإفرنج لما فتحوا بلاد العرب كان في جملة ما اقتبسوه عنهم صناعة ~~المراكب، كما اقتبسها العرب من أسلافهم ، وسمى الإسبان دار الصناعة # Darsina ~~، وأخذتها عنهم سائر لغات أوربا، فتقلبت ~~بالنحت حتى صارت أرسنال # Arsenal ~~، وأخذها العرب عن ~~الإسبان # Tarsanah # بطريق التركية، فظنوها تركية فعربوها ~~ترس خانة أو ترسانة، وهي أولى أن تسمى دار الصناعة، وقد يقال ذلك في اشتقاق لفظ ~~«أميرال» # Amiral # الإفرنجية عن «أمير البحر» ~~العربية. # وكانت دور الصناعة في بلاد الإسلام كثيرة في الأندلس وإفريقية وفي الشام ومصر، وأول ~~دار بنيت بمصر لهذه الغاية أنشئت في جزيرة الروضة تجاه الفسطاط في القرن الأول للهجرة، ~~ثم عني أحمد بن طولون بتوسيعها وتحسينها، ms0168 ثم نقلت إلى الفسطاط في أيام الإخشيد في أول ~~القرن الرابع للهجرة، حتى لا يكون بينها وبين الفسطاط بحر، ثم أنشأ الفاطميون دارا ~~للصناعة في المقس بقرب مدينتهم «القاهرة» وكانت تصنع في هذه الدور المراكب على أنواعها ~~ومنها النيلية والبحرية، فالنيلية كانوا ينشئونها لتمر في النيل من أعلى الصعيد إلى ~~مصاب النيل تحمل الغلال وغيرها، والحربية هي مراكب الحرب لحمل المقاتلين للجهاد، وهي ~~التي يقال لمجموعها: الأسطول. ~~(25) أشكال السفن ومعداتها # وكانت المراكب الحربية أنواعا تتفاوت شكلا وجرما وقوة، منها «الشونة» وهي مراكب ~~كبيرة كانوا يقيمون فيا أبراجا وقلاعا للدفاع، و«الحراقة» كانوا يحملون فيها منجنيقات ~~يرمى بها النفط المشتعل على الأعداء - ويسمون المنجنيق عرادة - و«الطرادة» سفينة صغيرة ~~سريعة الجري، و«العشاريات» مراكب يسار بها في النيل، وهناك سفن أخرى لأغراض أخرى مثل ~~الشلنديات والمسطحات وغيرها، وكانوا يبنون سفنهم على مثال سفن اليونان والرومان، لأنهم ~~أخذوا هذه الصناعة عنهم وعدلوها. # سفينة عربية (نقلا عن نسخة مخطوط قديمة من مقامات الحريري في مكتبة ~~المستشرق شيفر). # وكان من معدات السفن الحربية عندهم الزرد والخوذات والدرق والتروس والرماح والقسي ~~والكلاليب والباسليقات - وهي سلاسل في رؤوسها رمانة حديد - والعرادات، وكانوا يجعلون في ~~أعلى الصواري صناديق مفتوحة من أعلاها يسمونها التوابيت، يصعد إليها الرجال قبل استقبال ~~العدو فيقيمون فيها ومعهم حجارة صغيرة في مخلاة معلقة بجانب الصندوق، فيرمون العدو ~~بالأحجار وهم مستورون بالصناديق، وقد يكون مع بعضهم بدل الحجارة قوارير النفط للإشعال، ~~أو جرار النورة - وهو مسحوق ناعم من مزيج الكلس والزرنيخ - يرمون بها في مراكب الأعداء ~~فتعمي الرجال بغبارها، وقد تلتهب عليهم إذا تبددت، أو يرمون عليهم قدور الحيات والعقارب ~~أو قدور الصابون اللين فإنه يزلق أقدامهم، وكان يعلقون حول المراكب من الخارج الجلود أو ~~اللبود المبلولة بالخل أو الماء والشب والنطرون لدفع أذى النفط، وقد يحتاطون لذلك ~~بالطين المخلوط بالبورق والنطرون أو الخطمي المعجون بالخل، فإن هذه مواد تقاوم فعل ~~النفط. # وكان من احتياطاتهم في أثناء الحرب أنهم إذا جن الليل لا يشعلون في مراكبهم نارا ms0169 ولا ~~يتركون فيها ديكا، وإذا أرادوا المبالغة في الاختفاء أسدلوا على المراكب قلوعا زرقا ~~كي لا تظهر عن بعد. # وكانوا يجعلون في مقادم المراكب أداة كالفأس يسمونها «اللجام»، وهي حديدة طويلة محددة ~~الرأس جدا وأسفلها مجوف كسنان الرمح، تدخل من أسفلها في خشبة كالقناة بارزة في مقدم ~~المركب يقال لها «الإسطام»، فيصير اللجام كأنه سنان رمح بارز من مقدم المركب فيحتالون ~~في طعن المراكب به، فإذا أصاب جانب المركب بقوة خرقه حتى يخشى غرقه بما ينصب فيه من ~~الماء فيطلب أصحابه الأمان. # وأما الكلاليب ففائدتها أنهم إذا دنوا من مركب العدو ألقوا الكلاليب عليه فيوقفونه، ~~ثم يشدونه إليهم ويرمون عليه الألواح كالجسر ويدخلون إليه ويقاتلون، وإذا كان العدو ~~قويا أبطل فعل الكلاليب بفأس ثقيلة من فولاذ يضربون به تلك الكلاليب فتنقطع. # | بيت المال # البحث في بيت المال يشمل النظر في كل ما يتعلق بأموال الدولة من خراج وصدقة وأعشار وأخماس ~~وجزية وغير ذلك، ويسمى الديوان السامي، وهو أصل الدواوين ومرجعها عندهم، ووظيفته أن يثبت في ~~جرائده جميع أصول الأموال السلطانية على أصنافها، من عين وغلال وفيء وغنائم وأعشار وأخماس، ~~ويثبت ما تحصل من ذلك ويتخذ بيوتا لأصناف الأموال ويجعل عليها دواوين وحرسا، فالأموال ~~والقماش لها ديوان الخزانة، ويجب أن يكون مباشروه قضاة المسلمين بأنفسهم بلا نواب عنهم، ~~ومعهم خزندارية أمناء أكفاء من أقوى الناس ديانة، والغلال لها ديوان الأهراء، يجب أن يكون ~~مباشروه من أكبر العدول الدينيين الأعفاء، والأسلحة والذخائر لها ديوان خزائن السلاح، يجب ~~أن يكون مباشر هذه الجهة محتسب البلد، لأنه يعرف أمور الاستعمالات وأجور الصناع وأسعار ~~الآلات، وكل ما استحقه المسلمون ولم يتعين مالكه منهم فهو من حقوق بيت المال، وكل حق وجب ~~صرفه في مصالح المسلمين ثلاثة أقسام: الصدقة، والغنيمة، والفيء، ولكل منها أحكام سيأتي ~~بيانها، والأموال المستحقة على بيت المال أرزاق الجند وأثمان الكراع والسلاح، وغير ذلك مما ~~ينفق في سبيل المصلحة العامة. ~~(1) الصدقة # الصدقة والزكاة لفظان مترادفان، وهي تؤخذ من أغنياء المسلمين وتفرق على ms0170 فقرائهم، وقد ~~ذكرنا أصلها فيما تقدم، وللصدقة ديوان في مركز الخلافة له فروع في سائر الولايات ~~والبلدان، ويستقل والي الصدقة في كل بلد بالاستيلاء على أموال الصدقة من أغنياء ذلك ~~البلد وتفريقها على فقرائه، ومصادر الزكاة أربعة: زكاة الماشية وزكاة الذهب والفضة ~~وزكاة الأثمار وزكاة الزروع. ~~(1-1) زكاة الماشية # فزكاة الماشية تؤخذ على الإبل والبقر والغنم، ولها أحكام وضعها رسول الله نفسه: ~~يستدل على ذلك من كتاب كتبه أبو بكر إلى أنس بن مالك لما وجهه إلى البحرين، وهاك ~~نصه «بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # على ~~المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن ~~سئل فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة، ~~إذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستا ~~وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ~~ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمسة وسبعين ففيها جذعة، فإذا ~~بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنت لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ~~ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت ~~لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن ~~يشاء ربها ، فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا ~~كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على مائة إلى مائتين شاتان، فإذا زادت ~~على مائتين إلى ثلاث مائة ففيها ثلاث، فإذا زادت على ثلاث مائة ففي كل مائة شاة، ~~فإذا كانت سائمة الرحل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها» ~~وللفقهاء تفاصيل في ذلك لا محل لها هنا، وأما الخيل والبغال والحمير فلا زكاة ~~عليها. ~~(1-2) زكاة الذهب والفضة # وزكاة الفضة ليس فيما ms0171 دون 200 درهم صدقة، وأما المائتان فعليها خمسة دراهم كل ~~سنة، وذلك على تعديل 2,5 في المائة أي 1 من 40، وعلى هذا التعديل تؤخذ زكاة الذهب ~~عن كل عشرين مثقالا منه نصف مثقال، وليس على ما دون العشرين مثقال زكاة، وإذا زادت ~~على العشرين تضاعفت زكاتها على هذا المقياس، ويعد من قبيل الفضة والذهب أموال ~~التجارة ونحوها. ~~(1-3) زكاة الأثمار # وأما الأثمار فزكاتها تختلف باختلاف نوع سقايتها، فإذا كانت مما يسقى سيحا، أي ~~أن الماء يأتيه من المطر أو الأنهر بلا تعب أو حمل، فزكاتها العشر، وإذا كانت مما ~~يسقى بالتعب والرجال فنصف العشر، وفي كل حال لا تستحق الزكاة على الأثمار إلا إذا ~~بلغت خمسة أوسق فما فوق، والوسق ستون صاعا، والصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي، ~~ويدخل في حكم الأثمار النخل والكرم ونحوها. ~~(1-4) زكاة الزروع # وأما الزروع، ويريدون بها الحبوب بأنواعها كالحنطة والأرز واللوبيا والحمص ~~وغيرها، فلا تؤخذ عليها زكاة إلا بعد أن تبلغ خمسة أوسق، وحكمها في الزكاة مثل حكم ~~الأثمار. ~~(2) الجهات التي تصرف فيها الزكاة # وأما الجهات التي تصرف فيها أموال الزكاة فقد جاء ذكرها صريحا في القرآن، وهو: # إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب ~~والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ~~، وبناء عليه كانوا ~~يقسمون أموال الزكاة إلى ثمانية أسهم، يدفعون سهما إلى الفقراء وهم الذين لا شيء لهم، ~~والثاني للمساكين، وهم الذين لهم ما لا يكفيهم وهم أرفق حالا من الفقراء، وكانوا ~~يجعلون نصيب كل واحد من هؤلاء بالنظر إلى حاله أو ما يكفيه، على ما يتراءى لولي ~~الصدقات، بشرط أن لا يزيد ما يأخذه الواحد على 200 درهم، لأنه إذا أخذ أكثر من ذلك وجبت ~~عليه الزكاة. # وقد جاء في تفسير البيضاوي أن الفقير من لا مال له يقع موقعا من حاجته، والمسكين من ~~له مال أو كسب لا يكفيه من السكون، كأن العجز أسكنه. # والسهم الثالث يعطى للعاملين عليها، وهم القائمون بجبايتها وتفريقها، وفيهم الأمين ~~والمباشر والمتبوع والتابع فيأخذون ms0172 أجورهم، فإذا زاد سهمهم على ما يستحق لهم رد الباقي ~~على السهام الباقية. والسهم الرابع يفرق للمؤلفة قلوبهم، وهم الذين كان النبي وخلفاؤه ~~يتألفونهم لكف أذاهم عن المسلمين، أو لرغبتهم في الإسلام أو لترغيب قومهم وعشائرهم فيه ~~كما تقدم، وإذا كان أحد المؤلفة قلوبهم غير مسلم لا يدفع له من الزكاة بل يدفع له من ~~الغنائم أو الفيء. والسهم الخامس ينفق في شراء العبيد وعتقهم. والسادس للغارمين، وهم ~~المدينون، فيعطى لهم ما يقضون به ديونهم. والسهم السابع في سبيل الله، يعطى الغزاة وأهل ~~الجهاد نفقة ما يحتاجون إليه في حروبهم. والثامن لأبناء السبيل، وهم المسافرون الذين لا ~~يجدون نفقة سفرهم. # ويمتاز عمال الصدقات عن سائر عمال المال الآخرين أن عامل الصدقة يجوز له أن يقسم ما ~~جباه بغير إذن، إلا إذا نهي عن ذلك عمدا، بخلاف أموال الفيء أو الغنيمة فإن عمالها ليس ~~لهم أن يتصرفوا بالمال إلا بأمر الخليفة أو من يقوم مقامه من الولاة أو الوزراء. ~~(3) الغنيمة # الغنيمة ما يكسبه المسلمون بالقتال، وتشتمل على أربعة أقسام: أسرى وسبي وأرضين ~~وأموال، فالأسرى هم الرجال المقاتلون الذين يقعون في الأسر، ولهم في الشريعة الإسلامية ~~شروط وأحكام اختلف الأئمة في تحديدها مما لا محل له هنا، وفي جملتها قبول الفدية وهي ~~مال يفتدى به الأسير، فالمال المأخذوذ على هذه الصورة يضاف إلى باقي الغنيمة، وأما ~~السبي فهم النساء والأطفال الذين يقعون في أيدي المسلمين، فلا يجوز قتلهم وإنما هم ~~يفرقون في جملة الغنائم ويجوز قبول الفدية عنهم. # والأرض التي تؤخذ في الحرب إما أن تكون قد فتحت عنوة فأصبحت ملكا للمسلمين على أنها ~~فيء، أو أن تدخل في حكم المسلمين صلحا على شروط فهي من قبيل الفيء، وباختلاف هذه ~~الأحوال وما يشترك بينها اختلفت أنواع الضرائب عليها كالخراج والعشور ونحوهما. ~~(4) الأموال # أما الأموال المنقولة فهي ما يمكن نقله كالماشية والمال، وهي تفرق في المقاتلة، وكانت ~~تفرق في أول الإسلام بلا قاعدة، فكان النبي يقسمها على ما يراه، وأول غنائمهم غنائم بدر ms0173 ~~في السنة الثانية للهجرة، فتنازل المهاجرون والأنصار في اقتسامها، ففرقها النبي فيهم ~~على السواء وهو كواحد منهم، ثم جاء الأمر بالتخميس في الآية: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ~~ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~، ~~وأول غنيمة خمست على هذه الصورة غنيمة غزوة بني قينقاع بتلك السنة، فقسمت أموالها إلى ~~خمسة أقسام تفرقت أربعة منها في المقاتلة، والخمس ~~الخامس - وهو خمس النبي - قسم إلى خمسة أسهم: السهم ~~الأول ينفقه على نفسه وأزواجه وفي مصالح المسلمين، والثاني يفرق على ذوي القربى، وهم ~~بنو هاشم رهط النبي، وبنو عبد المطلب بن عبد مناف خاصة، ولا حق لأحد سواهم من قريش، ~~والثالث لليتامى من ذوي الحاجات، ويستوي فيه حكم الغلام والجارية، والرابع يفرق في ~~المسلمين الذين لا يجدون ما يكفيهم، والسهم الخامس لأبناء السبيل، وهم المسافرون الذين ~~لا يجدون ما ينفقون. # ويعد من قبيل الأموال أيضا الأسلاب، وهي ثياب القتلى وأسلحتهم، فهذه كانوا يفرقونها ~~في المقاتلين، فيأخذ كل رجل أسلاب الذي قتله. ~~(5) الأراضي # وأما الأراضي التي كانت تقع في أيديهم عنوة أو صلحا، فقد أراد بعضهم في صدر الإسلام ~~أن يجعلها غنيمة تقسم بين الفاتحين مثل قسمة أموال الغنيمة، فأبى عمر بن الخطاب عليهم ~~ذلك كما يتبين من كتاب كتبه إلى سعد بن أبي وقاص بعد فتح العراق ونصه: «أما بعد ... فقد ~~بلغني كتابك تذكر فيه أن الناس سألوك أن تقسم الأرض بينهم مغانمهم وما أفاء الله عليهم، ~~فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس عليك به من العسكر من كراع ومال فاقسمه بين من ~~حضر، واترك الأرضين والأنهار بعمالها لا يكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنك إن قسمتها ~~بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء». # فاعترض عليه بعضهم بأن الأرض حق لهم، لأنهم فتحوها بأسيافهم، فجادلهم وأقنعهم بأن يضع ~~الخراج عليها والجزية على أهلها، ويكون كلاهما فيئا للمسلمين على ممر الأجيال، وبناء ~~عليه وضع عمر الجزية والخراج على أرض العراق وغيرها من البلاد المفتوحة، ودون ذلك في ms0174 ~~السجلات على مثال ما كان الفرس والروم يدونون، وهو ما يعبرون عنه بتدوين الدواوين كما ~~تقدم. ~~(6) الفيء # هو سائر ما بقي من أموال بيت المال، وفي الشرع: «الفيء كل مال وصل من المشركين عفوا ~~من غير قتال ولا بإيجاف خيل ولا ركاب»، ويدخل فيه الجزية والخراج والأعشار وغيرها، وكان ~~للنبي خمس الفيء يقسم كما يقسم خمسه من الغنائم، فأصبحت حصته بعد موته من الفيء أيضا ~~من حق بيت المال، وكانت الأربعة الأخماس الباقية من الفيء تقسم في صدر الإسلام على ~~الجيش، وهم المهاجرون والأنصار، يفرق فيهم على السواء، حتى وضع عمر الديوان وقدر أرزاق ~~الجند على ما ذكرناه، فأصبح الفيء يوضح في بيت المال، وينفق منه على الجند وغيرهم ~~حقوقهم المعينة. # وقد رأيت فيما تقدم أن أهل الصدقات هم غير أهل الفيء والغنيمة، فلا تصرف الصدقات في ~~أهل الفيء، ولا يصرف الفيء في أهل الصدقات، فإن الفيء والغنيمة لأهل الحرب والمجاهدين ~~في سبيل الإسلام، وأهل الصدقات ليسوا من المقاتلة ولا هجرة لهم، وكان اسم الهجرة يطلق ~~في الصدر الأول على من هاجر من وطنه إلى المدينة لطلب الإسلام، وكانت كل قبيلة أسلمت ~~وهاجرت بأسرها تدعى «البررة»، وكل قبيلة هاجر بعضها تدعى «الخيرة»، فكان المهاجرون بررة ~~وخيرة، ثم سقط حكم الهجرة بعد الفتح، وصار المسلمون مهاجرين وأعرابا، لأن أهل الصدقة ~~كانوا يسمون على عهد النبي أعرابا، ويسمى أهل الفيء المهاجرين، ومن ذلك قول ~~الشاعر: # قد لفها الليل بعصلبي # أروع خراج من الذربي # مهاجر ليس بأعرابي # وكان الخلفاء في صدر الإسلام يدققون في التمييز بينهما، فإذا أراد الخليفة أن يعطي ~~طالبا لا يعطيه من مال الفيء إلا إذا كان العطاء عائدا إلى مصلحة المسلمين العامة، ~~وإلا فإنه يعطيه من مال الصدقة، ويروون عن عمر بن الخطاب غير حكاية تدل على شدة تمسكه ~~بهذه القاعدة، منها أن أعرابيا أتاه فقال: # يا عمر الخير جزيت الجنه # اكس بنياتي وأمهنه # وكن لنا من الزمان جنه # أقسم بالله لتفعلنه # فقال عمر: «إن لم أفعل يكون ماذا؟»، ms0175 قال: # إذن أبا حفص لأذهبنه # قال «وإذا ذهبت يكون ماذا؟»، فقال: # يكون عن حالي لتسألنه # يوم يكون لا عطايا هنه # وموقف المسؤول بينهنه # إما إلى نار وإما جنه # فبكى عمر حتى اخضلت لحيته بدموعه، وقال «يا غلام أعطه قميصي هذا لذلك اليوم، لا ~~لشعره، أنا والله لا أملك غيره!»، فجعل ما وصل به الأعرابي من ماله لا من مال المسلمين، ~~لأن صلته لم تعد تقع على غيره فخرجت من المصالح العامة. # وكان مما نقمه الناس على عثمان أنه جعل الصلات من مال الفيء ولم ير الفرق بين ~~الأمرين، ولما مضى زمن الهجرة وصار الإسلام دولة جوزوا صرف كل واحد من المالين في كل ~~واحد من الفريقين، على حسب الاقتضاء، وازدادت موارد الفيء باتساع المملكة الإسلامية ~~وتعددت أبوابها، وصاروا يعبرون عن الفيء بجباية الأعمال، وهو ما يجبى من أصناف الأموال، ~~كالجزية والخراج والصدقات وأعشار السفن وأخماس المعادن والمراعي وغلة دار الضرب ~~والمراصد والضياع والمستغلات إلخ ... وقد تقدم الكلام في الصدقات، وسنذكر أهم ما بقي من ~~مصادر الفيء. ~~(7) الجزية # الجزية والخراج متشابهان بأنهما يؤخذان من غير المسلمين، وهما من جملة أموال الفيء ~~ويجبيان بأوقات معينة كل سنة، ولكنهما يختلفان بأن الجزية موضوعة على الرؤوس وتسقط ~~بالإسلام، وأما الخراج فيوضع على الأرض ولا يسقط. ~~(7-1) تاريخ الجزية # والجزية ليست من محدثات الإسلام، بل هي قديمة من أول عهد التمدن القديم، وقد ~~وضعها يونان أثينا على سكان سواحل آسيا الصغرى حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، ~~مقابل حمايتهم من هجمات الفينيقيين، وفينيقية يومئذ من أعمال الفرس، فهان على سكان ~~تلك السواحل دفع المال في مقابل حماية الرءوس، والرومان وضعوا الجزية على الأمم ~~التي أخضعوها، وكانت أكثر كثيرا مما وضعه المسلمون بعدئذ، فإن الرومان لما فتحوا ~~غاليا (فرنسا) وضعوا على كل واحد من أهلها جزية يختلف مقدارها ما ~~بين 9 جنيهات و15 جنيها في السنة، أو نحو سبعة ~~أضعاف جزية المسلمين، ولم تكن الجزية كبيرة بهذا المقدار في كل البلاد التي افتتحها ~~الرومان، ولكنهم يعللون كبرها ms0176 في غاليا ونحوها أنها كانت تؤخذ من الأشراف، عنهم وعن ~~عبيدهم وخدمهم، وكان الفرس أيضا يجبون الجزية من رعاياهم، ويؤيد ذلك ما أورده ابن ~~الأثير في كلامه عما فعله كسرى أنوشروان في الخراج والجند، قال «وألزموا الناس ~~الجزية ما خلا العظماء وأهل البيوتات والجند والمرازبة والكتاب ومن في خدمة الملك، ~~كل إنسان على قدره اثني عشر درهما وثمانية دراهم وستة دراهم وأربعة دراهم»، ~~فالظاهر أن العرب أخذوهها عن الفرس لفظا ومعنى، فعربوا لفظها حتى صار «جزية» ~~وعدلوا في كيفية جمعها كما رأيت، وقد رفعوها عن المسلمين كما فعل كسرى أيضا، لأن ~~المسلمين عندهم هم الجند والعظماء وأهل البيوتات الذين استثناهم كسرى من الجزية، ~~وأهل اللغة يعدون لفظ الجزية مشتقا من جزاه به وعليه، كافأه. ~~(7-2) مقدار الجزية # أما الجزية في الإسلام فقد كان النبي يقدرها بحسب الأحوال، وعلى مقتضى التراضي ~~الذي كان يقع بين المسلمين وأعدائهم، فلما صالح أهل نجران تراضوا على جزية مقدارها ~~2000 حلة في صفر و1000 في رجب، ثمن كل حلة أوقية والأوقية أربعون درهما وصالح أهل ~~أذرح على مائة دينار كل رجب، وصالح أهل مقنا على ربع أخشابهم وغزوهم وكراعهم ~~ودروعهم وثمارهم، وصالح غيرهم من يهود جزيرة العرب على نحو ذلك. # وما زالت الجزية بلا تعيين إلى آخر أيام أبي بكر، فلما تولى عمر وكثرت الفتوح عين ~~مقدارها، فكتب إلى أمراء الأجناد يأمرهم أن يضربوا الجزية على كل من جرت عليه ~~الموسى، وأن يجعلوها على أهل الفضة كل رجل أربعين درهما، وعلى أهل الذهب أربعة ~~دنانير ، وعليهم من أرزاق المسلمين من الحنطة والزيت مدان حنطة، وثلاثة أقساط زيتا ~~كل شهر لكل إنسان في الشام والجزيرة. # ثم تعدلت فتعينت باعتبار درجات الناس ومقدرتهم، فوضعوا على الظاهر الغنى 48 ~~درهما تدفع أقساطا 4 دراهم في كل شهر، وعلى أوسط الحال 24 درهما كل شهر درهمان، ~~وعلى الفقير 12 درهما كل شهر درهم، ولا يؤخذ شيء من النساء والصبيان ولا من أهل ~~العاهات ولا من الرهبان الذين لا يخالطون ms0177 الناس، إلا البلاد التي عقدت شروط الجزية ~~عليها باتفاق خاص، كما عقد صلح مصر مع عمرو بن العاص، على أن يدفع القبط دينارين عن ~~كل نفس شريفهم ووضيعهم ممن بلغ منهم الحلم، ليس على الشيخ الفاني ولا على الصغير ~~الذي لم يبلغ الحلم ولا على النساء شيء، وعليهم إضافة من ينزل عليهم من المسلمين ~~ثلاثة أيام، وغير ذلك. # وكثيرا ما كانوا يقدرون الجزية باعتبار ما ~~يبقى في أيدي الناس من دخلهم بعد نفقاتهم، كما وقع لأهل الجزيرة بالعراق، فقد كان ~~الذي فتحها عين جزيتها دينارا على كل رأس، فلما تولى عبد الملك بن مروان استقل ذلك ~~فبعث إلى عامله هناك فأحصى الجماجم وجعل الناس كلهم عمالا بأيديهم، وحسب ما يكسب ~~العامل سنته كلها، وطرح من ذلك نفقته في طعامه وأدمه وكسوته، وطرح أيام الأعياد في ~~السنة كلها، فوجد الذي يحصل بعد ذلك أربعة دنانير لكل واحد، فألزمهم دفعها وجعل ~~الناس طبقة واحدة. # والجزية تضرب كما قلنا على غير المسلمين، فمن أسلم سقطت عنه، إلا في أيام عبد ~~الملك بن مروان فإن الحجاج وضعها على من أسلم من أهل الذمة، وخاطب عبد الملك أخاه ~~عبد العزيز عامله على مصر يومئذ أن يضعها على من أسلم، فشاور عبد العزيز ابن ~~حجيرة أحد خاصته فأعظم الأمر وقال «أعيذك بالله أن تكون أول من سن ذلك بمصر، فوالله ~~إن أهل الذمة ليتحملون جزية من ترهب منهم، فكيف تضعها على من أسلم منهم؟» فتركهم، ~~فلما تولى عمر بن عبد العزيز التقي الشهير أبطل ذلك من العراق، ولم توضع الجزية على ~~مسلم بعد ذلك. # وتقبل الجزية من غير المسلمين أيا كانوا، إلا إذا كانوا من العرب عبدة الأوثان ~~أو من المرتدين، فهؤلاء لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، أما النصارى واليهود ~~والمجوس وعبدة الأوثان من العجم فيقبل منهم الإسلام أو الجزية أو السيف. # والقصد من ذلك توحيد أمة العرب، فأباد النبي الوثنية من جزيرة العرب في حياته، ~~ولما تولى عمر أخرج من كان باقيا فيها ms0178 من النصارى اليهود، وقد قلنا: إن الجزية لا ~~توضع إلا على من بلغ الحلم من الأصحاء، ومعنى ذلك أنها بدل من القتال، أي أن دافعها ~~لا يدعى إلى القتال، ويشبهها من هذا القبيل ما كان يدفعه نصارى المملكة العثمانية ~~من الضريبة المعروفة بالعسكرية قبل إعلان الدستور، وكانت تدفع في مقابل إعفاء ~~النصارى من الجندية. ~~(8) الخراج ~~(8-1) تاريخه # الخراج ما يوضع من الضرائب على الأرض أو محصولاتها، وهو أقدم أنواع الضرائب، ~~والأصل في وضعه أن الناس كانوا يعتبرون الأرض ملكا للسلطان أو الملك، وهذا ~~الاعتقاد قديم جدا، وفي التوراة أقوال صريحة في كيفية دخول الأرض في ملك ~~الفراعنة، وردت في حكاية المجاعة الشهيرة في الفصل السابع والأربعين من سفر ~~التكوين، لما جاع المصريون في أثناء القحط فباعوا يوسف كل ما اقتنوه من فضة وذهب ~~وماشية، ولم يبق لهم إلا الأرض فباعوه إياها بالخبز. # وهكذا كان شأن الأرض في كل الممالك القديمة، فالأرض للملك والأهالي إنما يتمتعون ~~بريعها، وللحكومة حصة من ذلك الريع وهو الخراج، ومن عادات التتر أن الإنسان يستأثر ~~بملك الماشية، وأما الأرض فأنكروا حق تملكها على الأفراد، وكان الجرمان القدماء لا ~~يعترفون بملك الأرض إلا لحكامهم أو رؤسائهم، فكان رئيس القبيلة يوزع أراضيها على ~~أفرادها، وفي السنة التالية توزع عليهم بالتناوب، بحيث إن القطعة الواحدة لا ~~يستغلها الرجل الواحد سنتين متواليتين، ومثل هذه العادة لا تزال إلى اليوم شائعة في ~~بعض شعوب الصقالبة. # وعلى هذا المبدأ كان الرومان يضعون الضرائب على أراضي مملكتهم، وفي جملتها مصر ~~والشام وغيرهما مما فتحه المسلمون من بلادهم، وكان لهم في كل ولاية ديوان خاص ~~بالخراج تدون فيه أعماله ودخله وخرجه، وله كتاب وجباة وعمال من أهل البلاد أو من ~~الحكام، وكان نحو ذلك حال الفرس في العراق وفارس، لأن الفرس اقتبسوا كثيرا من ~~قوانين اليونان والرومان. ~~(8-2) ديوان الخراج # فلما ظهر المسلمون وفتحوا الشام ومصر والعراق وغيرها، أقروا الدواوين على ما كانت ~~عليه من قبل ولم يغيروا فيها شيئا، وظل كتاب الدواوين من ms0179 أهل البلاد أنفسهم من ~~النصارى والمجوس، كما كانوا في عهد الدول السابقة، فكان عمال ديوان الخراج في مصر ~~الأقباط، ويكتبون ديوانهم بالقبطية، وعمال ديوان الشام الروم، وكانوا يكتبونه ~~بالرومية، وديوان العراق يكتبه الفرس بالفارسية، والعرب يراقبون أعمال الدواوين ~~ويستولون على جبايتها، كأنهم لم يريدوا بفتح البلاد امتلاكها لرغبهم يومئذ في الدين ~~عن الدنيا، فلما صار الأمر إلى بني أمية، وانتقل المسلمون من غضاضة البداوة إلى ~~رونق الحضارة، ومن سذاجة الأمية إلى حذق الكتابة، وظهر في العرب ومواليهم مهرة في ~~الكتابة والحساب، غيروا الدواوين إلى لسانهم، وسلموا أمورها إلى رجال من المسلمين، ~~وأول من فعل ذلك منهم عبد الملك بن مروان (نحو سنة 81ه) فصارت الدواوين عربية من ~~ذلك الحين، وربما كان عبد الملك البادئ بذلك التغيير، ثم أتمه من جاء بعده، لأن ~~ديوان مصر تم نقله إلى العربية على عهد الوليد بن عبد الملك سنة 87ه. # وأما الحجاز فقد كان ديوانه في المدينة على ما وضعه عمر بن الخطاب، كما ذكرناه في ~~محله، وهو أشبه أن يكون ديوان الجند أو ديوان الأعمال والجبايات، لأنه دون فيه ~~أسماء الصحابة وعين أعطياتهم وطبقاتهم، وضبط ما يرد على المدينة من بقايا الخراج ~~والجزية، بعد دفع نفقات الجند في مصر والعراق. # وكان الخلفاء هم الذين يتولون النظر في أمر الخراج، ويراقبون سير الجباية، فلما ~~أفضى الأمر إلى الدولة العباسية وضعوا ديوانا مركزيا للخراج يشمل ما تحته من ~~دواوين الأعمال - وضعه السفاح وعهد أمره إلى خالد بن برمك جد البرامكة، وكان ذلك ~~أول خطوة لتداخل البرامكة في شئون الدولة وتصرفهم في أموالها، وكان في جملة تصرفهم ~~فيها أنهم كانوا يضمنون مبلغ الخراج لأولادهم وأهليهم، كما ضمن يحيى بن برمك في ~~أيام المهدي خراج فارس وانكسر عليه المال، وأصبح ديوان الخراج في أيدي الوزراء مثل ~~غيره من الدواوين، حتى إذا ضعفت الدولة العباسية وصارت أمورها إلى الأمراء أبطلت ~~الدواوين في أيام الراضي بالله. ~~(8-3) تقدير الخراج # قلنا فيما تقدم إن العرب أقروا الخراج دواوينه وسائر أحواله ms0180 على ما كان عليه في ~~أيام الدول السابقة (الروم والفرس) ويؤخذ مما ذكره المقريزي أن جباية خراجهم كانت ~~بالتعديل، وهو ما يعبرون عنه بالمقاسمة - إذا عمرت القرى وكثر أهلها زيد خراجهم، ~~وإن قل أهلها وخربت نقصوه. # وكانت جباية الشام على نحو ذلك أيضا، وأما الفرس فكانوا يأخذون خراج أرضهم ~~بالمقاسمة، حتى مسحه قباذ بن فيروز قبل الإسلام وجعله بالمساحة، فضرب على الجريب ~~الواحد درهما وقفيزا (الجريب 3600 ذراع مربع) مهما يكن حاله من الخصب أو الجدب، ~~فلما فتح المسلمون البلاد عدلوا في الخراج على ما اقتضته الأحوال في سائر البلاد، ~~ولهم قوانين عامة في الأرضين فالأرض في الإسلام أربعة أقسام: ~~(1) # أرض استأنف المسلمون إحياءها، فهي أرض عشر، للإمام عشرها وتعد من ~~قبيل إحياء الموات. ~~(2) # أرض أسلم أهلها عليها، فهم أحق بها، وهي أيضا أرض عشر. ~~(3) # أرض ملكها المسلمون عنوة، فهي غنيمة لهم، وتعد أيضا من أرض ~~العشر. ~~(4) # أرض صولح أهلها عليها، وهي الأرض المختصة بالخراج، وخراجها لا يبطل ~~ولو أسلم أهلها. # وقدر الخراج على هذه الأرض يعتبر بما تحمله، فلما فتحت العراق وضع عمر على سواده ~~مثل ما كان الفرس قد وضعوه عليه، وهو عن كل جريب من الأرض قفيز ودرهم، والقفيز عشر ~~الجريب أي 360 ذراعا مربعا، وضرب عمر على ناحية أخرى بطريقة أخرى، فجعل مقدار ~~الخراج تابعا لنوع المحصول، فأمر عثمان بن حنيف بالمساحة فمسح، ووضع على كل جريب ~~من الكرم والشجر الملتف عشرة دراهم، ومن النخل ثمانية دراهم، ومن قصب السكر ستة ~~دراهم، ومن الرطبة خمسة دراهم، ومن القمح أربعة دراهم، ومن الشعير درهمين، فقبل عمر ~~بذلك، وظلت أرض العراق بالمساحة أو التوظيف أو الوظيفة، إلى أيام المنصور العباسي ~~فعدل إلى المقاسمة، لأن السعر نقص فلم تكن الغلات تفي بخراجها، وخرب السواد فجعله ~~مقاسمة إذا زادت الغلة زاد الخراج، وتقدير خراج المقاسمة مفوض إلى الخليفة، لكنه لا ~~يزيد على نصف الغلة ولا يقل عن خمسها. # ملكية الأرض # أما ملكية الأرض فظلت كما كانت عليه في أول الإسلام، ms0181 أي أن الأرض ملك الإمام ~~وأن الناس يستغلونها وللحكومة حق من غلتهم، ما عدا بعض الأراضي الممتازة مما ~~يسمونه الأواسي أو الرزقة أو نحوهما، مما لا محل لتفصيله هنا، حتى دخل القرن ~~التاسع عشر وجرت الإصلاحات السياسية في المملكة العثمانية وفي جملتها مصر، ~~فإنها لما دخلت في حوزة محمد علي في أوائل القرن الماضي رأى أن الأحوال لا ~~تستقيم والفلاح لا يعمل في أرضه إلا إذا كانت ملكا له، وكانت لما تولاها محمد ~~علي قد أصبحت التزامات يلتزمها بعض وجهاء الناس وأهل الغنى والنفوذ، ويستخدمون ~~الفلاحين فيها ويستغلونها فيدفعون مال الحكومة ويستأثرون بما بقي، فقسم محمد ~~علي مصر إلى مديريات، والمديريات إلى مراكز أو أقسام، وهذه إلى نواح، وعين ~~فيها موظفين لإدارة أمورها، وجباة لجمع الضرائب، وأبطل الالتزامات ووزع أراضي ~~كل ناحية بين أهل تلك الناحية نفسها، بحيث إن كل فلاح قادر على الشغل أصابه قسم ~~من الأرض بقدر قسم الآخر. # فلما تولى الخديو سعيد أصدر لائحته الشهيرة المؤرخة في 5 أغسطس سنة 1858 فتمم ~~ملكية الأرض للأهالي وجعلها إرثا شرعيا في ذرياتهم، وأصبحت الأرض المصرية ~~ملكا للمصريين من ذلك الحين، وجرى نحو ذلك في سائر بلاد الدولة العثمانية، لأن ~~الخليفة العثماني صادق على لائحة سعيد بخط همايوني في هذا المعنى. # ارتفاع الخراج # ويراد به مقدار ما يجتمع من خراج البلاد في كل عام، وهو أمر يعسر تعيينه ~~لاختلافه باختلاف الزمان والمكان، ولأن مؤرخي العرب كثيرا ما يجمعون بين ~~الجزية والخراج في تقدير الخراج، فيقولون ارتفاع الخراج، ويريدون به الخراج ~~والجزية جميعا، والجزية أقل من الخراج وأقل ثباتا منه، لما يدخل من أهل الذمة ~~في دين الإسلام بتوالي الأزمان، وربما أدخلوا في الخراج أيضا العشور ونحوها، ~~ونحن ذاكرون فيما يلي أمثلة من جباية أعمال المملكة الإسلامية في عصر بني ~~أمية: # فالسواد بلغ ارتفاع خراجه في أيام عمر بن الخطاب (سنة 20ه) 120000000 درهم، ~~وفي أيام عبيد الله بن زياد (نحو سنة 62ه) 135000000 درهم، وفي أيام الحجاج بن ~~يوسف (سنة ms0182 85ه) 188000000 درهم، وجباه عمر بن عبد العزيز (سنة 100ه) 120000000 ~~درهم، وكان ابن هبيرة بعده يجبيه 100000000 درهم سوى طعام الجند وأرزاق ~~المقاتلة، ثم كان يوسف بن عمر يحمل منه إلى دار الخلافة 60000000 درهم إلى ~~70000000 وينفق على من معه من جند الشام 16000000، وعلى البريد 4000000، وعلى ~~الطوارق 2000000 درهم، ويبقى عنده للنفقة على بيوت الأحداث والعواتق 10000000، ~~فكان مجموع جباية السواد على أيامه نحو 100000000 درهم. # أما مصر فقد جباها عمرو بن العاص 12000000 دينار، ولكن يظهر من عبارة ~~المقريزي أنها مبلغ الجزية وحدها على الجماجم، على فريضة دينارين من كل رجل، ~~قال: وجباها بعده عبد الله بن سعد بن أبي سرح 14 مليونا، وقل خراجها في أيام ~~بني أمية، حتى إذا كانت أيام هشام بن عبد الملك (105-127ه) انتبه لها، فبعث إلى ~~عامله على خراجها وأمره أن يمسحها، فخرج بنفسه فمسح العامر والغامر مما يركبه ~~ماء النيل، فوجد مساحة ذلك 30000000 فدان # 1 # سوى ارتفاع الجرف ووسخ الأرض، فعدلها فعقدت معه 4000000 دينار، ~~وكان السعر راخيا، وجباها أسامة بن زيد في خلافة سليمان بن عبد الملك (سنة ~~97ه) 12000000 درهم، واختلف مقدار الجباية بمصر بعد ذلك، وضعف أمرها خصوصا لما ~~صارت إلى بني العباس، وبعد مركز الخلافة عن وادي النيل، حتى انحط خراجها إلى ~~800000 دينار، فلما تولاها ابن طولون (سنة ~~257ه) استقصى عمارتها فبلغت جبايتها 4300000 ~~دينار، مع رخص الأسعار، فقد كان القمح كل عشرة أرادب بدينار، وظل خراجها نحو ~~ذلك في سائر أيام بني العباس. # وأما الشام فقد بلغ خراجها في أيام عبد الملك بن مروان 1700000 دينار، منها ~~180000 من الأردن، و350000 من فلسطين، و400000 من دمشق، و800000 من حمص وقنسرين ~~والعواصم. # تضمين الخراج # تضمين الخراج نوعان: ~~(1) # تضمينه للعمال، أي الولاة الذين يتولون الأمصار، وهو باطل في ~~الشرع الإسلامي، لأن العامل مؤتمن يستوفي ما وجب ويؤدي ما حصل، فهو ~~كالوكيل الذي أدى الأمانة، لم يضمن نقصانا ولم يملك زيادة، وكان ~~الصحابة في صدر الإسلام يشددون ms0183 في منع هذا التضمين: حكي عن ابن ~~عباس أن عاملا أتاه يتقبل منه الأبلة بمائة ألف درهم فضربه مائة ~~سوط وصلبه حيا تعزيرا وأدبا، ولما صارت الخلافة الإسلامية ~~ملكا أغضوا عن هذا الأمر، وصار الخلفاء يضمنون الخراج لعمالهم ~~أحيانا، فيعطون بخراج أعمالهم مالا معينا، ثم يجبون البلاد ~~ويستولون على ما يفضل مهما كان مقداره، كما فعل يحيى بن برمك ~~وغيره، وتطرقوا بعده إلى تضمين القضاء والحسبة والشرطة كما ~~سترى. ~~(2) # تضمين الخراج للملتزمين، وهم أناس من أهل الغنى أو النفوذ كانوا ~~يتقبلون الأراضي، أي يضمنونها من متولي الخراج بمال معين يقع عليه ~~بالمزايدة، فيضمن الواحد قرية أو بلدا أو كورة فيزرعها ويستغلها، ~~ويدفع ما عليها من الخراج ويستولي على الباقي، وضمانة الأراضي أو ~~التزامها على هذه الصورة ليس من مخترعات الإسلام، بل هو قديم من ~~أيام اليونان، وقد شاع في المملكة الرومانية وكان في جملة ما ~~اقتبسه العرب عنهم، وظل ضمان الأراضي على هذه الصورة شائعا في ~~المملكة الإسلامية إلى عهد قريب، وقد مرت عليه أدوار تقلب فيها على ~~أشكال وضروب، ومن هذا القبيل ضمان الأعشار في المملكة ~~العثمانية. ~~(8-4) ضرائب أخرى # توابع الخراج # وكان من موارد الأموال في الإسلام، غير خراج الأراضي وعشورها والصدقات ~~والجزية، أعشار السفن وأخماس المعادن والمراعي وغلة دار الضرب والمراصد والضياع ~~وأثمان الماء وضرائب الملاحات والآجام، وغيرها مما يعد من قبيل الخراج. # أما أعشار السفن فكانوا يضربونها على السفن التي تمر ببعض الثغور، فيأخذون ~~عشرا مما تحمله إما عينا أو نقدا، فقد كان عمال اليمن يأخذون هذه الضريبة من ~~السفن التي تمر بسواحلهم قادمة من الهند، تحمل الأعواد المختلفة والمسك ~~والكافور والعنبر والصندل والصيني فيأخذون الضريبة عينا، وقد بلغت أعشار السفن ~~في أيام الواثق بالله مالا كثيرا. # وكان الأندلسيون يضربون على السفن التي تمر ببوغاز جبل طارق في ذهابها ~~وإيابها، فكان الإفرنج أو غيرهم إذا مروا بسفنهم أدوا الضريبة في مدينة هي في ~~أقصى بلاد الأندلس جنوبا يقال لها طريف واسمها الآن طريفة # Tarifa ~~، ويزعم الإفرنج ms0184 أن كلمة # Tarrif ~~- التي تدل عندهم على الضرائب أو ~~الرسوم التي تؤخذ على البضائع في دخولها البلاد وخروجها، أو الكتاب المتضمن ~~بيان لائحة الأثمان - أنها تحريف «طريف»، ثم أهمل اللفظ الأول وبقي اللفظ ~~الثاني، مع أن لفظ «تعريفة» في العربية يدل على نحو معناها الإفرنجي، فيجوز أن ~~اللفظ الإفرنجي منقول عن لفظ تعريفة العربي أو تحريف «طريف» كما يقولون. # وأما أخماس المعادن فهي ما كانوا يضربونه على ما يستخرج من باطن الأرض من ~~معدن أو نحوه، وهي نوعان: معادن ظاهرة، ومعادن باطنة، والمعادن الظاهرة كالكحل ~~والملح والقار والنفط، فهذه المعادن مباحة في الشرع الإسلامي كالماء الجاري من ~~العيون لا يجوز احتكارها، والناس فيها سواء يأخذها من ورد إليها، وأما الباطنة، ~~فهي ما كان جوهرها مستكنا فيها، لا يوصل إليه إلا بالعمل كمعادن الذهب والفضة ~~والنحاس والحديد والرصاص، فهذه المعادن كانوا يقطعونها لأناس يستخرجون ما فيها ~~على أن يؤدوا الخمس لبيت المال. # وغلة دار الضرب هي ما يخصص لبيت المال من دار الضرب، باعتبار شيء في المائة ~~كما ذكرنا في كلامنا عن دار الضرب من هذا الكتاب، وقد بلغت غلة دار الضرب في ~~عهد بني مروان بالأندلس 200000 دينار في السنة. # ومن الضرائب التي كانت تؤخذ في الإسلام المكوس، واحدها مكس، وهو ضريبة تضرب ~~على أصناف التجارة من قبيل ما يعرف اليوم بالجمرك أو الفردة (الفرضة) أو نحوها، ~~وكان المكس، أو المقس، شائعا في الجاهلية، فكان يؤخذ من تجار القبط والفرس في ~~المدينة عشر متاجرهم، فلما ظهر الإسلام أقره عمر بن الخطاب # 2 # وكانت هذه الضريبة لا تؤخذ من التاجر إلا إذا انتقل من بلاده إلى ~~بلاد أخرى، فالشامي إذا طاف بلاد الشام كلها بتجارته لا يؤخذ منه عشر أو مكس، ~~وأما إذا انتقل إلى مصر أو العراق فيؤخذ منه المكس، والمكس على ما فرضه عمر ~~ثلاث درجات : يؤخذ من أهل الذمة (النصارى واليهود) نصف العشر، أي من كل عشرين ~~درهما درهم، ومن المسلم ربع العشر، أي من كل 40 درهما ms0185 درهم، وليس فيما دون ~~المائتين شيء، ويؤخذ من العربان الذين ليسوا من الرعايا العشر كاملا، ولم ~~يرج المكس في الإسلام، لأن أهل الورع كانوا يكرهونه، وقس على ذلك ما بقي من ~~أنواع الضرائب. ~~(8-5) الإقطاع # ومما يلحق بالخراج أيضا مال القطائع، والإقطاع قديم في الأول، وأصله أن الملك ~~إذا فتح بلادا وأراد استبقاءها واستغلالها، فرقها على قواده في مقابل حربهم ~~وأتعابهم كأنها أجرة لهم، ويؤيد ذلك أن أصل لفظ الإقطاع في الإفرنجية معناه الأجرة، ~~والقواد يفرقون تلك الأرض في ضباطهم، وهؤلاء يفرقونها في العساكر أو من يقوم ~~مقامهم، ويشترط الملك على قواده عند إعطائهم هذه الهبات أن يكونوا أمناء له في ~~الحرب والسلم، فإذا خان أحدهم ونكث رجعت الأرض إلى واهبها، وإن كان الخائن جنديا ~~صغيرا رجعت إلى ضابطه، أو كان ضابطا رجعت إلى قائده، وهكذا حتى ترجع إلى الملك، ~~فكان من عواقب هذا المبدأ أن تبقى الأرض في أيدي الملوك، بشروط وأساليب وضعوها ~~لذلك لا محل لاستيفائها هنا، وبمقتضاها يكون الملك ورعيته وجنده يدا واحدة في ~~الدفاع عن البلاد لاشتراك مصالحهم وتبادلها فيها، وانتشر مذهب الإقطاع في ممالك ~~أوربا. # أما في الإسلام فالإقطاع كان على كيفية أخرى، ويؤخذ مما كتبه الإمام أبو يوسف، أن ~~الأرض التي تقع في أيدي المسلمين وليس لها مالك يطالب بها - كالأرض التي تكون لحاكم ~~البلاد قبل فتحها، أو تكون لرجل قتل في الحرب، أو أن تكون من مغيض ماء أو نحو ذلك - ~~فهذه الأصناف من الأرض كان الخلفاء الراشدون يجيزون إقطاعها لمن شاءوا، على أن يؤدي ~~عشر مالها لبيت المال أو أكثر أو أقل، على ما يتراءى للخليفة، فبلغ خراج البقاع ~~التي دخلت تحت هذه الشروط من أرض السواد في أيام عمر 7000000 درهم، وجرى على نحو ~~ذلك من جاء بعده من الخلفاء والأمراء، فبلغت غلتها في أيام عثمان 50000000 درهم، ~~فلما كان عام الجماجم سنة 82ه في فتنة عبد الرحمن بن الأشعث أحرق الديوان، فاستولى ~~كل قوم على ما كان في أيديهم. # وكان ms0186 بنو أمية وبنو العباس يقطعون الأرضين لبعض خواصهم وأهلهم، فلا يأخذون عليها ~~خراجا، فتؤخذ أعطيات الجند وسائر النفقات من مال الخراج، ويحمل ما فضل إلى بيت ~~المال، والقطائع تبقى في أيدي أصحابها. # فلما خرجت السلطة من الخلفاء وأفضت إلى السلاطين السلجوقية، جعلوا الإقطاع عاما ~~على يد نظام الملك، كما تقدم في الكلام عن أعطيات الجند، واقتدى به سائر السلاطين ~~بعده وفي جملتهم الأكراد، دولة بني أيوب بمصر، فإن السلطان صلاح الدين جعل البلاد ~~كلها إقطاعا لأمرائه وجنده، وخصوصا مصر، ثم تعدل الإقطاع بعد ذلك وتبدل، فصارت ~~بعض الأرض إقطاعا وبعضها مبيعا وبعضها موقوفا، ووصف المقريزي أرض مصر في أيامه ~~(في القرن التاسع للهجرة) فقال: إنها تقسم إلى سبعة أقسام: قسم يجري في ديوان ~~السلطان، وقسم أقطع للأمراء والأجناد، وقسم جعل وقفا محبسا على الجوامع والمدارس ~~والخوانك وعلى ذراري واقفي تلك الأرض، وقسم يقال له الأحباس وهي أراضي في أيدي قوم ~~يأكلونها عن قيامهم بمصالح مسجد أو نحوه، وقسم صار ملكا يباع ويشرى ويورث ويوهب، ~~لأنه مشترى من بيت المال، وقسم لا يزرع للعجز عن زراعته، وقسم لا يشمله ماء النيل ~~فهو قفر. # والإقطاع ضربان: إقطاع استغلال، وإقطاع تمليك، وهما يختلفان باختلاف نوع الأرض من ~~الخراب والخصب، وحالها من الحرب والصلح والفتح ورأي الخليفة في كل ذلك. # وسنفصل الكلام في مقدار جباية الدولة في أيام العباسيين، وعلاقة ذلك بثروة ~~المملكة في كلامنا عن ثروة المملكة الإسلامية، في الجزء الثاني من هذا ~~الكتاب. # | البريد # يراد بالبريد في الدول الإسلامية غير ما يراد به الآن، فقد كان صاحب البريد أو صاحب الخبر ~~أشبه برئيس البوليس السري، أو رقيب أصحاب الأعمال، أو هو عبارة عن جاسوس الخليفة أو الأمير، ~~أو عينه الباصرة وأذنه السامعة، ينقل إليه أخبار عماله أو مساعي أعدائه، فالبريد من هذا ~~القبيل أشبه بقلم المخابرات. # وكان الخلفاء لا يولون البريد إلا ثقتهم من أهل التعقل والدراية، لأن على ما ينقلونه من ~~الأخبار تتوقف علاقات الخلفاء بعمالهم أو بمعاصريهم، وكان كسرى لا ms0187 يولي البريد إلا ~~أولاده. ~~(1) ولاية البريد # وولاية البريد قديمة، كانت عند الفرس والروم، وأول من اتخذها من المسلمين معاوية بن ~~أبي سفيان، اقتداء بما كان قبله في الشام أو ما أشار عليه به عماله في العراق، وكان ~~الغرض منه في أول وضعه، سرعة إيصال الأخبار بين الخليفة في الشام وعماله في مصر العراق ~~وفارس، ثم توسعوا فيه حتى جعلوه عينا للخليفة على عماله وسائر رجال دولته، فإن طاهر بن ~~الحسين لما قطع الخطبة للمأمون على منبر خراسان، عاتبه صاحب البريد فاعتذر أنه سهو وقع ~~منه، وتقدم إليه أن لا يكتب إلى الخليفة به، وتكرر ذلك منه ثلاث مرات وطاهر يتقدم إليه ~~أن لا يكتب، فقال له صاحب البريد «إن كتب التجار لا تنقطع من بغداد، وإن اتصل هذا الخبر ~~بأمير المؤمنين من غيرنا لم آمن أن يكون سبب زوال نعمتي»، فقال «اكتب إليه»، ~~فكتب. # وكان البريد واسطة العلاقة بين الولاة والخليفة، ينقل أوامر الخلفاء إلى ولاتهم ~~وأخبار الولاة إلى خلفائهم، وكان أصحاب البريد رقباء أو مفتشين من قبل الدولة، يرفعون ~~التقارير عن أحوال الجند أو المال أو غير ذلك من أمور المملكة، فإذا تكدرت العلائق بين ~~العامل (الوالي) والخليفة، وأراد العامل أن يستقل أو يتمرد، قطع البريد عن الخليفة، كما ~~فعل المأمون لما سمع وهو وال في خراسان أن أخاه الأمير نقض بيعته وبايع ابنه موسى ~~بولاية العهد بعده، فإنه أسقط اسم الأمين من الطراز وقطع البريد عنه. # وكان بنو العباس أكثر الناس عناية في أمر البريد، وبالغوا في استخدامه حتى نسب إلى ~~بعضهم مباشرة ذلك بنفسه للاطلاع على أحوال ولاته ونوابه ورعيته، وربما تطلعوا به على ~~أحوال العوام وآحاد الناس، وقد رتب بعض الخلفاء ذلك جهارا، فعين مع وزيره صاحب خبر من ~~الثقات ينهي إليه ما يجري في مجلسه، فلا يحسن الوزير لأحد ولا يجتمع به أحد من الناس ~~إلا بحضور ذلك الشخص، وكذلك فعل مع القاضي والنائب وجمع ولاة الأعمال، وكان أبو جعفر ~~المنصور يقول «ما أحوجني أن ms0188 يكون على بأبي أربعة نفر لايكون على بابي أعف منهم، وهم ~~أركان الدولة ولا يصلح الملك إلا بهم أما أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم، ~~والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية» ثم ~~عض المنصور على إصبعه السبابة ثلاث مرات وهو يقول في كل مرة «آه! آه!»، قيل «ما هو يا ~~أمير المؤمنين؟»، قال «صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصحة». # فأصحاب الأخبار هنا بمعنى جواسيس هذه الأيام، ولم يكن بين صاحب البريد والخليفة أو ~~السلطان أو الأمير واسطة، فإذا جاء صاحب البريد بخبر لا يطلع أحدا عليه قبل إنهائه إلى ~~الخليفة، ليكون هو الذي يشيعه أو يكتمه على ما يراه. # وقد يجعل الملوك أو الأمراء بينهم وبين صاحب بريدهم علامة يتفقون عليها سرا، فلا ~~يعتمد أحدهم كتاب صاحب بريده إلا إذا كانت فيه تلك العلامة - ولو كان الكتاب بخط صاحب ~~البريد نفسه وخاتمه - إذ قد يفعل ذلك بالرغم عنه، نحو ما فعل أبو مسلم الخراساني لما ~~دعاه المنصور إليه من خراسان إلى بغداد، وخاف أبو مسلم عاقبة تلك الدعوة فاستخلف أبا ~~نصر مالك بن الهيثم على عسكره وقال له «أقم حتى يأتيك كتابي، فإن أتاك مختوما بنصف ~~خاتم فأنا ختمته، وإن أتاك بالخاتم كله فلم أختمه»، فلما جاء أبو مسلم إلى المنصور في ~~المدائن وكان ما كان من قتله، كتب المنصور إلى أبي نصر عن لسان أبي مسلم يأمره بحمل ما ~~خلف عنده وأن يقدم، وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، فلما رأى أبو نصر الخاتم تاما علم أن ~~أبا مسلم لم يكتبه. # ومصلحة البريد ولاية جليلة خطيرة، يحتاج صاحبها إلى عمال عديدين وإلى نفقات طائلة ~~للتوسعة عليهم حتى يظلوا على أمانتهم، وكان في جملة واجبات صاحب البريد حفظ الطرق ~~وصيانتها من القطاع والسراق، وطرق الأعداء وانسلال الجواسيس في البر والبحر، وإليه كانت ~~ترد كتب أصحاب الثغور وولاة الأطراف، وهو يوصلها في أسرع ما يمكن من اختصار الطرق ~~واختيار المراكب. ~~(2) طرق ms0189 البريد # وكان للبريد طرق تتشعب من مركز الخلافة إلى أطراف المملكة، حتى تتصل بطرق الممالك ~~الأخرى، وتنقسم كل طريق إلى محطات أو مواقف فيها أفراس أو هجن، فيستبدل عمال البريد ~~أفراسهم بأفراس مستريحة في كل موقف، التماسا للسرعة، وكان الغالب في العرب أن يتخذوا ~~الجمال لبريدهم، وأما الفرس فكانوا يستخدمون الخيل. # وبلغ عدد سكك البريد في إبان الدولة العباسية 930 سكة، ونفقات الدواب وأثمانها وأرزاق ~~رجالها 159100 دينار في السنة، وقد رأيت في كلامنا عن خراج السواد في أيام بني أمية أنه ~~كان ينفق على البريد أربعة ملايين درهم، أي نحو ضعفي ذلك، وهو يؤيد ما قلناه غير مرة عن ~~بذل بني أمية الأموال في سبيل تأييد سلطانهم. # وكان قطار البريد يتألف من دابة فأكثر، حتى تبلغ أربعين أو خمسين دابة، وكثيرا ما ~~كانوا يستخدمون خيل البريد لحمل بعض الناس إلى الخليفة أو الأمير، التماسا لسرعة ~~قدومهم، وتختلف سرعة البريد باختلاف الطرق ونوع المراكب، بين أن تكون إبلا أو خيلا، ~~وكانوا يعلقون في أعناق الدواب جلاجل أو سلاسل، إذا تحركت سمعت لها قرقعة تعرف عندهم ~~بقعقعة البريد، وقد ترسل البريد على السفن في البحار. # ومن طرق المخابرة بالبريد، غير نقل الخرائط على الدواب أو في البحار، إرسالها مع ~~السعاة، وهم رجال خفاف تعودوا الجري والصبر على السير ثلاث مراحل في رحلة، وأهل ~~البراري أنشط لذلك، وأول من أنشأ السعاة في الدولة العباسية معز الدولة، أنشأها في ~~بغداد لإعلام أخيه ركن الدولة بالأحوال سريعا، ونبغ في أيامه ساعيان، اسم أحدهما فضل ~~والآخر مرعوش فاقا سائر السعاة، وكان كل واحد منهما يسير في اليوم نيفا وأربعين ~~فرسخا، أي نحو 140 ميلا واتصل استخدام السعاة في سائر الدول الإسلامية. ~~(3) حمام الزاجل # ومن وسائل المخابرة بالبريد حمام الزاجل، فقد كان له شأن عظيم عندهم، والمخابرة به ~~قديمة جدا عند الأمم القديمة، ولكن المسلمين كانوا أكثر عناية من سواهم فيه ، ويقال: ~~إن أول استخدامه كان في الموصل، ثم في مصر على عهد الفاطميين فالعباسيين، وكانت ms0190 بين ~~الإسكندرونة في سوريا وبين مدينة بغداد مخابرات متواصلة بحمام يسمونه حمام حلب، على ~~أنهم لم يعتنوا به العناية الكافية، ولم ينشئوا له الإدارات الخاصة، إلا في العصور ~~الإسلامية الوسطى، فإنهم بذلوا في ذلك عناية كبرى، ولا سيما مصر، فقد كان للمخابرة ~~بالحمام أبراج في قلعة القاهرة على عهد الأيوبيين في القرن السابع للهجرة، وقد بلغ عدد ~~الحمام المستخرج لهذه الغاية فيها ألفا وتسعمائة طائر، لها عمال يناط بهم أمر العناية ~~بها، وكانت الطيور المذكورة لا تبرح الأبراج بالقلعة، وكان بكل مركز حمام في سائر نواحي ~~المملكة بمصر والشام والعراق من أسوان إلى الفرات، فلا تحصى عدة ما كان منها في الثغور ~~والطرقات الشامية والمصرية، وجميعها تدرج وتنقل من القلعة إلى سائر الجهات. # 1 ~~(4) طرق أخرى للمخابرة # ومن طرق المراسلة عندهم أن تكتب ورقة تعلق بقصبة، وتغرس القصبة في باقة حشيش وتلقى في ~~الماء، فيعوم الحشيش ولا يزال جاريا بمجرى النهر حتى يراه المرسل إليه، ومنها أن تكتب ~~الأخبار على السهام وترمى إلى المكان المراد إرسال الخبر إليه، ويغلب أن يكون ذلك في ~~أيام الحصار وانقطاع السبل. # ومن طرق المخابرة بناء المناظر أو المنائر كالأبراج العالية على المرتفعات، ونقل ~~الإشارات عليها بإشعال النار أو نحوه، فينتقل الخبر بها من منظرة إلى منظرة حتى تبلغ ~~المكان المطلوب، وكان ذلك معروفا عند اليونان وغيرهم، واستخدمه الحجاج بن يوسف في ~~الإسلام، فاتخذ المناظر بينه وبين قزوين، وكان إذا دخن أهل قزوين دخنت المناظر إن كان ~~نهارا، وإن كان ليلا أشعلوا نارا، وكانت المناظر متصلة بين قزوين وواسط فيصل الخبر ~~في وقت قصير. # ومن عمال البريد - ما عدا السعاة - الشعوذي وهو رسول الأمراء على البريد، والكوهبانية ~~وهم أصحاب الأخبار الذين يرسلون للاستطلاع، ورجال يتولون فض الخرائط بين يدي الخليفة، ~~والخرائط أجربة أو أكياس من جلد توضع الكتب فيها وتختم بختم المرسل وتحمل إلى المرسل ~~إليه، فيفض ختمها بيده أو بيد من يتولى ذلك عنه. # | القضاء # (1) القضاء قبل الإسلام # القضاء - ويراد به منصب الفصل بين ms0191 الناس في الخصومات - قديم، لأن الإنسان لم يستغن ~~عمن يفصل في قضاياه من أول أزمان وجوده، وكان قضاة القبائل عقلاءها وكبراءها، وهم أيضا ~~حكامها وأمراؤها، فكان الرجل إذا نبغ في عقله وقوته تولى حكومة قبيلته وحكم في قضاياها، ~~وهو حال البدو على فطرتهم، وكذلك كان العرب في جاهليتهم، فقد كانوا يتقاضون إلى وجهائهم ~~وعقلائهم، واشتهر من هؤلاء القضاة قبل الإسلام جماعة كبيرة يحكم كل منهم في قبيلته، فمن ~~تميم حاجب بن زرارة والأقرع بن حابس وربيعة بن مخاشن، ومن ثقيف غيلان بن مسلمة، ومن ~~قريش هاشم بن عبد مناف وعبد المطلب بن هاشم وأبو طالب بن عبد المطلب عم النبي والعاص بن ~~وائل، ومن أسد ربيعة بن جدار، ومن كنانة سلمى بن نوفل، وغير هؤلاء ممن اشتهر في كل ~~القبائل مثل أكثم بن صيفي وعامر بن الظرب وغيرهما، وكان العرب يتقاضون إلى الكهان ~~والعرافين. ~~(2) القضاء في الإسلام # وأما في الإسلام فأول من تولى القضاء رسول الله نفسه، ثم تولاه خلفاؤه، لأن القضاء من ~~المناصب الداخلة تحت الخلافة، فكان الخلفاء في صدر الإسلام يباشرونه بأنفسهم ولا ~~يجعلونه إلى من سواهم، حتى إذا اتسع سلطانهم وكثرت مهام مناصبهم، اضطروا إلى استنابة من ~~يقوم عنهم بالقضاء في مركز الخلافة وفي الأعمال، وأول من فعل ذلك منهم عمر بن الخطاب، ~~فولى أبا الدرداء معه في المدينة، وولى شريحا في البصرة، وولى أبا موسى الأشعري في ~~الكوفة، وكتب إليه كتابا هو قاعدة الفقه الإسلامي، وعليه تدور أكثر أحكام القضاة إلى ~~اليوم، وهذا نصه: # أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدي إليك، فإنه لا ~~ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، ساو بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك، حتى لا يطمع ~~شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، ~~والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا، ولا يمنعك قضاء ~~قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى ms0192 الحق، فإن الحق ~~قويم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما تلجلج في ~~صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور بنظائرها، ~~واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت له ~~بحقه وإلا استحللت القضية عليه، فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعماء، المسلمون عدول ~~بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في نسب ~~أو ولاء، فإن الله - سبحانه - عفا عن الإيمان ودرأ بالبينات، وإياك والقلق ~~والضجر والتأفف بالخصوم، فإن استقرار الحق في مواطن الحق يعظم به الله الأجر ~~ويحسن به الذكر والسلام. # 1 # أما مصر فالقضاء فيها كان موكولا إلى أمرائها، وهم الذين كانوا يولون قضاتها، وكان ~~عمر بن الخطاب قد أراد أن يولي قاضي مصر، كما ولى قضاة المدينة والبصرة والكوفة، فكتب ~~إلى عمرو بن العاص أن يولي القضاء كعب بن يسار بن ضنة، وكان ممن قضى في الجاهلية، فأبى ~~كعب أن يقبل ذلك وقال «قضيت في الجاهلية ولا أعود إليه في الإسلام» فولى عمرو عثمان بن ~~قيس بن أبي العاصي، وما زال أمير مصر هو الذي يولي القضاة حتى أفضت الخلافة إلى بني ~~العباس، فأرادوا توطيد سلطانهم على مصر فجعلوا تولية القضاة إليهم، وأول قاض ولاه ~~الخلفاء على مصر مباشرة عبد الله بن لهيعة الحضرمي، ولاه أبو جعفر المنصور سنة 155ه، ثم ~~صارت تولية قضاة مصر إلى الخلفاء. # وكان القضاة أول الأمر يولون على الأقاليم قضاة من قبلهم، فيولون لكل ناحية قاضيا، ~~فلما عمرت المملكة واتسعت، تعدد القضاة حتى صاروا يولون في المدن الكبرى عدة قضاة، كل ~~قاض في جانب من جوانبها، والخليفة هو الذي يولي كلا منهم بنفسه، إلى زمن الرشيد وقد ~~اتسعت بغداد في أيامه، ونبغ يومئذ القاضي أبو يوسف الشهير، وكان الرشيد يكرمه ويجله ~~فدعاه قاضي القضاة، وهو أول من دعي بذلك ، وكان أبو يوسف عالي الهمة فخدم هذا المنصب ~~خدمة جليلة وميز العلماء ms0193 بلباس خاص بهم، وكانوا من قبله يلبسون مثل سائر الناس، وصار ~~قاضي القضاة بعده هو الذي يولي قضاة مدينة بغداد، ثم صار يولي قضاة الأقاليم، واقتدى ~~بالعباسيين من عاصرهم وخلفهم من الخلفاء في الأندلس ومصر، وصاروا يولون قاضي القضاة وهو ~~يولي القضاة. ~~(3) عمل القاضي # وكانت وظيفة القاضي في صدر الإسلام محصورة في الفصل بين الخصوم، ثم صاروا يتعاطون ~~أمورا أخرى على ما تقتضيه الأحوال بحسب اشتغال الخلفاء بأمور السياسة، فأضيف إلى أعمال ~~القاضي استيفاء بعض الحقوق العامة للمسلمين، كالنظر في أموال المحجور عليهم من المجانين ~~واليتامى والمفلسين وأهل السفه، وفي وصايا المسلمين وأوقافهم، وتزويج الأيامى عند فقد ~~الأولياء ... ثم امتدت سلطتهم أحيانا إلى النظر في مصالح الطرقات والأبنية، وتصفح الشهود ~~والأمناء والنواب، واستيفاء العلم والخبرة فيهم بالعدالة والجرح، وتوسع بعض الخلفاء حتى ~~جعل للقضاة قيادة الجهاد في عساكر الصوائف، منهم يحيى بن أكثم، فقد كان يخرج في أيام ~~المأمون بالصائفة إلى أرض الروم، كذلك منذر بن سعيد قاضي عبد الرحمن الناصر الأموي ~~بالأندلس، وولى العزيز بالله الفاطمي القاضي علي بن النعمان القضاء بمصر، وأضاف إليه ~~قضاء الشام والحرمين والمغرب وجميع مملكة العزيز، والخطابة والإمامة والعيار في الذهب ~~والفضة والموازين والمكاييل، ثم تولى القضاء أبو محمد البازوري سنة 441ه، وأضيفت إليه ~~الوزارة، وهو أول قاض جمع بينهما ثم أضيفت إلى غيره بعده. # فترى مما تقدم أن منصب القضاء كان واسعا جدا، على أنه لم يكن كذلك في كل العصور، ~~وإنما اختلف باختلاف الدول كما رأيت، ثم إن الخلفاء كانوا في أوائل الإسلام لا يولون ~~القضاء إلا أهل عصبيتهم، من العرب أو مواليهم بالخلف أو بالرق أو بالاصطناع، ممن يوثق ~~بكفايته أو غنائه فيما يدفع إليه، فلما تحولت الخلافة الإسلامية من الغرض الديني إلى ~~الغرض السياسي، وصار الأمر كله ملكا أو سلطانا، ضعف هذا الشرط، ثم تحولت أزمة ~~الأحكام إلى الأعاجم، فتقاصرت واجبات القاضي بالتدريج إلى الفصل بين الخصوم والحكم في ~~الأحوال الشخصية، ثم انحصرت في الأحوال الشخصية بالمحاكم الشرعية كما هو ms0194 اليوم. # وكان القضاة يجلسون في المساجد للحكم بين الناس فإذا جاءهم الخصوم حكموا بينهم هناك، ~~وكانوا يعدون القضاء من الأعمال الشاقة الخطرة بالنظر إلى الدين، لما فيه من تحمل ~~التبعة فيما قد يخطئ به القاضي، فيحكم على صاحب الحق فيظلمه وهو مسؤول عنه، فكثيرا ما ~~كان العلماء ورجال التقوى يأبون ولايته، كما رأيت في أمر كعب بن يسار لما ولاه عمر قضاء ~~مصر، وكما فعل الإمام أبو حنيفة النعمان لما أراد أبو جعفر المنصور أن يوليه القضاء ~~فإنه قال له «اتق الله ولا ترع في أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضا، ~~فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم عليك ثم هددتني أن تغرقني في الفرات أو تلغي ~~الحكم لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك، ولا أصلح لذلك»، وكانوا إذا ~~ولوا القاضي جاءوا به الجامع، واحتفلوا هناك بقراءة السجل الصادر له بذلك. # مجلس القضاء في غرناطة. # وكان قضاء مصر على مذهب الإمام الشافعي منذ ظهور هذا المذهب، ولكن القاضي كان يستنيب ~~من شاء من قضاة المذاهب الأخرى، وفي سنة 525ه عين أبو أحمد بن الأفضل أربعة قضاة يحكم ~~كل منهم في مذهب من المذاهب الأربعة، ثم توالى ذلك على هذا المنوال في أيام ~~المماليك. # وكان منصب قضاء الجند تارة يضاف إلى القاضي الحنفي، وتارة يضاف إلى القاضي الشافعي، ~~وتارة ينفرد به قاض حنفي، وما ذاك إلا لأن قاضي العسكر إنما ينتفع به في الجهاد ووقت ~~خروج العسكر، وتقع وصايا من الأمراء وشهادات بينهم ولا يوجد في العسكر الجالسين في ~~المراكز أحد، يحتاج إلى إثبات ذلك عند القاضي الشافعي فلا يسمع شهادة العسكر فيتعطل ~~إثبات ذلك، فتبطل وصاياهم وشهاداتهم، فلهذا السبب ولى الملك الظاهر بيبرس القاضي الحنفي ~~لما اتفق له في الجهاد مثل ذلك، وامتنع القاضي الشافعي في ذلك الوقت من شهاداتهم، ثم ~~بتداول الأيام ودخول أكثر الممالك الإسلامية في قبضة الدولة العثمانية المقلد جمهور ~~حكامهم لأبي حنيفة النعمان، انتهى الأمر إلى أن صار ms0195 حصر القضاء على مذهب إمامهم. # 2 ~~(4) راتب القاضي # وأما راتب القاضي فيختلف باختلاف الدول والأزمان، فقد رأيت في غير هذا المكان أن عمر ~~بن الخطاب ولى شريحا قضاء البصرة وفرض له مائة درهم في كل شهر ومؤونة من الحنطة، وظلت ~~رواتب القضاة على نحو ذلك في سائر أيام الراشدين، ثم تصاعدت في أيام بني أمية مثل تصاعد ~~رواتب الجند وسائر العمال، فلما كانت أيام العباسيين أصبح راتب قاضي مصر ثلاثين دينارا ~~في الشهر، وأول من اقتضى هذا الراتب ابن لهيعة الذي ولاه المنصور - كما تقدم - ثم تصاعد ~~الراتب تصاعدا عظيما في أيام المأمون، فبلغ عطاء عيسى بن المنكدر قاضي مصر يومئذ 4000 ~~درهم أو نحو 270 دينارا، وهو راتب فاحش، وربما جعل كذلك لغرض خاص، لأنه أجيز فوق هذا ~~الراتب بألف دينار، وعاد راتب قاضي مصر بعد ذلك ببضع وعشرين سنة إلى ألف دينار في ~~السنة، وأول من تقاضى هذا الراتب بكار بن قتيبة الذي تولى قضاء مصر على عهد أحمد بن ~~طولون سنة 245ه، وزاد ذلك في الدولة الفاطمية فأصبح راتب القاضي وهو قاضي القضاة يومئذ، ~~1200 دينار في السنة ما عدا المؤونة والهدايا، ولعلها استمرت على ذلك في دولة الأيوبيين ~~ومن تلاها. # قاضي العسكر في الدولة العثمانية في القرن السادس عشر. # أما بغداد فاختلف راتب القاضي فيها باختلاف الأزمان، وكان في زمن المعتضد نحو 500 ~~دينار في الشهر، بما فيه أجور عشرة من الفقهاء وخليفة القاضي، ثم دخل القضاء في ~~الالتزام، فصار القضاة يضمنون دخل القاضي بمال يؤدونه إلى الخليفة أو السلطان، وأول من ~~ضمن القضاء عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب سنة 350ه في أيام معز الدولة بن بويه، فقد ~~سمي قاضي قضاة بغداد، والتزم القضاء على أن يؤدي 200 ألف درهم كل سنة، ثم صار ذلك أمرا ~~مألوفا، وصاروا يضمنون الحسبة والشرطة. ~~(5) ديوان المظالم # وهو من توابع القضاء، ويشبه ما نسميه اليوم «مجلس الاستئناف» بعض الشبه، والغرض منه ~~استماع ظلامات الناس من القضاة أو غيرهم، ms0196 وكان العرب في جاهليتهم يلتفتون إلى هذا الأمر ~~فيتحالفون على رد المظالم، كما فعلت قريش قبل الإسلام، وذلك أنهم لما تعدد فيهم الزعماء ~~وكثر التغالب والتجاذب، اجتمعت بطونهم وعقدوا حلفا على رد المظالم وإنصاف المظلوم من ~~الظالم، وهو حلف الفضول المشهور الذي عقد في مكة والنبي عمره 35 سنة، وموضوعه ألا يظلم ~~أحد في مكة إلا أنصفوه وأخذوا له حقه. # ولم يجلس للمظالم أحد من الخلفاء الأربعة، لأن الناس في الصدر الأول كانوا بين من ~~يقوده التناصف إلى الحق أو يزجره الوعظ عن الظلم، إلا عليا فإنه احتاج إلى النظر في ~~المظالم، ولم تكن في الحقيقة كما صارت إليه بعدئذ، على أنه لم يفرد لسماع الظلامات ~~يوما معينا أو ساعة معينة، وإنما كان إذا جاء متظلم أنصفه، ثم أفردوا يوما خاصا ~~للنظر في أقوال المتظلمين وتصفح قصصهم، وأول من فعل ذلك عبد الملك بن مروان، ولكنه كان ~~إذا وقف منها إلى مشكل واحتاج فيه إلى حكم رده إلى قاضيه ابن إدريس الأزدي، فكان ابن ~~إدريس هو المباشر وعبد الملك الآمر، وأول من ندب نفسه لمباشرة المظالم عمر بن عبد ~~العزيز الشهير، ثم أهملت بعده إلى أيام الدولة العباسية فجلس لها خلفاء بني العباس، ~~وأول من جلس منهم المهدي ثم الهادي ثم الرشيد ثم المأمون، وآخر من تولاها منهم المهتدي ~~بالله محمد بن الواثق. # وكانوا يسمعون ظلامات الناس وينصفونهم، وفيهم من يتظلم من الولاة أو من العمال أو من ~~جباة الأموال أو من كتاب الدواوين، في تقصيرهم بشيء من رواتبهم أو من أحد أبناء الخلفاء ~~أو الأمراء أو نحوهم من أهل الوجاهة ممن يغتصبون الأموال أو الضياع، أو من القضاة، ~~لأنهم لم ينصفوهم في أحكامهم، أو من أي إنسان كبيرا كان أو صغيرا، فهو أوسع دائرة من ~~مجلس الاستئناف، وأطول باعا وأشد وقعا وأسرع نفوذا، ومن أمثلة ما ردوه من المظالم ~~على هذه الصورة أن عمر بن عبد العزيز خرج ذات يوم إلى الصلاة فصادفه رجل من اليمن ~~فاستغاثه فقال «ما ms0197 ظلامتك؟» فقال «غصبني الوليد بن عبد الملك ضيعتي» فقال «يا مراجم ~~ائتني بدفتر الصوافي» فوجد فيه «أصفى عبد الله الوليد بن عبد الملك ضيعة فلان» فقال ~~«أخرجها من الدفتر وليكتب برد ضيعته إليه ويطلق له ضعف نفقته». # وحكي عن المأمون أنه كان يجلس للمظالم يوم الأحد، فنهض ذات يوم من جلس نظره فلقيته ~~امرأة في ثياب رثة وتظلمت إليه في ابنه العباس، فأوقفه بجانبها ورد ظلامتها، وبعد ~~المهتدي لم يجلس الخلفاء العباسيون للمظالم، على أنهم كانوا كثيرا ما يعهدون بهذا ~~المنصب إلى وزرائهم، كما فعل المأمون ليحيى بن أكثم والمعتصم لأحمد بن أبي دؤاد، فلما ~~غلب السلاطين على بني العباس صار النظر في المظالم إلى السلاطين. # أما في مصر فأول من نظر في المظالم أحمد بن ~~طولون لما استقل بحكم مصر سنة 357ه فكان يجلس لذلك يومين في الأسبوع، ثم صار خلفاؤه ~~يولون من يقوم بها دونهم، حتى فتح الفاطميون مصر وبنوا مدينة القاهرة فاهتموا في أمر ~~المظالم، وجلس لها أولا قائدهم جوهر فاتح مصر، وكان يوقع على قصص المتظلمين بيده، ثم ~~صار الخلفاء بعده يعهدون بذلك إلى قاضي القضاة، أو إلى بعض علماء الدولة، فلما ضعف أمر ~~الفاطميين واستبد وزراؤهم بالحكم، صارت المظالم إلى الوزراء وأشهرهم في ذلك الأفضل بن ~~شاهنشاه، فقد كان يجلس للمظالم بنفسه، واقتدى به من جاء بعده، وكانوا يجعلون بباب ~~الديوان مناديا ينادي «يا أرباب الظلامات!» فيحضرون إليه فيأمر بإنصافهم. ~~(6) دار العدل # ولما أفضت الحكومة في مصر إلى السلاطين الأيوبيين، بنوا دارا للنظر في المظالم سموها ~~«دار العدل»، وكان قد سبقهم إلى بناء مثل هذه الدار في دمشق الملك العادل نور الدين ~~زنكي، وكان الأيوبيون يجلسون في دار العدل للنظر في المظالم، وجرى سلاطين المماليك ~~بعدهم على ذلك، وكانت لهم عناية كبرى بإنصاف الناس، وكانوا يحترمون مجلسهم للمظالم فلا ~~يقعدون فيه على تخت الملك، ولكنهم يجلسون على كرسي بجانبه حتى تلحق أرجلهم الأرض، فإذا ~~جلس السلطان على ذلك الكرسي يجلس قضاة من المذاهب الأربعة على ms0198 يمينه، ووكيل بيت المال ~~وغيرهم من أرباب الوظائف والحرس والخاصة بين يديه، وفيهم من يقرأ الظلامات للسلطان، ~~فيراجع القضاة أو أمراء العسكر فيما يرى مراجعتهم فيه ثم يمضي بما يراه. # وكان لسلاطين المسلمين وأمرائهم عناية كبرى بالنظر في مظالم الرعية، وكانوا يبذلون ~~الجهد في رفعها، ولو كان المتظلم منهم أو من أولادهم، وأمثلة هذه الحوادث كثيرة في ~~تاريخ الإسلام، فتعود الناس أن يرفعوا شكواهم إلى خلفائهم وسلاطينهم في أيام معينة، ~~وساروا يحسبون ذلك فرضا واجبا، فإذا أمسك الخليفة عن النظر في المظالم يوما أو بضعة ~~أيام ضجروا وملوا، وكان بعض الخلفاء يقسم المظالم إلى فروع، بعضها للنظر في مظالم ~~الجند، وبعضها للنظر في مظالم العمال، وبعضها لغير ذلك. ~~(7) الحسبة # هي منصب ديني من قبيل القضاء، وصاحب الحسبة (المحتسب) يبحث عن المنكرات ويعزر ويؤدب ~~على قدرها، ويحمل الناس على المصالح العامة في المدن مثل المنع من المضايقة في الطرقات، ~~ومنع الحمالين ومنع أهل السفن من الإكثار في الحمل، والحكم على أهل المباني المتداعية ~~للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة، والضرب على أيدي المعلمين في ~~المكاتب إذا بالغوا في ضربهم للصبيان، وله النظر في الغش والتدليس في المعايش وغيرها ~~وفي المكاييل والموازين، والأصل في الأمور التي ذكرناها أن تكون من واجبات القاضي، ~~لكنهم جعلوها عملا مستقلا، تنزيها للقاضي عن استقصاء هذه الأمور بنفسه، على أنها ~~كثيرا ما كانت تجعل في جملة أعمال القضاة في عهد الفاطميين بمصر والأمويين في الأندلس، ~~فلما انفردت وظيفة السلطان عن الخلافة وصار نظره عاما في السياسة اندرجت الحسبة في ~~وظائف الملك وأفردت بالولاية. # ولا يتولى الحسبة إلا رجل من وجهاء المسلمين، ~~لأنها خدمة دينية، وكان صاحب الحسبة يولي عنه نوابا في سائر الكور والأعمال، وله ~~الجلوس في الجوامع كل يوم، ويطوف نوابه على أرباب الحرف، والمعايش، فكان صاحب الحسبة في ~~مصر يجلس في جامعي القاهرة والفسطاط يوما بعد يوم، ويبعث نوابه في الشوارع لتفقد ~~اللحوم والمطبوخات، ومراعاة أحمال الدواب فلا يأذنون لأحد أن يحملها ms0199 فوق طاقتها، ~~ويأمرون السقايين بتغطية الروايا بالأكسية ويلزمونهم بمراعاة المعيار المقدر للروايا ~~وهو أربعة وعشرون دلوا وكل دلو أربعون رطلا، ويأخذونهم بلبس السراويلات الزرقاء ~~القصيرة الضابطة لعوراتهم، وينذرون معلمي المكاتب بألا يضربوا الصبيان ضربا مبرحا ولا ~~في مقتل، وكذلك معلمي العوام بتحذيرهم من التغرير بأولاد الناس، وللمحتسب النظر في ~~إدارة العيار. # أما في الأندلس فكانوا يسمون هذا المنصب «خطة الاحتساب» ويتولاه قاض، وكانت العادة ~~فيه أن يمشي بنفسه راكبا إلى الأسواق وأعوانه معه، وميزانه الذي يزن به الخبز في يد ~~أحد الأعوان، وكذلك اللحم تكون عليه ورقة بسعره، ولا يجسر الجزار أن يبيع بأكثر أو دون ~~ما حلله المحتسب في الورقة، ولا تكاد تخفى خيانته، فإن المحتسب يدس عليه صبيا أو ~~جارية يبتاع أحدهما منه، ثم يختبر المحتسب الوزن فإن وجده ناقصا قاس على ذلك حاله مع ~~الناس، ولهم في أوضاع الاحتساب قوانين يتداولونها ويتدارسونها كما يتدارس الفقهاء أحكام ~~الفقه. ~~(8) الشرطة # والشرطة في الأصل في توابع القضاء، لأن المراد بها تنفيذ أحكام القضاة أو فرض ~~العقوبات الزاجرة قبل ثبوت الجرائم، وإقامة التعزير والتأديب في حق من لم ينته عن ~~الجريمة، فكانت الشرطة خادمة للقضاء تساعد القاضي في إثبات الذنب على مرتكبه وتساعد ~~الحكومة على تنفيذ الحكم، ويتولى صاحبها أيضا إقامة الحدود على الزنا وشرب المسكر، ~~وكثيرا من الأمور الشرعية التي يجلون مقام القاضي عنها. # ثم صار النظر في الجرائم، وإقامة الحدود في الدولة العباسية والأموية في الأندلس ~~والفاطمية بمصر، راجعا إلى صاحب الشرطة وأفردوها من نظر القاضي، ونزهوا هذه المرتبة ~~وقلدوها كبار القواد وعظماء الخاصة من مواليهم ثم تفرعت الشرطة في الأندلس إلى شرطة ~~كبرى وشرطة صغرى، تحكم الكبرى في الخاصة والزعماء وأهل المراتب والسلطان، فتضرب على ~~أيديهم في الظلامات وعلى أيدي أقاربهم ومن إليهم من أهل الجاه، وأما الصغرى فتنحصر في ~~الأحكام على العامة والرعاع، ونصبوا لصاحب الشرطة الكبرى كرسيا بباب دار السلطان، وله ~~رجال يتبوأون المقاعد بين يديه فلا يبرحون عنها إلا من تصريفه، وكانت تعد ولايتها ~~ترشيحا ms0200 للوزارة أو الحجابة، وكان صاحب الشرطة يسمى عندهم صاحب المدينة أو صاحب الليل، ~~وفي دول السلاطين كانوا يسمون صاحب الشرطة الوالي، وفي إفريقية يسمونه الحاكم، فكأن ~~الشرطة نشأت مع القضاء، لكنها لم تنفرد بنفسها وتتميز عنه إلا في أيام بني أمية. # | ديوان الإنشاء # (1) الكتابة # لم يكن العرب في جاهليتهم يعرفون الكتابة إلا نفرا قليلين، ولم تكن كتابتهم بالأحرف ~~العربية المعروفة اليوم، وإنما كانوا يكتبون بالأحرف العبرانية، اقتباسا من اليهود في ~~جملة ما اقتبسوه منهم، وكان ممن كتب العربية بالقلم العبراني ورقة بن نوفل، ابن خال ~~خديجة زوج النبي، أو بالأحرف النبطية، نقلا عمن هاجر إليهم من الأنباط في القرون ~~الأولى للميلاد، فرارا من سلطان الروم، والأرجح عندنا أن الحرف العربي الذي نكتب به ~~اللغة العربية اليوم، متخلف عن الحرف النبطي الذي كان يكتب به الأنباط في بطرا ومدائن صالح # 1 # وأما الحرف الكوفي فقد تخلف عن القلم الإسطرنجيلي، الذي كان يكتب به ~~السريان أو الكلدان في العراق، واستخدمه العرب في أول الأمر لكتابة اللغة العربية، فحدث ~~فيه بعض التبديل حتى صار إلى ما هو عليه، ويؤيد قولنا أنه من العراق وأنه حدث بعد ~~الإسلام، لأن الكوفة من المدن التي بناها المسلمون في العراق، وسنعود إلى تاريخ الخط في ~~الجزء الثالث من هذا الكتاب. # ولما ظهر الإسلام لم يكن يكتب بالعربية إلا بضعة عشر إنسانا، كلهم من الصحابة وفيهم ~~علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وطلحة وعثمان وأبو سفيان وولداه معاوية ويزيد وغيرهم، ~~فكان علي وعثمان وزيد بن ثابت وعبد الله بن الأرقم ممن كتب للنبي، لأنه لم يكن يكتب ولا ~~يقرأ، فكتبوا له سور القرآن والكتب التي خاطب بها الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وكان ~~بعضهم يكتب له حوائجه، والبعض الآخر يكتبون بين الناس في المدينة، والبعض الآخر يكتبون ~~بين القوم في مياههم وقبائلهم وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء. # ولما تولى أبو بكر كان عثمان بن عفان كاتبه يكتب له الكتب إلى العمال والقواد، وصارت ~~الكتابة منصبا من مناصب ms0201 الحكومة لا يستغنى عنه، فلما تولى عمر كتب له أولا زيد بن ~~ثابت ثم حل محله غيره، ولما فتحت الأمصار وتدونت الدواوين عين عمر كاتبا لكل ولاية ~~يكتب في ديوانها، وكان الكاتب يكتب في أول الأمر لديوان الجند وبيت المال، فتولى عثمان ~~وعلي وانقضت دولة الخلفاء الراشدين والكتابة منحصرة في واحد يضبط حساب الديوان من ~~أعطيات الجند وأسمائهم ويكتب المراسلات، وربما كانا اثنين يتولى الثاني كتابة بيت ~~المال. # ولما انتقلت الخلافة إلى بني أمية، وتعددت مصالح الدولة على ما مر بك، تعدد الكتاب ~~فصارت الكتابة خمسة أصناف: كاتب الرسائل لمخاطبة العمال والأمراء والملوك وغيرهم، وكاتب ~~الخراج يدون حساب الخراج داخله خارجه، وكاتب الجند يقيد أسماء الأجناد وطبقاتهم ~~وأعطياتهم ونفقات الأسلحة وغير ذلك، وكاتب الشرطة يكتب التقارير عما يقع من أحوال ~~القواد والديات وغيرها، وكاتب للقاضي يكتب الشروط والأحكام. ~~(2) ديوان الإنشاء # وأهم أصناف الكتاب، كاتب الرسائل وهو أقدمها، وقد يسمى كاتب السر، وهو يد الخليفة ~~وكاتبه ومستودع أسراره، كما كان عمر لأبي بكر، وعثمان لعمر، وكان الخلفاء في أول عهد ~~الإسلام لا يولون هذا المنصب إلا أقرباءهم أو خاصتهم، لما فيه من الخطورة، وظلوا على ~~نحو ذلك إلى أيام بني العباس، فكان كتابهم في أول الأمر يستبدون في الأمر دونهم، ثم ~~صارت الكتابة إلى وزرائهم، ولم يكن الوزير يكتب الرسائل أو الرقاع بيده، ولكنه يمضيها ~~أي يوقع عليها كما يفعل اليوم الوزراء والرؤساء، وأول من وقع على الرقاع عندهم يحيى بن ~~جعفر البرمكي، لما أطلق الرشيد يده في أمور الدولة ومقاليدها، فصار إذا رفع أحد كتابا ~~في ظلامة أو طلب رزق أو نحو ذلك وقع يحيى عليه بيده، وصار الوزراء بعده يوقعون على ~~الرقاع أو القصص، وربما انفرد بعضهم في ولاية ديوان السر أو ديوان الرسائل أو ~~الإنشاء. # وفي أخريات دولة بني العباس استقلت الكتابة وعهد فيها إلى غير الوزراء وكانوا ببغداد ~~يقال لهم كتاب الإنشاء، وكبيرهم يدعى رئيس ديوان الإنشاء أو صاحب ديوان الإنشاء أو كاتب ~~السر وكل أمور هذا ms0202 الديوان إلى الوزير، وكانوا يسمونه أيضا الديوان العزيز، وهو الذي ~~يخاطبه الملوك في مكاتبات الخلفاء بما يشبه ديوان الرياسة أو وزارة الخارجية في هذه ~~الأيام. ~~(3) التوقيع # يريدون بالتوقيع في دوائر الحكومة اليوم «الإمضاء»، أما في أيام الخلفاء فكان يراد به ~~ما يعلقه الخليفة على القصص أو الرقاع «العرضحالات» المعروضة عليه لطلب أو شكوى أو نحو ~~ذلك، فيكتب عليها بما يجب إجراؤه أو ما يفيد الجواب على فحواها بما يشبه التأشير أو ~~التعليم في دوائر حكومتنا، وهو من واجبات صاحب ديوان الإنشاء أو من يتعين للتوقيع خاصة، ~~فيجلس الكاتب بين يدي الخليفة أو السلطان في مجالس حكمه وفصله، فإذا نظر الخليفة في ~~الرقاع أمر الكاتب أن يوقع عليها فيتوخى الكاتب أبلغ ما يستطيعه، وكانوا يختارون ~~للتوقيع كتابا من أهل العارضة والبلاغة ليستقيم توقيعه، فكان جعفر بن يحيى يوقع في ~~القصص بين يدي الرشيد ويرمي بالقصة إلى صاحبها، وكانت توقيعاته يتنافس البلغاء في ~~تحصيلها للوقوف منها على أساليب البلاغة وفنونها، حتى قالوا: إنها كانت تباع كل قصة ~~منها بدينار. ~~(4) توقيعات الخلفاء وغيرهم # وكان الخلفاء في صدر الإسلام هم الذين يوقعون في القصص والرقاع بأنفسهم أو يأمرون ~~كتابهم بتدوينه، والغالب في توقيعهم أن يكون اقتباسا من آية أو حديث أو حكمة مشهورة أو ~~شعر حكمي، ومن أمثلة ذلك أن سعد بن أبي وقاص عامل العراق كتب إلى عمر بن الخطاب كتابا ~~يستأذنه فيه ببناء دار، فوقع عمر في أسفل الكتاب «ابن ما يكنك من الهواجر وأذى المطر»، ~~ووقع عمر أيضا لعمرو بن العاص عامله على مصر، جوابا على كتاب كتبه إليه «كن لرعيتك ~~كما تحب أن يكون لك أميرك». # وتشكى قوم لعثمان بن عفان من مروان بن الحكم، وذكروا أنه أمر بوجئ أعناقهم فوقع في ~~ذلك الكتاب: # فإن عصوك فقل إني بريء مما ~~تعملون # وأرسله إليه. ومن توقيعات علي بن أبي طالب في كتاب جاءه من ~~ابنه الحسن «رأي شيخ خير من جلد غلام»، وكتب سلمان الفارسي إلى علي يسأله «كيف يحاسب ~~الناس ms0203 يوم القيامة؟» فوقع على كتابه «يحاسبون كما يرزقون». # ومن توقيعات معاوية بن أبي سفيان أن عبد الله بن عامر كتب إليه يسأله أن يقطع مالا ~~في الطائف فوقع «عش رجبا تر عجبا» وكتب زياد بن أبيه إلى معاوية يخبره أن عبد ~~الله بن عباس يطعن في خلافته فوقع في أسفل الكتاب «إن أبا سفيان وأبا الفضل كانا في ~~الجاهلية في مسلاخ واحد، وذلك حلف لا يحله سوء رأيك»، ووقع عبد الملك بن مروان في كتاب ~~جاءه من الحجاج يخبره فيه بسوء طاعة أهل العراق وما يقاسي منهم، ويستأذنه في قتل ~~أشرافهم «إن من يمن السائس أن يتألف به المختلفون ومن شؤمه أن يختلف به المتآلفون»، ~~ووقع في كتاب جاءه من الأشعث وهو ثائر عليه: # فما بال من أسعى لأجبر عظمه # حفاظا وينوي من سفاهته كسري # وكتب قتيبة بن مسلم إلى سليمان بن عبد الملك يهدده بالخلع، فوقع سليمان على ~~الكتاب: # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا # أبشر بطول سلامة يا مربع # وكتب إليه قتيبة مرة أخرى بالتهديد فوقع في الكتاب # وإن ~~تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ~~، وكتب أحد ~~العمال إلى عمر بن عبد العزيز يستأذنه في مرمة مدينة، فوقع في أسفل كتابه «ابنها بالعدل ~~ونق طرقها من الظلم»، وكتب إليه عامله على العراق يخبره بسوء طاعة أهلها، فوقع لهى ~~«ارض لهم ما ترضى لنفسك وخذ بجرائمهم بعد ذلك»، وكانت توقيعات عمر بن عبد العزيز ~~كثيرة، ووقع يزيد بن عبد الملك على رقعة رجل يتظلم من عامل # وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ~~. # ومن توقيعات بني العباس أن بعض أهل الأنبار كتبوا إلى السفاح يشكون أن منازلهم أخذت ~~وأدخلت في البناء الذي أمر به ولم يعطوا أثمانها فوقع «هذا بناء أسس على غير تقوى» وأمر ~~بإعطائهم الأثمان، وشكا أهل الكوفة إلى أبي جعفر المنصور سوء معاملة عاملهم، فوقع على ~~كتابهم «كما تكونون يؤمر عليكم»، ووقع على قصة رجل شكا عيلة «سل الله من رزقه» وجاءه من ~~عامله على حمص كتاب فيه ms0204 خطأ فوقع في أسفله «استبدل بكاتبك وإلا استبدل بك»، وكتب صاحب ~~أرمينيا إلى المهدي يشكو سوء طاعة رعاياه، فوقع في الكتاب # خذ ~~العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين # وشكا بعضهم ~~إهمال عامله في خراسان فوقع على شكواهم «أنا ساهر وأنت نائم» وأرسله إليه، ومن توقيعات ~~هارون الرشيد إلى عامله في خراسان «داو جرحك لا يتسع»، وإلى عامله على مصر «احذر أن ~~تخرب خزانتي وخزانة أخي يوسف فيأتيك منه ما لا قبل لك به ومن الله أكثر منه»، وقس على ~~ذلك سائر توقيعات الخلفاء. # على أن التوقيع لم يكن خاصا بالخلفاء، ولكنه كان شائعا بين الأمراء والكبراء أيضا ~~مثل زياد بن أبيه وأبي مسلم الخراساني وجعفر بن يحيى، ولجعفر شهرة طائرة في بلاغة ~~توقيعاته كما تقدم، من ذلك توقيعه لمحبوس «ولكل أجل كتاب»، ووقع في كتاب جاءه في شكوى ~~بعض عماله «لقد كثر شاكوك وقل شاكروك فإما اعتدلت وإما اعتزلت»، وفي رقعة رجل يستأذن في ~~الحج «من سافر إلى الله أنجح»، وفي كتاب رجل طلب ولاية «لا أولي بعض الظالمين بعضا»، ~~وفي قصة رجل يستمنحه وقد كان منحه مرارا «دع الضرع يدر لغيرك كما در لك»، وغير ذلك شيء ~~كثير، ومثله للفضل بن سهل وطاهر بن الحسين وغيرها. ~~(5) اختصار الكتابة # وكان لهم ولع غريب في اختصار الكتابة في المراسلات اختصارا يصح أن يتخذ مثالا ~~للبلاغة، من أمثلة ذلك ما كتبه عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص يستمده الحنطة والمؤونة ~~من مصر على أثر ما أصاب أهل المدينة من الجهد، فكتب ابن الخطاب يقول «من عبد الله أمير ~~المؤمنين إلى العاصي بن القاصي، سلام، أما بعد فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ~~ومن معك أن أهلك أنا ومن معي، فيا غوثاه ثم يا غوثاه!» فكتب إليه عمرو «لعبد الله أمير ~~المؤمنين من عبد الله عمرو بن العاص، أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك! قد بعثت إليك بعير ~~أولها عندك وآخرها عندي والسلام». أمثال ذلك كثير في مراسلاتهم، فلتطلب ms0205 في كتب الأدب ~~والتاريخ. # ولم يكن هذا الاختصار قاصرا على المكاتبات بينهم وبين عمالهم، لكنه كان شأنهم في كل ~~مكاتباتهم، من أمثال ذلك جواب هارون الرشيد إلى نقفور «نيسوفورس» ملك الروم، وكان قد ~~كتب إليه كتابا يهدده فيه ويطلب إليه أن يرد ما كان أخذه من الخراج من الإمبراطورة ~~التي كانت قبله، فلما قرأ الرشيد الكتاب احتدم غيظا فلم يتمالك عن أن أخذ دواة وكتب ~~على ظهر الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم! ~~قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه لا ما تسمعه». # ومثل ذلك جواب يوسف بن تاشفين صاحب مراكش على كتاب الأذفونش ملك الإفرنج الذي يهدده ~~فيه، وكان الكتاب طويلا فلما قرأه يوسف كتب على ظهره: «الذي يكون ستراه». ~~(6) مكاتبة الخلفاء # وكان من القواعد المرعية في مكاتبة الخلفاء أن يبدأوا بأسمائهم قبل مخاطبيهم، ويكلفوا ~~مكاتبيهم أن يراعوا ذلك ... كما رأيت فيما دار بين عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص ويعدون ~~العدول عنه ذنبا، وقد كان في جملة ما حمل المنصور على قتل أبي مسلم الخراساني - مع ما ~~له على دولتهم من الفضل - أنه كتب مرة إلى المنصور وبدأ بنفسه، وإذا رأيت في بعض ~~المراسلات ما يخالف هذه القاعدة فإنه سهو من النساخ. # ولم يزل الأمر كذلك إلى أن استولى بنو بويه على الأمر وغلبوا على الخلفاء واستبدوا ~~بهم، فاحتجب الخلفاء ولم يبق إليهم في ما يكتب عنهم غالبا سوى الولايات، وفوض الأمر ~~في غالب المكاتبات إلى وزرائهم، وصارت إذا اقتضت الحال ذكر الخليفة كني عنه بالمواقف ~~المقدسة والمقامات الشريفة والسدة النبوية والدار العزيزة والمحل الممجد، يعنون ~~بالمواقف الأماكن التي يقف الخليفة فيها، ثم انتقلوا إلى تعظيم الأمراء والوزراء ~~بالتلقيب بالمجلس العالي والحضرة السامية وما أشبه. ~~(7) الإشارة أو الرمز # ومن تفننهم في المكاتبات الإشارة بحرف واحد إلى ~~مقالة طويلة، كما وقع للسلطان محمود الغزنوي بن سبكتكين بعد أن استقل بالسلطنة، فإنه ~~كتب إلى الخليفة ببغداد يطلب إليه أن يذكر اسمه ms0206 في الخطبة وينقش اسمه على النقود فامتنع ~~الخليفة من ذلك، فبعث محمود إليه كتابا يهدده فيه قال في جملته «لو أردت نقل حجارة ~~بغداد على ظهور الفيلة إلى غزنة لفعلت»، فبعث إليه الخليفة كتابا مختوما، فلما فتحه ~~محمود لم يجد فيه غير البسملة، وبعدها ألف ممدودة، وفي وسط الكتاب لام، وفي آخره ميم، ~~ثم الصلاة والحمد لله! فتحير السلطان وأهل مجلسه من ذلك، حتى دخل عليهم أبو بكر ~~القهستاني، وكان من كبار العلماء ففكر في ذلك حتى فقه له فقال: «عندي شرحه»، فقال ~~السلطان «قل ولك ما تريد» فقال «إنكم بعثتم تهددون الخليفة بالفيلة فبعث إليكم هذا ~~الكتاب وفيه ألف لام ميم إشارة إلى قوله تعالى: # ألم تر كيف ~~فعل ربك بأصحاب الفيل # إلى آخر الآية فارتاع السلطان لذلك ~~وتشاءم وندم وعاد إلى أحسن الأحوال. # ومن هذا القبيل حكاية لطيفة وقعت لسديد الملك علي بن مقلد، صاحب قلعة شيزر في أواسط ~~القرن الخامس للهجرة، وكان شجاعا مقداما موصوفا بقوة الفطنة، وكان قبل تملكه قلعة ~~شيزر يتردد إلى حلب وصاحبها يومئذ تاج الملوك محمد بن صالح، فوقع بينهما أمر أخاف سديد ~~الملك من تاج الملوك، فخرج سديد الملك إلى طرابلس الشام، وصاحبها يومئذ جلال الملك بن ~~عمار فأقام عنده، فعلم تاج الملوك بذلك، فأراد الاحتيال في استقدام سديد الملك إليه ~~للفتك به، فأوعز إلى كاتبه أبي النصر محمد بن الحسين أن يكتب إليه كتابا يشوقه فيه ~~ويستعطفه ويستدعيه إليه، وفهم أبو النصر الغرض الحقيقي من ذلك الكتاب، وكان صديقا ~~لسديد الملك، لكنه لم ير مندوحة عن كتابة الكتاب، فكتبه كما أمر به تاج الملوك، حتى ~~إذا بلغ إلى قوله: «إن شاء الله تعالى» شدد النون في إن وفتحها فجعلها «إن» وأنفذ ~~الكتاب، فلما وصل الكتاب إلى سديد الملك قرأه، ثم عرضه على ابن عمار صاحب طرابلس ومن في ~~مجلسه من الخواص، فاستحسنوا عبارة الكاتب واستعظموا ما فيه من رغبة تاج الملوك في سديد ~~الملك وإيثاره قربه، فقال سديد الملك «إني أرى ms0207 في الكتاب ما لا ترون»، ثم أجابه على ~~الكتاب بما اقتضاه المقام، وكتب في جملة ذلك «أنا الخادم المقر بالإنعام» وكسر همزة ~~«أنا» وشدد نونها فصارت «إنا» فلما وصل الكتاب إلى تاج الملوك ووقف عليه أبو نصر ~~الكاتب سر بما فيه وقال لأصدقائه: «قد علمت أن الذي كتبته لا يخفى على سديد الملك»، ~~وكان أبو نصر قد قصد بتشديد نون «إن» الإشارة إلى الآية # إن ~~الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ~~، فأجابه سديد الملك بتشديد ~~«إنا» إشارة إلى الآية: # إنا لن ندخلها أبدا ما ~~داموا فيها ~~. # ومن تفننهم من هذا القبيل ما كتبه عضد الدولة بن بويه إلى أبي منصور أفتكين متولي، ~~وكان أفتكين قد كتب إليه كتابا مضمونه «إن الشام قد صفا وصار في يدي وزال عنه حكم صاحب ~~مصر، وإن قويتني بالأموال والعدد حاربت القوم في مستقرهم»، فكتب إليه عضد الدولة جوابا ~~في كلمات متشابهة لا تقرأ إلا بعد الشكل والتنقيط والضبط وهي: «غرك عزك فصار قصار ذلك ~~دلك فاخش فاحش فعلك فعلك بهذا تهدا» إلخ. أراد أن لا يقع الكتاب بيد أحد فيطلع على ما ~~فيه، ففهم أفتكين مراده وعمل به. ~~(8) أدوات الكتابة # القلم كانوا يصنعونه من القصب نحو ما نفعل اليوم، وأما الحبر وهو المداد فالظاهر أنهم ~~كانوا يصنعونه من مسحوق الفحم أو من الهباب مذابا في سائل لزج كالصمغ أو نحوه. # وأما القرطاس فأقدم ما كتب فيه العرب من أول الإسلام الرق وهي الجلود، وكتبوا أيضا ~~على الأقمشة وأشهرها نسيج مصري كانوا يسمونه القباطي، وعليه كتبت المعلقات السبع قبل ~~الإسلام، وإذا تعذر ذلك كتبوا على الخشب أو العظام أو على قطع الخزف أو على الأحجار أو ~~نحو ذلك. # ولما فتحوا مصر اتخذوا البردي فكان أكثر مكاتبات الأمويين على البردي والقباطي، وفي ~~دار الكتب المصرية في القاهرة آثار مخطوطة بالعربية عثروا عليها في بعض أنحاء القطر ~~المصري، شاهدنا بينها صفحة من البردي وقطعا من القباطي، وقد ظهري البلى فيها والكتابة ~~لا تزال ظاهرة عليها، ورأينا قطعا من الفخار ms0208 عليها كتابة عربية أيضا، وتلك المخطوطات ~~لا يتجاوز تاريخها آخر القرن الأول للهجرة، وكلها معروضة في معرض دار الكتب ~~المصرية. # فلما كانت أيام الدولة العباسية اتخذوا الكاغد، والذي أشار به الفضل بن يحيى البرمكي ~~فاصطنعوه، والأرجح أنهم أخذوه عن صناعة الصين، لأن الصينيين برعوا في صناعة الورق قبل ~~الميلاد، وكانت هذه الصناعة منتشرة في بلادهم، فلما فتح المسلمون سمرقند أخذوها عنهم، ~~لكنهم لم يجتهدوا في تعاطيها إلا في إبان الدولة العباسية، إذ ضاقت الرقوق والجلود عن ~~المكاتبات والمراسلات والسجلات، فأشار الفضل باصطناعه فأنشأوا له المصانع في بغداد ~~والشام وغيرهما من عواصم الإسلام. # وعن العرب أخذ العالم صناعة الورق، لأن أهل أوربا لما أفاقوا من سباتهم في الأجيال ~~الوسطى استخدموا الكاغد الشامي وكان اسمه عندهم # Charta ~~Damascena ~~، وانتقلت صناعة الورق إلى أوربا بطريق الأندلس، فقد كان ~~للعرب مصانع لصناعة الورق في شاطبة وبلنسية وطليطلة، فلما دخلت الأندلس في حوزة الإفرنج ~~استبقوا تلك المصانع، ثم نقلت من إسبانيا إلى سائر ممالك أوربا، ومن أقدم المخطوطات ~~العربية على الكاغد نسخة من كتاب «غريب الحديث» في مكتبة ليدن الجامعة يظن أنها كتبت في ~~أوائل القرن الثالث للهجرة، وكتاب «ديوان الأدب» في مكتبة المتحف البريطاني كتب في ~~أوائل القرن الرابع. # | الحجابة # يراد بالحاجب في دول الإسلام ما يراد بالتشريفاتي في هذه الأيام، وهو الذي يتولى الإذن ~~للناس في الدخول على الملك أو السلطان أو الأمير، ولا بد منه في الدولة، حفظا لهيبة الملك، ~~وكلما أعرقت الدولة في المدنية واستغرقت في الترف تكاثف الحجاب بين ملكها ورعاياه، فكان ~~الخلفاء الراشدون يفتحون أبواب مجالسهم لأي من كان، ويخاطبون الفقير والغني والصعلوك والقوي ~~بلا حجاب ولا كلفة. # فلما تحولت الخلافة إلى الملك كان في جملة ما أدخلوه على الدولة التدقيق في الحجاب، ~~وترتيب الناس في الدخول على الخلفاء بحسب طبقاتهم وأنسابهم، وأول من انتبه لذلك معاوية بن ~~أبي سفيان، نبهه إليه زياد بن أبيه، فكانوا يفضلون في الدخول أهل البيوتات، أي أهل النسب، ~~فإذا تساوت الأنساب فضلوا أهل ms0209 السن، فإذا تساوت فضلوا أهل الأدب والعلم، لكنهم كانوا يبيحون ~~الدخول لأربعة في أي وقت شاءوا وهم المؤذن، وطارق الليل، ورسول الثغر، وصاحب الطعام، ومن ~~هذا القبيل قول زياد لحاجبه «وليتك حجابتي وعزلتك عن أربعة هذا المنادي إلى الهل في الصلاة ~~والفلاح لا تفرجنه عني فلا سلطان لك عليه، وطارق الليل لا تحجبه فشر ما جاء به، ولو كان ~~خيرا ما جاء به في تلك الساعة، ورسول الثغر فإن أبطأ ساعة أفسد عمل سنة فأدخله علي وإن ~~كنت في لحافي، وصاحب الطعام فإن الطعام إذا أعيد تسخينه فسد». # فلما جاءت دولة بني العباس وصارت إلى ما هو معروف من العز والترف، زادوا في منع الناس عن ~~ملاقاة الخليفة إلا في الأمور الهامة، وهذا ما يسميه ابن خلدون بالحجاب الثاني، وصار بين ~~الناس والخليفة داران: دار الخاصة ودار العامة، يقابل كل فئة في مكان على ما يراه الحجاب، ~~وتطرقوا عند انحطاط الدولة إلى حجاب ثلاث أحصن من الأولين، ولا يكون هذا إلا عند الحجر على ~~صاحب الدولة، وذلك أن أهل الدولة كانوا إذا نصبوا الأبناء من الأعقاب وأرادوا الاستبداد ~~عليهم، فأول ما يتوخونه حجب البطانة وسائر الأولياء عنهم، ويوهمونهم أن في مباشرتهم خرق ~~حجاب الهيبة وفساد قانون الأدب، كما حدث في آخر أيام العباسية، ولا يكون ذلك إلا في أواخر ~~الدولة. # | النقابة # النقابة، ونعني نقابة الأشراف، سموها بذلك إشارة إلى أنها تتعلق بأشراف المسلمين وهم أهل ~~بيت رسول الله، وذلك أنهم كانوا يجلون حرمة أهل البيت فكانوا يجعلون منهم رئيسا يتولى ~~أمورهم ويضبط أنسابهم ويدون مواليدهم ووفياتهم، وينزههم عن المكاسب الدنيئة ويمنعهم من ~~ارتكاب المآثم ويطالب بحقوقهم ويدعوهم إلى أداء الحقوق، وينوب عنهم في المطالبة بحقوقهم في ~~سهم ذوي القربى من الفيء والغنيمة، ويقسمه بينهم ويمنع الأيامى منهم أن يتزوجن إلا من ~~الأكفاء، وغير ذلك مما يشبه الوصاية العامة، وكان نقيب الأشراف وصيهم. # وكانت نقابة الأشراف من المناصب السامية، ولها الشأن الأول من الشرف بعد الخلافة - ولذلك ~~قال الشريف الرضي نقيب ms0210 الأشراف يخاطب الخليفة القادر بالله العباسي من قصيدة: # عطفا أمير المؤمنين فإننا # في دوحة العلياء لا نتفرق # ما بيننا يوم الفخار تفاوت # أبدا كلانا في المعالي معرق # إلا الخلافة ميزتك فإنني # أنا عاطل منها وأنت مطوق # وكان الخلفاء يكتبون لنقباء الأشراف عهودا وتقاليد تدل على جلالة قدرهم ورفعة منزلتهم، ~~وكانوا كثيرا ما يعهدون إليهم بسقاية الحاج وديوان المظالم من الخطط السامية، وما زالت ~~الدول الإسلامية تحترم نقابة الأشراف في كل أدوار تاريخها حتى الدولة العثمانية، وكان نقيب ~~الأشراف في أيام العثمانيين يقدم في التشريفات الرسمية على سائر رجال الدولة العلية حتى ~~الصدر الأعظم وشيخ الإسلام. # | مشيخة الطرق الصوفية # مشيخة الطرق الصوفية من المناصب الدينية التي حدثت بعد حدوث الصوفية، ولصاحبها التكلم عن ~~جميع الطرق الصوفية، والشأن في هذه الطرق أن لكل طريقة شيخا، ولكل شيخ خلفاء في القرى ~~والأمصار، ولكل خليفة مريدين، فالشيخ يدير أمر الخلفاء، الخليفة يدبر أمر المريدين من حيث ~~إرشادهم ومراقبتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وتربيتهم ونحو ذلك، ولشيخ المشايخ ~~الولاية العامة على الجميع، ولم يكن للصوفية مشيخة عامة ترجع لها أعمالهم وتتوحد بها ~~مقاصدهم، بل كانت كل طريقة أو زاوية مستقلة بنفسها، فكانت تكثر بسب ذلك الفتن، فلما أنشأ ~~السلطان صلاح الدين الأيوبي خانقاه سعيد السعداء وسماها دويرة الصوفية، جعل لشيخها شبه تقدم ~~على غيره من المشايخ، وكان لا يولي عليها إلا أعاظم رجال الدولة من الأكابر والأعيان، ~~كأولاد شيخ الشيوخ ابن حمويه مع ما كان لهم من الوزارة والإمارة وتدبير الدولة وقيادة ~~الجيوش، ووليها ذو الرياستين الوزير الصاحب تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز وغيره، وما ~~زالت الحال كذلك إلى أن توحدت رئاسة الصوفية بمصر في القرن التاسع للهجرة، فجعلت الولاية ~~فيها للسيد محمد شمس الدين البكري، وكان من أعظم رجال عصره علما ودينا، قال الشعراني عنه ~~«ولو قلت إنه أعلم أهل زمانه لم أبعد عن الصواب»، ثم تولاها بعده ابنه الإمام شيخ الإسلام ~~المفسر الشهير أبو السرور البكري، وانتقلت بعده إلى ذريته ms0211 ولا تزال إلى الآن في البيت ~~البكري الصديقي بمصر. # مقدمة‏ # ظواهر التمدن وحقيقته‏ # ثروة الدولة الإسلامية‏ # ثروة الدولة العباسية في العصر العباسي الأول‏ # أسباب الثروة العباسية‏ # ثروة الدولة العباسية في عصر الاضمحلال‏ # أسباب اضمحلال الثروة العباسية في العصر العباسي الثاني‏ # ثروة المملكة العباسية أي البلاد وأهلها‏ # مقدمة‏ # ظواهر التمدن وحقيقته‏ # ثروة الدولة الإسلامية‏ # ثروة الدولة العباسية في العصر العباسي الأول‏ # أسباب الثروة العباسية‏ # ثروة الدولة العباسية في عصر الاضمحلال‏ # أسباب اضمحلال الثروة العباسية في العصر العباسي الثاني‏ # ثروة المملكة العباسية أي البلاد وأهلها‏ # | تاريخ التمدن الإسلامي (الجزء الثاني) # | تاريخ التمدن الإسلامي (الجزء الثاني) # تأليف # جرجي زيدان # | مقدمة # في مثل هذا اليوم من العام الماضي صدر الجزء الأول من هذا الكتاب، وكان لصدوره تأثير في ~~عالم الأقلام لأهمية موضوعه وحداثة عهده في هذا اللسان، فقرظته الصحف وكتبت فيه المقالات ~~الانتقادية، ووردت إلينا كتب الفضلاء من رجال العلم في مصر وسوريا وأوربا وأمريكا وفارس ~~والهند، مشحونة بعبارات التنشيط والاستحثاث على المثابرة في هذا السبيل، وفيهم من لم يكن ~~يظن تأليف هذا الكتاب ممكنا لقلة المصادر المساعدة على ذلك، فزادنا هذا كله نشاطا ~~وإقداما على هذا العمل الجليل. # ومن غريب ما اتفق لنا في أثناء تأليف هذا الكتاب أننا أعلنا عزمنا على تأليفه ونحن لا ~~نتوقع أن يجتمع عندنا من مواده ما يزيد على مثل هذا الجزء، فلما شرعنا في درس الموضوع ~~والتنقيب عما ينطوي تحته من الأبحاث الفلسفية التاريخية مما يتعلق بعوامل التمدن ~~الإسلامي، انكشف لنا من أحوال ذلك التمدن ما لم يكن يخطر بالبال، فاتسع المجال للقلم فرأينا ~~الموضوع يشغل أربعة أضعاف ما قدرناه، فأصدرنا الجزء الأول وفيه مقدمات تمهيدية عن حال العرب ~~قبل الإسلام إلى نهضتهم الأخيرة، ثم ظهور الإسلام وانتشاره ونشأة الدولة الإسلامية وتواريخ ~~مصالحها وجندها وبيت مالها، وقلنا في مقدمة ذلك الجزء إننا سننشر بقية الكتاب في ثلاثة ~~أجزاء أخرى في مثل حجمه. # فلما بدأنا كتابة الجزء الثاني زاد المجال اتساعا ولم يعد يكفي الباقي منه أربعة أو ms0212 خمسة ~~أجزاء غير هذا، بحيث تزيد أجزاء الكتاب كلها على ستة أو ربما سبعة أجزاء مما لا يمكن تحديده ~~إلا بعد الفراغ من كتابته. # أما هذا الجزء فموضوعه «ثروة المملكة الإسلامية» وهي ركن عظيم من أركان ذلك التمدن، وقد ~~قسمنا البحث فيها إلى «ثروة الدولة الإسلامية»؛ أي ثروة الحكومة ورجالها، وإلى «ثروة ~~المملكة الإسلامية»؛ أي ثروة البلاد وأهلها، وبحثنا في ثروة الدولة بحثا تاريخيا ~~فلسفيا، فابتدأنا بتاريخ تلك الثروة من أيام النبي فالخلفاء الراشدين فبني أمية ~~فالعباسيين، وبينا الأسباب التي دعت إلى تقلب هذه الثروة واختلافها باختلاف تلك الدول، ~~وعلاقة ذلك بطبيعة كل دولة ونظامها وقوانينها، حتى وصلنا إلى ثروة الدولة الإسلامية في ~~العصر العباسي، فقسمناه إلى عصرين: «الأول» وهو العصر الزاهر، و«الثاني» وهو عصر الاضمحلال، ~~وفي العصر العباسي الأول نضجت الثروة وبلغت أوجها، ففضلنا الكلام فيه تفصيلا وصدرناه ~~بتمهيد في تاريخ ذلك العصر وما ساعد على قيام هذه الدولة، ثم عمدنا إلى النظر في ثروة ~~الدولة العباسية، وقبل الشروع فيه أتينا بفذلكة في جغرافية المملكة الإسلامية في القرن ~~الثالث للهجرة، شفعناها بخريطة لبيان نسبة الولايات الإسلامية بعضها إلى بعض، ثم ذكرنا ثروة ~~العباسيين من أيام السفاح والدولة في طفولتها حتى بلغت أشدها في أيام الرشيد والمأمون، ~~فأتينا بثلاث قوائم مالية عن ارتفاع جبايتها في أيام المأمون وبعيده، وقابلنا بينها، فكان ~~مقدار ما يبقى في بيت مال الحكومة نحو 300 مليون درهم في السنة وهي بقية لم تتفق لدولة من ~~الدول، فعمدنا إلى النظر في أسباب تلك الثروة، فأفضى ذلك إلى النظر في مصادر الجباية ~~ونفقاتها وأسباب كثرة الخراج وقلة النفقة، فأسباب كثرة الخراج أربعة: ~~(1) # سعة المملكة الإسلامية. ~~(2) # اشتغال الناس في الزراعة وتعمير البلاد. ~~(3) # ثقل الخراج المضروب. ~~(4) # صدق العمال في توريد المال المجموع. # وأسباب قلة النفقة ثلاثة: ~~(1) # قلة الموظفين. ~~(2) # عدم وجود الدين على الحكومة. ~~(3) # اقتصاد الخلفاء الأولين. # ولما فرغنا من الثروة العباسية في العصر الأول نظرنا في أحوالها في عصر الاضمحلال، وقدمنا ~~الكلام بفصل في علة ذلك الاضمحلال ثم مقدار ms0213 الجباية في ذلك العصر، وبحثنا في سبب تناقصها ~~فحدا ذلك بنا إلى النظر في أسباب قلة الجباية وكثرة النفقات، وأسباب قلة الجباية خمسة: ~~(1) # ضيق المملكة. ~~(2) # تخفيض الخراج المضروب. ~~(3) # استئثار العمال بالجباية. ~~(4) # انشغال الناس بالفتن عن العمل. ~~(5) # تحول أكثر البلاد إلى ضياع. # وأسباب كثرة النفقات خمسة أيضا: ~~(1) # إسراف الخلفاء ونسائهم، وفيه بحث فيما بلغت إليه ثروة نساء الخلفاء. ~~(2) # كثرة أبواب النفقة في الدولة. ~~(3) # زيادة الرواتب، وتحت هذا الباب تفصيل عن تاريخ رواتب موظفي الحكومة من العمال ~~والكتاب والوزراء والقضاة، ثم أهل الخلفاء وحاشيتهم فالجند، ورواتب أخرى. ~~(4) # النفقة على البيعة. ~~(5) # استئثار رجال الدولة بالأموال لأنفسهم، ويتفرع من ذلك بحث عن حال الوزراء في ~~عصر الاضمحلال وتفشي داء الرشوة فيهم، وما يجتمع إليهم من الأموال وبيت مال ~~الحكومة فارغ والخلفاء يشكون الفقر، وما آل إليه ذلك من مصادرة الوزراء وأخذ ~~أموالهم بالقوة، وبحثنا مثل هذا البحث أيضا في العمال والكتاب والحجاب، وختمنا ~~هذا القسم بخلاصة إجمالية للموضوع. # ثم عمدنا إلى النظر في القسم الثاني وهو «ثروة المملكة الإسلامية» أي ثروة البلاد وأهلها، ~~فتكلمنا إجمالا عن حالة البلاد في ذلك العصر، وعن اختصاص المدن بالثروة وأسباب انحصارها في ~~الفئة الحاكمة ومن ينتمي إليهم من أهل الوجاهة والنفوذ وسائر أهل البلاد في فقر مدقع، ~~وختمنا الكلام بوصف أشهر المدن الإسلامية في مصر والشام والعراق والمغرب والأندلس، كالبصرة ~~والكوفة والفسطاط وبغداد وغيرها، وما بلغت إليه من الثروة والعمران في عهد ذلك ~~التمدن. # ولما صدر الجزء الأول من هذا الكتاب عرف الفضلاء ~~أهمية موضوعه ووعورة مسلكه، فعمد أرباب الأقلام إلى تقريظه وانتقاده في الجرائد والمجلات ~~فضلا عن الكتب الخاصة، فرأينا في مجمل ذلك ما نشطنا، لكننا رأينا لبعضهم انتقادا لمواضع ~~من الكتاب عدها خطأ لأنها لا تطابق ما يعلمه هو من مصادر هذا الموضوع، فرددنا عليه وبينا ~~له أن التبعة في ذلك على قلة ما وصلت إليه يده من تلك المصادر وأسندنا كل قول من أقوالنا ~~إلى مصدر وثيق أجمع المؤرخون على صحته # 1 # وقرأنا نحو ذلك ms0214 الانتقاد في جرائد أخرى تعجل فيها الكاتب إلى الحكم علينا ~~بالخطأ في بعض المواضع، والخطأ في تعجله؛ لأننا لم ننقل حقيقة تاريخية عن غير الثقات من ~~المؤرخين، وقد أوردنا أكثر أسمائهم في مقدمة الجزء الأول، فلو اطلع المنتقدون على تلك ~~المصادر لكفوا أنفسهم مؤونة الانتقاد، وكان قد خطر لنا ونحن نكتب ذلك الجزء أن نذيل ~~صفحاته بالمآخذ التي نقلنا عنها تلك الحقائق، ولكننا أمسكنا عن ذلك ضنا بصفحات الكتاب؛ ~~لأننا لم نبد رأيا ولا قلنا قولا إلا وسندنا فيه كتاب أو عدة كتب، فالإشارة إلى تلك ~~الكتب في ذيل الصفحات تستغرق جانبا منها، على أننا لو فعلنا ذلك لكفينا أنفسنا وكفينا ~~حضرات المنتقدين مؤونة العناء في الأخذ والرد بلا طائل. ~~••• # وقد توسمنا في مجمل ما قرأنا من التقاريظ والانتقادات رغبة حضرات الكتاب في ذكر المصادر، ~~وكتب إلينا جماعة من أهل الفضل الغيورين على العلم يستحثوننا على ذلك، وبينهم بضعة من علماء ~~الهند وفارس نذكر منهم عالما كبيرا من علماء الهند عرف قراء العربية فضله من بعض ما نشر ~~بينهم من آثار علمه، نعني صديقنا شمس العلماء الشيخ شبلي النعماني ناظر العلوم والفنون في ~~حيدر أباد الدكن، فإنه من أوسع الناس اطلاعا على التاريخ الإسلامي وآدابه، فلما اطلع على ~~الجزء الأول كتب إلينا كتابا يسفر عن تقديره هذا الموضوع حق قدره، ولكنه انتقد إغفالنا ذكر ~~المصادر في ذيول الصفحات، قال: «استلمت كتاب تاريخ التمدن الإسلامي بغاية الشوق؛ لأن موضوع ~~الكتاب يهمني بنوع خاص، ولم أعرضه على أحد إلا أعجب به غاية الإعجاب، وظني أن تأليفكم هذا ~~يترجم إلى لساننا الأردو (الهندستاني) ولا شك أنه يقع موقع القبول في البلاد الإسلامية ~~كلها، ولكنني أنتقد عليكم أمرا لا يسعني كتمانه، وهو أن دأبكم في التأليف أنكم تكتفون بذكر ~~مصادر الكتاب في أوله إجمالا من غير التزام الاستشهاد في كل محل وموضوع، وفيه مفاسد كثيرة، ~~منها أننا رأينا كثيرين من مستشرقي أوربا يذكرون أمورا مهمة من المسائل العلمية أو ~~الاختراعات وينسبونها إلى العرب، فنغتر ms0215 بذلك ويذهب بنا الفخر كل مذهب ثم إذا راجعنا الأصل ~~وحققنا الأمر يظهر أنهم استنوقوا الجمل وما كان هناك شيء يذكر ولا مأثرة تنقل، لا نقول إنهم ~~يتعمدون الكذب، ولكنهم يغلطون في الاستنباط، فلو كانوا يذكرون مصادر الرواية ومآخذها لكان ~~يسهل لنا المراجعة إذا مست الحاجة، ومنها أن كتب التواريخ لها مدارج ومراتب، فما لم تذكر ~~أسماء الكتب بالخصوص لا يتميز جيد الرواية من رديئها، ولا أقواها من أضعفها.» ا.ه. ~~••• # فلما عمدنا إلى كتابة هذا الجزء رأينا أن نعود إلى رأينا الأول فنذيل صفحاته بالمصادر ~~التي اعتمدنا عليها مع تعيين الكتاب والجزء والصفحة. # واختصرنا في ذلك جهد الطاقة ضنا بالمكان، ولا ~~يخفى ما يقتضيه هذا العمل من التدقيق والمراجعة، وفي تقليب صفحات هذا الجزء قبل تصفحها ~~دلالة كافية على مقدار ما بذلناه من العناء في تأليفه، وخصوصا لأنه أول كتاب في هذا ~~الموضوع كتب على هذا النسق. # وليس تاريخ التمدن الإسلامي من الكتب التي يلهو بها العامة للتسلية، ولا من الكتب ~~الفكاهية كالروايات ونحوها، وإنما هو موضوع تاريخي اجتماعي يبين أسباب نشوء المدنية وأسباب ~~انحطاطها، ويتخلل ذلك أبحاث فلسفية في علاقة تلك الأسباب بعضها ببعض، وما ينجم عنها من ~~العبرة والموعظة، فهو من الكتب التي يقرؤها الخاصة أهل الاطلاع، ولم نعمد إلى تأليفه إلا ~~بعد أن أعددنا أذهان القراء لهذا الموضوع بما نشرناه بين ظهرانيهم من الروايات التاريخية ~~الإسلامية منذ عدة أعوام، مما تلذ قراءته للخاصة والعامة بما تحويه من الحقائق التاريخية في ~~سياق الحكاية الغرامية، فلما تهيأت الأذهان ولمسنا عند القراء شوقا إلى مطالعة التاريخ ~~الإسلامي، عمدنا إلى تأليف هذا الكتاب وهو تاريخ الإسلام الحقيقي؛ لأن تاريخ الأمة لا يقوم ~~بسرد حروبها وفتوحها، وإنما هو تاريخ نشوئها وتنظيم حكومتها وتاريخ ثروتها وعلومها وآدابها ~~ونظامها الاجتماعي ومصيرها، أو هو تاريخ تمدنها، ولنا فيما بسطناه من وعورة هذا المسلك عذر ~~على ما قد يعتور مشروعنا من النقص، والكمال لله وحده. # | هوامش # | ظواهر التمدن وحقيقته # لخصنا في الجزء الأول من هذا الكتاب ms0216 نشأة الدولة الإسلامية وتاريخ مصالحها الإدارية ~~والسياسية والمالية تمهيدا للنظر في تمدنها، ولكل تمدن ظواهر يبدو بها للناظرين وحقيقة ~~تتجلى منه للباحثين، أما الظواهر فهي ما نراه من ثمار ذلك التمدن كالثروة والأبهة والعلم ~~والأدب والصناعة والتجارة ونظام الهيئة الاجتماعية وآدابها، وأما حقيقة التمدن فهي ما ينتج ~~عنه من الخير أو الشر، من السعادة أو الشقاء للمستظلين بظله أو سواهم من بني الإنسان، ومن ~~ظواهر التمدن الإسلامي الثروة والعلم والأدب والصناعة والتجارة، ونظام الهيئة الاجتماعية ~~وآدابها، وسنحصر بحثنا في هذا الجزء في ثروة المملكة الإسلامية دون سواها. # والبحث في ثروة المملكة يقتضي النظر في مصادر تلك الثروة وأسبابها وأوجهها باعتبار الدول ~~والعصور والنظر في ثروة كل عصر مع دراسة ما إذا كانت الثروة مفرقة بين الأهالي أو محصورة في ~~فئة منهم أو في الحكومة أو في رجالها، ودراسة ما يتصل بذلك من وصف ثروة المدن والأبنية ~~وغيرها. # ومعلوم أن المملكة الإسلامية بلغت أوجها من الغنى والثروة في العصر العباسي، فلو كان ~~غرضنا مجرد وصف تلك الثروة لاكتفينا بالإشارة إلى مقدار ما كان يحمل إلى بيت المال من ~~الجبايات، وما كان عليه الخلفاء وأتباعهم من الغنى والبذخ وعددنا موارد الثروة ومصادرها، ~~ولكننا عولنا منذ أخذنا في تأليف هذا الكتاب أن نسند كل حادث إلى أسبابه بالبحث عن العلل ~~الحقيقية وتتبع الأسباب إلى أصولها وعلاقة ذلك كله بالمجموع العام، مع اعتبار الأحوال ~~واختلافها باختلاف العصور. # والمملكة الإسلامية عند التخصيص هي غير الدولة الإسلامية؛ لأن هذه العبارة عن الحكومة ~~ورجالها، وأما المملكة فهي البلاد وأهلها، فيحسن والحالة هذه أن نقسم الكلام في الثروة ~~المذكورة إلى: ثروة الدولة الإسلامية، وثروة المملكة الإسلامية، ونتكلم في كل منهما باعتبار ~~العصور المتقدم ذكرها. # وبناء على ذلك سنجعل الكلام في ثروة الدولة الإسلامية باعتبار العصور، فنبدأ بعصر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فالخلفاء الراشدين، فبني أمية، فالعباسيين، ونقسم كل عصر إلى أبواب، بعضها للبحث ~~في ثروة الحكومة أو بيت المال، والبعض الآخر للبحث في ثروة رجال الحكومة، وما ms0217 يستلزمه ذلك ~~من النظر في أسباب تلك الثروة وعلة كثرتها أو قلتها، وتاريخ الخراج والجزية وغيرهما وأبواب ~~النفقة وغير ذلك. # وبناء على ذلك نقول إن ثروة الدولة الإسلامية مرت في خمسة أدوار أو عصور وهي: ~~(1) # عصر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. ~~(2) # عصر الخلفاء الراشدين. ~~(3) # عصر بني أمية. ~~(4) # عصر العباسيين الأول أو عصر الازدهار العباسي. ~~(5) # عصر العباسيين الثاني أو عصر الاضمحلال. # أما الدول الإسلامية الأخرى في مصر والأندلس وغيرهما فالكلام في ثروتها يأتي ~~عرضا بطريق الاستشهاد أو التمثيل؛ لأن المراد بالتمدن الإسلامي إنما هو التمدن العباسي ~~الشهير. # | ثروة الدولة الإسلامية # (1) عصر النبي (من سنة 1-11ه) # إذا كان المراد بثروة الدولة ما يزيد من دخلها على خرجها أو ما تختزنه بعد نفقاتها من ~~الأموال ونحوها، فالدولة الإسلامية في عصر النبي لم يكن عندها ثروة حقيقية؛ لأنهم لم ~~يكونوا يختزنون مالا ولا كان عندهم بيت مال، بل كانوا إذا أصابوا غنيمة فرقوها فيما ~~بينهم، وكذلك الصدقات فإنها كانت تفرق في أهلها، وإذا ظل منها شيء استبقوه لحين الحاجة ~~إليه، وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # يتولى ذلك بنفسه، وأكثر الصدقات من الماشية والإبل والخيل، ~~فكان يسمها بميسم خاص بها تمتاز به عن سواها. # فكانت ثروة الدولة في عصر النبي عبارة عن بقايا الزكاة من إبل أو خيل أو ماشية، ~~وتمتاز عن أموال سائر الناس بمراع خاصة كانت تحبس فيها بالبقيع قرب المدينة يعبرون ~~عنها بالحمى # 1 # وبميسم كان النبي نفسه يسمها به # 2 # وبلغت الأموال في أيام النبي نحو 40000 بين إبل وخيل وغيرها # 3 # ومن هذه الأموال وما يلحق بها من مال الصدقة النقد كانوا ينفقون على ~~غزواتهم وعلى تحصيل الزكاة وإعالة الفقراء ونحوهم. ~~(2) عصر الخلفاء الراشدين # هذا هو عصر الإسلام الذهبي، عصر العدل والتقوى، كانت الحكومة جارية فيه على سنن العدل ~~والاستقامة والغيرة الحقيقية على الدين ونبذ الدنيا، وهو العصر الذي اتخذه المسلمون ~~منوالا ينسجون عليه، وكلما حادت دولة من دولهم عن جادة الحق طلبوا إليها الرجوع إليه ~~والسير على خطوات ms0218 الخلفاء الراشدين؛ لأن الحكومة انتقلت بعدهم إلى طور جديد وانقلبت من ~~الخلافة الدينية إلى الملك السياسي، ونشأت في الخلفاء والعمال المطامع وأخذوا في حشد ~~الأموال بأية وسيلة كانت. ~~(2-1) بيت المال # توفي النبي والمسلمون هم رجال الحكومة والجند، ولم يكن عندهم بيت مال للأسباب ~~التي قدمناها، ولم يكونوا يتطلبون المال إلا لقضاء الحاجات، وكان أكثر ما يرد عليهم ~~منه ماشية وحنطة وخيلا ونحو ذلك من أموال الصدقة والغنيمة وكانت النقود قليلة بين ~~أيديهم، فلما فتحوا الشام وفارس ومصر، وردت عليهم الأموال ذهبا وفضة فأدهشتهم ~~كثرتها وتنبهوا لها، يقال إن أبا هريرة قدم على عمر بن الخطاب من البحرين بمال وفير ~~فقال له عمر: «بم جئت؟» قال: «بخمسمائة ألف درهم» فاستكثره عمر وقال: «أتدري ما ~~تقول؟» قال: «نعم، مئة ألف خمس مرات.» فصعد عمر المنبر وقال: «أيها الناس قد جاءنا ~~مال كثير، فإن شئتم كلنا لكم كيلا وإن شئتم عددنا لكم عدا.» # 4 # وكان ذلك من جملة ما دعاه إلى وضع الديوان وفرض العطاء لكل واحد من ~~المسلمين باعتبار السابقة والقرابة من النبي، ولكنه نهى عن اختزان المال فقال له ~~قائل: «يا أمير المؤمنين، لو تركت في بيوت الأموال شيئا يكون عدة لحادث إذا حدث.» ~~فزجره عمر وقال له: «تلك كلمة ألقاها الشيطان علي فيك وقاني الله شرها، وهي فتنة ~~لمن بعدي، إني لا أعد للحادث الذي يحدث سوى طاعة الله ورسوله، وهي عدتنا التي بلغنا ~~بها ما بلغنا.» # 5 # فلما كثرت الأموال في أيام عمر ووضع الديوان فرض الرواتب للعمال والقضاة ومنع ~~ادخار المال وحرم على المسلمين اقتناء الضياع والزراعة أو المزرعة؛ # 6 # لأن أرزاقهم وأرزاق عيالهم تدفع لهم من بيت المال حتى إلى عبيدهم ~~ومواليهم، أراد بذلك أن يبقوا جندا على أهبة الرحيل لا يمنعهم انتظار الزرع ولا ~~يقعدهم الترف والقصف، فإذا أسلم أحد من أهل الذمة سكان البلاد الأصليين صار ما كان ~~في يده من الأرض وداره إلى أصحابه من أهل قريته، تفرق فيهم وهم يؤدون عنها ما ms0219 كان ~~يؤدي من خراجها ويسلمون إليه ماله ورقيقه وحيوانه ويفرضون له راتبا في الديوان مثل ~~سائر المسلمين. # 7 # والغرض الذي كان يرمي إليه عمر من هذه القاعدة أن يبقي أهل الذمة وأرضهم مصدرا ~~للمال الذي يحتاج إليه المسلمون في إتمام الجهاد ووقفا لمصالحهم مدى الدهور، أما ~~إذا اشترى المسلمون الضياع فإنهم يستقلون بنفعها دون سواهم، ولا تمضي بضعة أجيال ~~حتى تصير أملاكا خاصة بهم # 8 # وعمر يريد أن يبقيها محبوسة على آخر هذه الأمة من المسلمين المجاهدين ~~قوة على جهاد من لم يظهروا عليه بعد من المشركين، لا تباع ولا تورث لما ألزموه ~~أنفسهم من إقامة فريضة الجهاد # 9 # وأيد هذه القاعدة عمر بن عبد العزيز الأموي وكان يقلد ابن الخطاب في كل ~~خطواته فقال: # أيما ذمي أسلم فإن إسلامه يحرز له نفسه وماله، وما كان من أرض فإنها من ~~فيء الله على المسلمين، وأيما قوم صالحوا على جزية يعطونها، فمن أسلم منهم ~~كانت داره وأرضه لبقيتهم. # 10 # فترتب على ذلك ونحوه ترفع المسلمين عن سائر الأعمال من تجارة أو صناعة أو ~~نحوهما. ~~(2-2) ثروة الخلفاء وعمالهم # علمت مما تقدم أن الراشدين لم يكونوا يلتمسون ثروة، فلما توفي أبو بكر لم يجدوا ~~عنده من مال الدولة إلا دينارا واحدا سقط من غرارة؛ # 11 # لأنه كان يفرق كل ما يجتمع عنده على السواء لا ينظر إلى مصلحة نفسه، بل ~~هو أنفق كل ما كان عنده من المال قبل إسلامه، وذلك أربعون ألف درهم غير ما اكتسبه ~~من التجارة؛ لأنه كان يتجر ليستعين على النفقة، ثم فرضوا له مالا معينا من مال ~~المسلمين لينفقه على نفسه وعياله؛ لئلا يشتغل بالتجارة عن النظر في مصالحهم، فلما ~~دنا أجله أوصى أن تباع أرض كانت له ويدفع ثمنها بدلا مما أخذه من مال ~~المسلمين # 12 # وكان عنده ثوبان أوصى أن يكفن بهما. # وأخبار عمر بن الخطاب في الزهد والنزاهة أشهر من أن تذكر، ويقال بالإجمال إنه ~~مؤسس دولة المسلمين، وقد أسسها على أمتن دعائم الملك، ms0220 أسسها على العدل والتقوى ~~والزهد والاستهلاك في نصرة الحق مما يندر اجتماعه في رجل واحد وقد يوهم لغرابته أنه ~~من قبيل المبالغة، ويسهل علينا التصديق به إذا تذكرنا النتائج التي ترتبت على تلك ~~المناقب مما لم يسمع بمثله في التاريخ، يكفي منها تلك الفتوح التي جعلت الأموال ~~تنصب نحو بيت المال في المدينة كما ينصب الماء من الميازيب، وعمر مع ذلك لا يلتفت ~~إليه ولا يأخذ منه إلا ما فرضه لنفسه كسائر الصحابة الأولين، وكان إذا احتاج إلى ~~مال فوق راتبه جاء إلى بيت المال فاستقرضه حتى يفيه إياه من عطائه فيما ~~بعد # 13 # ولما طعن وأحس بدنو الأجل قال لابنه: «إني استلفت من بيت مال المسلمين ~~ثمانين ألفا فلترد من مال ولدي فإن لم يف مالهم فمال آل الخطاب.» # 14 # وزهده في الطعام واللباس مشهور. # ويقال نحو ذلك في الإمام علي، فقد كان مغاليا في الزهد والعدل، ومن أقواله: ~~«تزوجت بفاطمة وما لي فراش إلا جلد كبش، ننام عليه بالليل ونعلق عليه ناضحنا ~~بالنهار، وما لي خادم غيرها.» وجاءه في أيام خلافته مال من أصبهان فقسمه على سبعة ~~أسهم، فوجد فيه رغيفا فقسمه على سبعة أسهم ودعا أمراء الأسباع فأقرع بينهم لينظر ~~أيهم يعطى أولا، ولم يبن آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، ~~وكان يأتي بحبوبه من المدينة في جراب، وقيل إنه أخرج سيفا له إلى السوق فباعه ~~وقال: «لو كان عندي أربعة دراهم ثمن أزرار لم أبعه.» ومناقبه لا تحصى. # 15 ~~••• # وقد ساعد الخلفاء الراشدين على تأييد العدل والحق أن عمالهم كان أكثرهم من أهل ~~التقوى وحسن الاعتقاد في الإسلام، فكان عمر إذا اكتسب أحد عماله مالا من تجارة أو ~~سبيل آخر غير عطائه المفروض له قاسمه عليه وهو لا يرى في ذلك غبنا، كذلك فعل بسعد ~~بن أبي وقاص عامله على الكوفة، وعمرو بن العاص عامله على مصر، وأبي هريرة عامله على ~~البحرين # 16 # وغيرهم. # ولا غرابة في ذلك؛ لأن العامل إذا ms0221 رأى خليفته زاهدا تقيا يمنع نفسه من كل شيء، ~~ويستهلك في مصلحة الأمة فإنه يقتدي به ولو كان ذلك مخالفا لرأيه، على أن الخليفة ~~نفسه لا يولي أعماله إلا من يكون على رأيه وخلقه، وخصوصا عمر، فقد كان شديدا على ~~العمال يتفقدهم كل سنة، ويعزلهم لأقل تهمة، ذكر أنه استعمل على حمص رجلا اسمه عمير ~~بن سعد، فلما انقضت السنة كتب إليه: «أقدم إلينا» فلم يشعر عمر إلا وقد قدم إليه ~~الرجل ماشيا حافيا عكازه في يده، وأدواته ومزوده وقصعته على ظهره، فلما رآه عمر ~~قال: «يا عمير أأجبتنا أم البلاد بلاد سوء؟» فقال: «يا أمير المؤمنين أما نهاك الله ~~أن تجهر بالسوء وعن سوء الظن؟ وقد جئت إليك بالدنيا أجرها بقرابها.» فقال: «وما معك ~~من الدنيا؟» قال: «عكازة أتوكأ عليها وأدفع بها عدوا إن لقيته، ومزود أحمل به ~~طعامي.» فقال: «ما صنعت بعملك يا عمير؟» قال: «أخذت الإبل من أهل الإبل، والجزية من ~~أهل الذمة، ثم قسمتها بين الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، فوالله يا أمير ~~المؤمنين لو بقي عندي منها شيء لأتيتك به.» فقال له: «عد إلى عملك.» # 17 ~~••• # ولا بد لنا مع ذلك من أن نقف هنيهة للنظر في أمر يفتقر إلى تفسير، قلنا إن عمر لم ~~يكن يختزن مالا ونهى عن اختزانه، فلو كانت الأموال التي ترد إلى بيت المال تفرق ~~على السواء كما كانت تفرق الغنائم في أيام النبي وأبي بكر لهان عليه أن لا يختزن، ~~ولكنه فرض أعطية معينة يتناولونها كل عام. # ونعلم أيضا أن الأموال زادت كثيرا في أيامه بما انضم إليهم من الأعمال بالفتح، ~~وكلها تؤدي الخراج والجزية فضلا عما يلحق بيت المال من الغنائم، فما الذي كان ~~يفعله عمر بما يفيض من تلك الأموال بعد دفع الأعطية المذكورة؟ يظهر أنه كان يفرقه ~~في أهل الحاجة أو لعله كان يستبقي بعضه على أن يفرقه، ولا يعد ذلك اختزانا؛ لأنه ~~إنما منع الاختزان للحرب. ~~(2-3) اقتناء المسلمين للأموال # على أن رأي عمر بعدم اختزان ms0222 المال ينافي المبدأ الأساسي الذي تقام عليه الدول ~~وتتأيد به السلطات؛ لأن اختزان الأموال من ضروريات الملك، ولكن المسلمين الأولين لم ~~يكونوا يعدون الخلافة ملكا سياسيا، ولذلك لم تطل مدتهم إلا ريثما انقضى عصر ~~النبوة وزالت دهشتها، فعاد الناس إلى فطرتهم وتسابقوا إلى حشد الأموال والاستئثار ~~بالسلطة. # وقد باشروا ذلك في أيام عثمان بن عفان (سنة 33-35ه)؛ لأنه لم يكن شديدا مثل عمر ~~وكان مع ذلك أمويا، فاعتز الأمويون به وأرادوا أن يعيدوا لأنفسهم السلطة التي ~~كانت لهم في الجاهلية، وكان بنو هاشم قد سلبوهم إياها بعد الإسلام لأن النبي منهم، ~~فأخذ عثمان يولي الأعمال رجالا من أقربائه وفيهم من لم يعتنق الإسلام إلا يأسا من ~~فوزه على المسلمين، وكثرت في أيامه الفتوح وفاضت الغنائم فكان يستخص أهله منها ~~بأكثر من سائر الصحابة، كما فعل بغنائم إفريقية سنة 27ه فإن المسلمين حاربوها ~~وعليهم عبد الله بن سعد (أخو عثمان من الرضاع) فبلغت غنائمهم منها 2500000 دينار ~~أعطى خمسها إلى مروان بن الحكم وزوجه ابنته # 18 # وكان هذا الخمس من حقوق بيت المال، وأبطل عثمان محاسبة العمال؛ لأنهم ~~من أهله، فازدادوا طمعا في حشد الأموال لأنفسهم، وخصوصا معاوية بن أبي سفيان ~~عامله على الشام وهو أكثرهم دهاء وأبعدهم مطمعا، فكان في مقدمة الذين أبطلوا ~~قاعدة عمر في منع المسلمين من الزرع واتخاذ الضياع ونحوها. # وكيفية ذلك أن المسلمين لما فتحوا الشام وأقروا الأرض في أيدي أصحابها، كان جانب ~~كبير منها ملكا للبطارقة قواد جند الروم، فلما غلبت الروم وفر البطارقة أو قتلوا ~~ظلت ضياعهم سائبة لا مالك لها فأوقفها المسلمون على بيت المال، فكان العمال ~~يقبلونها كما يقبل الرجل ضيعته (أي يضمنها) ويضيفون دخلها إلى بيت المال، فلما ~~استقر معاوية على ولاية الشام واقتدى بالروم في البذخ واتخاذ الحاشية لم يعد راتبه ~~يكفيه، ورأى من عثمان ضعفا وميلا فكتب إليه أن الذي أجراه عليه من الرزق في عمله ~~لا يقوم بمؤن من يقدم عليه من وفود الأجناد ورسل أمرائهم ومن رسل ms0223 الروم ووفودهم، ~~ووصف في كتابه هذه المزارع وأن لا مالك لها وليست هي من قرى أهل الذمة ولا الخراج ~~وسأله أن يقطعه إياها، # 19 # وكان عمر قد جعل لمعاوية على عمله في الشام راتبا مقداره ألف دينار في ~~السنة # 20 # وهو كثير بالنظر إلى رواتب العمال في تلك الأيام، فلما طلب من عثمان أن ~~يقطعه تلك الضياع أجابه إلى طلبه فوضع يده عليها وجعلها حبسا على فقراء أهل بيته، ~~فجرأه ذلك على التمادي في اقتناء الأرض وبيعها في أيام خلافته والإذن للمسلمين في ~~ذلك. # واقتدى بمعاوية غيره من العمال وسائر الصحابة، فاقتنوا الضياع والعقار وفيهم ~~جماعة من كبار الصحابة المعروفين مثل طلحة والزبير وسعد وغيرهم، وزادت أموالهم وظهر ~~الغنى فيهم حتى عثمان نفسه فإنه اقتنى الضياع الكثيرة واختزن الأموال، فوجدوا عند ~~خازنه بعد موته 150000 دينار و1000000 درهم وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما ~~100000 دينار، وخلف خيلا وإبلا # 21 # والظاهر أن عثمان اندفع إلى تسهيل الثروة على المسلمين بما زاد عنده من ~~الأموال، وأغراه أهله وخصوصا معاوية، ثم صار امتلاك العقار مألوفا شائعا. # ومن أسباب شيوع الأملاك بين المسلمين أن عثمان أقطع هو وخلفاؤه بعض الأرض مما لم ~~يتعين مالكوه على أن يدفعوا شيئا لبيت المال في مقابل الإيجار أو الضمان كما تقدم، ~~فلما حصلت فتنة الأشعث سنة 82ه حرق الديوان وضاعت السجلات فأخذ كل قوم ما ~~يليهم. # 22 # على أن المسلمين لم يكونوا راضين عن أعمال معاوية في هذا الشأن؛ لأنه لم يساو ~~بينهم فيه فنقموا عليه وخصوصا الفقهاء ورجال التقوى، وفي حكاية أبي ذر الغفاري ما ~~يغني عن البيان؛ فقد كان هذا الرجل مغاليا في التمسك بقاعدة عمر، وكان يرى «أن ~~المسلم لا ينبغي له أن يكون في ملكه أكثر من قوت يومه وليلته أو شيء ينفقه في سبيل ~~الله أو يعده لكريم»، # 23 # وكان يقوم في الشام ويقول: «يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء، بشر ~~الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار ms0224 تكوى بها ~~جباههم وجنوبهم وظهورهم.» وما زال يقول ذلك ويكرره حتى ولع الفقراء بقوله وأوجبوه ~~على الأغنياء، فشكا الأغنياء إلى معاوية ما يلقون منهم، وكان معاوية يشكو أمر ~~من شكايتهم؛ لأن أبا ذر وبخه غير مرة لاختزانه المال ، ومما قاله له على أثر ~~بنائه قصر الخضراء في دمشق، وقد سأله معاوية: «كيف ترى هذا؟» فقال أبو ذر: «إن كنت ~~بنيته من مال الله فأنت من الخائنين، وإن كنت بنيته من مالك فإنك من ~~المسرفين.» # 24 # فعظم ذلك على معاوية فأراد أن يوقعه في ما يوجب محاكمته فبعث إليه بألف ~~دينار أراد أن يغريه بها ثم يتهمه باكتناز المال، فلما وصلت الدنانير إلى أبي ذر ~~فرقها حالا مع أنها وصلته ليلا، وجاءه رسول معاوية في الصباح يزعم أنه دفع المال ~~إليه خطأ وأن معاوية يطلبه فأخبره أنه أنفقه في ساعته، فلم ير معاوية سبيلا إلى ~~اتهامه بالفتنة فكتب إلى عثمان: «إنك أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر.» فكتب إليه: ~~«احمله على قتب بغير وطاء.» # 25 # فلما جاء المدينة حاكمه عثمان فلم يرهب سلطانه وجاهر بما يراه من جشع ~~بني أمية وخروجهم عن الحق، فأخرجه عثمان من المدينة إلى الربذة بالعنف وظل هناك حتى ~~مات، فنقم المسلمون بموته على عثمان في جملة ما نقموه عليه إلى مقتله. # فلما قتل عثمان سنة 35ه وقامت الفتنة في الخلافة وأرادها معاوية لنفسه، رأى بين ~~دعاتها من هم أحق بها منه نسبا وسابقة، فاحتال إليها بالمال فازدادت رغبته في ~~الاستكثار منه لبذله في إنشاء الأحزاب، ولا غرو فإن المال قوة تتحول إلى ما شئته من ~~القوى، وهو منذ القدم مرجع المشروعات العظمى، ولا يزال حتى اليوم المحور الذي تدور ~~عليه سياسة العالم المتمدن، فما من حرب أو سلم أو محالفة أو معاهدة وما من فتح أو ~~حصار إلا والمحرك عليه أو الداعي إليه «المال»، وكذلك فعل معاوية فاستخدم بالمال ~~جماعة من دهاة العرب نصروه بالدهاء والسيف، حتى أفضت الخلافة إليه بعد واقعة صفين ~~ولكنها لم تصف ms0225 له إلا بعد مقتل علي (40ه) وتنازل الحسن له عنها، والناس مع ذلك ~~يعلمون أن معاوية إنما فاز ببذل المال حتى قال زين العابدين ابن حفيد الإمام علي: ~~«إن عليا كان يقاتله معاوية بذهبه.» # 26 # وسار بنو أمية على خطوات معاوية في ذلك ، فجعلوا المال أكبر نصير لهم ~~على دعاة الخلافة من بني هاشم وعلى الخوارج وغيرهم، فجرهم ذلك إلى الاستكثار منه ~~بأي وسيلة كانت كما سيأتي. # فالثروة في عصر الراشدين كانت محرمة على المسلمين، ولكن تحريمها لم يبق طويلا؛ ~~لأن بقاءه يقتضي بقاء عمر بن الخطاب، أو من يكون في مثل مناقبه وتقواه مع بقاء ~~العرب على الفطرة البدوية مما يخالف نواميس العمران، فلذلك لم يكد يختلط العرب ~~بالروم والفرس حتى تاقت نفوسهم إلى الترف وحشد الأموال وزادهم ميلا إلى ذلك رغبة ~~بني أمية في الاستكثار منها، فانقضى عصر الراشدين ولم ير المسلمون مثله بعده، وظل ~~أبو بكر وعمر مضرب أمثال القوم قرونا متطاولة، إذا اعوج حاكم أو خليفة طلبوا إليه ~~أن يقتدي بهما، وخصوصا عمر، فقد كانوا يحاولون التشبه بعدله وحزمه وشدته في الحق، ~~حتى إن أشهر عمال بني أمية ظلما ودهاء أرادوا الاقتداء به في ذلك، فتهوروا وانقلب ~~فيهم إلى الظلم والعسف، يقال إن زياد ابن أبيه أراد أن يتشبه بعمر بن الخطاب في ضبط ~~الأمور والحزم والصرامة وإقامة السياسات إلا أنه أسرف وتجاوز الحد، ثم أراد الحجاج ~~بن يوسف أن يتشبه بزياد فأهلك ودمر. # 27 ~~(3) عصر بني أمية (من سنة 41-132ه) # تمتاز دولة بني أمية عن دولة الراشدين بأن السلطة تحولت فيها من الخلافة الدينية إلى ~~الملك السياسي، وتمتاز عن الدولة العباسية بأنها عربية بحتة شديدة التعصب للعرب كثيرة ~~الاحتقار لسواهم، ولذلك فإن أهل الذمة وغيرهم من سكان البلاد الأصليين قاسوا من خلفاء ~~بني أمية ومن عمالهم الأمور الصعاب، حتى الذين أسلموا منهم فإن العرب كانوا يعاملونهم ~~معاملة العبيد وكانوا يسمونهم «الموالي»، ويعدون أنفسهم ذوي إحسان عليهم لأنهم أنقذوهم ~~من الكفر، وإذا صلوا خلفهم في المسجد ms0226 حسبوا ذلك تواضعا لله، وكان بعض العرب إذا مرت به ~~جنازة مسلمة قال: «من هذا؟» فإذا قالوا: «قرشي» قال: «وا قوماه!» وإذا قالوا: «عربي» ~~قال: «وا بلدتاه!» وإذا قالوا: «مولى» قال: «هو مال الله يأخذ ما شاء ويدع ما شاء.» ~~وكانوا يحرمون الموالي من الكنى ولا يدعونهم إلا بالأسماء والألقاب، ولا يمشون في ~~الصف معهم # 28 # وكانوا يسمونهم العلوج، وفي كتاب الموالي للجاحظ أن الحجاج لما قبض على ~~الموالي الذين حاربوا مع ابن الأشعث أراد أن يفرقهم حتى لا يجتمعوا، فنقش على يد كل ~~واحد منهم اسم البلدة التي وجهه إليها، وقد تولى ذلك النقش رجل من بني عجل فقال ~~الشاعر: # وأنت من نقش العجلي راحته # وفر شيخك حتى عاد بالحكم # 29 # وسنعود إلى تفصيل ذلك في الكلام عن نظام الهيئة الاجتماعية في المملكة الإسلامية في ~~جزء آخر من هذا الكتاب، وإنما أشرنا إلى ذلك هنا لبيان مقدار تعصب العرب في دولة بني ~~أمية على غير العرب ولو كانوا مسلمين. # وكان من جملة نتائج تعصب بني أمية للعرب واحتقارهم سائر الأمم أنهم اعتبروا أهل ~~البلاد التي فتحوها وما يملكون رزقا حلالا لهم، يدل على ذلك قول سعيد بن العاص عامل ~~العراق: «ما السواد إلا بستان قريش، ما شئنا أخذنا منه وما شئنا تركناه.» # 30 # وقول عمرو بن العاص لصاحب «إخنا» لما سأله عن مقدار ما عليهم من الجزية ~~فقال عمرو: «إنما أنتم خزانة لنا، إن كثر علينا كثرنا عليكم وإن خف عنا خففنا ~~عنكم.» # 31 # فاتخذوا ذلك ونحوه ذريعة للاستيلاء على ما شاءوا من أموال الناس، وقد جرأهم ~~على ذلك معاوية إذ جعل بعض الأعمال طعمة لبعض عماله والبعض الآخر ضمنه بمال زهيد، فعل ~~ذلك في بادئ الرأي ترغيبا لهم في نصرته، ثم توالت عليه وعلى من خلفه من بني أمية ~~الحروب مع أحزاب بني هاشم والخوارج وغيرهم، فاضطروا إلى الاستكثار من الأموال ولا سبيل ~~إلى جمعها إلا بالخراج والجزية من أهل البلاد، فاستخدموا من العمال من يثقون باقتدارهم ~~على ms0227 جمع الأموال فضلا عن الحرب، وأشد أولئك العمال وطأة الحجاج بن يوسف عامل عبد الملك ~~على العراق، واحتاج عبد الملك إلى مقاومة جماعة من مناظريه على الخلافة، وفيهم عبد الله ~~بن الزبير في مكة، والمختار بن أبي عبيد في العراق، وغيرهما، فوكل ذلك إلى الحجاج ~~وأمثاله فاستخدموا العنف في تحصيل الأموال بحق وبغير حق. # 32 ~~(3-1) أجور العمال # وكان عمال بني أمية يجورون على أصحاب الأرض من أهل الذمة في التحصيل ونحوه، لا ~~يهمهم بقي لهم من المحصول شيء أم لا، وكان الخراج يومئذ على المساحة، فيؤخذ على ~~الأرض مال معين زرعت أم لم تزرع، وكان من شروط الخراج أن يستبقى لأصحاب الأرض ما ~~يجبرون به النوائب والحوائج، ومما يحكى أن الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان ~~يستأذنه في أخذ تلك البقية منهم فأجابه: «لا تكن على درهمك المأخوذ أحرص منك على ~~درهمك المتروك، وأبق لهم لحوما يعقدون بها شحوما.» # 33 # والظاهر أن الضغط على أهل القرى وأصحاب الأرض حمل بعضهم على الإسلام احتماء به ~~فأصبحوا من الموالي، فلم يمنع ذلك تحصيل الخراج والجزية منهم فألزمهم ~~الحجاج # 34 # الخراج مع أنهم تنازلوا عن مغارسهم لأهلهم وغادروا القرى وسكنوا ~~الأمصار فرارا من تلك الضرائب، فأمر الحجاج بردهم وطالبهم بالخراج لأن المسلمين ~~كانوا إلى ذلك الحين لا يقيمون إلا في المدن التي بنوها هم، وأهل البلاد الأصليون ~~يقيمون في القرى للزرع والحرث، فمن اعتنق منهم الإسلام رفع الخراج عن رأسه، وصار ما ~~كان في يده من الأرض وداره إلى أصحابه، يؤدون عنها ما كان يؤدي من الخراج كما تقدم، ~~وينزل هو إلى الأمصار كالكوفة والبصرة والفسطاط. # ففعل ذلك في أيام الحجاج جماعة كبيرة، ربما التمسوا به النجاة من الضغط فإذا هو ~~ملاقيهم، وكتب الحجاج إلى الأمصار: «أن من كان له أصل في قرية فليرجع إليها لتؤخذ ~~منه الجزية والخراج»، فعل ذلك في أيام ابن الأشعث فخرج الناس وهم يبكون وينادون: ~~«يا محمداه! يا محمداه!» ولا يدرون إلى أين يذهبون، فاضطروا إلى ms0228 الانضمام للأشعث ~~على الحجاج. # 35 # ولم تكن تلك المعاملة خاصة بالحجاج من عمالهم، فقد فعله مثله أيضا يزيد بن أبي ~~مسلم عامل يزيد بن عبد الملك على إفريقية # 36 # وكذلك فعل الجراح في خراسان # 37 # وغيره فيما وراء النهر # 38 # وكان أهل سمرقند قد أسلموا على أن ترفع الجزية عنهم، فظلوا يأخذونها ~~منهم فعادوا إلى دينهم. # أما النصارى وغيرهم من أهل الذمة الذين ظلوا على دينهم فيكفي في تمثيل حالهم ~~اعتبار ما تقدم من معاملة الذين أسلموا منهم، فكانوا يسومونهم العذاب في تحصيل ~~الجزية، ورأى هؤلاء أن اعتناق الإسلام لا ينجيهم من ذلك، فعمد بعضهم إلى التلبس ~~بثوب الرهبنة؛ لأن الرهبان لا جزية عليهم، فأدرك العمال غرضهم من ذلك فوضعوا الجزية ~~على الرهبان، وأول من فعل ذلك منهم عبد العزيز بن مروان عامل مصر فأمر بإحصاء ~~الرهبان، وفرض على كل راهب دينارا # 39 # وهي أول جزية أخذت من الرهبان، وأمثال هذه الحوادث كثيرة في تاريخ بني ~~أمية. ~~••• # ولم يكن ذلك كل ما اقترفوه في سبيل جمع المال، فإنهم زادوا الخراج عما كان عليه ~~في أيام الراشدين، بدأوا بذلك من أيام معاوية فأراد أن يزيد قيراطا، فكتب إلى ~~وردان مولى عمرو بن العاص أمير مصر أن: «زد على كل امرئ من القبط قيراطا»، فكتب ~~إليه: «كيف أزيد عليهم وفي عهدهم أن لا أزيد عليهم؟» # 40 # ولعل عمرا لم يطعه في ذلك لأن مصر طعمة له، فلما انتقلت إلى خلفاء بني ~~أمية بعد عمرو زادوا في الخراج ما شاءوا، وأشهر من فعل ذلك عبيد الله بن الحبحاب ~~متولي الخراج من قبل هشام بن عبد الملك (سنة 105-125ه) فإنه زاد على القبط قيراطا ~~في كل دينار فلم يصبر القبط على ذلك، وكانوا لا يزالون هم السواد الأعظم، فثاروا ~~فحاربهم المسلمون وقتلوا منهم جمعا كبيرا، وحدث نحو ذلك على يد أسامة بن زيد ~~التنوخي متولي الخراج فإنه أوقع في النصارى وأخذ أموالهم، وكثر الالتجاء إلى ~~الرهبنة في أيامه فأراد أن يمنع ذلك لأنه يضر ms0229 في الخراج والجزية، فأحصى الديور ~~والرهبان كافة ووسم أيدي الرهبان بحلقة من حديد فيها اسم الراهب واسم الدير ~~وتاريخه، فكل من وجده بغير وسم قطع يده، وألزم كل نصراني بمنشور يحمله يدل على أنه ~~أدى ما عليه، وكتب إلى العمال بأن من وجد من النصارى وليس معه منشور أن يؤخذ منه ~~عشرة دنانير، ثم كبس الديارات وقبض على عدة من الرهبان بغير وسم، فضرب أعناق بعضهم ~~وضرب باقيهم حتى ماتوا تحت الضرب. # 41 # على أن ذلك لم يكن برضى الخليفة، فلما بلغ هشام بن عبد الملك ذلك كتب إلى عامله ~~بمصر أن يجري النصارى على عوائدهم وما في أيديهم من العهود، ولم يطل العمل بهذا ~~الأمر فعاد العمال إلى ظلمهم، وفي جملتهم حنظلة بن صفوان فإنه زاد في الخراج وأحصى ~~الناس والبهائم، وجعل على كل نصراني وسما صورة أسد وتتبعهم فمن وجده بغير وسم قطع ~~يده. # 42 # وقس على ذلك أمثلة كثيرة من شدة عمال بني أمية على أهل الذمة والموالي وغيرهم من ~~العرب. ~~••• # ومن أمثلة ما اقترفه بنو أمية من زيادة الخراج والجزية أن أهل الجزيرة بالعراق ~~كانت جزيتهم دينارا، ومدين قمحا، وقسطين زيتا، وقسطين خلا في العام، فلما ~~تولى عبد الملك بن مروان استقل ذلك، فبعث إلى عامله فأحصى الجماجم وجعل الناس كلهم ~~عمالا بأيديهم، وحسب ما يكسب العامل سنته كلها ثم طرح من ذلك نفقته في طعامه وأدمه ~~وكسوته، وطرح أيام الأعياد في السنة كلها فوجد الذي يحصل بعد ذلك في السنة لكل واحد ~~أربعة دنانير، فألزمهم ذلك جميعا وجعلها طبقة واحدة. # 43 # ولم تكن ضرائبهم قاصرة على أهل الذمة والموالي، ولكنها شملت العرب المسلمين ~~أنفسهم، وذلك أن محمدا أخا الحجاج بن يوسف لما تولى اليمن أساء السيرة وظلم ~~الرعية، وأخذ أراضي الناس بغير حقها وضرب على أهل اليمن خراجا سماه «الوظيفة»، ~~فلما ولي عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله هناك بإلغاء تلك الوظيفة والاقتصار على ~~العشر. # 44 # وكان عمال بني أمية في فارس يخرصون الثمار ms0230 على أهلها؛ أي يحزرون مقدارها، ثم ~~يقومونها بسعر دون سعر الناس الذي يتبايعون به، فيأخذونها قرفا على قيمتهم التي ~~قدروها. # 45 # وكان من أساليبهم في الاستكثار من الأموال ضرب الضرائب على الأرض الخراب، وكانوا ~~يفرضون على الأهالي هدية في عيد النيروز بلغت في أيام معاوية 10000000 ~~درهم # 46 # وفرضوا مالا على من يتزوج وعلى من يكتب عرضا # 47 # وكانوا يكيلون للعامل بكيل وللأكار بكيل آخر، ويكلفون أهل الخراج أرزاق ~~العمال، وأجور المدى وحمولة الطعام، وثمن صحف وقراطيس، وأجور الكيالين ومؤونتهم، ~~وإذا أتى أحدهم بالدراهم ليؤديها في خراجه يقتطع الجابي منها طائفة ويقول: «هذا ~~رواجها وصرفها.» # 48 ~~••• # ولم يكن عمال بني أمية يأتون هذه الأعمال من عند أنفسهم دائما، بل كثيرا ما ~~كانوا يفعلونها بأمر خلفائهم كما قد رأيت مما كتبه معاوية إلى وردان، وكان ذلك شأنه ~~في تحريض عماله على جمع الأموال وهم يخترعون له الطرق للاستكثار منها # 49 # وكذلك فعل من جاء بعده وخصوصا عبد الملك؛ لأنه كان شديد الحاجة إلى ~~المال ومناه الله بالحجاج فلم يترك وسيلة في استخراج المال إلا اتخذها، أما لو أراد ~~الخلفاء إبطال هذه المظالم لهان عليهم إبطالها؛ لأن العمال في أيام عمر بن الخطاب ~~كانوا يرتكبون مثل ذلك فلا يسكت عمر عنهم. # ولما جار عمال الأهواز في أيامه شكاهم أبو المختار يزيد بن قيس بقصيدة، بين فيها ~~أرباحهم من أهل الرساتيق والقرى وسماهم في قصيدته، وحرض عمر على مقاسمتهم ما ربحوه، ~~إلى أن قال: # فقاسمهم أهلي فداؤك إنهم # سيرضون إن قاسمتهم منك بالشطر # ولا تدعوني للشهادة إنني # أغيب ولكني أرى عجب الدهر # فبعث عمر إليهم فقاسمهم شطر أموالهم حتى أخذ نعلا وترك نعلا، ولم يكتف بمقاسمة ~~العمال ولكنه قاسم بعض إخوتهم، فاعترض هؤلاء، فقال أحدهم لعمر: «إني لم أل لك ~~شيئا.» فقال له: «أخوك على بيت المال وعشور الأبلة وهو يعطيك المال تتجر به.» ~~فأخذ منه عشرة آلاف. # 50 ~~••• # وكانت مشاطرة عمر عماله حجة اتخذها معاوية بعد ذلك في مشاطرة العمال، فلم يكن ms0231 ~~يموت له عامل إلا شاطر ورثته وهو يقول: «إنها سنة سنها عمر.» ثم تدرج إلى ~~استصفاء أموال الرعية، وهو أول من فعل ذلك. # 51 # فالعمدة في حفظ النظام على الرأس، فإذا صلح صلحت الأعضاء، فقد رأيت أن خلفاء بني ~~أمية طلبوا المال لقيام دولتهم بأي وسيلة كانت، فأمدوا العمال بالسلطة وأطعموهم ~~فعمد هؤلاء إلى إحراز الأموال إلى أنفسهم أيضا، واقتدى بهم العمال الصغار كالكاتب ~~والجابي ونحوهما، فزادت شكوى أصحاب الأرض فاضطر العمال إلى إخراج أعمال الجباية من ~~العرب وتسليمها إلى الموالي، ومنهم الدهاقين أصحاب الضياع في العراق، فعل ذلك ابن ~~زياد عامل الخراج سنه 64ه فعاتبه بعضهم فأجابه: «كنت إذا استعملت العربي كسر ~~الخراج، فإذا أغرمت عشيرته أو طالبته أوغرت صدورهم، وإن تركته تركت مال الله وأنا ~~أعرف مكانه، فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية وأوفى بالأمانة وأوهن بالمطالبة منكم، مع ~~أني جعلتكم أمناء عليهم لئلا يظلموا أحدا.» # 52 ~~••• # وفي كلام القاضي أبي يوسف في عرض وصيته للرشيد بشأن عمال الخراج ما يبين الطرق ~~التي كان أولئك الصغار يجمعون الأموال بها، قال: «بلغني أنه قد يكون في حاشية ~~العامل أو الوالي جماعة، منهم من له حرمة ومنهم من له إليه وسيلة ليسوا بأبرار ولا ~~صالحين، يستعين بهم ويوجههم في أعماله يقتضي بذلك الذمامات فليس يحفظون ما يوكلون ~~بحفظه ولا ينصفون من يعاملونه، إنما مذهبهم أخذ شيء من الخراج كان أو من أموال ~~الرعية، ثم إنهم يأخذون ذلك كله - فيما بلغني - بالعسف والظلم والتعدي، ويقيمون أهل ~~الخراج في الشمس ويضربونهم الضرب الشديد، ويعلقون عليهم الجرار ويقيدونهم بما ~~يمنعهم من الصلاة، وهذا عظيم عند الله شنيع في الإسلام.» # 53 # وكان شأن بني أمية وعمالهم وجباتهم على نحو ما تقدم حين تولى الخلافة عمر بن عبد ~~العزيز سنة 99ه وكان تقيا منصفا، فأراد أن يرد الأمور إلى ما كانت عليه في أيام ~~سميه وجده لأمه عمر بن الخطاب، فأصدر أوامره إلى العمال بإبطال تلك المظالم ~~وعينها بأسمائها مفصلة # 54 # وأبطل لعن علي على المنابر وكان ms0232 أهله قد اقتنوا الضياع وأخذوا كثيرا ~~منها من أهل الذمة بغير حق، ففتح بابه للناس وأعلن: «أن من كانت له ظلامة فليأت.» ~~فأتاه المظلومون وفيهم النصارى واليهود والموالي وغيرهم، ومنهم من يشتكي اختلاس ~~ماله، وآخر اغتصاب ضيعته، وكان ينصفهم بالحق والعدل ولو كان الحكم على ابنه أو ~~أخوته أو أبناء عمه، قال ابن الأثير: «وقال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم: إن ~~أهلي أقطعوني ما لم يكن لي أن آخذه ولا هم أن يعطونيه، وإني قد هممت برده على ~~أربابه، قال: فكيف تصنع بولدك؟ فجرت دموعه وقال: أكلهم إلى الله # 55 # وأخذ أموال أعمامه وأولادهم وسماها «مظالم»، # 56 # فلما رأى أهله ذلك خافوا على سلطانهم، وهو إنما قام بالمال فإذا خرجت ~~الضياع والأموال من أيديهم ذهب ضياعا، فمشوا إلى عمته فاطمة بنت مروان وشكوه إليها ~~فأتته فقال لها: «إن الله بعث محمدا # صلى الله عليه وسلم # رحمة ولم يبعثه عذابا إلى الناس ~~كافة.» # 57 # ولما رأى الموالي عدله وتقواه اغتنموا الفرصة وشكوا إليه ما يقاسونه من الذل ~~والضغط، وكان الجراح بن عبد الله الحكمي عامل خراسان قد أرسل إلى عمر بن عبد العزيز ~~في الشام وفدا: رجلين من العرب ورجلا من الموالي، فتكلم العربيان والمولى ساكت ~~فقال له عمر: «ما أنت من الوفد؟» قال: «بلى» قال: «فما يمنعك من الكلام؟» فقال: «يا ~~أمير المؤمنين، عشرون ألفا من الموالي يغزون بلا عطاء ولا رزق، ومثلهم قد أسلموا ~~من أهل الذمة يؤخذون بالخراج، وأميرنا عصبي جاف يقوم على منبرنا فيقول: أتيتكم ~~حفيا، وأنا اليوم عصبي، والله لرجل من قومي أحب إلي من مائة من غيرهم، وهو بعد ~~سيف من سيوف الحجاج قد عمل بالظلم والعدوان.» # 58 # فقال عمر: «أحر بمثلك أن يوفد» وكتب إلى الجراح: «انظر من صلى ~~قبلك فضع عنه الجزية.» فرغب الناس في الإسلام وتسارعوا إليه فقيل للجراح: «إن ~~الناس قد سارعوا إلى الإسلام نفورا من الجزية فامتحنهم بالختان.» فكتب الجراح إلى ~~عمر بذلك فأجابه: «إن الله بعث محمدا داعيا ms0233 ولم يبعثه خاتنا.» # 59 # وفعل عمر نحو ذلك مع عامله على مصر حيان بن شريح، وكان حيان قد كتب إليه: «أما ~~بعد فإن الإسلام قد أضر بالجزية حتى سلفت من الحارث بن ثابتة عشرين ألف دينار أتممت ~~بها عطاء أهل الديوان، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بقضائها فعل.» فكتب إليه: ~~«أما بعد فقد بلغني كتابك، وقد وليتك جند مصر وأنا عارف ضعفك، وقد أمرت رسولي بضربك ~~على رأسك عشرين سوطا، فضع الجزية عمن أسلم، قبح الله رأيك، فإن الله بعث ~~محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا، ولعمري لعمر أشقى من أن يدخل الناس كلهم في ~~الإسلام على يديه.» # 60 ~~••• # وقس على ذلك عماله الآخرين، فإنه عزل من لم يوافقه منهم فأصبحت الدولة ورجالها ~~كلها ضده؛ لأنه حاول إصلاح الأمور بالعنف دفعة واحدة والطفرة محال، وما في بني أمية ~~وعمالهم إلا من كره ذلك منه، فلم يصبروا على خلافته، وانتهت خلافته في ظروف غامضة ~~سنة 101ه/720م ويعده المؤرخون من الخلفاء الراشدين، وإذا قالوا «العمرين» أرادوه ~~وعمر بن الخطاب. # 61 # فترى مما تقدم أن القواعد الأساسية التي قام عليها الإسلام تدعو إلى الإنصاف ~~والرفق، ولكن تطبيق هذه القواعد اختلف باختلاف الذين يتولون شؤونها، ولو أتيح لعمر ~~بن عبد العزيز أن يعيدها إلى ما كانت عليه في عهد ابن الخطاب لامحت مظالم بني ~~أمية، ولكنه جاء في غير أوانه فذهب سعيه هدرا، ولما مات عادت الأمور إلى مجاريها ~~ورافقها رد الفعل فصارت إلى أشد مما كانت عليه قبله، وبالغ العمال في الاستبداد ~~والعسف وشددوا في استخراج الخراج وزادوه، حتى اضطر بعض أصحاب الأرض إلى الإلجاء؛ أي ~~أن يلجئوا أراضيهم إلى بعض أقارب الخليفة أو العامل تعززا به من جباة الخراج كما ~~سيأتي. # أما الخلفاء فإنهم زادوا انغماسا في الترف، وأولهم يزيد بن عبد الملك فإنه انقطع ~~إلى اللهو والخمر، واشتغل عن مصالح الدولة بجاريتيه: سلامة، وحبابة وحديثهما ~~مشهور، # 62 # وخلفه أخوه هشام وكان بخيلا، وفي أيامه زيدت الضرائب في مصر على يد ~~الحبحاب ms0234 كما تقدم، وجاء بعده الوليد بن يزيد بن عبد الملك وكان مثل أبيه في اللهو ~~والخمر فقتله أهله وولوا يزيد بن الوليد بن عبد الملك سنة 126ه، وكان عازما على ~~إصلاح الأمور اقتداء بعمر بن عبد العزيز، كما يؤخذ من خطاب ألقاه عند ~~مبايعته، # 63 # فأصابه من الفشل نحو ما أصاب عمر؛ لأن الأحوال كانت غير ملائمة، وفي ~~أيام خلفه مروان بن محمد تغلب بنو العباس وصارت الخلافة إليهم. # وكان بنو أمية قد انغمسوا في الترف واللهو ~~والخمر، وأصبحوا لا ينظرون إلى ما يؤيد سلطانهم ولا يبالون في انتقاء عمالهم، وربما ~~ولوا العامل عملا بإشارة جارية أو مكافأة على هدية كما فعل هشام بن عبد الملك ~~بالجنيد بن عبد الرحمن، وكان الجنيد قد أهدى امرأة هشام قلادة من جوهر فأعجبت ~~هشاما فأهدى هشاما قلادة أخرى فولاه هشام على خراسان سنة 111ه # 64 # وبلغ ثمن الجارية في أيام بني أمية 1000000 درهم وهي الذلفاء # 65 # وأصبح العمال لا هم لهم إلا حشد الأموال والاستكثار من الصنائع ~~والموالي، ولم يعد أهل العدل يرضون بولاية الأعمال مخافة أن يقصروا بالمال الذي ~~يطلبه الخلفاء، كما حدث ليزيد بن المهلب لما ولاه سليمان بن عبد الملك العراق، فقال ~~يزيد في نفسه: «إن العراق قد أخربها الحجاج وأنا اليوم رجاء أهل العراق، ومتى ~~قدمتها وأخذت الناس بالخراج وعذبتهم عليه صرت كالحجاج، أدخل على الناس الحرب وأعيد ~~عليهم تلك السجون التي قد عافاهم الله منها، ومتى لم آت سليمان بمثل ما جاء به ~~الحجاج لم يقبل مني.» # 66 # وقس على ذلك رأي غيره ممن يؤثرون الرفق، فلم يرغب في الولايات إلا أهل ~~المطامع، وجعل الخلفاء من الجهة الأخرى يطمعونهم بالرواتب الفادحة، فبلغ رزق يزيد ~~بن عمر بن هبيرة أمير العراق في أواخر أيام بني أمية 600000 درهم # 67 # وكان العمال يبذلون جهدهم في اختزان الأموال لأنفسهم لعلمهم أن الولاية ~~غير ثابتة لهم، فكثرت أموالهم واتسعت ثروتهم فبلغت غلة خالد القسري أمير العراق في ~~أيام هشام 13000000 درهم ms0235 # 68 # أي نحو مليون دينار، فأصبح الخلفاء لا يعزلون عاملا من عمله إلا ~~حاسبوه على ما عنده من المال، وكانوا في أيام معاوية يشاطرون العمال اقتداء بعمر بن ~~الخطاب، ثم صاروا يحاكمونهم ويستخرجون كل ما تصل إليه معرفتهم من أموالهم، كما ~~فعلوا بخالد القسري إذ وشى به كاتبه حيان النبطي أنه فرق 36000000 درهم، فبعث هشام ~~إليه من أخرج معظم هذا المال منه ومن عماله # 69 # ويسمون هذا العمل «استخراجا» وكانوا يستخدمون الشدة فيه فوقع بين ~~العمال والخلفاء تنافر زاد الخطر على دولة بني أمية. # أما ارتفاع الدولة الإسلامية في أيام بني أمية، أي مقدار ما كان يجتمع لهم من ~~الخراج والجزية وغيرهما، فقد ضاع تفصيله في جملة ما ضاع من أخبارهم في الفتن، على ~~أن المملكة الإسلامية بلغت في أيامهم اتساعا عظيما يعدل اتساعها في أيام ~~العباسيين، ولكن عمدتهم كانت على العراق والجزيرة والشام ومصر، وأما الأطراف فقد ~~كان خراجها يذهب بين العمال والكتاب والجباة، على أن كثيرا منها لم يكن يدفع شيئا ~~يستحق الذكر؛ لأن قدم الأمويين لم تكن راسخة فيها. ~~••• # واختلفت جباية العراق والشام ومصر باختلاف السنين والعمال، وقد فصلنا ذلك في ~~الجزء الأول من هذا الكتاب، وخلاصته أن متوسط جباية العراق في أيامهم نحو 130000000 ~~درهم وجباية مصر 4000000 دينار (أو 48000000 درهم) وجباية الشام 1720000 دينار (أو ~~20000000 درهم) فيكون ارتفاع هذه البلاد نحو 198000000 درهم يضاف إليه أموال البلاد ~~الأخرى مما لا نعرف مقداره. # وخلاصة ما تقدم أن الأموال كانت تستخرج في أيام بني أمية بكثرة، ولكنها لا تسمى ~~ثروة؛ لأنها كانت تصرف في الحروب لتأييد شوكتهم، فقد حاربوا عليا، والحسين بن ~~علي، والمختار بن أبي عبيد، وعبد الله بن الزبير، وحاربوا الخوارج وغيرهم، ناهيك ~~بما كان يقوم من الفتن بين القبائل العربية اليمنية والمضرية وبين العرب والموالي، ~~فضلا عما كان ينفقه الخلفاء والأمراء في البذخ واللهو والقصف. ~~(4) الدولة العباسية # للدولة العباسية عصران، يختلف أحدهما عن الآخر اختلافا عظيما: العصر الأول وهو ما ~~يعبرون ms0236 عنه بالعصر الزاهر، يمتد من أول نشأة هذه الدولة سنة 132ه إلى آخر أيام المأمون ~~سنة 218ه، وفيه بلغت الدولة العباسية قمة مجدها وأنشأت التمدن الذي نحن في صدده، وفيه ~~أدركت ثروة الدولة الإسلامية أعظم ما بلغت إليه في عصر من العصور، وعليها مدار الكلام ~~في هذا الكتاب. # والعصر الثاني - ويعبرون عنه بعصر التقهقر أو الاضمحلال - يبتدئ بخلافة المعتصم سنة ~~218ه وينقضي بانقضاء الدولة العباسية من بغداد، وفيه تقهقر التمدن الإسلامي وقلت الثروة ~~وضعفت الدولة حتى انحلت عراها وانقضت أيامها. ~~(4-1) العصر العباسي الأول (من سنة 132 إلى 218ه) # سبب قيام هذه الدولة # رأيت فيما تقدم أن العصر الأموي يمتاز عن عصر الراشدين بانقلاب الحكومة فيه ~~من الخلافة الدينية إلى السياسية الدنيوية، وأن خلفاءها وعمالها إنما كان همهم ~~جمع المال، وأنه يمتاز عن العصر العباسي بتعصب أهله للعرب واحتقارهم سائر ~~الأمم، وخصوصا الشعوب التي كانت تحت سلطانهم في البلاد التي دانت لهم؛ في مصر، ~~والشام، والعراق، وفارس، وخراسان، وغيرها، وفيهم: القبط، والنبط، والروم، ~~والسريان، والكلدان، والفرس، والترك، والسودان، وغيرهم - حتى الذين أسلموا منهم ~~- فأصبحت تلك الأمم تئن من معاملتهم، وزادها نفورا ما كانوا يتخذونه من العنف ~~في تحصيل الخراج، وأصبحوا يودون الخروج من حوزتهم وينصرون كل من دعا إلى ~~خلعهم # 70 # وخصوصا الموالي، فإنهم باعتناقهم الإسلام خسروا أراضيهم ومنازلهم، ~~وأصبحوا مطالبين بالذهاب إلى الحرب لحماية الدولة، فكان بنو أمية يخرجونهم إلى ~~القتال مشاة بلا رزق ولا فيء، وكان خصوم هذه الدولة يغتنمون الفرص ويستنصرون ~~الموالي عليها ويجعلون لهم الأرزاق وأول من فعل ذلك المختار بن أبي عبيد سنة ~~66ه؛ إذ جاء للانتقام من قتلة الحسين بالكوفة، فعظم ذلك على العرب وقالوا: «إن ~~المختار قد آذى بموالينا فحملهم على الدواب وأعطاهم فيئنا.» فقال لهم المختار ~~يومئذ: «إذا أنا تركت مواليكم وجعلت فيئكم لكم تقاتلون معي بني أمية وابن ~~الزبير، وتعطونني على الوفاء عهد الله وميثاقه وما أطمئن إليه من الإيمان؟» ~~فتفاوضوا فيما بينهم فقال أحدهم: «إن أطعتموني لم تخرجوا» فقالوا له: ms0237 «لم؟» ~~فقال: «لأني أخاف أن تتفرقوا وتختلفوا، ومع الرجل شجعانكم وفرسانكم مثل فلان ~~وفلان ثم معه عبيدكم ومواليكم وكلمة هؤلاء واحدة، ومواليكم أشد حنقا عليكم من ~~عدوكم، فهم مقاتلوكم بشجاعة العرب وعداوة العجم.» # 71 # وكان ذلك شأن الموالي مع كل من قام يدعو إلى خلع بني أمية، ولذلك كثر الخوارج ~~في أيامهم وقام في نفوس العرب أن الخلافة لا يشترط فيها القرشية # 72 # على أن هذا الاعتقاد لم يتمكن من نفوس المسلمين إلا بعد أجيال، أما ~~يومئذ فكان الدعاة أكثرهم من أهل بيت النبي، وفيهم العلويون من نسل الإمام علي ~~ابن عم النبي، والعباسيون من نسل العباس عمه، وكان الخراسانيون من أكثر الناس ~~نقمة على بني أمية للأسباب التي قدمناها، فأخذوا بيد العباسيين وقائدهم أبو ~~مسلم الخراساني، ولما نهضوا نهض معهم أعداء بني أمية من العرب وغير العرب في كل ~~أنحاء المملكة الإسلامية، فضلا عن أهل البلاد غير المسلمين، فدارت الدائرة على ~~بني أمية وانتصر العباسيون، فجعلوا عاصمتهم في العراق بالقرب من ~~أنصارهم. # وعرف العباسيون علة سقوط بني أمية، فتجنبوا الوقوع في مثلها، فاتخذوا الجند ~~والأعوان من الفرس، واستبقوا الجند العربي أيضا من ربيعة ومضر رغبة في ~~المحافظة على العصبية العربية لأنها عماد الإسلام. # ولم يكونوا يستطيعون التوفيق بين العنصرين؛ لأنهم انساقوا بطبيعة الأمور إلى ~~الاختلاط بالفرس والتزيي بألبستهم من القلانس ونحوها، جعلوا ذلك فرضا واجبا ~~عليهم، وأول من أخذ الناس بلبسها المنصور سنة 153 # 73 # فأمرهم بلبس القلانس الطوال المفرطة الطول، فقال أبو دلامة: # وكنا نرجي من إمام زيادة # فزاد الإمام المصطفى في القلانس # نراها على هام الرجال كأنها # دنان يهود جللت بالبرانس # على أن غضب العرب لم يغير شيئا من مجاري الأمور، فاتخذ الخلفاء أمهات أولاد ~~من الفرس، أولدوهن أولادا تولوا الخلافة، وفيهم ميل فطري إلى العنصر الفارسي، ~~وازداد هذا العنصر تغلبا في بلاد الخلفاء بما اتخذوه من الوزراء ورجال الشورى ~~منهم: كالبرامكة وغيرهم، وكان الفرس يبذلون جهدهم في خدمة الدولة العباسية بنصح ~~وصدق نية؛ لأن في قيامها ms0238 صلاح بلادهم. # العرب والبيعة # على أن الخلفاء لم يكن لهم غنى عن جزيرة العرب، وفيها الحرمان: الكعبة، وقبر ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # وفي احترامهما احترام الدين الإسلامي، وعليه تقوم دعائم ~~الخلافة، وزد على ذلك أنهم كانوا يخافون أهل الحرمين من التشيع لآل علي، وهم في ~~حاجة إلى بيعة فقهاء المدينة لما لهذه البيعة من الأهمية في تأييد الخلافة ~~وتوكيد البيعة، وكان أهل الورع من الخلفاء لا يقطعون أمرا دونهم # 74 # فشق ذلك على الفرس وخافوا أن يرجع النفوذ إلى العرب، فينتقموا منهم ~~وتذهب مساعيهم أدراج الرياح، فسعوا في إغفال بلاد العرب، ولا سبيل إلى إغفالها ~~والكعبة فيها، وهي حج المسلمين والحج من أركان الإسلام، فحبب بعضهم إلى المنصور ~~أن يستبدل الكعبة بما يقوم مقامها في العراق وتكون حجا للناس، فبنى بناء سماه ~~القبة الخضراء تصغيرا للكعبة # 75 # وقطع الميرة في البحر عن المدينة # 76 # فاتخذ العرب ذلك حجة على العباسيين، وأظهروا البيعة لمحمد بن عبد ~~الله من آل علي، وخلعوا بيعة المنصور، وقد أفتى لهم بذلك مالك بن أنس الإمام ~~الشهير، # 77 # وكان بنو أمية في الأندلس قد قطعوا دعوة بني العباس بعد أن دعوا ~~لهم مدة قصيرة # 78 # عند دخول عبد الرحمن بن معاوية كما ذكرنا في الجزء الأول من هذا ~~الكتاب واستقل عبد الرحمن بالأندلس لبعدها عن دار الخلافة، ثم استولى محمد بن ~~عبد الله على المدينة فخافه المنصور، وبذل قصارى همه في قتله، ولم يستطع ذلك ~~إلا بعد العناء الشديد. ~~••• # فكان ما قاساه المنصور من عواقب إهماله الحرمين عبرة لخلفائه، فلما تولى ابنه ~~المهدي أكرم أهل الحرمين، وكسا الكعبة كسوة جديدة، وفرق هناك مالا عظيما جاء ~~به معه من العراق مقداره 30000000 درهم، وجاءه وهو في المدينة 300000 دينار من ~~مصر، و200000 دينار من اليمن ففرقها كلها وفرق 150000 ثوب، ووسع المسجد واتخذ ~~حرسا من الأنصار عددهم 500 رجل حملهم معه إلى بغداد وأقطعهم الأرض # 79 # وأمر بحفر نهر الصلة بواسط وأحيا ما عليه من الأرض، ms0239 وجعل غلته ~~لصلات أهل الحرمين والنفقات هناك # 80 # وأصبح إكرام الحرمين على هذه الصورة سنة في بني العباس في أثناء ~~حجهم، أو عند طلب البيعة لأولادهم، فإن الرشيد حج سنة 186ه ومعه ابناه الأمين ~~والمأمون، فلما وصل المدينة أعطى فيها ثلاث أعطيات عنه وعن ولديه، وفعل نحو ذلك ~~في أهل مكة وبلغ ما فرقه 1050000 دينار وكتب هناك كتابا بولاية العهد للأمين ~~وآخر للمأمون ووضع الكتابين في الكعبة # 81 # وأصبحت النفقة على الحرمين من جملة نفقات الدولة الضرورية، وعاد ~~شأن العرب إلى الظهور، والخلفاء يرون ذلك ضروريا؛ لتثبيت أقدامهم في ~~الملك. ~~••• # على أنهم كانوا من الجهة الأخرى لا يستغنون عن الفرس، وهم وزراؤهم ومشيروهم، ~~فزادت المنافسة بين العنصرين حتى كان ما كان بين الأمين والمأمون، واستنصر ~~المأمون جند خراسان وهم أخواله؛ # 82 # لأن أمه فارسية وقام العرب ينصرون أخاه الأمين، وأمه عربية ~~هاشمية # 83 # وجنده ينصرون العرب فغلب جند المأمون فقبض على أزمة الملك فعاد ~~النفوذ إلى الفرس، فشق ذلك على العرب ونقموا عليه وأرادوا البيعة لسواه وإخراج ~~الأمر من يده # 84 # فازداد كرها لهم ورذلهم، فعوتب في ذلك مرة وهو في الشام فقال له ~~رجل: «يا أمير المؤمنين، انظر لعرب الشام كما نظرت لعرب خراسان.» فقال له: ~~«أكثرت علي، والله ما أنزلت قيسا من ظهور خيلها إلا وأنا أرى أنه لم يبق في ~~بيت مالي درهم واحد، وأما اليمن فوالله ما أحببتها ولا أحبتني قط، وأما قضاعة ~~فساداتها تنتظر السفياني حتى تكون من أشياعه، وأما ربيعة فساخطة على ربها مذ ~~بعث نبيه من مضر.» # 85 # ولما تولى المعتصم سنة 218ه واصطنع الأتراك والفراغنة ازداد العرب هوانا في ~~عيون أهل الدولة وتقاصرت أيديهم عن أعمالها حتى في مصر، فإن آخر عربي تولاها ~~عنبسة بن إسحق الضبي سنة 238ه # 86 # وأراد المعتصم أن يستغني عن بلاد العرب جميعا، وكان قد بنى سامرا ~~بقرب بغداد وأقام فيها جنده فأنشأ فيها كعبة وجعل حولها طوافا واتخذ منى ~~وعرفات، غرر به أمراء كانوا معه ms0240 لما طلبوا الحج خشية أن يفارقوه # 87 # فأصبح لفظ «عربي» مرادفا لأحقر الأوصاف عندهم، ومن أقوالهم: ~~«العربي بمنزلة الكلب، اطرح له كسرة واضرب رأسه.» # 88 # وقولهم: «لا يفلح أحد من العرب إلا أن يكون معه نبي ينصره الله ~~به.» # 89 # وأصبح الأمراء والوزراء وسائر رجال الدولة من الفرس والترك والديلم ~~وغيرهم، وصار الخلفاء يؤيدون مناصبهم بالأجناد وبذل المال، وقلت العناية بالعرب ~~وأحزابهم. ~~••• # وكان العرب من الجهة الأخرى يجاهرون بكره الفرس وغيرهم من الأعاجم، ويطعنون ~~فيمن يميل إليهم ولو كان من الخلفاء، ولذلك فلما مات المعتصم وتولى بعده الواثق ~~كان دعبل الخزاعي الشاعر المشهور في الصميرة، فلما جاءه نعي المعتصم وقيام ~~الواثق أنشد هذين البيتين: # الحمد لله لا صبر ولا جلد # ولا عزاء إذا أهل البلا رقدوا # خليفة مات لم يحزن له أحد # وآخر قام لم يفرح به أحد # وخلاصة ما تقدم أن الجامعة الإسلامية كانت في عصر الراشدين عربية وكان غرضهم ~~الأول نشر الإسلام في الأرض، يدفعهم إلى ذلك اعتقادهم المتين بصدق الرسالة وأن ~~الله يدعوهم إلى ذلك، فلما تولاها بنو أمية استعاضوا عن ذلك الاعتقاد بطلب ~~المال، وتحول الغرض إلى السلطة الزمنية السياسية وظلت الجامعة العربية متينة، ~~وفي عصر العباسيين استبدلوا العصبية العربية بالأعاجم، واحتاجوا في اصطناعهم أو ~~استخدامهم إلى المال وانخرطوا هم في سلكهم بواسطة الأمهات، ثم أصبح الأعاجم من ~~الفرس والترك والديلم والصفد والفراغنة وغيرهم يتسابقون إلى الاستئثار بالنفوذ ~~بواسطة المال كما سترى. # | هوامش # | ثروة الدولة العباسية في العصر العباسي الأول # وصلنا إلى موضوع هذا الكتاب بعد هذا العرض لأحوال الدولة الإسلامية حتى العصر العباسي؛ ~~لأن الثروة الإسلامية لم تنضج إلا في هذا العصر وعليه سيكون مدار كلامنا، وتقاس ثروة الدولة ~~المالية بما يبقى في بيت مالها من دخلها بعد النفقات لا بمقدار الدخل على الإطلاق؛ إذ قد ~~يكون الدخل كثيرا والنفقة أكثر منه وتقع الدولة تحت العجز، فإذا اعتبرنا ذلك كانت ثروة ~~الدولة العباسية في العصر الأول طائلة، وإن كنا لم نقف على ميزانيتها في عهد ms0241 الخلفاء الخمسة ~~الأولين فلم نعلم مقدار جبايتها في العام مما يعبرون عنه «بارتفاع الدولة» لضياع حساباتها ~~في الفتنة بين الأمين والمأمون، إذ احترقت الدواوين # 1 # وضاعت الدفاتر كما احترق ديوان بني أمية عام الجماجم # 2 # ولكننا نعلم مقدار الثروة في أيامهم مما كانوا يختزنونه من المال في أثناء ~~حكمهم. ~~(1) الثروة في أوائل الدولة # فالخليفة الأول أبو العباس السفاح لم يحكم إلا أربع سنوات (من سنة 132-136ه/749-753م) ~~قضاها في الحروب ولم يجمع مالا، ولما مات لم يجدوا في بيته إلا تسع جبات وأربعة أقمصة ~~وخمسة سراويلات وأربعة طيالسة وثلاثة مطارف خز # 3 # وأما المنصور فإنه حكم 22 سنة (136-158ه/753-774م) وكان رجلا حازما كثير ~~الاحتياط شديد الحرص على المال واختزانه، لا عن بخل ~~ولكنه كان يخاف الفتن، فلما مات خلف في بيت ماله 600000000 درهم و14000000 ~~دينار # 4 # وبتحويل هذه الدنانير إلى دراهم باعتبار الدينار 15 درهما - وهي قيمته في ~~ذلك العصر تقريبا - كان مجموع ما خلفه المنصور 810000000 درهم (والدرهم نحو خمسة ~~وأربعين مليما )، فلما دنا أجله أوصى ابنه المهدي قائلا: «قد جمعت لك في هذه المدينة ~~من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين كان عندك كفاية لأرزاق الجند والنفقات وعطاء ~~الذرية ومصلحة الثغور، فاحتفظ بها فإنك لا تزال عزيزا ما دام بيت مالك ~~عامرا.» # 5 # ويدل ذلك على دهاء المنصور واحتياطه للزمان، على أن سيرته كلها تدل على ~~الحزم والعظمة والدهاء، وهو في الحقيقة مؤيد دولة بني العباس، حارب في سبيل سلامتها ~~حروبا كثيرة أنفق فيها أموالا طائلة منها 63000000 درهم أنفقها في حرب الخوارج ~~بإفريقية سنة 154ه، فاعتبر ما أنفقه في الحروب الأخرى وهي كثيرة، فضلا عما كان يبذله ~~لأهله فإنه بذل لجماعة منهم في يوم واحد 10000000 درهم # 6 # وأنفق على بناء بغداد وحدها 4833000 درهم # 7 # ناهيك بما كان ينفقه على إصلاح الري وبناء الجسور، فإذا اعتبرت ذلك كله هان ~~عليك تقدير ما وصل إلى بيت المال في أيام المنصور بمليار درهم (1000000000) على الأقل، ~~فإذا ms0242 قسمت ذلك على سني حكمه (22) لحق السنة 45000000 درهم سوى الأموال التي كان ~~يأخذها من العمال إذا عزلهم واستخرج أموالهم؛ لأنه كان إذا عزل عاملا أخذ ماله وتركه ~~في بيت مال مستقل سماه «بيت مال المظالم» وكتب على كل مال اسم صاحبه، ولما أحس بدنو ~~الأجل أوصى ابنه المهدي في ذلك قائلا: «قد هيأت لك شيئا ترضي به الخلق ولا تغرم من ~~مالك شيئا، فإذا أنا مت فادع هؤلاء الذين أخذت منهم هذه الأموال التي سميتها المظالم ~~فاردد عليهم كل ما أخذ منهم، فإنك ستحمد بذلك إليهم وإلى العامة.» # 8 # ففعل المهدي ذلك لما تولى، وقد يتبادر إلى الذهن أن المنصور استكثر المال ~~بما أخذه من أموال بني أمية بعد قهرهم وهي كثيرة، ولكن تلك الأموال ظلت منفردة في خزانة ~~خاصة يسمونها «مال أهل بيت اللعنة». # 9 # وثروة المنصور قد تعد قليلة بالنظر إلى ثروة الرشيد، فقد خلف في بيت المال عند وفاته ~~(سنة 193ه) 900000000 درهم ونيفا # 10 # ومدة حكمه نحو مدة حكم المنصور غير ما أنفقه الرشيد وما بذله وأسرف فيه ~~وكرمه مشهور، وقد يخطر في البال أن هذا المال تجمع من أيام المنصور فالمهدي فالهادي ~~فالرشيد ولم يجتمع كله في أيام الرشيد، ولكن الواقع أن المهدي أنفق كل ما خلفه المنصور ~~وكل ما جباه في أثناء خلافته (من سنة 158-169)؛ # 11 # لأنه كان كثير السخاء، ولم يحكم الهادي إلا سنة وبعض السنة، ويروى من فرط ~~سخائه أنه أعطى عبد الله بن مالك أربعمائة بغل موقرة دراهم وغيرها، فلا يعقل أن يجتمع ~~عنده مال يستحق الذكر، فما خلفه الرشيد في بيت المال إنما جمع في أيامه، وإذا قدرناه ~~باعتبار مدة حكمه لم يزد كثيرا عما تركه المنصور لما بينهما من البون الشاسع في ~~السخاء؛ فقد كان الرشيد كريما حتى إنه لم يكن يعرف للمال قيمة # 12 # وكان المنصور متهما بالبخل # 13 # ناهيك بما كان من أمر البرامكة في أيام الرشيد وما امتلكوه من الضياع ~~وبذلوه من الأموال مما ms0243 هو معلوم. # ولما مات الرشيد سنة 193 تنازع ولداه الأمين والمأمون على الخلافة وتحاربا، وكان ~~الأمين في بغداد وقد أتته أمه زبيدة بخزائن أبيه # 14 # والمأمون في خراسان ودامت الحرب بينهما بضع سنوات أنفق الأمين في أثنائها ~~كل ما كان في بيت المال مع ما أنفقه في خاصته؛ لأنه انقطع في أثناء خلافته إلى اللهو ~~والخمر وبذل الأموال في طلب الملهين وضمهم إليه، وأجرى عليهم الأرزاق واحتجب عن إخوته ~~وأهل بيته وقسم الأموال والجواهر في خواصه من الخصيان والنساء. # 15 # فلما قتل الأمين سنة 198 استوثق الأمر في المشرق والمغرب للمأمون، وزاد نفوذ ~~الخراسانيين في أيامه؛ لأنهم هم الذين أعادوا الملك إليه، واستتبت السكينة في المملكة ~~العباسية واشتغل المأمون في نقل العلوم إلى العربية، وسنأتي على تفصيل ذلك في جزء آخر ~~من هذا الكتاب خاص بالعلم والأدب. ~~••• # أما الثروة في أيام المأمون فإنها اتسعت لاستكانة الناس إلى العمل واجتماع القلوب، ~~ومدة حكمه 22 سنة نحو مدة أبيه الرشيد وأبي جده المنصور، ولكننا لم نقف على مقدار ما ~~خلفه في بيت المال عند وفاته، ولعل خبر ذلك ضاع في جملة ما ضاع من هذا القبيل لقلة ~~عناية مؤرخي تلك الأيام بهذه الأبحاث. # على أن ادخار المال أصبح بعد الخلفاء الراشدين من الأمور المألوفة عند ملوك المسلمين ~~في كل الممالك والعصور، قيل إن عبد الرحمن الناصر خليفة الأندلس الشهير (تولى سنة ~~300-350) جمع في بيت ماله إلى سنة 340ه نحو 20000000 دينار # 16 # وكانت جباية الأندلس في أيامه 5480000 دينار ومن السوق والمستخلص 765000 ~~دينار فالجملة 6245000 ما عدا أخماس الغنائم فإنها كانت كثيرة # 17 # وكان الناصر ينفق على جنده ثلث هذا المال فقط وينفق ثلثها على شئون الدولة ~~ويدخر الباقي # 18 # وقد بالغ ابن خلدون في مقدار ما خلفه الناصر في بيت المال فجعله 5000000000 ~~دينار، ولم يذكر ذلك جزافا ولا خامر كلامه شك بل هو حولها إلى الوزن فكانت على تقديره ~~500000 قنطار # 19 # وهو قول بعيد لا ندري كيف ms0244 تطرق إلى قلم هذا الفيلسوف، ويدل على بعده عن ~~المعقول أن ابن حوقل وهو من معاصري تلك الدولة قدر ما اجتمع في بيت مال الحكم ~~المستنصر بن الناصر بعد موت أبيه من خدمه والمصادرين وغيرهم فلم يزد على 40000000 دينار ~~وعد ذلك كثيرا لم يجتمع لدولة من الدول في ذلك العصر # 20 # وكانت بغداد يومئذ في عصر الاضمحلال وخلفاؤها وقوادها ووزراؤها يتقاتلون ~~على المال ويصادر بعضهم بعضا. # أما في أيام المأمون فالمال الذي كان يجتمع من صوافي الجباية في بيت المال كل عام لم ~~يجتمع في دولة من دول المسلمين ولا غيرهم، وقد وقفنا على مقدار تلك الجباية في مقدمة ~~ابن خلدون نقلا عن «جراب الدولة» # 21 # وهي أقدم جريدة أو قائمة وصلت إلينا من حسابات الدولة الإسلامية، تليها ~~جريدة أخرى نقلها قدامة بن جعفر وأخرى رواها ابن خرداذبه، وكلها لا تتجاوز أواسط القرن ~~الثالث للهجرة، وسنذكر كلا منها ونقابل بينها ليتبين لنا مقدار تلك الثروة. # ولكننا نرى قبل التقدم إلى ذكر الجباية أن نأتي على فذلكة في جغرافية المملكة ~~الإسلامية في أيام المأمون لتتضح نسبة أعمال تلك المملكة بعضها إلى بعض، وإلى عاصمة ~~المملكة العباسية. ~~(2) جغرافية مملكة الإسلام في عصر المأمون ~~(2-1) حدودها # يحدها من الشرق أرض الهند بما يلي حوض نهر السند شرقا وبعض الصين وبحر فارس، ومن ~~الغرب مملكة الروم، ويعبر عن تلك الحدود الآن بالبحر الأسود وآسيا الصغرى وبحر ~~الروم والروس والبلغار، ومن الشمال بلاد السرير والخزر واللان في آسيا وجبال ~~البيرينيه في أوربا. # وفي خريطة هذه الأيام بلاد سيبيريا وبحر قزوين وبحر الروم، ومن الجنوب بحر فارس ~~وما يلي مصر من بلاد النوبة وقد بينا مساحتها وعدد سكانها في الجزء الأول من هذا ~~الكتاب. # وتقسم هذه المملكة إلى عدة أعمال تختلف مساحتها ونسبتها بعضها إلى بعض باختلاف ~~الدول والأزمنة، وسنبين ما كانت عليه حوالي عصر المأمون نقلا عن جغرافيي العرب في ~~تلك الأيام وخصوصا الإصطخري وابن حوقل وابن الفقيه، فهي تقسم إلى سبعة وعشرين ~~إقليما، ms0245 منها سبعة في المغرب وعشرون في المشرق؛ وهي: # أقاليم المغرب # أقاليم المشرق # ديار العرب # العراق # أرمينية # قومس # بحر فارس # خوزستان (الأهواز) # أذربيجان # مفازة خراسان # ديار المغرب # فارس # بلاد الران # سجستان # مصر # كرمان # الجبال # ما وراء النهر # الشام # مكران # الديلم # خوارزم # بحر الروم # طوران # طبرستان # الجزيرة # السند # جرجان # وإليك وصف كل من هذه الأقاليم بما يمكن من الإيجاز: ~~(2-2) ديار العرب # وهي جزيرة العرب يحيط بها بحر فارس من عبادان - وهو مصب ماء دجلة في البحر - ~~فيمتد على البحرين حتى ينتهي إلى عمان، ثم ينعطف على سواحل مهرة وحضرموت وعدن حتى ~~ينتهي إلى سواحل اليمن إلى جدة، ثم يمتد إلى مدين حتى ينتهي إلى أيلة (وهي إيلات ~~الحالية على خليج العقبة)، فهم يريدون ببحر فارس كل ما يحيط ببلاد العرب من المياه، ~~ولكنهم يعبرون عن الجزء الممتد من باب المندب إلى أيلة ببحر القلزم وهو البحر ~~الأحمر، ويحدها من الغرب الشمالي برا بلاد الشام وفلسطين بخط منحن يمتد من أيلة ~~إلى البحيرة المنتنة (أي البحر الميت) فالشراة فالبلقاء فأذرعات وسلمية فالخناصرة ~~إلى الفرات إلى الرقة وقرقيسيا والرحبة فالكوفة إلى البطائح فواسط إلى ~~عبادان. # وتقسم ديار العرب إلى الحجاز وفيه مكة والطائف والمدينة اليمامة ومخاليفها، ونجد ~~الحجاز المتصل بأرض البحرين، وبادية العراق، وبادية الجزيرة ، وبادية الشام، واليمن ~~المشتملة على تهامة، ونجد اليمن وعمان ومهرة وحضرموت وبلاد صنعاء وعدن وسائر مخاليف ~~اليمن. ~~(2-3) بحر فارس # ويراد به عندهم كل البحور المحيطة ببلاد العرب من مصب ماء دجلة في العراق إلى ~~أيلة # 22 # فيدخل فيه ما نعبر عنه اليوم بخليج فارس وبحر العرب وخليج عدن والبحر ~~الأحمر وخليج العقبة ولا يهمنا وصفه في هذا المقام. ~~(2-4) ديار المغرب # يراد بها في اصطلاحهم كل سواحل أفريقيا ~~الشمالية وراء حدود مصر غربا، ويدخل في ذلك: ~~(1) # برقة. ~~(2) # إفريقية وهي تونس. ~~(3) # تاهرت في الجزائر. ~~(4) # طنجة والسوس وزويلة في مراكش. # أما برقة فهي مدينة وسط، واقعة في مستو من الأرض خصبة تطيف بها البادية يسكنها ~~طوائف من البربر، وبينها ms0246 وبين إفريقية مدينة طرابلس الغرب، وهي من عمل إفريقية ~~مبنية من الصخر ويليها المهدية ثم تونس، وهي كبيرة خصبة ثم القيروان وهي عاصمة ~~إفريقية وأكبر مدينة فيها واقعة في البر، وكذلك تاهرت فإن عاصمتها تاهرت، ومن مدنها ~~أيضا سجلماسة وهي بعيدة في الصحراء. # ويجعلون الأندلس جزءا من بلاد المغرب لأنها كانت تابعة لها عند فتحها، والأندلس ~~(إسبانيا) مملكة كبيرة عاصمتها قرطبة وحدودها معروفة، ومن أشهر مدنها جيان وطليطلة ~~وسرقسطة ولاردة ووادي الحجارة وترجالة وقورية وماردة وباجة وغافق ولبلة وقرمونة ~~وإستجة ورية، وعلى سواحلها شنترين ومالقة وجبل طارق وغير ذلك. ~~(2-5) مصر # وحدود مصر في تلك الأيام مثل حدودها اليوم تقريبا ويلحقون بها البجة والنوبة إلى ~~حدود البحر الأحمر فالعقبة. ~~(2-6) الشام # ويراد بها سوريا على العموم وتقسم إلى سبعة أقسام: ~~(1) # جند فلسطين. ~~(2) # جند الأردن. ~~(3) # جند حمص. ~~(4) # جند دمشق. ~~(5) # جند قنسرين. ~~(6) # العواصم. ~~(7) # الثغور. # فجند فلسطين أول أجناد الشام غربا، يحده من جهة مصر رفح، ومن الشمال اللجون وفيه ~~يافا وأريحا وبيت لحم وغزة والشراة والبحيرة المنتنة وغوربيسان ونابلس، وكانت قصبة ~~فلسطين الرملة ويليها في الكبر بيت المقدس. # وجند الأردن قصبته مدينة طبرية. # وأما جند دمشق فقصبته مدينة دمشق، وهي أعظم مدن الشام على الإطلاق وهي ~~معروفة. # وأما جند حمص فقصبته مدينة حمص وهي مشهورة، ويتبعها الطرطوس وسلمية بطرق البادية ~~وشيزر وحماة وكانتا صغيرتين. # وجند قنسرين قصبته حلب وهي مشهورة إلى اليوم، وكان لها شأن كبير لوقوعها في طريق ~~العراق إلى الثغور والعواصم، ومن مدنها مدينة قنسرين وهي صغيرة ومعرة ~~النعمان. # وأما العواصم فيراد بها أعالي الشام وراء حلب إلى إسكندرونة وقصبتها أنطاكية، وهي ~~تلي دمشق في النزاهة، وكانت عاصمة الشام على عهد الروم، وكان عليها سور ضخم للغاية ~~قيل إن دوره للراكب يومين، ومن مدن العواصم بالش على ضفة الفرات ومنبج في ~~البرية. # أما الثغور فهي ما وراء العواصم إلى حدود جبل طورس في آسيا الصغرى، ومن مدنها ~~الشهيرة سميساط على الفرات وملطية وهي أكبر الثغور، وحصن منصور ومنها الحدث ومرعش ms0247 ~~وزبطرة والهارونية والمصيصة وأذنة وطرسوس، وقد يدخلون الثغور في العواصم ويطلقون ~~عليها جميعا اسم العواصم، والمراد بالثغور عندهم (أي عند المسلمين) المدن الواقعة ~~على الحدود بينهم وبين الروم، ولذلك كان عندهم ثغور شامية أي الحدود مما يلي الشام، ~~وحدود جزرية أي الحدود مما يلي الجزيرة. ~~(2-7) بحر الروم # ويراد به وصف ما فيه من الجزائر مما لا دخل له في غرضنا الآن. ~~(2-8) الجزيرة # بين دجلة والفرات بلاد واسعة تعرف بما بين النهرين، يسمى القسم الشمالي منها: ~~الجزيرة، والجنوبي: العراق، والفاصل بينهما تكريت على دجلة، والأنبار أو هيت على ~~الفرات، ويلحق الجزيرة بعض البلاد وراء الضفتين في بعض المواضع، يحدها من الشمال ~~ميافارقين وما يليها غربا إلى الفرات قرب ملطية، ومن الجنوب هيت على نهر الفرات ~~وتكريت على دجلة، ويحدها من الغرب الجنوبي بادية الجزيرة ومن الشرق الجبال ~~وأذربيجان. # والجزيرة بلاد خصبة جدا مثل بلاد العراق، ومن أشهر مدنها الموصل على دجلة من ~~جهة الغرب وسنجار في وسط البرية بديار ربيعة، ليس في الجزيرة بلد فيها نخل مثلها، ~~ونصيبين وكانت أنزه بلد في الجزيرة، ودارا وهي صغيرة، ورأس عين مدينة مستوية الأرض ~~في دار مضر، وآمد في أعالي دجلة، وجزيرة ابن عمر على دجلة أيضا، ومن مدنها على ~~الفرات الرقة وقرقيسيا والحديثة وهيت، وفي أواسطها أيضا حران وهي مدينة الصابئين، ~~والرها وهي قديمة مشهورة بالمدارس والعلوم أيام السريان، وسروج مدينة خصبة كثيرة ~~الأعناب. # وفي الجزيرة مفاوز يسكنها قبائل من ربيعة ومضر، تقيم ربيعة في الشمال الشرقي ~~ومضر في الجنوب الغربي، وقد كانوا هناك قبل الإسلام. # وهم أهل خيل وغنم وإبل على أنهم متصلون بالقرى والمدن فهم بادية حاضرة، وتكريت ~~آخر حدود الجزيرة على دجلة وكان أكثر أهلها نصارى. ~~(2-9) العراق # هو القسم الجنوبي من بين النهرين وما يجاوره، طوله من تكريت على دجلة من الشمال ~~إلى عبادان على بحر فارس في الجنوب، وعرضه من قادسية الكوفة في الغرب إلى حلوان في ~~الشرق، ومحيطه إذا بدأنا من تكريت نسير شرقا إلى ms0248 شهرزور ثم جنوبا شرقيا إلى ~~حلوان فالسيران والصيمرة فحدود السوس إلى عبادان، ثم ينعطف إلى البصرة ومنها صعدا ~~نحو الشمال والغرب في البادية على سواد البصرة وبطائحها إلى الكوفة، ثم على الفرات ~~إلى الأنبار ومن الأنبار شمالا إلى تكريت، ويسمى ما بين دجلة والفرات السواد، هذه ~~حدود العراق في إبان التمدن الإسلامي، وهي تختلف عن حدوده الآن وخصوصا لأن مجاري ~~الأنهر تغيرت، وسنعود إلى تفصيل ذلك في مكان آخر. # وأشهر مدن العراق بغداد وهي قصبته، وعاصمة المملكة الإسلامية في إبان مجدها، ~~بناها المنصور، والبصرة وهي مدينة عربية، بناها المسلمون في أيام عمر بن الخطاب، ~~وللبصرة بطائح سيأتي تاريخها في موضع آخر. # وواسط مدينة عربية أيضا بناها الحجاج في وسط السواد، والكوفة غربي الفرات وهي من ~~بناء العرب، ومن مدن العراق النهروان شرقي دجلة على نهر اسمه النهروان جف الآن، ~~وحلوان في آخر حدود العراق شرقا، وكانت مدينة كبيرة بقرب الجبل، والحيرة قرب ~~الكوفة والأبلة قرب البصرة. ~~(2-10) خوزستان # هي شرقي العراق بينها وبين فارس يحدها من الشمال كور الجبال، ومن الشرق فارس ~~وأصبهان، ومن الغرب العراق، ومن الجنوب خليج فارس، عاصمتها مدينة الأهواز، وإليها ~~تنسب خوزستان فيقال لها الأهواز، وتقسم إلى كور أولها كورة الأهواز، ثم جندي سابور ~~والسوس وتستر ورامهرمز وسرق وعسكر مكرم، وقصبة كل كورة المدينة المسماة ~~باسمها. ~~(2-11) بلاد فارس # وهي واقعة بين خوزستان في الغرب وكرمان في الشرق، ويحدها شمالا أصفهان وبادية ~~خراسان، ومن الجنوب والغرب بحر فارس، وتقسم بلاد فارس إلى خمس كور أكبرها كورة ~~إصطخر، قصبتها إصطخر، ثم كورة أردشير خرة وقصبتها جور، وفيها أيضا مدينة شيراز ~~وهي عاصمة بلاد فارس بها دواوينها ودار الإمارة، ثم كورة دارابجرد وكورة أرجان ~~قصبتها مدينة أرجان، ثم كورة سابور وهي أصغر كور فارس وفيها مدينة كازرون، ومن بلاد ~~فارس بقاع يقيم فيها قبائل من الأكراد يزيدون على مئة حي يتعيشون بالمرعى والحرث في ~~بقاع يقال لها رموم، ويقدرون تلك القبائل في بلاد فارس وحدها بنحو 500000 بيت ms0249 ~~ينتجعون المراعي في المشتى والمصيف على مذاهب العرب، وقد يكون في البيت الواحد من ~~الأرباب والأجراء والرعاة نحو عشرة رجال، فإذا اعتبرنا معدل الرجال في كل بيت خمسة ~~كان عدد الرجال الأكراد 2500000 رجل، وباعتبار ما يلحقهم من النساء والأولاد يزيد ~~عددهم على عشرة ملايين. ~~(2-12) كرمان # هي أكبر من فارس واقعة بين فارس في الغرب ومكران وسجستان في الشرق، ويحدها من ~~الشمال مفازة خراسان ومن الجنوب بحر فارس، وأشهر مدنها الشيرجان وبم وجيرفت ~~وهرموز. ~~(2-13) مكران # هي شرقي كرمان وإلى شرقيها طوران وبعض بلاد ~~السند، وفي الشمال سجستان وبلاد الهند وفي الجنوب بحر فارس، وهي أكبر من كرمان ومن ~~مدنها التيز وكيز ودرك وراسك. ~~(2-14) طوران # هي أصغر من فارس واقعة بين مكران في الغرب وبلاد السند في الشرق والشمال وبحر ~~فارس في الجنوب، وأشهر بلادها محالي وكيزكانان وقصدار. ~~(2-15) السند # والسند آخر حدود مملكة الإسلام في الشرق وأشهر مدنها المنصورة وهي بلسان الهنود ~~برهماناباذ ومنها الديبل على شاطئ البحر والملتان وغيرها، أما المنصورة فإنها واقعة ~~على خليج من نهر مهران يحيط بها في شبه الجزيرة وأهلها مسلمون، ويطلق الإصطخرى على ~~مكران وطوران والسند اسم السند. ~~(2-16) أرمينية # هي في أعالي مملكة الإسلام فوق الجزيرة تحدها من الشرق أذربيجان والران، ومن ~~الغرب بلاد الروم (في آسيا الصغرى)، ومن الشمال جبال القبق (القوقاس)، ومن الجنوب ~~الجزيرة قصبتها ديبل وفيها دار الإمارة والنصارى بها كثيرون، ومن مدنها خلاط وأرزن ~~وقاليقلا وميافارقين، ويعدها بعضهم من الجزيرة، وهكذا فعلنا. ~~(2-17) أذربيجان # في شرقي الجزيرة يحدها من الغرب الجزيرة ~~وأرمينية ومن الشرق بحر الخزر وبلاد الديلم ومن الشمال بلاد الران ومن الجنوب كور ~~الجبال، عاصمتها مدينة أردبيل، وفيها العسكر ودار الإمارة، طولها ميلان في ميلين، ~~ويلي أردبيل في الكبر المراغة وكانت قبلا دار الإمارة، وتليها أرمية على شاطئ ~~بحيرة الشراة، ومن مدنها سلماس ومرندوشيز. ~~(2-18) بلاد الران # هي شمال أذربيجان، يحدها من الشرق بحر الخزر ومن الغرب أرمينية، ومن الشمال جبل ~~قبق ومن الجنوب ms0250 أذربيجان، أكبر مدنها مدينة برذعة ثم تفليس والباب، ومنها بيلقان ~~والشاوران وغيرها. ~~(2-19) الجبال # يراد بالجبال جبال فارس وهي تقسم إلى كور أشهرها ماه الكوفة وهي الدينور، وماه ~~البصرة وتسمى نهاوند، ويحد الجبال من الشرق مفازة خراسان وفارس، ومن الغرب العراق ~~والجزيرة، ومن الشمال أذربيجان والديلم والري وقزوين، ومن الجنوب خوزستان والعراق، ~~وهي تشتمل على مدن مشهورة أعظمها همذان والدينور وماسبذان وأصبهان وقم وقاشان ~~ونهاوند واللور والكرج وقزوين وشهرزور وحلوان، مساحة همذان فرسخ في فرسخ وكان لها ~~سور أبوابه من حديد، والدينور (ماه الكوفة) نحو ثلثيها، وأصبهان مدينتان بينهما ~~ميلان، ونهاوند (ماه البصرة) واقعة على جبل بناؤها من طين، وحلوان مدينة في سفح ~~الجبل المطل على العراق، وشهرزور قريبة من العراق، وقزوين في أعالي فارس وهي ثغر ~~بلاد الديلم، وقم مدينة عليها سور وهي خصبة، وقاشان مدينة صغيرة. ~~(2-20) الديلم # هي جبال مطلة على بحر الخزر (بحر قزوين) يحدها من الجنوب قزوين وبعض أذربيجان، ~~ومن الشمال بحر الخزر ومن الشرق قومس ومن الغرب أذربيجان، وأهل الديلم صنفان: سكان ~~الجبال وسكان السهول، ومن توابعها الري وأبهر وزنجان والطالقان وقزوين ~~والرويان. ~~(2-21) طبرستان # وهي تلي الديلم شرقا واقعة على بحر الخزر أيضا يحدها من الشرق جرجان ومن الغرب ~~الديلم، أكبر مدنها آمل وهي مركز الولاية وسارية وهي بلاد كثيرة المياه ودماوند (أو ~~دنباوند). ~~(2-22) جرجان # هي شرقي طبرستان وشماليها، يحدها من الشمال تركستان ومن الجنوب قومس ومن الشرق ~~خراسان ومن الغرب بحر الخزر، أكبر مدنها مدينة جرجان وهي أكبر من آمل، ثم أستراباد ~~في الجنوب ودهستان على شواطئ البحر. ~~(2-23) قومس # هي جنوبي جرجان وطبرستان وهما يحدانها من الشمال، وأما من الجنوب والشرق فحدودها ~~مفازة خراسان، ومن الغرب تحدها بلاد الري قصبتها مدينة الدامغان. ~~(2-24) مفازة خراسان # هي بادية واقعة في أواسط بلاد المشرق يحدها من الشمال قومس ومن الجنوب بلاد فارس ~~وسجستان، ومن الشرق سجستان وخراسان، ومن الغرب الجبال والري، وهي أقل من بادية ~~العرب سكانا، وبعض هذه المفازة تابع لخراسان ms0251 والبعض الآخر تابع لعملي فارس وكرمان، ~~وهي وعرة ويصعب سلوكها بالخيل لقلة الماء فيها. ~~(2-25) سجستان # هي واقعة في شمالي مكران يحدها من الشرق مفازة بينها وبين السند، ومن الجنوب ~~مكران، ومن الشمال أرض الهند، ومن الغرب مفازة خراسان، أكبر مدنها زرنج وبست والطاق ~~وغيرها. ~~(2-26) خراسان # هي من أخصب بلاد المشرق وأوسعها يحدها من الشرق الشمالي ما وراء النهر، ومن الشرق ~~الجنوبي بلاد السند وسجستان، ومن الشمال خوارزم وبلاد الغز في تركستان، ومن الجنوب ~~مفازة خراسان وفارس، ومن الغرب قومس، وتقسم خراسان إلى كور أعظمها نيسابور ومرو ~~وهرات وبلخ يليها كور قوهستان وطوس ونسا وأبيورد وسرخس واسفزار وبوشنج وياذغيس ~~وكنج - رستاق ومروروذ وجوزجان وطخارستان وزم وآمل. # عاصمة خراسان مدينة نيسابور وهي أعظم مدنها جميعا وتسمى أيضا أبو شهر، واقعة في ~~أرض سهلة أبنيتها من طين، سعتها فرسخ في فرسخ، ومدينة مرو وتعرف بمرو الشاهجان وهي ~~قديمة البناء، ومدن خراسان كثيرة وبلادها آهلة وتربتها خصبة وقد كان للمسلمين منها ~~ارتفاع عظيم. ~~(2-27) ما وراء النهر # هي آخر بلاد الإسلام شمالا شرقيا، يحدها من الشمال بلاد تركستان وبلاد الهند، ~~ومن الغرب الجنوبي خراسان يفصل بينهما نهر جيحون، ومن الشمال الغربي خوارزم، ومن ~~الجنوب طخارستان، وهو من أخصب أقاليم الإسلام وأنزهها وأكثرها خيرا، وأشهر نواحيها ~~بخارى وسمرقند وكش ونخشاب وبيكند والساغانيان وفرغانة والسغد والشاش وأشروسنة ~~وخوجند. ~~(2-28) خوارزم # ويعدها الإصطخري تابعة لما وراء النهر فإنها مستطيلة الشكل تمتد على ضفاف نهر ~~جيحون في الشمال، يحدها من الشمال بحر خوارزم، ومن الجنوب خراسان وبلاد الصفد وتحدق ~~بهذا الإقليم المفاوز من الشرق والغرب، قصبته مدينة خوارزم. # هذه خلاصة جغرافية المملكة الإسلامية حوالي عصر المأمون ونسبة أقاليمها بعضها إلى ~~بعض تمهيدا لما سنذكره من جباية المملكة العباسية، وهي تشمل كل هذه الأقاليم إلا ~~الأندلس، ولم يكن كل إقليم منها قائما بذاته يؤدي خراجه باسمه، فإن بعض هذه ~~الأقاليم كان داخلا في عمل البعض الآخر، وقد اختلف ذلك باختلاف الأعصر، فربما ورد ~~في قائمة الجباية ذكر ms0252 خراج إقليم، ويكون المراد خراج إقليمين أو أكثر مما دخل تحت ~~سيطرة عامله؛ إذ كثيرا ما كان الخلفاء يولون العامل عدة أقاليم يسمونها باسم واحد ~~منها لأسباب لا يمكن حصرها. # وقبل الشروع في إيراد خراج الأعمال العباسية واستخراج ارتفاع الدولة، لا بد لنا ~~من بيان علاقة تلك الأقاليم أو الأعمال ببغداد عاصمة المملكة بالنظر إلى توريد ~~الخراج. ~~(3) علاقة الأعمال العباسية بالعاصمة # قلنا في كلامنا عن ولاية الأعمال في الجزء الأول إنها كانت في بادئ الرأي أشبه ~~بالاحتلال العسكري منها بالتملك، وكان العمال في عهد الراشدين هم قواد الجند الذين ~~فتحوا تلك الأقاليم، وواجباتهم مراقبة سير الأحكام في البلاد التي افتتحوها وإقامة ~~الصلاة واقتضاء الخراج، وظلت أعمال الحكومة في داخل البلاد المفتوحة جارية على ما كانت ~~عليه قبل الفتح، وكان الذين يباشرون جباية الخراج ويتولون أعمال الحكومة في البلاد ~~موظفين من أهلها الأصليين، فإذا اجتمع الخراج والجزية أنفقوا من مجموعهما ما تحتاج إليه ~~ناحيتهم من نفقات، ودفعوا الباقي إلى الحاكم المسلم، وهذا يدفع منه رواتب الذين معه من ~~القواد والجند وما يقتضيه إصلاح الري من إقامة الجسور والسدود ويرسل الباقي إلى بيت ~~المال في عاصمة الخلافة. # ذلك كان شأن الأعمال الإسلامية في زمن الراشدين، ولما أفضى الأمر إلى بني أمية واضطر ~~معاوية إلى اكتساب الأنصار زاد في نفوذ العمال وجعل بعض الأعمال طعمة لهم، فازدادوا ~~استقلالا في أعمالهم، ثم دعت الأحوال إلى تمكين المسلمين من البلاد المفتوحة واستلام ~~أزمة الأحكام بأيديهم وتحويل الدواوين إلى لسانهم في أيام عبد الملك ومن جاء بعده - ~~إلا جباة الخراج فإنهم ظلوا من أهل البلاد الأصليين: القبط في مصر، والدهاقين في العراق ~~وفارس - وظل العمال يقبضون صوافي الخراج والجزية وينفقون النفقات اللازمة ويرسلون ~~الباقي إلى بيت المال في دمشق، وهو ما يعبرون عنه بارتفاع الجباية، وإذا لم تكف ~~الجباية للقيام بالنفقات طالبوا الخليفة بالباقي. # 23 # ولما تولى بنو العباس ظلت الأعمال على نحو هذا الشكل، ويهمنا في هذا المقام تتبع تلك ~~العلاقة من حيث الجباية فقط، ms0253 والظاهر أن العمال زادوا استقلالا من هذا القبيل عما ~~كانوا عليه في أيام بني أمية، حتى آل الأمر أخيرا إلى تضمين الخراج؛ أي تقبيله، وهو أن ~~يوظف على العامل مال معين يدفعه في السنة إلى بيت المال في بغداد، وهو يتولى قبض ~~الخراج والجزية وسائر الضرائب وينفق ما ينفقه كما يشاء لا يطالبه الخليفة إلا بالمال ~~المضروب، ويكون ذلك في إمارة الاستيلاء، كذلك فعل الرشيد مع إبراهيم بن الأغلب عامله ~~على إفريقية، وكان هذا الإقليم عالة على الحكومة يحمل إليه من مصر كل سنة 100000 دينار ~~معونة له، فلما تولاه ابن الأغلب تنازل عن هذا المال وبذل أن يحمل كل سنة 40000 ~~دينار # 24 # وفعل الرشيد نحو ذلك ببرقة فإنه جعلها قانونا قائما، فوجه بمولى له فوزع ~~خراج الأرض بأربعة وعشرين ألف دينار # 25 # وكذلك فعل المأمون مع عبد الله بن طاهر، فإنه وظف عليه خراج خراسان وما ~~يتبعه سنة 211ه و212ه قدرا معينا سيأتي ذكره، وقس عليه ما قبله الفضل بن مروان من ~~فارس والأهواز وما تقبله عمران بن موسى من السند # 26 # ثم صار التوظيف المذكور ضمانا وتكاثر حتى آل إلى استقلال الأمراء ~~بولاياتهم. # وجملة القول أن المال الذي كانوا يعبرون عنه بخراج البلد الفلاني إنما يراد به ما يرد ~~على بيت المال من خراج ذلك البلد بعد أداء أعطيات الجند المقيم فيه ونفقات الجباية ~~وإصلاح الري وسائر الكلف # 27 # أو بطريق التوظيف كما تقدم، فما يجتمع من جبايات الأعمال يعبرون عنه ~~بارتفاع الدولة أو جباية الدولة؛ أي مجموع صافي الدخل، لا ينفق منه إلا على موظفي ~~الدواوين ورجال الدولة في بغداد غير ما يأخذه الخليفة وأهله مما سيأتي تفصيله، وقد صرح ~~ابن خلدون في مقدمة كلامه عن مقدار تلك الجباية في أيام المأمون بقوله: «ما يحمل إلى ~~بيت المال ببغداد في أيام المأمون من جميع النواحي نقلته عن جراب الدولة.» # 28 # فبالقياس على ما تقدم يعتبر كل ما يرد من الكلام عن ارتفاع الدولة أنه صافي ~~أموال ms0254 الجباية. ~~(4) جباية الدولة العباسية في العصر الأول # فلنتقدم بعد هذا التمهيد إلى تفصيل جباية الدولة العباسية في أيام المأمون باعتبار ما ~~يرد من كل عمل في السنة، والتوفق إلى ذلك نادر في تاريخ الإسلام؛ لأن القوم قلما ~~يدونون غير حوادث الحرب والفتح والثورات وما إلى ذلك. # أما قوائم ابن خلدون وقدامة وابن خرداذبة فقد عثرنا عليها عرضا، وهي: ~~(1) # قائمة ابن خلدون ~~: هي أقدمها كلها، وقد ~~أوردها ابن خلدون في مقدمته في عرض كلامه عن «أن آثار الدولة كلها على نسبة ~~قوتها في أصلها»، وقال إنه نقلها عن جراب الدولة، وفيها مقدار الخراج الذي ~~كان يرد على بيت المال في بغداد في أيام المأمون، وقبل تحقيق ذلك الزمن ~~نوجه التفات القارئ لما تطرق إلى هذه القائمة من الخطأ بتوالي الأعوام، وقد ~~تصفحنا النسخ المطبوعة من مقدمة ابن خلدون في مصر والشام، فرأينا خطأ في ~~أسماء بعض البلاد الواردة في تلك القائمة، نظنه وقع من النساخ لتشابه في ~~أشكال بعض الألفاظ، فلا بد من التنبيه إلى ذلك وإصلاحه قبل إيراد القائمة ~~المذكورة؛ لأن الخطأ اللفظي المشار إليه يجر إلى الخطأ المعنوي لوقوعه في ~~أسماء البلاد أو الأقاليم التي حمل الخراج منها، وهاك إصلاحها: ~~(1) # كنكر: # 29 # هي لفظة لا معنى لها في هذا المقام، وصوابها ~~«كسكر»، وهو إقليم من أقاليم السواد. ~~(2) # طبرستان والروبان ونهاوند: # 30 # فالروبان بالباء صوابها «الرويان» بالياء، وهي من ~~إقليم الديلم وقد ذكرناها في محلها، ونهاوند قصبة كورة ماه ~~البصرة من كور الجبال كما تقدم، ونظرا لبعدها من طبرستان ~~والرويان، فالغالب أن يكون المراد بها بلدا آخر قريبا من ~~هناك، نظنها «دماوند»، وهي من كور طبرستان. ~~(3) # ما بين الكوفة والبصرة: # 31 # لم نر في سائر القوائم ولا في غيرها من التقاويم ~~كورة بهذا الاسم، وقد لاحظ ذلك البارون فون كريمر المؤرخ ~~الألماني، ولكنه حسبها كورة من كور السواد واقعة وراء الفرات ~~بين الكوفة والبصرة، دخلت في القوائم الأخرى باسم ~~آخر، # 32 # والصحيح على ما نرى أن النساخ أخطأوا في قراءتهم ms0255 ~~«مابين»، وصوابها «ماها» أو «ماهين»: مثنى «ماه»، فيكون المراد ~~«ماها البصرة والكوفة» وهما كورتان من كور الجبال، قصبة الأولى ~~نهاوند، وقصبة الثانية الدينور - كما تقدم - ويؤيد ذلك سقوط ~~هاتين الكورتين من قائمة ابن خلدون بالكلية. ~~(4) # ماسبذان والدينار: # 33 # ماسبذان من كور الجبال، تقدم ذكرها، وأما ~~«الدينار» فلا مسمى لها في بلاد الإسلام، وقد يتبادر إلى الذهن ~~أنها تحريف «الدينور» قصبة ماه الكوفة لو لم نكن قد وقفنا على ~~اسم الماهين معا في هذه القائمة، فهي على الغالب مبدلة من ~~«الريان» وهي كورة بقرب كسكر في العراق. # وهناك غلط نسخي في تعيين مقدار الخراج في بعض الأقاليم صوابه ظاهر، مثل ~~قوله عن خراج كور دجلة أنه عشرون ألف ألف درهم وثمانية دراهم، والعادة أن ~~لا يدونوا في الديوان آحاد الدراهم # 34 # فالغالب أن يكون صوابها (وثمانمائة ألف درهم)، وكذلك قوله عن ~~جباية الأهواز إنها خمسة وعشرون ألف درهم، والصواب 25 ألف ألف درهم؛ لأنها ~~نحو ذلك في القائمتين الأخريين، وكقوله في طبعة بولاق عن خراج قومس «ألف ~~ألف مرتين وخمسمائة ألف من نقر الفضة» ونظن الصواب: «ومن نقر الفضة ألف»، ~~فيكون خراجها 1500000 درهم و1000 من نقر الفضة، وكقوله عن العسل الوارد من ~~الموصل إنه 20000000 رطل، والأقرب إلى الصواب أن يكون 20000 رطل فقط، ومن ~~هذا القبيل خراج مصر، فقد ورد هناك أنه «ألف ألف ألخ»، والصواب على ما نرى ~~«ألفا ألف ألخ» بالقياس على جبايتها في ذلك العصر، والخطأ إنما وقع في ~~النسخ لتشابه اللفظين خطا. # أما زمن هذه القائمة فقد عينه ابن خلدون صريحا فقال إنه في أيام ~~المأمون، ولكنه لم يعين السنة، والمأمون حكم 22 سنة من سنة 196-218، وحساب ~~بيت المال في بغداد احترق في الفتنة بين الأمين والمأمون ثم لم يدون الحساب ~~إلا بعد سنة 204ه. # 35 # فالقائمة المذكورة كتبت في ما بين 204 و218ه، ونظرا لاختلاف ~~خراج خراسان فيها عما وظفه المأمون على ابن طاهر سنة 211 و212ه، فالأرجح ~~أنها كتبت بين 204 و210ه. ms0256 # ورأينا للبارون فون كريمر المذكور انتقادا على تاريخ قائمة ابن خلدون، ~~خلاصته: أنها كتبت قبل عصر المأمون بعشرات من السنين، بحيث تتصل بعصر ~~المهدي أو الهادي أي بين سنة 158 و170ه، ومن أدلته على ذلك «أنه ورد فيها ~~ذكر خراج السند وإفريقية وكانتا في أيام المأمون قد استقلتا عن سلطة بغداد، ~~ولم يذكرهما قدامة ولا ابن خرداذبة». # والبارون فون كريمر لا يستخف برأيه في تاريخ الإسلام وتمدنه وآدابه؛ لأنه ~~من أهل التحقيق والبحث، ومن أكثر الألمان تمحيصا للحقائق، ولكننا نراه ~~واهما في حكمه على هذه القائمة للأسباب الآتية: # أولا: # أن استقلال الأقاليم عن سلطة بغداد لم يكن يستلزم ~~استقلالها عن الخلافة العباسية وقطع المال عنها، نعم، إن ~~إفريقية استقل بها الأغالبة، وتوارثوا الحكم فيها من سنة ~~184-296ه، ولكن استقلالهم هذا لا يمنع تأديتهم مالا ~~معينا كما كان يفعل معظم الأمراء المستقلين في مصر ~~وخراسان وغيرهما، فإنهم كانوا يخطبون لخليفة بغداد ~~ويعتبرون أنهم تابعون له دينيا فقط، كذلك كان شأن الدولة ~~الطاهرية في خراسان، والطولونية في مصر، # 36 # وكان بعضهم يقدم المال باسم الهدية، والبعض ~~الآخر باسم الخراج أو الضمان أو غيرهما، وزد على ذلك أن ~~إفريقية لم تكن تحمل مالا إلى بيت المال إلا بعد سنة ~~181ه، أي بعد أن تولاها إبراهيم بن الأغلب، وهو الذي فرض ~~على نفسه 40000 دينار، فلا يبعد أن يستمر الأغالبة على دفع ~~مثل هذا المال إلى أيام المأمون؛ لأن الخلفاء العباسيين ~~ظلوا يعدون إفريقية من مملكتهم كل أيام الأغالبة، وكانوا ~~يعينون الولاة عليها من بغداد باعتبار أن الأغالبة تحت ~~هؤلاء الولاة، # 37 # ويقال نحو ذلك في السند، بل نرى في هذا شاهدا ~~أقرب على صحة رواية ابن خلدون، فإن المأمون نفسه استعمل ~~على السند سنة 216ه عاملا اسمه عمران بن موسى ~~العتكي # 38 # على أن يحمل إليه منها مليون درهم بعد كل ~~نفقة # 39 # ويدل ذلك على سيادته عليها، وإن كان المال ~~المذكور أقل كثيرا مما ذكره ابن خلدون، إذ يختلف المراد ~~بحدود السند ms0257 باختلاف الأزمنة، أما عدم ورود هذين البلدين ~~في قائمتي قدامة وابن خرداذبة فقد يكون سببه عارضا؛ إما ~~لانقطاع الخراج منهما بعد قائمة ابن خلدون، أو لأسباب أخرى ~~راجعة إلى دخول بعض الأقاليم ~~في بعض أو غير ذلك كما ~~سيتضح من مقابلة القائمتين التاليتين، وعلى كل حال فإن ~~افتراض هذه الأسباب أقرب إلى الصواب من اتهام ابن خلدون ~~بالخطأ أو الوهم، وهو ثقة كثير التبصر والتمحيص، وقد قال ~~صريحا إن هذه الجباية وردت على بيت المال في أيام ~~المأمون. # ثانيا: # أن ابن خلدون استحوذ على أوراق رسمية من أيام المأمون عن ~~الدخل والخرج، كان يرجع إليها في تحقيق ما يكتبه في هذا ~~الشأن ونحوه. # 40 # ثالثا: # أن الديوان احترق في أيام الأمين، وقد قدمنا أنه لم يدون ~~فيه حساب إلا بعد سنة 204ه، وأما ما كان منها قبل ذلك فقد ~~ضاع. # فبناء على ذلك يترجح عندنا أن يكون الحق في جانب ابن خلدون، وأن يكون ~~البارون فون كريمر واهما في اعتراضه، وفوق كل ذي علم عليم. ~~(2) # قائمة قدامة ~~: دونها قدامة بن جعفر ~~الكاتب البغدادي في كتابه المسمى: «كتاب الخراج» ولم يصل إلينا منه إلا نتف ~~طبعت في لايدن بعناية دي خويه المستشرق الهولندي الشهير، وقد توفي قدامة ~~سنة 337ه، وكان أبوه نصرانيا وأسلم في أيام المكتفي (من 289-295ه) وتولى ~~منصبا كبيرا من مناصب الدولة العباسية، وألف كتبا كثيرة من جملتها كتاب ~~الخراج هذا، ويظهر أنه كتبه نحو سنة 316ه نقلا عن أوراق رسمية اتصلت به، ~~ويستدل من مطالعة الكتاب أن ما ورد فيه من جباية البلاد يراد به جبايتها ~~نحو سنة 225ه. ~~(3) # قائمة ابن خرداذبة ~~: هو عبد الله بن ~~خرداذبة، وذكر صاحب الفهرست أنه كان يتولى البريد في بلاد الجبال، ويظهر ~~أنه كتب وهو في هذا المنصب كتابه «المسالك والممالك» وفيه هذه القائمة، ~~ويظن دي خويه ناشر هذا الكتاب أن ابن خرداذبة كتبه سنة 232ه، ثم أضاف إليه ~~بعض الزيادات فيما بعد بحيث لا يتجاوز حوالي سنة 250ه. # هذه القوائم الثلاث، ms0258 وفيها جباية الدولة العباسية في إبان ثروتها، فلنوردها باعتبار ~~قدمها، وأقدمها قائمة ابن خلدون، ثم قدامة، ثم خرداذبة: ~~(4-1) جباية الدولة العباسية (في أيام المأمون - نقلا عن ابن خلدون) # أسماء الأقاليم # من الدراهم # من الأموال والغلال # السواد # 27800000 # ومن الحلل النجرانية 200 حلة ومن طين الختم 240 رطلا. # كسكر # 11600000 # كور دجلة # 20800000 # حلوان # 4800000 # الأهواز # 25000000 # وسكر 30000 رطل. # فارس # 27000000 # ومن ماء الورد 30000 قارورة ومن الزيت الأسود 20000 رطل. # كرمان # 4200000 # ومتاع يماني 500 ثوب و20000 رطل من التمر. # مكران # 400000 # السند وما يليه # 11500000 # و150 رطلا من العود الهندي. # سجستان # 4000000 # ومن الثياب المعينة 3000 ثوب ومن الفانيد 20 رطلا. # خراسان # 28000000 # ومن نقر الفضة 2000 نقرة و4000 برذون و1000 رأس رقيق و20000 ثوب متاع ~~و30000 رطل إهليلج. # جرجان # 12000000 # و1000 شقة إبريسم. # قومس # 1500000 # ومن نقر الفضة 1000 نقرة. # طبرستان والريان ودماوند # 6300000 # و600 قطعة من الفرش الطبري و200 كساء و500 ثوب و300 منديل و200 ~~جامة. # الري # 12000000 # و20000 رطل عسل. # همدان # 11300000 # و1000 رطل من رب الرمانين و12000 رطل عسل. # ماها البصرة والكوفة # 10700000 # ماسبدان والريان # 4000000 # شهرزور # 6700000 # الموصل وما يليها # 24000000 # و20000 رطل من العسل الأبيض. # أذربيجان # 4000000 # الجزيرة وما يليها من أعمال الفرات # 34000000 # و1000 رأس من الرقيق و12000 زق عسل وعشر بزات و20 كساء. # أرمينية # 13000000 # و20 من القسط المحقور و530 رطلا من الرقم «ضرب من الوشي» و10000 رطل ~~من المسايح السورماهي و10000 من الصونج «نوع من الأسماك البحرية» و200 ~~بغل و30 مهرا. # برقة # 1000000 # إفريقية # 13000000 # و120 بساطا. # المجموع # 318600000 درهم # والجهات التالية وردت جبايتها بالدنانير: # أسماء الأقاليم # من الدنانير # من الأموال والغلال # قنسرين # 400000 # و1000 حمل زيت # دمشق # 420000 # الأردن # 97000 # فلسطين # 310000 # مصر # 2920000 # و300000 رطل زيت # اليمن # 370000 # الحجاز # 300000 # سوى المتاع «لم يذكر» # المجموع # 4817000 # دينار وتساوي 73255000 درهم باعتبار الدينار 15 درهما وهو تقديره ~~في ذلك العصر. # فيكون المجموع بالدراهم # 72255000 # يضاف إليه جباية ms0259 الأقاليم المذكورة قبله # 318600000 # الجملة # 390855000 درهم # وترى من النظر في هذه القائمة أن خراج أقاليم المشرق كانوا يقدرونه بالدراهم، ~~وخراج أقاليم المغرب بالدنانير (إلا برقة وإفريقية) وسترى نحو ذلك أيضا في ~~القائمتين الأخريين، والسبب على ما يظهر أن مناجم الفضة كانت أكثر في أقاليم المشرق ~~منها في المغرب، وبعكس ذلك مناجم الذهب. # فمجموع جباية أقاليم المشرق (مع برقة وإفريقية) 318600000 درهم، ومجموع خراج سائر ~~أقاليم المغرب 4817000 دينار، حولناها إلى دراهم باعتبار الدينار 15 درهما، وهو ~~صرفه في ذلك العصر فبلغت 72255000 درهم، وبإضافتها إلى جباية أقاليم المشرق بلغ ~~المجموع كله 390855000 درهم. # ورأينا في ما نقله فون كريمر من قائمة ابن خلدون بلدين هما الكرج والجيلان غير ~~موجودين في ما لدينا من النسخ، نظنه وجدهما في نسخة فون همر برجشتال المستشرق ~~النمسوي، خراج الأولى 300000 درهم، والثانية 5000000 درهم، وليس هنا مكان التحقيق ~~عن صحة هذه الرواية أو عدم صحتها. # فيكون مجموع جباية المملكة العباسية في أيام المأمون نحو 400 مليون درهم، ما عدا ~~الأموال والغلات مما لا نعلم حقيقة قيمته، وإذا أعدت النظر فيه رأيته شيئا كثيرا، ~~والعادة في تقدير الجباية أن تقدر هذه الغلات بما تساويه من النقد، ويضاف مبلغها ~~إلى مبالغ النقد، كما فعل صاحب جراب الدولة في غلات السواد ومعظمها في الأصل من ~~الحنطة، وكما سترى في تفصيل طساسيج السواد بقائمتي قدامة وابن خرداذبة. # وقد تقدم أن الجباية التي كانت ترد إلى بيت المال في بغداد إنما هي صوافي ما تحصل ~~منها في الأقاليم بعد دفع أموال الجند ونفقات الجباية وإصلاح الري ونحو ذلك من ~~نفقات الأقاليم، ولم يبق على هذا المال إلا نفقات الدواوين في بغداد للخليفة ~~ووزرائه وكتابه ورجال بطانته، وقد يرتاب القارئ في رواية ابن خلدون؛ لبعدها عما هو ~~مألوف عندنا من ميزانيات دول هذه الأيام، وما فيهن من يبقى في صندوقها معشار هذا ~~المال؛ ولذلك فنأتي بالروايتين الأخريين للمقابلة بينهما وبين رواية ابن ~~خلدون. ~~(4-2) جباية الدولة العباسية (في أيام ms0260 المعتصم - نقلا عن قدامة بن جعفر) # كانت جباية السواد معظمها من الحنطة والشعير، وقد ذكر قدامة مقدار كل منهما ~~مفصلا باعتبار طساسيج السواد، أي نواحيه في الشرق والغرب. # اسم الناحية # مقدار الحنطة بالكر # مقدار الشعير بالكر # الدراهم # طساسيج السواد في الجانب ~~الغربي: # الأنبار ونهر عيسى # 11800 # 6400 # 40000 # طسوج مسكن # 3000 # 1000 # 150000 # طسوج قطربل # 2000 # 1000 # 300000 # طسوج بادوريا # 3500 # 1000 # 1000000 # بهر سير # 1700 # 1700 # 150000 # الرومقان # 3300 # 3300 # 250000 # كوثي # 3000 # 2000 # 350000 # نهر درقيط # 2000 # 2000 # 200000 # نهر جوبر # 1500 # 6000 # 150000 # باروسما ونهر الملك # 3500 # 4000 # 122000 # الزوابي الثلاثة # 1400 # 7200 # 250000 # بابل وخطرانية # 3000 # 5000 # 250000 # الفلوجة العليا # 500 # 500 # 70000 # الفلوجة السفلى # 2000 # 3000 # 280000 # طسوج النهرين # 300 # 400 # 45000 # طسوج عين التمر # 300 # 400 # 45000 # طسوج الجبة والبداة # 1500 # 1600 # 150000 # سوراو وبرنسيما # 1500 # 4500 # 250000 # البرس الأعلى والأسفل # 500 # 5500 # 150000 # فرات بادقلي # 2000 # 2500 # 62000 # طسوج السيليحين # 1000 # 1500 # 140000 # روذستان وهرمزجرد # 500 # 500 # 20000 # تستر # 2200 # 2000 # 300000 # إيغار يقطين # 1200 # 2000 # 204800 # كسكر # 30000 # 20000 # 270000 # طساسيج السواد في الجانب ~~الشرقي: # طسوج بزرجسابور # 2500 # 2200 # 300000 # طسوج الرذانين # 4800 # 4800 # 120000 # طسوج نهر بوق # 200 # 1000 # 100000 # كلواذي ونهر بين # 1600 # 1500 # 330000 # جازر والمدينة العتيقة # 1000 # 1500 # 240000 # روستقباد # 1000 # 1400 # 246000 # سلسل ومهروذ # 2000 # 1500 # 15000 # جلولا وجللتا # 1000 # 1000 # 100000 # الذيبين # 1900 # 1300 # 40000 # الدسكرة # 1800 # 1400 # 60000 # البذنيجين # 600 # 500 # 35000 # طسوج برز الروذ # 3000 # 5100 # 120000 # النهروان الأعلى # 1700 # 1800 # 350000 # النهروان الأوسط # 1000 # 500 # 100000 # بادرايا وباكسايا # 4700 # 5000 # 330000 # كور دجلة # 900 # 4000 # 430000 # نهر الصلة # 1000 # 3121 # 59000 # النهروان الأسفل # 1700 # 13000 # 53000 # مجموع خراج السواد # 115600 # 135621 # 8821800 # فمجموع جباية السواد باعتبار نواحيه 115600 كر حنطة، و135621 كر شعير، و8821800 ~~درهم، على أن هذا المجموع يختلف عما قاله قدامة المذكور بعد أن أورد خراج كل ناحية ~~بالتفصيل - كما تقدم ms0261 - فقد قال في إيراد المجموع: «ذلك ارتفاع السواد سوى صدقات ~~البصرة من الحنطة 177200 كر، ومن الشعير 99721 كرا، ومن الورق 8095800 ~~درهم # 41 # ولعل السبب في هذا الفرق خطأ في قراءة بعض الأعداد، على أن الفرق على ~~كثرته لا يعتد به فيما نحن فيه، بقي علينا أن نحول الحنطة والشعير إلى دراهم، وقد ~~فعل جعفر ذلك فحولهما باعتبار ثمن الكرين المقرونين من الحنطة والشعير ستين ~~دينارا، والدينار على صرف خمسة عشر درهما بدينار، فبلغ ذلك 100361850 درهما وقال ~~إن صدقات البصرة ترتفع في السنة 6000000 درهم، فإذا جمعت ذلك كله بلغ 114457650 ~~درهما على هذه الصورة: # 8095800 # الدراهم المجموعة ورقا # 100361850 # قيمة الحنطة والشعير بالدرهم # 6000000 # صدقات البصرة # 114457650 # درهما # هذا هو ارتفاع السواد، فلنتقدم إلى إيراد جبايات سائر الأقاليم في المشرق ~~والمغرب، وهي مع السواد: # أقاليم المشرق # درهم # السواد # 114457650 # الأهواز # 23000000 # فارس # 24000000 # كرمان # 6000000 # مكران # 1000000 # أصبهان # 10500000 # سجستان # 1000000 # خراسان # 37000000 # حلوان # 900000 # ماه الكوفة # 5000000 # ماه البصرة # 4800000 # همدان # 1700000 # ماسبذان # 1200000 # مهرجان قذق # 1100000 # الإيغارين # 3100000 # قم وقاشان # 3000000 # أذربيجان # 4500000 # الري ودماوند # 20080000 # قزوين وزنجان وأبهر # 1828000 # قومس # 1150000 # جرجان # 4000000 # طبرستان # 4280700 # تكريت والطيرهان # 900000 # شهرزور والصامغان # 2750000 # الموصل وما يليها # 6300000 # قردي وبذيدي # 3200000 # ديار ربيعة # 9635000 # أرزن وميافاراقين # 4200000 # طرون # 100000 # آمد # 2000000 # ديار مضر # 6000000 # أعمال طريق الفرات # 2900000 ~~(المجموع) # 311581350 # أقاليم المغرب # دينار # قنسرين والعواصم # 360000 # جند حمص # 218000 # جند دمشق # 110000 # جند الأردن # 109000 # جند فلسطين # 295000 # مصر والإسكندرية # 2500000 # الحرمين # 100000 # اليمن # 600000 # اليمامة والبحرين # 510000 # عمان # 300000 ~~(المجموع) # 5102000 # وبتحويلها إلى دراهم باعتبار الدينار 15 درهما تساوي 76710000 درهم وبإضافتها ~~إلى مجموع جباية أقاليم المشرق والجزيرة أعلاه يكون مجموع ذلك كله 388291350 ~~درهما، وهو ارتفاع الخراج على تقدير قدامة. # 42 ~~(4-3) جباية الدولة العباسية (في أواسط القرن الثالث للهجرة - على رواية ابن ~~خرداذبة) # فصل ابن خرداذبة جباية أعمال السواد كما فصلها قدامة، وزاد على ms0262 ذلك عدد الشون ~~والبيادر مما يطول يطول بنا إيراده، فنكتفي بذكر جملته من الحنطة والشعير والفضة، ~~وذلك عبارة عن 63400 كر حنطة، و91850 كر شعير، و8456840 درهما نقدا، وبتحويل ~~الحنطة والشعير إلى دراهم باعتبار الكرين المقرونين ستين دينارا، والدينار 15 ~~درهما كما تقدم، بلغت قيمتهما 69862500 درهم، وبإضافة ذلك إلى الدراهم المجموعة ~~نقدا تصير الجملة 78319340 درهما. # ثم فصل جباية خراسان وما يلحق بها من ~~الأقاليم في الدولة الطاهرية، باعتبار ما وظف عليها سنة 212ه، ومقدار ذلك جملة ~~44846000 درهم، و13 دابة للركوب، و2000 شاة من الغنم، و2000 رأس من السبي الغزية ما ~~قيمته 600000 درهم، ومن الكرابيس الكندجية 1187 ثوبا، ومن المرور وصفائح الحديد ~~1300 قطعة نصفين، وكانت خراسان يومئذ تشمل نحوا من خمسين عملا في جملتها الري، ~~وقومس، وجرجان، وكرمان، وسجستان، ونيسابور، وطخارستان، والطالقان، وأعمال ما وراء ~~النهر، وفيها بخارى، والصفد، وغيرهما، وكان الطاهريون مستقلين بها ويدفعون عنها هذه ~~الوظيفة (أي هذا القدر من المال)، وقد اقتصرنا على إجمال ذلك خوف التطويل، ومن ~~أراد تفصيل جباية أعمال السواد وأعمال خراسان فليراجعها في كتاب المسالك والممالك ~~لابن خرداذبة، ولنتقدم إلى إتمام قائمته عن الأعمال الأخرى من الإجمال الذي ذكرناه: # أقاليم المشرق # دراهم # السواد # 78319340 # خراسان وتوابعها # 44846000 # شهرزور والصامغان # 2750000 # ماسبذان ومهرجان قذق # 3500000 # قم # 2000000 # الأهواز # 30000000 # فارس # 33000000 # قزوين # 1200000 # ماه الكوفة # 3800000 # أصبهان # 7000000 # ديار مضر # 5600000 # الموصل # 4000000 # ديار ربيعة # 7700000 # أرمينية # 4000000 ~~(المجموع) # 227715340 # أقاليم المغرب # دنانير # قنسرين والعواصم # 400000 # جند حمص # 340000 # جند دمشق # 400000 # جند الأردن # 350000 # جند فلسطين # 500000 # مصر # 2180000 # اليمن # 600000 ~~(المجموع) # 4770000 # وبتحويل هذه الدنانير إلى دراهم تبلغ 71550000 درهم، تضاف إلى مجموع جباية ~~أقاليم المغرب أعلاه على هذه الصورة: # درهم # 227715340 # جباية أقاليم المشرق # 71550000 # جباية أقاليم المغرب # 299265340 # الجملة ~~(4-4) مجمل جباية الدولة العباسية # وخلاصة ما تقدم أن ارتفاع الدولة العباسية كان على معظمه في أيام المأمون، ثم أخذ ~~في التناقص بعده، ولم يظهر ذلك النقص ms0263 إلا بعد أواسط القرن الثالث للهجرة، لأسباب ~~سيأتي بيانها، وأما قبل ذلك فإن ارتفاع هذه الدولة كان عظيما جدا، كما تبين من ~~القوائم الثلاث التي ذكرناها، وهاك ملخصا لها: # درهم # 396155000 # جباية الدولة العباسية في أيام المأمون بين سنة 204 و210ه. # 388291350 # جباية الدولة العباسية في أيام المعتصم أو بعيده إلى سنة ~~225. # 299265340 # جباية الدولة العباسية في أواسط القرن الثالث. ~~* # 1083711690 # الجملة ~~* # لا يخفى على المتأمل أننا عينا هذه الأزمنة ~~بالتقريب؛ إذ قد يرد في قائمة ابن خرداذبة مثلا خراج ~~إقليم كما وظف عليه في عهد قائمة ابن خلدون أو قدامة ~~وبالعكس، وإنما اعتبرنا في تعيينها الأغلبية. # فترى من مقابلة هذه الأرقام أن الفرق في الجباية ظهر حتى في النصف الأول من القرن ~~الثالث، وخصوصا إذا اعتبرت ما أغفلناه من قائمة ابن خلدون من الأموال والأمتعة ~~والمحصولات وهي من جملة الخراج، فمعدل الوارد إلى بيت المال في العام نحو 360 مليون ~~درهم، وهي صوافي جباية الأعمال كما قدمنا، مما لم نسمع بمثله في الدول قديما ولا ~~حديثا، إلا إذا اعتبرنا ما أورده بعضهم إجمالا بطريق العرض عن دولتي الروم والفرس، ~~فقد قال جبن مؤرخ الدولة الرومانية إن جباية هذه الدولة إبان سطوتها ومعظم سعتها ~~تساوي نحو 400000000 درهم، منها 135000000 درهم من آسيا (الصغرى)، # 43 # وذكر ابن خرداذبة أن جباية مملكة الفرس في أيام كسرى برويز بلغت ~~420000000 مثقال، أو نحو 720 مليون درهم، فإذا سلمنا بصحة هذه الأرقام أعوزنا ~~الاطلاع على طريقة الإنفاق عندهم؛ إذ ربما كانت تستغرق معظم هذه الجباية بخلاف ~~الدولة العباسية كما سترى، أما ما خلا هاتين الدولتين فالفرق بين جبايتها وجباية ~~هذه الدولة عظيم جدا، فالدولة العثمانية بلغت معظم سعتها في أيام السلطان سليمان ~~القانوني في أواسط القرن العاشر للهجرة، ولم يزد ارتفاع جبايتها في أيامه على ~~8000000 دوكات # 44 # أو نحو 2843750 جنيها مصريا، فأين ذلك من جباية الدولة العباسية؛ ~~فإنها تزيد على أضعافه؟! وقس على ذلك دول هذه الأيام باعتبار ما يبقى في ms0264 صندوقها ~~كما سيأتي. # ولنتقدم إلى الكلام في الجهات التي كانت تنفق فيها الأموال: ~~(5) نفقات الدولة العباسية # لم نر فيما كتبه المؤرخون القدماء في العربية نصا يتعلق بهذا الشأن، ولا ندري إذا ~~كانوا فعلوا ذلك عمدا أو ضاع ما كتبوه في ثنيات الزمان، على أن مؤرخي المسلمين قلما ~~دونوا حوادث التمدن الإسلامي أو ما هو في معناه، كمقدار الدخل أو الخرج وثروة المملكة ~~وحال العلم، أو نظام الهيئة الاجتماعية غير ما جاء عرضا في أثناء ذكر الوقائع الحربية، ~~أو وصف مجالس الطرب - إلا ابن خلدون، فقد أورد جباية الدولة في عرض الكلام عن بذخها في ~~إبانها، وأما قدامة وابن خرداذبة فقد ذكرا مقدار الخراج في عرض الكلام عن طرق البريد، ~~وقد ذكر الخراج أيضا بعض أصحاب التقاويم (الجغرافية) ولكن أحدا منهم لم يذكر شيئا عن ~~الشؤون التي تنفق فيها الأموال المجموعة من الخراج في العصر الذي نحن في صدده. # على أننا بالقياس على ما عرفناه من أحوال ذلك التمدن، نرجح أن المال المشار إليه كان ~~يوضع في بيت المال، بعد دفع رواتب الجند والكتاب والقضاة وسائر أرباب المناصب في دواوين ~~الحكومة في بغداد، والموظفين الذين قد تعينهم الحكومة من بغداد وتدفع رواتبهم من بيت ~~مالها ولو كانت أعمالهم في الخارج مثل عمال البريد # 45 # وغيرهم، وما بقي من أموال الجباية بعد هذه النفقات يوضع في بيت المال تحت ~~اجتهاد الخليفة. # 46 # أما مقدار ما كان ينفق على الجند المقيدين في الدواوين وغيرهم فمما لا يمكن القطع ~~فيه؛ لأنه يختلف باختلاف العصور وأحوال الخلفاء، ولم نقف على شيء صريح في هذا الشأن في ~~العصر العباسي الأول ولا في غيره. # على أننا توفقنا بهمة البارون فون كريمر إلى قائمة تشمل ما اشترطه أحمد بن محمد ~~الطائي على نفسه أن يقدمه من ضمانه إلى بيت المال، وفيه ما كان ينفقه بيت المال في ~~بغداد في السنين الأولى من خلافة المعتضد العباسي (سنة 279ه) # 47 # وقد عين فيه مقدار المال اللازم لكل فئة من فئات ms0265 الموظفين الذين تدفع ~~رواتبهم من بيت المال، وجملة ذلك 2500000 دينار في السنة، تدفع مياومة باعتبار كل يوم ~~سبعة آلاف دينار، تفرق في الجند وموظفي الدواوين والخدم وغيرهم على هذه الصورة: # نفقات الدولة العباسية (في أيام المعتضد بالله سنة 279ه ~~بالمياومة) # دينار في اليوم # 1000 # أرزاق أصحاب النوبة ومن برسمهم من البوابين وفيهم البيضان من الجنابيين ~~والبصريين وأصحاب المصاف بباب العامة وغيرهم والسودان وأكثر مماليك ~~الناصر. # 1000 # أرزاق الغلمان الذين أعتقهم الناصر (هو الموفق بن المتوكل) ويعرفون ~~بالغلمان الخاصة. # 1500 # أرزاق الفرسان من الأحرار المميزين. # 600 # أرزاق المختارين، وهم جنود منتخبون من كل قيادة، وقد عرفوا بالشهامة ~~والشجاعة. # 500 # أرزاق المثبتين في أيام الناصر. # 110 # أرزاق سبعة عشر صنفا من المرسومين بخدمة الدار، والرسائل الخاصة، ~~والقراء، وأصحاب الأخبار، والمؤذنين، والمنجمين، والفنجاميين، وأصحاب ~~الأعلام، والبوقيين، والمضحكين، والطالبين، وغيرهم. # 50 # المرتزقة برسم الشرطة في مدينة السلام، وغيرها. # 300 # أثمان أنزال المماليك، وغيرهم. # نفقات المطابخ الخاصة والعامة، والمخابز، وإنزال الحرم، والحشم، ومخابز ~~السودان. # 100 # ثمن وظائف الشراب للخاصة والعامة، وآلاته، ونفقات خزائن الكسوة، ~~والخلع، والطيب، وحوائج الوضوء، وخزائن السلاح، والفرش ... إلخ. # 4 # أرزاق السقائين بالقرب في القصر، والخزائن، والمخابز، والدور، والحجر، ~~والخدم ... إلخ. # 167 # أرزاق الخاصة ومن يجري مجراهم من الغلمان والمماليك، دون الأكابر ~~الأحرار، ومن أضيف إليهم من الحشم القدماء. # 100 # أرزاق الحشم من المستخدمين في شراب العامة، وخزائن الكسوة، والصناع من ~~الصاغة، والخياطين، والعقادين، والأساكفة، والحدادين، والرفائين، ~~والمطرزين، والنجادين، والوراقين، والعطارين، والمشهرين، والنجارين، ~~والخراطين، والإسفاطيين، وغيرهم ... إلخ. # 100 # أرزاق الحرم. # 400 # ثمن علوفة الكراع في الإصطبلات الخمسة. # ما يصرف من ثمن الكراع، والإبل، والخيل ... إلخ. # 30 # أرزاق المطبخيين. # 30 # أرزاق الفراشين، والمحلبيين، وخزان الفرش، والحمالين. # أرزاق أصحاب الركاب، والجنائب، والسروج، ومن يخدم في دواب البريد. # 44 # أرزاق الجلساء، وأكابر الملهين، ومن يجري مجراهم. # أرزاق جماعة من المتطببين، وتلامذتهم ... إلخ. # 70 # أرزاق أصحاب الصيد من البازياريين، والفهادين، والكلابزريين ~~وغيرهم. # أرزاق الملاحين في الطيارات، والشذات، والحراقات، وغيرها من ~~السفن. # 4 # ثمن النفط والمشاقة ms0266 للنفاطات، والمشاعل وأجرة الرجال لخدمتها. # 15 # الصدقة التي تحضر كل يوم عند صلاة الصبح في خرقة سوداء. # جاري أولاد المتوكل. # جاري أولاد الواثق. # جاري أولاد الناصر. # 20 # أرزاق مشائخ بني هاشم، وأصحاب المراتب، والخطباء في المساجد . # أرزاق جمهور بني هاشم من العباسيين، والطالبيين. # جاري عبيد الله بن سليمان (الوزير) مع خمس مئة دينار للقاسم ابنه (في ~~الشهر) برسم العرض. # أرزاق أكابر الكتاب، وأصحاب الدواوين، والخزان، والبوابين، والمديرين، ~~والأعوان، وسائر من في الدواوين، وثمن الصحف، والقراطيس والكاغد - سوى ~~كتاب دواوين الإعطاء وخلفائهم على مجالس التفرقة وأصحابهم، ~~وأعوانهم، وخزان بيت المال، فإنهم يأخذون أرزاقهم بما يوفرونه من أموال ~~الساقطين، وغرم المخلين بدوابهم. # جاري إسحق بن إبراهيم القاضي، وخليفته يوسف بن يعقوب والد أبي عمر، ~~وأولادهما، وعشرة نفر من الفقهاء. # 50 # نفقات السجون، وثمن أقوات المحبسين. # جاري المؤذنين في المسجدين، والمكبرين، والقوام، والأئمة، وثمن الزيت ~~للمصابيح، والحصر، والبواري، والماء، وثمن الستار للصيف، والجلباب ~~والخزف، والعمارة في شهر رمضان. # 19 # نفقات الجسرين، وثمن ما يبدل من سفنهما، وأرزاق الجسارين. # 15 # نفقات البيمارستان الصاعدي، ولم يكن يومئذ غيره، وأرزاق المتطببين ~~والمآنين والكحالين، ومن يخدم المغلوبين على عقولهم، والبوابين، ~~والجنازين، وغيرهم، وأثمان الطعام والأدوية والأشربة. # 6974 ~~(الجملة) # فالمجموع نحو سبعة آلاف دينار، وذلك نفقات الدولة العباسية في اليوم الواحد من أيام ~~المعتضد (سنة 279ه)، ومجموع ذلك في السنة نحو مليونين ونصف (2500000 دينار)، فإذا فرضنا ~~نفقاتها في أيام المأمون والمعتصم نحو ذلك - وهي في اعتقادنا يجب أن تكون أقل من ذلك ~~بالنظر إلى تكاثر الغلمان والمماليك في أواخر القرن الثالث عما كان في أوائله - فإذا ~~فرضنا النفقات واحدة في أيام المأمون والمعتضد، وحولناها إلى دراهم باعتبار الدينار ~~عشرين درهما على الأكثر، بلغ ذلك 50000000 درهم، فإذا أسقطناها من معدل الجباية الذي ~~ذكرناه وهو 360000000 درهم، كان الباقي 310000000 درهم، أو قل 300 مليون فقط، فالدولة ~~التي يبقى في بيت مالها هذا المبلغ العظيم كل سنة تعد في معظم الثروة؛ لأننا لم نسمع ~~بدولة من الدول يبقى ms0267 في صندوقها نصف هذا المال، أو ربعه، أو عشره، إلا ما قدمناه عن ~~دولتي الروم والفرس. # وزد على ذلك أن هذه النفقات جزء صغير من مال الجباية؛ لأنها عبارة عن خراج ما ضمنه ~~الطائي من البلاد، وهي سقي الفرات، ودجلة، وجوخي، وواسط، وكسكر، وطساسيج نهر بوق ، ~~والذيبين، وكلواذي، ونهربين، والرذانين وطريق خراسان، وكلها من العراق، وهي بعضه كما ~~يتضح ذلك من مراجعة قائمة قدمة، فلا مشاحة في أن نفقات الدولة العباسية كانت تستخرج من ~~خراج بعض أعمالها. ~~(6) تقدير هذه الثروة بنقود هذه الأيام (سنة 1903) # ولكي ينجلي لنا مقدار هذه الثروة بالنظر إلى التمدن الحديث، يجب أن نحولها إلى نقود ~~هذه الأيام، وقد تقدم أن الدينار كان صرفه في النصف الأول من القرن الثالث 15 درهما، ~~فمقدار هذه الثروة بالدنانير 20000000 دينار، ويقدرون الدينار بنقود هذه الأيام بنصف ~~جنيه، فيكون مجموع الباقي في بيت المال في السنة يساوي عشرة ملايين من الجنيهات. # ثم إن قيمة النقود تختلف باختلاف ما تستبدل به من المحصولات، أو ما يستخدم به من ~~الرجال، فصاحب ألف جنيه في بلاد يباع فيها إردب الحنطة بخمسين قرشا يعد بمنزلة صاحب ~~ألفين في بلاد يباع فيها الإردب بمائة قرش. # ويختلف ذلك في البلد الواحد باختلاف العصور، فصاحب بضعة آلاف قرش كان يعد عندنا في ~~أوائل القرن الماضي من الأغنياء؛ لأن حاجيات الحياة كانت رخيصة جدا، ثم أخذت أثمانها ~~تتصاعد بتكاثر الناس، وتفننهم في طرق المعائش، ولأسباب أخرى، حتى أصبح هذا المبلغ مما ~~ينفقه أوساط الناس في شهر واحد، وقد لاحظنا فرقا واضحا في سعر الذهب في الأعوام ~~الأخيرة بمصر، يجدر بالحكومة أن تتنبه له وتراعيه لعلاقته برواتب مستخدميها، وذلك أنه ~~بالنظر إلى تصاعد أثمان المآكل وأجور المساكن، زادت نفقات البيوت نحو الربع عما كانت ~~عليه منذ خمسة أعوام أو ستة، فالموظف الذي كان ينفق على عائلته ألف قرش في الشهر مثلا ~~أصبح لا يكفيه أقل من 1250 أو 1300 قرش، والراتب الذي كان يتقاضاه لا يزال واحدا، ~~ويعبر عن ms0268 ذلك بنزول قيمة الذهب، فأصحاب الرواتب المعينة ينبغي أن تزداد رواتبهم كلما ~~غلا السعر. # فللوقوف على حقيقة ثروة المملكة العباسية بالنظر إلى قيمة نقود هذه الأيام، يجب أن ~~نقابل بين أثمان المحصولات يومئذ وأثمانها اليوم وأجور العمال في العصرين، وقد رأيت ~~فيما تقدم أن ثمن الكر من الحنطة والشعير في أيام قدامة # 48 # ثلاثون دينارا، والكر العراقي أربعون إردبا # 49 # والإردب من الحنطة والشعير اليوم يقدر بنحو جنيه، فالأربعون إردبا ~~بأربعين جنيها أو ثمانين دينارا أي نحو ثلاثة أمثاله في تلك الأيام. # وكانت أجرة الأستاذ البناء في أيام المنصور قيراط فضة، والروزكاري (الفاعل) ~~حبتين، # 50 # والقيراط في العراق جزء من عشرين من الدينار # 51 # والحبة جزء من ستين منه فكأن أجرة الأستاذ بنقود هذه الأيام ثلاثة أرباع ~~الدرهم أي نحو ثلاثة قروش، وأجرة الفاعل قرش، وذلك نحو ثلث أجرته اليوم (سنة 1903) أو ~~ربعها، فالنقود في أيام العباسيين كانت تساوي ثلاثة أضعاف ما تساويه اليوم على الأقل، ~~فالباقي في بيت مال العباسيين في السنة يساوي ثلاثين مليون دينار بنقود هذه الأيام، ~~وكانت توضع في بيت المال تحت تصرف الخليفة واجتهاده، يستخدمها في الجهات التي يريدها أو ~~تتراءى له فيها مصلحة للدولة، فهل نستغرب بعد ذلك إذا قيل لنا إن الخليفة الفلاني أعطى ~~شاعرا مائة ألف درهم أو عشرة آلاف دينار، ونحن نرى أغنياءنا اليوم يبتاعون الصورة ~~القديمة بمائة ألف جنيه، والقطعة من الآثار القديمة (الأنتيكة) بنصف مليون جنيه أو ~~مليون؟! وإنما ذلك من نتائج الغنى الفاحش. # وليس في دول هذه الأيام (سنة 1903) ما يزيد الباقي في صندوقها على مليون واحد إلا ~~نادرا، مع أن مصادر الدخل عندها زادت عما كانت عليه في أيام العباسيين، خذ إنجلترا ~~مثلا، وهي من أعظم الدول الآن، فإن دخلها لعام 1900 بلغ نحو 120000000 جنيه منها: # جنيه # 22000000 # ضرائب المشروبات الروحية والتبغ والشاي. # 32000000 # قيمة الرخص على بيع هذه المشروبات ونحوها. # 18500000 # ضريبة الإيراد. # 13000000 # طوابع البريد. # 3000000 # من التلغراف. # 8500000 # طوابع للعقود ونحوها. # 97000000 ~~(المجموع) ms0269 # فترى من هذا المجموع أن نحو أربعة أخماس دخل هذه الدولة من مصادر لا يكاد يكون لها ~~أثر في صدر الدولة العباسية. # ويغلب في نفقات الدول الحديثة أن تساوي دخلها أو يبقى لها باق قليل جدا يندر أن ~~يزيد على مليون جنيه، وكثيرا ما يعجز صندوقها عن القيام بالنفقات كلها لحدوث ما يدعو ~~إلى زيادة النفقة كالحروب ونحوها، كما حدث لإنجلترا في الأعوام الأخيرة أثناء حربها في ~~جنوبي إفريقيا حتى اضطرت إلى الاستقراض كما هو مشهور، فما هو السبب في الفرق بين ~~ميزانية دول هذه الأيام وميزانية الدولة العباسية؟ لا يتضح لنا ذلك إلا إذا ذكرنا أسباب ~~الثروة العباسية. # | هوامش # | أسباب الثروة العباسية # من القضايا البديهية أن مثل هذه الثروة لا يتأتى إلا إذا كان الدخل كثيرا وكانت النفقة ~~قليلة، والثروة المشار إليها عبارة عن الباقي من إسقاط الخرج وهي سبل النفقة ونرى الفرق ~~بينهما، ونبين أسباب كثرة الأولى وقلة الثانية. ~~(1) مصادر الجباية # كانت الجباية في أوائل الهجرة قاصرة على الزكاة، ثم حدثت الغنائم بعد واقعة بدر ~~الكبرى ثم الجزية لمن صالح على نفسه من نصارى جزيرة العرب ويهودها، وتوفي النبي # صلى الله عليه وسلم # ومصادر الجباية الزكاة والغنائم والجزية، فلما كانت الفتوح في الشام والعراق ~~ومصر وضعوا الخراج والعشور على الأرض والمكس على التجارة، وانقضت دولة الراشدين وهذه ~~مصادر الجباية، وما زال الحال على ذلك في أيام بني أمية مع ما فرضوه من الضرائب غير ~~القانونية واستخدموه من العنف في تحصيلها كما تقدم، ومما وضعوه في أيامهم ضرائب ~~الأسماك، وضعها محمد بن مروان في أثناء ولايته أرمينيا سنة 72ه # 1 # ونظنهم وضعوا أيضا أعشار السفن وهي العشور التي تؤخذ من المراكب المارة في ~~البحار، وأخماس المناجم التي تحفر لاستخراج المعادن منها، وما زالت مصادر الجباية تزداد ~~وتتفرع حتى أصبحت في أيام العباسيين عديدة ترجع إلى أحد عشر وهي: ~~(1) # الصدقة أو الزكاة. ~~(2) # الجزية. ~~(3) # الخراج. ~~(4) # المكوس (الفردة). ~~(5) # الملاحات والأسماك. ~~(6) # أعشار السفن. ~~(7) # أخماس المعادن (أي المناجم). ~~(8) # المراصد (الجمارك). ~~(9) # غلة دار الضرب. ~~(10) # المستغلات. ms0270 ~~(11) # ضرائب الصناعة وغيرها. # على أن العمدة في زيادة الثروة إنما هي على الخراج، حتى إنهم سموا مجموع الجباية ~~خراجا بإطلاق البعض على الكل، فإذا قالوا خراج فارس مقداره كذا وكذا أرادوا مجموع ~~جبايتها من كل الضرائب، وعليه فلنبحث أولا في الخراج وسبب كثرته في العصر العباسي ~~الأول، ثم نلم بالضرائب الأخرى على وجه الاختصار. ~~(1-1) أسباب كثرة الخراج # الخراج ما يوضع من الضرائب على الأرض أو محصولاتها، ولكثرته في الدولة العباسية ~~أسباب أهمها أربعة، وهي: # سعة المملكة العباسية # لما كان المعول في مقدار الجباية على الخراج، فجباية المملكة تتعاظم بزيادة ~~مساحة أرضها وخصب تربتها، والمملكة الإسلامية في العصر العباسي الأول كانت ~~عظيمة الاتساع جدا، بل هي أوسع ممالك التمدن القديم (وخصوصا إذا اعتبرنا ~~إسبانيا منها) إلا مملكة الإسكندر فربما قاربتها. # أما مساحة المملكة العباسية فتقديرها إنما يعرف من مساحات الممالك التي قامت ~~مقامها اليوم، وهي: # مساحة المملكة العباسية (في القرن الثالث ~~للهجرة) # أسماء البلاد # الدولة التابعة لها سنة 1903 # مساحتها بالأميال # إيران كلها # شاه العجم # 628000 # أفغانستان # مستقلة # 215000 # بلوجستان # إنجلترا # 130000 # السند # إنجلترا # 48000 # تركستان روسيا فقط # روسيا # 257000 # بلاد القوقاز «تفليس» # روسيا # 15300 # أرمينية وكردستان # تركيا # 72500 # العراق، الجزيرة # تركيا # 100205 # سوريا، فلسطين # تركيا # 109509 # جزيرة العرب «منها» # تركيا # 200000 # القطر المصري # تركيا # 400000 # النوبة وبعض السودان # السودان # 300000 # طرابلس الغرب # تركيا # 398000 # جزائر الغرب # فرنسا # 184500 # تونس # فرنسا # 51000 # مراكش # مستقلة # 219000 # المجموع # 3328014 # فمجموع مساحة هذه المملكة 3328014 ميلا مربعا، وذلك نحو مساحة أوربا كلها، ~~فخراج ممالك أوربا لو جباه المسلمون لم يزد على خراج مملكتهم، فاعتبر عدد تلك ~~الممالك وفيها أعظم دول الأرض اليوم، فلو كان اعتماد تلك الدول في جبايتها على ~~الخراج لما استقام أمرها، وإنما عمدتها على ضرائب المشروبات الروحية والجمارك ~~كما تقدم. # على أن سعة المملكة العباسية لا تكفي وحدها لتعليل ثروتها؛ لأن المملكة ~~العثمانية بلغت من السعة في أيام السلطان سليمان القانوني ما يقرب من سعة مملكة ~~بني العباس، ومع ذلك ms0271 فإن الجباية في أيامه لم تزد على 2843750 جنيها مصريا ~~كما رأيت، وإنما ساعد الدولة العباسية على ذلك اهتمام الناس بالزراعة ونقل ~~الضرائب وخصب الأرض وغير ذلك. # اشتغال الناس بالزراعة # قلنا في كلامنا عن بيت المال في عصر الأمويين إن عمالهم كانوا يسيئون إلى ~~أصحاب الخراج من الرعايا، بما يستعملونه من العنف والعسف في تحصيلها، فتشاغل ~~الناس عن الزرع فأهملت الأرض، وزادها إهمالا انتشاب الفتن والحروب في العراق ~~وفارس وسائر أنحاء المملكة الإسلامية، ونقم الناس على حكومتهم وأبطلوا الزراعة ~~نكاية فيها، ولقلة انتفاعهم بها، فأصبح معظم البلاد خرابا من الإهمال # 2 # وفيها الضياع والمزارع، فلما تولى العباسيون، ونشروا لواء العدل، ~~وأحسنوا معاملة أهل الذمة والموالي، وأمنوهم على حقوقهم وأموالهم وأرواحهم، عاد ~~الناس إلى الاشتغال بالزرع وغيره. # وكان للخلفاء الأولين من بني العباس عناية كبرى بتأييد الأمن وتعمير البلاد، ~~ورعاية أهلها من الذميين والموالي، فالمنصور كان يتتبع العمال الظالمين ويأخذ ~~أموالهم، ويستبدل بهم سواهم، ويضع ما يأخذه من أموالهم في بيت مال مفرد سماه ~~بيت مال المظالم # 3 # وكان يبعث إلى الأطراف يسأل عن أسعار الغلة لئلا يظلم الناس بعضهم ~~بعضا، ويبحث عن كل ما يقضي به القضاة أو يعمل به الولاة، وعما يرد إلى بيت ~~المال وعن كل ما يحدث، فإذا رأى الأسعار تغيرت سأل عن السبب، وإذا شك في شيء ~~مما قضى به القاضي سأله ووبخه، # 4 # وبعد أن كان الموالي كالأرقاء في أيام بني أمية أصبحوا في أيام ~~العباسيين هم أهل الدولة وحماة الخلافة، يوصي الخلفاء بعضهم بعضا برعايتهم ~~وخصوصا آل خراسان، فقد أوصى المنصور ابنه المهدي قائلا: «انظر إلى مواليك، ~~فأحسن إليهم وقربهم، واستكثر منهم، فإنهم مادتك لشدتك إذا نزلت بك، وأوصيك بأهل ~~خراسان خيرا، فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ودماءهم في ~~دولتك. # 5 # وكذلك فعل المأمون وغيره، وكان المنصور يشغل نهاره في النظر في ~~الخراج والنفقات، ومصلحة معاش الرعية والتلطف معهم مما يؤدي إلى اطمئنانهم ~~وهدوئهم، ومن وصاياه لابنه المذكور: «يا بني لا يصلح السلطان ms0272 إلا بالتقوى، ولا ~~تصلح رعيته إلا بالطاعة، ولا تعمر البلاد بمثل العدل.» # وأدلة عدل الخلفاء العباسيين الأولين وتقواهم ورفقهم كثيرة، فقد كان المهدي ~~يجلس للمظالم فينصف الناس من عماله وقضاته وأهله، وأخبار الرشيد في العدل أكثر ~~من أن تحصى، وكان إذا ذكروا الظلم بين يديه بكى، من أمثلة ذلك أنه كان قد حبس ~~أبا العتاهية وجعل عليه عينا يأتيه بما يقول، فرأوه يوما قد كتب على ~~الحائط: # أما والله إن الظلم لؤم # وما زال المسيء هو الظلوم # إلى ديان يوم الدين نمضي # وعند الله تجتمع الخصوم # فأخبر بذلك الرشيد، فبكى وأحضره واستحله وأعطاه ألف دينار. # وله مع أبي العتاهية حديث أغرب من هذا، وهو أن الرشيد أولم وليمة ووضع ~~طعاما، وطلب إلى أبي العتاهية أن يصف ما هم فيه من النعيم، فقال: # عش ما بدا لك سالما # في ظل شاهقة القصور # يسعى عليك بما اشتهي # ت لدى الرواح وفي البكور # فإذا النفوس تقعقعت # في ظل حشرجة الصدور # فهناك تعلم موقنا # ما كنت إلا في غرور # فبكى الرشيد، فقال الفضل بن يحيى: «بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فحزنته!» ~~فقال الرشيد: «دعه، رآنا في عمى فكره أن يزيدنا.» # 6 # وأمثلة ذلك كثيرة عن الرشيد والمأمون مما لا يستوعبه كتاب، فكيف لا يستتب ~~الأمن في ظل هؤلاء؟! ولماذا لا تخصب الزراعة وتتسع التجارة في حمايتهم؟! وكيف ~~لا يتقاطر الناس إلى جوارهم والاستهلاك في خدمتهم؟! وكيف لا تعمر البلاد في ظل ~~العدل وهو ميزان نصبه الله بين عباده، فلا عمران إلا في ظله، ولا حياة إلا به؟! ~~ولا يتم عز للسلطان إلا بالعدل، إذ لا عز للملك إلا بالرجال، ولا قوام للرجال ~~إلا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة، ولا سبيل إلى العمارة إلا ~~بالعدل # 7 # والعدل أساس الملك. # ومما ساعد على عمران المملكة العباسية أن الخلفاء كانوا يبذلون جهدهم في ~~تعمير ما تركه الأمويون خرابا من الضياع والمزارع، بتسليمها إلى من يصلحها ~~ويعمرها # 8 # فضلا عما كانوا يبذلونه من العناية في شق ms0273 الأنهر وإنشاء السدود ~~وغيرها مما يسهل الري. # السواد # فعمرت بذلك البلاد وكثرت غلتها، وخصوصا السواد (أو العراق)، فإنه من أخصب ~~بقاع الأرض، وإذا راجعت ما ذكرناه من جبايته رأيت خراجه 120000000 درهم، وذلك ~~نحو ثلث خراج المملكة كلها، والسواد كثير الجباية من أيام الفرس، فقد جباه قباذ ~~بن فيروز 150000000 درهم # 9 # وجباه كسرى بن قباذ 287000000 درهم # 10 # وجباه غيرهما من ملوك الفرس 120000000 درهم، سوى 3000000 من ~~الوضائع لموائد الأكاسرة # 11 # كانوا يجبون ذلك على غير ظلم ولا عسف، ولكنهم كانوا يعتنون بالري ~~فيحفرون الترع ويبنون السدود والجسور، ووادي الفرات - كما لا يخفى - كثير الشبه ~~بوادي النيل من جملة وجوه لخصب تربته، وغزارة مائه، وهو يفيض مثله كل سنة ولكن ~~الفرات ودجلة يجريان من الشمال إلى الجنوب ويفيضان في الشتاء، والنيل يجري من ~~الجنوب إلى الشمال ويفيض في الصيف، ويحتاج السواد بعد كل فيضان إلى إصلاح ما ~~تخرب من الجسور ونحوها بطغيان الماء. # وكان ماء دجلة يجري قديما عبر مجراه اليوم، أي أنه كان يجري مثل مجراه اليوم ~~من بغداد جنوبا إلى المدائن فالدير فالعاقول فجرجرايا فجابول إلى ماذرايا، ومن ~~هناك ينعطف غربا حتى يسير سيرا عموديا إلى فم الصلح فواسط، حتى يصب في ~~البطائح حيث يلتقي بالفرات ومنها إلى دجلة العوراء بقرب البصرة، ومنها إلى خليج ~~فارس قرب عبادان، ثم يجري بعد ذلك من ماذرايا شرقا، ثم ينعطف جنوبا شرقيا ~~على ما هو عليه اليوم، وكان الفرات فرعين: أحدهما بجانب الكوفة، والآخر شرقيها، ~~وكلاهما يصب في البطائح. # البطائح # والبطائح مستنقعات أو أرض كان يغمرها الماء في أسفل العراق بين البصرة ~~والكوفة، وسببها أن دجلة انبثق في أيام قباذ بثقا كبيرا بقرب كسكر، فأغفل ~~أمره حتى غلب ماؤه وأغرق كثيرا من الأرض العامرة التي كانت تليه وتقرب منه، ~~فلما ولي أنوشروان العادل الشهير أمر بذلك الماء فزحم بالمسنيات (أي أقام ~~الجسور على جانبي المجرى القديم) حتى عاد بعض تلك الأرض إلى العمارة، ثم خلفه ~~ابنه برويز، وفي أيامه ms0274 زاد الفرات ودجلة زيادة عظيمة (في السنة السادسة للهجرة) ~~لم ير مثلها وانبثقت بثوق كبار، فجهد برويز أن يسكرها حتى ضرب أربعين سكرا ~~في يوم واحد فلم يقدر على رد الماء، فظلت الحال على ذلك حتى جاء المسلمون لفتح ~~العراق وشغل الفرس بالحرب، فكانت البثوق تنفجر ولا يلتفت إليها أحد ويعجز ~~الدهاقين عن سدها، فعظم ماؤها واتسعت البطيحة وعظمت # 12 # ومع ذلك فقد كان خراج هذه الأرض المستنقعة كبيرا؛ فإن عبد الله بن ~~دراج استغل منها 50000000 درهم في خلافة معاوية بن أبي سفيان، # 13 # لكنهم قلما عنوا بإصلاحها والانتفاع بالأرض المغمورة، فلما تولى ~~الحجاج بن يوسف اشتغل بالحروب عن إصلاح الري، وفي أيامه انبثقت بثوق أخرى وكبرت ~~البطائح، فكتب إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك بخبرها وأنه قدر للنفقة على ~~سدها 3000000 درهم، فاستكثرها الوليد، فقال له أخوه مسلمة بن عبد الملك: «أنا ~~أنفق على سدها من مالي على أن تعطيني خراج الأرض المنخفضة التي يبقى فيها الماء ~~بعد إنفاق المال على أيدي ثقاتك.» فرضي الوليد بذلك فحصلت للوليد أرض وطساسيج ~~كثيرة، فحفر نهرين سماهما السيبين وتألف الأكرة (أي عمال الأرض) والمزارعين ~~وعمر تلك الأرض، واستخرج للوليد أيضا من البطائح ثم لهشام بعده مالا كثيرا، ~~ثم جرى الناس على ذلك إلى أواخر بني أمية. # 14 # ولما أفضت الخلافة إلى العباسيين واتخذوا السواد مقر ملكهم، جعلوا همهم إحياء ~~أرضه باحتفار الأنهر وإنشاء الجسور، حتى تشابكت الترع في السواد، وأصبح ما بين ~~دجلة والفرات سوادا مشتبكا غير مميز، تخترق إليه أنهار من الفرات، # 15 # وقس على ذلك سائر أنحاء العراق، وهو لم يصر إلى هذا الخصب ~~والرخاء إلا في أيام العباسيين لارتياح الناس إلى العمل، ورغبة الخلفاء في ~~تعمير البلاد، مع قابلية الأرض لذلك. # خراسان # ومن البلاد التي زاد بها الخراج زيادة كبرى خراسان، فقد كانت أرضا خصبة ~~بالإضافة إلى سعتها، ورغبة أهلها في نصرة الدولة العباسية وخراج خراسان نحو ~~40000000 درهم، إذا أضيف إلى خراج العراق بلغ المجموع نحو نصف ms0275 جباية المملكة ~~كلها ولذلك كانت عناية بني العباس في إبان دولتهم مبذولة في هذين البلدين وفي ~~الحجاز، وكان يقال: أما العراق فللمال، وأما خراسان فللمال والرجال، وأما ~~الحجاز فهو مصدر الثقة في الخلافة وتثبيت البيعة، وعمران خراسان في ذلك الوقت ~~مما لا ريب فيه، قال المقدسي في عرض كلامه عن مدائن العراق، وقد أطنب في ~~عمرانها: «فهذه مدن بغداد، وبخراسان قرى كثيرة أجل من أكثر هذه ~~المدن.» # 16 # وكثيرا ما كان الخلفاء العباسيون يعدون خراسان المملكة ~~كلها. # 17 # ويدخل في ولاية خراسان بلاد ما وراء النهر، وهي كثيرة الخصب جدا، قال ابن ~~حوقل: «ولم أر ولم أسمع في الإسلام بظاهر بلد أحسن من ظاهر بلد بخارى؛ لأنك ~~إذا علوت قندهار لم يقع بصرك من جميع النواحي إلا على مغارس تتصل خضرتها بلون ~~السماء، وكأن السماء قبة زرقاء على بساط أخضر، تلوح القصور ما بين ذلك كالتراس ~~اللمطية أو كالكواكب العلوية بياضا ونورا من أراضي ضياع مقومة بالاستواء كوجه ~~المرآة.» قال: «والمشار إليه من متنزهات الأرض: صفد سمرقند ونهر الأبلة وغوطة ~~دمشق.» # 18 # ناهيك بعمران سائر المدن الإسلامية في ذلك العصر الزاهر. # مصر # ولا غرابة فيما تقدم من عمران البلاد في ظل الدولة العباسية، فإن العدالة ~~توطد دعائم الأمن، وإذا أمن الناس على أرواحهم وحقوقهم تفرغوا للعمل، فتعمر ~~البلاد، ويرفه أهلها، ويكثر خراجها، اعتبر ذلك بمصر وتاريخ جبايتها، فقد كان ~~عدد سكانها عند الفتح الإسلامي نحو 20000000 نفس على ما أجمع عليه مؤرخو العرب، ~~ويستبعد أهل زماننا إمكان هذا. # وأكثر منهم استغرابا أهل أوائل القرن الماضي، فقد ذكر الدكتور كلوت (بك) ~~تقدير العرب لسكان وادي النيل أنه عشرون مليونا، وعقب عليه بأنه «بعيد ~~الاحتمال؛ لأن طبيعة الأرض لا تحتمل أن يزيد عدد سكانها على ثلث هذا ~~القدر»، # 19 # وقد رأينا اليوم أنه زاد على نصفه، ولا يزال آخذا في ~~الزيادة. # أما كلوت (بك) فإنه أعظم ذلك؛ لأن إحصاء هذا القطر كان على عهد كتابه (سنة ~~1840) 3000000 نفس فقط، على أنه لما ms0276 ذكر هذا الإحصاء أظهر إعجابه بزيادة سكان ~~وادي النيل في عهد محمد علي عما كانوا عليه في أيام المماليك. # أما في أيام الأمراء المماليك قبله فلم يكن يزيد عدد سكان مصر على 2000000 ~~نسمة، ولا نظن الأرض المزروعة فيها كانت تزيد على مليون فدان وبعض المليون ~~بالنظر إلى ما كان يقاسيه المصريون من استبداد الأمراء المماليك، فلما استقرت ~~الأحوال في العصر الحديث تزايد السكان واتسعت مساحة الأرض المزروعة حتى بلغت ~~الآن 5500000 فدان (سنة 1903) وسكانها نحو عشرة ملايين وهم آخذون في الزيادة، ~~وبالطبع إن مقدار الجباية يزداد بزيادة العمران وكثرة السكان، وهما لا يكونان ~~إلا في ظل العدل الصحيح، اعتبر ذلك في جباية مصر بالنظر إلى الدول والعصور فترى ~~أنها تمشت على هذه القاعدة تماما: # كانت جباية مصر في زمن الراشدين أعلى ما بلغت إليه في الإسلام، فقد جباها ~~عمرو بن العاص في زمن عمر بن الخطاب 12000000 دينار ومساحة الأرض للزراعة على ~~تقديرهم 30000000 فدان، وجباها عبد الله بن سعد في أيام عثمان 14000000 دينار، ~~ولكنه استعمل العنف في تحصيلها، # 20 # فلما كانت أيام بني أمية وكان ما كان من ظلم العمال وعنفهم انحطت ~~الجباية، ولم تزد في أيامهم على 3000000 دينار إلا في أيام ابن الحبحاب على عهد ~~هشام بن عبد الملك فبلغت 4000000 دينار؛ لأنه بذل الجهد في تحصيلها وتعديلها ~~وزاد الخراج، فلما كانت الدولة العباسية لم تزد الجباية كثيرا لبعد مصر من دار ~~الخلافة يومئذ فظلت على نحو ما كانت عليه في أيام بني أمية، ولما أخذت الدولة ~~العباسية في التقهقر زاد انحطاط الجباية في مصر حتى أصبح في بعض سني القرن ~~الثالث للهجرة 800000 دينار، فلما تولاها ابن طولون سنة 257ه استقصى عمارتها ~~فبلغت جبايتها في أيامه 4000000 دينار مع رخاء الأسعار، وكان القمح كل عشرة ~~أرادب بدينار # 21 # فلما انقضت دولة بني طولون والدولة الإخشيدية ودخلت مصر في حوزة ~~الفاطميين سنة 363ه جباها جوهر القائد 7000000 دينار # 22 # لكنه لم يستطع ذلك إلا بزيادة ms0277 الخراج على الأفدنة، ثم عادت الجباية ~~فانحطت وارتقت تبعا لما تناوب عليها من الدول مما يطول شرحه. # وآخر عهدنا بانحطاطها على أيام الأمراء المماليك في أواخر القرن الثامن عشر - ~~كما تقدم - إذ كانت جبايتها قليلة جدا مع كثرة الضرائب والتشديد في تحصيلها، ~~وإليك ميزانية الحكومة المصرية سنة 1213ه/1798م: # ميدة أو نصف # الوارد # 80460068 # مال الميري على القرى والأوقاف # 10870773 # مال الميري على الإيراد # 22811805 # مال الميري على الصنائع والمأكولات # 2509081 # مال الميري على الرؤوس # 116651727 # مجموع الوارد # الخارج # 2939247 # نفقات كبار الموظفين # 29772657 # نفقات الجند # 2653585 # نفقات مختلفة # 8438994 # نفقات العلماء والتعليم ووقفيات # 13892139 # نفقات رجال الدين والجوامع ونحوها # 42071654 # نفقات الحج # 99868276 # مجموع الخارج يستخرج من مجموع الوارد أعلاه # 16773451 # الباقي # والباقي المشار إليه كانوا يسمونه الخزنة، وكانوا يحملونها إلى الأستانة كل ~~سنة، ولما تمرد حكام مصر، حاول بعضهم إسقاطها، والبعض الآخر تخفيضها، ثم انتهت ~~أخيرا إلى أن يقتطعوا منها 9283451 نصفا في مقابل نفقات فوق العادة على هذه ~~الصورة: # ميدة أو نصف # 3000000 # ترميم قلاع القاهرة # 1500000 # ترميم قلاع سائر القطر # 2000000 # أثمان سكر وخلافه # 2783451 # نفقات أخرى يأمر بها شيخ البلد # 9283451 # الجملة # فإذا أسقط هذا المال من الخزانة المذكورة كان الباقي 7500000 ميدة. # 23 # وخلاصة ما يهمنا في هذا المقام أن مجموع الإيراد في عصر المماليك بلغ ~~116651727 نصفا، أو ميدة، والميدة في تلك الأيام كانت تساوي أربعة سنتيمات ~~تقريبا # 24 # أو كل 28 نصفا تساوي 4 قروش و375 من ألف من القرش، فجباية مصر ~~يومئذ قيمتها بالقروش نحو 18156250 قرشا. # غير أن قيمة نقود تلك الأيام كانت تختلف عن قيمتها اليوم، وقياس ذلك الاختلاف ~~أسعار المأكولات؛ فقد كان ثمن الرطل من اللحم الضاني سبعة أنصاف وثمن إردب ~~القمح 240 نصفا # 25 # فإذا قسنا ذلك بأثمانها في هذه الأيام رأينا الميدة أو النصف يقابل ~~نصف القرش المصري تقريبا، فتكون جباية مصر في عصر المماليك تساوي نحو 58000000 ~~قرش مصري أو 580000 جنيه، فلما تولتها العائلة الخديوية ms0278 أخذت جبايتها في ~~الزيادة حتى بلغت في العام الماضي (1907) 11850000 جنيه، أي أكثر من عشرين مرة ~~من جبايتها في أيام المماليك، والتربة واحدة، والنيل واحد، والفصول على ~~حالها. # ثقل الخراج المضروب # كان الخراج المضروب على الأرض في المملكة العباسية يختلف نوعه باختلاف ~~البلاد، فبعضها بالمساحة، أي أن يضربوا على المساحة المعلومة من الأرض مالا ~~معينا في العام، سواء زرعت تلك الأرض أم لم تزرع، والبعض الآخر بالمقاسمة، أي ~~أن يكون الخراج جزءا من حاصل الأرض بعد زرعها واستغلالها، فما لم يزرع لا ~~يطالب بخراجه، وكل من خراج المساحة والمقاسمة درجات وفئات سيأتي بيانها، ولما ~~كان السواد (أو العراق) أهم أقاليم المملكة العباسية بالنظر إلى الخراج بدأنا ~~به. # السواد # كان السواد لما فتحه المسلمون يجبى بالمساحة باعتبار «الجريب»، وهو قطعة من ~~الأرض مساحتها ستون ذراعا في ستين أي 3600 ذراع مربع، فكل ما كانت مساحته ~~جريبا كان الفرس يأخذون عليه قفيزا (أي محصول قفيز من الأرض عينا) ~~ودرهما # 26 # والقفيز عشر الجريب (أي 360 ذراعا بلديا مربعا، وهم يقولون ~~القفيز ويريدون غلته، أي أنهم كانوا يأخذون عشر المحصول كله عينا؛ لأن القفيز ~~عشر الجريب وزيادة على ذلك درهما نقدا عن الجريب) ويعبرون عن القفيز وزنا ~~بثمانية أرطال، ويقدرون قيمته ثلاثة دراهم # 27 # وكانت ضريبة الخراج بالقفيز معروفة في الجاهلية، ومن ذلك قول زهير ~~بن أبي سلمى: # تغل لكم ما لا تغل لأهلها # قرى بالعراق من قفيز ودرهم # فإذا اعتبرنا القفيز بثلاثة دراهم كان الجريب بثلاثين درهما، يؤخذ عليه ~~أربعة دراهم أي نحو 13 وثلث في المئة، وهو خراج خفيف جدا، لولا أن كثيرا من ~~الأجربة تبقى بلا زرع ويدفع أصحابها الخراج عنها. # فلما فتح السواد على عهد عمر بن الخطاب، وعلم بما كان الفرس يجبونه، أمر ~~بمساحته فمسحوه وعدلوه باعتبار نوع الغرس، وخلاصة ذلك: أنه أبقى الخراج على ~~الحنطة كما كان في أيام الفرس، أي على الجريب قفيز ودرهم أو أربعة دراهم، وجعل ~~على الجريب من الكرم عشرة دراهم، ومن النخيل ms0279 ثمانية دراهم، ومن القصب ستة ~~دراهم، والرطبة خمسة دراهم، وعلى الشعير درهمين، وعلى الرأس من الناس 12 درهما ~~أو 24 أو 48 درهما، وأخرج من ذلك النساء والصبيان # 28 # وكان العمال يجبون السواد لعمر 12000000 درهم باعتبار أنه ~~30000000 جريب، وظل السواد في أيام الراشدين عامرا وأكثره مزروعا، فلما كانت ~~الفتنة بعد مقتل عثمان، واشتغل المسلمون بالحروب إلى أيام بني أمية، واستصفاء ~~الأموال في أيام معاوية والحجاج وغيرهما، اشتغل أهل السواد عن الزرع كما تقدم، ~~ومع ذلك فإن الحجاج جباه نحو جبايته في أيام عمر، ولا بد أنه استخدم العسف ~~والشدة في ذلك؛ لأن صاحب الأرض كان يطالب بالخراج عن أرض لم يزرعها، فإذا لم ~~يؤد ما عليها ظل عليه الخراج دينا عاما بعد عام، فيتراكم ذلك على أصحاب ~~الأرض وهم يزدادون ضنكا، فخربت البلاد وهجرها أهلها، وجرى على ذلك معظم عمال ~~العراق بعده حتى اضطر أصحاب الأرض إلى الإلجاء كما سيأتي، ناهيك بما كان في ~~نفوس أهل السواد وغيرهم من كره بني أمية لتعصبهم للعرب، واحتقارهم لغير العرب ~~ولو كانوا مسلمين. # فلما أفضت الخلافة إلى العباسيين سنة 132ه، وجهوا عنايتهم إلى السواد، بنوع ~~خاص، وأول من فعل ذلك منهم المنصور، فإنه نظر في السواد فإذا هو يكاد يكون ~~خرابا للأسباب التي قدمناها، فرأى أن من الظلم استبقاء الخراج عليه بالمساحة ~~على تلك الصورة، فجعل خراج الحنطة والشعير مقاسمة (وهما أكثر غلات العراق) أي ~~أن يؤخذ خراج الأرض من غلتها إذا زرعت، فإذا لم تزرع لا يؤخذ منها شيء، وأبقى ~~اليسير من الحبوب والنخل والشجر من الخراج بالمساحة، # 29 # ولا ندري كم جعل حصة بيت المال من المقاسمة المذكورة، ولكننا نعلم ~~أن ابنه المهدي (من سنة 156-169) عين ذلك وحدده فجعل المقاسمة بالنصف في الأرض ~~التي تسقى سيحا أي بدون تعب، وبالثلث في الأرض التي تسقى بالدوالي وبالربع ~~في الأرض التي تسقى بالدواليب، وأبقى خراج النخل والكرم والشجر على المساحة ~~(أي تركه يحسب على أساس المساحة المزروعة) وفضل بعضه على ms0280 بعض باعتبار قربه من ~~الأسواق والعرض، أشار عليه بذلك وزيره معاوية بن يسار، # 30 # فكان خراج العراق عبارة عن نصف غلته تقريبا؛ لأن أكثره يسقى ~~سيحا، وهو خراج ثقيل، ولكن الناس عدوه يومئذ فرجا ورحمة. # ويظهر أن الهادي أو الرشيد زاد على ذلك الخراج العشر، فصار خراج العراق نصف ~~غلته وعشرها أي ستة أعشارها، وظل ذلك شأنها إلى سنة 192ه فأسقط الرشيد العشر ~~وأبقى النصف فقط # 31 # وما زال أهل السواد يدفعون نصف غلتهم خراجا إلى سنة 204ه فجعلها ~~المأمون خمسين # 32 # فكأنه أسقط عشرين في المائة من مقدار الخراج، وخفض خراج بعض البلاد ~~الأخرى غير السواد كالري، فإنه جاءها سنة 210ه فأقام فيها مدة، وأمر بتخفيف ~~الخراج عنها، فلما انصرف وبلغ أهل (قم) ذلك طلبوا إليه أن يحط خراجهم كما فعل ~~بالري فأبى، فتمردوا وامتنعوا عن أداء الخراج وكان مقداره 2000000 درهم فحاربهم ~~المأمون وجباه في ذلك العام 7000000 درهم تأديبا لهم. # 33 # فترى مما تقدم أن خراج السواد كان ثقيلا بالنظر إلى ما كان عليه في أيام ~~الراشدين على المساحة؛ لأنهم كانوا يأخذون على الجريب أربعة دراهم ونسبة الجريب ~~إلى الفدان كنسبة 1260 : 4200 أو نسبة 100 : 333 وثلث، فإذا كان على الجريب 4 ~~دراهم كان على الفدان 13 وثلث، وهو خراج زهيد بالنظر إلى ما يبقى بورا فهو ~~كثير، وربما كان المعدل في الحالين واحدا، يدلك على ذلك أن الفرق في ارتفاع ~~الخراج بين المساحة في أيام الراشدين والمقاسمة في إبان كثرتها لا يعتد به، أما ~~بالنظر إلى هذه الأيام (سنة 1903م) فإن ضرائب السواد ما زالت حتى في أيام ~~المأمون تعتبر ثقيلة بالنسبة إليها؛ إذ ليس في العراق الآن أرض يزيد خراجها على ~~خمس غلتها، وفيها جانب كبير يؤخذ منه العشر فقط، وفي لبنان ظاهر الخراج على ~~المساحة ولكنه مؤسس على المقاسمة؛ لأنهم مسحوا الأرض وقسموها باعتبار ما يحصل ~~من غلتها باختلاف المغروسات، فالأرض التي غلتها كيل زيتون أو حمل ورق توت أو ~~بذار مد قمح ms0281 أو ما تساوي قيمته 360 قرشا سموها سهما، وفرضوا على السهم 21 ~~قرشا إلا ربع قرش، فيكون الخراج 6 في المائة فقط. # مصر # ويلي العراق في الخصب مصر، وكان خراجها على المساحة باعتبار الفدان وهو ~~قطعة من الأرض كانت مساحتها عندهم 400 قصبة، والقصبة خمسة أذرع بذراع ~~النجار وستة أذرع وثلثا ذراع بذراع القماش. # 34 # وفي تعريف الحكومة المصرية اليوم الفدان # قصبة، والقصبة 3,55 من المتر المربع، وبتحويله إلى أمتار ~~مربعة يكون الفدان نحو 4200 متر مربع، وقد تزيد أو تنقص قليلا. # 35 # وقد تقدم ما كان يقاسيه المصريون في عهد بني أمية من العسف وزيادة الضرائب، ~~فدخلت الدولة العباسية مصر وأكثرها خراب لما كان يسوم أهلها عمال بني أمية من ~~زيادة الخراج، وأشهر من فعل ذلك منهم عبيد الله بن الحبحاب في أيام هشام بن عبد ~~الملك، فإنه زاد على القبط قيراطا في كل دينار كما تقدم، فآل ذلك إلى ثورة ~~كبرى، على أن الثورات كانت تتوالى في مصر بسبب ضغط العمال، فلما تولى العباسيون ~~بعثوا إليها العمال، ولكنهم لم يكونوا يستطيعون رعاية أعمالهم، وملاحظة سيرهم، ~~كما كانوا يلاحظون سير عمال العراق؛ لبعد وادي النيل عن مركز خلافتهم، فكان ~~العمال حتى في صدر الدولة العباسية يضاعفون الخراج، ويشددون في تحصيله، كما فعل ~~موسى بن علي سنة 156ه في أواخر أيام المنصور، وموسى بن صعب في أيام المهدي، ~~فإنه ضاعف الخراج وشدد في استخراجه # 36 # وربما كان ذلك بإيعاز الخليفة؛ لأن المهدي زاد الخراج على أهل ~~العراق كما رأيت. # أما في أيام المأمون أي في إبان الثروة الإسلامية فقد كان الخراج المضروب على ~~مصر دينارين عن كل فدان، # 37 # وذلك كثير بالنظر إلى ما يؤخذ منها الآن، إذا اعتبرنا الفرق في ~~السعر بين تلك الأيام واليوم؛ لأن الخراج المضروب على أطيان مصر الخراجية (وهي ~~الجانب الأكبر) يختلف مقداره اليوم باختلاف خصبها، وهو وإن كان على المساحة ~~فأساسه المقاسمة؛ لأنهم قسموا القطر المصري إلى نواح يختلف خراجها باختلاف ~~خصبها. # وأخصب النواحي ms0282 لا يزيد خراج الفدان فيها على 180 قرشا، # 38 # وأمثال هذه الفدادين قليل جدا، وأما الأكثر فخراجه حوالي مائة ~~قرش، وفيها ما خراجه عشرون قرشا، أو عشرة قروش، وإذا اعتبرنا غلة الأرض بالنظر ~~إلى خراجها، رأينا الخراج لا يزيد على خمس الغلة بوجه التقريب؛ لأن الفدان الذي ~~تقدير خراجه مائة قرش مثلا يضمن بخمسة جنيهات أو ستة. # وإذا استخرجنا معدل خراج مصر على كل الفدادين، رأينا معدل خراج الفدان لا ~~يزيد على 85 قرشا؛ لأن في القطر المصري نحو 5500000 فدان زراعي بلغ مقدار ~~خراجها للسنة الماضية (1902) 4652570 جنيها # 39 # فيلحق الفدان الواحد نحو 85 قرشا، وقد تقدم في غير هذا المكان أن ~~القرش اليوم يساوي ثلث قرش تلك الأيام، فالديناران خراج الفدان في أيام المأمون ~~يساويان ستة دنانير في هذه الأيام أو ثلاثة جنيهات، فيكون خراج مصر في أيام ~~المأمون يزيد على ثلاثة أضعافه في هذه الأيام (سنة 1903). # ولكن يظهر أن الخراج في مصر زاد بعد المأمون، حتى بلغ في أواسط القرن الرابع ~~للهجرة لما جاءها القائد جوهر وفتحها باسم الخلفاء الفاطميين ثلاثة دنانير ~~ونصفا، فجعلها هو سبعة دنانير # 40 # وذلك شيء كثير. # وقد رأينا في كتاب أحسن التقاسيم للمقدسي أنه: «ليس على مصر خراج، ولكن يعمد ~~الفلاح إلى الأرض فيأخذها من السلطان ويزرعها، فإذا حصد ودرس وجمع رشمت ~~بالعرام وتركت، ثم يخرج الخازن وأمين السلطان فيقطعان (أي يأخذان) كرى الأرض ~~ويعطيان ما بقي للفلاح»، ولكن ذلك كان خاصا بالأرض التي كانت الحكومة تقبلها ~~أي تضمنها وليس لها مالك، وقد تكون في الأصل لبعض القواد أو العمال من الروم ~~الذين قتلوا في الحرب أو هربوا، فبقيت حلالا لبيت المال كما تقدم، فيضمنها ~~الحاكم ويأخذ ضمانتها عينا أو نقدا. # بلاد أخرى # وهناك بلاد بعضها كان يجبى بالمساحة، والبعض الآخر بالمقاسمة، فبلاد فارس ~~مثلا كان خراجها على ثلاثة أصناف: (1) المقاسمة، (2) المساحة، (3) القوانين، ~~وهي المقاطعات (أي الإقطاعات)، على أن أكثر بلاد فارس على المساحة، وتختلف ~~الأخرجة فيها باختلاف البلاد فأثقلها في شيراز ms0283 # 41 # فإن خراج الجريب حنطة أو شعيرا 190 درهما والجريب من الأرطاب ~~والمباطخ 237 ونصف درهم، ومن القطن 256 درهما وأربعة دوانق، ومن الكرم 1425 ~~درهما، ولكن الجريب عندهم كبير أي سبعون ذراعا بذراع الملك، وهو تسع ~~قبضات # 42 # فإذا فرضنا أن الجريب جريبان من أجربة العراق فالخراج مع ذلك لا ~~يزال ثقيلا جدا، وهو خراج تلك البلاد في أواسط القرن الرابع، ولم نقف على ~~مقداره في أيام المأمون. # ومن هذا القبيل خراج المغرب في أيام الأغالبة، فقد بلغ خراج الفدان في أيام ~~عباس بن إبراهيم بن الأغلب 18 دينارا # 43 # ولا نظن مثل هذا المال يطول اقتضاؤه من أصحاب الأرض، وإنما هو ~~يختلف باختلاف الأعوام والأحوال. # وجملة القول أن الخراج كان في العصر العباسي الأول ثقيلا، ومع ذلك لم يكن ~~يعسر اقتضاؤه، وقلما شكا الناس ثقله، وربما استطاع العامل أن يجمع الملايين من ~~الدراهم بسهولة في بضعة أيام، كما اتفق للمأمون لما مر بدمشق وكان أخوه المعتصم ~~عاملا له عليها، وقد قل المال مع المأمون فشكا ذلك إلى المعتصم فقال: «يا أمير ~~المؤمنين كأنك بالمال وقد وافاك بعد جمعة.» فجاءه بثلاثين ألف ألف درهم ~~(30000000) من خراج ما يتولاه له ففرق معظمه وهو واقف. # 44 ~~(2) سائر مصادر الجباية # على أننا لا نرى بأسا من الإشارة إلى ما بقي من مصادر الجباية في العصر العباسي ~~الأول لتتمة الموضوع - منها: ~~(1) # أعشار السفن: # هي ضريبة ذات بال، كان ~~يرد منها إلى بيت المال مبالغ وافرة، لم نعثر على تفصيلها ولا وقفنا على ~~مقدار ما كان يجبى منها في العصر العباسي، ولكن يؤخذ مما نعلمه من اتساع ~~التجارة في تلك الأيام، بين العراق وسائر أقطار الدنيا حتى الهند والصين، ~~أن السفن كانت كثيرة وأحمالها ثمينة، وقد ذكروا تاجرا واحدا من تجار ~~البصرة في القرن السادس للهجرة اسمه حسن بن العباس، له مراكب تسافر إلى ~~أقصى بلاد الهند والصين، بلغ مقدار ما يتحصل من ضرائبها 100000 دينار في ~~العام # 45 # فاعتبر ذلك وقس عليه غيره ms0284 في البصرة وغيرها من ثغور الإسلام، ~~وفيها ما يكون أكثر دخله من أعشار السفن، فقد كان ضمان أعشار المراكب في ~~عدن في القرن الرابع 200000 دينار، # 46 # وضمانها في القرن السادس 114000 دينار # 47 # والظاهر أن جباية تلك الأعشار كانت في العصر العباسي أقل مما ~~صارت إليه بعد ذلك؛ لأننا نرى في جريدة علي بن عيسى التي كتبها للخليفة ~~المقتدر سنة 306ه أن ضرائب المراكب في البصرة بلغت 22575 دينارا، وقد تقدم ~~أن أضعاف ذلك كان يتحصل من أحد تجارها بعد قرنين. ~~(2) # أخماس المعادن: # كانت المعادن عندهم ~~ضربين: ظاهرة، وباطنة، فالمعادن الظاهرة ما كان جوهرها المستودع فيها ~~بارزا، كمعادن الكحل والملح والقار والنفط، فهذه لا يجوز إقطاعها؛ لأنها ~~كالماء والناس فيه سواء يأخذه من ورد إليه (ومن قبيل ذلك أراضي المراعي ~~والكلأ والآجام)، وأما المعادن التي في باطن الأرض فهي ما كان جوهرها ~~مستكنا فيها، فهذه كانت الحكومة تقطعها لمن يستخرجها، ولها الخمس مما ~~يخرج منها، # 48 # ونظرا لسعة المملكة العباسية فقد كانت المناجم فيها عديدة، ~~ومنها الذهب والفضة والنحاس والزئبق والفيروز والزبرجد وغيرها، وهاك ~~أمثلة منها ومن أماكن وجودها: # كانت في خراسان معادن الذهب والفضة والفيروز والرخام وطين الختم ~~والنوشادر والزئبق # 49 # وفي ما وراء النهر معادن الذهب والفضة والزئبق لا يكاثره معدن ~~في الغزارة والكثرة # 50 # وفي بلاد فارس عامة المعادن: الفضة والحديد والأنك والكبريت ~~والنفط والصفر والزئبق، وبغربي أصبهان معدن الكحل # 51 # وفي كرمان مدينة اسمها دمندان كان فيها أكثر معادن الذهب ~~والفضة والحديد والنحاس والنوشادر والصفر # 52 # ومن هذا القبيل مغاوص المرجان بسواحل إفريقيا الشمالية، وهو ~~شيء كثير كانوا يوسقون من منجم واحد منه خمسين قاربا أو أكثر، وفي كل قارب ~~عشرون رطلا # 53 # وفي سوريا معادن الحديد، كانت بجوار بيروت، والمغرة الجيدة في ~~حلب وجبال الحمر في مكان آخر، ومعدن الرخام في فلسطين، ومعدن الكبريت في ~~الأغوار # 54 # وفي مصر معادن الشب بالصعيد، وكانت العربان تحضره من مناجمه ~~إلى ساحل أخميم وأسيوط والبهنسا، ويحمل منه ms0285 إلى الإسكندرية أيام النيل، ~~وكانوا يبيعون منه تجار الروم نحو 12000 قنطار بسعر أربعة دنانير لكل قنطار ~~إلى ستة، وكذلك النطرون في البر الغربي للنيل وفي غيره كان يستخرج منه كل ~~سنة 10000 قنطار، وكان يضمن في بعض الأحوال ضمانا تبلغ قيمته 15500 ~~دينار. # 55 # وفي النوبة مما يحاذي أسوان معدن الذهب المشهور، قال ابن حوقل: «والمعدن ~~ليس من أرض مصر، ولكنه في أرض البجة وينتهي إلى عيذاب، والمعدن أرض مبسوطة ~~لا جبل فيها وهي رمال ورضراض ومجمع تجارهم العلاقي.» # 56 # وفي بلاد الغرب مما يلي سجلماسة معادن الذهب والفضة، وكذلك في ~~ما وراء ذلك إلى بلاد السودان، # 57 # وكان في صعيد مصر جنوبي النيل (كذا) معدن الزبرجد في برية ~~منقطعة عن العمارة، # 58 # وفي البحرين بخليج فارس مغاوص اللؤلؤ، وفي صنعاء مناجم العقيق ~~وبين ينبع والمروة معادن الذهب، وعلى شواطئ عدن ومخا (في اليمن) ~~العنبر. # 59 # هذه أمثلة مما كان في المملكة العباسية من المعادن تمثيلا لما كان يجبى ~~من أخماسها إلى بيت المال، وكانوا يقطعون هذه المعادن إقطاعا أو يضمنونها ~~تضمينا بمال معين، وقد يكون ذلك المال كثيرا، من أمثلة ذلك أن معادن ~~الفيروز في نيسابور بلغت ضمانتها في أواسط القرن الرابع للهجرة 758720 ~~درهما. # 60 ~~(3) # الجزية والزكاة: # كانت الجزية في صدر ~~الإسلام كثيرة، ثم تناقصت بدخول الناس في الإسلام، والزكاة كان لها شأن ~~كبير في أول الإسلام، ثم قلت أهميتها، وسيأتي بيان ذلك. ~~(4) # المكوس والمراصد: # وهما تقابلان الجمارك ~~والعوائد في هذه الأيام، وكانوا يأخذون ضريبة من كل تجارة واردة في البحر ~~أو البر، مهما يكن نوعها من الأنسجة أو المحصولات أو المصنوعات أو الرقيق ~~أو غيره، وكان يحصل لهم من ذلك مال كثير، ولا نعلم مقدار ما كان يجمع منه، ~~ولكن يظهر أنها كانت تختلف باختلاف الزمان والمكان، وربما اختلفت في البلد ~~الواحد باختلاف الزمان، وفي الزمن الواحد باختلاف البلاد مما لا يمكن حصره، ~~وإنما نأتي بما شاهده شمس الدين المقدسي بنفسه في مصر في أواسط القرن ms0286 ~~الرابع للهجرة من الضرائب التي كانت تؤخذ في تنيس ودمياط، قال: «وأما ~~الضرائب فثقيلة بخاصة تنيس ودمياط وعلى ساحل النيل، وأما الثياب الشطوية ~~فلا يمكن القبطي أن ينسج شيئا منها إلا بعد ما يختم عليها بخاتم السلطان، ~~ولا أن تباع إلا على يد سماسرة قد عقدت عليها، وصاحب السلطان يثبت ما يباع ~~في جريدته، ثم تحمل إلى من يطويها، ثم إلى من يشدها بالقشر ثم إلى من يشدها ~~في السفط، وإلى من يحزمها، وكل واحد منهم له رسم يأخذه، ثم على باب الفرضة ~~(أي الميناء) يؤخذ شيء، وكل واحد يكتب على السفط علامته، ثم تفتش المراكب ~~عند إقلاعها، ويؤخذ بتنيس على زق الزيت دينار ومثل هذا وأشباهه، ثم على شط ~~النيل بالفسطاط ضرائب ثقال، رأيت بساحل تنيس ضرائبيا جالسا قبل قبالة ~~هذا الموضع (يجمع) في كل يوم ألف دينار، ومثله عدة على سواحل البحر في ~~الصعيد وساحل الإسكندرية، وبالإسكندرية أيضا على مراكب الغرب، وبالفرما ~~على مراكب الشام، ويؤخذ بالقلزم من كل حمل درهم.» # 61 # وذكر ابن حوقل: أنه كان يتحصل مما يخرج من أذربيجان إلى نواحي الري ~~ولوازم على الرقيق والدواب، وأسباب التجارات والأبقار والأغنام 1000000 ~~درهم في السنة. # 62 # على أن هذه الضرائب وأمثالها لم يكن لها رواج في أوائل الدولة العباسية، ~~ولا كانت غلتها تستحق الذكر، ولكن دخلها تعاظم في عصر الاضمحلال. ~~(5) # المستغلات وغلة دار الضرب: # يراد ~~بالمستغلات ما يجبى لبيت المال من أسواق أو منازل أو طواحين، ابتناها ~~الناس في أرض تربتها للسلطان (أي يملكها السلطان) فيؤدي عنها أجرة # 63 # وذكر ابن خرداذبة مبلغ غلات الأسواق والأرحاء ودور الضرب في ~~مدينة السلام بغداد 1500000 درهم في السنة ، # 64 # وبلغت غلات ومستغلات سامرا وأسواقها 10000000 درهم في ~~السنة. # 65 # فالدولة العباسية في إبان زهوها كانت تجبي من هذه الضرائب شيئا كثيرا، ولكن العمدة ~~كانت على الخراج كما تقدم. ~~(2-1) صدق العمال في إرسال المال المجموع # قد رأيت مما ذكرناه من جور عمال بني أمية أنهم كثيرا ما كانوا ms0287 يستأثرون بالخراج ~~لأنفسهم، إما بإذن الخلفاء كما فعل عمرو بن العاص بمصر إذ جعلها معاوية طعمة له في ~~مقابل نصرته على علي، أو بحجة الحاجة إلى المال في الحروب كما حصل في أيام الحجاج، ~~أو استرضاء لعامل متمرد التماسا لقعوده (أي سكوته وطاعته)، # 66 # أو أن يعصي العامل بالخراج لغير سبب كما فعل مسلمة بن عبد الملك في ~~ولايته على العراق في أيام أخيه يزيد # 67 # فإن «يزيد» استحيى أن يطالبه بالخراج؛ ولعله خاف عصيانه، ناهيك بما ~~كان يكتمه العمال عن خلفائهم من أموال الفيء والغنائم وهي من حق بيت المال، وقد ~~يذكرونها ويطمعون فيها كما فعل يزيد بن المهلب بعد فتحه جرجان سنة 98ه، فإنه أصاب ~~مالا كثيرا بقي منه لبيت المال 6000000 درهم، كتب عنها للخليفة لكنه استبقاها ~~لنفسه، # 68 # ذلك ونحوه دعا الخلفاء في بعض الأحوال إلى أن يستخرجوا المال من عمالهم ~~بالقوة كما تقدم. # أما بنو العباس، فقد كان معظم عمالهم في أوائل الدولة من أهلهم الأقربين، ثم ~~استعملوا أنصارهم الفرس، وهم أكثر الناس رغبة في قيام دولتهم، وكان الخلفاء من ~~الجهة الأخرى لا يقصرون في زيادة رواتبهم حتى بلغت في أيام المأمون ثلاثة ملايين ~~درهم # 69 # وهي عمالة (بكسر العين وهي المرتب) الفضل بن سهل على المشرق، ولم يدرك ~~مثلها أحد من عمال بني أمية؛ لأن أكبر راتب اقتضاه عمالهم لم يزد على 600000 درهم، ~~وهي عمالة يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق. # 70 # ومما ساعد بني العباس في أوائل دولتهم على حفظ نظام أعمالهم، وإجماع العمال على ~~ولائهم سداد رأي وزرائهم، وخصوصا البرامكة، فإنهم كانوا واسطة عقد تلك الدولة، ~~وزهرة تمدنها، وكذلك كان الفرس على الإجمال؛ لأنهم كانوا يعدون استيلاء بني العباس ~~عليهم رحمة من الله كانوا يتوقعونها منذ أعوام للتخلص من بني أمية واحتقارهم ~~إياهم. # وهناك أسباب أخرى لكثرة جباية الدولة في أيام المأمون؛ كقلة الحروب والفتن، فإنها ~~مذهبة للأموال، مضيعة للخراج، مفسدة للأعمال، لاشتغال الناس عن الزراعة والتجارة ~~وإنفاق الأموال في ms0288 الجند. ~~(3) أسباب قلة النفقة # فرغنا من الكلام عن أسباب كثرة الخراج في الدولة العباسية بالقياس على أيام بني أمية، ~~وهذه الأيام (سنة 1903) وهي القسم الأول من أسباب الثروة العباسية، فلنأت إلى القسم ~~الثاني وهو قلة النفقة، وأهم أسبابها ثلاثة: ~~(3-1) قلة الموظفين # يختلف عدد الموظفين في مصالح الحكومة باختلاف نمط تنظيمها، ويقال بالإجمال: إنهم ~~أقل عددا في الحكومات الاستبدادية منهم في الحكومات المقيدة؛ لاستغناء الحكم ~~المطلق عن تدوين كل شيء وضبطه لمراجعة النظر فيه، اعتبر ذلك في المحاكم القضائية، ~~ومقدار الفرق بين عدد موظفيها في عهد الأحكام العرفية، وبينهم في عهد الأحكام ~~القانونية، وقس عليه سائر مصالح الحكومة والسبب فيها متشابه، ويكفي لبيان هذا الفرق ~~مقابلة عدد موظفي الحكومة المصرية قبل نظامها الحالي بعددهم اليوم. # كانت حكومة مصر قبل دخول الفرنسيين إليها (في أواخر القرن الثامن عشر) لا تزال ~~على نحو ما رتبها عليه السلطان سليم الفاتح وابنه السلطان سليمان. # وخلاصة ذلك أن رئيسها (الباشا) وهو الوالي المرسل من الأستانة يليه 24 بيكا ~~(طلبه خانه) منهم 12 يتولون المصالح الكبرى في القطر؛ وهم: ~~(1) # الكخيا: وهو نائب (الباشا) وكاتم سره. ~~(2) # الدفتردار: وهو ينظم في الخراج ويقابل ناظر المالية عندنا. ~~(3) # أمير الخزنة: وهو يحمل إلى الأستانة ما يخصها من خراج مصر. ~~(4) # أمير الحج: وهو يتولى قيادة الحج إلى الحجاز. ~~(5) # ثلاثة قباطين لقيادة ثغور السويس ودمياط والإسكندرية. ~~(6) # خمسة مديرين لأقاليم جرجا والبحيرة والمنوفية والغربية ~~والشرقية. # وهناك أربعة كشاف لأقاليم القليوبية والمنصورة والجيزة والفيوم، وأعمالهم مثل ~~أعمال البكوات مديري الأقاليم الأخرى. # ومن المصالح الأخرى القاضي وأمير الضربخانة والمحتسب. # وكان الجند عبارة عن ست فرق تسمى وجاقات وهي: ~~(1) # وجاق المتفرقة: وهو مؤلف من نخبة الحرس السلطاني. ~~(2) # وجاق الجاويشية: وهو مؤلف في الأصل من صف ضابطان جيش السلطان سليم فعهد ~~إليهم جباية الخراج. ~~(3) # وجاق الهجانة. ~~(4) # وجاق التفقجية: وهم ناقلو البنادق. ~~(5) # وجاق الانكشارية: وهم أخلاط من نخبة القبائل الخاضعة للدولة العثمانية، ~~وكانوا يعرفون أيضا بالمستحفظين لإناطة محافظة البلاد بهم. ~~(6) # وجاق العزب. # وكان كل من هذه الوجاقات مؤلفا ms0289 من أفراد يقال لهم «وجاقلية» واحدهم «وجاقلي» ~~على كل وجاق منها ضابط، يلقب بالآغا، يصحبه الكخيا والباش اختيار والدفتردار ~~والخزندار والروزنامجي، # 71 # ومن اجتماع هؤلاء الضباط من سائر الوجاقات يتألف مجلس شورى الباشا فلا ~~يقضي أمرا إلا بمصادقتهم. # هذه خلاصة نظام الحكومة المصرية المركزي، ولا ترى عدد الموظفين فيه يزيد على ~~خمسين (ما عدا الجيش)، فإذا اعتبرنا ما يلحقه من الكتاب والنواب وغيرهم ربما ~~بلغ إلى 200 أو قل 300 أو 400، وهو يقابل في هذه الأيام نظارات الحكومة ومجلس ~~النظار والمعية ومصلحة الصحة والبوليس وسائر المصالح، مما يربو عدد موظفيها على ~~ألفين كما يأتي: # الموظفون في الحكومة المصرية الآن فئتان: الفئة الأولى: العمال، وهم الذين يتولون ~~أعمالها وإدارة شؤونها، ومنهم النظار، ورؤساء الأقلام، والكتاب والحساب، والفئة ~~الثانية: الخدمة، ومنهم الفراشون، والبوابون، ونحوهم، وإليك عدد الموظفين من طبقة ~~العمال فقط مرتبة باعتبار النظارات والمصالح والأقلام. # 72 # عدد موظفي الحكومة المصرية لسنة 1902 من طبقة ~~العمال # عدد # 1121 # المعية وتوابعها # 18 # مجلس النظار # 26 # مجلس الشورى # 24 # نظارة الخارجية # 419 # نظارة المالية # 424 # نظارة المعارف # 186 # نظارة الداخلية # 2760 # نظارة الحقانية # 629 # نظارة الأشغال # 3306 # نظارة الحربية # 1715 # مصالح إدارة الأقاليم وماليتها # 6644 # مصلحة البوليس # 526 # مصلحة الصحة # 105 # مصلحة السجون # 15 # مصلحة منع الرقيق # 36 # مصلحة الدفترخانة # 510 # مصلحة الجمارك # 218 # خفر السواحل # 140 # الدخوليات (الجمارك) # 4 # مصايد الأسماك # 13 # الرسالة # 1938 # السكة الحديدية # 327 # التلغرافات # 29 # ميناء الإسكندرية # 550 # البوستة # 103 # الفنارات # 6 # الليمانات # 15 # التمغة للمصاغات # 301 # مكاتب تابعة للمعارف # 11 # الكتبخانة الخديوية # 4 # الأنتكخانة # 14 # المطبعة الأهلية # 90 # أملاك الميري الحرة والمشتركة # 227 # القومسيون البلدي # 22454 ~~(الجملة) # فجملة موظفي الحكومة المصرية من العمال 22454، فإذا أخرجنا منهم المصالح ذات ~~الإيراد إذ لا دخل لها في إدارة شؤون الحكومة وهي: # عدد # 1938 # السكك الحديدية # 327 # التلغرافات # 29 # ميناء الإسكندرية # 550 # مصلحة البوستة # 103 # الفنارات # 6 # الليمانات # 15 # قلم التمغة # 2968 ~~(الجملة) # ومصالح إدارة الأقاليم وعدد موظفيها 1715، كان المجموع 4683، وبإخراجه من ms0290 العدد ~~الأصلي يبقى 17771 وهو عدد موظفي الحكومة المصرية في نظاراتها ومصالحها ما عدا ~~الجيش، فاعتبر الفرق العظيم بين هذا العدد وبين ما كان عليه في أيام المماليك، وقس ~~عليه عدد موظفي الحكومة في الدولة العباسية. # على أن ذلك يتضح من مراجعة قائمة نفقات الدولة العباسية، فإنك ترى معظم أصحاب ~~الرواتب هناك من الجند، وخدمة البلاط، والحرس الخاص، والغلمان، والحشم، ~~والفراشين، وأصحاب الصيد، ونحوهم، وليس من عمال الحكومة الحقيقيين إلا جزء صغير وهم ~~المعبر عنهم «بأكابر الكتاب»، وأصحاب الدواوين، والخزان، والبوابين ... إلخ، وعبد ~~الله بن سليمان (الوزير)، وإسحق بن إبراهيم القاضي، والفرسان، ونفقات السجون، ~~والعلوفة، ونحو ذلك، ولا نظن نفقات الحكومة على مصالحها الحقيقية تزيد على نصف ذلك ~~المال (أي 1250000 دينار) مع أن نفقات الحكومة المصرية الآن على مصالح الإدارة ~~والتحصيلات وحفظ النظام فقط تزيد على 3250000 جنيه، وما مصر بالنظر إلى المملكة ~~العباسية إلا جزء صغير، وأما سبب هذه الزيادة فمن كثرة الموظفين لما اقتضاه النظام ~~الحديث من الضبط والتحرير كما تقدم. # على أن السبب في قلة نفقات الدولة العباسية من حيث الموظفين ليس قلة عددهم فقط، ~~ولكن هناك سببا آخر ذا بال، أعني تسديد أرزاق بعض العمال من مال يوفرونه ولا ~~يدخل في باب الوارد؛ فقد رأيت أن أرزاق أكابر الكتاب وأصحاب الدواوين والخزان ... إلخ ~~156 وثلثا دينار في اليوم، غير أن هؤلاء ليسوا كل موظفي الدواوين بل هم الكبراء ~~فقط، ويتضح ذلك من قوله هناك: «سوى كتاب دواوين الإعطاء وخلفائهم على مجالس ~~التفرقة، وأصحابهم وأعوانهم، وخزان بيت المال، فإنهم يأخذون أرزاقهم مما يوفرون من ~~أموال الساقطين، وغرم المخلين بدوابهم.» ويدل ذلك أيضا على اختصار الحسابات مما لا ~~يرتكبه في هذه الأيام أصغر الباعة إذا أراد ضبط حسابه فضلا عن دوائر الحكومة، فإن ~~أموال الساقطين وغرم المخلين كان يجب أن تدون في أبواب الوارد، وتدون رواتب أولئك ~~الموظفين في باب النفقات، وعلى أننا نستبعد أن لا يكون لهذه القيود محل في دفاتر ~~الحكومة العباسية، وأنها أسقطت من ms0291 هذه القائمة حبا في الاختصار أو لأسباب ~~أخرى. ~~(3-2) عدم وجود الدين على الحكومة # من أدران التمدن الحديث ، انغماس الحكومات الأوربية في الديون، وما من دولة إلا ~~وهي مدينة بمال لا بد لها من تأدية فوائده، أو تسديد بعضه من دخلها كل عام، فهو عبء ~~ثقيل على ماليتها وسبب كبير في قلة ما يفضل من دخلها، مع كثرة أبواب الدخل عندها ~~مما فرضته من الضرائب المختلفة التي لم تكن معروفة في الدولة العباسية، أو كانت ~~معروفة على صورة خفيفة جدا، فقد تقدم أن دخل إنجلترا 120000000 جنيه يجتمع نحو ~~أربعة أخماسها من ضرائب أكثرها حديثة العهد، وأن نفقات الدولة تستغرقها كلها، فمن ~~أسباب ذلك أن ربع هذا الدخل تقريبا يذهب في وفاء فائدة ما على هذه الدولة من ~~الديون، ولولا ذلك لبقي في خزينة الحكومة الإنجليزية كل عام حوالي 30000000 جنيه أي ~~نحو ثروة الدولة العباسية كلها، وليست إنجلترا وحدها غارقة في الديون، فإن معظم دول ~~أوربا مثلها، وإن تفاوتت ديونها، وهاك بيانا بديون أشهر دول العالم في آخر القرن ~~التاسع عشر، بقطع النظر عن كسور المليون، وقد رتبناها في الجدول الآتي باعتبار ~~الأكثرية: # ديون أشهر دول العالم ~~(Statesman’s ~~year book) # جنيه # 1250000000 # فرنسا # 700000000 # إنجلترا # 200000000 # روسيا # 200000000 # الولايات المتحدة # 128000000 # الدولة العثمانية # 120000000 # النمسا # 103000000 # مصر # 100000000 # ألمانيا # 93000000 # هولندا # 54000000 # الصين # 48000000 # اليابان # 22000000 # إيطاليا # 12000000 # إسبانيا # 3030000000 ~~(الجملة) # وقد تراكمت هذه الديون على تلك الدول بتوالي الأجيال، بما احتاجت إليه من النفقة ~~في الحروب، أو في إنشاء المشروعات الكبرى، أو نحو ذلك مما لم تكن الدولة العباسية ~~في غنى عنه، ولكنها كانت في أيام زهوها تنفق مما تدخره من فضلات الجباية كما تقدم. ~~فلما قلت الجباية وكثرت أسباب النفقة في طور الاضمحلال، ولم يبق في بيت مالها ما ~~تنفقه في الحروب عمدت إلى استخراج الأموال من أهل الثروة، وخصوصا من كبار موظفيها ~~كالوزراء، والعمال، والكتاب الذين أثروا من مالها بالاختلاس ونحوه، وسموا ذلك ~~مصادرة كما سيأتي. ms0292 # على أن الدولة العباسية كانت في بعض الأحيان تستسلف المال من بعض التجار في مقابل ~~أوراق لم يحل أجلها، وأكثر ما كانوا يفعلون ذلك مع اليهود، وهم أقدر الناس على ~~المرأباة كما لا يخفى، وبلغ مقدار الربا الذي كانوا يأخذونه على تلك القروض نحو 20 ~~في المائة، فقد كان علي بن عيسى وزير المقتدر في أوائل القرن الرابع الهجري إذا ~~احتاج إلى المال، وليس له وجه استسلف من التجار على سفاتج وردت من الأطراف، ولم تحل ~~بعد. # وكان مقدار ما يدفعه عليها من الربا دانقا ونصفا على كل دينار في الشهر، فإذا ~~استدان عشرة آلاف دينار بلغ رباها في الشهر 2500 درهم، وأشهر من كان يتعامل معهم من ~~صيارف اليهود في بغداد رجل كان يعرف بيوسف بن فنحاس، وهو من تجار الأهواز أيضا، ~~وآخر اسمه هرون بن عمران أو من قام مقامهما مدة ست عشرة سنة، # 73 # غير أن ذلك لا يعد من قبيل الدين الأهلي الشائع في هذه الأيام. ~~(3-3) اقتصاد الخلفاء الأولين وتدبيرهم # من الأمور المقررة في التاريخ السياسي أن مؤسسي الدول ومن يتلوهم من الأمراء ~~الأولين يغلب فيهم الاقتصاد والتدبير، ولولا ذلك لم يتأت لهم إنشاء الدول أو ~~تثبيت دعائمها، ويعبر فلاسفة التاريخ عن ذلك بصبوة الدولة، والصبوة تدعو إلى النمو ~~بالادخار، فإذا بلغت الدولة شبابها وتم نموها عادت ناكصة على عقبيها، كما ~~يتقهقر المرء إلى الكهولة فالشيخوخة، فالدولة العباسية نشأت في حوزة السفاح طفلة، ~~فتناولها المنصور صبية فغذاها وأنماها حتى أدركت شبابها في أيام الرشيد والمأمون، ~~ثم تقهقرت إلى الكهولة فالشيخوخة فالهرم في أيام الخلفاء الذين أتوا بعد ~~ذلك. # توفي السفاح وقد ملك أربع سنوات، ولم يخلف سوى بعض الثياب # 74 # ولو كان طماعا لجمع مالا كثيرا؛ لكثرة ما وقع له من غنائم بني أمية ~~فضلا عن الجبايات وغيرها. # وخلفه المنصور فتولاها بضعا وعشرين سنة ادخر في أثنائها نحو 81000000 درهم ~~كما تقدم، وكان لفرط حرصه متهما بالبخل، ولم يكن بخيلا ولكنه كان لا يضع الكرم ms0293 في ~~غير موضعه، لم يكن يبذل المال إلا إذا رأى في بذله منفعة في تأييد دولته، وفضل ~~المنصور في تأييد الدولة العباسية بالحزم والشدة والعدل مثل فضل عمر بن الخطاب في ~~تأييد الإسلام، يكفيك من دلائل اقتصاده وتدبيره وحسن نظره ما أوصى به ابنه المهدي ~~عند وفاته، من ذلك قوله: «قد جمعت لك من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين ~~كفاك لأرزاق الجند والنفقات والذرية ومصلحة البعوث، وإياك أن تدخل النساء في أمرك، ~~وإياك والأثرة والتبذير لأموال الرعية، واشحن الثغور، واضبط الأطراف، وأمن ~~السبل العامة، وأدخل المرافق عليهم، وادفع المكاره عنهم، وأعد الأموال واخزنها، ~~فإن النوائب غير مأمونة، وهي من شيم الزمان، وأعد الكراع والرجال والجند ما استطعت ~~وإياك وتأخير عمل اليوم إلى الغد فتتدارك عليك الأمور وتضيع، وأعد رجالا في الليل ~~لمعرفة ما يكون في النهار، ورجالا في النهار لمعرفة ما يكون في الليل، وباشر ~~الأمور بنفسك، ولا تضجر، ولا تكسل، واستعمل حسن الظن، وأسئ الظن بعمالك وكتابك، ~~وخذ نفسك بالتيقظ.» # 75 ~~••• # قضى المنصور مدة خلافته، ولم ير في داره لهو ولا شيء يشبه اللهو أو اللعب، أو ~~العبث، إلا مرة، كان في مجلسه فسمع جلبة فأمر حمادا التركي وكان واقفا على رأسه ~~أن يبحث عن سبب ذلك، فمضى فرأى خادما من خدم المنصور وقد جلس وحوله الجواري وهو ~~يضرب لهن بالطنبور، وهن يضحكن، فعاد حماد وأخبر المنصور فقال: «وأي شيء هو ~~الطنبور؟» فوصفه له فقال: «وما يدريك أنت ما الطنبور؟!» فقال: «رأيته بخراسان»، ~~فقام المنصور ومشى إلى الجواري فلما رأينه تفرقن خوفا منه، فأمر بالخادم فضرب رأسه ~~بالطنبور حتى تكسر الطنبور، وأخرج الخادم فباعه. ~~••• # وكان المنصور بخيلا على نفسه باللباس، كان يرتدي جبة هروية ويرقع قميصه، وإذا ~~استجداه أحد بخل إلا إذا رأى الجود لازما، فربما سأله أحدهم درهما فلا يعطيه، ~~ويعطي الآخر ألفا بلا سؤال، من أمثلة ذلك أن أحد معارفه القدماء لقيه بعد الخلافة ~~وكان فقيرا فسأله المنصور: «ما عيالك؟» قال: «ثلاث بنات والمرأة ms0294 وخادم لهن.» فقال ~~له: «أنت أيسر العرب، أربعة مغازل يدرن في بيتك!» ولم يعطه شيئا، ولما توفي عيسى ~~بن نهيك سأل المنصور خادمه عما خلفه من المال فقال الخادم: «خلف ألف دينار أنفقته ~~امرأته على مأتمه.» فقال: «كم خلف من البنات؟» قال: «ستا»، فأطرق المنصور ثم ~~أمر لكل من البنات بثلاثين ألف دينار وسعى في تزويجهن، وفرق المنصور في أهل بيته في ~~يوم واحد 10000000 درهم. # 76 # ولما توفي المنصور خلفه ابنه المهدي، وكان شبيها بأبيه من عدة وجوه؛ ومن جملتها ~~النظر في دقائق الأمور، وفي أيامه ترتبت الدواوين وتنظمت إدارة الحكومة، وتقررت ~~القواعد على يد وزيره معاوية بن يسار # 77 # وكان يجلس للمظالم بنفسه، وكان تقيا ورعا، ولكنه لم يكن في مثل ما ~~كان عليه أبوه من الاقتصاد، وتولى بعده الهادي زمنا قصيرا، ثم الرشيد وكان تدبير ~~المملكة قد أفضى إلى الوزراء من آل برمك، وقد اتسعت الأرزاق وكثرت الأموال، وكان ~~البرامكة أهل كرم وسخاء، فزادوا الخلفاء كرما وكانوا يحرضونهم على ذلك منذ صغرهم، ~~كما فعل يحيى البرمكي مع الرشيد وكان يسايره يوما فقام رجل فقال: «يا أمير ~~المؤمنين عطبت دابتي.» فقال الرشيد: «يعطى خمسمائة درهم.» فغمزه يحيى، فلما نزل ~~الرجل قال الرشيد ليحيى: «يا أبتاه أومأت إلي بشيء وقتما أمرت بالدراهم فما هو؟» ~~فقال: «مثلك لا يجري هذا المقدار على لسانه، إنما يذكر مثلك خمسة آلاف ألف، وعشرة ~~آلاف ألف.» قال: «فإذا سئلت مثل هذا كيف أقول؟» فقال: «تقول: يشترى له دابة ويفعل ~~به فعل نظرائه.» # 78 # وكان الرشيد ميالا للجود من فطرته، فنشطه ذلك حتى صار إلى أبعد مما أرادوه، ~~واضطروا إلى إيقافه عند حده، # 79 # وأوغل الخلفاء بعد ذلك في البذخ والإسراف، وهما من أسباب سقوط دولتهم ~~على ما سيجيء. # وجملة القول أن أسباب الثروة العباسية في عصرها الأول كثرة الدخل وقلة النفقة، ~~وأسباب كثرة الدخل: ~~(1) # سعة المملكة. ~~(2) # اشتغال الناس بالزراعة والتجارة لاطمئنان خواطرهم. ~~(3) # ثقل الخراج المضروب على الأرض. ~~(4) # صدق العمال في إرسالهم المال المجموع إلى ms0295 بغداد. # وأسباب قلة النفقة: ~~(1) # قلة الموظفين. ~~(2) # عدم وجود الدين. ~~(3) # اقتصاد الخلفاء الأولين. # | هوامش # | ثروة الدولة العباسية في عصر الاضمحلال # (1) تمهيد في أسباب ذلك الاضمحلال # لكل دولة أدوار شبيهة بأدوار الحياة من الطفولة إلى الشيخوخة: فالدولة العباسية بلغت ~~شبابها في أيام الرشيد والمأمون وهو العصر العباسي الزاهر، ثم أخذت بعدهما في الانحدار ~~نحو الكهولة فالشيخوخة، كما بلغت الدولة الأموية في الشام شبابها في أيام عبد الملك بن ~~مروان وابنه الوليد، والدولة الأموية بالأندلس بلغت شبابها في أيام الخليفة الناصر ~~وابنه الحكم المستنصر، والدولة العثمانية بلغت ذلك الدور في أيام السلطان سليمان، وقس ~~على ذلك، وقد قسم ابن خلدون أيام الدولة إلى خمسة أطوار: ~~(1) # الظفر. ~~(2) # الاستبداد. ~~(3) # الفراغ. ~~(4) # المسالمة والقنوع. ~~(5) # الإسراف والتبذير. # 1 # وهو تقسيم إجمالي ربما لا ينطبق على أحوال جميع الدول انطباقا تاما إلا بالتأويل، ~~وأما تقسيمها باعتبار العمر فإنه صريح واضح، ويحسن بنا قبل التقدم إلى الكلام عن الثروة ~~العباسية في عصر الاضمحلال أن نذكر أسباب ذلك الاضمحلال مما يتعلق بموضوع هذا الكتاب ~~فنقول: ~~(1-1) العرب والفرس # علمت مما تقدم أن الدولة العباسية إنما قامت بنصره الفرس وخصوصا أهل خراسان، ~~وهؤلاء لم ينصروها إلا انتقاما لأنفسهم من بني أمية؛ لما كان من تعصبهم للعرب، ~~واحتقارهم سائر الأمم الخاضعة لهم ولو كانوا مسلمين، فالعباسيون عرفوا للفرس فضلهم ~~في ذلك فقربوهم واستخدموهم في مصالح الدولة، واتخذوا منهم الوزراء والعمال ~~والكتاب وغيرهم، فضعف شأن العرب وصاروا ينظرون إلى الدولة نظر المحاذر المراقب ~~ولا حيلة لهم في إرجاع نفوذهم، وبلغ الفرس أرفع المنازل عند العباسيين في أيام ~~البرامكة، فزاد حقد العرب عليهم وسعوا في إسقاطهم رغم ما كان من جود البرامكة وكرم ~~أخلاقهم، ولعلهم كانوا يبالغون في السخاء دفاعا عن مركزهم، على أنهم لم ينجوا من ~~الحساد ممن ينتصرون للعرب فوشوا بهم واتهموهم بالطمع في الملك حتى نكبهم الرشيد، ~~ومن أشهر وشاتهم الفضل بن الربيع وهو لم يكن عربيا ولكنه ينتسب إلى العرب لاتصال ~~نسبه بمولى عثمان بن عفان. # 2 # فلما نكب البرامكة ظن ms0296 العرب أنهم سيرجعون إلى شوكتهم وسلطانهم، ثم مات الرشيد ~~واختلف ابناه الأمين والمأمون على الخلافة، والأمين عربي الأبوين؛ لأن أمة زبيدة ~~حفيدة المنصور، فأخذ أهل بغداد بناصره وفيهم جند العرب (الحربية)، وأما المأمون ~~فأمه فارسية، وكان في خراسان بين أخواله وشيعته # 3 # فنصره الخراسانيون كما نصروا أجداده، وانتهى الخلاف بمقتل الأمين وفوز ~~المأمون ، فعاد النفوذ إلى الفرس وعادوا إلى امتهان العرب، فعظم ذلك على هؤلاء، ~~وخصوصا لما تولى الحسن بن سهل، وهو فارسي مجوسي الأصل حديث العهد في الإسلام، ~~فطعنوا في إسلامه وقالوا: «لا نرضى بالمجوسي ابن المجوسي.» وتمردوا على الحكومة، ~~ولكنهم عادوا إلى السكينة قهرا # 4 # وجاء المأمون إلى بغداد واستتب الأمر له ولنصرائه، واشتغل هو بالعلم ~~والفلسفة فجره ذلك إلى القول بأن القرآن مخلوق، فازداد العرب كرها له ولكنهم لم ~~يستطيعوا رده. ~~(1-2) الأتراك # فلما مات المأمون سنة 218ه أفضت الخلافة إلى أخيه المعتصم بالله، وكانت أمة تركية ~~الأصل من بلاد الصفد في تركستان # 5 # فشب محبا للأتراك، وكان قد أصبح لا يأتمن الفرس على نفسه بعد أن ~~قتلوا أخاه الأمين، وهي أول مظاهر جرأتهم على الخلفاء، ولم يكن له من الجهة الأخرى ~~ثقة في جند العرب؛ لما يعلمه من ضعفهم بعد ما سامهم إياه العباسيون من الإذلال، ~~وزد على ذلك أن أخاه المأمون أوصاه عند دنو أجله بمحاربتهم، فلم ير له غنى عن ~~الاعتماد على من ينصره من غير الفرس والعرب، وكانت الفتوح الإسلامية قد أدركت ما ~~وراء النهر، وكان العمال هناك يبعثون الهدايا إلى بلاط الخلفاء وفي جملتها صبيان ~~الأتراك والفراغنة، فهان عليه اقتناؤهم لاتصال نسب أمه بهم، فاقتنى منهم ألوفا ~~اشترى بعضهم بالمال والبعض الآخر أتاه على سبيل الهدية، وتكاثروا حتى بلغ عددهم ~~ثمانية عشر ألفا # 6 # فضاقت بهم بغداد وضجر البغداديون من سوء تصرفهم، فابتنى لهم مدينة ~~سامرا وأنزلهم فيها، # 7 # وأطلق لهم الأرزاق وجند منهم الجنود، ولا ريب أنهم كانوا عونا له في ~~تأييد سلطانه، والفوز في حروبه ضد أعدائه من الروم والترك، ms0297 ولكنهم كانوا من الجهة ~~الأخرى سبيلا إلى تقهقر الدولة العباسية بما كان من مطامعهم في الأموال، ~~واستئثارهم بالنفوذ، حتى أصبحت الدولة وبيت مالها وخلفاؤها تحت رحمتهم. # وكان المأمون عالما حكيما، وكل بطانته وجلسائه من أهل الحكمة والعلم، وكان مع ~~ذلك رقيق الجانب يضرب المثل برقته ودعته، قال يحيى بن أكثم: «ماشيت المأمون ~~يوما من الأيام في بستان مؤنسة بنت المهدي، فكنت من الجانب الذي يستره من الشمس، ~~فلما انتهى إلى آخره وأراد الرجوع أردت أن أدور إلى الجانب الذي يستره من الشمس ~~فقال: «لا تفعل، ولكن كن بحالك حتى أسترك كما سترتني.» فقلت: «يا أمير المؤمنين لو ~~قدرت أن أقيك حر النار لفعلت، فكيف الشمس؟!» فقال: «ليس هذا من كرم الصحبة.» ومشى ~~ساترا لي من الشمس كما سترته.» # 8 # وقال يحيى بن خالد بن برمك أيضا: «كنت نائما عند المأمون فعطش فامتنع أن يصيح ~~بغلام يسقيه، وأنا نائم فينغص علي نومي، فرأيته وقد قام يمشي على أطراف أصابعه حتى ~~أتى موضع الماء، وبينه وبين المكان الذي فيه الكيزان نحو من ثلثمائة خطوة، فأخذ ~~منها كوزا فشرب ثم رجع يمشي على أطراف أصابعه حتى قرب من الفراش الذي أنا عليه ~~فخطا خطوات خائف لئلا ينبهني حتى صار إلى فراشه.» # وبالغ المأمون في ملاطفة حاشيته ورجال دولته حتى طمع خدمه فيه واستخفوا به، قال ~~عبد الله بن طاهر: «كنت عند المأمون يوما، فنادى بالخادم: يا غلام! فلم يجبه ~~أحد، ثم نادى ثانيا وصاح: يا غلام! فدخل غلام تركي وهو يقول: «ما ينبغي للغلام أن ~~يأكل ولا يشرب؟! كلما خرجنا من عندك تصيح يا غلام يا غلام! إلى كم يا غلام؟!» فنكس ~~المأمون رأسه طويلا فما شككت أن يأمرني بضرب عنقه! ثم نظر إلي وقال: يا عبد ~~الله، إن الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه، وإذا ساءت أخلاقه حسنت أخلاق ~~خدمه، وإنا لا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لتتحسن أخلاق خدمنا.» # 9 ~~••• # تلك كانت مناقب المأمون من اللطف والدعة والحلم، مع العلم والأدب ms0298 والفضل وسعة ~~الصدر، فخلفه المعتصم وكان عاريا من العلم يقرأ قراءة ضعيفة # 10 # وكان غضوبا شديد النقمة # 11 # منصرف الهمة إلى ركوب الخيل واللعب بالصوالجة # 12 # وساعده على ذلك قوة بدنه فقد كان يحمل ألف رطل ويمشي بها ~~خطوات # 13 # فرأى رجال الدولة فرقا بعيدا بينه وبين أخيه، فلم يخلصوا له فازداد ~~هو رغبة في أتراكه وفراغنته، وكان مع ذلك على رأي أخيه المأمون من قبيل القول بخلق ~~القرآن، فاستخدم العنف والشدة في تأييده حتى لقد أحضر أحمد بن حنبل الإمام الشهير ~~وسأله عن رأيه في القرآن فلم يجب إلى القول بخلقه، فأمر بجلده جلدا عظيما حتى غاب ~~عقله وقطع جلده وحبس مقيدا # 14 # فزاد نفور عامة المسلمين منه وخصوصا العرب وهو لا يكترث بذلك، وإنما ~~كان معتمده على جنده الأتراك وهم حديثو العهد في الإسلام وفي التمدن الإسلامي؛ ~~لأنهم جاءوا من بلاد كانت لا تزال في عهد الجاهلية، وكانوا حجر عثرة في طريق ذلك ~~التمدن، ففسدت النيات واضطربت الأحوال وابتدأت الدولة في التقهقر من ذلك ~~الحين. ~~(1-3) المال # وكانت غاية المسلمين في عهد الخلفاء الراشدين تأييد الإسلام ونشره ورفع شأن ~~العرب، فلما طلب الأمويون الخلافة احتاجوا إلى المال، فبذلوا كل وسيلة في سبيل جمعه ~~وقلت الرغبة في تأييد قواعد الدين، ولكنهم ظلوا على تعصبهم للعرب وزادوا عليه ~~احتقارهم سائر الأمم، فكان مطمح أنظارهم «العرب والمال»، فلما تولى العباسيون ~~أهملوا أمر العرب، واستبدلوه بنصرة الإسلام على الإطلاق، وانصرفوا في أيام زهوهم ~~إلى الاشتغال بالعلم والفلسفة والتجارة وغيرها من عوامل التمدن، واستعانوا على ذلك ~~بالفرس وكانوا عريقين في المدنية قبل الفتح الإسلامي، وفيهم استعداد فطري للتمدن ~~فضلا عن أن تأييد الدولة العباسية يعود بالعمران على بلادهم؛ لأن مركز الخلافة ~~فيها، فاخلصوا الخدمة فعمرت البلاد ونضجت الثروة وتدفقت ينابيعها، ففاضت الأموال في ~~خزائن الخلفاء ورجال دولتهم فأسرفوا وانغمسوا في الرخاء والرغد والترف، حتى بلغوا ~~قمة المجد في أيام الرشيد والمأمون، فلما كانت أيام المعتصم واستكثر من المماليك ~~الأتراك - كما تقدم - واستخدمهم في ms0299 مصالح الدولة، انحصرت غاية رجال الدولة في ~~اختزان الأموال لأنفسهم ولو آل ذلك إلى خراب البلاد؛ لأنها ليست بلادهم ولا أهلها ~~أهلهم، وإنما كان همهم حشد الأموال وحملها إلى بلادهم # 15 # وضعف الخلفاء عن رد شكيمتهم فطمع فيهم العمال والوزراء واستبدوا، ~~وصاروا يتسابقون إلى الاستئثار بالأموال فتحولت ثروة الدولة العباسية من الخليفة ~~وبيت المال إلى الوزراء والعمال والكتاب والقواد ونحوهم، فاضطر الخلفاء لإصلاح ~~شؤونهم واستبقاء سلطانهم إلى الجند ، والجند يتطلبون الأموال، والأموال عند الوزراء ~~والعمال والكتاب، فعمد الخلفاء إلى مصادرة هؤلاء؛ أي أخذ أموالهم بالقوة، والمصادرة ~~تحتاج إلى رجال وهم لا يعملون عملا إلا بالمال. # فأصبح المال محور القوة لحفظ كيان الدولة، وعليه معول الخلفاء في تثبيت بيعتهم ~~ومحاربة أعدائهم والدفاع عن حياتهم، حتى في داخل قصورهم، وامحت العصبية القرشية ~~التي قضت على عيسى بن مصعب بن الزبير أن يخالف أباه مصعبا في أثناء محاربته عبد ~~الملك بن مروان سنة 71ه ويسلم نفسه للقتل حياء من قريش، وكان مصعب قد يئس من ~~البقاء وهو يدافع عن حق أخيه عبد الله في الخلافة، فجاءه محمد بن مروان فبذل له ~~الأمان إذا سلم فأبى ولكنه حرض ابنه عيسى على التسليم لحفظ حياته فأجابه الغلام: ~~«لا تتحدث نساء قريش أني خذلتك ورغبت بنفسي عنك.» فقال له مصعب: «اذهب أنت ومن معك ~~إلى عمك في مكة فأخبره بما صنع أهل العراق ودعني فإني مقتول.» فقال الغلام: «لا ~~أخبر عنك قريشا أبدا، ولكن يا أبت الحق بالبصرة فإنهم على الطاعة، أو الحق ~~بأمير المؤمنين.» فقال مصعب: «لا تتحدث قريش أني فررت.» ثم قال لابنه: «تقدم إني ~~أحتسبك.» فتقدم وقاتلوا حتى قتلوا جميعا. # 16 # ثم إن ثروة الدولة تتبع حال الدولة من العسر واليسر، فلما كانت الدولة العباسية ~~في إبان عمرانها على عهد الرشيد والمأمون كانت الثروة على معظمها فيها، ثم أخذت في ~~التقهقر بغتة من أيام المعتصم، ويتضح ذلك جليا من مقابلة مجاميع القوائم الثلاث ~~المتقدم ذكرها وأقدمها أكثرها وهي: ~~(1) # قائمة ابن خلدون من سنة ms0300 204 إلى 210ه ارتفاعها 396155000 درهم. ~~(2) # قائمة قدامة من سنة حوالي 225ه ارتفاعها 388291350 درهما. ~~(3) # قائمة ابن خرداذبة من سنة حوالي 250ه ارتفاعها 299256340 درهما. # فترى أن ارتفاع الدولة كان في أول القرن الثالث نحو 400 مليون درهم، ما عدا ~~الأموال والغلات، ثم صار في الربع الأول من القرن المذكور 388 مليون بدون غلات، ثم ~~صار في أواسط ذلك القرن أقل من 300 مليون، فاعتبر هذا التدريج في النقص إلى أواخر ~~أيام الدولة، على أننا لا نستطيع إثبات ذلك صريحا في كل العصور؛ لقلة المصادر التي ~~بلغت إلينا في هذا الشأن، إما لعدم عناية الحكومة في تدوين الميزانيات المضبوطة، أو ~~لضياعها في أثناء الفتن الأهلية وغيرها. ~~(2) مقدار الجباية في عصر الاضمحلال # وإذا نظرنا فيما كان يجتمع ببيت المال من بقايا ~~الجباية على توالي الأعوام، رأيناه لا يقاس بما كان يبقى فيه على عهد الخلفاء الأولين، ~~على أنهم كانوا إذا توفق لهم خليفة حكيم يقتصد فيجمع شيئا خلفه من يسرف فيضيعه، ومن ~~أمثالهم المأثورة أن ما جمعه السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد أنفقه الأمين ~~(سنة 193-198)، وما جمعه المأمون والمعتصم والواثق أنفقه المتوكل (سنة 232-247)، وما ~~جمعه المنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد والمكتفي أنفقه المقتدر ~~(سنة 295-320ه). # أما مقدار الجباية في العام فلم نتوفق إلى تفصيل له إلا في أيام المقتدر، إذ اضطر ~~وزيره علي بن عيسى لتبرئة نفسه مما لحق بيت المال من العجز أن يرفع تقريرا بما كان من ~~مقدار الدخل والخرج لعام 306ه، وكانت نسخة هذا التقرير ضائعة حتى أظهرها البارون فون ~~كريمر، ونشرها في كتاب سماه جباية الدولة العباسية # 17 # لسنة 306، وصدره بمقدمة ألمانية؛ ذكر فيها كيفية عثوره على تلك النسخة، ~~وما عاناه في قراءتها؛ لأنها مكتوبة بخط عربي غير مألوف، وأبدى ملاحظاته على تلك ~~القائمة مما يطول شرحه فنكتفي بذكرها كما قرأها هو. # والقائمة المذكورة عبارة عن أربعة أقسام: # الأول: # في جباية السواد وملحقاته. # والثاني: # في جباية المشرق، أي البلاد الواقعة شرقي السواد. # والثالث: # جباية ms0301 المغرب، أي البلاد الواقعة غربي السواد. # والرابع: # جباية الأموال الخاصة والموقوفة. ~~(2-1) جباية الدولة العباسية لسنة 306ه # وهي قائمة علي بن عيسى وزير المقتدر كما قرأها فون كريمر. # جباية السواد # حرف (أي بيان) عن السواد والأعمال المعمورة والبلاد المذكورة. # دينار # 1547734 # أموال السواد وطساسيجه وصدقات أراضي المغرب (أي الغرب) بالبصرة ~~والمراكب بها وسائر ما ينسب إليها ويجري معها باذوريا وكلواذي ~~ونهربين 166283 درهما. # تفصيلها: # 198313 # الأنبار وقطربل وسد. # 75576 # بهرسير والرومقان وإيغار يقطين وجازر والمدينة العتيقة. # 25000 # كوني ونهر درقيط. # 9526 # الزاب الأعلى ونهر كشتاسب. # 16736 # الفلوجة العليا والأرحاء. # 13585 # الفلوجة السفلى والنهرين وعين التمر . # 140259 # السيب الأعلى وسورا وبابل وخطرنية وباروسما الأعلى. # 38350 # نهر الملك ومورجا ونهر جوبر والأساسان والمالكيات. # 46336 # باروسما الأسفل. # 110154 # طساسجة الكوفة والخزن. # 50219 # العمارات بسر من رأى. # 20590 # نهر بوق والدير الأسفل. # 34300 # بزر جسابور. # 20035 # الراذابان. # 13666 # روستقباد. # 46480 # النهروان الأعلى وسمنطاي. # 40327 # النهروان الأوسط. # 60532 # النهروان الأسفل. # 159089 # الصلح والمنازل. # 42499 # بادرايا وباكسايا. # 310720 # واسط مع الخاصة والمستحدثة والعباسية بعد النفقات ~~الراتبة. # 121095 # البصرة وكور دجلة. # 22575 # المراكب بالبصرة. # 42750 # أموال الضمانات وما يؤدى عن فصول الأنهار مما ينسب إلى ~~مفردات. # 80250 # العبارة بهيت. # 16975 # أسواق الغنم بمدينة السلام وسر من رأى وواسط والبصرة ~~والكوفة. # 16000 # الجوالي بمدينة السلام. # 13874 # ما يؤدى إلى الحضرة عن مال الارتفاقات والشجر والمقاطعات. # 1846181 ~~(المجموع) ~~* ~~* # ترى فرقا كبيرا بين هذا المجموع والمجمل المذكور ~~في أول القائمة لعل سببه خطأ في قراءة الأعداد في ~~الأصل، وسنعتمد على المجمل الأول. # جباية المشرق # 1260922 # كور الأهواز ضمانا على إبراهيم بن عبد الله المسبع وغيره. # 1634520 # أموال فارس مع ما يسوغه مؤنس الخادم مع ما في أيدي أصحاب الأطراف ~~مما ورد نفلا (هبة) فقط. # 258040 # ضياع الأمراء بهذه النواحي مع مال المراكب بسيراف. # 364380 # كرمان مع ضياع الأمراء سوى مال العهد والورح وقرى المفازة وما ~~يسوغه مؤنس الخادم عن مال الخزن والجهبذة (الصيرفة). # 80000 # مقاطعة عمان سوى اللطف (هدايا) المحمول ms0302 إلى الحضرة. # 1570525 # ارتفاع الخراج والضياع العامة بالمشرق على العقد والارتفاع ~~بالأمانة والضمانة. # 465078 # الخراج والأعشار والأخماس بالري والدماوند مع ما فيه مما استخرجه ~~ابن داودان وأحمد بن علي. # 122644 # الضياع بها # قزوين وزنجان وأبهر: # 115710 # الخراج # 5829 # الضياع # قم: # 197229 # الخراج # 80229 # الضياع # أصفهان: # 410178 # الخراج على العقد المجددة مع خراج الأكراد وما يغل من الإيغار ~~وضياع السلطان. # 189334 # الضياع بها # ماه البصرة والإيغارين: # 185636 # الخراج # 267520 # الضياع # همدان: # 150480 # الخراج # 55789 # الضياع # ماسبذان: # 57746 # الخراج # 16750 # الضياع # 17625 # ساوة ودار الضرب به. # 105678 # ماه الكوفة بالخراج سوى الضياع الرأسية والمستحدثة والطعم. # 89500 # الضياع بها # 30015 # حلوان عن الخراج والضياع. # 225193 # أذربيجان وأرمينية على المعارفة التي فورق عليها سبيل السعر. # 6439663 ~~(المجموع) # جباية المغرب # حرف الضياع والخراج العامة بالمغرب وأجناده بعد الاحتسابات التي وضعها (أي ~~خصمها) العمال من أصول الارتفاع كما هو جار في العادات وسوى مقاطعات وثمن ~~أجناس الغنائم مع ما فورق أهل (جزيرة قبرس) على أدائه في كل سنة والأعمال ~~المذكورة والأموال المسماة. # يكون ما يتعلق بالمغرب وأجناده 4746492، تفصيله: # 290773 # مصر والإسكندرية بعد الاحتسابات القديمة # 1080000 # وسوى مصادرة الماذرائيين ومال المرافق والتجارة الواردة وأثمان ~~الغنائم # جند فلسطين بعد الاحتسابات # 80750 # مال # 230647 # جند الأردن بعد الاحتسابات # 40460 # مال # 102062 # 113057 # جند دمشق بعد الاحتسابات # 200460 # مال # 115114 # جند حمص بعد الاحتسابات # 133097 # مال # 133097 # جند قنسرين والعواصم بعد الاحتسابات # 352570 # مال # 15765 # دلوك ورعبان # 52985 # الثغور الشامية سوى صلح (أي ما صالح عليه) أحمد بن الحسين ~~الكاتب # 5397 # شمشاط وحصن منصور وكيسوم بعد الموضوع (أي بعد الذي وضع منه أي ~~أسقط) # 65332 # مال # 14501 # سميساط وملطية بعد الاحتسابات # مال # 5478 # آمد سوى ما جمع في إقطاع وكاسة بعد الاحتسابات # 82422 # مال # 56750 # أرزان وميافارقين بعد الاحتسابات # 82422 # مال # 257225 # ديار مضر # 22797 # ديار ربيعة بعد الاحتسابات # 304093 # مال # 17750 # الموصل ومردين وبهذرا والرساتيق الجبلية بعد الاحتسابات # 492430 # مال # 96584 # طريق الفرات # 4659341 ~~(المجموع) ~~* ~~* # ترى فرقا بين هذا ms0303 المجموع والمجموع المذكور في ~~أعلاه، وسنعتمد على ذاك. # جباية الأموال الخاصة # يكون أموال الأعمال المسماة وأموال الخاصة والأموال الموقوفة وغير ذلك. # 289036 # الضياع المستحدثة بعد الذي جرى في ضمان واسط أسوة حال الخاصة # 516447 # أموال الخاصة ما كان منها بنواحي واسط فإنه أضيف إلى أموال ~~العامة وخلط بها ودخل في حمولها ونفقاتها # 185411 العبر (أملاك الشواطئ أي الأملاك على السواحل) # 116160 الأهوار (المستنقعات) # 72626 المشرق # 104000 المغرب # 18778 # هيت وأعمالها سوى ضياع السكر # 8240 العبر # 58450 المغرب # 5262 الأهوار # 62200 المشرق # 144760 # مال الضياع العباسية سوى ما هو بنواحي واسط # 14732 العبر # 14246 الأهوار # 30672 المشرق # 75116 المغرب # 4570 # مال الموقوف للمساجد سوى ما كان منها بواسط # 22869 المشرق # 12760 المغرب # 617126 # مال الضياع الفراتية # 170226 العبر # 129724 الأهوار # 97336 فارس # 95278 المشرق # 114225 المغرب # 100318 # مال الضياع المفردة في سنة ثلاث وثلاثمائة # 76980 # مال الخزن والجهبذة سوى ما يجمعه العمال مع أصول الأموال وسوى ~~ما سوغه مؤنس الخادم منها بفارس وسوى ما دخل منها في ضمان واسط # 1768015 ~~(المجموع) # الخلاصة # 1547734 # جباية السواد # 6439663 # جباية المشرق # 4746492 # جباية المغرب # 1768015 # جباية الأموال الخاصة # 14501904 # دنانير ~~(2-2) نسبة هذه الجباية إلى ما كانت عليه في العصر العباسي الأول # فمجموع هذه الجباية أكثر من 14 مليونا ونصف مليون من الدنانير، وإذا تحولت إلى ~~دراهم بلغت نحو جباية العصر العباسي الأول، غير أن الحال في هذه الجباية غير ما ~~كانت عليه في ذلك العصر؛ لأن هذا المجموع لم يف بالنفقات اللازمة للدولة، وكانت ~~النفقات قد تضاعفت لأسباب سيأتي بيانها، ومن أدلة ذلك ما جاء في «عنوان السير» عن ~~نفقات الدولة على عهد علي بن عيسى، وقد ذكرها المؤلف المذكور بنوع خاص غير النفقات ~~الاعتيادية وهي: # دينار # 3154265 # نفقات الحرمين وطريقهما # 491456 # نفقات الثغور # 56569 # رواتب القضاة في الممالك # 34439 # رواتب ولاة الحسبة والمظالم في جميع البلاد # 79402 # رواتب أصحاب البريد # 9772925 # وكل هذه الأبواب لم يكن لها ذكر في قائمة المعتضد، ناهيك ms0304 بزيادة الجند وغيره من ~~أسباب النفقة، بحيث زاد الخرج على الدخل في أيام علي المذكور 2089894 ~~دينارا. # 18 # وقس على ذلك أحوال بيت المال قبل المقتدر وبعده، مما يختلف باختلاف الخلفاء ~~والوزراء وسائر الأحوال، ولكن يقال بالإجمال إن الثروة تقهقرت بعد المأمون بتقهقر ~~الدولة وانحطت بانحطاطها، والثروة - كما قدمنا - ما يفيض من الدخل على الخرج ولذلك ~~قلما كان يبقى في بيت المال بقية إلا في أحوال قليلة وبمبالغ صغيرة، فالمعتصم ترك ~~في بيت ماله 8000000 درهم # 19 # والمستعين (سنة 251ه) خلف في بيت المال 500000 دينار، # 20 # والمكتفي (سنة 295ه) خلف 15000000 دينار، والظاهر أنها اجتمعت بتوالي ~~الخلفاء، فلما تولى المقتدر أنفقها كلها، وأنفق ما جمعه في أيامه من أموال المصادرة ~~فضلا عن الخراج، # 21 # حتى قدروا ما أنفقه ضياعا وتبذيرا بنيف و70000000 دينار # 22 # ما عدا نفقات الدولة، واضطر مع ذلك لاسترضاء الجند والغلمان للخلافة أن ~~يبيع ضياعه وفرشه وآنية الذهب، # 23 # وبلغ من فقر بيت المال في أيام المطيع لله سنة 361ه أنه باع ثيابه ~~وأنقاض داره ليدفع 200000 درهم طلبت منه للجند في أثناء الفتنة ببغداد، # 24 # وكانت أحوال الخلفاء قد تغيرت في أيام الراضي بالله سنة 322ه وخرجت ~~قيادة الأمور من أيديهم، ولم يبق لهم غير الخطبة والسكة. # 25 # ولاضمحلال الثروة العباسية أسباب توضح كثيرا مما جاء في جريدة علي بن عيسى من ~~أسماء بعض الضرائب غير المألوفة. # | هوامش # | أسباب اضمحلال الثروة العباسية في العصر العباسي الثاني # قلنا في بحثنا عن الثروة العباسية في العصر العباسي الأول وعلة كثرتها إن أسباب تلك ~~الثروة كثرة الجباية، وقلة النفقة، وفصلنا ذلك تفصيلا. # فأسباب قلة الثروة يجب أن تكون قلة الجباية، وكثرة النفقة، ولكل من هذين البابين فروع ~~ولكل منها أسباب، هاك تفصيلها: ~~(1) أسباب قلة الجباية ~~(1-1) ضيق المملكة العباسية # بلغت المملكة العباسية أكبر سعتها في أيام الرشيد والمأمون، ثم أخذت بعض الولايات ~~تنفصل عنها لأسباب يطول شرحها، وأول ما استقل من الولايات العباسية إفريقية، بدأت ~~بالاستقلال في أيام ms0305 الرشيد كما تقدم، ثم خراسان في أيام المأمون، ثم مصر في أيام ~~المعتمد في أواسط القرن الثالث للهجرة، ثم فارس وما وراء النهر وغيرها، ولم يمض ~~الربع الأول من القرن الرابع حتى انقسمت تلك المملكة الواسعة إلى بضعة عشر قسما، ~~كل منها في حوزة دولة من دول المسلمين، على أن معظم هذه الدول كانت تعد الخليفة ~~العباسي رئيسها الديني وتؤدي إليه أموالا، بعضها باسم الضمان، والبعض الآخر باسم ~~المصالحة، والآخر باسم الهدية أو غير ذلك، وكان أكثرهم لا يؤدي ما عليه إلا مرة كل ~~بضعة أعوام، وطبيعي أن تشتت المملكة على هذه الصورة يقلل مقدار ~~الجباية. ~~(1-2) تخفيض الخراج المضروب # ذكرنا من أسباب زيادة الثروة العباسية في أيام زهوها ثقل الضرائب، وخصوصا في ~~العراق؛ إذ كانت مقاسمة على النصف إلى أيام المأمون، فأدرك هذا الخليفة العاقل ثقل ~~هذا الخراج، ورأى الثروة فائضة في بيت ماله، والأموال متوفرة، فعمد إلى التخفيف عن ~~الناس فجعل خراج العراق خمسين # 1 # أي أنه أنقصه عشرين في المائة وهو إسقاط عظيم، وقد ظهر فرق ذلك في ~~ارتفاع جباية العراق حالا؛ إذ كان في قائمة قدامة 114457650 درهما فصار في قائمة ~~ابن خرداذبة 78319340 درهما؛ لأن الأول قدره على ما يظهر باعتبار النصف، والثاني ~~باعتبار الخمسين. # واقتدى بالمأمون في تخفيض الضرائب من جاء بعده من الخلفاء، فأبطل الواثق سنة 232ه ~~أعشار السفن # 2 # وقد رأيت أنها ضريبة ذات بال كان يرد منها إلى بيت المال شيء كثير، ~~واقتدى بالواثق خلفه المتوكل، فأرفق بأهل الخراج بتأخير ميقات اقتضائه شهرين، وسبب ~~ذلك أن الفرس قبل الإسلام كانوا يبدأون بجباية الخراج في النوروز، وهو يقع عندهم في ~~الخامس من حزيران (يونيو)، وكانوا يكبسون في كل مائة وعشرين سنة شهرا بحيث يرجع ~~النوروز إلى الخامس من حزيران، فإذا مضت 120 سنة أسقطوا شهرا فيجعلون الخامس من ~~حزيران الخامس من أيار (مايو) ولا يعيدون النوروز أو يطالبون بالخراج إلا بعد شهر ~~أي حتى يأتي الخامس من حزيران، فلما فتح المسلمون العراق ms0306 وفارس ظل الحساب في جباية ~~الخراج على ما كان عليه قبل الإسلام حتى تمت المائة والعشرون، وكان ذلك في ولاية ~~خالد بن عبد الله القسري على العراق، فأراد الفرس أن يسقطوا شهرا على جاري عادتهم ~~فنهاهم خالد وقال: «هذا من النسيء الذي نهى الله عنه.» واستشار الخليفة هشام بن عبد ~~الملك في ذلك فوافقه على إبطال الكبس، فظل الحساب الجاري متقدما شهرا عن الحساب ~~الحقيقي الذي تنضج فيه الغلات، وظل الفرس يحاولون العود إلى الكبس فلم يتم لهم، ~~ولما كانت خلافة الرشيد طلبوا إلى يحيى بن خالد أن يتوسط لدى الخليفة بشأن ذلك، ~~فأراد يحيى أن يجيب طلبتهم، فتقول أعداؤه في ميله إلى الزرادشتية فعدل عن عزمه، ~~وما زال ذلك الفرق يتعاظم بتوالي الأعوام حتى صار في أيام المتوكل يقع في نيسان ~~(أبريل) والزرع أخضر، واتفق أن المتوكل مر ببستان فرأى الزرع أخضر، فقال لرفيق له: ~~«ما لي أرى الدواوين تطلب الخراج والزرع لم ينضج؟» فقص عليه السبب، فأمر أن يضاف ~~إلى تلك السنة ما كان تأخر، فإذا هو شهران وبضعة أيام حتى يصير النوروز في الوقت ~~اللازم، فأصدر أمره بذلك سنة 243ه ففرح الناس؛ # 3 # لأنه رفع عنهم من خراج تلك السنة نحو الخمس فقال البحتري في ~~ذلك: # إن يوم النوروز عاد إلى العه # د الذي كان سنه أردشير # ولكن أمر المتوكل لم ينفذ تماما لأنه قتل بعد قليل، واضطربت أحوال الخلافة، حتى ~~إذا كانت أيام المعتضد بالله روجع في ذلك فأصدر أمره آخر سنة 281ه بتأخير النوروز ~~ستين يوما، وكان قد وافق أوائل المحرم سنة 282، فأمر أن يكون في 13 ربيع أول منها، ~~وجعلوه موافقا 11 حزيران (يونيو) وأن يكبس بعد ذلك في كل أربع سنين من سني الفرس ~~يوم واحد # 4 ~~- فعل ذلك ترفيها للناس ورفقا بهم. # 5 # وكان المهتدي (255ه) قد أمر بإسقاط الكسور عما بقي من الزرع على المساحة، وذلك أن ~~المنصور لما جعل خراج العراق مقاسمة كما تقدم أبقى بعضه على اسم الخراج القديم ms0307 ~~بالمساحة، وكان ينكسر على أصحابه شيء كل عام والحكومة تطالب به، فلما تولى المهتدي ~~أمر بإسقاط الكسور وغض النظر عن أمثالها، ومقدار ذلك نحو 12000000 درهم في ~~السنة. # 6 # فنرى من مجمل ذلك أن موارد الخراج ضعفت عما كانت عليه في عصر الرشيد والمأمون، ~~وكان ذلك مساعدا على تقليل الجباية. # الجزية والزكاة # ومن هذا القبيل ما أصاب الجزية من النقص، بدخول الناس في الإسلام بتوالي ~~الأعوام، حتى انحط مقدار ما يجبى منها بمدينة السلام في أواسط القرن الثالث ~~للهجرة 130000 درهم # 7 # وقد رأيت في قائمة علي بن عيسى أنهم جبوها 16000 دينار؛ أي نحو ~~ضعفي ما ذكره ابن خرداذبة، ومع ذلك فإذا اعتبرنا تقديرها على أوسط قيمتها وهي ~~24 درهما على الشخص، كان عدد الرجال نحو 9000 وبإضافة ما يلحقهم من النساء ~~والأولاد لا يزيد عددهم على 40000 نفس من أهل الذمة في مدينة بغداد من النصارى ~~واليهود، وهي في إبان مجدها وسكانها يزيدون على المليون، فقس على ذلك سائر ~~المدن. # ويقال نحو ذلك أيضا في الزكاة، فقد تناقصت بتوالي الأعوام، حتى كادت تتلاشى، ~~وأصبحت المطالبة بها تدعو إلى التذمر، # 8 # وكانت قد أبطلت في مصر حتى أعادها السلطان صلاح الدين الأيوبي، ~~وتذمر المسلمون منها، وشنعوا على الذي يطالب بها، حتى إذا تولى المنصور قلاون ~~سنة 678ه أبطل الزكاة من مصر. # 9 ~~(1-3) استئثار العمال بالجباية # قد رأيت استبداد العمال في عصر بني أمية، واستئثارهم بالخراج، وكيف تحسنت أحوالهم ~~في عصر العباسيين، غير أن ذلك التحسن لم يدم طويلا، فلما ضعف شأن الخلفاء عاد ~~العمال إلى ما تطمح إليه أنظارهم من طلب الاستقلال بالحكم أو الاستئثار بالجباية، ~~واضطر الخلفاء إلى التراضي معهم على مال مضمون وأن يكون أقل مما يجبى، وهو الضمان ~~أو المقاطعة، كما قاطع المأمون بشير بن داود على السند سنة 205ه على أن يدفع له ~~1000000 درهم في العام # 10 # مع أن ارتفاع جبايتها الحقيقي 11500000 درهم # 11 # وضمن البريدي الأهواز على أيام الراضي كل سنة ms0308 360000 دينار، على أن ~~يدفعها أقساطا # 12 # وخراجها الحقيقي يزيد على أربعة أضعاف هذا المبلغ، ومع ذلك فالضامنون ~~لم يكونوا يدفعون إلا قليلا مما تعهدوا به، فإذا ألح الخليفة عليهم في المطالبة ~~اتخذوا الحاجة ذريعة إلى الاستقلال التام، فيستنجد الخليفة جنده ونصرتهم تحتاج إلى ~~المال، ومن تمكن من المال ملك واستبد. ~~(1-4) اشتغال الناس بالفتن والظلم عن العمل # لما نشأت الفتن، وانتشبت الحروب بين طوائف الجند، أو بينهم وبين العمال، انشغل ~~الناس عن تجارتهم وزراعتهم، وتوقف العمال، وغلت الأسعار، وتعطلت الزراعة لضياع ~~الأمن، فقلت الجباية، واحتاج العمال والقواد إلى الأموال، فظلموا الناس في ~~تحصيلها منهم فزاد الخراب، وما من هادم للعمران كالظلم، فإنه يغل الأيدي ويقعد ~~الناس عن السعي، فينشغل به الزارع عن زراعته، والتاجر عن تجارته، والصانع عن ~~صناعته، ووبال ذلك عائد على الدولة إذ لا قوام لها إلا بالرعية، والمشهور أن الظلم ~~أخذ المال من يد مالكه بلا عوض ولا سبب، ولكنه أعم من ذلك كثيرا، فإن كل من أخذ ~~ملك أحد، أو غصبه في عمله، أو طالبه بغير حق، أو فرض عليه حقا لم يفرضه الشرع فقد ~~ظلمه، فجباة الأموال بغير حقها ظلمة، والمعتدون عليها ظلمة، والمنتهبون لها ظلمة، ~~والمانعون لحقوق الناس ظلمة، وغصاب الأملاك على العموم ظلمة ... فإذا ساد الظلم أقبل ~~الخراب لا محالة. # ومما زاد البلاء جسامة، أن أكثر ما احتفره الخلفاء المصلحون في أوائل الدولة ~~العباسية من الترع والأنهار لري الأرض وتسهيل الاستغلال انسد بالحروب؛ لأن ~~المحاربين كثيرا ما كانوا يضطرون إلى سد الأنهار ليمنعوا سفن الأعداء من المرور ~~فيها # 13 # فضلا عما يدعو إليه إهمال العمال من فساد الري وضياع الزرع. ~~(1-5) تحويل أكثر البلاد إلى ضياع # يراد بالضياع عندهم المزارع، أو ما يعبر عنه المصريون بالأبعادية أو العزبة، ~~ويغلب في الضياع أن تكون لأهل الدولة من الخلفاء أو أقاربهم أو عمالهم أو وزرائهم ~~أو كتابهم، أو من يلوذ بهم من أهل النفوذ، وقد رأيت في هذا الجزء أن عمر بن ~~الخطاب نهى ms0309 المسلمين عن اتخاذ الزرع واقتناء الضياع؛ لحكمة أرادها من بقائهم على ~~أهبة الرحيل عند الاقتضاء، لا يقعدهم الترف أو القصف، كما نهى عن اختزان المال في ~~بيت المال، غير أن هاتين القاعدتين لم يطل العمل بهما إلا ريثما انتقلت الدولة ~~الإسلامية من الخلافة الدينية إلى الملك العضوض في أيام بني أمية، فاختزن الصحابة ~~الأموال واتخذوا المصانع (أي الدور المبنية) والضياع كما بيناه هناك. # واقتدى بهم من جاء بعدهم من التابعين وتابعي التابعين، وكان أقدمهم على ذلك ~~الخلفاء من بني أمية؛ فقد أكثروا من المصانع والضياع حتى كان بعض أهلهم يقبضها ~~اغتصابا من أصحابها وليس من ينصفهم؛ لتعصب بني أمية للعرب واحتقارهم سائر الأمم ~~واعتبارهم ما فتحوه من الأرض ملكا حلالا لهم، فما أرادوا أخذه أخذوه، وما أرادوا ~~تركه تركوه # 14 # حتى أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز فعمل على الاقتداء بعمر بن ~~الخطاب بالرفق والإحسان مع العدل، باسترجاع الضياع المغتصبة إلى أهلها من النصارى ~~أو اليهود أو المجوس، فساء ذلك أهله فعجلوا به وعادت الأحوال بعده إلى أشد مما ~~كانت عليه كما تقدم. # فلما أفضت الخلافة إلى بني العباس سنة 132ه ~~أعملوا السيف في بني أمية، ففروا وتركوا أموالهم وضياعهم فاستولى عليها العباسيون، ~~ولم يعدوا امتلاكها مخالفا لشروط الخلافة لاعتبارهم ذلك لازما لحياطة الدولة أو ~~حقا من حقوق الملك؛ إذ ليس من أوامر الدين أو نواهيه ما يمنعهم من ذلك صريحا، ~~والإنسان ميال بفطرته إلى الاستكثار من حطام الدنيا واختزان القوة إذا وجد إلى ذلك ~~سبيلا، فالخلفاء العباسيون في أوائل دولتهم بذلوا الجهد في إنصاف الناس وتأمينهم؛ ~~ليبينوا لهم الفرق بين حالهم في أيام بني أمية وفي أيامهم، فلم يكونوا يغتصبون ضيعة ~~ولا مالا، ولكن بعض الذين دخلوا في خدمتهم أو انتموا إليهم من الأمراء أو الكبراء ~~كانوا يمدون أيديهم إلى ضياع الناس، وكان الخلفاء ينصفون أصحاب الضياع إذا تظلموا ~~ويردون ضياعهم إليهم # 15 # على أن ذلك قلما كان يقلل من مطامع أهل الدولة في أموال الناس، فاستكثر ~~العمال ms0310 والوزراء وغيرهم من اقتناء الضياع والأبنية بحق أو بلا حق، والخلفاء ~~يمنعونهم جهد الطاقة فإذا لم يتمكنوا من منعهم بالحسنى صادروهم أو قبضوا أموالهم ~~بعد موتهم، كما فعل الرشيد بأموال محمد بن سليمان عامله على البصرة، وكان مبلغها ~~50000000 درهم سوى الضياع والدور والمستغلات، وكانت غلته 100000 درهم في ~~اليوم # 16 # وأمثال هذا القبض كثيرة ناهيك بالمصادرات التي سيأتي تفصيلها، فالضياع ~~التي تقبض على هذه الصورة تصير إلى الخليفة أو الدولة، فآل ذلك إلى استكثار الخلفاء ~~أنفسهم من الضياع. # على أن أكثر ما يكون اقتناء الضياع لحاشية الخليفة وأهله، وهذا طبيعي في الحكومات ~~الاستبدادية، وخصوصا إذا كان الحاكم كريم الخلق أو ضعيفا تؤثر عليه وساطة أهله ~~ورجال حاشيته، ولذلك كثرت الضياع عند رجال الدولة حتى صاروا يتهادونها أو ينعمون ~~بها على الناس كجائزة على قصيدة أو خطاب أو نكتة أو غير ذلك، وفي أخبار البرامكة ~~كثير من أمثال هذه العطايا، ومن هذا القبيل ما فعله الحسن بن سهل لما زفت ~~ابنته بوران إلى المأمون، فإنه كتب ضياعه في رقاع جعل اسم كل ضيعة في رقعة ونثرها ~~على القواد فمن وقع له رقعة أخذ الضيعة المسماة فيها. # 17 # وكان من أبواب اقتناء الضياع عندهم - حتى في صدر الدولة العباسية - كثرة ما كان ~~من الأرض المهملة من عهد بني أمية، فكان الخليفة يعهد إلى بعض أهله أو خاصته في ~~تعميرها وغرسها ثم تصير له كما فعل المنصور بابنه صالح؛ إذ أمره بعمارة بعض المزارع ~~العاطلة في الأهواز # 18 # ومن أحيا أرضا مواتا فهي له. # الإلجاء # ومن أسباب كثرة الضياع عند أهل الخلفاء ورجال الدولة إلجاء الأهالي ضياعهم ~~ومغارسهم إلى بعض أقارب الخلفاء أو العمال تعززا بهم من جباة الخراج، فكان ~~صاحب الأرض يلتجئ إلى بعض أولئك الكبراء فيستأذنه أن يكتب ضيعته أو ضياعه ~~باسمه، فلا يجرؤ الجباة على العنف أو الظلم في اقتضاء خراجها بل هم قد يكتفون ~~منهم بنصف الخراج أو ربعه مراعاة لذلك الكبير، ويجعل صاحب الضيعة نفسه مزارعا ~~له ms0311 ويدون ذلك في دفاتر الحكومة، فتصبح تلك الضيعة بتوالي الأعوام ملكا ~~للملجأ إليه # 19 # ويصبح صاحبها الأصلي شريكا في غلتها، ومثل هذا الإلجاء يحدث في كل ~~العصور في البلاد التي يخاف أهلها سطوة الحكام واستبدادهم. # وقد بدأ الإلجاء في الإسلام في أيام بني أمية لما كان من ظلم عمالهم، فألجأ ~~أهل السواد في ولاية مسلمة بن عبد الملك وخلافة أخيه الوليد ضياعهم إلى مسلمة ~~المذكور تعززا به من جباة الخراج، ثم صارت تلك الضياع له وبقيت في أعقابه حتى ~~قامت الدولة العباسية، فاستولى الخلفاء العباسيون عليها في جملة ما استولوا ~~عليه من أموال بني أمية وضياعهم، وأقطعت هذه الضياع لداود بن علي بن عبد الله ~~بن عباس، ثم صارت من الضياع السلطانية # 20 # وكذلك فعل بعض أهل المراغة في أذربيجان مع مروان بن محمد لما تولى ~~أرمينية فإنهم ألجأوا تلك الضيعة إليه فقبضت في جملة ما قبض من ~~ضياعهم. # 21 # وامتد الإلجاء إلى أيام بني العباس بالاستمرار فألجأ أهل زنجان ضياعهم إلى ~~القاسم بن الرشيد تقربا إليه ودفعا لمكروه الصعاليك عنهم، فكتبوا له الأشرية ~~(أي كتبوا له صكوكا ببيعها له) وصاروا مزارعين له ثم صارت تلك الأرض من الضياع ~~السلطانية، # 22 # وحدث نحو ذلك أيضا في فارس، فقد كانت فيها ضياع ألجأها أربابها ~~إلى الكبراء من حاشية السلطان بالعراق وظلت تجري بأسمائهم فخفف عنهم الربع ~~وبقيت أجيالا وهي في أيدي أهلها بأسماء هؤلاء يتبايعونها ويتوارثونها # 23 # وأصبح أهلها مزارعين لهم. # ولم ينقض عصر الازدهار العباسي حتى ~~أصبح في حوزة الخلفاء وأقاربهم ورجال دولتهم ما لا يحصى عدده من الضياع، واضطرت ~~الحكومة إلى إنشاء ديوان خاص بخراجها وعشورها سموه «ديوان الضياع»، وهو غير ~~ديوان الخراج، وقد رأيت مقدار خراج الضياع فيما دونه علي بن عيسى في جريدة ~~سنة 306ه وكلها في بلاد المشرق في الري ودماوند وقزوين وزنجان وقم وأصبهان ~~وهمذان وماسندان وغيرها، وترى خراج الضياع في بعض المماليك يزيد على خراج الأرض ~~الأخرى، فخراج الضياع في ماه البصرة والإيغارين مثلا ms0312 267520 دينارا، وخراج ~~سائر الأرض هناك 185636 دينارا، ولو عوملت الضياع في مقدار الخراج وطرق تحصيله ~~مثل معاملة الأرض الأخرى لزاد خراجها أضعاف ذلك؛ لأن خراج تلك الضياع كان ~~خفيفا جدا بالنظر إلى غيره، وكثيرا ما كان يترك ولا يطالب به أعواما على ~~مقتضى أحوال السياسة وعلاقة ذلك بالعمال والخلفاء، وربما تراكم الخراج عدة ~~أعوام حتى تتغير السياسة ويأتي من يطالب به. # 24 # الضياع السلطانية # وكانت الضياع بالإجمال قسمين: الضياع العامة وهي ضياع رجال الدولة وأرباب ~~الثروة من الأهلين وغيرهم، والضياع السلطانية وهذه أقسام سميت بأسماء تدل على ~~أنواعها؛ وهي: ~~(1) # الضياع الخاصة: # وهي ما يملكه ~~الخليفة نفسه لا يشاركه فيه أحد، وقد رأيت خراج هذه الضياع في ~~جريدة علي بن عيسى - غير ما كان منها في نواحي واسط لأنه أضيف إلى ~~أموال العامة - 516447 دينارا. ~~(2) # الضياع العباسية: # وهي في ~~الغالب لبني العباس أهل الخليفة، وقد بلغ عددهم في أيام المأمون ~~33000 نفس # 25 # وبلغ خراج تلك الضياع سنة 306ه 144760 دينارا سوى ما ~~هو منها في واسط. ~~(3) # الضياع المستحدثة: # قد رأيت ~~خراجها في تلك السنة 289036 دينارا. ~~(4) # الضياع الفراتية: # وسميت بذلك ~~لأنها واقعة على ضفاف الفرات، وخراجها لذلك العام 617126 دينارا. # وكانت هذه الضياع من سواد بغداد والكوفة والبصرة وواسط والأهواز ~~وأصبهان # 26 # يضمنونها أحيانا بأموال معينة في العام # 27 # ولها دواوين وكتاب وعمال. # فالضياع على إجمالها قليلة الخراج مع أنها أخصب الأرض؛ لأن الخلفاء وعمالهم ~~كانوا يغضون عن كثير من الأموال المطلوبة منهم # 28 # وقد يتركونها لهم، ومع ذلك فقد رأيت خراج الضياع السلطانية يزيد ~~على مليون ونصف غير ما هو منها في واسط وغيرها مما يدل على كثرة تلك الضياع ~~وسعتها، والظاهر أن ذلك طبيعي في الدولة المطلقة في تلك العصور؛ فقد ذكرنا في ~~هذا الكتاب أن جباية الدولة العثمانية بلغت في أيام السلطان سليمان 8000000 ~~دوكة منها 5000000 من الضياع السلطانية وحدها. # 29 # الإيغار # وكان عندهم ضرب من استهلاك الخراج اسمه «إيغار»، ومعناه في الأصل «استيفاء » ~~فيقولون: ms0313 «أوغر العامل الخراج أي؛ استوفاه.» ثم استخدموها بمعنى الإعفاء من ~~الخراج بمال معين يدفعه صاحب الأرض مرة واحدة ولذلك قالوا: «أوغر الملك الرجل ~~الأرض.» جعلها له من غير خراج، أو هو أن يؤدي الخراج إلى السلطان الأكبر فرارا ~~من العمال ويسمى ضمان الخراج إيغارا # 30 # فكان أصحاب الضياع يستوغرون ضياعهم إذا استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ~~ومن الإيغارات المشهورة في الدولة العباسية «إيغار يقطين»، وأصلها أن رجلا ~~اسمه يقطين أوغرت له ضياع من عدة الطساسيج ثم صار ذلك إلى السلطان فنسب إلى ~~إيغار يقطين. # 31 ~~(2) أسباب كثرة النفقات ~~(2-1) إسراف الخلفاء ونسائهم # من الأمور الطبيعية في العمران إذا كثرت الأموال في الدول أن يسخو الملوك في ~~بذلها، وخصوصا في الدول المطلقة، وعلى الأخص في الدولة العباسية، والخليفة مطلق ~~التصرف في بيت المال # 32 # ودعاة الخلافة كثيرون لا يقعد فتنتهم غير استرضاء الأحزاب بالمال أو ~~كسر شوكتهم بالحرب، والأول أسلم عاقبة وأقرب منالا إذا توفرت الأموال، وقد رأيناها ~~متوفرة خصوصا في عصر الرشيد والمأمون، فلا غرو إذا رأيناهما يبذلان الأموال في ~~استكفاف الأذى عن الدولة، أو سد أفواه أهل الفتن، لكنهم تجاوزوا ذلك إلى صنوف البذخ ~~وضروب التبذير والترف، فاقتنوا الجواري واتخذوا الفرش من الخز والديباج والحرير ~~والمسامير الفضة # 33 # وابتنوا المتنزهات والقصور والمدن واقتنوا الندماء وأنشأوا مجالس ~~الغناء، وارتكبوا سائر ضروب الترف والتأنق في الطعام واللباس والرياش، وقد سهل ~~عليهم ذلك لقرب عهد العراق وفارس من بذخ الفرس قبيل الفتح الإسلامي # 34 # وأطلقوا أيدي نسائهم وأمهاتهم وخاصتهم في الأموال. # ثروة نساء الخلفاء # لم يتزوج السفاح إلا امرأة واحدة، # 35 # وقبل أن يتوفى المنصور أوصى ابنه المهدي ألا يشرك النساء في ~~أمره # 36 # ومع ذلك فإن الخيزران أم الرشيد كانت هي صاحبة الأمر والنهي في ~~أيام الهادي وأيامه، وكان وزيره يحيى بن خالد بن برمك تحت أمرها # 37 # فأفضى نفوذها إلى حشد الأموال لنفسها حتى بلغت غلتها في العام ~~160000000 درهم؛ # 38 # وذلك نحو نصف خراج المملكة العباسية لذلك العهد، وغلة أعظم ms0314 متمولي ~~العالم اليوم لا تزيد على ثلثي هذا المال، فقد ذكروا أن إيراد روكفلر الغني ~~الأمريكي الشهير نحو 10500000 دينار، وقد بينا في غير هذا المكان أن قيمة ~~النقود كانت تساوي ثلاثة أضعافها اليوم، والدينار نصف جنيه، فتكون غلة روكفلر ~~نحو ثلثي غلة الخيزران. # وكانت الخيزران مع ذلك شديدة الوطأة رغابة في الاستئثار، فلما آنست في ~~ابنها الهادي معارضة لإرادتها دست إليه من قتله! # 39 # ولما ماتت توسع الرشيد بأموالها وأقطع الناس ضياعها. # 40 # على أن الخيزران كانت من أهل العلم والرأي، فلا غرابة في اقتنائها الأموال في ~~إبان الثروة العباسية، إنما الغرابة في اقتناء أمهات الخلفاء الأموال ~~الكثيرة في عصر الاضمحلال وبيت المال فارغ، فإن «قبيحة» أم المعتز وجدوا لها ~~من مخبآت في الدهاليز ونحوها نحو 2000000 دينار نقدا ومالا تقدر قيمته من ~~التحف والجواهر مما نأتي بذكره على سبيل المثال: من ذلك مقدار مكوك من الزمرد ~~الثمين ونصف مكوك لؤلؤ كبير ونحو كيلجة ياقوت أحمر مما قدروا قيمته 2000000 ~~دينار، وكانت مع ذلك قد عرضت ابنها للقتل من أجل 50000 دينار. # 41 ~~••• # وأغرب من ذلك شأن أم محمد بن الواثق فقد كانت غلتها 10000000 دينار # 42 # في العام تنفقها في جواريها وهي نحو غلة الخيزران، وأخرجوا من تربة ~~والده المقتدر 600000 دينار كانت مخبأة هناك، ولم يعلم بها أحد مع ضيق الخليفة ~~وفراغ بيت ماله # 43 # وقس على ذلك أمهات الخلفاء الآخرين في العراق وغيره من بلاد ~~الإسلام؛ فقد كن يتمتعن بالنفوذ ويستولين على الأموال بالتواطؤ مع القواد ~~ورجال الجند، بما يتاح لهن من إطلاق الأيدي في أمور الدولة كما فعل المستعين ~~العباسي (249ه) فإنه أطلق يد والدته ويد أتامش وشاهك الخادم في بيوت الأموال ~~وأباحهم فعل ما أرادوا، فكانت الأموال التي ترد من الآفاق يصير معظمها إلى ~~هؤلاء الثلاثة. # 44 # فلا عجب والحالة هذه إذا تحول الغنى إلى النساء والخدم والقواد، وهل تستغرب ~~بعد ذلك إذا علمت أنه كان بين رياش أم المستعين بساط أنفقت على صنعه ms0315 130000000 ~~دينار (ربما درهم)، فيه نقوش على أشكال الحيوانات والطيور وأجسامها من الذهب ~~وعيونها من الجواهر، # 45 # أو إذا قيل لك إن فلانة حشت فم الشاعر الفلاني درا فباعه بعشرين ~~ألف دينار، # 46 # أو إذا سمعت بهدايا قطر الندى وغيرها من نساء الخلفاء؟! # 47 # ناهيك بما كان في بلاط الخلفاء العباسيين وغيرهم من القهرمانات اللواتي كن ~~يتولين شؤون دور الخلفاء والنفقة عليها بالاتفاق مع الوزير أو من ينوب ~~عنه، # 48 # فكان لهؤلاء النساء نفوذ عظيم في قصور الخلفاء وفي أعمال الدولة، ~~كما كانت تفعل أم موسى القهرمانة في أيام المقتدر في أوائل القرن الرابع ~~للهجرة # 49 # ولم يكن لأولئك القهرمانات سبيل للإنفاق لولا ما في قصور الخلفاء ~~من الجواري والخدم وغيرهم. # الجواري والغلمان # وقد رأيت فيما ذكرناه من مناقب المنصور أنه لما علم بوجود الطنبور في داره ~~كسره على حامله، لكن لم يمض على موته أربعون سنة حتى أصبحت دور الخلفاء مسرحا ~~للغناء واللهو، قالوا إنه كان في قصر الرشيد ثلثمائة جارية ما بين جنكية إلى ~~عودية إلى دفية إلى قانونية إلى زامرة إلى مغنية إلى راقصة إلى سنطيرية فضلا ~~عمن كان في قصره من الندماء والمضحكين كالشيخ أبي الحسن الخليع ~~الدمشقي # 50 # وابن أبي مريم المدني # 51 # وغيرهما، وما من جارية إلا وثمنها ألف دينار أو عشرة آلاف ~~دينار # 52 # إلى مئة ألف دينار غير ما يقتضيه اقتناؤهن من النفقات الأخرى ~~كالألبسة والحلي وهي شيء كثير؛ فقد اشترى الرشيد خاتما بمئة ألف ~~دينار # 53 # وقس على ذلك. # ناهيك بما كانوا يقتنونه من المماليك والغلمان مما يعدون بالمئات والألوف؛ ~~فقد بلغ عدد خدم المقتدر 11000 خصي من الروم والسودان # 54 # غير ما يقتضيه ذلك من الأبنية والقصور والرياش؛ فقد بنى المعز ~~دارا في بغداد أنفق عليها 13000000 درهم # 55 # وبنى الأمين قصورا في الخيزرانية أنفق عليها 20000000 ~~درهم # 56 # واصطنع في دجلة خمس حراقات (سفن) إحداها على صورة الأسد والثانية ~~بصورة الفيل والثالثة بصورة العقاب والرابعة بصورة الحية والخامسة بصورة ms0316 الفرس ~~أنفق عليها مالا عظيما وفيها يقول أبو نواس: # سخر الله للأمين مطايا # لم تسخر لصاحب المحراب # فإذا ما ركابه سرن برا # سار في الماء راكبا ليث غاب # عجب الناس إذ رأوك على صو # رة ليث تمر مر السحاب # سبحوا إذ رأوك سرت عليه # كيف لو أبصروك فوق العقاب # ذات زور ومنسر وجناحي # ن تشق العباب بعد العباب # تسبق الطير في السماء إذا ما # استعجلوها بجيئة وذهاب # ومما يحسن إيراده مثالا على بذخهم أن الأمين أمر يوما أن يفرش له على دكان ~~في الخلد، ففرش عليها بساط ذرعي ونمارق وفرش مثله وهيئ من آنية الذهب والفضة ~~والجواهر أمر عظيم، وأمر قيمة جواريه أن تهيئ له مائة جارية صانعة فيصعدن ~~إليه عشرا عشرا بأيديهن العيدان يغنين بصوت واحد # 57 # ففعلت، وسنأتي على تفصيل بذخ الخلفاء وطرق إسرافهم في الجزء ~~المتعلق بالهيئة الاجتماعية من هذا الكتاب. # السخاء # على أن الإسراف كان أكثره فيما يبذلونه كرما وسخاء، ومنه ما ينفق يوميا ~~فرضا واجبا، فقد كان الرشيد يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم بعد ~~زكاته # 58 # وكان المأمون ينفق على خاصته كل يوم 6000 درهم # 59 # فاعتبر مقدار ذلك في السنة فيزيد على 2000000 درهم، وليس هذا ~~بالشيء الذي يذكر بجانب ما كانوا يهبونه من الجوائز ونحوها؛ فقد فرق المنصور ~~في يوم واحد 10000000 درهم على أهل بيته # 60 # وفرق المأمون في يوم واحد 1500000 درهم على ثلاثة ~~أشخاص، # 61 # وقد رأيت في هذا الكتاب أنه فرق 24000000 درهم ورجله في الركاب، ~~وأوصى الرشيد للمأمون بمبلغ 100000000 درهم، وتصدق المعتصم في أثناء خلافته بما ~~مجموعه 100000000 درهم # 62 # وبلغ ما أنفقه المقتدر ضياعا ما خلا الأرزاق 70000000 ~~دينار، # 63 # فضلا عن جوائزهم للوافدين من الشعراء وغيرهم، وربما بلغت جائزة ~~الشاعر مائة ألف درهم، وذكروا جوائز كثيرة بنحو هذه القيمة أو أكثر، وروى ابن ~~خلكان عن سالم الشاعر المعروف بالخاسر أنه نظم قصيدة مدح فيها المهدي وحلف أنه ~~لا يأخذ قيمتها إلا مائة ms0317 ألف ألف درهم (100000000) فأعطاه إياها، وفي ذلك ~~مبالغة ظاهرة لكنها تدل على مبلغ ذلك السخاء # 64 # وكثيرا ما كانوا يهبون الشعراء الضياع فضلا عن الأموال. # 65 # هل كانوا يفعلون ذلك حقيقة؟ # فهذا وأمثاله يحسبه أهل هذا الزمان من قبيل الخرافات بالقياس على ما يعلمونه ~~من القواعد الاقتصادية، على أننا لا نظنهم يقولون ذلك بعد ما تبين لهم من مقدار ~~الثروة العباسية، ومقدار ما كان يبقى من الأموال تحت تصرف الخلفاء، أو من يقوم ~~مقامهم كالوزراء والكتاب، إلا إذا شككنا في حقيقة تلك الثروة وهو شك في التاريخ ~~على إجماله؛ لأن المؤرخين على اختلاف عصورهم ومواطنهم متفقون على ما بيناه من ~~هذا القبيل كما رأيت. # ثم إننا إذا اعتبرنا نظام الهيئة الاجتماعية في تلك الأيام على ما سنفصله في ~~الأجزاء التالية من تأثير الشعراء ونحوهم في مركز الخليفة نفسه هان علينا تصديق ~~ما كانوا ينالونه من الهبات الكبرى، على أننا نعرف بين أغنيائنا اليوم من ~~يبذل 50000 جنيه و100000 جنيه ثمن صورة أو قطعة من الآثار القديمة لا تنفع ولا ~~تضر، وقرأنا بالأمس أن مورجان الأمريكي الشهير اشترى صورا بمليون جنيه ليقدمها ~~هدية لبعض المتاحف. # وزد على ذلك أننا نستدل على صحة ما تقدم أيضا من سياق بعض الوقائع المروية ~~من هذا القبيل، مثل حديث المؤمل عن قدومه على المهدي وهو ولي عهد، قال: «قدمت ~~على المهدي في الري وهو ولي عهد فأمر لي بعشرين ألف درهم لأبيات امتدحته بها، ~~فكتب إليه المنصور (أبوه) يعذله ويلومه ويقول له: «إنما كان ينبغي لك أن تعطي ~~الشاعر بعد أن يقيم ببابك سنة أربعة آلاف درهم.» - إلى أن قال - وبعث المنصور ~~يستقدمني إليه حتى جئت ودخلت عليه فقال: «هيه! أتيت غلاما غرا فخدعته ...» ~~فقلت: «نعم أصلح الله أمير المؤمنين، أتيت غلاما غرا كريما خدعته فانخدع.» ~~فقال المنصور: «أنشدني ما قلت فيه.» فأنشدته (ثم ذكر القصيدة) ومطلعها: # هو المهدي إلا أن فيه # مشابه صورة القمر المنير # فقال: «والله لقد أحسنت، ولكن هذا لا يساوي عشرين ms0318 ألف درهم.» وقال: «أين ~~المال؟» قلت: «ها هو ذا.» قال: «يا ربيع انزل معه فأعطه أربعة آلاف درهم وخذ ~~منه الباقي.» فخرج الربيع فحط ثقلي ووزن لي أربعة آلاف درهم، وأخذ ~~الباقي.» # 66 # فترى من هذه الحكاية أنهم كانوا يقدرون الشعراء بآلاف ~~الدراهم. # هل كان الخلفاء يسرفون من أموالهم الخاصة؟ # بقي علينا النظر فيما كان الخلفاء يهبونه من الجوائز ونحوها، هل كانوا يؤدونه ~~من أموالهم الخاصة أم من بيت مال الحكومة المعبر عنه ببيت مال المسلمين؟ وهو ~~موضوع مبهم لم نجد فيه قولا صريحا، على أن سكوت المؤرخين عنه يرجح أنهم كانوا ~~يدفعون ذلك من بيت المال، ولا جناح فيه عليهم؛ لأن الإمام هو ولي بيت المال ~~ينفقه فيما يرى فيه مصلحة المسلمين حسب اجتهاده، وقد يرى في إجازة الشاعر أو ~~هبة العالم فائدة للدولة. # على أننا رأينا ذكرا لبيت مال الخاصة في أيام الهادي، ويظهر من سياق بعض ~~الحوادث التي وقعت للخلفاء أنهم كانوا إذا أمروا لشاعر أو غيره بمال إنما ~~يريدون أن يدفع له من بيت مال المسلمين، وأن الوزراء كثيرا ما كانوا يتذمرون ~~من ذلك الإسراف ولا ينفذون أمر الخليفة في الصرف، كما وقع لعيسى بن دأب مع ~~الهادي، وذلك أن عيسى المذكور كان من أكثر أهل الحجاز أدبا وأعذبهم ألفاظا، ~~وكان قد حظي عند الهادي حظوة لم تكن لأحد قبله، فأمر له مرة بثلاثين ألف دينار ~~في دفعة واحدة، فلما أصبح ابن دأب أرسل قهرمانه إلى الحاجب في قبضها فقال ~~الحاجب: «هذا ليس إلي فانطلق إلى صاحب التوقيع وإلى الديوان.» فعاد إلى ابن دأب ~~فأخبره فقال: «اتركها» فبينما الهادي في مستشرف له ببغداد رأى ابن دأب وليس معه ~~إلا غلام واحد فاستدعاه، فلما وقف بين يديه قال له الهادي: «أرى ثوبك غسيلا ~~وهذا شتاء يحتاج فيه إلى الجديد.» فقال: «باعي قصير.» فقال: «وكيف وقد صرفنا ~~إليك ما فيه صلاح شأنك؟» فقال: «ما وصل إلي.» فدعا الهادي صاحب بيت مال ~~الخاصة فقال: «عجل الساعة بثلاثين ألف دينار.» ms0319 فأحضرت وحملت بين يديه، # 67 # فيظهر من سياق هذه الحكاية أن الخليفة أراد أن يدفع إليه المال من ~~بيت المال العام، فلما لم يدفعوا له أمر بدفعه من بيت ماله الخاص. # ومن هذا القبيل ما اتفق ليحيى بن خاقان، إذ أمره الرشيد أن يدفع ثمن جارية ~~100000 دينار، فاستكثر يحيى المال واعتذر عن دفعه، فغضب الرشيد فأراد يحيى أن ~~يبين له مقدار ما يتحمله بيت المال من هذا الإسراف فيما لا مصلحة للدولة فيه، ~~فجعل ذلك المال دراهم فبلغت نحو 1500000 درهم فوضعها في الرواق الذي يمر به ~~الرشيد إذا أراد الوضوء، فلما رأى الرشيد ذلك المال استكثره، ولما أخبروه أنه ~~ثمن الجارية أدرك إسرافه ولكنه شعر بما في ذلك من الجرأة عليه ومحاولة غل يديه ~~فحفظ ذلك في نفسه، ويقال إنه كان من جملة ما حمله على نكبة البرامكة. # 68 # واتفق نحو ذلك للواثق بالله مع وزيره ابن الزيات في ثمن جارية فلما مطل ~~الوزير بالدفع أمره أن يدفع ضعفين ففعل. # 69 # وفي كتاب أبي سفيان الثوري إلى الرشيد جوابا على كتاب استدعاه به إلى بغداد ~~ما يشبه كلام أبي ذر الغفاري لمعاوية، ويدل على أن الرشيد كان يهب ويجيز من بيت ~~مال المسلمين، وذلك أن الرشيد دعاه بكتاب بعثه إليه في الكوفة، وأخبره أن الناس ~~قدموا إليه، وأنه فتح بيوت الأموال وأعطاهم من المواهب السنية ... إلخ، فأجابه ~~أبو سفيان بكتاب شديد اللهجة وفي جملة ذلك قوله: «أما بعد؛ فإني كتبت إليك ~~أعلمك أني صرمت حبلك وقطعت ودك، وأنك قد جعلتني شاهدا عليك بإقرارك على نفسك ~~في كتابك أنك هجمت على بيت مال المسلمين، فأنفقته في غير حقه وأنفذته بغير ~~حكمه، ولم ترض بما فعلته وأنت ناء عني حتى كتبت إلي تشهدني على نفسك، فأما ~~أنا فإني قد شهدت عليك أنا وإخواني الذين حضروا كتابك، وسنؤدي الشهادة غدا بين ~~يدي الله الحكم والعدل، يا هارون هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم، هل رضي ~~بفعلك المؤلفة قلوبهم والعاملون عليها ms0320 في أرض الله، والمجاهدون في سبيل الله ~~وابن السبيل؟ أم رضي بذلك حملة القرآن وأهل العلم (يعني العاملين)؟ أم رضي ~~بفعلك الأيتام والأرامل؟ أم رضي بذلك خلق من رعيتك؟» # 70 # فهذا وأمثاله يدل على أن الخلفاء كانوا يهبون ويجيزون ويبذخون ويسرفون من بيت ~~المال. ~~(2-2) تكاثر أبواب النفقة في الدولة # بينا في الجزء الأول من هذا الكتاب كيف تدرجت الدولة الإسلامية في إدارتها ~~منذ كان النبي # صلى الله عليه وسلم # هو الأمير والقاضي والقائد حتى أصبح موظفو الحكومة في أيام ~~الراشدين ستة، وما كان من تزايدهم بتزايد الحضارة واتساع المملكة في أيام بني أمية ~~فبني العباس، وكانت تلك الإدارات تتكاثر عندهم بتكاثر الثروة وميل الخلفاء ورجال ~~دولتهم إلى الترف والرخاء، فأصبحت في أيام الرشيد أكثر منها في أيام المنصور، وفي ~~أيام المأمون أكثر منها في أيام الرشيد، وقس على ذلك تكاثرها في أيام من جاء بعدهم ~~من الخلفاء، فقد قرأت في جريدة المعتضد من أصناف المرتزقين في بلاط الخليفة من ~~الغلمان والمماليك وأصحاب المطابخ والجلساء وأصحاب الركاب، ما لم يكن له ذكر في صدر ~~الدولة العباسية، وقس عليهم أصناف الخدم الخاصة من الأطباء والمغنين والندماء، مما ~~لا يقع تحت الحصر، وكله قد اقتضاه الترف في حضارة الدولة. # وزد على ذلك أن بعض النفقات كانت تصرف أول الأمر من غير بيت المال، فصارت تصرف ~~منه لأسباب كثيرة لا سبيل إلى معرفتها، إذ لم يرد نص صريح بشأنها، وإن كنا نستدل ~~عليها ضمنا من نصوص كثيرة، مثل ما نراه من الفرق بين جريدة النفقات في أيام ~~المعتضد سنة 279ه وبين جريدة علي بن عيسى لعام 306ه فإنك تجد في هذه نفقات لا ذكر ~~لها في تلك، مثل نفقات الحرمين، ورواتب القضاة في المماليك، وولاة الحسبة، وأصحاب ~~البريد في جميع البلاد ونفقات الثغور، فإن هذه الأبواب غير واردة في تلك؛ لأن ~~العمال كانوا يقومون بها من خراج أعمالهم كما أشرنا إلى ذلك، فلما ضعف الخلفاء ~~وتمرد العمال اضطرت الدولة إلى دفعها من بيت ms0321 مالها. # وقد تقدم في الجزء الأول أن ارتفاع الثغور كان ينفق في مصالحها فلا يرد منه شيء ~~إلى بيت المال، على أنهم كثيرا ما كانوا يحصلون منها على الأموال الطائلة من ~~الغنائم ونحوها في صدر الدولة العباسية # 71 # أما في أيام الاضمحلال فقلت الغزوات، وبطلت الغنائم، وتحمل بيت المال ~~نفقات تلك الثغور، وزادت عما كانت عليه في صدر الدولة حتى بلغت في أيام المقتدر نحو ~~500000 دينار، وكانت قبله 100000 دينار ، وهو مقدار ارتفاعها الذي ينفق في ~~مصالحها، # 72 # ناهيك بما حدث من نفقات الجند وغيره. ~~(2-3) زيادة الضرائب # ولم تقتصر زيادة النفقات على نشوء إدارات لم تكن من قبل، ولكن الإدارات القديمة ~~زادت نفقاتها عما كانت عليه في أوائل الدولة، وطبيعي أنه إذا كثرت ثروة الدولة وسعت ~~على رجالها وزادت رواتبهم وما يجري لهم من الأرزاق فإذا كانت تلك الدولة مؤسسة على ~~أساس ضعيف لا تلبث أن تنحط ثروتها وتبقى الرواتب كما هي، فيقصر بيت المال في ~~تأديتها فيضطروا إلى فرض الضرائب الفادحة واستخدام العنف في تحصيلها، فتضعف همة ~~الناس عن العمل وتزداد البلاد فقرا. # كان المسلمون في أيام النبي # صلى الله عليه وسلم # وأبي بكر يرتزقون مما يقع في أيديهم من ~~الغنائم، فتختلف حصة كل منهم باختلاف مقدار تلك الغنائم، حتى تولى عمر بن الخطاب ~~ووضع الديوان وجعل لكل مسلم راتبا معينا في السنة وميزهم باعتبار أنسابهم ~~وقرابتهم من النبي، أو سابقتهم في الإسلام وليس باعتبار ما يؤدونه من الأعمال؛ فقد ~~يكون أحدهم كاتبا أو عاملا أو قاضيا على السواء، فلما تفرعت إدارات الدولة ~~وتميزت لم يروا بدا من تعيين الرواتب باعتبار المناصب، فجعلوا لكل من الجندي ~~والعامل والكاتب والحاجب والقاضي وغيرهم راتبا معينا، ولما حدثت الوزارة في ~~الدولة العباسية جعلوا لها راتبا كما جعلوا لسواها من المناصب المستحدثة. # واختلف مقدار راتب كل من هذه المناصب باختلاف الدول والعصور، فلننظر في تاريخ ~~أشهر تلك المناصب باعتبار رواتبها بالنظر إلى ما نحن فيه. # رواتب العمال # كان راتب العامل في ms0322 أيام عمر 600 درهم في الشهر # 73 # ثم اختلف باختلاف العمال والأعمال، فقد جعل عمر لمعاوية على الشام ~~ألف دينار في السنة # 74 # ولما أفضى الأمر إلى بني أمية أصبحت ولاية الأعمال فوضى على ما ~~تقتضيه الأحوال من أطماع العمال بنصرتهم أو التوسيع لهم في النفقة لحرب الخوارج ~~أو العلويين أو غير ذلك، فربما جعلوا الولاية كلها طعمة لا يدفع عنها العامل ~~شيئا، بل ينالها مكافأة على خدمة قام بها، على أن ذلك كان خاصا بالعمال ~~الكبار؛ كعامل العراقين، أو مصر، أو خراسان، وقد بلغ راتب يزيد بن عمر بن هبيرة ~~أمير العراق في أيامهم 600000 درهم في السنة، # 75 # وبلغت غلة خالد القسري 13000000 درهم، # 76 # وليس هذا الأخير من قبيل الراتب فلا يقاس عليه. # وكان تحت هؤلاء العمال عمال يفرقونهم في أعمالهم، كما كان يفعل الحجاج في ~~العراق، وعمرو بن العاص بمصر، فالعمال الصغار كانت رواتبهم محددة لا تزيد على ~~300 درهم في الشهر، # 77 # وظلت على نحو ذلك في صدر الدولة العباسية إلى أيام المأمون، فزادها ~~وزيره الفضل بن سهل في جملة ما زاده من الرواتب على أثر ما كان من تكاثر الثروة ~~مع رغبة الخليفة في إرضاء نصرائه من أهل خراسان، أما مقدار ذلك الراتب فإنه كان ~~يختلف باختلاف الأعمال؛ لأن العمل قد يقتصر على ولاية صغيرة أو يعقد له على عدة ~~ولايات فتقدر العمالة بقدر اتساعه وأهميته، وباعتبار رضى الخليفة عن عامله ونحو ~~ذلك، فقد عقد المأمون للفضل بن سهل على المشرق من جبل همذان إلى التبت طولا ~~ومن بحر فارس إلى بحر الديلم (قزوين) وجرجان عرضا، ويدخل في ذلك كل ما وراء ~~العراق شرقا إلى الهند وجعل له عمالة قدرها 3000000 درهم في السنة، وعقد له ~~لواء على سنان ذي شعبتين وأعطاه علما وسماه ذا الرياستين: # 78 # السيف والقلم، ونقش على سيفه بالفضة من الجانب الواحد «رياسة ~~الحرب»، ومن الجانب الآخر «رياسة التدبير»، # 79 # فعل المأمون ذلك له لما كان من نصرته إياه في ms0323 خلافه مع أخيه ~~الأمين، فلا يقاس به العمال الذين كانوا يتولون الأعمال الصغرى، ومنهم بضعة عشر ~~عاملا تحت راية الفضل بن سهل في المشرق، وعمالة هؤلاء تختلف أيضا باختلاف ~~الولايات، ويظهر أنها كانت تتراوح بين 300 و1000 درهم قياسا على ما ذكره ابن ~~حوقل من رواتبهم في أيام منصور بن نوح. # 80 # وأما عمال الولايات الكبرى التي كانت علاقتها رأسا مع الخليفة، فقد كانت ~~رواتبهم كبيرة جدا كما رأيت من راتب الفضل بن سهل، وكانت عمالة الحسين بن علي ~~الماذراني على مصر في أوائل القرن الرابع للهجرة 3000 دينار في الشهر # 81 # أو 60000 درهم، ومقدار ذلك في السنة 720000 درهم، وقس على ~~ذلك. # فإذا اعتبرنا هذه الرواتب بالنظر إلى هذه الأيام (سنة 1903) رأيناها فاحشة ~~جدا؛ لأن الولايات في الدولة العثمانية ثلاث درجات: الدرجة الأولى راتبها 250 ~~ليرة عثمانية في الشهر، والثانية 200، والثالثة 150، وراتب عامل إنجلترا على ~~الهند (نائب الملك في الهند) 20833 روبية في الشهر # 82 # أي نحو 21875 جنيه في السنة وهو أعظم رواتب العمال في هذا العهد، ~~ومع ذلك فإنه أقل من راتب الماذراني المتقدم ذكره، ناهيك بما كان يكتسبه عمال ~~الدولة العباسية من الاتجار ونحوه. # رواتب الكتاب # وكانت رواتب الكتاب إلى أيام المأمون مثل رواتب العمال الصغار، لا يزيد ~~مقدارها في الشهر على 300 درهم، فزادها الفضل بن سهل كما تقدم ولم نقف على ~~مقدار تلك الزيادة، ولكن بالقياس إلى غيرها يجب أن تكون كثيرة، فضلا عما كانوا ~~يستولون عليه من الأخرجة اليومية. # وقد عدد المقريزي ما كان يستولي عليه كاتب من كتاب مصر على عهد الدولة ~~الفاطمية في اليوم الواحد، من البقولات والتوابل والحلويات والأثمار والفاكهة ~~والعطريات وسائر الأطعمة، ومن الألبسة والأفرشة وما كان يجري من ذلك كله على ~~أولاده وأهله، فاستغرق تعداده نحو صفحتين أو ثلاث صفحات من قطع هذا الكتاب، ~~فاكتفينا بالإشارة إليه تفاديا من التطويل، ومن أراد التفصيل فليراجعه ~~هناك. # 83 # رواتب الوزراء # الوزارة من محدثات الدولة العباسية، وأول من اشتهر من ms0324 وزرائها البرامكة، ولم ~~نقف على مقادير رواتبهم، والظاهر أنها كانت كبيرة، فضلا عن إطلاق أيديهم في ~~بيت المال يقطعون ويصلون كما يتراءى لهم، على أننا قد رأينا في قائمة النفقات ~~في أيام المعتضد أن راتب الوزير # دينار في اليوم أو ألف دينار في الشهر، فإذا اعتبرنا تقدير ~~النقود بالنظر إلى قيمة الفضة والذهب في هذه الأيام زاد هذا الراتب على 1500 ~~جنيه، وما من وزير يبلغ راتبه إلى هذا المقدار اليوم، فإن راتب الوزير في ~~الدولة العثمانية 300 ليرة عثمانية في الشهر، إلا الصدر الأعظم فإن راتبه ألف ~~ليرة، والوزير المصري راتبه 250 جنيها في الشهر، وراتب أكبر وزراء إنجلترا ~~2000 جنيه في العام. # 84 # على أن رواتب الوزراء كانت تختلف باختلاف العصور والدول، كان راتب الوزير على ~~أيام الناصر الأندلسي 80000 دينار في السنة غير الهدايا # 85 # وكان راتب يحيى بن هبيرة وزير المقتفي في أواسط القرن السادس ~~للهجرة 100000 دينار في السنة # 86 # وكان للوزراء - فضلا عن رواتبهم المشار إليها - رواتب لأولادهم ~~وإخوتهم وخدمهم وأتباعهم، وأرزاق، ووظائف كثيرة، وخاصة في مصر، فقد كان راتب ~~الوزير في الدولة الفاطمية 5000 دينار في الشهر، ولمن يليه من ولد أو أخ من 300 ~~إلى 200 دينار، ثم حواشيهم على مقتضى عدتهم من 500 إلى 300 دينار، ما عدا ~~الإقطاعات # 87 # وغير ما يجري عليه وعلى أهله من المأكولات وسائر حاجيات الحياة، ~~فقد كان للوزير ابن عمار أيام العزيز بالله الفاطمي بمصر من الجرايات لنفسه ~~وأهل حرمه من اللحم والتوابل ما قيمته 500 دينار في الشهر، ومن الفاكهة سلة ~~بدينار، وعشرة أرطال شمع بدينار، ونصف حمل بلح # 88 # وكان راتب الوزير في الدولة السلجوقية عشر مغل البلاد. # 89 # رواتب القضاة # كان راتب القاضي في أيام الراشدين مائة درهم في الشهر، ومؤونته من ~~الحنطة، # 90 # ثم ارتقى في أيام بني أمية مثل سائر الرواتب فصار راتب قاضي مصر ~~سنة 88ه ألف دينار في السنة # 91 # أي نحو عشرة أضعافه في أيام الراشدين، فلما ms0325 أفضت الخلافة إلى بني ~~العباس أنزلت الرواتب فصار راتب قاضي مصر في أيام المنصور 30 دينارا في الشهر، ~~ثم تصاعد في عهد من خلفه حتى بلغ في أيام المأمون (سنة 213ه) 400 درهم في ~~الشهر، أي 270 دينارا، ثم عاد في أيام ابن طولون إلى ألف دينار في ~~السنة. # 92 # وأما في بغداد فلم نطلع على راتب القاضي في أوائل الدولة العباسية، ولكننا ~~رأينا في جريدة المعتضد أن راتب القاضي 16 وثلثا دينار في اليوم أو 500 دينار ~~في الشهر - بما فيه أجور عشرة من الفقهاء وخليفة القاضي - ومع ذلك فإنه راتب ~~كبير بالنظر إلى رواتب قضاة هذه الأيام، فإن راتب شيخ الإسلام في الأستانة لا ~~يزيد على 500 ليرة عثمانية في الشهر، مع اعتبار الفرق في قيمة النقود بين تلك ~~الأيام واليوم. # رواتب الخلفاء وأهلهم # قد رأيت أن الخلفاء كانوا يفرضون الرواتب لأهل الوزراء والكتاب، فبالأولى أن ~~يفرضوها لأنفسهم وأولادهم، والخليفة هو القابض بيده على بيت المال، لكننا لم ~~نجد قولا صريحا في هذا الشأن غير ما كان يأمر به الخلفاء لأهلهم من الضياع أو ~~الأموال، وأكثر ما كانوا يفعلون ذلك في أول الدولة إذا خافوا أهلهم من مناظرتهم ~~على الملك، فكانوا يشترون مبايعتهم بمال يرضون به أهلهم كما فعل المنصور مع ~~عيسى بن موسى، إذ اشترى منه البيعة لابنه المهدي بمبلغ 11000000 درهم له ~~ولأولاده # 93 # أو للتوسعة عليهم واستنصارهم كما فعل مع أعمامه فإنه أمر لكل واحد ~~منهم بمليون درهم تدفع إليهم من بيت المال وهو أول من فعل ذلك، # 94 # ويظهر أنها كانت تدفع إليهم في كل عام، ولما توفي ابنه المهدي فرض ~~لأهل بيته كل واحد 6000 درهم في السنة # 95 # والظاهر أنهم بقوا على نحو ذلك فضلا عما كانوا ينالونه من الهبات ~~الطائلة، وخصوصا أبناء الخلفاء وولاة عهدهم، فإن الهادي أمر سنة 270ه لابنه ~~الرشيد بمليون دينار، وأن يحمل إليه نصف الخراج # 96 # على أثر ما كان من عزمه على خلعه من ولاية العهد. ms0326 # والظاهر أن الرشيد زاد في رواتب أهله، وكذلك المأمون بالقياس على ما كان من ~~زيادة الرواتب في خلافته، وكان أعضاء العائلة قد زاد عددهم حتى بلغوا في أيامه ~~33000 نفس، ولما توفي المستعين سنة 248ه ابتاع من المعتز والمؤيد جميع ما لهما ~~وأشهد عليهما بذلك، وترك للمعتز ما يتحصل منه في السنة 20000 دينار، وللمؤيد ما ~~يتحصل منه 5000 دينار وحبسهما. # 97 # فلما كانت أيام ابن رائق أمير الأمراء في أوائل القرن الرابع للهجرة، كفت ~~أيدي الخلفاء عن بيت المال، وصار إلى رجال الدولة، وأول من كفت يده الراضي ~~بالله الذي توفي سنة 339ه واستبد القواد ورجال الدولة في الأموال وصار الخلفاء ~~في حاجة إلى الراتب بعد ما ذهبت سيطرتهم عن بيت المال فقرروا لهم راتبا ~~زهيدا. # 98 # ويظهر أن الخلفاء لم تكن لهم قبل ذلك رواتب معينة، غير ما كان يصيبهم من ~~الغنائم بحسب الشرع، إلا أبا بكر فقد فرضوا له 6000 درهم لما يصلحه ويصلح عياله ~~بالمعروف # 99 # ثم لم نر ذكرا لرواتب الخلفاء إلى أيام ابن رائق، فلما استولى ~~معز الدولة الديلمي على بغداد سنة 334ه فرض للخليفة المستكفي 5000 درهم كل يوم ~~لنفقاته، ولكنه قلما كان يدفعها إليه، # 100 # ثم كان ما كان من فقر الخلفاء مما يأتي ذكره في حينه. # وفرض الأعطية للملوك وأهلهم عادة جارية عند معظم الأمم الآن، والغالب في ~~الدول المتمدنة أن تكون تلك الرواتب معينة في مميزاتها، وهاك رواتب العائلة ~~المالكة في إنجلترا لعام 1902: # رواتب العائلة المالكة في إنجلترا لعام ~~1902 # جنيه إنجليزي # 110000 # راتب الملك # 125800 # راتب خدم القصر # 193000 # نفقات القصر # 41200 # نفقات أخرى وتبرعات # 470000 ~~(جملة مخصصات الملك) # 160000 # رواتب سائر أعضاء العائلة # 630000 # وهذه رواتب العائلة الخديوية لعام 1902: # جنيه مصري # 100000 # مخصصات الخديو # 97927 # مرتبات العائلة الخديوية # 57434 # نفقات كابينة الخديو # 255361 # ولسلطان تركيا راتب مقداره في الشهر 75000 ليرة عثمانية، أو 900000 ليرة في ~~السنة ما عدا النفقات والمخصصات (عام 1902). # رواتب حاشية الخليفة # ونريد بحاشية الخليفة ms0327 الموظفين المتعلقة أعمالهم بشخص الخليفة، وليس بأعمال ~~الدولة كالأطباء والحجاب والحرس الخاص، ورواتبهم من بيت مال الخاصة، وقد يكون ~~لهم رواتب من بيت مال العامة، وكانت كبيرة، نستدل على ذلك من مخصصات جبريل بن ~~بختيشوع طبيب الرشيد، ومنها رواتب نقدية كان يؤخذ بعضها من بيت مال العامة، ~~والبعض الآخر من بيت مال الخاصة، وإليك راتب جبريل المذكور في السنة كما وجدوه ~~مدونا بخط كاتبه: # 101 # مرتبات جبريل بن بختيشوع طبيب الرشيد في ~~السنة # درهم # من بيت مال العامة # 120000 # راتب نقدي # 60000 # النزل # 180000 ~~(المجموع) # من بيت مال الخاصة # 50000 # راتب نقدي # 50000 # ثياب قيمتها # 50000 # هدية على عيد صوم النصارى # 10000 # هدية على يوم الشعانين (ثيابا قيمتها هذا المبلغ) # 50000 # هدية على عيد الفطر نقدا # 10000 # هدية على عيد الفطر (ثيابا قيمتها ذلك المبلغ) # 100000 # لفصد الرشيد دفعتين في السنة كل دفعة 50000 # 100000 # لشرب الدواء دفعتين في السنة كل دفعة 50000 # 420000 ~~(المجموع) # من أصحاب الرشيد نقدا وثيابا ~~وأطيابا # 50000 # درهم من عيسى بن جعفر # 50000 # درهم من زبيدة أم جعفر # 50000 # درهم من العباسية # 30000 # درهم من إبراهيم بن عثمان # 50000 # درهم من الفضل بن الربيع # 70000 # درهم من فاطمة أم محمد # 100000 # كسوة وطيب ودواب # 400000 ~~(المجموع) # من البرامكة # 600000 # من يحيى بن خالد # 1200000 # من جعفر بن يحيى الوزير # 600000 # من الفضل بن يحيى # 2400000 ~~(المجموع) # 800000 # غلته من ضياعه # 700000 # من فضل مقاطعته # 4900000 ~~(الجملة) # فجملة رواتبه فقط 4900000 درهم في العام، فإذا جمع ذلك في مدة خدمته كلها وهي ~~23 سنة كان مقدار ما قبضه من مال الدولة العباسية 112700000 درهم يخرج منها ما ~~قطع عنه من مرتبات البرامكة بعد نكبتهم في العشر السنين الأخيرة، وهو 24000000 ~~درهم؛ فالباقي 88700000 درهم، وهو جملة ما اكتسبه من بيت المال غير الصلات ~~الجسام، وأما ما أنفقه فهو: # درهم # 27600000 # جملة نفقاته على نفسه وبيته في 23 سنة بمعدل 1200000 درهم في ~~السنة # 70000000 # ثمن دور ms0328 وبساتين ومتنزهات ودواب ورقيق وغيرها # 8000000 # ثمن آلات وأجر وصناعات ونحو ذلك # 1200000 # ما صار في ثمن ضياع ابتاعها لخاصته # 500000 # ثمن جواهر وما أعده للذخائر # 3000000 # ما أنفقه في البر والصلات والمعروف # 3000000 # ما كابره عليه أصحاب الودائع وجحدوه (أي أنكروه) # 128600000 # والمجموع في الأصل 900000 دينار و90600000 درهم # وقس رواتب سائر الحاشية على هذه النسبة في تلك الأيام، فقد كانت غلة ~~صاحب حرس الرشيد 300000 درهم في السنة، وغلة صاحب شرطته 500000 درهم، وغلة ~~حاجبه 1000000 درهم في السنة. # 102 # رواتب الجند # بينا في باب الجند من الجزء الأول كيف كان المسلمون كلهم جندا، وذكرنا ما ~~فرضه لهم عمر من الرواتب باعتبار النسب والسابقة، وكيف تضاعفت رواتبهم في ~~أوائل بني أمية ثم نقصت في أواخرها، ثم زادت في أوائل بني العباس، ثم نقصت حتى ~~صارت في أيام المأمون 240 درهما في السنة للجندي الراجل (النفر) فضلا ~~عن حصته من الغنائم إذا غزا، ويظهر أن تلك الحصة من الغنائم كانوا يحسبونها عن ~~الجند في صدر الدولة العباسية، حتى طلبوا من محمد الأمين سنة 198ه أن يردها ~~عليهم إذا غزوا فردها فأصاب الرجل ستة دنانير. # 103 # ولما قامت الفتنة بين الأمين والمأمون كان كل منهما يرغب جنده فيه ~~بالأعطيات، فلما فاز جند طاهر بن الحسين على جيش علي بن عيسى بن ماهان سنة 195 ~~زاد المأمون أعطيات جند طاهر حتى جعل راتب الواحد ثمانين درهما في الشهر (960 ~~درهما في السنة) # 104 # أي أنه أعادها إلى ما كانت عليه في أيام السفاح، فلما انتهت الفتنة ~~عادت إلى 240 درهما. # الأفشين وبابك # فلما أفضت الخلافة إلى المعتصم سنة 218ه وكان ما كان من اقتنائه الأتراك ~~والفراغنة والمغاربة وتجنيدهم، وضعف الخلفاء للأسباب التي قدمناها، أصبح مرجع ~~القوة في كل شيء إلى الجند، وكانت فاتحة ذلك النفوذ استفحال أمر بابك الخرمي في ~~أرمينيا وأذربيجان، وكان بابك قد ظهر في أيام المأمون يدعو الناس إلى دين جديد ~~أساسه الحلول أي تقمص الأرواح # 105 # فبعث ms0329 إليه المأمون جنودا هزمهم غير مرة، فلما تولى المعتصم جعل ~~همه قمع بابك؛ لأنه أصبح خطرا على ملكه فبعث إليه أتراكه بقيادة رجل منهم اسمه ~~الأفشين حيدر بن كاووس سنة 220ه ثم أردفه بآخر اسمه بغا الكبير ومعه المال، ~~وآخر اسمه جعفر الخياط ثم أنفذ إليه إيتاخ ومعه 30000000 درهم لنفقات الجند، ~~وبعد حروب سنتين فاز الأفشين وقبض على بابك بحيلة بذل فيها المال. # وجاء ببابك إلى سامرا فخرج الواثق بن المعتصم وسائر أهل المعتصم لاستقباله ~~باحتفال، وهم لا يصدقون أنهم نجوا من بابك على يده؛ لأنه كان قد أمعن في البلاد ~~نهبا وقتلا، فقتل في عشرين سنة 255500 نفس وغلب على معظم قواد المأمون ~~والمعتصم، فلما قبض الأفشين عليه أمر المعتصم أن يركبوه على الفيل، فأركبوه ~~واستشرفه الناس وكان بابك عظيم الجثة، ثم أدخلوه على المعتصم في دار فأمر سياف ~~بابك نفسه أن يقطع يديه ورجليه فقطعها، فسقط بابك فأمره بذبحه ففعل وشق بطنه ~~وأنفذ رأسه إلى خراسان وصلب بدنه في سامرا، وكان ذلك اليوم يوما مشهودا أمن ~~فيه المعتصم على ملكه وعرف ذلك الفضل للأفشين ورجاله، وكان لا ينفك عن مواصلة ~~الأفشين بالعطايا والخلع من يوم خروجه إلى يوم رجوعه، فكان يرسل إليه كل يوم ~~خلعة وفرسا ويدفع إليه في أثناء إقامته بإزاء بابك (سوى الأرزاق والأنزال ~~والمعاون) عن كل يوم يركب فيه عشرة آلاف درهم وعن كل يوم لا يركب فيه خمسة آلاف ~~درهم، ولما عاد الأفشين تقدم المعتصم بنفسه وألبسه وسامين مرصعين بالجوهر ووصله ~~بعشرين مليون درهم: عشرة ملايين منها لنفسه وعشرة يفرقها في عسكره، وعقد له على ~~السند وأدخل عليه الشعراء يمدحونه. # 106 # فالأفشين لم يثبت في محاربة بابك إلا طمعا في المال، مع ما كان يواصله به ~~المعتصم من الخلع والأموال في أثناء الحرب، ثم ما دفعه إليه عند رجوعه، وكان ~~الأفشين يرسلها كلها إلى بلاده حتى وهو في دار الحرب، فكان إذا اجتمع إليه مال ~~من غنيمة أو هدية بعث به رأسا إلى ms0330 بلدة أشروسنة فيما وراء النهر بطريقة سرية، ~~فيجتاز حملة المال بخراسان فيعلم بهم عاملها ابن طاهر فيكتب إلى المعتصم ~~بشأنهم، المعتصم يأمره أن يطلعه على كل ما يراه من هذا القبيل، فأنفذ الأفشين ~~مرة مالا كثيرا جعله في أواسط أصحابه في الهمايين فبعث ابن طاهر ففتشهم فوجد ~~المال فقال: «من أين لكم هذا المال؟» قالوا: «للأفشين» فأخذه وأظهر أن الأفشين ~~لا يفعل ذلك وإنما هم لصوص، فوقعت الوحشة من يومئذ بين ابن طاهر والأفشين حتى ~~آل الأمر إلى حبسه، وقد تبين من محاكمته أنه لم يعتنق الإسلام إلا طمعا في ~~المال وأنه لا يزال على المجوسية. # 107 ~~••• # وقس على ذلك سائر جند المعتصم، فإنهم إنما كانوا يحاربون لمجرد كسب الأموال ~~وحملها إلى بلادهم في أقصى الشرق - فكيف تستقيم دولة هذا جندها؟ - على أن ~~الخلفاء لم يكونوا يجدون بدا من استنصارهم، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالمال، ~~فكانوا يبذلون لهم الرواتب الكبيرة غير ما يهبونهم إياه من الهدايا ونحوها ~~اقتداء بما كان يفعله المعتصم معهم؛ لأنه بنى لهم سامرا، وأقطعهم فيها ~~الإقطاعات، واشترى لهم الجواري فأزوجهم منهن، ومنعهم أن يتزوجوا أو يصاهروا ~~أحدا من المولدين، إلى أن ينشأ لهم الولد فيتزوج بعضهم إلى بعض، وأجرى للجواري ~~الأتراك أرزاقا قائمة، وأثبت أسماءهن في الدواوين، فلما يكن يقدر أحد منهم على ~~أن يطلق امرأته ولا أن يفارقها. # 108 # فإذا اعتبرت هذه النفقات مع أرزاق الرجال، وما قد يحتاجون إليه من المؤونة ~~والأخرجة كان المجموع عظيما جدا، قال الطبري في حوادث سنة 252ه: «وذكر أن ~~أرزاق الأتراك والمغاربة والشاكرية قدرت في هذه السنة، فكان مبلغ ما يحتاجون ~~إليه في السنة 200000000 دينار، وذلك خراج المملكة كلها لسنتين.» # 109 # ونظن أن المراد 200000000 درهم (لا دينار)؛ إذ يستبعد أن يجتمع هذا ~~القدر من الخراج دنانير في سنتين؛ لأننا لو حولناها إلى دراهم باعتبار الدينار ~~عشرين درهما - وهي قيمته في ذلك الحين - لكان خراج المملكة في السنة ~~2000000000 درهم، وقد رأينا خراجها في إبان ثروتها لا ms0331 يزيد على 400000000 درهم، ~~فإنفاق 200 مليون درهم على الجند في سنة واحدة أمر عظيم جدا، وخصوصا إذا ~~اعتبرنا قيمة النقود في تلك الأيام، ولكنه لا يعد شيئا بالنظر إلى نفقات الجند ~~في هذه الأيام (سنة 1903)؛ لأن التمدن الحديث اقتضى الاحتياط والتجنيد وإعداد ~~المعدات، حتى كثرت نفقات الجند كثرة فاحشة وخصوصا إذا أضفنا إليها نفقات ~~الأساطيل، فإنجلترا مثلا تنفق على جنديتها برا وبحرا نحو 40000000 جنيه في ~~السنة، وفرنسا تنفق نحو هذا المبلغ، وكذلك روسيا، وهو مع اعتبار قيمة النقود ~~بالنسبة إلى تلك الأيام لا يزال يعادل ضعفي ما كان ينفقه العباسيون تقريبا، ~~ولكننا أعظمنا ما أنفقوه بالنظر إلى ما كان من طرق إنفاق الجند عندهم. # ناهيك بما كان يرتكبه الجند العباسي من اغتصاب أموال الناس في منازلهم ~~وحوانيتهم لأقل سبب يحدث، والخلفاء لا يعدون ذلك ذنبا لهم، بل ربما عنفوا ~~الناس لأنهم لم ينقلوا سلعهم وأمتعتهم إلى مكان لا يعرفه الجند. # على أن الخلفاء كانوا ينشطون مطامع الجند فيهم، بما كانوا يشرطونه على أنفسهم ~~من المال إذا هم فعلوا لهم الأمر الفلاني حتى في ساحة الحرب، فكانوا إذا احتدم ~~القتال وخاف الخليفة أو الأمير ضعفا صاح في جنده: «من جاء بأسير فله عشرة ~~دنانير، ومن جاء برأس فله خمسة دنانير.» كما فعل المقتدر سنة 320ه. # 110 # أما رواتب الجند العباسي، أي ما كانوا يتقاضونه قدرا معينا في العام، فقد ~~تبين من قائمة نفقات الدولة في أيام المعتضد - على ما مر في هذا الكتاب - أن ~~أرزاق الجند من الفرسان والمماليك ونحوهم لا تزيد على 1500000 دينار أو ~~30000000 درهم، ثم استفحل أمر الجنود الأتراك بتوالي الأعوام وتعددت فرقهم، ~~وتزايدت رواتبهم مما لا يمكن حصره؛ لأنه يختلف باختلاف الأزمان والأحوال فضلا ~~عن سكوت المؤرخين في هذا الشأن إلا ما قد يتناولونه عرضا. # فقد بلغ عدد فرقة الرجالة المصافية (أي الحرس) الملازمين لدار الخليفة ~~المقتدر سنة 317ه 20000 رجل، بلغت رواتبهم 12000 دينار في الشهر، أي ستة دنانير ~~لكل واحد، وكان عدد ms0332 الفرسان 12000 فارس رواتبهم في كل شهر 500000 دينار، وذلك ~~نحو 42 دينارا لكل واحد، أو نحو 12000 درهم في السنة للفارس، و1440 درهما ~~للراجل، وكانوا مع ذلك كثيرا ما يثورون ويطلبون الزيادات ويهددون الخليفة ~~بالقتل إذا لم يجبهم # 111 # وتداخلوا في منازل الخلفاء، ووضعوا أيديهم على الخلافة، وصاروا ~~يولون من شاءوا، وإذا أتت الأموال اقتسموها فيما بينهم لا يتركون منها للخليفة ~~أو الديوان إلا القليل، كما فعل أتامش وشاهك في أيام المستعين بالله سنة ~~249ه. # 112 # وكما كان القواد يطمعون في الخلفاء ويستبدون بهم كانوا أيضا يستأثرون ~~بالأموال دون أفراد الجند حتى لقد ثار هؤلاء مرارا على قوادهم وطالبوهم ~~بالأموال وهددوهم، وإذا لم يروا منهم إصغاء وتلبية قتلوهم، كما فعلوا بالقائد ~~وصيف سنة 253ه؛ فإن الأتراك والفراغنة ~~والأشروسنية شغبوا وطلبوا أرزاقهم لأربعة أشهر فخرج إليهم بغا ووصيف وسيما ~~فكلمهم وصيف بالجفاء وقال لهم: «خذوا التراب، ليس عندنا مال!» فوثب عليه بعضهم ~~وقتلوه # 113 # وكثيرا ما تظلموا للخلفاء، وشكوا مما صار إليه قوادهم من ~~الإقطاعات التي قد أجحفت بالضياع والخراج، وما صار إلى كبرائهم من المعاون ~~والزيادات في الرسوم القديمة بالإضافة إلى ما كان ينفق في أرزاق النساء ~~والدخلاء الذين قد استغرقوا أكثر أموال الخراج # 114 # حتى طلبوا التخلص منهم وعرضوا أن يقود الجند أخو الخليفة. # رواتب الجند الآن # على أننا إذا اعتبرنا رواتب الجند الإسلامي على اختلاف عصوره من أيام ~~الراشدين إلى أواخر الدولة العباسية، وقسناها برواتب جنود هذه الأيام (سنة ~~1903) رأيناها تزيد عليها زيادة فادحة، فقد رأيت أن راتب الجندي في أيام ~~الراشدين تراوح بين 300 و500 درهم في السنة، ثم صار أيام بني أمية ألف درهم، ~~وتقلب في أيام العباسيين حتى صار في أيام المقتدر 1440 درهما للراجل، و12000 ~~درهم للفارس في السنة، تلك رواتب أفراد الجند (الأنفار) عندهم مع أن راتب النفر ~~في الدولة الإنجليزية للراجل شلن وللفارس شلن و9 بنسات في اليوم، ومقدار ذلك في ~~السنة نحو 455 درهما (حوالي 1990 قرشا مصريا) للراجل و35 ms0333 جنيها مصريا ~~للفارس، على أن رواتب الجند عندهم تختلف في كل من المشاة والفرسان باختلاف ~~الفرق، ولكنها في كل الأحوال عظيمة بالنظر إلى رواتب الجند في الدول الأخرى، ~~وأما بالنظر إلى الدولة العباسية فإنها صغيرة وخصوصا إذا اعتبرنا قيمة النقود ~~في الحالتين. # ومن أسباب كثرة نفقات الجند اليوم كثرة الضباط وكبر رواتبهم، وإن كنا لا نعلم ~~مقدار رواتب ضباط تلك الأيام وهم القواد، وهاك رواتب الجند الإنجليز من أكبر ~~الضباط إلى النفر (العسكري) في اليوم # 115 # ثم رواتب الجندين العثماني والمصري: # رواتب الجند الإنجليز في اليوم بالجنيه والشلن ~~والبنس (سنة 1903) # المشاة # الفرسان # بنس # شلن # جنيه # بنس # شلن # جنيه # 8 # 8 # الجنرال (المشير) # 10 # 5 # 10 # 5 # الفريق # 3 # 3 # اللواء # 18 # 6 # 1 # 1 # أميرالاي # 18 # 6 # 1 # 1 # قائمقام # 7 # 13 # 15 # بكباشي # 7 # 11 # 13 # يوزباشي # 6 # 6 # 6 # 7 # ملازم أول # 3 # 5 # 8 # 6 # ملازم ثان # 1 # 9 # 1 # النفر # رواتب ~~الجند العثماني في الشهر (سنة 1903) # رواتب ~~الجند المصري في الشهر (سنة 1903) # قرش عثماني # قرش مصري # 25000 # المشير # المشير (لا يوجد) # 10000 # الفريق # 7500 # الفريق # 6000 # اللواء # 6500 # اللواء # 2000 # أميرالاي # 4700 # أميرالاي # 1800 # قائمقام # 3000 # قائمقام # 1200 # بكباشي # 2500 # بكباشي # 700 # قولاغاسي # 1500 # صاغقو لاغاسي (هو الصاغ اليوم) # 500 # يوزباشي # 900 # يوزباشي # 250 # ملازم أول # 600 # ملازم أول # 200 # ملازم ثان # 500 # ملازم ثان # 20 # نفر # 30 # نفر # رواتب أخرى # كانت سياسة الملك في تلك العصور تقتضي استرضاء بعض الناس ممن يخاف الخلفاء ~~أقلامهم أو ألسنتهم أو أحزابهم؛ لأن المملكة لم تكن تخلو من دعاة يطلبون ~~الخلافة لأنفسهم من العلويين أو الخوارج أو غيرهم، والملك لا يخلو من حساد ~~يترقبون فرصة للانتقام، وكان للخطابة والحماسة يومئذ تأثير على الرأي العام ~~أكثر مما للصحافة في هذه الأيام، فالخلفاء العقلاء كانوا يؤثرون ملافاة شرور ~~المقاومين بالإحسان إليهم أو الرفق بهم، فيقطعون ألسنتهم بالجوائز الوقتية أو ~~بالرواتب الجارية، كما يفعل ملوك هذه الأيام بالصحافة، فإن بعضهم يدفع الرواتب ms0334 ~~السنوية إلى أرباب الصحف في مقابل سكوتهم عنه، والبعض الآخر يبتاع مساعدتهم في ~~إنهاض الهمم أو جمع كلمة الأحزاب، فالشعراء والخطباء ونحوهم كان شأنهم في تلك ~~الأيام مثل شأن الصحافة اليوم، فلا غرابة إذا بذل الخلفاء الأموال ~~لاسترضائهم. # وأول من فعل ذلك في الإسلام معاوية بن أبي سفيان، فكان يسمع التقريع بأذنه ~~ولا يجازي عليه إلا بالعطاء، ولذلك كانوا يعبرون عن إجازة الشاعر بقطع ~~لسانه # 116 # وكان يفعل ذلك بالشعراء والوجهاء وغيرهم، وسار الخلفاء بعده على ~~خطواته وفرضوا الأعطية لرؤساء الأحزاب من بني هاشم والطالبيين ونحوهم، وصاروا ~~يهبون الأموال لمن يخافونهم على سلطانهم، وأكثر ما كان الخلفاء يهبونه من ~~الجوائز والعطايا للوفود والشعراء إنما كان يعطى لنحو ذلك الغرض. # وكانوا يفرضون الرواتب أحيانا لأناس يرجون نصرتهم على مناظريهم في الملك، ~~كما فعل العزيز بالله الفاطمي سنة 381ه بعلي بن الحسين من آل المغربي لما جاءه ~~من بغداد، فإنه جعل له 6000 دينار في السنة وسماه من شيوخ الدولة # 117 # وقد يفرضونها لطبقات الناس من أهل العوز، كما فعل الإخشيد بمصر في ~~أوائل القرن الرابع للهجرة، فإنه فرض للضعفاء والمستورين من أبناء النعم وأجناس ~~الناس (ليس فيهم أحد من الجيش ولا من الحاشية ولا من المتصرفين بالأعمال) رواتب ~~بلغ مقدارها في أيام كافور الإخشيدي 500000 دينار في السنة، # 118 # فلا بد من أن يكون مثل هذه الرواتب في الدولة العباسية. # ناهيك برواتب الحاشية والأعوان ونحوهم، ممن تندرج رواتبهم في نفقات الدولة؛ ~~فقد رأيت أنها كانت كبيرة، ومن هذا القبيل حواشي الأمراء والعمال والوزراء ~~وغيرهم، وقد يبلغ عددهم عند بعضهم بضعة آلاف # 119 # أو تزيد. # عدد أيام الشهور # شرعت الدولة العباسية في زيادة الرواتب في إبان ثروتها، ولم تكن تشعر بثقل ~~تلك الزيادة لوفرة الأموال الواردة على بيت المال، ثم ما لبثت أن رأت الجباية ~~تتناقص ولم يعد في إمكانها إنقاص الرواتب بعد أن تعود أصحابها الإسراف ~~والبذخ واقتناء الخدم والمماليك اقتداء بخلفائهم، ولم يعد في الإمكان كذلك ~~إقالتهم خوفا من غضبهم، ms0335 فعمد الوزراء إلى حيلة حسنة اقتصدوا بها شيئا كثيرا ~~من المال، وذلك أنهم جعلوا الرواتب مياومة، فإذا أرادوا تخفيض بعضها وكان مقدار ~~الراتب ألف دينار في الشهر مثلا، فبدلا من أن يجعلوه 800 دينار يبقونه على ما ~~كان ويزيدون أيام ذلك الشهر فيجعلونها أربعين يوما أو خمسين، فأصبح لكل فئة من ~~الموظفين تقريبا شهر خاص يختلف عدد أيامه عن أيام أشهر الآخرين. # فقائمة نفقات المعتضد المنشورة في هذا الجزء يختلف شهر كل من أصحاب الرواتب ~~فيها عن شهر غيره، فالغلمان الذين أعتقهم الناصر كانت أيام شهورهم أربعين ~~يوما، فأساءوا الأدب في مطالبة كانت منهم فجعلها خمسين يوما، ثم لما تولى ~~المعتضد جعلها ستين يوما، والفرسان الأحرار والمميزون كانت شهورهم خمسين يوما ~~فجعلها تسعين ونسبوا إلى التسعينية، ثم جعل شهور بعضهم 120 يوما، وأشهر ~~المختارين سبعون يوما، وأشهر الفرسان المثبتين 120 يوما، وكذلك المرتزقة برسم ~~الشرطة بمدينة السلام والسقايين وقس عليهم سائر الموظفين في هذه القائمة ~~وغيرها، فالذي راتبه ألف دينار في الشهر إذا جعل شهره 120 يوما كأنه تنزل إلى ~~الربع، وكثيرا ما كان يعجز بيت المال عنها ويقصر عن تأديتها شهرا بعد شهر حتى ~~يثور الجند، فإما أن يخلعوا الخليفة، أو يقتلوه، ويفوز بالخلافة صاحب ~~المال. ~~(2-4) النفقة على البيعة # رأيت فيما تقدم أن الخلفاء في أوائل الدولة العباسية كانوا يحتاجون في تأييد ~~بيعتهم إلى استرضاء أهل الحرمين، وكانوا يحملون إليهم الأموال ويبذلون لهم الأعطية، ~~ويفرقون فيهم الهدايا، فلما ضعف شأن العرب بعد المعتصم، وقوي جند الأتراك أهمل أمر ~~الحرمين، وصارت القوة إليهم أو بالأحرى إلى المال؛ لأن الأتراك إنما يحاربون مع ~~المال، وصارت مبايعة الخلفاء راجعة إلى رضاهم، أو إلى من يدفع المال إليهم، على أن ~~الخلفاء كانوا من أوائل الدولة يسترضون الجند ويكرمونهم بالهدايا عند كل بيعة، ~~ويسمون ما يدفعونه إليهم في هذه السبيل «حق البيعة»، فلما تولى الأمين فرق في الجند ~~رزق 24 شهرا # 120 # ولولا ذلك لم يحكم شهرا واحدا، ولما أراد المأمون أن يبايع ms0336 لعلي ~~الرضا صرف للجند راتب شهر على أن يصرف لهم الباقي إذا أدركت الغلة # 121 # فلم يقبلوا ولعله لو عجل لهم بالمال لبايعوا لمن شاء، وكان بنو أمية ~~يعطون في مقابل البيعة ولاية عمل يجعلونها طعمة عدة سنين، كما فعل عبد الملك بن ~~مروان مع عبد الله بن خازم سنة 72ه وكان عبد الملك يحارب ابن الزبير في مكة ويخاف ~~منه، فبعث إلى ابن خازم المذكور يدعوه إلى بيعته ويطعمه خراسان سبع سنين. # 122 # وأما بعد أيام المعتصم، فأصبحت البيعة تجارة ينالها صاحب المال أو صاحب الجند ~~والمعنى واحد، وكان الجند يسرون بخلع الخلفاء طمعا في المال؛ لأنهم كلما تولى ~~خليفة طالبوه بحق البيعة ورزق ستة أشهر أو سنة أو أكثر أو أقل على قدر ~~مطامعهم # 123 # وهناك من أمثال هذه المطالبات ما لا يعد ولا يحصى، فتراجع في تاريخ ~~الخلفاء العباسيين، فانشغل الخلفاء بذلك عن سياسة المملكة، واختلت الأحكام، وأصبح ~~همهم منصرفا إلى حفظ أرواحهم واستبقاء ضياعهم، وصارت البلاد فوضى للجند، أو لمن ~~يستطيع استخدامهم، وانشغل الناس عن الزراعة والتجارة، وأهملت الأعمال بوجه ~~الإجمال. ~~••• # وزاد أهل البلاد شقاء أن قواد الجند كانوا إذا أعوزهم المال، ولم يكن في بيت ~~المال ما يكفي، استخرجوه من الأهالي، وكثيرا ما كان يحدث ذلك في أثناء الحروب بين ~~فرق الجند في تنازعهم على تولية أحد الخلفاء، فقد نهب جند الديلم أموال الناس في ~~بغداد في أثناء الخصام بين ناصر الدولة ومعز الدولة سنة 334ه بشأن الخليفة المطيع ~~لله، وكان مقدار ما نهبوه من أموال المعروفين فقط 10000000 دينار # 124 # ولما عين الخليفة المستكفي «شير زاد» أميرا للأمراء في تلك السنة، زاد ~~هذا أعطيات الجند زيادة كثيرة على جاري عادتهم عند كل بيعة، لكنه لم يجد في بيت ~~المال ما يعطيهم، فقسط الأموال على العمال والكتاب والتجار وغيرهم، وظلم الناس، ~~فظهرت اللصوص في بغداد، وأخذوا الأموال نهبا، ففر التجار وأصبحت البلاد ~~فوضى. # 125 # فآل ذلك وأمثاله إلى تتابع الإحن على البلاد، فتقاعد أهل المدن ms0337 عن العمل، كما ~~تقاعد أهل القرى عن الزرع، وغلت الأسعار، وتوالى الجوع أعواما على مدن العراق، ~~وخصوصا بغداد، فكثر اللصوص وصاروا طوائف عديدة، لا عمل لهم إلا النهب عند سنوح ~~الفرصة، وخصوصا في أثناء الفتن، ومنهم العيارون والشطار، ولم يجد الخلفاء ما ~~يستأجرون به جندا لدفع الفتن أو إخماد الثورات، على أنهم كثيرا ما كانوا يمسكون ~~عن دفع المال، ولو كان في خزائنهم؛ لأنهم يرون النفوذ لسواهم، كما حدث للمقتدر سنة ~~320ه فإنه أمسك عن دفع الأموال وهي عنده وعند والدته، حتى آل الأمر إلى قتله بمساعي ~~مؤنس الخادم، فكان ما فعله مؤنس سببا لجرأة أصحاب الأطراف على الخلفاء وطمعهم ~~فيهم # 126 # حتى تجرأوا على نهبهم ومصادرتهم كما حدث للمطيع سنة 361 إذ سطا جند ~~الروم من جهة الجزيرة حتى بلغوا نصيبين، وسبوا وأحرقوا ففر أهلها إلى بغداد ~~يستنجدون الخليفة وجنده وأهل المدينة، فشغب الناس وخافوا فطلب بختيار (صاحب الأمر ~~يومئذ هناك) إلى الخليفة أن يدفع المال للنفقة على الغزاة لمحاربة الروم، فقال ~~المطيع: «إن الغزاة والنفقة عليها وعلى غيرها من مصالح المسلمين تلزمني إذا كانت ~~الدنيا في يدي، وتجبى إلي الأموال، وأما إذا كانت حالي هذه فلا يلزمني شيء، وإنما ~~يلزم من البلاد في يده، وليس لي إلا الخطبة فإذا شئتم أن أعتزل فعلت.» فلم ينفعه ~~ذلك الاحتجاج فاضطر إلى بيع ثيابه وأنقاض داره وغير ذلك لدفع 400000 درهم، فشاع ~~الخبر أن الخليفة صودر، على أن المال المذكور لم ينفق في الغزاة وإنما أنفقه بختيار ~~في مصالحه، # 127 # وما أشبه حال الخلفاء العباسيين مع جندهم الأتراك بحال سلاطين آل عثمان ~~مع جندهم الانكشارية في القرن الثامن عشر وبعيده، ولا ندري كيف كان يصير حالهم لو ~~لم ينكبهم السلطان محمود الثاني سنة 1826. # فلم يبق في الدولة العباسية، والحالة هذه مصدر للمال للقيام بنفقات مصالحها ~~واستبقاء جندها؛ لأن الفتن أقعدت الناس عن العمل فخربت البلاد، ولكن الجند لا بد ~~منه لحفظ السلطة، فلما استولى معز الدولة بن بويه على بغداد في ms0338 خلافة المطيع شغب ~~الجند عليه وأسمعوه المكروه فضمن لهم إيصال أرزاقهم، ولما أعجزه ذلك من طريق ~~الحلال، اضطر إلى ضبط الناس وأخذ أموالهم من غير وجوهها فلم يغنه ذلك شيئا، فارتأى ~~أن يسلم القرى والضياع إلى قواده ورجاله ليزرعوها ويستغلوها، فسلم إليهم ضياع ~~الخلافة وضياع أصحاب الأملاك فبطل لذلك أكثر الدواوين وزالت أيدي العمال، وكانت ~~البلاد قد خربت للأسباب التي قدمناها، فاستأثر القواد بالقرى العامرة فزادت عمارتها ~~وتوفر دخلها بسبب الجاه والنفوذ، وأخذ الأتباع القرى الخربة فزادت خرابا فردوها ~~وطلبوا غيرها، وأهملوا الاهتمام بمشارب القرى وتسوية طرقها، فهلكت وبطل كثير منها، ~~وأخذ غلمان المقطعين في تحصيل العاجل بالظلم، وبالجملة فقد تعذر على معز الدولة ~~بهذه الطريقة جمع ذخيرة للنوائب والحوادث، وكان قد أكثر من إعطاء غلمانه الأتراك ~~والزيادة لهم في الإقطاع، فحسدهم الديلم فزادت الوحشة والمنافرة عما كانت عليه ~~بينهما. # 128 ~~(2-5) استئثار رجال الدولة بالأموال لأنفسهم # إذا بلغت الدولة إلى قمة ثروتها، وانغمس الملك في الترف والقصف، وتقاعد عن مباشرة ~~الأحكام بنفسه، تحول النفوذ إلى المحيطين به، أو الذين ينوبون عنه، أو يتوسطون بينه ~~وبين الناس، كالوزير، والعامل، والكاتب، والحاجب، والقائد، وأصبح الأمر والنهي في ~~أيديهم، فيستأثرون بالأموال لأنفسهم يجمعون منها ما استطاعوا، فيسرفون ويبذخون على ~~ما تقتضيه أحوالهم وأطوارهم، ولا يكون ذلك إلا في الدولة المطلقة التي ليس على ~~أعمالها مراقب ولا محاسب، فمن ينوب عن الملك من الوزراء أو الكتاب أو الحجاب في ~~عصر الترف والتقاعد يكون له مثل ذلك من النفوذ، وخصوصا في مثل الدولة العباسية؛ ~~لأن وزراءها وكتابها من أمة لم تقم دولتهم إلا بها، ولم يزه تمدنهم إلا ~~بعلمائها، ولذلك كان للوزراء في هذه الحالة الكلمة النافذة، والسيف القاطع، حتى في ~~إبان تمدنها، اعتبر ما كان من نفوذ البرامكة في أيام الرشيد، وما كان من إحرازهم ~~الأموال لأنفسهم، حتى كان الرشيد يحتاج إلى اليسير من المال فلا يقدر عليه # 129 # فلما غلوا يديه عما كانت تتطلبه نفسه من الترف والاستبداد # 130 # نكبهم على ما ms0339 هو مشهور، كما نكب المهدي قبله وزيره يعقوب بن داود، وكان ~~قد استوزره وسلم إليه الأمور، وفوض إليه الدواوين، وانشغل المهدي عنه باللهو وسماع ~~الأغاني، فعظم ذلك على الناس، وخصوصا العرب، فهجوا يعقوب، ومن ذلك قول بشار بن ~~برد: # بني أمية هبوا طال نومكم # إن الخليفة يعقوب بن داود # ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا # خلافة الله بين الناي والعود # 131 # ووشى بعض الناس إلى المهدي بذلك فاستدعاه، وقبض عليه وسجنه وظل في سجنه أعواما ~~طوالا. # وكما اتفق للمأمون مع يحيى بن أكثم القاضي عندما عهد إليه بتدبير مملكته وأكرمه ~~نحو إكرام الرشيد للبرامكة # 132 # ولكنه لم يكن راضيا عنه لأشياء لم تعجبه منه، ولذلك فلما دنت وفاة ~~المأمون أوصى أخاه المعتصم قائلا: «لا تتخذن وزيرا تلقى إليه شيئا؛ فقد علمت ما ~~نكبني به يحيى بن أكثم في معاملة الناس وخبث سيرته.» # 133 # وكان العرب يكرهون الوزراء خصوصا لأنهم في الغالب من الفرس، وكانوا ~~يصفونهم بالجبن والبخل وقبول الرشوة، قال أعرابي يصف وزيرا: # ومظهر نسك ما عليه ضميره # يحب الهدايا بالرجال مكور # أخال به جبنا وبخلا وشيمة # تخبر عنه إنه لوزير # 134 # على أن الوزراء كثيرا ما كانوا يمنعون المال عن الخلفاء ضنا ببيت مال المسلمين ~~أن يذهب في الإسراف لا طمعا فيه لأنفسهم، كما اتفق للواثق مع وزيره ابن الزيات؛ إذ ~~أعجبه صوت غنته إياه جارية اسمها «علم» فأمر لصاحبها بخمسة آلاف دينار، فمطل ابن ~~الزيات في دفعها فغضب الواثق وأمره أن يدفع ضعف ذلك المال، فدفع إليه 10000 ~~دينار. # 135 # وكان الوزراء يزدادون نفوذا واستئثارا بالمال بزيادة ضعف الخلفاء، حتى صارت ~~معظم الأموال إليهم. # الوزراء # بلغ من ثروة الوزراء ما يشبه ثروة الخلفاء أو بيت المال في أيام الازدهار، ~~كأن الأموال تحولت من بيت المال إلى بيوت هؤلاء الناس، وصارت الوزارة مطمح ~~أنظار أهل المطامع، يبذلون الرشى ويقدمون الهدايا رغبة فيها، على أنها كثيرا ~~ما كانت تعرض عرضا على من يقوم بنفقات الجند # 136 # ولكن الغالب أن تبذل الأموال ms0340 في سبيل الحصول عليها إما رأسا إلى ~~الخليفة، كما فعل ابن مقلة إذ بذل 500000 دينار حتى استوزره الراضي في أوائل ~~القرن الرابع للهجرة، وكما فعل ابن جهير إذ ابتاع الوزارة من القائم بأمر الله ~~بمبلغ 30000 دينار، # 137 # أو بواسطة واحد من خاصة الخلفاء يستخدمونه بالمال، وهم لم يكونوا ~~يفعلون ذلك إلا لاعتقادهم أنهم يسترجعون في أثناء وزارتهم أضعاف ما بذلوه، بما ~~تصل إليه أيديهم من الرشوة، من تولية العمال والنظار والكتاب وغيرهم. # ومن غريب ما يحكى عن ارتشاء الوزراء أن الخاقاني وزير المقتدر بلغ من سوء ~~سيرته في قبول الرشوة أنه ولى في يوم واحد تسعة عشر ناظرا للكوفة، وأخذ من ~~كل واحد رشوة، فانحدروا واحدا واحدا حتى اجتمعوا جميعا في بعض الطريق، ~~فقالوا: «كيف نصنع؟» فقال أحدهم: «ينبغي إن أردتم النصفة أن ينحدر إلى الكوفة ~~آخرنا عهدا بالوزير، فهو الذي ولايته صحيحة؛ لأنه لم يأت بعده أحد.» فاتفقوا ~~على ذلك فتوجه الرجل الأخير نحو الكوفة وعاد الباقون إلى الوزير ففرقهم في عدة ~~أعمال، وهجاه بعض الشعراء بقوله: # وزير لا يمل من الرقاعه # يولي ثم يعزل بعد ساعه # ويدني من تعجل منه مال # ويبعد من توسل بالشفاعه # إذا أهل الرشى صاروا إليه # فأحظى القوم أوفرهم بضاعه # 138 # وكانت الأموال ترد على الوزراء من العمال وغيرهم من موظفي الدولة ضريبة في كل ~~عام بصفة هدية استبقاء لرضاهم. # على أن بعضهم، وهو نادر، لم يكن يقبل الرشوة، ولا يعمل إلا بالحق، مثل عبيد ~~الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل على الله فإنه كان عفيفا، ذكر الفخري أن ~~صاحب مصر حمل إليه 200000 دينار وثلاثين سفطا من الثياب المصرية على عادته مع ~~غيره من الوزراء، فلما أحضرت بين يديه قال لوكيل صاحب مصر: «لا والله لا أقبلها ~~ولا أثقل عليه بذلك.» ثم فتح الأسفاط وأخذ منها منديلا وضعه تحت فخذه وأمر ~~بالمال فحمل إلى خزانة الديوان وصحح بها وأخذ به دورا لصاحب مصر. # 139 # ومن الوزراء الذين اشتهروا بالعفة وصدق ms0341 الخدمة علي بن عيسى وزير المقتدر، وهو ~~صاحب جريدة الخراج التي نشرناها في هذا الجزء، ولا يخلو أن يكون غيرهم قد أخلص ~~الخدمة، ولكن يقال بالإجمال إن الوزراء في عصر التقهقر العباسي قلما كانوا ~~يتولون الوزارة إلا طمعا في اختزان الأموال، فإن أبا الحسن بن الفرات وزر ~~للمقتدر ثلاث دفعات: الأولى سنة 296ه بقي فيها ثلاث سنين، فكان مقدار ما اجتمع ~~عنده من المال يساوي 7000000 دينار أخذت كلها مصادرة، ثم عاد إلى الوزارة سنة ~~304، وخلع سنة 306، ثم عاد ثالثة سنة 311، وخلع سنة 312، فمجموع المدة التي ~~مكث بها في الوزارة في الدفعتين الأخيرتين نحو ثلاث سنوات، فكان عنده لما خلع ~~أخيرا ما يزيد على 10000000 دينار، وضياع يستغل منها كل سنة 2000000 ~~دينار # 140 # ومع ذلك لم يذكره المؤرخون بسوء لفرط كرمه وإحسانه، وكان إذا ولي ~~الوزارة يغلو الثلج والشمع والكاغد لكثرة استعماله له؛ لأنه ما كان يشرب أحد ~~كائنا من كان في داره في الفصول الأربعة إلا الماء المثلوج، ولا كان أحد يخرج ~~من عنده بعد الغروب إلا وبين يديه شمعة كبيرة نقية، وكان في داره حجرة معروفة ~~بحجرة الكاغد كل من دخلها واحتاج إلى شيء منه أخذه # 141 # وكان يطلق لأصحاب الحديث عشرين ألف درهم، وللشعراء عشرين ألف درهم، ~~ولأصحاب الأدب 20000 درهم، وللفقهاء 20000 درهم، وللصوفية 20000 درهم. # 142 # وكان يجري الرزق على خمسة آلاف من أهل العلم والدين والبيوت والفقراء، ~~وأكثرهم تبلغ نفقته 100 دينار في الشهر، وأقلهم خمسة دراهم وما بين ~~ذلك # 143 # فغطى الكرم طمعه، كما غطى طمع البرامكة قبله، وقطع ألسنة الشعراء ~~وكسر أقلام المؤرخين. # وهناك كثيرون من الوزراء جمعوا أموالا طائلة، وانغمسوا في أنواع الترف ~~والبذخ، وذلك طبيعي في الدول المنتظمة على الطرق القديمة؛ لأن الوزراء كانوا ~~يجمعون الأموال الكثيرة حيثما كانوا في العراق أو في مصر أو الأندلس، فقد خلف ~~المادرائي وزير بني طولون بمصر من الضياع الكبار ما لم يملكه أحد قبله إلا في ~~النادر وارتفاعها 400000 دينار كل سنة ms0342 سوى الخراج، وقد وهب وأعطى وأفضل وحج 27 ~~حجة أنفق في كل منها 150000 دينار. # 144 # ويعقوب بن كلس أول وزراء الفاطميين كان في جملة أملاكه إقطاع في الشام دخله ~~300000 دينار في السنة، وخلف أملاكا وضياعا وقياسرة ورباعا وخيلا وبغالا ~~ونوقا وغير ذلك ما قيمته 4000000 دينار، غير ما أنفقه في تجهيز ابنته وهو ~~200000 دينار، وخلف 800 حظية سوى جواري الخدمة، وأربعة آلاف غلام عرفوا ~~بالطائفة الوزيرية # 145 # وخلف الأفضل أمير الجيوش وزير المستنصر الفاطمي ما لم يسمع ~~بمثله وذلك 60000000 دينار عينا # 146 # و250 إردب دراهم من نقد مصر، و75000 ثوب ديباج أطلس، و30 راحلة ~~إحقاق ذهب عراقي، ودواة ذهب فيها جوهر قيمته 12000، ومائة مسمار من ذهب وزن كل ~~مسمار مائة مثقال في عشرة مجالس في كل مجلس عشرة مسامير، على كل مسمار منديل ~~مشدود مذهب بلون من الألوان أيما أحب لبسه، و500 صندوق كسوة ما عدا الخيل ~~والبغال والماشية والجواري والعبيد مما لا يحصيه عد. # 147 # وقس على ذلك أحوال الوزراء في الأندلس، فإن هدية الوزير ابن شهيد لعبد الرحمن ~~الناصر سنة 327ه تدل على مقدار تلك الثروة، فقد أوردها ابن خلدون والمقري ~~وفصلها هذا الأخير تفصيلا حسنا في ثلاث صفحات كبيرة. # 148 # وحدث نحو ذلك في الدولة العثمانية في إبان ثروتها وبعيدها، فكان الوزراء ~~يقتنون الضياع الواسعة ويحتالون في استغلالها بأن يوقفوها على بعض المساجد بشرط ~~أن يستولي ورثتهم على معظم ريعها ليخلصوا أنفسهم من خراجها أو عشورها. # 149 ~~••• # وأما الأبواب التي كان وزراء الدولة العباسية يتكسبون منها تلك الأموال ~~فكثيرة، من جملتها قبول الرشوة في التوظيف كما تقدم، وما يرد عليهم من هدايا ~~العمال للسبب نفسه، ومنها اغتصاب الضياع بما لهم من النفوذ فيستولون على ما ~~شاءوا بغير حساب، ناهيك بما كانوا يمدون إليه أيديهم من أموال الخراج الواردة ~~إلى الديوان، وقد تقدم أن طرق دفاتر تلك الأيام لم تكن تمنع الاختلاس أو ~~تظهره. # ومن أبواب الكسب أيضا أن بعض الموظفين كانوا يحتاجون إلى ms0343 رواتبهم، وهم ~~مشغولون بما هم فيه من الخدمة، ولا سبيل لهم إلى المال، فكان بعض الوزراء يقيم ~~من قبله أناسا يشترون توقيعات أرزاق أولئك الموظفين بنصف قيمتها، ثم يقبضها هو ~~كاملة # 150 # وكانوا يفعلون نحو ذلك أيضا في رواتب الفقهاء وأرباب البيوت، ~~فكأنهم يقاسمون الناس على أنصاف رواتبهم، وهو اتجار برواتب الموظفين، فضلا ~~عن اتجارهم بالأرزاق وعما كانوا يكتسبونه ممن يضمن بلدا أو خراجا على سبيل ~~الرشوة أو الاقتسام، وما كانوا يغتصبونه من التجار بنفوذهم وإغضاء الخلفاء ~~عنهم # 151 # وكانوا يسمون ما يكتسبه الوزراء على هذه الصورة «مرافق الوزراء» ~~وكانت مشهورة بين الناس، ومن مرافقهم أيضا تنقيص عيار النقود، فكانوا يضربون ~~الدنانير ناقصة فيربحون من ذلك مالا طائلا. # 152 # تلك كانت حال الوزراء وفي أيديهم الحل والعقد، ومع ذلك فالخلفاء هم المطالبون ~~بأرزاق الجند، وقد علمت ما كان من أمر الأتراك واستبدادهم بالخلفاء ومطالبتهم ~~بالأموال لأرزاقهم ونفقاتهم، فلم يكن يرى الخلفاء سبيلا إلى ذلك إلا بمطالبة ~~الوزراء، فإذا لم يدفعوا أخذوا المال منهم بالقوة وهو ما يعبرون عنه بالمصادرة، ~~وكانت رائجة في عصر التقهقر، إذ لم يكن من سبيل إلى سد نفقات الدولة إلا بها، ~~ولا يكاد يتولى وزير إلا انتهت وزارته بالمصادرة أو بالقتل أو بهما ~~جميعا. # المصادرة # هي قديمة في الإسلام تتصل بعصر الراشدين، وكان العمال أول من وقعت عليهم ~~المصادرات، فكانوا إذا اكتسبوا مالا من تجارة أو سبيل آخر غير مرتباتهم ~~المفروضة أخذ الخلفاء نصفه وأضافوه إلى بيت المال، كذلك فعل عمر بن الخطاب ~~بعماله على الكوفة والبصرة والبحرين # 153 # وكانوا يسمون ذلك مقاسمة أو مشاطرة، فلما أفضت الأمور إلى بني أمية ~~وكان ما كان من استبداد عمالهم وطمعهم في أموال الجباية، أصبح الخلفاء في أواخر ~~الدولة لا يعزلون عاملا من عمله إلا حاسبوه على ما عنده من المال، واستخرجوا ~~ما تصل إليه أيديهم، وكانوا يسمون ذلك «استخراجا». # ولما تسنم العباسيون منصة الخلافة كان معظم العمال في أوائل الدولة من إخوتهم ~~وأعمامهم، ولم يكن ثمة ما يدعو ms0344 إلى الاستخراج أو المقاسمة ولو ساءت سيرة بعضهم، ~~ثم انتقلت الأعمال إلى رجال الدولة من غير أهلهم، فجنح العمال إلى الطمع والعنف ~~في استخراج الأموال، فعمد الخلفاء إلى مصادرة أموالهم لاسترجاع ما استولوا عليه ~~من غير وجه الحق. # حتى في أيام المنصور، فكان لا يعزل عاملا إلا قبض ماله وتركه في بيت مال ~~مستقل سماه «بيت مال المظالم»، # 154 # وتكاثر تعدي العمال في أيام المهدي (سنة 158-169ه) فاضطر هذا ~~الخليفة إلى النظر في المظالم، وما هي إلا مظالم العمال، ثم نظر فيها بعده ~~الهادي فالرشيد فالمأمون إلى المهتدي في أواسط القرن الثالث. # ومما نبه الخلفاء إلى مظالم العمال أن الوزراء كانوا يباشرون الأعمال نيابة ~~عن الخلفاء، وكان هؤلاء يستشيرونهم فيمن يولونه من العمال، فربما استمعوا إليهم ~~وربما خالفوهم، وخصوصا البرامكة فإنهم كانوا إذا استشارهم الخليفة في ولاية ~~عامل بينوا له ما يعلمونه من أمره، ويتركون الأمر للخليفة بعد ذلك يقضي فيه ~~بما يريد، ومن هذا القبيل أن الرشيد استشار وزيره يحيى بن خالد في تولية علي بن ~~عيسى بن ماهان على خراسان فأشار عليه ألا يفعل، فخالفه الرشيد وولاه إياها، ~~فلما شخص علي إليها ظلم الناس وجمع مالا كثيرا ووجه إلى الرشيد هدايا من ~~الخيل والرقيق والثياب والمسك والأموال لم ير مثلها قط، فلما وصلت الهدايا إلى ~~الرشيد أعجب بها وكان يحيى إلى جانبه فقال له الرشيد: «يا أبا علي، هذا الذي ~~أشرت علينا ألا نوليه هذا الثغر، فقد خالفناك فيه فكان في خلافك البركة!» فقال: ~~«يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداءك، أنا وإن كنت أحب أن أصيب في رأيي وأوفق ~~في مشورتي، فإني أحب أن يكون رأي أمير المؤمنين أعلى وفراسته أثقب وعلمه أكثر ~~من علمي، إن لم يكن وراء ذلك ما يكره، إن هذه الهدايا ما اجتمعت لهذا العامل ~~حتى ظلم فيها الأشراف، وأخذ أكثرها ظلما وتعديا، ولو أمرني أمير المؤمنين ~~لأتيته بضعفيها الساعة من بعض تجار الكرخ.» # قال الرشيد: «وكيف ذلك؟» قال: «قد ساومنا عونا على السفط ms0345 الذي جاء به من ~~الجوهر فأعطيناه به 7000000 فأبى أن يبيعه، فابعث إليه الساعة بحاجبي يأمره أن ~~يرده إلينا لنعيد فيه نظرنا، فإذا جاء به جحدناه وربحنا 7000000، ثم كنا نفعل ~~بتاجرين من كبار التجار مثل ذلك.» # 155 # وفي كلام يحيى دليل صريح على ما كان يستطيعه الوزراء والعمال من ~~جمع الأموال بلا حساب. # وقد رأيت أن الطمع تطرق إلى العمال، حتى في أيام الزهو العباسي، ولكن ~~البرامكة أخلصوا المشورة فغلوا أيدي العمال عن الظلم، فلما نكب البرامكة كان ~~فيمن جاء بعدهم من الوزراء المخلص وغير المخلص، فأطلقت أيدي العمال وأحرزوا ~~الأموال لأنفسهم، وكانوا يسترضون الوزراء بالرشوة - كما تقدم - حتى استفحل ~~أمرهم واكتنزوا الأموال الطائلة. # العمال # وغنى العمال ميسور في تلك العصور بالنظر إلى استقلالهم في إدارتهم وشؤونهم، ~~وخصوصا عمل الاستيلاء الفوضوي في كل شيء، وأبواب الكسب عندهم كثيرة: منها أن ~~العامل إذا جاء فأول شيء يتوقعه أن يحمل إليه الناس الهدايا، وفيها من الدواب ~~والجواري والأموال والثياب ما يبلغ مقداره شيئا كثيرا # 156 # وقد يترك ذلك في مقابل ما يقدمه العمال من أمثال هذه الهدايا إلى ~~الخليفة أو الوزير أو القهرمانة أو الكاتب أو الحاجب أو غيرهم من حاشية ~~الخلفاء # 157 # على أنهم كانوا يكسبون من مصادر أخرى كالاتجار بأصناف البضائع ~~والأخشاب وغيرها # 158 # ناهيك بما كانوا يخترعونه من صنوف الضرائب وتحصيل بعضها مرتين أو ~~ثلاث مرات تبعا لما تقتضيه حاجتهم إلى المال في إرضاء الوزراء، أو لادخاره ~~والانتفاع به عند الاعتزال من المنصب، ومن أوسع أبواب الضرائب كسبا لهم المكوس ~~على التجارة، فقد ذكر المقدسي أن ثلث أموال تجار اليمن كان يذهب إلى ~~السلطان # 159 # وكانوا يأخذون على حمل الحنطة هناك نصف دينار. ~~••• # ومن أبواب الكسب للمال أن ينفق العامل على بناء بيت أو جسر أو على حفر ترعة ~~أو نهر ألف دينار مثلا، ويطالب بعشرة آلاف أو مائة ألف، وربما قدروا ما ينفقون ~~فيه عشرة دنانير بستين ألف دينار # 160 # فضلا عن اغتصاب الضياع وغيرها # 161 # وما قد ms0346 يجتمع لهم من فروق الأموال التي يقبضونها من الخراج بين ~~الفضة والذهب، فهل من عجب بعد ذلك إذا بلغت أموال محمد بن سليمان عامل الرشيد ~~على البصرة 50000000 درهم، سوى الضياع والدور والمستغلات؟ وكان محمد هذا يغل كل ~~يوم 100000 درهم # 162 # وبلغت أموال علي بن عيسى بن ماهان 80000000 درهم، # 163 # فلم ير الرشيد إلا الجنوح إلى الاستخراج وهو المصادرة. # وكان الغالب في بادئ الرأي أن يقبضوا أموال العمال بعد موتهم، كما فعلوا ~~بمحمد بن سليمان المذكور، ثم صاروا يستخرجون أموالهم وهم أحياء كما فعل الرشيد ~~بعلي بن عيسى، فإنه عزله واستصفى أمواله المذكورة، وحملها مع خزائنه وأثاثه على ~~1500 جمل، غير 20000000 درهم كان ابنه عيسى بن علي قد دفنها في بستان بداره في ~~بلخ. # 164 # مصادرة الوزراء # على أن مصادرة العمال لم يطل أمرها لاستقلالهم بأعمالهم بعد قليل، فأصبح ~~المطلوب منهم لبيت المال في الغالب مالا معينا في العام على سبيل الضمان ~~ونحوه، وتحولت الثروة المغتصبة إلى الوزراء، وفسدت النيات فلم يجد الخلفاء ~~سبيلا لسد عوز بيت المال إلا بمصادرتهم، وكان الخلفاء لا يرون في ذلك جورا ~~ولا شدة لاعتبارهم ما في أيديهم مختلسا من حقوق بيت المال. # بدأت مصادرة الوزراء في الدولة العباسية من أولها، ولكنها كانت في أول الأمر ~~على سبيل النكبة، والغرض منها الانتقام من الوزير لجريمة سياسية أو للتخلص منه ~~لغرض آخر، ومن هذا القبيل مقتل أبي سلمة الخلال أول وزراء بني العباس، فبعد أن ~~أيد دعوتهم بأمواله كما أيدها أبو مسلم الخراساني بسيفه وشي إلى السفاح أنه ~~ينوي إخراج الدولة من أيديهم، فأوعز إلى أبي مسلم فقتله، ثم أصاب أبا مسلم من ~~المنصور مثل تلك النكبة، ويقال نحو ذلك في نكبة البرامكة في أيام الرشيد، ~~والفضل بن مروان في أيام المعتصم، وفي نكبة الفضل هذا رغبة في قبض أمواله؛ لأن ~~المعتصم نكبه سنة 221ه وأخذ من داره 1000000 دينار، وأثاثا وآنية قيمتها ~~1000000 دينار # 165 # ولما تمكن الاضمحلال من الدولة صار الغرض ms0347 من مصادرة الوزراء مجرد ~~الاستحواذ على أموالهم. ~~••• # وبلغت المصادرة معظمها في أيام المقتدر (سنة 295-320ه)؛ لأن الوزراء استخفوا ~~به لصغر سنه وأفضى تدبير الأمور في صدر أيامه إلى أمه ونسائه وخدمه، فكانت ~~دولته تدور أمورها على تدبير النساء والخدم، فخربت الدنيا وخلت بيوت الأموال ~~وخلع وأعيد ثم قتل # 166 # وكثر تبديل الوزراء في أيامه وكثرت مصادراتهم، وأولهم ابن الفرات، ~~وزر له ثلاث مرات، وقد تقدم ذكر ما احتشده من الأموال وقد صودر، فأخذت كلها ~~منه، وخلفه الخاقاني وكان سيئ السيرة - كما تقدم - ثم علي بن عيسى، وكان فاضلا ~~ورعا حاول إصلاح الأمور فلم يستطع لتمكن الفساد من عروق الدولة ثم حامد بن ~~عباس وكان قاسي القلب في استخراج الأموال. # ووزر له أبو علي محمد بن عبيد الله الخاقاني وأحمد بن عبيد الله أحمد بن ~~الخصيب، ومحمد بن علي بن مقلة صاحب الخط الحسن المشهور، وسليمان بن الحسن بن ~~مخلد، وعبيد الله بن محمد الكلوذاتي، والحسين بن القسم بن عبيد الله بن سليمان ~~بن وهب # 167 # وما من وزير إلا وقبض أو صودر فأخذت أمواله وسجن أو قتل، وكثرت ~~المصادرات في أيام المقتدر لغير الوزراء حتى القضاة والنساء والخدم، وربما زاد ~~مجموع ما قبضه من المصادرة على 40000000 دينار، على أنهم قدروا جملة ما أنفقه ~~من الأموال تبذيرا وتضييعا في غير وجه نيفا و70000000 دينار، سوى ما أنفقه ~~في الأمور غير الواجبة # 168 # وقس على ذلك أحوال سائر الوزراء. # فأصبحت المصادرة بتوالي الأيام المرجع الرئيسي في تحصيل المال، فالعامل يصادر ~~الرعية، والوزير يصادر العمال، والخليفة يصادر الوزراء ويصادر الناس على اختلاف ~~طبقاتهم، على أن الخلفاء لم يكونوا يعمدون إلى المصادرة إلا عند حاجتهم إلى ~~المال لأرزاق الجند أو لغيرها من نفقات الدولة، كما تعمد دول أوربا اليوم إلى ~~عقد القروض لسد ما يعرض لها من النفقات اللازمة لحرب أو مشروع كبير. # وكان الخلفاء يعتبرون أموال أولئك الوزراء أو العمال حقا لبيت المال قد ~~اغتصبوه، فاسترجاعه لا يعد جورا أو إجحافا، وقد ms0348 نجاهم ذلك من أثقال الدين ~~الأهلي الذي تئن تحت عبئه معظم دول العالم المتمدن اليوم، فيذهب نحو ربع دخلها ~~أو ثلثه في وفائه أو استهلاكه، وتضطر إلى استنباط الضرائب من أجل ذلك حتى أصبحت ~~تلك الدول - وخصوصا إنجلترا - تكلف الناس جعلا على كل عمل يرجون به ~~كسبا. # الكتاب # وهناك فئات أخرى من موظفي الدولة كانوا يستأثرون بأموالها، ومنهم كتاب الخراج ~~ويهون ذلك عليهم؛ لأنهم يباشرون مصادر الجباية رأسا. # وقد كانوا يطمعون في تلك الأموال في أيام بني أمية فما بعدها، ولكنهم لم ~~يشع أمرهم ويخش شرهم إلا في عصر التقهقر العباسي، فأمر الواثق سنة ~~229ه بحبس الكتاب وإلزامهم مالا كثيرا استخرجه منهم بالعنف # 169 # وفعل نحو ذلك المعتز سنة 255ه، # 170 # ومن الكتاب الذين اشتهروا بالغنى من مهنة الكتابة بيت المادرائي ~~بمصر. # 171 # ولم يكن الغنى خاصا بكتاب الدواوين، بل كان يتناول كل كاتب من كتاب أهل ~~الخلفاء وغيرهم، وكانت أكثر أموالهم تؤخذ بالرشوة والاختلاس، حتى اشتهروا ~~بالظلم كما اشتهر الوزراء، وهجاهم الشعراء كما هجوا هؤلاء، من ذلك قول بعضهم ~~وهو يمدح أحد الأمراء بالحزم والسهر على مصلحة الدولة: # هو ما علمت من الأمير فما الذي # تزداد منه وفيه لا يرتاب # لا تتقي الأجناد في أيامه # فقرا ولا يرجو الغنى الكتاب # وقال ابن حبيبات الشاعر الكوفي يهجو الوزير والكاتب معا: # ونجا خالد بن برمك منها # إذ دعوه من بعدها بالأمير # أسوأ العالمين حالا لديهم # من تسمى بكاتب أو وزير # 172 # وكان من أبواب الكسب عند الكتاب ارتشاؤهم للتوسط في تولية العمال أو سواهم، ~~كما فعل أحمد بن أبي خالد الأحول كاتب المأمون في توسطه لدى المأمون بتولية ~~طاهر بن الحسين خراسان، وقد شرط له على نجاحه في ذلك 3000000 درهم # 173 # وكان كتاب الدواوين في الولايات يشاركون العمال فيما يأتيهم من ~~الهدايا، أو من الرشوة وقد يقاسمونهم على النصف. # 174 # الحجاب # وكانت ثروة المملكة عرضة لمطامع كل من كانت له دالة أو وساطة لدى ولاة الأمر، ~~وخصوصا الحجاب الذين يقفون ms0349 بأبواب الخلفاء فإنهم من أكثر الناس دالة عليهم، ~~فكانوا كثيرا ما يستخدمون تلك الدالة واكتساب الأموال من تقديم الداخلين أو ~~تأخيرهم والإذن لهم أو منعهم، فكانوا يرتشون للتعجيل في الإذن بالدخول على ~~الخلفاء، وكان ذلك شأنهم حتى في عصر الراشدين، قال المغيرة بن شعبة: «ربما عرق ~~الدرهم في يدي أرفعه ليسهل إذني على عمر.» # 175 # وكثيرا ما كانوا يتوسطون في تولية المناصب بالرشوة، كما توسط ~~الربيع حاجب المنصور ليعقوب بن داود بمنصب الوزارة برشوة مقدارها 100000 ~~دينار، # 176 # ويقال نحو ذلك في كل من يتوفق إلى دالة على الخليفة أو الأمير ولو ~~كان خادما. ~~(3) الخلاصة # وخلاصة ما تقدم أن الدولة العباسية لما غلب الجند على أمرها واستبد قواد الأتراك بها، ~~تحولت ثروتها من بيت مالها إلى أيدي رجالها ممن ينوبون عن الخليفة أو يتوسطون بينه وبين ~~الرعايا، كالعمال، والوزراء، والكتاب، والحجاب، ونحوهم، وأصبح الخلفاء لا يستطيعون ~~استبقاء حكومتهم إلا باغتصاب أموال أولئك الموظفين، فكانوا كالذي يغتذي بأكل لحمه فآل ~~ذلك إلى انحلال أمر الخلافة بعد أن بلغت غاية الضعف. # وقد يتبادر إلى الأذهان أن لثقل الضرائب دخلا كبيرا في سقوط الدولة العباسية، وقد ~~رأيت أن الضرائب كانت ثقيلة في عصر الازدهار العباسي، عصر الثروة والعلم، ولم يكن الناس ~~يشكون ثقلا، بل ساءت حالهم منذ خفضت الضرائب، ولم يكن ذلك لأن تخفيض الضرائب يسوء ~~الناس، ولكن تخفيضها في تلك الأيام قلل مصادر الثروة الواردة إلى بيت المال فزادت حاجة ~~أصحاب المطامع من رجال الدولة، وكانت الأحوال قد اختلت بفساد النيات للأسباب التي ~~ذكرناها، فزال الأمن واختل النظام العام، فتقاعد الناس عن العمل وقلت إيراداتهم وعجزوا ~~عن إشباع مطامع رجال الدولة، فعمد هؤلاء إلى العنف في استخراج الأموال، فتعاظم الاضطراب ~~وتضاعف الضيق في الناس حتى سئموا الحياة في دولة لا يأمنون فيها على أرواحهم ولا ~~أموالهم. # ولو كانت كثرة الضرائب تخرب المماليك لكانت إنجلترا من أقرب الدول إلى الخراب؛ لما ~~فيها من أصناف الضرائب التي لم يحلم بها العرب ولا خطرت ببالهم؛ ms0350 لأنها فضلا عن ضرائبها ~~على المحصولات والواردات على اختلاف أصنافها، تقاسم الناس أرباحهم فتأخذ ضريبة على ~~الإيراد وجعلا على أية مهنة يريد الناس تعاطيها حتى المحاماة والطب في مقابل الإذن لهم ~~في الاشتغال بها، والجعل المذكور ثقيل يختلف فيمن ينال أية رتبة من رتب القضاء من خمسين ~~جنيها إلى عشرين، وقس على ذلك رسوم الأطباء والصيادلة والمحامين حتى الخطباء والوعاظ، ~~وهناك ضرائب أخرى على معاملات المصارف وعلى أوراقها وعقودها وعلى الزواج والطلاق، وغير ~~ذلك فيجتمع لها من هذه الرسوم أموال كثيرة. # وأما ضرائب الإيراد عند الإنجليز فإنها تشمل كل عمل يتكسب منه الناس حتى الوعاظ ~~والخطباء، فكيف بأصناف التجارات والصنائع والبنوك وغيرها؟ والدولة الإنجليزية كلما ~~احتاجت إلى مال عدلت ميزانيتها بزيادة الضرائب وخصوصا على الإيراد، وأكثر ما تكون ~~حاجتها إلى المال في حالة الحرب كما فعلت بميزانية سنة 1901 في أثناء حرب الترنسفال، ~~فقد قدرت دخلها لذلك العام بمبلغ 117000000 جنيه، وخرجها بمبلغ 154000000، والفرق ~~بينهما 37000000 سددت معظمه بزيادة الضرائب، وكانت ضريبة الإيراد ثمانية بنسات على ~~الجنيه أي نحو 3 وثلث في المائة، فجعلتها شلنا في كل جنيه أي خمسة في المائة، فكان ~~مقدار ما اجتمع لها من تلك الزيادة نحو 9000000 جنيه، وفرضت ضريبة إضافية على البيرة ~~بلغت حصيلتها 1752000 جنيه، وضريبة على سائر الخمور حصيلتها 1015000 جنيه، وعلى التبغ ~~1100000، وعلى الشاي 1800000جنيه وغير ذلك، فلما انقضت الحرب عمدت الحكومة إلى رفع تلك ~~الإضافات، فخفضت ضريبة الإيراد أربعة بنسات أي أنها أرجعتها إلى ما كانت عليه، فقلت ~~حصيلة الحكومة من الإيراد 8500000 جنيه، وخفضت أيضا ضرائب القمح وغيره. # وجملة القول أن إنجلترا مع كثرة ضرائبها وما أثقل كاهلها من الديون، فإنها تعد من ~~أثبت الدول قدما وأوفرها ثروة، فتخفيض الضرائب لا شك أنه رحمة للناس، ولكن زيادتها لا ~~تدعو إلى الخراب، وإنما يدعو إلى خراب الممالك «الظلم»؛ فإنه يقوض أركان الدول بما يدعو ~~إليه من تقييد الأيدي عن العمل فيقعد الزارع عن زراعته، والتاجر عن تجارته، والصانع عن ~~صناعته، ms0351 ولا مال إلا إذا اشتغل هؤلاء، ولذلك قالوا: «العدل أساس الملك!» ~~••• # فالدولة العباسية لما أصبحت بعد المعتصم غنيمة للأجناد الغرباء يحملون أموالها إلى ~~بلادهم، وأصبح الوزراء والعمال إنما يعملون لحشد الأموال، وأمسى الخليفة لا سلطان له ~~حتى في قصره، وبين غلمانه وجواريه، تجمعت تلك الأثقال على رؤوس الرعية؛ لأن الجباية ~~منهم، فطالبوهم بها بدون أن يساعدوهم على استغلالها فساءت حالهم كما علمت، أما دول هذه ~~الأيام فأساس نظامها الحرية الشخصية، والمبادئ الاقتصادية، فلا يطالب أحد من الناس إلا ~~بما يقتنع هو أنه حق صريح، وإلا فإنه يتظلم وظلامته مسموعة، وسنعود إلى هذا البحث في ~~بعض الأجزاء التالية. # | هوامش # | ثروة المملكة العباسية أي البلاد وأهلها # فرغنا من الكلام في ثروة الدولة (الحكومة) العباسية ورجالها، وبقي علينا النظر في ثروة ~~المملكة، وهي البلاد بما فيها من الناس على اختلاف طبقاتهم من أهل التجارة والزراعة ~~والصناعة وغيرهم، وكانت البلاد قسمين: المدن، والقرى. ~~(1) المدن # كانت المدنية محصورة في المدن دون القرى عملا بقاعدة التمدن في تلك الأيام، وهي أن ~~تكون الثروة والأبهة حيثما يكون ولاة الأمر، ومن يلوذ بهم، من الخليفة وآل بيته فرجال ~~بلاطه فعماله ووزرائه، وهؤلاء كانوا يقيمون في المدن وخصوصا العواصم، ولذلك عمرت بغداد ~~والبصرة ودمشق والفسطاط والقاهرة والقيروان وقرطبة وغرناطة ونحوها، وظلت القرى والضياع ~~مغارس لا عمارة فيها، ولا تكاد تجد أثرا من آثار ذلك التمدن في غير المدن. # ففي هذه المدن فاضت ينابيع الثروة الإسلامية، وعاش الناس في الرخاء والرغد بجوار ~~الخليفة ورجال دولته، ينالون جوائزهم وهداياهم ويبيعونهم السلع والجواهر، والأقمشة وما ~~إليها، وفي هذه المدن كان يجتمع العلماء والشعراء والمغنون والندماء يتعيشون بما يجود ~~به الخليفة أو أمراؤه أو رجال دولته. # ويمثل طبقات الناس في تلك الأيام قول الفضل بن يحيى: «الناس أربع طبقات: ملوك قدمهم ~~الاستحقاق، ووزراء فضلتهم الفطنة والرأي، وعلية أنهضهم اليسار، وأوساط ألحقهم بهم ~~التأدب، والناس بعدهم زبد جفاء وسيل غثاء، لكع ولكاع، وربيطة اتضاع ... هم أحدهم طعمه ~~ونومه!» # 1 # وقد جعل ابن خلدون عطاء ms0352 السلطان أصل ثروة المملكة، وعلة كثرة جبايتها، لاعتباره أن ~~الدولة أو السلطان السوق الأعظم للعالم ومنها مادة العمران، قال: «فإذا احتجن السلطان ~~الأموال أو الجبايات أو فقدت فلم يصرفها في مصارفها، قل حينئذ ما بأيدي الحاشية ~~والحامية، وانقطع أيضا ما كان يصل منهم لحاشيتهم وذويهم، وقلت نفقاتهم جملة، وهم معظم ~~السواد، ونفقاتهم أكثر مادة للأسواق ممن سواهم، فيقع الكساد حينئذ في الأسواق وتضعف ~~الأرباح في المتاجر فيقل الخراج لذلك؛ لأن الخراج والجباية إنما يكونان من الاعتمار، ~~والمعاملات، ونفاق الأسواق، وطلب الناس للفوائد والأرباح، ووبال ذلك عائد على الدولة ~~بالنقص لقلة أموال السلطان حينئذ بقلة الخراج، فإن الدولة كما قلنا هي السوق الأعظم أم ~~الأسواق كلها، وأصلها ومادتها في الدخل والخرج، فإن كسدت وقلت مصارفها فأجدر بما بعدها ~~من الأسواق أن يلحقها مثل ذلك وأشد منه.» ا.ه. # فالمدن الإسلامية كانت مؤلفة من: الملوك وهم الأصل، ثم رجال الدولة، وإنما يكونون ~~كذلك؛ لأن الملوك يختارونهم لفطنتهم، ثم الأغنياء، وأخيرا الأوساط، وهم جمهور الناس ~~ويكونون كما يشاء أولئك، وذلك يخالف حال الهيئة الاجتماعية في هذا العصر، عصر الحرية ~~الشخصية، فالناس فيه مستقلون بأعمالهم كل منهم يعد نفسه عضوا من أعضاء ذلك المجتمع لا ~~يستغنى عنه، سواء كان صانعا أو كاتبا أو تاجرا أو موظفا. # أما في العصر العباسي فقد كان أهل المدن عالة على الخلفاء والأمراء فتحوم آمالهم ~~حولهم، يلتقطون ما يجودون به عليهم، وهؤلاء إنما يجودون بما يصل إليهم من أموال ~~الجباية، فإذا كثرت أكثروا وإذا قلت أقلوا، والجباية من الخراج، والخراج على الأرض، ~~والأرض إنما يعمل بها الفلاحون وهي القرى، فالثروة العباسية مصدرها من القرى وتجمع من ~~عرق الفلاحين، والفلاح أساس الثروة في كل العصور، وخصوصا في البلاد الزراعية، وهو في ~~الغالب أقل الناس حظا منها، وخصوصا في عهد التمدن القديم أو ما نسج على منواله، إذ ~~كانت الثروة والقوة في أيدي فئة الحكام أو من ينوب عنهم أو ينتمي إليهم، ويبقى سائر ~~الناس أعوانا أو أتباعا أو خدما أو عبيدا، ms0353 يشتغلون إما بالصناعة لصنع ما قد يحتاج ~~إليه أولئك من أصناف الأبنية والألبسة والأثاث والمجوهرات أو لخدمتهم في قصورهم ~~بالتطبيب أو الكتابة أو لإمتاع سمعهم وبصرهم بالغناء والعزف أو لترطيب قلوبهم بالنظم ~~والنثر ونحوهما، وإما بالفلاحة في الأرض واستغلالها، والفلاحون هم الفئة الكبرى من ~~الناس في كل زمان، وسنفصل ذلك في الجزء المختص بالآداب الاجتماعية من هذا ~~الكتاب. # فالثروة في المدن تابعة لثروة الحكومة أو رجالها للأسباب التي قدمناها، فلما كان بلاط ~~الرشيد غاصا بالوفود وبيت ماله حافلا بالنقود والبرامكة يبذلون المئات والألوف، كان ~~تجار بغداد في نعمة وثروة وخصوصا باعة المجوهرات والرياش؛ لأنها مما تتطلبه المدنية في ~~عهد الترف والبذخ، فقد رأيت في بعض ما تقدم أن جوهريا بالكرخ في بغداد ساومه يحيى ~~البرمكي على سفط من الجوهر بمبلغ 7000000 درهم فلم يبعه # 2 # وهو جزء مما في حانوته، فما قولك بسائر ما فيه؟ وهناك جوهري آخر يقال له ~~ابن الجصاص صادره الخليفة المقتدر سنة 302ه، فكان ما أخذوه من بيته من صنوف الأموال ~~تزيد قيمته على 20000000 دينار # 3 # وكان في بغداد شريف يسمى محمد بن عمر بلغ خراج أملاكه 2500000 درهم في ~~السنة، # 4 # وقس على ذلك سائر التجارات في بغداد وغيرها، فقد كان في إصطخر بيت ينتسب ~~إلى آل حنظلة أحدهم عمرو بن عيينة بلغ من يساره أنه ابتاع بمليون درهم مصاحف فرقها في ~~مدن الإسلام، وكان مبلغ خراج هذا البيت من ضياعهم نحو 10000000 درهم، ومنهم مرداس بن ~~عمر كان خراج ماله 3000000 وابن عمه محمد بن واصل ملكه مثل ملكه # 5 # وكان في سيراف تجار واسعو الثروة يزيد مال أحدهم على 60000000 درهم اكتسبها ~~من تجارة البحر من العود والكافور والعنبر والجواهر والخيزران والعاج والأبنوس والفلفل ~~وغيرها، # 6 # ومنهم من يبني دارا فينفق على بنائها 30000 دينار # 7 # وأوصى أحدهم بثلث ماله لعمل فبلغ 1000000 دينار بين مركب قائم بنفسه ~~وآلته، # 8 # وأمثال ذلك كثير في معظم مدن المشرق. # وقس عليه ثروة كل من ms0354 خالط الخلفاء ونال جوائزهم، أو خدمهم في بلاطهم في إبان ثروتهم ~~غير الوزراء والكتاب والعمال، فإنهم جمعوا أموالا طائلة حتى المغنون والشعراء، فقد ~~توفي إبراهيم الموصلي مغني الرشيد عن ثروة مقدارها 24000000 درهم # 9 # وتوفي جبريل بن بختيشوع طبيب الرشيد وخلف ما يساوي 90000000 درهم من ضياع ~~وجواهر ونقود كما تقدم. # واعتبر ذلك في سائر البلاد والأحوال، فتجد الثروة كانت في الغالب عند الخلفاء، أو من ~~ينتمي إليهم، حتى التجار فإنهم إنما كانوا يأمنون على ثروتهم بالانتماء إلى أولي ~~الأمر. ~~(2) القرى # أما القرى فقد كان سكانها الفلاحين من أهل البلاد الأصليين، ويسمونهم «أهل الخراج»، ~~فهؤلاء يعملون بالأجرة أو شركاء لأصحاب الأملاك من الخلفاء أو الأمراء، أو من ينتمي ~~إليهم من الأعيان، وخصوصا الدهاقين في العراق وفارس، وهم أصحاب الإقطاعات الكبرى قبل ~~الإسلام. # فلما كان الإسلام تقرب أولئك الدهاقين من الحكومة بأموالهم # 10 # ونفوذهم في أهل بلادهم، ويندر أن يكون للفلاحين ملك خاص بهم لأسباب تقدم ~~بيانها. # فسكان القرى هم الفلاحون ومن يجري مجراهم، وكانوا يقنعون بالحصول على ما يقوم بأود ~~حياتهم، ويغلب فيهم الفقر المدقع، وربما كان بينهم من لم ير الدينار طول عمره، فكان أهل ~~الدولة في المدن يبذلون الدنانير جزافا ويهبونها مئات وآلافا، وأهل القرى في فقر ~~مدقع لو رأى أحدهم الدينار لقبله مثنى وثلاث، ولو دفعت إليه عشرة دنانير أو عشرين ~~لأصابه خبل أو مات لساعته، كما اتفق للصياد بين يدي ابن طولون أمير مصر في أواسط القرن ~~الثالث للهجرة، وهو مشهور بكرمه وبذخه، بما أنشأه من القصور والغياض والإصطبلات، وكان ~~ينفق كل شهر ألف دينار على القراء، وهو الذي جاء وكيله يوما وقال: «إني تأتيني المرأة ~~وعليها الإزاز وفي يدها خاتم الذهب فتطلب مني فأعطيها.» فقال له: «من مد يده إليك ~~فأعطه.» # 11 # ومع ذلك فإن هذا الأمير نفسه ركب في غداة باردة إلى جهات المقس بجوار ~~الفسطاط، فأصاب بشاطئ النيل صيادا عليه خلق لا يواري منه شيئا، ومعه صبي في مثل حاله ~~وقد ألقى الشبكة ms0355 في البحر، فلما رآه ابن طولون رق لحاله وقال: «يا نسيم ادفع إلى هذا ~~عشرين دينارا.» فدفعها إليه ولحق ابن طولون، فسار ولم يبعد ورجع فوجد الصياد ميتا ~~والصبي يبكي ويصيح، فظن ابن طولون أن بعض سودانه قتله وأخذ الدنانير منه، فوقف بنفسه ~~عليه وسأل الصبي عن أبيه فقال له الغلام: «هذا (وأشار إلى نسيم الخادم) دفع إلى أبي ~~شيئا فلم يزل يقلبه حتى وقع ميتا.» فقال: «فتشه يا نسيم.» فنزل وفتشه فوجد الدنانير ~~معه بحالها، فحرض الصبي أن يأخذها فأبى وقال: «هذه قتلت أبي وإن أخذتها قتلتني!» فأحضر ~~ابن طولون قاضي المقس وشيوخه وأمرهم أن يشتروا للصبي دارا بخمسمائة دينار تكون لها غلة ~~وأن تحبس عليه وكتب اسمه من أصحاب الجرايات وقال: «أنا قتلت أباه؛ لأن الغنى يحتاج إلى ~~تدريج وإلا قتل صاحبه، هذا كان يجب أن يدفع إليه دينار بعد دينار حتى تأتيه هذه ~~الجملة على تفرقة فلا تكثر في عينيه.» # 12 # فإذا كان هذا حال رجل من أهل ضواحي العاصمة، فكيف بأهل القرى البعيدين عن ترف الدولة ~~وبذخها وجراياتها ووظائفها؟ ~~(3) المدن الإسلامية # نريد بالمدن الإسلامية ما بناه المسلمون من المدن لأنفسهم، وهي غير ما افتتحوه من ~~مدائن الروم والفرس، والمدن الإسلامية عديدة في العراق والشام ومصر وإفريقية والأندلس ~~وغيرها، ومنها ما لم يزل عامرا إلى اليوم كالبصرة وبغداد والقاهرة، ومنها ما انقرض ~~وعفت آثاره كالفسطاط بمصر والزهراء بالأندلس وسنذكر أشهرها ونصف ما بلغ إليه عمرانها في ~~إبان التمدن الإسلامي تتمة لموضوع هذا الجزء، ولكننا نقول قبل ذلك كلمة إجمالية فيما ~~حمل العرب أو المسلمين على إنشاء تلك المدن: # كان المسلمون في صدر الإسلام عربا أهل خيام وماشية وخيل، يكرهون الإقامة داخل ~~الأسوار وينفرون من الانحصار في المدن، فلما تأيد الإسلام واجتمع العرب على فتح الأمصار ~~في العراق والشام ومصر، كانوا في بادئ الرأي إذا ساروا إلى غزو أو فتح اصطحبوا نساءهم ~~وعيالهم، فإذا فتحوا بلدا أقاموا في ضواحيه بخيامهم وأخبيتهم، وجعلوا هذا الموضع ~~معسكرهم، وكان عمر بن ms0356 الخطاب يشترط على جنده المقيمين في الأمصار ألا يقيموا في مكان ~~يحول الماء فيه بينهم وبينه، حتى إذا أراد أن يركب راحلته إليهم ركب، كذلك فعل عمرو بن ~~العاص في الفسطاط، وسعد بن أبي وقاص في الكوفة والبصرة، وكانت كلها مضارب لجند العرب ~~الفاتحين يعبرون عنها بالرابطة أو المعسكر، فإذا طال بهم المقام اختطوا الأسواق وبنوا ~~المنازل والقصور، ذلك كان شأنهم في صدر الإسلام فبنوا البصرة والكوفة والفسطاط على هذه ~~الصورة. # فلما ضخم ملك العرب وتعددت دول المسلمين صاروا يختطون المدن تثبيتا لفتوحهم كما فعل ~~عقبة بن نافع عندما اختط القيروان في إفريقية (تونس الحالية) تثبيتا للفتح الإسلامي ~~لهذه الناحية، أو تحصنا بها من أعدائهم كما فعل المنصور باختطاطه بغداد فإنه بناها ~~حصنا له، وكذلك فعل الفاطميون بالقاهرة، وكثيرا ما كان الخلفاء يبنون المدن للتنزه ~~بها والابتعاد عن الغوغاء، مثل سامرا والمتوكلية والزهراء وغيرها مما يطول بنا إيراده، ~~فلنأت إلى وصف أشهر المدن الإسلامية في إبان ثروتها. # كثيرا ما وصف المؤرخون المسلمون المدن الإسلامية، كما يصف السائحون اليوم ما يزورونه ~~من المدن العظمى، ولكنهم لم يذكروا عدد سكان تلك المدن أو مساحتها إلا نادرا، وإنما ~~كان همهم تعداد ما في تلك المدن من الجوامع والحمامات، والغالب أن يبالغوا في ذلك إلى ~~ما يتجاوز طور التصديق كما سترى، وإليك وصف أشهر المدائن الإسلامية مرتبة باعتبار ~~قدمها: ~~(3-1) البصرة # هي من أقدم المدن التي بناها المسلمون أو هي أقدمها، ولا تزال باقية إلى الآن، ~~مصرها عتبة بن غزوان سنة 16 للهجرة # 13 # وقد اتخذها العرب في بادئ الأمر معسكرا في مكان لا يحول الماء بينه ~~وبين مكة، فكان من البصرة على الضفة الغربية للفرات إلى مكة رمال وجبال وسهول لا ~~يفصل بينهما نهر، وبنوها أولا بالقصب ثم خافوا الحريق فبنوها باللبن بإذن عمر ~~- كما سيأتي في الكلام عن الكوفة - وجعلوا المدينة خططا بحسب القبائل لكل قبيلة ~~خطة، وجعلوا عرض شارعها الأعظم ستين ذراعا، وهو مربدها، وعرض ما سواه من الشوارع ~~عشرين ذراعا، ms0357 وجعلوا عرض كل زقاق سبعة أذرع، ووسط كل خطة رحبة فسيحة لمرابط خيولهم ~~وقبور موتاهم، وتلاصقوا بالمنازل # 14 # ونظرا لموقعها التجاري فرضة للعراق ووسطا بين الشام وفارس، أسرع ~~إليها العمران واتخذتها الحكومة مقرا لإمارة العراق في أيام بني أمية فعمرت ~~البصرة في أيامهم واتسعت عمارتها، حتى بلغت مساحتها في إمارة خالد بن عبد الله ~~(القسري) فرسخين في فرسخين أي 36 ميلا مربعا في أرض منبسطة لا جبال فيها، وذلك ~~أوسع من مدينة القاهرة مع زيادة عمارتها اليوم (سنة 1903). # وكثرت ثروة البصرة في أيام العباسيين لاجتماع التجار فيها، وتجاراتهم تمتد شرقا ~~إلى الهند والصين، وغربا إلى أقصى بلاد المغرب، وجنوبا إلى الحبشة، وكانت السفن ~~ترسو في ميناها وتحمل أصناف التجارات من الأقمشة والأطياب وغيرها، وتكاثرت الثروة ~~فيها بتكاثر الناس القادمين إليها للاتجار أو الإقامة، فابتنوا فيها القصور ~~والحدائق وأنشأوا الميادين والبرك، قال ابن حوقل: «وهي موصوفة بالمجالس الحسنة، ~~والمناظر الأنيقة، والميادين العجيبة، والفواكه البديعة، والبرك الفسيحة، لا تخلو ~~من المتنزهين، ولا تعرى من المتطرقين منحدرين ومصعدين ...» # وكانت مياه البصرة مرسى مئات من السفن التجارية، وقد ذكرنا في مكان آخر مقدار ما ~~كانت الحكومة تجبيه من تاجر واحد من تجارها وهو نحو 100000 دينار في العام، فقس ~~عليهم التجار الآخرين وفيهم الكبير والصغير. # واشتهر أهل البصرة بالأسفار التجارية إلى كل الجهات، حتى ضرب المثل في ذلك ~~فقالوا: «وأبعد الناس نجعة في الكسب بصري وخوزي، ومن دخل فرغانة (في الشرق) والسوس ~~الأقصى (في الغرب)، فلا بد من أن يرى بها بصريا أو خوزيا (من أهل خوزستان) أو ~~حيريا (من أهل الحيرة).» # 15 # وشأنهم في ذلك شأن السوريين اليوم، أو هو دأبهم من عهد ~~الفينيقيين. # وقد نقلنا في الجزء الأول من هذا الكتاب ما ~~قاله الإصطخري عن سعة مدينة البصرة وعدد أنهارها على أيام بلال بن أبي بردة (سنة ~~118ه) # 16 # وأنها زادت على 120000 نهر، تجري بها الزوارق، وأن الإصطخري نفسه شك في ~~صحة هذا العدد كما يشك كل من يقرأه، فذهب بنفسه ms0358 لمشاهدة المكان في القرن الرابع ~~للهجرة فلما عاينه قال: «وقد كنت أنكر ما ذكر من هذه الأنهار في أيام بلال حتى رأيت ~~كثيرا من تلك البقاع، فربما رأيت في مقدار رمية سهم عددا من الأنهار صغارا تجري ~~في كلها زوارق صغار، ولكل نهر اسم ينسب إلى صاحبه الذي احتفره أو إلى الناحية التي ~~يصب فيها، فجوزت أن يكون ذلك في طول هذه المسافة وعرضها.» وقال نفس هذا القول ابن ~~حوقل في عرض كلامه عن البصرة، # 17 # ومع ذلك ما زلنا نستكبر هذا العدد حتى رأينا عالما دقيق الملاحظة ~~أقام في البصرة أعواما طوالا وخبر أرضها فذكرنا له ذلك فهون علينا تصديقه بما ~~بينه لنا من سعة البصرة في تلك الأيام وحفر الأنهار، وإمكان اشتباكها بحيث تتحول ~~إلى مجار قصيرة هم يسمون كلا منها نهرا، ويؤيد ذلك أنهم لا يريدون بالبصرة ~~المدينة فقط التي ذكرنا أن مساحتها 36 ميلا مربعا، وإنما يضمون إليها ما يتبعها ~~من المغارس إلى عبادان عند بحر فارس، مع ما كانت عليه من الخصب وكثرة الفرس، قال ~~ابن حوقل والإصطخري: «ولها نخيل متصلة من عبدسي إلى عبادان نيفا وخمسين فرسخا ~~متصلة لا يكون الإنسان بمكان منها إلا وهو في نهر ونخيل أو يكون بحيث يراها.» ~~فاعتبر هذه المسافة طولا في مثل نصفها عرضا على الأقل أي 150 ميلا في 75 وذلك ~~11250 ميلا مربعا، فيعقل أن يكون في الميل الواحد عشر ترع صغيرة، والله ~~أعلم. ~~(3-2) الكوفة # بنيت الكوفة بعد البصرة ببضعة أشهر؛ بناها سعد بن أبي وقاص، ويقال في سبب بنائها ~~إن سعدا بعد أن فتح العراق وتغلب على الفرس نزل في عاصمتهم المدائن، ثم بعث إلى ~~الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة وفدا يخبره بذلك الفتح، فلما وصل الوفد إلى عمر ~~رأى ألوانهم قد تغيرت وحالهم قد تبدلت، فسألهم عن سبب ذلك فقالوا: «وخومة البلاد ~~غيرتنا.» فأمرهم أن يرتادوا منزلا ينزلون فيه المسلمين؛ لأن العرب لا يوافقهم من ~~البلاد إلا ما يوافق إبلهم، وكتب إلى ms0359 سعد: «ابعث سليمان وحذيفة رائدين فليرتادا ~~منزلا بريا بحريا ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر.» # 18 # ففعل سعد ذلك فاختاروا مكانا وراء الفرات وبينه وبين الحيرة، وبنوها ~~أولا بالقصب كما بنوا البصرة ففعلوا ذلك لتكون المنازل قريبة من الخيام فأحرقت، ~~فاستأذنوا عمر في البناء باللبن فأجابهم إلى ذلك على شرط ألا يزيد أحدهم على ثلاثة ~~أبيات ولا يطاولوها، وكان للكوفة شأن كبير عند الشيعة؛ لأن الإمام عليا جعلها ~~عاصمة ملكه إلى أن قتل. ~~(3-3) الفسطاط # هي أول مدن المسلمين في القطر المصري، بناها عمرو بن العاص سنة 18 للهجرة، فيما ~~بين القاهرة اليوم ومصر العتيقة، ومن بقاياها جامع عمرو والأطلال والخرائب حوله إلى ~~المقطم، وكان ذلك المكان معسكرا للعرب لما جاءوا لفتح حصن بابليون، وهو المعروف ~~اليوم بدير النصارى أو دير مار جرجس بمصر العتيقة، فلما فتحوه ساروا إلى الإسكندرية ~~لفتحها، فأمر عمرو بنزع فسطاطه (أي خيمته) فإذا فيه يمام قد فرخ فأخبروا عمرا بذلك ~~فقال: «لقد تحرم بنا بمتحرم.» فأمر بالفسطاط فأقر كما كان وأوصى به من بقي هناك من ~~القبط، وسار بجنده حتى نزل الإسكندرية وفتحها وكتب إلى الخليفة عمر بالمدينة يخبره ~~بذلك ويستشيره في السكنى فيها، فسأل عمر الرسول الذي أرسله عمرو: «هل يحول بيني ~~وبين المسلمين ماء؟» قال: «نعم يا أمير المؤمنين إذا جرى النيل.» فكتب إلى عمرو: ~~«إني لا أحب أن تنزل المسلمين منزلا يحول الماء بيني وبينهم شتاء ولا صيفا، ~~فمتى أردت أن أركب إليكم راحلتي حتى أقدم عليكم قدمت.» # 19 # فاستخلف عمرو في الإسكندرية حامية وأمر فشدت الرحال إلى حصن بابليون، ~~فلما بلغوا فسطاط الأمير رأوه لا يزال منصوبا وفيه الطيور، فنزلوا فيه وجعلوا تلك ~~الخيمة مركزا لمعسكرهم، ودعوا ذلك المكان من ذلك اليوم بالفسطاط، ثم انضمت القبائل ~~بعضها إلى بعض وأخذوا في بناء البيوت لسكنى الجيوش، فاختط عمرو مدينة شمالي الحصن ~~دعاها الفسطاط، فيها نحو عشرين حارة دعاها خططا، وأقام أربعة من كبار رجاله ينزلون ~~الناس في الخطط المذكورة بحسب أحزابهم ms0360 وقبائلهم. # ثم أخذت الفسطاط تتسع وتزداد عمارة كلما رسخت قدم المسلمين في البلاد وتوطد ~~سلطانهم حتى فاقت البصرة والكوفة في كثير من الوجوه. # وبلغ طولها على ضفة النيل ثلاثة أميال # 20 # وذكر مؤرخو العرب عن مقدار عمارتها أنه كان فيها 36000 مسجد، و8000 ~~شارع مسلوك، و1170 حماما، وقد يستبعد ذلك، ولكن إيراده يدل في كل حال على العظمة ~~والعمران، ومما نظمه الشعراء في مدحها قول الشريف العقيلي: # أحن إلى الفسطاط شوقا وإنني # لأدعو لها ألا يحل بها القطر # وهل في الحيا من حاجة لجنابها # وفي كل قطر من جوانبها نهر # تبدت عروسا والمقطم تاجها # ومن نيلها عقد كما انتظم الدر # 21 # وبلغ من تزاحم الناس في الفسطاط أن جعلوا المنازل طبقات عديدة بلغ بعضها خمس ~~طبقات إلى سبع، وربما سكن في البيت الواحد 200 من الناس، وبلغت نفقة البناء على ~~بعضها 700000 وهي دار الحرم لخمارويه. # 22 # واشتهر من تلك الأبنية دار ضرب المثل بعظمتها وغنى أهلها تسمى «دار عبد ~~العزيز»، كانت مطلة على النيل، بلغ من سعتها وكثرة ساكنيها أنهم كانوا يصبون فيها ~~أربعمائة راوية ماء كل يوم، ونقل بعضهم أن الأسطال التي كانت بالطاقات المطلة على ~~النيل بلغ عددها 16000 سطل مؤيدة ببكر وأطناب لها ترخى وتملأ، وذكر رجل دخلها في ~~أوائل القرن الثالث للهجرة في زمن خمارويه بن أحمد بن طولون قال: «طلبت بها صانعا ~~يخدمني فلم أجد فيها صانعا متفرغا لخدمتي، وقيل لي إن كل صانع معه اثنان يخدمهما ~~وثلاثة، فسألت كم فيها من صانع فأخبرت أن بها سبعين (كذا) صانعا قل من معه دون ~~ثلاثة سوى من قضى حاجته وخرج.» # 23 # وفي ذلك دليل على غنى أهل الفسطاط وترفهم، ومن هذا القبيل استكثارهم من الفرش، ~~فقد يقتني أحدهم ألف فرشة أو عشرة آلاف فرشة، وذكروا رجلا من أهل الفسطاط عنده ~~ثلاثمائة فرشة كل فرشة لحظية، وكذلك كانوا يفعلون بالثياب ونحوها، وقد تكون أثمانها ~~فاحشة فلا يبالون لغناهم، قال القضاعي إن قطر الندى ابنة خمارويه كان ms0361 في جملة ~~جهازها ألف تكة ثمن كل واحدة عشرة دنانير، فبلغ ثمنها كلها عشرة آلاف دينار، ناهيك ~~بتأنقهم في المآكل والمشارب مما يطول شرحه، وقد فصله المقريزي وغيره في كلامهم على ~~الفسطاط. ~~(3-4) بغداد # هي عاصمة العباسيين، بناها المنصور سنة 145ه ولا تزال باقية إلى اليوم، وقد تغير ~~موضعها مرارا، والسبب في بنائها أن السفاح لما بويع بالخلافة وأكثر أنصاره في ~~العراق وفارس، نزل الكوفة ومعه أخوه المنصور، ثم بنى السفاح قرب الأنبار مدينة ~~سماها الهاشمية إشارة إلى ما يجمع بين العباسيين والعلويين وانتقلا إليها # 24 # وبها مات السفاح وقبره فيها، وأقام المنصور في الهاشمية بضع سنين، ثم ~~ثار جماعة الراوندية فكره سكناها وخرج يبحث عن مكان يبني فيه مدينة حصينة، ~~فدلوه على مكان بغداد وحسنوه له، فبنى فيه مدينة سماها بغداد، وعرفت بمدينة ~~المنصور. # بناها في الجانب الغربي لدجلة بشكل مستدير، وجعل حواليها قطائع لحاشيته ومواليه ~~وأتباعه، فلما كانت أيام المهدي جعل معسكره في الجانب الشرقي من دجلة، وسمي ذلك ~~المكان عسكر المهدي، ثم انتقل إليه الوجهاء وأهل الدولة وبنوا فيه، وانتقلت الخلافة ~~إلى الجانب المذكور، وامتدت أبنية الخلفاء وحدائقها على ضفة النهر، ويسمى جانب ~~بغداد الشرقي الرصافة والجانب الغربي الكرخ. # وبلغت بغداد معظم عمارتها في أيام المأمون، حتى امتدت أبنيتها وبساتينها على بقعة ~~قالوا إن مساحتها 53750 جريبا، منها 26750 جريبا في الجانب الشرقي، و27000 في ~~الجانب الغربي # 25 # والجريب 3600 ذراع مربع، ونسبته إلى الفدان كنسبة 100 إلى ~~، فتكون مساحة بغداد كلها نحو 16000 فدان، وهو شيء كثير، ولكن ~~يظهر أنها كانت عبارة عن مدن متلاصقة، قال الخطيب البغدادي في تاريخه إنها أربعون ~~مدينة، وإن الحمامات بلغ عددها في أيام المأمون 65000 حمام # 26 # وقد أراد صاحب سير الملوك بيان مقدار عمارة بغداد فقال: «وكان عدد ~~الحمامات في ذلك الوقت ببغداد ستين ألف حمام، وأقل ما يكون في كل حمام خمسة نفر: ~~حمامي وقيم وزبال ووقاد وسقاء، يكون ذلك ثلاثمائة ألف رجل، وذكر أن يكون بإزاء كل ms0362 ~~حمام خمسة مساجد يكون ذلك ثلاثمائة ألف مسجد، وتقدير ذلك أن أقل ما يكون في كل ~~مسجد خمسة نفر يكون ذلك ألف ألف وخمسمائة ألف إنسان.» # 27 # ولا ينطبق هذا التخريج على ما نعلمه من أحوال هذه الأيام، فلا نسلم به كما هو، ~~ولكنه يدلنا على ما بلغت إليه هذه المدينة من العظمة في عهد ذلك التمدن العجيب، وقد ~~يؤيد ذلك ما رواه الطبري في أثناء كلامه عن الفتنة التي وقعت في بغداد سنة 255ه ~~قال: «وقيل إنه عبر الجسرين من العامة في ذلك الوقت 100000 إنسان في ~~الزواريق.» # 28 # فإذا كان هذا عدد الذين عبروا النهر فما قولك بمن لم يعبروا؟ فلا نبالغ ~~إذا جعلنا عدد سكان بغداد في ذلك العهد نحو مليون ونصف أو مليونين. # ناهيك بما كان من العمارة حول بغداد وفي سائر بلاد السواد، قال ابن حوقل، وقد ~~رآها في أثناء القرن الرابع للهجرة: «وبين بغداد والكوفة سواد مشتبك غير متميز ~~تخترق إليه أنهار من الفرات ... إلخ.» # 29 # وهناك مدائن أخرى من بناء المسلمين ذات شأن كالقيروان في بلاد المغرب، وواسط في ~~العراق، وغيرهما في مصر والشام وفارس، ناهيك بالمدائن التي كانت عامرة قبل الإسلام، ~~وقد نزل فيها المسلمون وزادوا عمارتها، مثل دمشق الشام، وقرطبة، وغرناطة، وطليطلة، ~~والإسكندرية، وسنأتي على شيء كثير من حضارة هذه المدن وغيرها فيما سنذكر من حالتها ~~الاجتماعية في بعض الأجزاء الآتية إن شاء الله. # | هوامش # مقدمة‏ # علوم العرب قبل الإسلام‏ # علوم العرب بعد الإسلام‏ # أنساب العرب القدماء‏ # مقدمة‏ # علوم العرب قبل الإسلام‏ # علوم العرب بعد الإسلام‏ # أنساب العرب القدماء‏ # | تاريخ التمدن الإسلامي (الجزء الثالث) # | تاريخ التمدن الإسلامي (الجزء الثالث) # تأليف # جرجي زيدان # | مقدمة # العلم أعظم أركان الحضارة وأقوى أسبابها، والبحث في علوم الأمة وآدابهم من أهم واجبات ~~المؤرخين، وخصوصا في الإسلام، لعلاقة العلوم الإسلامية بأحوال دوله وسياستها، ولذلك كانت ~~أبحاث هذا الجزء من تاريخ التمدن الإسلامي أهم أبحاث هذا الكتاب، ويزيد أهميته ارتباط تاريخ ~~العلوم في الإسلام بتاريخها قبله؛ لأن المسلمين ms0363 نقلوا إلى لسانهم معظم ما أنتجته عقول ~~البشر، من أول عهد المدنية إلى أيامهم، في العقليات والنقليات، فورثوا علوم الكلدانيين ~~والفينيقيين والمصريين والفرس واليونان والهنود. # فجرنا النظر فيما نقله العرب من علوم تلك الأمم إلى البحث في تاريخ تلك العلوم عند كل ~~منها، فكان هذا الجزء من تاريخ التمدن الإسلامي يشتمل على خلاصة تاريخ العلم والفلسفة ~~والأدب، من أول عهد العمران إلى ظهور الإسلام، فضلا عن تاريخها فيه. # وقد رسخ في اعتقاد بعض الكتاب من الإفرنج وغيرهم، أن المسلمين أو العرب قلما أفادوا ~~العلم؛ لأنهم نقلوه عن اليونان ولم يزيدوا فيه شيئا من عند أنفسهم، وذهب آخرون إلى أن ~~نقلهم لم يقتصر على استبقاء علم اليونان كما كان، بل هم شوهوا ما نقلوه فأضروا العلم ~~وأفسدوه، وقد نشأ هذا الاعتقاد في زمن التعصب، وتوالى وتنوقل إلى أوائل هذا العصر ولم يتعرض ~~لتحقيقه أو نقده أحد من العرب أو المسلمين. # على أن المنصفين من مستشرقي الإفرنج ذكروا للتمدن الإسلامي أفضالا على العلم أشاروا ~~إليها باختصار، وقد توسع بعضهم في تعدادها بكلام إجمالي، إذا قرأه العربي انشرح صدره، فإذا ~~أراد تحقيقه ذهب أكثر سعيه عبثا، ووجه التحقيق أن نجد تلك المآثر مثبتة في كتب العرب ~~القدماء؛ لأنها المصدر الوحيد لتاريخ الإسلام والمسلمين والآداب الإسلامية، وأكثر ما كتبه ~~الإفرنج في هذه الموضوعات مرجعه إلى كتب العرب، فإذا رأينا في كتب الإفرنج مأثرة منسوبة إلى ~~العرب ولم نجد لها ذكرا في كتبهم ضعفت ثقتنا في صحتها، إذ قد تكون منقولة عن بعض الرحلات ~~الإفرنجية في العصور الوسطى، وأكثرها يحتاج إلى تمحيص، كرحلة بنيامين التطيلي اليهودي التي ~~وصف فيها القسطنطينية ومصر وسوريا وفارس إلى حدود الصين في القرن الثاني عشر للميلاد، فقد ~~ضمنها من الحوادث والأخبار ما يخالف التاريخ، فضلا عما فيها من المبالغات والغرائب، كتبها ~~الرحالة المذكور باللغة العبرانية، ثم نقلت إلى اللاتينية في القرن السادس عشر، وإلى ~~الفرنسية في القرن الثامن عشر، وإلى الإنجليزية في القرن التاسع عشر. # ومن أمثلة ما جاء فيها ms0364 أنه كان في الإسكندرية على عهد الفاطميين عشرون مدرسة علمية، وفي ~~القاهرة عدد عظيم من المدارس الكلية، وسترى في كلامنا عن تاريخ المدارس أنها لم تبن بمصر ~~إلا بعد انقضاء عصر الفاطميين، ومع ذلك فإننا نرى كتابنا ينقلون هذه الأخبار على علاتها ~~فرحا بتعداد مآثر العرب، ولو نقبوا عن أساسها لذهب فرحهم، وهذا ما نبهنا إليه صديقنا ~~النعماني العالم الهندي في كتابه الذي نشرنا خلاصته في مقدمة الجزء الثاني، إذ اقترح علينا ~~أن نذيل صفحات كتابنا هذا بالمصادر التي ننقل عنها، وقد أخذنا باقتراحه، وأصبحنا لكثرة ~~ما يعرض لنا من أخطاء المؤرخين في هذا الصدد، لا نثق إلا بما يؤيد بالإسناد إلى النصوص ~~التاريخية أو بقرينة لا تقل قوة عنه. ~~••• # على أننا لا نرى بدا من تصديق كتاب الإفرنج فيما هو متعلق بآدابهم أو تاريخهم، ~~كحكاية الساعة التي يقولون إن هارون الرشيد أهداها إلى شارلمان مثلا، وكقولهم إن عرب ~~الأندلس علموهم صنع رقاص الساعة، وقول الباحثين في تاريخ الكيمياء مثلا إن العرب صنعوا ~~المركب الفلاني أو اكتشفوا المادة الفلانية، وأما فيما خلا ذلك فلا بد من الرجوع إلى ~~المصادر العربية من كتب التاريخ والأدب والعلوم وهي كثيرة، وفيها فوائد مهمة تظهر بالمطالعة ~~والإمعان، ولا ينبغي لنا أن ننسى فضل جماعة المستشرقين في نشر الكتب العربية، التي لولاهم ~~لضاعت، أو ظلت في زوايا الإهمال، ونذكر منها على الخصوص كتابا كثير الفائدة في هذا ~~الموضوع، نعني كتاب الفهرست لابن النديم، والفضل في نشره للمستشرق جوستاف فلوجل # Gustav ~~Flugel # وقد علق عليه ~~ملاحظات جزيلة الفائدة ومقابلات مهمة شغلت مجلدا كاملا فجعلنا معولنا في استخراج ~~الحقائق التاريخية التي بنينا عليها بحثنا في هذا الكتاب على الكتب العربية بعد التمحيص ~~والنقد. واستيفاء لأسباب البحث تصفحنا ما كتبه في هذا الشأن أفاضل الإفرنج وغيرهم، في ~~الإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها، ووقفنا على كتاب في اللغة الهندستانية (الأوردية) ~~للنعماني المشار إليه سماه «رسائل شبلي»، ذكر فيه فصولا في مدارس العرب ومارستاناتهم ~~ومكتباتهم وكتبهم ذيلها بالإسناد، وهو كتاب جليل، ms0365 وبعد الاطلاع على آراء العلماء وأبحاثهم ~~في هذا الموضوع، رجعنا إلى المصادر العربية فتصفحناها بإمعان وتدقيق، فعثرنا فيها على ما ~~أدهشنا من عظمة ذلك التمدن وخصوصا في العلم والأدب، مما ستراه مفصلا في هذا الجزء. # موضوع هذا الجزء # وقد قسمنا الكلام في موضوع هذا الجزء إلى: علوم العرب قبل الإسلام، وعلومهم بعده، ~~فذكرنا أولا خلاصة ما كان عند العرب الجاهلية من العلوم والآداب، كالنجوم والأنواء ~~والميثولوجيا والكهانة والعرافة والطب والشعر والخطابة وأندية الأدب والأنساب والتاريخ، ~~وبحثنا في مصادر تلك العلوم بحثا فلسفيا، وقسمنا الكلام في علوم العرب بعد الإسلام ~~إلى ثلاثة أقسام: # أولا: # العلوم التي اقتضاها الإسلام وسميناها العلوم الإسلامية. # ثانيا: # العلوم التي كانت في الجاهلية وارتقت في الإسلام وهي الآداب العربية ~~الجاهلية. # ثالثا: # العلوم التي نقلت من اللغات الأخرى وهي العلوم الدخيلة. # وقبل النظر في هذه الأقسام قدمنا الكلام بمقدمات تمهيدية: ~~(1) # في الإسلام والعلوم الإسلامية وكيف تدرج العرب في وضعها واستلزم بعضها ~~بعضا. ~~(2) # العرب والقرآن والإسلام وما كان من تأثير القرآن في نفوس العرب واكتفائهم ~~به دون سواه. ~~(3) # ما جر إليه ذلك الاكتفاء من إحراق ما عثروا عليه من كتب الأقدمين ~~وخصوصا مكتبة الإسكندرية. ~~(4) # في الرومان والإسلام والعلم، وإن الذين يقابلون بين الرومان والعرب في ~~أسباب التمدن يظلمون العرب، وإنه يجب أن يقابل بين الرومان والإسلام. ~~(5) # أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم، وما السبب في ذلك. ~~(6) # تدوين العلم في الإسلام وعلة إمساك العرب عن تدوينه إلى آخر القرن الأول ~~للهجرة. ~~(7) # الخط العربي وتاريخه، ووضع الحركات والإعجام وما الذي دعا إلى ذلك. # ولما فرغنا من هذه المقدمات انتقلنا إلى البحث في العلوم الإسلامية، وقسمناها إلى: ~~العلوم الشرعية الإسلامية أي الدينية، والعلوم اللسانية أو اللغوية، والعلوم التاريخية، ~~وابتدأنا من العلوم الشرعية بالقرآن وتاريخ جمعه وتدوينه وقراءته وتفسيره وتأثير أسلوبه ~~في النفوس، ثم الحديث وما دعا إلى وضعه وإسناده وعدده، ثم الفقه ومصادره، والفقهاء ~~والرأي والقياس ومنزلة الفقهاء عند الخلفاء، وكيف ترتبت تلك العلوم بعضها على بعض، ثم ~~انتقلنا إلى العلوم ms0366 اللسانية وبينا أنها مما اقتضاه الإسلام، وفصلنا الأسباب ~~التي دعت إلى وضع النحو، وذكرنا تاريخ الأدب واللغة في البصرة والكوفة وبغداد وعلاقة ~~ذلك بالسياسة، ونشرنا فصلا في بلاغة الإنشاء وتاريخها ومصيرها وأسبابها الفلسفية، ثم ~~أتينا إلى التاريخ والجغرافية، فبينا الأسباب التي دعت إلى وضعهما وميزتهما في ~~اللسان العربي عما في سائر الألسنة. # ثم ذكرنا الآداب العربية الجاهلية، وهي الخطابة والشعر وما كان للإسلام من التأثير ~~فيهما، وما نسبة الخطابة عند المسلمين إلى خطابة الأمم الأخرى، وما كان من حال الشعر ~~وطبقاته وأسلوبه ورواته وتأثيره في الدولة وعدد الشعراء وأشعارهم. ~~••• # ثم تقدمنا إلى العلوم الدخيلة التي نقلها المسلمون إلى العربية، وتمهيدا لفهم ~~الموضوع قدمنا الكلام في تاريخ آداب الأمم التي نقلت تلك العلوم عن ألسنتهم، وأهمهم ~~اليونان والفرس والهنود والكلدان، فذكرنا أولا تاريخ آداب اللغة اليونانية، منذ اقتبس ~~اليونان العلوم من الكلدان والمصريين والفينيقيين حتى وضعوا التاريخ والفلسفة والنجوم ~~وغيرها إلى زمن الإسلام، وتوسعنا خصوصا في تاريخ الفلسفة وما مرت به من الأدوار إلى ~~سقراط فأفلاطون فأرسطو وتاريخ مؤلفات أرسطو، ثم تاريخ مدرسة الإسكندرية في عصريها ~~اليوناني والروماني إلى الفتوح الإسلامية، ثم ذكرنا آداب اللغة الفارسية وما كان من ~~تأثير آداب اليونان عليها في مدرسة جنديسابور وغيرها، وبينا نحو ذلك في آداب الهنود ~~والسريان بأسباب متسلسلة مترابطة. # ثم انتقلنا إلى الكلام عن العرب والعلوم الدخيلة وما الذي حملهم على نقلها، وأول من ~~اشتغل فيها قبل الدولة العباسية، ثم اشتغال المنصور في نقل كتب النجوم والطب عن الهند ~~والفرس، والأسباب التي حملته على نقلهما، ثم المهدي والرشيد، وأسهبنا الكلام في المأمون ~~والفلسفة والمنطق وما الذي حمله على نقلهما، وأتينا بفصل خاص عن نقلة العلم في العصر ~~العباسي وملخص تراجمهم، وجلهم من غير المسلمين وفيهم النصراني واليهودي والصابي ~~والمجوسي والسامري، وفيهم النقلة من اليوناني أو من الفارسي أو الهندي أو النبطي، وفصل ~~في السوريين ونقل العلم بينا فيه أن السوريين ما زالوا منذ القدم ينقلون العلوم ~~بين الأمم. # ثم تقدمنا إلى ذكر الكتب ms0367 التي ترجمت في تلك النهضة بالتفصيل عن كل لغة على حدة، ~~باعتبار الموضوعات والمؤلفين، وبإزاء كل كتاب اسم ناقله، فذكرنا ما نقل عن اليونانية ~~فالفارسية فالهندية فالنبطية فالعبرانية فالقبطية، وهي تعد بالمئات، وقد نقلت بسرعة ~~لم تتفق لأمة من الأمم، فذكرنا الأسباب التي ساعدت على تلك السرعة، وفي جملتها محاسنة ~~الخلفاء للعلماء غير المسلمين، ثم بحثنا في انتشار العلوم الدخيلة في المملكة الإسلامية ~~ونبوغ الفلاسفة والأطباء في الأنحاء المتباعدة، واشتغال الخلفاء والأمراء أنفسهم بالعلم ~~وتنشيط العلماء وتأليف الكتب لهم، وما كانوا يبذلونه في هذا السبيل، ثم بحثنا في ~~المؤلفين وكثرتهم والمؤلفات وتعدادها وضخامتها. # ثم نظرنا في تأثير التمدن الإسلامي في هذه العلوم، فبدأنا بالفلسفة وما ترتب ~~عليها من علم الكلام وتاريخ تنقلها في ممالك المشرق، وما كان من اضطهاد الخلفاء ~~لأصحابها بعد النهضة العباسية حتى تألفت الجمعيات السرية، ومن جملتها جمعية إخوان ~~الصفا، وكيف انتقلت رسائلهم إلى الأندلس وما كان من تاريخ الفلسفة هناك، ثم تاريخ ~~الطب الإسلامي والفرق بينه وبين الطب اليوناني أو الفارسي أو الهندي، وأنه جامع بينها ~~كلها، وأحصينا الأطباء المسلمين وتاريخ المارستانات في الإسلام، ثم نظرنا فيما أدخله ~~المسلمون من عند أنفسهم في الطب وفروعه كالكيمياء والصيدلة والنبات وغيرها، ثم تاريخ ~~النجوم أو الفلك في الإسلام، وتاريخ المراصد عندهم والفرق بين التنجيم والنجوم، ومن نبغ ~~من علماء الفلك في الإسلام، وما أحدثوه من الآراء الجديدة وآلات الرصد الجديدة، وما ~~يلحق بذلك من الرياضيات كالحساب والجبر والهندسة، ثم تاريخ الفنون الجميلة، وأن ~~المسلمين لم يقصروا فيها كما ظن الأكثرون، وختمنا الكلام في المدارس وتاريخ ~~تأسيسها وأسبابه، ثم المكتبات عندهم وعدد ما حوته من الكتب، مما يدل على فخامة العلم في ~~ذلك التمدن العجيب، وبذلنا الجهد في تحقيق كل عبارة وتمحيص كل رأي، بما يبلغ إليه ~~الإمكان ويأذن به المكان. # ونغتنم هذه الفرصة للثناء على العلماء الأفاضل الذين تلقوا خدمتنا بالرضا وذكروها بما ~~هم أهله، ونخص منهم كبار المستشرقين في أوربا ممن وصل إليهم كتابنا المذكور، فقد جاءتنا ms0368 ~~كتبهم ورسائلهم بعبارات الاستحسان والتنشيط، وكتب بعضهم التقاريظ في المجلات الإفرنجية، ~~فاستحثنا ذلك على الاقتداء بهم في خدمة هذه اللغة، التي سبقونا إلى إحياء علومها ~~وآدابها ومهدوا لنا سبيل البحث فيها، فنستأذن الذين تفضلوا منهم بالكتابة إلينا أن ~~ندون أسماءهم في صدر هذا الجزء إقرارا بفضلهم، وهذه أسماؤهم بالترتيب الهجائي: # الأستاذ دي جويه # M. J. De Goeje # في ~~ليدن. # الأستاذ ديرنبرج # H. Derenbourg # في ~~باريس. # الأستاذ روزن # V. von Rosen # في بطرسبرج. # الأستاذ جولد تسيهر # I.Goldziher # في ~~بودابست. # الأستاذ جويدي # M.Guidi # في رومية. # الأستاذ مرجليوث # D. S. Margoliouth # في ~~أكسفورد. # | علوم العرب قبل الإسلام # تمهيد في جزيرة العرب وأهلها # جزيرة العرب شحيحة المياه كثيرة الصحاري والجبال، فلم يشتغل أهلها بالزراعة لجدب ~~الأرض، والإنسان وليد الإقليم الذي ينشأ فيه، وقد نشأ العرب على ما تقتضيه البلاد ~~المجدبة من الارتزاق بالسائمة والرحيل في طلب المرعى، فغلبت البداوة على الحضارة فيهم، ~~وانصرف أكثر همهم إلى تربية الماشية وهي قليلة بالنظر إلى احتياجاتهم منها، فنشأ بينهم ~~التنازع عليها، وجرهم التنازع إلى الغزو، واضطرهم الغزو إلى الانتقال بخيامهم وأنعامهم ~~من نجع إلى نجع، ومن صقع إلى صقع، ليلا ونهارا، وجوهم صاف وسماؤهم واضحة، فعولوا في ~~الاهتداء إلى السبل على النجوم ومواقعها، واحتاجوا في مطاردة أعدائهم إلى استنباط ~~الأدلة للكشف عن مخابئهم، فاستنبطوا قيافة الأثر، وألجأهم ذلك أيضا إلى توقي حوادث ~~الجو من المطر والأعاصير ونحوها، فعنوا بالتنبؤ عن حدوث الأمطار وهبوب الرياح قبل ~~حدوثها، وهو ما يعبرون عنه بالأنواء ومهاب الرياح. # ودعاهم الغزو من الناحية الأخرى إلى العصبية لتأليف الأحزاب، فاهتموا بالأنساب التي ~~يترابطون بها، والارتحال في الغزو ونحوه يقتضي العناية بالسلاح والخيل، ولو كانوا أهل ~~حضارة لأتقنوا صنع السلاح، وأما الخيل فبرعوا في تربيتها وانتقائها ومعالجة ~~أمراضها. # والعرب إخوان الكلدانيين والبابليين والفينيقيين وغيرهم من أركان التمدن القديم، فهم ~~أهل ذكاء وتعقل، لو سكنوا وادي الفرات، أو وادي النيل لكان منهم ما كان من أولئك، أو ما ~~كان من جيرانهم التبابعة، ولكنهم أقاموا في بادية ms0369 صفا جوها وأشرقت سماؤها، فصفت ~~أذهانهم وانصرفت قرائحهم إلى قرض الشعر، يصفون به وقائعهم أو يبينون به أنسابهم أو ~~يعبرون به عن عواطفهم، وقويت فيهم ملكة البلاغة، فبرعوا في إلقاء الخطب يستنهضون بها ~~الهمم، أو يدعون إلى الحرب أو السلم أو للمفاخرة أو المنافرة ... ولولا ما في فطرتهم من ~~الذكاء والتعقل لما ظهر منهم أكثر مما ظهر من جيرانهم سكان صحراء العدوة الغربية من ~~البحر الأحمر، فإنهم ما زالوا من حيث المدنية على نحو ما كانوا عليه منذ قرون، وشأن ~~جاهلية العرب من هذا القبيل شأن جاهلية اليونان في عصر هوميروس، فلما تمدن العرب أتوا ~~بمثل ما أتي به أولئك. # على أن العرب لم يسلموا مما وقع فيه معاصروهم من الأمم العظمى، من الاعتقاد في ~~الكهانة والعرافة وزجر الطير وخط الرمل وتعبير الرؤيا، مما ينجم عن جهل أسباب الحوادث ~~مع رغبتهم في تعليل بواعثها، ولذلك فقد كثر عندهم الكهان والعرافون ونحوهم. # فالعلوم التي كانت شائعة في جزيرة العرب قبل الإسلام ضرورية باعتبار طبيعة ذلك ~~الإقليم وطبائع أهله، وقد سميناها علوما بالقياس على ما يماثلها عند الأمم الأخرى في ~~عصر العلم، وإلا فالعرب الجاهليون لم يتعلموها في المدارس ولا قرأوها في الصحف ولا ~~ألفوا فيها الكتب؛ لأنهم كانوا أميين لا يقرأون ولا يكتبون، وإنما هي معلومات تجمعت ~~في محفوظهم بتوالي الأجيال بالاقتباس والاستنباط، وتنوقلت في الأعقاب وما زالت تنمو ~~وتتزايد حتى بلغت عند ظهور الإسلام بضعة عشر علما، بعضها من قبيل الطبيعيات والبعض ~~الآخر من قبيل الرياضيات أو الأدبيات ، أو الكهانة أو ما يتعلق بذلك، ولو أردنا التوسع ~~في وصفها لضاق بنا المقام فنذكرها على سبيل الاختصار. # وإذا أمعنا النظر في مصادر تلك العلوم رأينا بعضها خاصا بالعرب وقد نشأ عندهم، ~~والبعض الآخر دخيل اقتبسوه من الأمم الأخرى ... فالعلوم العربية هي: الأنساب، والشعر، ~~والخطابة، والدخيلة هي: النجوم، والطب، والأنواء، والخيل، ومهاب الرياح، والميثولوجيا، ~~والكهانة، والعيافة، والقيافة، وغيرها كما سترى فيما يلي: ~~(1) علم النجوم عند العرب # الكلدان أساتذة العالم في علم النجوم، ms0370 وهم وضعوا أسسه ورفعوا أعمدته، ساعدهم على ذلك ~~صفاء سمائهم وجفاف هوائهم واستواء آفاقهم، فرصدوا الكواكب وعينوا أماكنها ورسموا ~~الأبراج ومنازل القمر والشمس، وحسبوا الخسوف والكسوف بآلات فلكية منذ بضعة وأربعين ~~قرنا، وعنهم أخذ اليونان والهنود والمصريون وغيرهم من أهل التمدن القديم. # وما زال الكلدان أو البابليون أهل دولة وسلطان إلى أوائل القرن الثامن قبل الميلاد، ~~فسطا عليهم الآشوريون فلم يؤثر ذلك شيئا في آدابهم الاجتماعية لتشابه الشعبين لغة ~~ودينا، فلما كان القرن الخامس قبل الميلاد سطا عليهم الفرس وفتحوا بلادهم وبدلوا ~~آلهتهم واستبدوا فيهم، فثقل ذلك عليم وضاقت الأرض بهم، فهاجر كثيرون منهم إلى ما جاورهم ~~من البلاد وخصوصا بلاد العرب؛ لأنها كانت حمى المهاجرين من العراق ومصر والشام، ~~لامتناعها على الجنود بالصحاري الرمضاء ولسهولة الإقامة عليهم هناك لقرب لسان العرب من ~~لسانهم. # وكان في جملة المهاجرين إليها جماعة من الكهان وأصحاب النجوم، فتعلم العرب منهم ~~أحكامها وأخذوا عنهم أسماءها، وتعلموا منهم مواقع الأبراج ومناطقها ومنازل القمر ~~والشمس، وربما كان لهم علم بشيء من أحكامها من عند أنفسهم، أو مما وصل إليهم من طريق ~~الهند أو غيرها، ولكن يقال بالإجمال: إن العرب مدينون بعلم النجوم للكلدان، وهم ~~يسمونهم الصابئة - والصابئة إن لم يكونوا الكلدان أنفسهم فهم خلفاؤهم أو تلامذتهم، # 1 # وكان الصابئة كثيرين في بلاد العرب، ولهم مثل منزلة النصارى أو اليهود، ~~فأخذ العرب عنهم علم النجوم باصطلاحاته وأسمائه، وإن كان معظم أسماء السيارات لا يرد ~~إلى أصله الكلداني، فربما كان له أسباب عارضة ضاعت أخبارها. # على أن بعضها لا يزال أصله الكلداني ظاهرا فيه، كالمريخ مثلا فإنها تقابل «مرداخ» ~~الكلدانية لفظا ومعنى، ولكن معظم تلك الأسماء قد ضاعت المشابهة اللفظية بينها وبقيت ~~المشابهة المعنوية، فإن «زحل» معناه في العربية الارتفاع والعلو، وهي نفس دلالة ~~«كاون» اسم هذا السيار في الكلدانية، وأما الأبراج ومنازل القمر فلا تزال كما كانت عند ~~الكلدان لفظا ومعنى - وإليك أسماء الأبراج عند كليهما: # أسماؤها العربية # أسماؤها الكلدانية # الحمل والكبش # أمرا # الثور # ثورا # الجوزاء أو ms0371 التوأمان # تامي # السرطان # سرطان # الأسد # أربا # السنبلة # شبلتا # العقرب # ماساثا # الميزان # عقربا # القوس أو الرامي # قشتا # الجدي # كديا # الدلو # دولا # الحوت أو السمكة # نونا # وأما منازل القمر والشمس فقد تبدل بعض أسمائها كما أصاب السيارات، ولكن العبرة ~~بالأكثر في قواعد هذا العلم ومصطلحاته، فإنها عند العرب كما كانت عند الكلدان تماما، ~~حتى لفظ «منازل القمر» فإن هذا التعبير هو نفس ما كان يعبر به الكلدان عن هذه المنازل، ~~وقد أبدلته الأمم الأخرى التي أخذت هذا العلم عن الكلدان بتعبير آخر، إلا العرب ~~واليهود. # ومعرفة العرب بالنجوم مشهورة، فقد رأيت أنهم عرفوا السيارات والأبراج، وعرفوا عددا ~~كبيرا من الثوابت، ولهم في ذلك مذهب يختلف عن مذاهب المنجمين في الأمم الأخرى، # 2 # وفي قدم أسماء تلك النجوم في العربية دليل على قدم معرفة العرب بها ~~وبمواقعها، مثل: بنات نعش الكبرى والصغرى، والسها، والظباء، والربع، والرابض، والعوائذ، ~~والذئبين، والنثرة، والفرقد، والقدر، والراعي، وكلب الراعي، والأغنام، والرامح، ~~والسماك، وعصا الضياع، وأولاد الضياع، والسماك الرامح، وحارس السماء، والأظفار، ~~والفوارس، والكف المخضب، والخباء، والعيوق، والعنز، والجديين، وغيرها. # أما منازل القمر فقد قسموها إلى ثمانية وعشرين قسما، خلافا لما كان عند الهنود ~~فإنها 27 قسما عندهم، وأراد العرب منها غير ما أراده أولئك، إذ كان مرادهم منها ~~معرفة أحوال الهواء في الأزمنة، وحوادث الجو في فصول السنة؛ لأنهم كانوا أميين فلم ~~تمكنهم معرفتها إلا بشيء يعاين فاستعانوا عليها بالكواكب، كما سترى في الكلام على ~~الأنواء، وإليك أسماء منازل القمر في العربية، وهي 28: # الثريا # الجبهة # الإكليل # سعد السعود # الدبران # الزبرة # القلب # سعد الأخبية # الهقعة # الصرفة # الشولة # الفرغ المقدم # الهنعة # العواء # النعائم # الفرغ المؤخر # الذراع # السماك # البلدة # بطن الحوت # النثرة # الغفر # سعد الذابح # الشرطان # الطرف # الزبانيان # سعد بلع # البطين # وكان العرب إذا عدوا المنازل بدأوا بالشرطين، لأسباب تتعلق بإقليمهم، وقد بالغ ~~المتعصبون للعرب في صدر الدولة العباسية في براعة العرب في النجوم، وفي جملة المتعصبين ~~ابن قتيبة، فقد قال في كتابه «تفضيل العرب على العجم» أن العرب أعلم بالكواكب ms0372 ~~ومطالعها ومساقطها. # 3 # ومع اعترافنا بما في ذلك من المبالغة، فإننا نستدل منه على توسع العرب في هذا ~~العلم. # ولا غرابة في إتقانهم معرفة النجوم ومواقعها، فإنها كانت دليلهم في أسفارهم وأكثر ~~أحوالهم، فكانوا إذا سألهم سائل عن الطريق المؤدي إلى البلد الفلاني قالوا: «عليك بنجم ~~كذا وكذا» فيسير في جهته حتى يجد المكان، وربما استعانوا على ذلك أيضا بذكر مهاب ~~الرياح يعبرون بها عن الجهات، ومن أمثلة ذلك أن سليك ~~بن سعد سأل قيس بن مكشوح المرادي أن يصف له منازل ~~قومه ثم هو يصف له منازل قومه، فتوافقا وتعاهدا ألا يتكاذبا، فقال قيس بن المكشوح: «خذ ~~بين مهب الجنوب والصبا، ثم سر حتى لا تدري أين ظل الشجرة، فإذا انقطعت المياه فسر ~~أربعا، حتى تبدو لك رملة وقف بينها الطريق، فإنك ترد على قومي مراد وخثعم». # فقال السليك: «خذ بين مطلع سهيل ويد الجوزاء اليسرى العاقد لها من أفق السماء، فثم ~~منازل قومي بني سعد بن زيد مناة»، واشتهر في جاهلية العرب في إتقان النجوم جماعة، منهم ~~بنو مارية بن كلب، وبنو مرة بن همام الشيباني. # 4 ~~(2) الأنواء ومهاب الرياح # يراد بالأنواء عندهم ما يقابل علم الظواهر الجوية عندنا، مما يتعلق بالمطر والرياح، ~~ولكنهم كانوا ينسبون الظواهر المذكورة إلى طلوع الكواكب أو غروبها، ولذلك كان علم ~~الأنواء فرعا من علم النجوم، وكانوا يسمون طلوع المنزلة نوءها؛ أي نهوضها، وسموا تأثير ~~الطلوع بارحا وتأثير السقوط نوءا، ومن طلوع كل واحدة منها إلى طلوع التي تليها ثلاثة ~~عشر يوما، سوى الجبهة فإن بين طلوعها وطلوع التي تليها 14 يوما، ومن أقوالهم في ~~ذلك: # والدهر فاعلم كله أرباع # لكل ربع واحد أسباع # وكل سبع لطلوع كوكب # ونوء نجم ساقط في المغرب # ومن طلوع كل نجم يطلع # إلى طلوع ما يليه أربع # من الليالي ثم تسع تتبع # ثم اختلفوا فيها، فزعم بعضهم أن كل تأثير يكون بعد طلوع منزلة إلى طلوع التي تتلوها ~~فهو منسوب إليها، وزعم آخرون أن لطلوع كل واحدة ms0373 وسقوطها مقدارا من الزمن ينسب إليها ~~يكون فيه، فإذا انقضت تلك المدة لم ينسب إليها ما ~~يكون بعدها، وكانوا إذا تحقق التأثير فلم يظهر منه شيء في تلك الأزمنة قالوا: خوى ~~النجم، أو خوت المنزلة - يعنون بذلك مضت مدة نوء ولم يكن فيه مطر أو حر أو برد أو ريح، # 5 # ومن أمثالهم «أخطأ نوؤك» يضرب لمن طلب حاجة فلم يقدر عليها. # 6 # وكانوا إذا أمطرت السماء نسبوا المطر إلى تأثير النجم المتسلط في ذلك الوقت، فيقولون ~~مثلا: مطرنا بنوء المجرة، أو هذا نوء الخريف، مطرنا بالشعرى، وقالوا: إن النوء سقوط ~~نجم ينزل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه في الشرق من أنجم المنازل، ولذلك كانت ~~الأنواء 28 نوءا أو نجما، كانوا يعتقدون أنها هي علة الأمطار والرياح والحر والبرد، ~~وفي أشعارهم أمثلة كثيرة تدل على علاقة أحوال الجو أو فصول السنة باقترانات الكواكب أو ~~طلوعها، وقد نظموها شعرا ليسهل حفظها على الناس لقلة الكتابة عندهم، من ذلك ~~قولهم: # إذا ما قارن القمر الثريا # لثالثة فقد ذهب الشتاء # وقول الآخر: # إذا ما البدر تم مع الثريا # أتاك البرد أوله الشتاء # وقول الآخر: # إذا ما قارن الدبران يوما # لأربع عشرة قمر التمام # فقد حف الشتاء بكل أرض # فوارس مؤذنات باحتدام # وحلق في السماء البدر حتى # يقلص ظل أعمدة الخيام # وذلك في انتصاف الليل شطرا # ويصفو الجو من كدر الغمام # وقول الآخر: # إذا ما هلال الشهر أول ليلة # بدا لعيون الناس بين النعائم # أتتك رياح القر من كل وجهة # وطاب قبيل الصبح كور العمائم # وقول الآخر: # وقد برد الليل التمام بأهله # وأصبحت العواء للشمس منزلا # 7 # وكان عندهم لمطلع كل كوكب أو منزل وصف يدل على تأثير ذلك في الطقس على اعتقادهم، ومن ~~هذا القبيل اعتقادهم تأثير النجوم في أعمال البشر على ما كان عند الكلدان # 8 # على أنهم كثيرا ما كانوا يستدلون على المطر أيضا بألوان الغيوم ~~وأشكالها، فأقل الغيوم مطرا عندهم البيضاء ثم الحمراء ثم السوداء، ومن أقوالهم: ~~«السحابة البيضاء ms0374 جفل، والحمراء عارض، والسوداء هطلة». # 9 # وكان العرب في حاجة إلى معرفة مهاب الرياح للاهتداء بها في أسفارهم، ولذلك فقد وضعوا ~~لها الأسماء، ولكنهم اختلفوا في عدد جهاتها، فحسبها بعضهم ستة، والبعض الآخر أربعة، ~~فأصحاب القول الثاني يعدونها: ~~(1) # مهب الصبا من الشمال. ~~(2) # مهب الشمال من المغرب. ~~(3) # مهب الدبور من الجنوب. ~~(4) # مهب الجنوب من المشرق. # ويزيد عليها أصحاب القول الأول: النكباء بجانب الشمال، والمحوة بجانب الجنوب، وإليك ~~قول ذي الرمة في ذلك: # أهاضيب أنواء وهيفان جرتا # على الدار أعراف الجبال الأعافر # وثالثة تهوي من الشام حرجف # لها سنن فوق الحصى بالأعاصر # ورابعة من مطلع الشمس أجفلت # عليها بدقعاء المعا فقراقر # تحثثها النكب السوافي فأكثرت # حنين اللقاح القاريات العواشر # 10 ~~(3) الميثولوجيا # ومما يلحق بعلم النجوم أيضا ما يعبر عنه الإفرنج بالميثولوجيا، وهي عبارة عما ~~كانوا يزعمون وقوعه بين الكواكب - أو هي الآلهة عندهم - من الحروب أو الزواج أو نحو ذلك ~~مما يجري على البشر على نحو ما ذكروه عن آلهة اليونان، فالعرب ألهوا الأجرام السماوية ~~وعبدوها، وقلما ضاع خبر ذلك لعدم تدوينه، على أننا نستدل عليه من بعض ما وصل إلينا من ~~أسماء أصنامهم وعبادة بعض رجالهم، فاللات اسم للزهرة، وقد اشتهر كثيرون بعبادتها وعبادة ~~الشمس والقمر والشعرى، وكانوا يتناظرون في أفضلية بعضها على بعض، قالوا: «وأبو كبشة أول ~~من عبد الشعرى، وكان يقول: الشعرى تقطع السماء عرضا، ولا أرى في السماء شمسا ولا ~~قمرا ولا نجما يقطع السماء عرضا غيرها». # أما تشخيص تلك الأجرام وإنزالها منزلة البشر فقد كان معروفا عند العرب، ومن الأقاصيص ~~الميثولوجية التي كانوا يتناقلونها أن الدبران خطب الثريا وأراد القمر أن يزوجه منها، ~~فأبت عليه وولت عنه وقالت للقمر: ما أصنع بهذا السبروت الذي لا مال له؟ فجمع الدبران ~~قلاصه يتمول بها، فهو يتبعها حيث توجهت يسوق صداقها قدامه - يعنون القلاص، وأن الجدي ~~قتل نعشا فبناته تدور به تريده، وأن سهيلا ركض الجوزاء فركضته برجلها فطرحته حيث ~~هو، وضربها هو بالسيف فقطع وسطها، وأن الشعرى اليمانية كانت ms0375 مع الشعرى الشامية ~~ففارقتها وعبرت المجرة، فسميت الشعرى العبور، فلما رأت الشعرى اليمانية فراقها إياها ~~بكت عليها حتى غمصت عيناها، فسميت الشعرى الغميصاء. # 11 # ومن هذا القبيل تأليههم بعض المشاهير من الملوك أو القواد أو الأسلاف، واعتبار البعض ~~الآخر من نتاج الملائكة أو الجان، فعندهم مثلا أن بلقيس كانت أمها جنية، وأن ~~جرهما كان من نتاج الملائكة وبنات آدم، وكذلك كان ذو القرنين عندهم أمه آدمية وأبوه من الملائكة، # 12 # وأما أصل هذه الاعتقادات فإما هندي أو يوناني أو مصري، أما الكلدان فقلما ~~كانت لهم عناية بأمثال ذلك. ~~(4) الكهانة والعرافة # هما لفظان لمعنى واحد، وفرق بعضهم بينهما فقال: إن الكهانة مختصة بالأمور ~~المستقبلة، والعرافة بالأمور الماضية، وعلى كل حال فالمراد بهما التنبؤ واستطلاع الغيب، ~~على أن العرب كانوا يعتقدون في الكاهن القدرة على كل شيء، فكانوا يستشيرونه في ~~حوائجهم، ويتقاضون إليه في خصوماتهم، ويستطبونه في أمراضهم، ويستفتونه فيما أشكل ~~عليهم، ويستفسرون منه رؤاهم، ويستنبئونه عن مستقبلهم، وبالجملة: فالكهان عندهم هم أهل ~~العلم والفلسفة والطب والقضاء والدين، شأن تلك الطبقة من البشر عند سائر الأمم القديمة ~~في بابل وفينيقية ومصر وغيرها. # والكهانة من العلوم الدخيلة على العرب، جاءتهم من بعض الأمم المجاورة لهم، والغالب في ~~اعتقادنا أن الكلدان حملوها إليهم مع علم النجوم، ويؤيد ذلك أن الكاهن يسمى في ~~العربية أيضا «حازى» أو «حزاء»، وهو لفظ كلداني معناه الاشتقاقي الناظر أو الرائي أو ~~البصير، وهو يدل عندهم على الحكيم والنبي، وأما لفظ «الكاهن» فقد اقتبسه العرب بعدئذ من ~~اليهود الذين نزحوا إليهم على أثر ما أصابهم من النكبات في أورشليم (بيت المقدس)، ~~وخصوصا بعد خرابها على يد الإمبراطور الروماني طيطس سنة 70 للميلاد، وقد أخذ عنهم ~~العرب كثيرا من الآداب والعادات مما لا يدخل في بحثنا، وأما الكهانة فأصلها من عند ~~الكلدان، ولعل الذين حملوا علم النجوم إلى العرب هم الكهنة الكلدانيون أنفسهم، فكانت ~~الكهانة في جملة ما حملوه إليهم، ويؤيد ذلك أن العرب كانوا يطلقون لفظ الحزاء على ~~الكاهن والمنجم ms0376 # 13 # على أن أهل بابل ما زالوا يتواردون على بلاد العرب إلى ما بعد الإسلام، ~~والعرب يجلونهم لعلمهم وتعقلهم. # فالعرب كانوا يعتقدون في الكهنة العلم بكل شيء، وأن ذلك يأتيهم بواسطة الأرواح، فمن ~~كان منهم يعتقد التوحيد نسب ذلك إلى استطلاع الغيب عن أفواه الملائكة، وإذا كان من عبدة ~~الأصنام اعتقد حلول الأرواح في الأصنام وبوحها بأسرار الطبيعة للكهان والسدنة، فيقول ~~العرب: إن الأصنام تدخلها الجن (أي الأرواح) وتخاطب الكهان، وإن الكاهن يأتيه الجني ~~بخبر السماء وربما عبروا عنه بالهاتف، ومن أقوالهم: «الأحبار من اليهود، والرهبان من ~~النصارى، والكهان من العرب». # فكل ما كان يصنعه الكاهن إنما مصدره الغيب، فإذا استطبه مريض من ريح أو صداع عالجه ~~بالرقى، وإذا استشير في معضلة خط في الرمل أو نفث في العقد، وإذا حكمه متخاصمان رمى ~~لهما بالقداح، وإذا استطلع عن سرقة أخذ قمقمة جعلها بين يديه ونفث فيها، ونحو ذلك من ~~الحركات الوهمية، وإذا استفسر عن رؤيا تمتم وتظاهر باستطلاع الغيب. # قلنا: إن الكهانة أتت العرب من بين النهرين، فالكهان القدماء كانوا في الغالب ~~كلدانيين (أو صابئة في قولهم) وكان العلم كله عندهم، ثم تعدد الكهنة من اليهود وغيرهم، ~~ثم ما لبث العرب أنفسهم أن أخذوا ذلك عنهم، فنشأ الكهان منهم، على أن بعض العرب ~~اقتصروا فيما تناولوه على علم دون آخر، فكان بعضهم يتعاطى الطب فقط، وبعضهم تعبير ~~الرؤيا أو القيافة أو القضاء. # الكهان # واشتهر في بلاد العرب جماعة كبيرة من الكهان والكواهن، أقدمهم شق وسطيح وحكايتهما ~~أشبه بالخرافات منها بالحقائق، فعندهم أن الأول كان شق إنسان (أي نصفه) بيد واحدة ~~ورجل واحدة وعين واحدة، وأن سطيحا كان لحما يطوى كما يطوى الثوب، لا عظم فيه غير ~~الجمجمة ووجهه في صدره، ويزعمون أن هذين الكاهنين عاشا بضعة قرون، إلى غير ذلك من ~~الأوهام، ومن الكهان الذين نبغوا في النهضة العربية قبل الإسلام خنافر بن التوأم ~~الحميري، وسواد بن قارب الدوسي، وفيهم من يعرفون بما ينسبون إليه من البلاد أو ~~القبائل، كقولهم: ms0377 كاهن قريش، وكاهن اليمن، وكاهن حضرموت، وغيرهم. # ويقال نحو ذلك في العرافين، وأكثرهم ينسبون إلى بلدانهم وقبائلهم، كعراف هذيل، ~~وعراف نجد، وأشهرهم عراف اليمامة، شهره عروة بن حزام ببيت قاله فيه - وكذلك الشعراء ~~يشهرون ممدوحيهم - وهو قوله: # أقول لعراف اليمامة داوني # فإنك إن داويتني لطبيب # وأما الكواهن من النساء فإنهن عديدات، منهن طريفة كاهنة اليمن وهي أقدمهن، وإليها ~~ينسبون الإنذار بخراب سد مأرب وإتيان سيل العرم، وزبراء بين الشحر وحضرموت، وسلمى ~~الهمدانية الحميرية، وعفيراء الحميرية، وفاطمة الخثعمية بمكة، وزرقاء اليمامة، ~~وغيرهن ينسبن إلى القبيلة أو المدينة، ككاهنة بني سعد، يزعمون أنها أقدم عهدا من ~~شق وسطيح وأنها استخلفتهما، # 14 # وما زالت الكهانة في العرب حتى جاء الحديث في أبطالها وهو: «لا كهانة ~~بعد النبوة». # 15 # وكان للكهان عند العرب لغة خاصة، تمتاز بتسجيع معين يعرف بسجع الكهان، مع تعقيد ~~وغموض، ولعلهم كانوا يتوخون ذلك للتمويه على الناس بعبارات تحتمل غير وجه، كما ~~يفعل بعض مشايخ التنجيم في هذه الأيام، حتى إذا لم يصدق تكهنهم جعلوا السبب قصور ~~الناس في فهم قول الكاهن. # ومن أمثلة سجع الكهان ما يروونه عن طريفة كاهنة اليمن، حين خاف أهل مأرب سيل ~~العرم وعليهم مزيقياء عمر بن عامر، فإنها قالت لهم: «لا تؤموا مكة حتى أقول، وما ~~علمني ما أقول إلا الحكم المحكم، رب جميع الأمم من عرب وعجم». قالوا لها: «ما شأنك ~~يا طريفة؟» قالت: «خذوا البعير الشذقم، فخضبوه بالدم، تكن لكم أرض جرهم، جيران بيته المحرم». # 16 # القيافة # ومن قبيل الكهانة أيضا القيافة، لكنها تختص بتتبع الآثار والاستدلال منها على ~~الأعيان، وهي قسمان: قيافة الأثر، وقيافة البشر، والأولى تختص بتتبع آثار الأقدام ~~أو الحوافر أو الأخفاف، والاستدلال من آثارها في الرمال أو التراب على أصحابها، ~~والفائدة من ذلك الاهتداء إلى الفار من الناس أو الضال من الحيوان، وقد أتقن ~~العرب ذلك حتى فرق بعضهم بين أثر قدم الشاب والشيخ، وقدم الرجل والمرأة، والبكر ~~والثيب، وأما قيافة البشر فهي الاستدلال بهيئات أعضاء الشخصين على ms0378 المشاركة ~~والاتحاد بينهما في النسب والولادة وسائر أحوالهما، وهي من قبيل الفراسة. # وكانت القيافة شائعة في العرب ثم اختصت بعض القبائل بها دون البعض الآخر، وأشهر ~~العرب بقيافة الأثر بنو مدلج وبنو لهب، ولا تزال هذه القيافة شائعة إلى اليوم في ~~بعض قبائل نجد، ويقال: إنهم بنو مرة وهم أعلم الناس بها، حتى لقد يعرف أحدهم ~~الإنسان من أثره، وربما نظر إلى أثر بعير فقال: هذا بعير فلان، وكثيرون منهم يميزون ~~بين العراقي والشامي والمصري والمدني. # والفراسة كانت شائعة في العرب، وكانت لهم فيها براعة يستدلون بهيئة الإنسان ~~وأشكاله وألوانه وأقواله على أخلاقه ومناقبه، وهي من قبيل الذكاء وسرعة الخاطر ~~وسجية طبيعية. # ومن قبيل الكهانة تعبير الرؤيا، وكان معروفا عند العرب، وكانوا يفزعون إلى ~~الكهان في تفسير الأحلام، على أن كثيرين من غير الكهان كانوا يتعاطونها، أشهرهم ~~أبو بكر الصديق. # 17 # ومن هذا القبيل زجر الطير وخط الرمل، وقد أغضينا عنهما لضيق المقام. ~~(5) الطب في الجاهلية # الطب من جملة العلوم التي وضع أساسها الكلدان كهنة بابل، وهم أول من بحث في علاج ~~الأمراض، فكانوا يضعون مرضاهم في الأزقة ومعابر الطرق، حتى إذا مر بهم أحد أصيب بذلك ~~الداء فيعلمهم بسبب شفائه، فيكتبون ذلك على ألواح يعلقونها في الهياكل، ولذلك كان ~~التطبيب عندهم من جملة أعمال الكهان. # وعن الكلدان أخذت الأمم القديمة وفي جملتها العرب، وهو متشابه عند تلك الأمم في مصر ~~وفينيقية وآشور، ثم تناوله اليونان فأتقنوه ورتبوا أبوابه، وعنهم أخذ الرومان والفرس، ~~ونظرا لمعاصرة العرب لهذه الدول فقد اقتبسوا شيئا من طبها أضافوه إلى ما جاءهم به ~~الكلدان، وإلى ما استنبطوه من عند أنفسهم بالاختبار، فتألف من ذلك ما عبرنا عنه «بالطب ~~في الجاهلية» ولا يزال كثير منه باقيا إلى اليوم في قبائل البادية. # وكان للتطبيب عندهم طريقتان: الأولى، طريقة الكهان والعرافين، والثانية: طريقة العلاج ~~الحقيقية، فالكهان كانوا يعالجون بالرقى والسحر كما تقدم، أو بذبح الذبائح في الكعبة ~~والدعاء فيها، أو بالتعازيم أو نحو ذلك. # وكان التطبيب بالرقى شائعا ms0379 في الأمم القديمة كلها، وقد وجدوا في الآثار المصرية ~~كثيرا من العزائم، التي كانوا يصفونها لمعالجة المرضى، وجاء من أخبارهم أن كاهنهم ~~كان إذا سار لمعالجة مريض صحبه خادمان أحدهما يحمل كتاب العزائم، والثاني يحمل صندوق ~~العقاقير الطبية، وهم يعالجون بالاثنين جميعا. # وكانوا يوجهون كلامهم في العزيمة أو الرقى إلى أحد آلهتهم وخصوصا إيزيس وأوزيريس ~~ورع، ولهم عبارات يقولونها عند صنع الأدوية وعند مناولتها للمريض، فمن أمثلة العزائم ~~التي كانوا يتلونها عند تناول الدواء: «هذا هو كتاب الشفاء لكل مريض، فهل لإيزيس أن ~~تشفيني كما شفت حوريس من كل ألم أصابه من أخيه ست حينما قتل أباه أوزيريس؟ فيا إيزيس ~~أنت الساحرة الكبيرة، اشفيني وخلصيني من كل شيء مكدر رديء شيطاني، ومن أمراض اللبسة ~~والأمراض القاتلة والخبيثة بأنواعها التي تعتريني كما خلصت ابنك حوريس ...»، # 18 # وكان عندهم عزائم لإخراج الأرواح الشريرة التي تسبب الأمراض في زعمهم، ~~فعلى هذه الكيفية كان العرب يتلون العزائم لأصنامهم ويرقون لإخراج الجان ~~والشياطين. # وكان اعتقادهم من هذا القبيل أنهم إذا خافوا وباء نهقوا نهيق الحمار، يزعمون أن ~~ذلك يمنعهم من الوباء، وأن دماء الملوك تشفي من الخبل. # وأما معالجتهم بالعقاقير فشبيهة بما كان عند المصريين وغيرهم من الأمم القديمة، فقد ~~كانوا يعالجون بالعقاقير البسيطة أو الأشربة وخصوصا العسل، فإنه كان قاعدة العلاج في ~~أمراض البطن - على أن اعتمادهم في معالجة الأمراض كان معظمه عائدا إلى الجراحة ~~كالحجامة والكي، ومن أقوالهم: «كل داء حسم بالكي آخر الأمر، وآخر الطب الكي»، وكثيرا ~~ما كانوا يعالجون بالقطع أو البتر، والغالب أن يكون ذلك بالنار، فإن النار عندهم ~~كانت تقوم مقام مضادات الفساد (المطهرات) عندنا، فإذا أرادوا فصل عضو حموا شفرة بالنار ~~وقطعوه بها، كما فعلوا بصخر بن عمرو أخي الخنساء لما نتأت قطعة من جوفه مثل الكبد على ~~أثر طعنة فأحموا له شفرة وقطعوها. # 19 # وكانوا يعالجون حول البصر بإدامة النظر إلى حجر الرحى في دورانه، ويزعمون أن ~~العين تستقيم به، ومن معالجتهم التي نعدها اليوم خرافة أن ms0380 المجروح إذا شرب الماء مات، # 20 # وإذا خافت المرأة حتى برد قلبها سقوها ماء حارا. # 21 # الأطباء # وأما الأطباء فقد كانوا في أول الأمر من الكهنة، ثم تعاطى الطب جماعة من العرب ~~ممن خالطوا الروم والفرس وأخذوا الطب عنهم فاشتهروا بهذه الصناعة، وأكثرهم من أهل ~~النهضة الأخيرة قبل الإسلام حوالي القرن السادس للميلاد، على أن بعضهم أقدم من ~~ذلك كثيرا، وأقدم أطبائها لقمان وهو حكيمهم وفيلسوفهم، وفي أصله وزمن وجوده ~~اختلاف، يليه رجل من تيم الرباب يقال له ابن حذيم، ويضربون به المثل بالحذق في الطب ~~فيقولون لمن أرادوا وصفه بذلك: أطب من ابن حذيم، وفيه يقول أوس بن حجر: # فهل لكم فيها إلي فإنني # بصير بما أعيى النطاسي حذيما # ومن أحدث أطباء الجاهلية الحارث بن كلدة توفي سنة 13 للهجرة، وهو من بني ثقيف من ~~أهل الطائف، رحل إلى أرض فارس وأخذ الطب من جنديسابور، وتعاطى صناعة الطب هناك ~~واكتسب مالا ثم عاد إلى بلاده وأقام في الطائف ونال شهرة واسعة، وقد أدرك الإسلام ~~وكان النبي يأمر من كانت به علة أن يأتيه فيستوصفه - ومنهم ابن أبي رومية التميمي، ~~والنضر بن الحارث بن كلدة. # وأكثر هؤلاء الأطباء تناولوا الطب من بلاد الفرس أو الروم، وبعضهم أخذه عن الكهان ~~أو الأحبار من الأديار ونحوها، وربما أخذوا عنهم شيئا من الفلسفة القديمة كما فعل ~~النضر المذكور، والظاهر أن بعضهم كان يخصص نفسه للأعمال الجراحية فيغلب عليه لقب ~~الجراح، وأشهر جراحي الجاهلية ابن أبي رومية التميمي، فقد كان جراحا مزاولا ~~لأعمال اليد. # 22 # ونظرا لعناية العرب بخيولهم وإبلهم كان بعض الأطباء يخصص نفسه لمعالجتها مما ~~يعبرون عنه اليوم بالبيطرة، ومن بياطرة الجاهلية العاص بن وائل. # 23 ~~(6) الشعر في الجاهلية # الشعر عن العرب الكلام المقفى الموزون، وهذا في الحقيقة تعريف النظم وليس تعريف ~~الشعر؛ لأن النظم غير الشعر، إذ قد يكون الرجل شاعرا ولا يحسن النظم، وقد يكون ~~ناظما وليس في نظمه شعر - وإن كان النظم يزيد الشعر طلاوة ووقعا في النفس. فالنظم ms0381 هو ~~القالب الذي يسبك فيه الشعر، وأما الشعر بأعم معانيه فيصعب الاختصار في تعريفه، لما ~~ينطوي تحته من أساليب التعبير وتأثيره في النفس، مما لا يستطيع أن يؤثر تأثيره الكلام ~~المرسل، والفرق بينهما أننا نعبر بالكلام المرسل عما نشاهده أو نستنتجه من أعمال الحياة ~~بالقياس أو البرهان، وأما الشعر فنعبر به عن شعورنا بالانفعالات النفسية بلا قياس ولا ~~برهان، فالكلام المرسل «لغة العقل»، والشعر «لغة النفس أو القلب». وقال بعضهم: «الشعر ~~صورة ظاهرة لحقائق غير ظاهرة». # ولذلك فالشعر قديم لم تخل منه أمة من أمم العالم قديما ولا حديثا، وهو مرآة آداب ~~الناس، وصحيفة أخلاقهم، وديوان أخبارهم، وسجل عقائدهم؛ لأن الإنسان ارتقت نفسه وتحرك ~~قلبه قبل أن يرتقي عقله وتتهذب مداركه، فتكلم بالشعر قبل أن تكلم في العلم، ولذلك كان ~~أقدم أخبار الناس من قبيل الخيال، وأقدم المحفوظ من مدونات الأمم كتب الشعر، وقد ~~دونوا فيها مشاعرهم الدينية والأدبية أو الحماسية أو غير ذلك من صور الانفعالات ~~النفسية، فالمهابهاراتة والرامايانة عند الهنود، والإلياذة والأوذيسة عند اليونان، ~~والإنيادة عند الرومان، وبعض أسفار التوراة عند اليهود، والشاهنامة عند الفرس، إنما ~~هي شعر حفظت فيها عادات تلك الأمم وأخلاقهم وأخبارهم، وخصوصا من حيث العبادة والآلهة، ~~وذلك طبيعي؛ لأن الشعر كما قلنا لغة النفس تعبر به عن انفعالها وتطلب به مشتهاها، لا ~~تقدم على ذلك برهانا ولا تطلب دليلا، والدين أكثر أعمالها حاجة إلى التسليم والإيمان ~~العاطفي القلبي. # الشعر العبراني # والشعوب السامية أكثر الأمم إعراقا في عالم الخيال، ولذلك كانوا أميل الناس إلى ~~اعتقاد التوحيد والتدين بما لا يقع تحت الحواس، ولهذا السبب أيضا كانوا أقرب الناس ~~طبعا إلى التصورات الشعرية، وترى ذلك واضحا فيما خلفوه من الآثار الشعرية، وأقدم ~~آثار الساميين من هذا القبيل التوراة، وقد وجدوا التصورات الشعرية في أقدم أسفارها، ~~فما كلام «لامك» لامرأتيه «عادة» و«صلة» في سفر التكوين (ص2354) إلا جزء من نشيد ~~ضاع ولم يبق منه إلا مطلعه، وفي أصله العبراني ما يدل على أنه شعر موزون ومقفى، ~~فهو ms0382 أقدم منظومات العبرانيين، بل أقدم الشعر المقفى في العالم على الإطلاق. # وفي التوراة أمثلة كثيرة من التصور الشعري، كقول يشوع لموسى لما سمع جلبة الشعب ~~عند نزول موسى من الجبل ولوحا الشهادة معه (خروج 32 : 17): «صوت حرب في المحلة» ~~فقال موسى: «ليس ذلك صياح ظفر ولا صياح هزيمة، بل صوت غناء أنا سامع». والمظنون ~~أن هذه الفقرة بيت قديم تمثل به موسى في تلك الحال. وقس عليه. # وهناك أسفار كلها شعر، كسفر أيوب، ويقال: إن أصله عربي، وسفر أشعيا ومزامير ~~داود وغيرها مما هو مشهور، وقد بلغ الشعر العبراني أسمى درجاته في أيام سليمان ~~الحكيم، لاستتباب الأمن وسعة الملك ورخاء العيش، وهو العصر الذهبي عند اليهود مثل ~~عصر المأمون عند العرب. وكان سليمان نفسه حكيما وشاعرا كما كان المأمون أيضا. # الشعر العربي # والعرب كالعبرانيين في استعدادهم الفطري لقرض الشعر والاستغراق في عالم الخيال؛ ~~لأنهم ساميون مثلهم، واللغة العربية أكثر استعدادا للتعبير الشعري من العبرانية ~~لما فيها من المترادف والمتوارد وأساليب المعاني والبيان، وإذا اعتبرنا الإقليم ~~والبيئة رأينا العرب أولى بالتصوير الشعري من اليهود، نظرا لانطلاقهم في الصحاري ~~واستقلالهم في أحكامهم وأفكارهم وسائر أحوالهم، ولذلك كان شعرهم أكثره من قبيل ~~الحماسة والفروسية، وأما اليهود فالذل والانكسار والتدين هي الصفات المميزة ~~لأشعارهم. # على أن الغالب في الشعر أن يكون منظوما، وإن اختلفت الأمم في كيفية نظمه، ~~فاكتفى بعضهم أن يكون موزونا غير مقفى، والبعض الآخر مقفى غير موزون، أو ~~مقفى وموزونا معا، والعرب يشترطون في شعرهم الوزن والتقفية، وإلا فهو ليس من ~~قبيل الشعر عندهم، خلافا لما هو عند إخوانهم السريان والعبران، فقد كان السريانيون ~~القدماء ينظمون بلا قافية، أي بلا التزام قافية واحدة، كأفرام السرياني وإسحاق ~~الأنطاكي وغيرهما ، # 24 # والعبرانيون لم يكونوا يشترطون هذا ولا ذاك، وربما اشترطوا القافية دون ~~الوزن؛ ولذلك لما سمعوا آيات القرآن، بما فيها من التصور الشعري الديني مع التزام ~~القافية، قالوا: هذا شعر، بالقياس على الشعر في لسانهم. # ولا ريب أن للوزن والقافية رنة تزيد المعنى ms0383 الشعري تأثيرا في النفس، لا ~~أنها هي تجعله شعرا، فالخطابة تؤثر في النفوس وتهيج العواطف، وكلامها غير موزون ~~ولا مقفى، وهي من قبيل التصورات الشعرية، وسيأتي الكلام عليها. # كيف توصلوا للنظم # فالتصورات الشعرية فطرية في العرب، أما النظم فحادث عندهم، وربما صاغوا الشعر ~~أولا بعبارات قصيرة تحفظ وتتناقل على سبيل الأمثال الحكمية ونحوها، والظاهر أنهم ~~قضوا أجيالا والنظم عندهم على سبيل الأمثال، حتى اتفق لبعضهم وهو يقول المثل أنه ~~جعله شطرين مسجوعين في مثل واحد أو مثلين متآلفين، فرأى في ذلك رنة فترنم به وأخذه ~~عنه الناس وجعلوا يتغنونه في حدوهم وإنشادهم وراء إبلهم - والغناء لسان طبيعي - ~~فأعجبتهم رنة القافية والوزن، فزادوا شطرا أو شطرين أو أكثر على قافية واحدة، وهو ~~الرجز في أبسط أحواله، وظلوا دهرا طويلا يقول شاعرهم من الرجز البيتين أو الثلاثة ~~إذا هاجت فيه قريحة الشعر لمفاخرة أو هجاء أو منافرة، وكانوا كلما نبغ فيهم نابغة ~~أدخل في النظم تحسينا، وقد ذكروا ممن حسنوا نظم الرجز العجاج والأغلب العجلي، # 25 # ولم يعينوا زمنه. # أما القصيد فأشهر من أطلق سراحه امرؤ القيس إمام الشعراء وخاله المهلهل من أهل ~~القرن الخامس للميلاد، فالمهلهل يقولون: إنه أول من قصد القصائد، وامرؤ القيس أول ~~من أطالها وتفنن في نظمها وفتح الشعر وبكى ووصف، وهو أول من شبه الخيل بالعصا ~~والقوة والسباع والظباء، # 26 # وأول من رقق النسيب وغير ذلك، ولعله تنبه لهذا التفنن في أثناء أسفاره ~~في بلاد الروم فسمع أشعارهم أو أشعار اليونان، والنبيه تنفتق قريحته بالاختلاط، ~~فزاد اختباره فأدخل في الشعر ما أدخله، وكان الشعراء الجاهليون قلما يدخلون بلاد ~~الروم، وإنما كانوا يقفون على الحدود في البلقاء عند بني غسان أو في الحيرة عند بني ~~لخم المناذرة إلا قليلا منهم، فالعرب مطبوعون على الشعر: ~~(1) # لأنهم ساميون أهل خيال من فطرتهم. ~~(2) # لأنهم سكنوا البادية وتعودوا الحرية والاستقلال. ~~(3) # لأن شؤونهم البدوية قضت بينهم بالتنازع والتنافر والتفاخر مما يشحذ ~~الأذهان ويستحث البدائه. ~~(4) # لأن لغتهم تساعدهم على النظم. # والعرب أمة قديمة ولذلك ms0384 فلا بد أن تكون قد نظمت الشعر من قديم الزمان، والواقع ~~أن أقدم ما وصل إلينا من أشعارهم لا يتجاوز القرن الثاني قبل الهجرة، فهل كان ~~العرب قبل ذلك ينظمون؟ # الغالب في اعتقادنا أنهم نظموا كما نظم العبرانيون، ولا يبعد أن يكون سفر أيوب ~~من بقايا شعرهم القديم، وقد حفظ في العبرانية وضاع أصله العربي، ولو لم يحفظ في ~~العبرانية لضاع كما ضاع غيره من منظومات العرب، لجهلهم الكتابة، ولانقطاعهم عن ~~الأمم التي كانت تعرفها في ذلك العهد. # كثرة شعر العرب # على أننا نكتفي في الاستدلال على كثرة ما نظمه العرب باعتبار ما وصل إلينا من ~~أشعارهم في نهضتهم الأخيرة قبل الإسلام، فقد نظموا في قرن واحد أو قرنين ما لم ~~يجتمع عند أمم العالم المتمدن في عدة قرون، وخصوصا في العصر الجاهلي، فإلياذة ~~هوميروس وأوديسيته هما معظم شعر جاهلية اليونان ولا يزيد عدد أبياتها على 30000 ~~بيت، وكذلك مهابهاراتة الهنود 20000 بيت ورامايانتهم 48000 بيت، # 27 # وأما العرب فيؤخذ مما بلغنا من أخبارهم عما نظموه في نهضتهم الأخيرة ~~قبل الإسلام أنه يربو على أضعاف أضعاف ذلك، فهم يعدون منظوماتهم بالقصائد وليس ~~بالأبيات، فقد ذكروا أن أبا تمام صاحب كتاب الحماسة كان يحفظ من أشعار العرب ~~(الجاهلية) 14000 أرجوزة غير القصائد والمقاطيع، # 28 # وكان حماد الراوية يحفظ 27000 قصيدة # 29 # على كل حرف من حروف الهجاء ألف قصيدة، وكان الأصمعي يحفظ 16000 أرجوزة، # 30 # وكان أبو ضمضم يروي أشعارا لمائة شاعر كل منهم اسمه عمرو، # 31 # ومع ما يظن في ذلك من المبالغة فإنه يدل على كثرة ما خلفه العرب من ~~المنظومات، وخصوصا إذا اعتبرنا أن ما وصل إلى رواة الشعر في الإسلام إنما هو ~~بعض أشعار الجاهلية؛ لأن كثيرين من رواة الشعر الجاهلي قتلوا في الفتوح الإسلامية ~~فضاع ما كان في محفوظهم من الأشعار - قال أبو عمرو بن العلاء: «ما انتهى إليكم مما ~~قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير». # 32 # وزد على ذلك أن ms0385 العرب نظموا الشعر الكثير وأبدعوا فيه، وهم يكادون يكونون فوضى ~~لا دولة لهم ولا جامعة ولا دين ولا شيء مما حمل اليونان أو الهنود أو غيرهم على ~~النظم وإنما اندفعوا إليه بفطرتهم، ولولا ذلك لتأخروا في النظم حتى قامت دولتهم ~~ونضجت قرائحهم، كما حدث للرومانيين فإن الشعر لم ينظم بلسانهم إلا بعد تأسيس ~~دولتهم ببضعة قرون، ولم يبلغ الشعر اللاتيني عصره الذهبي إلا في أيام أوغسطس ~~وطيباريوس نحو القرن الثامن من تأسيس رومية (القرن الأول للميلاد) ثم أخذ في ~~التقهقر، ويقال نحو ذلك في دول أوربا الحالية، فإن الشعر لم ينضج عندهم إلا بعد ~~نشوء دولهم وتقدمهم في العلم والأدب. # أقسام الشعر # والشعر من حيث موضوعه ينقسم إلى قسمين كبيرين: الأول ما يعبر به الشاعر عن ~~عواطفه وعواطف ذويه، والثاني ما يصف به أحوال الآخرين. # والأول هو الذي يسميه الإفرنج # lyric # أي الغنائي ~~أو الموسيقي من # lyre # أي العود، ويدخل فيه حكاية كل ~~ما تشعر به النفس من الحب والشوق والوجد والرثاء والحماسة والفخر والانتقام، أو ما ~~علمته بطول الاختبار والتعقل كالأمثال والحكم ونحوها، والثاني يشمل سائر ضروب ~~الشعر، ويدخل فيه الشعر القصصي الذي يسميه الإفرنج # Epic # وهو عبارة عن نظم الحوادث والوقائع شعرا، ~~والشعر الوصفي والتمثيلي # Drama ~~، فأشعار الأمم ~~السامية أكثرها من النوع الأول، وخصوصا العبرانيون فإنهم أرثى أهل الأرض وأبكاهم ~~وأشكاهم، فالمزامير والمراثي ونحوها من قبيل العواطف، والأمثال الجامعة من قبيل ~~الحكم، ويقال بالإجمال: إن الخيال الشعري منصرف في العبرانيين إلى الإحساس الديني ~~كالتعبد والشكوى والاستسلام، ويقال نحو ذلك في العرب، غير أن الخيال الشعري فيهم ~~منصرف إلى ما تدعو إليه أحوالهم من المفاخرة والحماسة والتشبيب وذكر السيف والفرس، ~~وقد عدوا من أشعارهم بضعة عشر نوعا معظمها من قبيل الشعر الغنائي، الذي يعبر به عن ~~العواطف، كالغزل والفخر والمدح والهجاء والعتاب والاعتذار والزهد والرثاء والتهاني ~~والوعد والتحذير والحماسة، وبعضها من قبيل الوصف كالزهريات والخمريات، وبعضها من ~~قبيل العظة كالأدب والحكم، ولو تدبرت معانيها لرأيتها ترجع إلى التعبير عن ms0386 عواطف ~~الشاعر أو عواطف قبيلته. # وأما الشعر الوصفي أو القصصي فلا نقول إنه معدوم في العربية ولكنه قليل، وخصوصا ~~في الجاهلية، وأكثر ما عثروا عليه منه لا يخرج عن وصف بعض الأدوات أو الحيوانات أو ~~بعض الوقائع القصيرة، وأما الشعر القصصي - على نحو ما في إلياذة هوميروس أو ~~شاهنامة الفردوسي - فلا وجود له عندهم، ولا يدل ذلك على أنهم لم ينظموا مثلهما، ~~بل ويغلب على ظننا أنهم نظموا كثيرا من أخبار حروبهم المشهورة بين قبائلهم، ~~ونظرا لعدم تدوينها ضاعت من محفوظهم إلا قطعا بقيت إلى زمن تدوين الشعر في ~~الإسلام، تقتصر القصيدة منها على وصف وقعة أو بعض وقعة من تلك الحروب، والمقام لا ~~يساعدنا على زيادة البحث. # وكان الشعر فطريا في العرب، يندر فيهم من لا يستطيعه حتى المجانين واللصوص، # 33 # ناهيك بالنساء فقد نبغ منهن جماعة كبيرة من الشواعر. # ومن لم يستطع الشعر لم يفته الاجتماع في المجالس العامة لسماعه أو تناشده، ~~وكثيرا ما كانت النساء يعقدن المجالس لتناشد الأشعار وذكر الشعراء ونقد أقوالهم ~~وبيان ما يتفاضل به بعضهم على بعض، # 34 # وكان أكثرهم ينظمون الشعر، وهم أطفال لم ينظروا في الأدب أو الشعر # 35 # فمن شب ولم تنفتق قريحته عدوا ذلك نقصا فيه وعيبا على أهله. # منزلة الشعر # فكانوا يثيرون بذلك غيرة أبنائهم على إتقان الشعر ويحرضونهم على نظمه؛ لأن ~~الشعراء كانوا حماة الأعراض وحفظة الآثار ونقلة الأخبار، وربما فضلوا نبوغ ~~الشاعر فيهم على نبوغ الفارس، ولذلك كانوا إذا نبغ فيهم شاعر من قبيلة أتت القبائل ~~الأخرى فهنأتها به وصنعت الأطعمة واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعن في ~~الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان لاعتقادهم أنه حماية لأعراضهم وذب عن أحسابهم ~~وتخليد لمآثرهم وإشادة لذكرهم، # 36 # وفي الواقع أن ما بقي لنا من أخبار عرب الجاهلية وآدابهم وعلومهم ~~وأخلاقهم إنما هو منقول عن أشعارهم. # فمن شعرهم استخرج الناس أخبار أيامهم وحروبهم، ومنه ألف السجستاني «كتاب ~~المعمرين»، ومنه استخرجوا أحوال الشعراء المتقدمين، وألفوا الكتب كابن قتيبة ~~وغيره، ومن شعرهم استخرجوا ms0387 وصف البلاد والجبال والأودية والوهاد، ومنه ألفوا ما ~~ألفوه في الحيوان والنبات، ككتاب الحيوان للجاحظ، والنبات لأبي حنيفة الدينوري، ومن ~~أشعارهم استطلعوا أديانهم في أيام جاهليتهم، وقس على ذلك كل ما عرفوه من عاداتهم ~~وآدابهم في الضيافة والفروسية والأعراس والمآتم وغيرها. # وقد ذكروا شعراء حموا أعراض قبائلهم ببلاغة شعرهم، كما حمى زياد الأعجم قبيلة عبد ~~القيس من لسان الفرزدق، وكما حمى عتبة بن ربيعة بني قصي، وغيرهما كثيرون. # 37 # المعلقات # وقد بلغ من احترام العرب للشعر والشعراء أنهم عمدوا إلى سبع قصائد اختاروها من ~~الشعر القديم وكتبوها بماء الذهب في القباطي (التيل المصري) بشكل الدرج الملتف ~~وعلقوها في أستار الكعبة وهي المعلقات، ولذلك يقال لها المذهبات أيضا، كمذهبة امرئ ~~القيس ومذهبة زهير، # 38 # وبعضهم يجعل المذهبات غير المعلقات، ونخبة أشعارهم الجاهلية 49 قصيدة ~~لتسعة وأربعين شاعرا تقسم إلى سبعة مجاميع كل مجموع سبع قصائد تعرف بلقب خاص وهي: ~~المعلقات، والمجمهرات، والمنتقيات، والمذهبات، والمراثي، والمشوبات، والملحمات، وهي ~~مجموعة في كتاب «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد الأنصاري. # تأثير الشعر # أما تأثير الشعر في حماية الأعراض فسببه ما فطر عليه العرب من الحماسة والخيال ~~فيتأثرون بالكلام البليغ، وربما أقامهم البيت الواحد وأقعدهم. # ولذلك كانوا يخافون هجو الشعراء ويفتخرون بمدائحهم، حتى عمر بن الخطاب فإنه كان ~~إذا عرض عليه الحكم بين شاعرين كره أن يتعرض للشعراء واستشهد رجالا للفريقين مثل ~~حسان بن ثابت وغيره، # 39 # وقد اشترى أعراض المسلمين من الحطيئة بثلاثة آلاف درهم ليؤكد الحجة عليه، # 40 # وبلغ من شدة خوفهم الهجاء لئلا يبقى ذلك محفوظا في الأعقاب أنهم إذا ~~أسروا الشاعر أخذوا عليه المواثيق، وربما شدوا لسانه بنسعة لئلا يهجوهم، كما صنعوا ~~بعبد يغوث بن وقاص المحاربي حين أسره بنو تيم يوم الكلاب، وهو الذي يقول: # أقول وقد شدوا لساني بنسعة # أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا # وتضحك مني شيخة عبشمية # كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا # 41 # فكانوا يبذلون قصارى الجهد في أن يمدحهم الشعراء، ومن مدحوه ارتفعت منزلته وإذا ~~كانت له ms0388 بنات تزوجن،كما فعل الأعشى الأكبر بالمحلق إذ مدحه الأعشى بقصيدة ~~أنشدها في سوق عكاظ فاشتهر وخطبت بناته. # وكما فعل مسكين الدارمي في إنفاق الخمر السود بعد كسادها ببيتين وصف بهما مليحة ~~عليها خمار أسود وهما: # قل للمليحة في الخمار الأسود # ماذا أردت بناسك متعبد # قد كان شمر للصلاة ثيابه # حتى قعدت له بباب المسجد # فرغب الناس في لبس الخمر السود فاشتروا منها ما كان عند ذلك التاجر، # 42 # وسيأتي باقي الكلام على تأثير الشعر في النفوس في كلامنا في العصر ~~الإسلامي. # ألقاب الشعراء # وكان الشاعر يلقب بلفظ ورد في بعض أشعاره، فعوف بن سعد بن مالك لقب بالمرقش ~~لقوله: # الدار قفر والرسوم كما # رقش في ظهر الأديم قلم # وجرير بن عبد المسيح الضبعي لقب بالمتلمس لقوله: # فهذا أوان العرض حتى ذبابه # زنابيره والأزرق المتلمس # وزياد بن معاوية الذبياني لقب بالنابغة لقوله: # وحلت في بني القين بن جسر # وقد نبغت لنا منهم شؤون # ويقال نحو ذلك في سائر ألقابهم، كالمخرق وأفنون وتأبط شرا وأعصر والمستوغر ~~والأعسر وطرفة وذي الرمة والمزرد وعويف وجران العود والعجاج وموسى الشهوات وابن قيس ~~الرقيات وصريع الغواني وغبار العسكر ومقبل الريح وغيرهم. # 43 # وكانت قبائل العرب تتفاوت في شاعريتها، وأشعرها ربيعة ومنهم المهلهل والمرقشان ~~الأكبر والأصغر، وطرفة بن العبد وعمرو بن قميئة والحارث بن حلزة والمتلمس والأعشى ~~والمسيب الضبي، ثم انتقل الشعر إلى قيس ومنهم النابغتان وزهير بن أبي سلمى وربيعة ~~ولبيد والحطيئة والشماخ وغيرهم، ثم استقر الشعر في تميم ومنهم أوس بن حجر شاعر مضر ~~ويليهم هذيل وغيرها، وكان في حمير جماعة من الشعراء، # 44 # ومن الغريب أن العرب كانت تقر لقريش بالتقدم عليها في كل شيء إلا ~~الشعر فإنها كانت لا تقر لها به، # 45 # والظاهر أن اختلاط العرب بالأعاجم كان يفتق قرائحهم ويحملهم على ~~النظم، ولذلك كان أكثر القبائل شاعرية أقربهم إلى العراق، وأشعرهم من اختلط بالفرس، ~~وأشعر من كليهما من عاشر الفرس والروم. # وبالجملة فقد كان الشعر شائعا في العرب، ولم تخل قبيلة ms0389 من شاعر أو أكثر يحمي ~~ذمارها ويصف عواطفها، وكان الشعر عندهم مستودع الأخبار وخزانة الآداب والأخلاق، ~~ولذلك قيل: الشعر ديوان العرب، ومن قبيل الشعر الأمثال، فإنها مرآة العادات ~~والأخلاق والآداب وقد استخرج الناس كثيرا من آداب العرب الجاهلية من أمثالها. ~~(7) الخطابة في الجاهلية # الخطابة تحتاج إلى خيال وبلاغة، ولذلك عددناها من قبيل الشعر، أو هي شعر منثور وهو ~~شعر منظوم، وإن كان لكل منهما موقف، فالخطابة تحتاج إلى الحماسة، ويغلب تأثيرها في ~~أبناء عصر الفروسية وأصحاب النفوس الأبية طلاب الاستقلال والحرية، مما لا يشترط في ~~الشعر، ولذلك تشابهت جاهلية العرب وجاهلية اليونان من هذا الوجه؛ لأن كليهما أهل شعر ~~وخطابة وأهل إباء واستقلال، ولذلك أيضا كانت الخطابة رائجة عند الرومان، مع تأخر الشعر ~~عندهم، ولنفس هذا السبب قصر العبرانيون في الخطابة مع تقدمهم في الشعر لغلبة الذل ~~والضعف على طباعهم، فتحول خيالهم الشعري إلى الشكوى والتضرع وانصرفت قرائحهم إلى نظم ~~المراثي والحكم. # أما العرب فقد قضى عليهم الإقليم بالحرية والحماسة، وهم ذوو نفوس حساسة مثل سائر أهل ~~الخيال الشعري، فأصبح للبلاغة وقع شديد في نفوسهم، فالعبارة البليغة قد تقعدهم أو ~~تقيمهم بما تثيره في خواطرهم من النخوة. # واقتضت المنازعات بينهم أن يتفاخروا ويتنافروا، فاحتاجوا إلى الخطابة في الإقناع ~~وتأليف الأحزاب، وإن غلب في موضوعات خطبهم المفاخرة بالأحساب والآداب في المجالس ~~والأندية العامة والخاصة، وكانوا يخطبون وعليهم العمائم وهم وقوف في أيديهم المخاصر، ~~ويعتمدون على الأرض بالقسي ويشيرون بالعصي والقنا، وقد يخطبون وهم جلوس على رواحلهم. # 46 # ومما يدل على تشابه الشعر والخطابة أن الغالب في الشعراء أن يخطبوا والخطباء أن ~~ينظموا، فيكون الواحد شاعرا وخطيبا، فإذا غلب عليه الشعر سموه شاعرا، أو الخطابة ~~سموه خطيبا، والقبائل التي كثر خطباؤها هي غالبا التي كثر شعراؤها. # ومن أقوالهم في تاريخ الشعر والخطابة أن عبد القيس بعد محاربة إياد تفرقوا فرقتين، ~~ففرقة وقعت بعمان وشق عمان وفيهم خطباء العرب، وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين وهم ~~من أشعر القبائل، ولم يكونوا كذلك حين ms0390 كانوا في سرة البادية وفي معدن الفصاحة، # 47 # ويدل ذلك على ما قدمناه من نتائج احتكاك الأفكار عند الاختلاط بالأعاجم، ~~ولهذا السبب كثر الخطباء أيضا في اليمن لاختلاطهم بالفرس، وكان الفرس أهل خطابة مثل ~~العرب. # موضوعات الخطب # وكان العرب يخطبون بعبارة بليغة فصيحة، وهم أميون لا يقرأون ولا يكتبون، ~~وإنما كانت الخطابة فيهم قريحة مثل الشعر، وكانوا يدربون فتيانهم عليها من حداثتهم # 48 # لاحتياجهم إلى الخطباء في إيفاد الوفود مثل حاجتهم إلى الشعراء في حفظ ~~الأنساب والدفاع عن الأعراض، ولكنهم كانوا يقدمون الشاعر على الخطيب في الجاهلية، ~~فلما جاء الإسلام صار الخطيب مقدما لحاجتهم إليه في الإقناع وجمع كلمة الأحزاب، ~~ولكن نظرا لحاجة العرب إلى الخطباء في إرسال الوفود فقد كان خطيب القبيلة عندهم ~~عميدها وزعيمها، وهو واحد يعدل قبيلة ولسان يعرب عن السنة. # أما إيفاد الوفود فقد كان شائعا في تلك العصور، فكانت دول الروم والهند والصين ~~والفرس يتبادلون الوفود لمبادلة العلاقات أو للمفاخرة، ولم يكن للعرب دولة تستوفد ~~من قبلها، ولكن المناذرة ملوك العرب في العراق كانوا يذكرون فصاحة العرب بين يدي ~~الأكاسرة، وخصوصا كسرى أنو شروان فكان يميل إلى مشاهدتهم، فاتفق مرة أن النعمان ~~خاطبه في ذلك فطلب إليه أن يريه واحدا منهم، فاستقدم جماعة من خطباء العرب اختار ~~من كل قبيلة اثنين أو ثلاثة هم في الحقيقة حكماؤهم ووجهاؤهم، ومنهم أكثم بن صيفي، ~~وحاجب بن زرارة من قبيلة تميم، والحارث بن ظالم، وقيس بن مسعود من قبيلة بكر، وخالد ~~بن جعفر، وعلقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل من بني عامر وغيرهم، فقدموا على كسرى ~~وخطب كل منهم بين يديه خطابا ذكره ابن عبد ربه مفصلا في الجزء الثالث من العقد ~~الفريد. # على أن عرب اليمن وشرقي جزيرة العرب كانوا يقدمون على كسرى للشكوى من عماله ~~هناك، وكان غيرهم من العرب يفدون عليه بالهدايا من الخيل ونحوها على سبيل ~~الاستجداء، كما فعل أبو سفيان والد معاوية. # وكانوا يفدون على الأمراء من العرب وغيرهم، كوفود حسان بن ثابت ms0391 على النعمان بن ~~المنذر بالحيرة وعلى آل جفنة في البلقاء، ووفود وجهاء قريش على سيف بن ذي يزن في ~~اليمن بعد قتله الحبشة، فقد وفدوا عليه للتهنئة بالنصر، وكان في جملة خطباء ذلك ~~الوفد عبد المطلب جد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ومن هذا القبيل وفود القبائل على النبي بعد ~~أن استتب له الأمر، فقد جاءه من كل قبيلة وجهاؤها وخيرة بلغائها لاعتناق الإسلام أو ~~للاستفهام أو غير ذلك، ومن هذا القبيل وفود العرب على الخلفاء للتسليم والتهنئة، ~~كوفود جبلة بن الأيهم وعمرو بن معد يكرب على عمر بن الخطاب، ووفود أهل اليمامة على ~~أبي بكر وغيرهم مما يطول شرحه. # الخطباء # وجملة القول أن الخطباء كانوا عديدين في النهضة الجاهلية كالشعراء، والغالب ~~فيهم أن يكونوا أمراء القبائل، أو وجهاءها، أو حكماءها، وكان لكل قبيلة خطيب أو ~~أكثر كما كان لها شاعر أو أكثر، وأشهر خطباء الجاهلية قس بن ساعدة من بني إياد، ~~أدركه النبي فرآه في سوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول في خطابه: «أيها الناس، ~~اجتمعوا فاسمعوا وعوا: من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت». # 49 # ومنهم سحبان وائل الباهلي الذي يضرب المثل بفصاحته فيقال: «هو أخطب من سحبان ~~وائل». وكان إذا خطب يسيل عرقا، ولا يعيد كلمة ولا يتوقف، ولا يقعد حتى يفرغ، ~~ومنهم جماعة كبيرة من حمير، كدويد بن زيد، وزهير بن خباب، ومرثد الخير، وغيرهم من ~~سائر القبائل، كالحارث بن كعب المذحجي، وقيس بن زهير العبسي، والربيع بن ضبيع ~~الفزاري، وذي الأصبع العدواني، وأكثم بن صيفي التميمي، وعمرو بن كلثوم التغلبي ~~وكثيرين غيرهم. # وكانوا يتخيرون في خطبهم الألفاظ المألوفة الرقيقة المعاني، وكانت خطبهم على ~~ضربين: الطوال والقصار، والقصار أكثر عددا لأنهم كانوا يفضلونها لسهولة حفظها، ~~وكانوا لشدة عنياتهم بالخطب يتوارثونها ويتناقلونها في الأعقاب ويسمونها بأسماء ~~خاصة، كالعجوز اسم خطبة لآل رقية، والعذراء خطبة قيس بن خارجة، والشوهاء خطبة سحبان وائل. # 50 ~~(8) مجالس الأدب وسوق عكاظ # كان العرب يعقدون المجالس لمناشدة الأشعار ms0392 ومبادلة الأخبار والمسامرة أو البحث في بعض ~~الشؤون العامة، وكانوا يسمون تلك المجالس الأندية، ومنها نادي قريش ودار الندوة كانت ~~بجوار الكعبة، على أنهم كانوا حينما اجتمعوا على فراغ من العمل عمدوا إلى المناشدة ~~والمفاخرة والمسامرة، وخصوصا في المواسم المعبر عنها بالأسواق. # الأسواق # والمراد بالسوق مكان يجتمع فيه أهل البلاد أو القرى في أوقات معينة، يتبايعون ~~ويتداولون ويتقايضون، ولا تزال أمثال هذه الأسواق تقام إلى اليوم في القرى أو في ~~البلاد البعيدة عن التمدن الحديث، على أن في بعض المدن الكبرى - كالقاهرة مثلا - ~~أسواقا تنعقد في بعض أيام الأسبوع وتعرف بها، كسوق السبت - أو السبتية - وسوق ~~الثلاثاء أو الأربعاء، فيجتمع إليها الناس من الضواحي للبيع والشراء. # ومن هذه الأسواق ما ينعقد كل أسبوع، ومنها ما لا ينعقد إلا مرة في الشهر، أو في ~~السنة، ومنها ما ينعقد مرة كل بضع سنين، فإن للهنود سوقا يقيمونها في هردوار على ~~ضفاف الكنج كل سنة ويبلغ عدد المجتمعين هناك في الموسم 300000 نفس، ويقيمون في ذلك ~~المكان حجا مرة كل 12 سنة يبلغ عدد الحجاج إليه نحو مليون نفس، وهو أكبر أسواق ~~العالم، وكانت أمثال هذه الأسواق كثيرة في روسيا وبلاد الدولة العثمانية وفي ~~ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وأمريكا، فقد كانت في روسيا سوق تقام في مدينة نوفكرود ~~مرتين في السنة يبلغ عدد الذين يؤمونها 12000 نفس يجتمعون هناك من سائر بلاد روسيا ~~ومن شرقي أوربا، ويقدرون قيمة ما يباع من البضائع في أسواق روسيا بنحو 12000000 ~~روبل في العام، وقس على ذلك سائر الأسواق الكبرى. # وقد كان كثير من أمثال هذه الأسواق في العالم القديم، لكن الأقدام لا تتزاحم فيها ~~إلا إذا كان الغرض من الاجتماع حجا دينيا، فإذا اجتمع الناس في مكان الحج ~~وتكاثروا احتاجوا إلى من يبيعهم الأطعمة والأشربة وغيرها، فتقام الأسواق لهذه ~~الغاية.. كذلك شأن العرب في سوق عكاظ وغيرها من أسواق الجاهلية. # أسواق العرب # كان للعرب في الجاهلية أسواق يقيمونها في أشهر السنة وينتقلون من إحداها إلى ~~الأخرى، يحضرها ms0393 العرب من قرب منهم ومن بعد، فإذا فرغوا من سوق انتقلوا إلى سواها، ~~فكانوا ينزلون دومة الجندل في أعالى نجد أول يوم من شهر ربيع الأول، فيقيمون ~~أسواقا للبيع والشراء والأخذ والعطاء، ثم ينتقلون إلى سوق هجر فيقيمون هناك شهرا، ~~ويرتحلون منها إلى عمان فيقيمون سوقهم، ثم يرتحلون إلى حضرموت فعدن، وبعضهم ينزل ~~إلى صنعاء فيقيمون أسواقهم، ثم يرتحلون إلى عكاظ في الأشهر الحرم، وكانت لهم أسواق ~~أخر في صحار والشحر والمجنة وحباشة والمشقر وغيرها. # 51 # سوق عكاظ # وأشهر أسواق العرب الجاهلية سوق عكاظ، وهي مكان بين الطائف ونخلة، فكانت العرب ~~إذا قصدت الحج أقامت بهذه السوق من أول ذي القعدة، يبيعون ويشترون إلى عشرين منه، ~~ثم يتوجهون إلى مكة فيقضون مناسك الحج ثم يعودون إلى أوطانهم، وكان كل شريف ~~إنما يحضر سوق بلده، إلا عكاظ فإنهم كانوا يتوافدون إليها من كل ناحية، ومن كان ~~له أسير سعى في فدائه هناك، ومن كانت له حكومة ارتفع إلى الذي يقوم بأمر الحكومة في ~~أيام المواسم وهم أناس من تميم، ومن كان له ثأر على أحد ولم يعرف مكانه طلبه في ~~الموسم، أو أراد أحد أن يعمل عملا تعرفه العرب أو يستشهدها فيه عمله في عكاظ، # 52 # أو أراد أن يفاخر أحدا على مشهد من الناس فاخره هناك، كانوا ~~يتفاخرون حتى في كبر المصائب - ذكروا أن الخنساء لما أصيبت بمصابها المشهور أعلنت ~~أنها أكبر العرب مصيبة، فبلغ ذلك هند بنت عتبة، وكانت تعتقد أنها أكبر مصيبة ~~منها، فأمرت بهودجها فسوم براية وشهدت الموسم بعكاظ فقالت: «اقرنوا جملي بجمل ~~الخنساء» ففعلوا. فلما دنت منها قالت لها الخنساء: «من أنت يا أخية؟» قالت: «أنا ~~هند بنت عتبة، أعظم العرب مصيبة. وقد بلغني أنك تعاظمين العرب بمصيبتك، فبم ~~تعاظمينهم؟» فقالت الخنساء: «بعمرو بن الشريد، وصخر ومعاوية ابني عمرو، فبم ~~تعاظمينهم أنت؟» قالت: «بأبي عتبة بن ربيعة، وعمي شيبة بن ربيعة، وأخي الوليد» قالت ~~الخنساء: «أو سواء هم عندك؟» ثم أنشدت تقول: # أبكي أبي عمرا بعين ms0394 غزيرة # قليل إذا نام الخلي هجودها # وصنوي لا أنسى معاوية الذي # له من سراة الحرتين وفودها # وصخرا، ومن ذا مثل صخر إذا غدا # بسلهبة الأبطال قبا يقودها؟ # فذلك يا هند الرزية فاعلمي # ونيران حرب حين شب وقودها # فقالت هند تجيبها: # أبكي عميد الأبطحين كليهما # وحاميها من كل باغ يريدها # أبي عتبة الخيرات ويحك فاعلمي # وشيبة، والحامي الذمار وليدها # أولئك آل المجد من آل غالب # وفي العز منها حين ينمي عديدها # 53 # فإذا كانت هذه حالهم في المفاخرة بالمصائب، فكيف بالأنساب والأحساب والشجاعة ~~والفضل؟ ولذلك كثر الخصام هناك وانتشبت عدة مواقع لا محل لذكرها هنا. # وإنما يهمنا في هذا المقام أن العرب كانوا يغتنمون وقت الموسم واجتماع ~~القبائل، ويقيمون مجالس البحث والمناشدة والمفاخرة، فينشد الشعراء ويخطب الخطباء ~~فيختارون كبيرا من وجهائهم يجعلونه حكما فيما يختلفون فيه، وكان النابغة الذبياني ~~إذا أتى عكاظ في الموسم ضربوا قبة حمراء من أدم، وتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها، # 54 # ليحكم فيها، ويقال إنهم كانوا إذا أقروا على فضل قصيدة علقوها هناك ~~أو في الكعبة، ومنها المعلقات السبع. # وشأن العرب في ذلك مثل شأن اليونان القدماء في الجمناسيوم، وهي أبنية كانوا ~~يجتمعون فيها للألعاب البدنية، وفيهم الفلاسفة والعلماء فكانوا يغتنمون فرصة وجودهم ~~هناك ويتباحثون ويتناظرون ويتنافرون، كما كان يفعل العرب في عكاظ، ولا يخفى ما في ~~ذلك من تمحيص الحقائق واستحثاث القرائح، فضلا عما كان يترتب على ذلك الاجتماع من ~~تنقيح اللغة ونموها، فإن قريشا كانوا يسمعون لغات القبائل في أثناء تلك ~~الاجتماعات، فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به، فصاروا أفصح العرب وخلت لغتهم من ~~مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ، كالكشكشة والكسكسة والعنعنة والفخفخة والوكم والوهم ~~والعجعجة والاستنطاء والشنشنة، وغير ذلك من العيوب في لغات الأمم الأخرى. # 55 ~~(9) الأنساب في الجاهلية # الأنساب # كان للأنساب في عصور الجاهلية عند الأمم القديمة شأن كبير، وكان للناس عناية عظمى ~~في حفظ أنسابهم للتناصر على الأعداء أو التفاخر بالآباء، وقد بالغ اليونان في ذلك ~~حتى حفظوا أنساب آلهتهم وكيفية تسلسلها بعضها ms0395 من بعض، ثم نسبوا أنفسهم إليها، فلم ~~يكن في جاهلية اليونان أسرة كبيرة من الأشراف ورجال السلطة إلا وحبل نسبها يتصل ~~ببعض تلك الآلهة. # وقد نظم بعضهم الأشعار للتفاخر بذلك قبل المسيح ببضعة قرون، وكذلك كان الرومان في ~~أقدم أجيالهم، فالطبقة التي تعرف عندهم بالبطارقة Patricü # كانوا يدعون الانتساب إلى آباء أعلى ~~طبقة من البشر، ومن هذا القبيل انتساب اليهود إلى الآباء الأولين والأنبياء ~~وافتخارهم بذلك على سائر الأمم، وهم يمتازون في هذا عن اليونان والرومان بأنهم ~~يرجعون جميعا إلى أب واحد - وهذا أيضا من قبيل ميلهم الفطري إلى التوحيد مثل سائر ~~الأمم السامية. # نسب العرب # والعرب من حيث أنسابهم فرع من العبرانيين؛ لأن العدنانيين منهم يرجعون في أصل ~~آبائهم الأولين إلى إسماعيل بن إبراهيم، والقحطانيين ينتسبون إلى يقطان بن عابر، ~~وقد زادت عناية العرب في الأنساب رغبة في التناصر على الغرباء أو بعضهم على بعض، ~~وقد رتبت أنساب العرب في ست مراتب أو طبقات، أولها الشعب ثم القبيلة فالعمارة ~~فالبطن فالفخذ فالفصيلة، فالشعب النسب الأبعد مثل عدنان وقحطان، ثم القبيلة وهي ما ~~انقسمت فيها أنساب القبائل مثل قريش وكنانة، ثم البطن وهو ما انقسمت فيه أنساب ~~العمارة مثل بني عبد مناف وبني مخزوم، ثم الفخذ وهو ما انقسمت فيه أنساب البطن مثل ~~بني هاشم وبني أمية، ثم الفصيلة مثل بني أبي طالب وبني العباس. # 56 # وبالغ العرب في الرجوع إلى الأجداد حتى رجعوا بأسماء المدن إلى أسماء بعض ~~أجدادهم، والغالب أن ينتهي النسب بأحد آباء التوراة، فإذا سئل أحدهم مثلا عن ~~الأندلس: من بناها؟ قال: «بناها أندلس بن يافث بن نوح»، # 57 # وكان النسابون يحفظون أسماء القبائل وما يتفرع منها حفظا دقيقا، فإذا ~~عرض لهم رجل فقال: أنا من بني تميم - مثلا - فانسبني، فإنه يبدأ من قبيلة تميم ~~وما تفرع منها من العمائر والبطون والأفخاذ حتى ينتهي إلى الفصيلة، ومنها إلى والد ~~السائل أو إليه هو نفسه. # وكثر النسابون في الجاهلية، ولم تخل قبيلة أو عمارة أو بطن من ms0396 نسابة أو أكثر، ~~ومن أشهرهم دغفل السدوسي من بني شيبان، وعميرة أبو ضمضم وابن لسان الحمرة من بني ~~تيم اللات، وزيد بن الكيس النمري، والنخار بن أوس القضاعي، وصعصعة بن صوحان، وعبد ~~الله بن عبد الحجر بن عبد المدان وغيرهم، # 58 # وظل النسب محفوظا في صدر الإسلام، واشتهر كثير من النسابين، فلما آلت ~~الدولة إلى الموالي والمصطنعين صار الناس ينتسبون إلى مواليهم ومصطنعيهم. ~~(10) التاريخ # لم يكن عند عرب الجاهلية تاريخ من قبيل ما نفهمه من هذه اللفظة اليوم، ولكنهم كانوا ~~يتناقلون أخبارا متفرقة بعضها حدث في بلادهم والبعض الآخر نقله إليهم الذين عاشروهم من ~~الأمم الأخرى، فمن أمثال أخبارهم حروب القبائل المعروفة بأيام العرب، وقصة سد مأرب، ~~واستيلاء أبي كرب تبان أسعد على اليمن، وبعض من خلفه، وملك ذي نواس، وقصة أصحاب ~~الأخدود، وفتح الحبشة لليمن، وقصة أصحاب الفيل وقدومهم الكعبة، وحرب ذي يزن الحميري إلى ~~آخر ما انتهى إليه أمر الفرس في اليمن، وقصة عمرو بن لحي وأصنام العرب، وحكاية جرهم ~~ودفن زمزم وتاريخ الكعبة إلى أيام قصي بن كلاب، وولاية الحج وأمر عامر بن الظرب، ثم ما ~~كان من غلب قصي على أمر مكة، وقصة حلف المطيبين وحلف الفضول، وحفر بئر زمزم وحرب الفجار ~~وحديث بنيان الكعبة، غير أخبار عاد وثمود وغيرهما من العرب البائدة، وحكاية بلقيس ~~وسليمان ونحوهما من أخبار التوراة، وغير ذلك من الأخبار التي كان العرب يتناقلونها عند ~~ظهور الإسلام. # الخلاصة # وجملة القول أن ما سميناه علوم العرب قبل الإسلام يبلغ إلى بضعة عشر علما، فلما ~~جاء الإسلام أهمل بعضها كالكهانة والعيافة والقيافة، وبقي بعضها عند أهله، ونشأ ما يقوم ~~مقامه في عصر الحضارة، كالنجوم والأنواء ومهاب الرياح والطب والخيل، وارتقى الباقي ~~واتسع عما كان في الجاهلية، كالشعر والخطابة والبلاغة، وكان الإسلام مساعدا على ~~ارتقائها بالقرآن الكريم. # | علوم العرب بعد الإسلام # نريد بها العلوم التي اشتغل بها المسلمون من أول الإسلام إلى إبان التمدن الإسلامي، وهي ~~كثيرة يمكن حصرها في ثلاثة مجاميع: ~~(1) # العلوم التي اقتضاها ms0397 الإسلام، وهي علوم القرآن، والحديث، والفقه، واللغة ، ~~والتاريخ، ونسميها العلوم الإسلامية أو الآداب الإسلامية. ~~(2) # العلوم التي كانت في الجاهلية وارتقت في الإسلام، وهي الشعر والخطابة، ~~ونسميها الآداب الجاهلية أو الآداب الإسلامية. ~~(3) # العلوم التي نقلت إلى العربية من اللغات الأخرى، كالطب والهندسة والفلسفة ~~والفلك وسائر العلوم الطبيعية والرياضية، ونسميها العلوم الدخيلة أو ~~الأجنبية. # وقبل البحث في هذه العلوم وعلاقتها بالتمدن الإسلامي، نمهد الكلام بمقدمات لا بد من ~~تدبرها قبل الخوض في الموضوع: ~~(1) مقدمات تمهيدية ~~(1-1) الإسلام والعلوم الإسلامية # كان العرب فيما ذكرناه من علومهم وأخبارهم وأطوارهم إذ جاءهم القرآن فبغتوا لما ~~رأوه من بلاغة أسلوبه على غير المألوف عندهم؛ لأنه ليس من قبيل ما كانوا يعرفونه ~~من نثر الكهان المسجع ولا نظم الشعراء المقفى الموزون وقد خالف كليهما، وهو منثور ~~مقفى على مخارج الأشعار والأسجاع، فلا هو شعر ولا نثر ولا سجع، وفيه من البلاغة ~~وأساليب التعبير ما لم يكن له شبيه في لسانهم، فسحروا بأسلوبه وبما حواه من الشرائع ~~والأحكام والأخبار، فلما دانوا بالإسلام أصبح همهم تلاوته وتفهم أحكامه؛ لأنه ~~قاعدة الدين والدنيا، وبه تتأيد السلطة والخلافة، ثم أشكل عليهم بعض ما فيه ~~واختلفوا في تفسيره فعمدوا إلى ما أثر عن النبي # صلى الله عليه وسلم # من قول أو فعل أو استحسان ~~أو استهجان يستوضحون بها ذلك الإشكال، فأصبح همهم جمع الأحاديث ممن سمعها أو رواها ~~عن سامعها بالإسناد المتسلسل، فرأوا تباينا في الروايات فاشتغلوا في التفريق بين ~~صحيحها وفاسدها، فرجعوا إلى درس الأسانيد واستطلاع أخبار أصحاب الحديث، فجرهم ذلك ~~إلى درس طبقات المحدثين والأحوال التي تناولوا تلك الأحاديث فيها. # ولما قامت دولتهم أخذوا في ضرب الأموال على البلاد التي فتحوها أو غنموها، ~~وضرائبها تختلف شكلا ومقدارا باختلاف طريق الفتح، بين أن يكون عنوة أو صلحا، ~~وأمانا أو قوة، فبحثوا في تحقيق أخبار الفتوح والمغازي وتدوينها، ولما فسدت ~~الأحكام في أيام بني أمية، أكثر العلماء من ذكر المواعظ وإيراد أخبار السلف من ~~الصحابة، وخصوصا الخلفاء الراشدين، فاجتمع من ذلك تاريخ ms0398 النبي والصحابة ~~والتابعين. # والنظر في أحكام القرآن والسنة لا بد فيه من فهم العبارة وتدبرها، فنشأ من ذلك ~~علم التفسير، وبإسناد نقله وروايته واختلاف القراء بقراءته تولد علم القراءات، ~~وبإسناد السنة إلى صاحبها والتفريق بين طبقات الحديث والمحدثين تولدت علوم الحديث، ~~ثم لا بد من استنباط هذه الأحكام من أصولها، على وجه قانوني يفيد العلم بكيفية هذا ~~الاستنباط، وهو علم أصول الفقه ثم الفقه فالعقائد الإيمانية، ثم علم ~~الكلام. # ولما عمدوا إلى تلاوة القرآن والحديث وتفسيرهما، أشكل على غير العرب إعرابهما ~~لأن ملكة اللغة غير راسخة فيهم، فاضطروا إلى تدوين اللغة وترتيب قواعدها وتعيين ~~معاني ألفاظها، ولذلك كان أكثر المشتغلين بعلوم اللغة من الأعاجم. # وتعيين معاني الألفاظ وضبط التلفظ بها دعاهم إلى البحث عن لغة قريش التي كتب بها ~~القرآن، وقد رأيت أن مرجع التحقيق في ذلك إلى الأشعار والأمثال، فاشتغلوا في ~~الأسفار إلى بادية العرب، وخالطوا الأعراب ونقلوا أشعارهم وأقوالهم وأمثالهم، ~~ليدونوها ويرجعوا إليها في التحقيق، فرأوا مشقة في فهم معاني أشعارهم وأمثالهم إلا ~~بالاطلاع على أنسابهم وآدابهم، فلم يكن لهم بد من درس ذلك كله، وهو ما يعبرون عنه ~~بعلم الأدب، واختلفوا في فهم الأشعار، ووجدوا في روايتها اختلافا وفي بلاغتها ~~تفاوتا، فعمدوا إلى البحث في طبقات الشعراء وأماكنهم وأشعارهم وأخبار ~~قبائلهم. # وكان الراحلون في التقاط اللغة والشعر من أفواه العرب في مضاربهم يقفون على سائر ~~علومهم، كالنجوم والأنواء والخيل والأنساب وغيرها، فلما عادوا لتدوين اللغة دونوا ~~أيضا كثيرا من تلك العلوم، ولذلك كان أصحاب هذه العلوم غالبا من علماء اللغة، ~~وعثروا أيضا على ألفاظ وأشعار يندر ورودها فألفوا النوادر. # وجملة القول أن ما اشتغل به المسلمون في صدر الإسلام من العلوم مرجعه إلى ~~القرآن، فهو المحور الذي تدور عليه العلوم الأدبية واللسانية، فضلا عن الدينية، ~~ولذلك سميناها العلوم الإسلامية. ~~(1-2) العرب والقرآن والإسلام # كان الإسلام في أول أمره نهضة عربية، والمسلمون هم العرب، وكان اللفظان مترادفين، ~~فإذا قالوا العرب أرادوا المسلمين، وبالعكس، ولأجل هذه الغاية أمر عمر ms0399 بن الخطاب ~~بإخراج غير المسلمين من جزيرة العرب، وأصبح أهل الجزيرة كلهم مسلمين وهم ~~عرب. # وأساس الإسلام وقوامه القرآن، ففي تأييده تأييد الإسلام أو العرب، وتمكن هذا ~~الاعتقاد في الصحابة، لما فازوا في فتوحهم وتغلبوا على دولتي الروم والفرس، فنشأ في ~~اعتقادهم أنه لا ينبغي أن يسود غير العرب، ولا يتلى غير القرآن، وشاع هذا ~~الاعتقاد خصوصا في أيام بني أمية، وقد بالغوا فيه حتى آل ذلك فيهم إلى نقمة سائر ~~الأمم عليهم. # أما في الصدر الأول فقد كان الاعتقاد العام «أن الإسلام يهدم ما كان قبله» # 1 # فرسخ في الأذهان أنه لا ينبغي أن ينظر في كتاب غير القرآن؛ لأنه ~~جاء ناسخا لكل كتاب قبله، وقد نهى الشرع الإسلامي يومئذ عن النظر في الكتب المنزلة ~~غير القرآن، لاتحاد الكلمة واجتماعها على الأخذ به، ومن الأحاديث المأثورة من هذا ~~القبيل: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل ~~إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد». ورأى النبي في يد عمر ورقة من التوراة فغضب حتى تبين ~~الغضب في وجهه ثم قال: «ألم آتكم بها بيضاء نقية؟ والله لو كان موسى حيا ما وسعه ~~إلا اتباعي». # 2 # ومن الأحاديث التي شاعت في ذلك العهد: «كتاب الله فيه خبر ما قبلكم، ~~ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم». # 3 # فتوطدت العزائم على الاكتفاء به عن كل كتاب سواه، ومحو ما كان قبله من كتب العلم ~~في دولتي الروم والفرس، كما حاولوا بعدئذ هدم إيوان كسرى وأهرام مصر وغيرها من آثار ~~الدول السابقة - فلا غرو إذا قيل: إن العرب أحرقوا مكتبة الإسكندرية أو غيرها من ~~خزائن العلم القديم. ~~(1-3) إحراق مكتبة الإسكندرية وغيرها # أنشأ البطالسة في القرن الثالث قبل الميلاد مكتبة في الإسكندرية جمعوا إليها كتب ~~العلم من أقطار العالم المتمدن في ذلك الحين، وسيأتي خبرها، وتوالى على هذه المكتبة ~~أحوال كثيرة في أيام الرومان إلى الفتح الإسلامي، وقد ضاعت بين إحراق ونهب، ~~والمؤرخون من العرب وغيرهم مختلفون في كيفية ضياعها، فمنهم من ms0400 ينسب إحراقها إلى ~~عمرو بن العاص بأمر عمر بن الخطاب، ويستدلون على ذلك ببعض النصوص العربية، وأشهرها ~~أقوال أبي الفرج الملطي وعبد اللطيف البغدادي والمقريزي وحاجي خليفة. ومنم من يجل ~~العرب عن ذلك ويطعن في تلك الروايات ويضعفها، وقد كنا ممن جارى هذا الفريق في ~~كتابنا «تاريخ مصر الحديث» منذ بضع عشرة سنة، ثم عرض لنا بمطالعاتنا المتواصلة في ~~تاريخ الإسلام والتمدن الإسلامي ترجيح الرأي الأول، لأسباب نحن باسطوها فيما يلي ~~إجلاء للحقيقة فنقول: # أولا: # قد رأيت فيما تقدم رغبة العرب في صدر الإسلام في محو كل كتاب غير ~~القرآن، بالإسناد إلى الأحاديث النبوية وتصريح مقدمي ~~الصحابة. # ثانيا: # جاء في تاريخ مختصر الدول لأبي الفرج الملطي عند كلامه عن فتح ~~مصر على يد عمرو بن العاص ما نصه: «وعاش (يحيى الغراماطيقي) إلى أن ~~فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية، ودخل على عمرو وقد عرف موضعه ~~من العلوم فأكرمه عمرو، وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب ~~بها أنسة ما هاله، ففتن به، وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح ~~الفكر، فلازمه وكان لا يفارقه، ثم قال له يحيى يوما: «إنك قد أحطت ~~بحواصل الإسكندرية وختمت على كل الأصناف الموجودة بها، فما لك به ~~انتفاع فلا نعارضك فيه، وما لا انتفاع لك به فنحن أولى به»، فقال ~~له عمرو: «ما الذي تحتاج إليه؟» قال: «كتب الحكمة التي في الخزائن ~~الملوكية». فقال عمرو: «هذا ما لا يمكنني أن آمر فيه إلا بعد ~~استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب». فكتب إلى عمر وعرفه قول ~~يحيى، فورد عليه كتاب عمر يقول فيه: «... وأما الكتب التي ذكرتها، ~~فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان ~~فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه، فتقدم بإعدامها». فشرع ~~عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في ~~مواقدها، فاستنفدت في مدة ستة أشهر، فاسمع ما جرى واعجب». # 4 # وليس في نص هذه العبارة التباس، ولكن الذين يجلون العرب عن إحراق ms0401 هذه المكتبة ~~يطعنون في هذه الرواية وينسبون قائلها إلى التعصب الديني، وفي جملتهم جماعة كبيرة ~~من مؤرخي الإفرنج، وقد ألفوا الرسائل والكتب في تجريحها، وخلاصة أقوالهم: إن أبا ~~الفرج المذكور هو أول من نسب حريق مكتبة الإسكندرية إلى عمرو بن العاص، وإنه ~~إنما فعل ذلك تعصبا للنصرانية وتحقيرا للإسلام، وإنه من أهل القرن السابع ~~للهجرة، وكان أبوه يهوديا وتنصر، وشب أبو الفرج على النصرانية وارتقى في رتب ~~الأكليروس إلى الأسقفية، ثم ألف تاريخا في السريانية استخرجه من كتب يونانية ~~وفارسية وعربية وسريانية، واستخلص من هذا التاريخ كتابا في العربية سماه مختصر ~~الدول - قالوا: «وهو أول كتاب ذكرت فيه هذه القصة، وتناقلها عنه الإفرنج إلى هذه ~~الغاية». وإن ما جاء في هذا الشأن من أقوال عبد اللطيف البغدادي والمقريزي وحاجي ~~خليفة من مؤرخي المسلمين لا تعتبر مصادر مستقلة؛ لأن المقريزي نقل عن عبد اللطيف ~~حرفيا، وحاجي خليفة لم يذكر مدينة الإسكندرية وإنما أشار إلى أن العرب في صدر ~~الإسلام لم يعتنوا بشيء من العلوم إلا بلغتهم وشريعتهم، حتى قال: «ويروى أنهم ~~أحرقوا ما وجدوه من الكتب في فتوحات البلاد». وأن عبد اللطيف البغدادي ذكر حريق ~~المكتبة في عرض كلامه عن عمود السواري بغير تحقيق، ويزعم أصحاب هذا الرأي أن ~~مكتبة الإسكندرية أحرقها الرومان قبل الإسلام، وأنها لو أحرقها العرب لذكرها ~~مؤرخو المسلمين وخصوصا كتاب الفتوح والمغازي. ا.ه. # لا ننكر أن بعض هذه المكتبة احترق قبل الإسلام، ولكن ذلك لا يمنع احتراق باقيها ~~في الإسلام، أما النصوص التي وردت في هذا الشأن فليس أبو الفرج أول من رواها كما ~~توهم بعضهم، فإن عبد اللطيف البغدادي طاف مصر وكتب عن مشاهدها وآثارها، وذكر ~~إحراق العرب لهذه المكتبة قبل أن يولد أبو الفرج ببضع وعشرين سنة؛ لأن أبا الفرج ~~ولد سنة 1226م (622ه) وعبد اللطيف زار مصر في أواخر القرن السادس للهجرة، وهاك نص ~~عبارته: «ورأيت أيضا حول عمود السواري من هذه الأعمدة بقايا صالحة، بعضها صحيح ~~وبعضها مكسور، ويظهر من حالها أنها كانت ms0402 مسقوفة، والأعمدة تحمل السقف وعمود ~~السواري عليه قبة هو حاملها. # وأرى أنه الرواق الذي كان يدرس فيه أرسطوطاليس وشيعته من بعده، وأنه دار المعلم ~~التي بناها الإسكندر حين بنى مدينته، وفيها كانت خزانة الكتب التي أحرقها عمرو بن ~~العاص بإذن عمر رضي الله عنه». # 5 # نعم إن عبارة البغدادي مختصرة، وقد جاءت عرضا، لكنها تدل على وثوق قائلها ~~بصحتها، كأنه أخذها عن مصدر موثوق به ومعول عليه في ذلك العصر، كالذي أخذ عنه أبو ~~الفرج. # أما أبو الفرج فقد أتم كتابه «مختصر الدول» في العربية في أواخر حياته (توفي سنة ~~684ه). وهو ليس مختصر تاريخه السرياني إلا من حيث أخبار الفتح؛ لأنه يزيد على ~~النسخة السريانية بأخبار كثيرة، عن الإسلام والمغول وتاريخ علوم الروم والعرب ~~وآدابهم، وأما السرياني فهو عبارة عن أخبار الفتح فقط، فإغفال ذكر إحراق المكتبة ~~فيه لا يدل على أنه دخيل في النسخة العربية، أو دسه فيه بعض المتأخرين كما توهم ~~بعضهم، وإنما ذكر في النسخة العربية؛ لأنه يتعلق بآداب الروم والعرب التي أدخلها ~~المؤلف في هذه النسخة كما تقدم. ~~••• # وقد تبين لنا بالبحث والتنقيب أن أبا الفرج المذكور نقل تلك الرواية عن مؤرخ ~~مسلم توفي قبله بنحو أربعين سنة، وهو جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم ~~القفطي، وزير حلب المعروف بالقاضي الأكرم، ولد في قفط من صعيد مصر سنة 565 وتوفي في ~~حلب سنة 646ه، وللقاضي المذكور كتاب في تراجم الحكماء، عثرنا على نسخة منه خطية في ~~دار الكتب المصرية مكتوبة سنة 119ه، وقرأنا فيها في أثناء ترجمة يحيى النحوي كلاما ~~في معنى كلام أبي الفرج وأكثر تفصيلا منه، وفيه شيء عن تاريخ هذه المكتبة منذ ~~إنشائها، وإليك نص قوله: ~~«وعاش (يحيى النحوي) إلى أن فتح عمرو بن العاص مصر والإسكندرية، ودخل على عمرو ~~وقد عرف موضعه من العلم واعتقاده وما جرى له مع النصارى، فأكرمه عمرو ورأى له ~~موضعا، وسمع كلامه في إبطال التثليث فأعجبه، وسمع كلامه أيضا في انقضاء الدهر، ~~ففتن ms0403 به، وشاهد من حججه المنطقية وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم يكن للعرب بها ~~أنسة ما هاله. # وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكاد لا يفارقه، ثم قال له يحيى ~~يوما: «إنك قد أحطت بحواصل الإسكندرية وختمت على كل الأجناس الموصوفة الموجودة ~~بها، فأما ما لك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وأما ما لا نفع لك به فنحن أولى به، ~~فأمر بالإفراج عنه». فقال له عمرو: «وما الذي تحتاج إليه؟» قال: «كتب الحكمة في ~~الخزائن الملوكية، وقد أوقعت الحوطة عليها ونحن محتاجون إليها ولا نفع لكم بها». ~~فقال له: «ومن جمع هذه الكتب؟ وما قصتها؟» # فقال له يحيى: «إن بطولوماوس فيلادلفوس من ملوك الإسكندرية لما ملك حبب إليه ~~العلم والعلماء، وفحص عن كتب العلم وأمر بجمعها وأفرد لها خزائن، فجمعت وولى ~~أمرها رجلا يعرف بابن مرة (زميرة) وتقدم إليه بالاجتهاد في جمعها وتحصيلها ~~والمبالغة في أثمانها وترغيب تجارها ففعل، واجتمع من ذلك في مدة خمسون ألف كتاب ~~ومائة وعشرون كتابا، ولما علم الملك باجتماعها وتحقق عدتها قال لزميرة: أترى بقي ~~في الأرض من كتب العلم ما لم يكن عندنا؟ فقال له زميرة: قد بقي في الدنيا شيء في ~~السند والهند وفارس وجرجان والأرمان وبابل والموصل وعند الروم، فعجب الملك من ذلك ~~وقال له: دم على التحصيل، فلم يزل على ذلك إلى أن مات، وهذه الكتب لم تزل محروسة ~~محفوظة يراعيها كل من يلي الأمر من الملوك وأتباعهم إلى وقتنا هذا». # فاسكثر عمرو ما ذكره يحيى وعجب منه وقال له: «لا يمكنني أن آمر بأمر إلا بعد ~~استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب» وكتب إلى عمر وعرفه بقول يحيى الذي ذكر ~~واستأذنه ما الذي يصنعه فيها، فورد عليه كتاب عمر يقول فيه: «وأما الكتب التي ~~ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما ~~يخالف كتاب الله تعالى فلا حاجة إليها، فتقدم بإعدامها». فشرع عمرو بن العاص في ~~تفريقها على حمامات ms0404 الإسكندرية وإحراقها في مواقدها، وذكرت عدة الحمامات يؤمئذ ~~وأنسيتها، فذكروا أنها استنفدت في مدة ستة أشهر، فاسمع ما جرى واعجب ». # 6 # انتهى كلام ابن القفطي. # وبمقابلة هذه الفقرة بكلام أبي الفرج يتضح لك أن أبا الفرج نقل قول ابن القفطي ~~مختصرا، ولو قرأت الكتابين لعلمت أن أبا الفرج نقل كثيرا من زياداته العلمية في ~~كتابه العربي عن كتاب ابن القفطي، ككلامه عن ثيادوق طبيب الحجاج، # 7 # فإن العبارة منقولة عن تراجم الحكماء حرفيا. # بقي علينا البحث في المصدر الذي نقل عنه ابن القفطي، والغالب أنه نفس المصدر ~~الذي نقل عنه عبد اللطيف البغدادي؛ لأنهما كانا متعاصرين وعبد اللطيف سابقه؛ لأنه ~~ولد سنة 557 وتوفي سنة 629ه، ولكن لسوء الحظ قد ضاعت تلك المصادر في جملة ما ضاع من ~~مؤلفات العرب. # على أننا إذا تدبرنا ما ذكره ابن النديم في كتاب الفهرست عن أخبار الفلاسفة ~~الطبيعيين من حكاية إنشاء مكتبة الإسكندرية، يتضح لنا أن في جملة المصادر التي ~~نقلت عنها تلك الرواية تاريخا لرجل اسمه إسحاق الراهب، كان يبحث في أخبار اليونان ~~والرومان وآدابهما. # ومن جملة ما نقلوه عنه خبر إنشاء مكتبة الإسكندرية على يد زميرة، وهاك نصه: «إن ~~بطولوماوس فيلادلفوس من ملوك الإسكندرية لما ملك فحص عن كتب العلم وولى أمرها ~~رجلا يعرف بزميرة، فجمع من ذلك - على ما حكى - أربعة وخمسين ألف كتاب ومائة ~~وعشرين كتابا، وقال له: أيها الملك قد بقي في الدنيا شيء كثير في السند والهند ~~وفارس وجرجان والأرمان وبابل والموصل وعند الروم»، # 8 # وهي نفس عبارة ابن القفطي، فالظاهر أنه أخذ إنشاء المكتبة عن إسحاق ~~المذكور، وأخذ حريقها عن سواه، ولولا ما نقله ابن النديم عن إسحاق الراهب من أمر ~~الفلاسفة لما علمنا بوجوده، وظنناه لم يقل شيئا كما ظننا المسلمين لم يذكروا شيئا ~~عن حريق مكتبة الإسكندرية على يد عمرو. # فيؤخذ مما تقدم أن حكاية إحراق مكتبة الإسكندرية لم يختلقها أبو الفرج لتعصب ~~ديني، ولا دسها أحد بعده، بل هو نقلها عن ابن القفطي ms0405 وهو قاض من قضاة المسلمين، ~~عالم بالفقه والحديث وعلوم القرآن واللغة والنحو والأصول والمنطق والنجوم والهندسة ~~والتاريخ والجرح والتعديل، وكان صدرا محتشما جمع من الكتب ما لا يوصف، وكانوا ~~يحملونها إليه من الآفاق، وكانت مكتبته تساوي خمسين ألف دينار، ولم يكن يحب من ~~الدنيا سواها، وله حكايات غريبة عن غرامه بالكتب، ولم يخلف ولدا فأوصى بمكتبته ~~لناصر الدولة صاحب حلب، وله مؤلفات عديدة في التاريخ والنحو واللغة، وفي جملتها ~~«كتاب أخبار مصر من ابتدائها إلى أيام صلاح الدين» في ستة مجلدات، # 9 # وكتاب «تراجم الحكماء» الذي نحن بصدده. وأن ابن القفطي وعبد اللطيف ~~البغدادي أخذا عن مصدر ضائع. # وأما خلو كتب الفتح من ذكر هذه الحادثة فلا بد له من سبب، والغالب أنهم ذكروها ~~ثم حذفت بعد نضج التمدن الإسلامي واشتغال المسلمين بالعلم ومعرفتهم قدر الكتب، ~~فاستبعدوا حدوث ذلك في عصر الخلفاء الراشدين فحذفوه، أو لعل لذلك سببا آخر، وعلى ~~أي حال فقد ترجح عندنا صدق رواية أبي الفرج. # ثالثا: # ورد في أماكن كثيرة من تواريخ المسلمين خبر إحراق مكتبات فارس وغيرها ~~على الإجمال، وقد لخصها صاحب كشف الظنون في عرض كلامه عن علوم الأقدمين ~~بقوله: «إن المسلمين لما فتحوا بلاد فارس وأصابوا من كتبهم، كتب سعد ~~بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في شأنها وتنقيلها للمسلمين، ~~فكتب إليه عمر (رضي الله عنه) أن «اطرحوها في الماء، فإن يكن ما فيها ~~هدى فقد هدانا الله تعالى بأهدى منه، وإن يكن ضلالا فقد كفانا الله ~~تعالى» فطرحوها في الماء أو في النار، فذهبت علوم الفرس فيها». # 10 # وجاء في أثناء كلامه عن أهل الإسلام وعلومهم: «إنهم أحرقوا ما ~~وجدوا من الكتب في فتوحات البلاد»، # 11 # ولا بد من أصل نقل صاحب كشف الظنون عنه، وقد أشار ابن ~~خلدون إلى ذلك بقوله: «فأين علوم الفرس التي أمر عمر (رضي الله عنه) ~~بمحوها عند الفتح». # 12 # رابعا: # إن أحراق الكتب كان شائعا في تلك العصور تشفيا من عدو أو نكاية ~~فيه، ms0406 فكان أهل كل شيعة أو ملة يحرقون كتب غيرها، كما فعل عبد الله بن ~~طاهر بكتب فارسية كانت لا تزال باقية إلى أيامه (سنة 213ه) من مؤلفات ~~المجوس، وقد عرضت عليه فلما تبين حقيقتها أمر بإلقائها في الماء، وبعث ~~إلى الأطراف أن من وجد شيئا من كتب المجوس فليعدمه. # 13 # ولما فتح هولاكو التتري بغداد سنة 656ه أمر بإلقاء كتب العلم التي كانت في ~~خزائنها بدجلة، وكانت شيئا لا يعبر عنه، مقابلة في زعمهم بما فعله المسلمون لأول ~~الفتح بكتب الفرس وعلومهم، # 14 # وقال آخرون: إنه بنى بتلك الكتب إسطبلات الخيول وطوالات المعالف عوضا ~~عن اللبن، # 15 # والأرجح أنه أغرقها انتقاما من أهل السنة. # ولما فتح الإفرنج طرابلس الشام في أثناء الحروب الصليبية أحرقوا مكتبتها بأمر ~~الكونت برترام سنت جيل، وكان قد دخل غرفة فيها نسخ كثيرة من القرآن، فأمر بإحراق ~~المكتبة كلها وفيها على زعمهم ثلاثة ملايين مجلد، # 16 # وفعل الأسبان نحو ذلك بمكتبات الأندلس لما استخرجوها من أيدي المسلمين ~~في أواخر القرن الخامس عشر. # خامسا: # إن أصحاب الأديان في تلك العصور كانوا يعدون هدم المعابد القديمة ~~وإحراق كتب أصحابها من قبيل السعي في تأييد الأديان الجديدة فأباطرة ~~الروم حالما تنصروا أمروا بهدم هياكل الأوثان في مصر وإحراقها بما فيها ~~من الكتب وغيرها، وكان خلفاء المسلمين إذا أرادوا اضطهاد المعتزلة وأهل ~~الفلسفة أحرقوا كتبهم، والمعتزلة كثيرا ما كانوا يتجنبون ذلك تحت خطر ~~القتل فيستترون ويجتمعون سرا والخلفاء يتعقبون آثارهم ويحرقون كتبهم، ~~ومن أشهر الحوادث من هذا القبيل ما فعله السلطان محمود الغزنوي لما فتح ~~الري وغيرها سنة 420ه، فإنه قتل الباطنية ونفى المعتزلة وأحرق كتب ~~الفلاسفة والاعتزال والنجامة. # 17 # سادسا: # في تاريخ الإسلام جماعة من أئمة المسلمين أحرقوا كتبهم من تلقاء ~~أنفسهم، منهم أحمد بن أبي الحواري، فإنه لما فرغ من التعلم جلس للناس ~~فخطر بقلبه يوما خاطر من قبل الحق فحمل كتبه إلى شط الفرات فجلس يبكي ~~ساعة ثم قال: «نعم الدليل كنت لي على ربي، فلما ظفرت ms0407 بالمدلول ~~فالاشتغال بالدليل محال» فغسل كتبه. وذكروا عن سفيان الثوري أنه أوصى ~~بدفن كتبه، وأن أبا عمرو بن العلاء كانت كتبه ملء بيت إلى السقف ثم ~~تنسك وأحرقها. # 18 # فيرجح مما تقدم أن العرب أحرقوا ما عثروا عليه من كتب العلم القديمة في الصدر ~~الأول تأييدا للإسلام، فلما تأيد سلطانهم واشتغلوا بالعلوم عوضوا على العالم أضعاف ~~ما أحرقوه، كما سترى. ~~(1-4) الرومان والإسلام والعلم # من جملة ما يرمى به العرب من المطاعن «أنهم حتى في إبان تمدنهم لم يشتغلوا هم ~~أنفسهم في العلم، وإنما كان المشتغلون به الفرس وغيرهم من الأمم الخاضعة لسلطانهم، ~~بخلاف اليونان والرومان وغيرهما من دول التمدن القديم، فقد كانوا هم أنفسهم يشتغلون ~~بالعلم، وقد وضعوا علوما تناقلها الناس عنهم، وأما العرب فأكثر علومهم منقولة عن ~~سواهم». # فأصحاب هذا القول يقابلون بين دولة الرومان ودولة العرب، والصواب أن يقابلوا بين ~~الرومان والإسلام؛ لأن العرب أسسوا دولة الإسلام كما أسس أهل رومية دولة الرومان، ~~ودخل في دين الإسلام أمم كثيرة اختلطوا بالعرب فتألف منهم أمة الإسلام، كما اختلطت ~~شعوب الممالك التي فتحها أهل رومية وصارت أمة واحدة تعرف بأمة الرومان. # فإذا قابلنا بين الإسلام والرومان رأينا المسلمين أكثر اشتغالا بالعلم والأدب من ~~أولئك؛ لأن كليهما نقلا العلم عن اليونان، المشتغلون به من الرومان لم يكونوا من ~~أهل رومية، كما أن المشتغلين به من المسلمين لم يكونوا كلهم من أهل جزيرة العرب، ~~والسبب في اجتماع شعوب المملكة الرومانية باسم الرومان، وعدم اجتماع شعوب المملكة ~~الإسلامية باسم العرب، أن العرب فتحوا بلادا أهلها عريقون في الحضارة، فلم يمكن ~~اندماجهم وضياع جنسياتهم، وقد ساعد على ذلك تفرق المذاهب، ومبالغة العرب في تفضيل ~~أنفسهم على سواهم من الأمم الخاضعة لسلطانهم. # أما اليونان فلا جدال في أنهم واضعو العلم والفلسفة، لما في فطرتهم من الاقتدار ~~على ذلك - وإن كانوا قد بنوا علمهم وفلسفتهم على أسس أخذوا بعضها من المصريين ~~القدماء، والبعض الآخر من الكلدان وغيرهم - ولكنهم يعدون واضعين، فهم يفضلون ~~الرومان والعرب من ms0408 هذا القبيل، ولكنهم أضعف منهما في إنشاء الحكومات وسن الشرائع؛ ~~لأن اليونان لم يطل أمر دولتهم ولا نظموا حكومة ثابتة، وإنما كانوا دولا صغيرة ~~متفرقة يتنازعون ويتنافرون ويتنافسون. # ثم إن الرومان أخذوا العلم والفلسفة عن اليونان، وقلما زادوا فيهما ، ولكنهم ~~نظموا الحكومة ووضعوا الشرائع والقوانين، ونظموا دولة عظيمة مما لم يستطعه اليونان، ~~فالرومان أهل فتح وسلطان، واليونان أهل تصور وخيال، وأما العرب فقد جمعوا ~~الحسنتين؛ لأنهم أهل فتح وسلطان وأهل تصور وخيال؛ ولذلك فإنهم أنشأوا دولة ~~بعيدة الأطراف، ووضعوا الشرائع والنظم (الفقه) ولم يكتفوا بنقل العلم عن اليونان ~~واستبقائه على حاله، بل هم درسوه وزادوا فيه من نتائج قرائحهم وعقولهم، وبما نقلوه ~~من علوم الفرس والهند والكلدان وغيرهم، فضلا عما وضعوه هم أنفسهم من العلوم ~~الإسلامية واللسانية وما تفردوا فيه من قريحة الشعر، وليس هنا محل الإفاضة في ~~ذلك. ~~(1-5) حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم # قد تقدم أن العلوم التي حدثت في التمدن الإسلامي صنفان: العلوم الإسلامية، ~~والعلوم الدخيلة. فتغلب العلوم الإسلامية في غير العرب من المسلمين، سببه أن ~~العرب قاموا بالإسلام وفتحوا الفتوح وهم أهل بادية أميون، فانصرف همهم في بدء ~~الدعوة إلى نشر دينهم وإنشاء دولتهم مما لا يحتاج إلى علم. وإنما كانت حاجتهم من ~~العلم إلى القرآن، يدعون الناس به إلى الإسلام، وكانوا يستظهرونه ويتناقلونه ~~بالتلقين. ولم يمض على ظهور الدعوة بضع وعشرون سنة حتى فتحوا الشام والعراق ومصر ~~وفارس وإفريقية وغيرها، والمسلمون (العرب) يومئذ هم الجند الفاتح، وكانوا قليلين ~~بالنظر إلى ذلك الملك الواسع، فضلا عمن قتل منهم في الحروب والفتن. # ومع ذلك فقد كانوا مطالبين بحفظ تلك المملكة وحماية أهلها وتدبير شؤونها. فأصبح ~~همهم الاشتغال بالرئاسة في الجند والحكومة. ونظرا لفطرتهم الخيالية انصرفت قرائحهم ~~إلى الاشتغال بالشعر والخطابة والأمثال - وهي آدابهم في جاهليتهم - وتحريض أبنائهم ~~على إتقانها مع المثابرة على أسباب الرياضة البدنية بالفروسية والعناية بالخيل، مما ~~أعانهم على الفتح ونشر الدين، وأصبحوا يخافون التحضر لئلا يذهب بنشاطهم ~~وجامعتهم. # وكأن رجلهم العظيم عمر بن ms0409 الخطاب نظر إلى مستقبل الإسلام من طرف خفي، فمنعهم من ~~الزرع والاشتغال بأسباب الحضارة، ولهذا السبب لما تفرق العرب في الأمصار وتعرضوا ~~لأخطار البحار، كتب إليهم عمر أن يمارسوا السباحة أيضا، وهاك نص كتابه: «أما بعد ~~فعلموا أولادكم السباحة والفروسية ، ورووهم ما سار من المثل وحسن من الشعر». # 19 # ولما فسدت اللغة واختلفت القراءات، وأزمع الخلفاء على جمع القرآن وتدوينه، كان ~~أكثر المتهافتين على حفظه من المسلمين غير العرب، وهم الموالي وأكثرهم من الفرس، ~~وكانوا يومئذ أهل تمدن وعلم، وكان العرب يعرفون لهم ذلك، ومن الأحاديث النبوية: «لو ~~تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس»، # 20 # وكان الفرس من الجهة الأخرى يرون للعرب مزية عليهم بالسيادة والنبوة ~~وهيبة الفتح، فجعلوا يتقربون إليهم بالعلم على ما تتطلبه حال الإسلام - وهو في ~~أوائل دولتهم عبارة عن قراءة القرآن وحفظه وتفسيره وجمع الحديث وإسناده وحفظه - ~~لذلك كان أكثر الحفاظ والقراء والمحدثين والفقهاء والمفسرين من العجم، وإذا كان ~~فيهم أحد من العرب فالأغلب فيه أن يكون من القبائل الصغرى التي لا شأن لها في ~~الفتح، كالأصمعي فقد كان عربيا ولكنه كان من قبيلة باهلة الموصوفة بالخساسة وفيها ~~يقول بعض الشعراء: # لو قيل للكلب يا باهلي # عوى الكلب من لؤم ذاك النسب # على أن الأكثرين كانوا من غير العرب، فوهب بن منبه من أقدم رواة الحديث وأصحاب ~~التفسير وهو فارسي الأصل، ونافع القارئ ديلمي، وقس على ذلك سائر العلماء، فمن أكابر ~~الفقهاء وأقدمهم الحسن بن أبي الحسن، ومحمد بن سيرين بالبصرة، وعطاء بن أبي رباح ~~ومجاهد وسعيد ابنا جبير وسليمان بن يسار في مكة، وزيد بن أسلم ومحمد بن المنكدر ~~ونافع ابن أبي نجيح في المدينة، وربيعة الرأي وابن أبي الزناد في قباء، وطاوس وابنه ~~وابن منبه في اليمن، ومكحول في الشام، وغيرهم في أماكن أخرى، وكلهم من الموالي أي ~~المسلمين غير العرب. # 21 # ولما دعا فساد اللغة إلى ضبط قواعدها وجمع ألفاظها، كان العجم أحوج إلى ذلك من ~~العرب، لاستغناء العربي بملكته ms0410 الفطرية عن تعلم القواعد وحفظ الألفاظ، فاشتغل ~~الأعاجم بعلوم اللغة وكان أكثر علماء الأدب واللغة منهم، كحماد الراوية وهو ديلمي، ~~والخليل وسيبويه والأخفش والفارسي والزجاج وغيرهم من الفرس أو من في معناهم. # أما العلوم الدخيلة وهي العلم والفلسفة فالمشتغلون بها للعرب هم غير العرب وغير ~~المسلمين؛ لأن العباسيين لما أرادوا نقل كتب اليونان والفرس والهند إلى العربية، ~~استخدموا عارفي هذه الألسنة من الكلدان والسريان والفرس وغيرهم لنقلها، وأكثرهم من ~~النصارى كما سيجيء. # فالعرب اشتغلوا عن العلم في أول دولتهم بالرئاسة والسياسة للأسباب التي قدمناها، ~~وما زالوا هم أهل الدولة وحاميتها وأولى سياستها إلى أوائل الدولة العباسية، فتولد ~~فيهم بتوالي الأجيال الأنفة من انتحال العلم؛ لأنه صار من جملة الصناعات - وأهل ~~الرئاسة يستنكفون من الصناعات والمهن - وكانوا إذا رأوا عربيا يشتغل في اللغة أو ~~التعليم عابوه وقالوا: «إنه يشتغل بصناعات الموالي»، ومن أقوالهم: «ليس ينبغي ~~للقرشي أن يستغرق في شيء من العلم إلا علم الأخبار، وأما غير ذلك فالنتف والشذر من ~~القول». ومر رجل من قريش بفتى من ولد عتاب بن أسيد وهو يقرأ كتاب سيبويه فقال: «أف ~~لكم ... علم المتأدبين وهمة المحتاجين». # 22 # ولا بأس من اشتغال الموالي بالعلوم الإسلامية وهم مسلمون، على أننا لا نعد العرب ~~الذين تحضروا في الدولة العباسية عربا خلصا لاختلاطهم بالموالي والمماليك ~~بالمصاهرة والمعاشرة والمساكنة، حتى الخلفاء فإن أكثر أمهاتهم من غير العرب، ~~وسنعود إلى هذا البحث في جزء آخر. ~~(1-6) تدوين العلم في الإسلام # قلنا فيما تقدم: إن الخلفاء الراشدين كانوا يخافون الحضارة على العرب، لئلا ~~تذهب بنشاطهم وبداوتهم، ولذلك منعوهم من تدوين الكتب؛ لأن علومهم في أوائل ~~الإسلام كانت مقصورة على القرآن والتفسير ورواية الأحاديث، ونظرا لقلة الاختلاف ~~ولسهولة المراجعة والاستفتاء من ثقات الصحابة والتابعين، لقرب عهدهم من صاحب ~~الشريعة، كانوا في غنى عن تدوين تلك العلوم. ويستدل مما روي عن أبي سعيد الخدري ~~أنه استأذن النبي في كتابة العلم فلم يأذن له، وروي عن ابن عباس أنه نهى عن ~~الكتابة وقال: «إنما ms0411 ضل من كان قبلكم بالكتابة». وجاء رجل إلى ابن عباس فقال: ~~«إني كتبت كتابا أريد أن أعرضه عليك» فلما عرضه عليه أخذه منه ومحاه بالماء، وقيل ~~له: «لماذا فعلت ذلك؟» فقال: «لأنهم إذا كتبوا اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحفظ، ~~فيعرض للكتاب عارض فيفوت علمهم»، # 23 # وإن الكتاب يزاد فيه وينقص ويغير والمحفوظ لا يمكن تغييره. # وكان هذا الاعتقاد فاشيا في الصحابة والتابعين، وتمسك به جماعة من كبارهم، ~~وكانوا إذا سئلوا تدوين علمهم أبوا واستنكفوا - ولعلهم كانوا يفعلون ذلك ليبقى ~~الناس في حاجة إليهم رأسا، سأل رجل سعيد بن جبير - وهو من أعلام التابعين - أن ~~يكتب له تفسير القرآن فغضب وقال: «لأن يسقط شقي أحب إلي من ذلك». # 24 # فقضى العرب عصر بني أمية وهم يشتاقون إلى البداوة؛ لأن دولتهم كانت عربية ~~بدوية، فانقضى القرن الأول وبعض القرن الثاني للهجرة والمسلمون يتناقلون العلم ~~بالتلقين، ويعتمدون على الحفظ، ولم يدونوا غير القرآن لأسباب سيأتي بيانها، وكان ~~أبو بكر قد توقف عن جمعه وتدوينه وقال: «كيف أفعل أمرا لم يفعله رسول الله؟» # 25 # أما ما خلا ذلك من التفسير والحديث والأشعار والأخبار والأمثال فقد كانوا ~~يتناقلونها في صدورهم، وأكثرهم يقرأون ولكنهم لا يكتبون، وقد يكون بعضهم حافظا ~~ومفسرا وهو لا يقرأ، كما كان شأنهم في الجاهلية: يشعرون ويخطبون ولا يقرأون. # فلما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار، وتفرقت الصحابة في الأقطار وحدثت الفتن ~~واختلفت الآراء وكثرت الفتاوى والرجوع إلى الكبراء، اضطروا إلى تدوين الحديث والفقه ~~وعلوم القرآن، واشتغلوا في النظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط، وتمهيد القواعد ~~والأصول وترتيب الأبواب والفصول، فرأوا ذلك مستحبا فعمدوا إلى التدوين ورجعوا إلى ~~حديث رواه أنس بن مالك وهو قوله: «قيدوا العلم بالكتابة»، # 26 # وقوله: «العلم صيد والكتابة قيد». # 27 # على أنهم ظلوا مع ذلك يستنكفون من التدوين بأيديهم، فكانوا يستكتبون الكتاب أو ~~يلقون دروسهم بطريق الإملاء، وذلك أن يتكلم المحدث أو الفقه والتلميذ يكتب على الرق ~~أو القرطاس أو الكاغد، فيبدأ المستملي في أول القائمة بقوله: «مجلس أملاه شيخنا ~~فلان ms0412 بجامع كذا في يوم كذا» ويذكر التاريخ، ثم يورد المملي بإسناده سواء كان حديثا ~~أو خبرا، وإذا كان فيه غريب يحتاج إلى التفسير فسره، وأورد أشعار العرب وغيرها ~~بأسانيدها، أو الفوائد اللغوية بإسناد أو بغير إسناد على ما يختاره، # 28 # وهذا معنى قولهم «أمالي» المحدث فلان أو اللغوي، أي ما أملاه من ~~الفنون. # وظلوا - حتى بعد اشتغالهم بالتأليف - يحرضون الناس على الحفظ والتعويل على ~~السماع، وكان أحوج العلوم إلى ذلك علم الدين ثم الشعر، لما فيه من الألفاظ الغريبة ~~واللغات المختلفة والكلام الوحشي وأسماء الشجر والنبات والمواضع والمياه؛ لأن ~~الكتابة في القرون الأولى للإسلام كانت بلا نقط، فلا تفرق في شعر الهذليين إذا أنت ~~قرأته بين «شابة» و«ساية» وهما موضعان. ولا تثق بمعرفتك في تمييز أمثالهما مما ~~تتشابه صوره بدون إعجام. وقرئ يوما على الأصمعي في شعر ابن ذؤيب: «بأسفل ذات الدير ~~أفرد جحشها» فقال أعرابي حضر مجلس القارئ: «ضل ضلالك أيها القارئ ... إنما هي ذات ~~الدبر (بالباء) وهي ثنية عندنا» فأخذ الأصمعي بذلك فيما بعد. ومن يرى شعر المعذل في ~~وصف الفرس: # من السح جوالا كأن غلامه # يصرف سبدا في العنان عمردا # إذا كان بلا تنقيط ولا يقرأ «سيدا» بالياء، لانصراف الذهن إلى السيد وهو ~~الذئب؟ وقد أخطأ في ذلك أكثر الذين قرأوا هذا البيت. # 29 # فظل المسلمون زهاء قرن وليس عندهم كتاب مدون غير القرآن، مع أن الكتابة كانت ~~شائعة يومئذ، وقد نبغ جماعة من مفسري القرآن ورواة الحديث وعلماء النحو واللغة ~~وناظمي الشعر ورواته، وإنما كانت الكتابة العربية مستخدمة لكتابة القرآن أو ~~الرسائل إلى القواد، ولتدوين الحساب في دفاتر الحكومة بعد أن انتقلت الدواوين إلى ~~العربية، أما سائر العلوم فكانت تتناقل بالسماع وتحفظ في الصدور، وربما دون ~~بعضها في صحف غير مرتبة، وأما تأليف الكتب فلم يكن معروفا عندهم. # واختلف مؤرخو المسلمين في أول من صنف الكتب في الإسلام، فقال بعضهم: إنه ابن ~~جريج البصري المتوفى سنة 155ه، # 30 # وقال غيرهم غير ذلك، ولم يخرجوا على أي ms0413 حال عن أواسط القرن الثاني ~~للهجرة، وأن أول ما دون - بعد القرآن والتفسير - الحديث. ولكننا رأينا من ألف ~~قبل ذلك بنصف قرن، وأن أول ما دونوه من العلوم بعد القرآن التفسير، وأقدم ما ~~علمنا به من التفاسير تفسير مجاهد بن جبير المتوفى سنة 104ه. # 31 # ثم اشتغلوا في تدوين التاريخ وخصوصا المغازي، وأقدم ما وصل إلينا خبره ~~من كتبهم في هذا الموضوع كتاب ألفه وهب بن منبه صاحب الأخبار والقصص المتوفى سنة ~~116ه، وهو من أبناء الفرس المولدين باليمن، فألف كتابا في الملوك المتوجة من ~~حمير وأخبارهم وأشعارهم وقصصهم، قال ابن خلكان: إنه شاهده بنفسه وأثنى عليه، # 32 # ثم كتاب المغازي لمحمد بن مسلم بن شهاب الزهري المتوفى سنة 141ه، # 33 # ثم ألف المسلمون في الحديث والفقه في أواسط القرن الثاني للهجرة، ~~فصنف ابن جريج بمكة وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، وألف ~~أبو حنيفة في الفقه والرأي في الكوفة، وصنف الأوزاعي في الشام، ومالك جمع الموطأ ~~بالمدينة، وغيرهم، # 34 # ثم تكاثرت التآليف بعد ذلك كما سيأتي. ~~(1-7) الخط العربي ~~(أ) تاريخه # ليس في آثار العرب بالحجاز ما يدل على أنهم كانوا يعرفون الكتابة إلا قبيل ~~الإسلام، مع أنهم كانوا محاطين شمالا وجنوبا بأمم من العرب خلفوا نقوشا ~~كتابية كثيرة، وأشهر تلك الأمم حمير في اليمن كتبوا بالحرف المسند، والأنباط في ~~الشمال كتبوا بالحرف النبطي، وآثارهم باقية إلى الآن في ضواحي حوران والبلقاء، ~~والسبب في ذلك أن الحجازيين أو عرب مضر كانت البداوة غالبة على طباعهم، ~~والكتابة من الصناعات الحضرية. # على أن بعض الذين رحلوا منهم إلى العراق أو الشام قبيل الإسلام تخلقوا ~~بأخلاق الحضر، واقتبسوا الكتابة منهم على سبيل الاستعارة، فعادوا وبعضهم يكتب ~~العربية بالحرف النبطي أو العبراني أو السرياني، ولكن النبطي والسرياني ظلا ~~عندهم إلى ما بعد الفتوح الإسلامية، فتخلف عن الأول الخط النسخي (الدارج) وعن ~~الثاني الخط الكوفي نسبة إلى مدينة الكوفة، وكان الخط الكوفي يسمى قبل ~~الإسلام الحيري نسبة إلى الحيرة، وهي مدينة ms0414 عرب العراق قبل الإسلام وابتنى ~~المسلمون الكوفة بجوارها. # ومعنى ذلك أن السريان في العراق كانوا يكتبون ببضعة أقلام من الخط ~~السرياني، في جملتها قلم يسمونه «السطرنجيلي» كانوا يكتبون به أسفار الكتاب المقدس، # 35 # فاقتبسه العرب في القرن الأول قبل الإسلام، وكان من أسباب تلك ~~النهضة عندهم، وعنه تخلف الخط الكوفي وهما متشابهان إلى الآن. # واختلفوا فيمن نقله إلى بلاد العرب، والأشهر أن أهل الأنبار نقلوه - وذلك ~~أن رجلا منهم اسمه بشر بن عبد الملك الكندي أخو أكيدر بن عبد الملك صاحب ~~دومة الجندل، تعلم هذا الخط من الأنبار وخرج إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب ~~بن أمية أخت أبي سفيان والد معاوية، فعلم جماعة من أهل مكة فكثر من يكتب ~~بمكة من قريش # 36 # عند ظهور الإسلام، ولذلك توهم بعضهم أن أول من نقل الخط إلى ~~العرب سفيان بن أمية. # والخلاصة على أي حال أن العرب تعلموا الخط النبطي من حوران في أثناء ~~تجاراتهم إلى الشام، وتعلموا الخط الكوفي من العراق قبل الهجرة بقليل، وظل ~~الخطان معروفين عندهم بعد الإسلام. والأرجح أنهم كانوا يستخدمون القلمين ~~معا: الكوفي لكتابة القرآن ونحوه من النصوص الدينية، كما كان سلفه السطرنجيلي ~~يستخدم عند السريان لكتابة الأسفار المقدسة النصرانية، والنبطي لكتابة ~~المراسلات والمكاتبات الاعتيادية، ومما يدل على تخلف القلم الكوفي عن ~~السطرنجيلي - فضلا عن شكله - أن الألف إذا جاءت حرف مد في وسط الكلمة تحذف، ~~وتلك قاعدة مطردة في الكتابة السريانية، وكان ذلك شائعا في أوائل الإسلام، ~~وخصوصا في القرآن فيكتبون «الكتب» بدل «الكتاب»، و«الظلمين» بدل ~~«الظالمين». # فجاء الإسلام والكتابة معروفة في الحجاز، ولكنها غير شائعة، فلم يكن يعرف ~~الكتابة إلا بضعة عشر إنسانا، أكثرهم من كبار الصحابة وهم: علي بن أبي طالب، ~~وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، وعثمان وأبان ابنا سعيد بن خالد بن حذيفة، ~~ويزيد بن أبي سفيان، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، والعلاء بن الحضرمي، وأبو سلمة ~~بن عبد الأشهل، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وحويطب بن ms0415 عبد العزى، وأبو سفيان ~~بن حرب وولده معاوية، وجهيم بن الصلت بن مخرمة، ثم تعلم غيرهم من الصحابة، ~~ومنهم خرج كتاب الدواوين للخلفاء الراشدين وكتاب الرسائل وكتاب القرآن، ~~فكتبوا القرآن بالكوفي أيام الراشدين وأيام بني أمية، وفي أيامهم تفرع الخط ~~المذكور إلى أربعة أقلام، اشتق بعضها من بعض كاتب اسمه قطبة كان أكتب أهل ~~زمانه، وكان يكتب لبني أمية المصاحف، ثم اشتهر بعده الضحاك بن عجلان في أوائل ~~الدولة العباسية فزاد على قطبة، وزاد بعده إسحاق بن حماد وغيره، فبلغ عدد ~~الأقلام العربية إلى أوائل الدولة العباسية 12 قلما وهي: ~~(1) # قلم الجليل. ~~(2) # قلم السجلات. ~~(3) # قلم الديباج. ~~(4) # قلم أسطورمار الكبير. ~~(5) # قلم الثلاثين. ~~(6) # قلم الزنبور. ~~(7) # قلم المفتح. ~~(8) # قلم الحرم. ~~(9) # قلم المدمرات. ~~(10) # قلم العهود. ~~(11) # قلم القصص. ~~(12) # قلم الحرفاج. # وفي أيام المأمون تنافس الكتاب في تجويد الخط، فحدث القلم المرصع، وقلم ~~النساخ، وقلم الرياسي نسبة إلى مخترعه ذي الرياستين الفضل بن سهل، وقلم الرقاع، ~~وقلم غبار الحلية. # 37 # فزادت الخطوط على عشرين شكلا، وكلها تعد من الكوفي، وأما الخط النسخي أو ~~النبطي فقد كان شائعا بين الناس لغير المخطوطات الرسمية، حتى إذا نبغ ابن مقلة ~~المتوفى سنة 328ه أدخل في الخط المذكور تحسينا جعله على نحو ما هو عليه الآن ~~وأدخله في كتابة الدواوين، والمشهور عند المؤرخين أن ابن مقلة نقل الخط من ~~صورة القلم الكوفي إلى صورة القلم النسخي، والغالب في اعتقادنا أن الخطين ~~كانا شائعين معا من أول الإسلام: الكوفي للمصاحف ونحوها، والنسخي (أو النبطي) ~~للرسائل ونحوها كما تقدم، وأن ابن مقلة إنما جعل الخط النسخي على قاعدة ~~جميلة حتى يصلح لكتابة المصاحف. # وقد شاهدنا في معرض الخطوط العربية القديمة في دار الكتب الخديوية (دار الكتب ~~المصرية الآن) عقد نكاح مكتوبا في أواسط القرن الثالث للهجرة سنة 264ه على رق ~~مستطيل في أعلاه صورة العقد بالقلم الكوفي المنتظم، وتحتها خطوط الشهود بالقلم ~~النسخي بغاية الاختلال - فابن مقلة حسن هذا الخط تحسينا وأدخله في كتابة ~~المصاحف. # ثم تفرع الخط النسخي المذكور بتوالي الأعوام ms0416 إلى فروع كثيرة، وأصبحت الأقلام ~~الرئيسية في اللغة العربية اثنين: الكوفي، والنسخي. ولكل منهما فروع كثيرة، ~~اشتهر منها بعد القرن السابع للهجرة ستة أقلام وهي: الثلث والنسخي والتعليقي ~~والريحاني والمحقق والرقاع. واشتهر من الخطاطين جماعة كبيرة ألفوا فيه الكتب ~~والرسائل، بعضها في أدوات الخط كالأقلام وطرق بريها وأحوال الشق والقط والدواة ~~والمداد والكاغد وغير ذلك، # 38 # وما زال الخط يتفرع إلى اليوم، ولن يزال إلى ما شاء الله عملا ~~بسنة الارتقاء. ~~(ب) الحركات # وكان القرآن في أول الإسلام محفوظا في صدور القراء، لا خوف من الاختلاف في ~~قراءته لكثرة عنايتهم في تناقله وضبط ألفاظه، حتى دونوه وكثر أهل الإسلام، فمضى ~~نصف القرن الأول للهجرة والناس يقرأون القرآن بلا حركات ولا إعجام، وأول ما ~~افتقروا إليه الحركات، وأول من رسمها أبو الأسود الدؤلي واضع النحو العربي ~~المتوفى سنة 69ه، فإنه وضع نقطا تمتاز بها الكلمات أو تعرف بها الحركات، ~~ولذلك توهم بعضهم أنه وضع الإعجام، والحقيقة أنه وضع نقطا لتمييز الاسم من ~~الفعل من الحرف، وليس لتمييز الباء من التاء أو الجيم من الحاء، والأرجح أنه ~~اقتبس ذلك من الكلدان أو السريان جيرانه في العراق، وكان عندهم نقط كبيرة توضع ~~فوق الحرف أو تحته لتعيين لفظه أو تعيين الكلمة الواقع هو فيها اسم هي أم فعل ~~أم حرف. مثل قولهم: «كتب»، فيمكن أن تكون اسما جمع كتاب، أو فعلا ماضيا ~~معلوما أو مجهولا، وكان عندهم أيضا نقط هي حركات وضعها يعقوب الرهاوي قبيل ~~ذلك الزمن، # 39 # وهي عبارة عن نقط كانت ترسم في حشو الحروف، ثم تحولت إلى نقط ~~مزدوجة تنوب عن الحركات الثلاث، وما زالت عندهم إلى اليوم، فالظاهر أن أبا ~~الأسود اقتبس هذه الحركات، ويؤيد ذلك أنه لما أراد التنقيط أتوه بكاتب فقال ~~له أبو الأسود: «إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، ~~وإذا ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف»، # 40 # فكان العرب بعد ذلك يستعملون هذه ms0417 النقط، والغالب أن يكتبوها بلون ~~غير لون الخط، وقد شاهدنا في دار الكتب المصرية مصحفا كوفيا منقطا على هذه ~~الكيفية، وجدوه في جامع عمرو بجوار القاهرة وهو من أقدم مصاحف العالم، ومكتوب ~~على رقوق كبيرة بمداد أسود وفيه نقط حمراء اللون، فالنقطة فوق الحرف فتحة، ~~وتحته كسرة، وبين يدي الحرف ضمة كما وصفها أبو الأسود. ~~(ج) الإعجام # كان الخط لما اقتبسه العرب من السريان والأنباط خاليا من النقط - ولا تزال ~~الخطوط السريانية بلا نقط إلى اليوم - فالإعجام حادث في العربية وهو قديم فيها، ~~والظاهر أن المسلمين بعد أن استخدموا الحركات المذكورة رأوا التصحيف قد ~~تكاثر، والتبس الناس في القراءة لتكاثر الأعاجم من القراء، والعربية ليست ~~لغتهم فصعب عليهم التمييز بين الأحرف المتشابهة في شكلها، كالجيم والحاء، ~~والسين والشين، والباء والتاء والثاء، فانتبه لذلك الحجاج أمير العراق في أيام ~~عبد الملك بن مروان - قال ابن خلكان: «ففزع الحجاج إلى كتابه، وسألهم أن ~~يضعوا لهذه الأحرف المتشابهة علامات تميزها بعضها من بعض، فيقال: إن نصر بن ~~عاصم قام بذلك فوضع النقط أفرادا وأزواجا، وخالف بين أماكنها، فعبر الناس ~~بذلك زمانا لا يكتبون إلا منقوطا ولكن مع استعمال النقط أيضا كان يقع ~~التصحيف، فأحدثوا الإعجام فكانوا يتبعون النقط بالإعجام»، # 41 # وفي عبارة ابن خلكان هذه التباس، لا يفهم المراد بها ولا ما ~~الفرق بين التنقيط والإعجام وهما واحد، ولا يعقل أن يكون المراد بالنقط ~~الحركات؛ لأنهم إنما عمدوا إليها لكثرة التصحيف، أي اختلاف القراءة باختلاف ~~النقط، فالظاهر أن النقط المذكورة هي من قبيل الإعجام لتمييز الحروف ~~المتشابهة، ولكن نصرا هذا لم ينقط إلا بضعة حروف مما يكثر وروده ويخشى ~~الالتباس فيه، ثم رأوا القراءة لا تضبط إلا بتنقيط كل الحروف كما هي الآن، ~~وهذا ما عبروا عنه بالإعجام. # وقد شاهدنا في معرض الخطوط في دار الكتب المصرية كتابة عربية على صفحة من ~~البردي (البابيروس) مؤرخة سنة 91ه وفيها إعجام، لكنه قاصر على الصور المشابهة ~~للباء للتمييز بين الباء والياء والتاء، وصورة حرف الشين ms0418 لتمييزه من السين ~~بثلاث نقط موضوعة على استواء واحد، وشاهدنا أجزاء من مصاحف أخرى مكتوبة على ~~رقوق صغيرة وعليها نقط حمراء للحركات ونقط سوداء للإعجام، وقد تجد خطوطا قديمة ~~منقطة ومحركة وخطوطا حديثة بلا تنقيط ولا تحريك. # فيؤخذ من ذلك أن العرب استخدموا الحركات والإعجام من أواسط القرن الأول، ~~ولكنهم ظلوا مع ذلك يكرهونهما إلا حيث يريدون التدقيق بنوع خاص كالمصاحف ~~ونحوها، أما فيما خلا ذلك فكانوا يفضلون ترك النقط، لا سيما إذا كان المكتوب ~~إليه عالما. وقد حكي أنه عرض على عبد الله بن طاهر خط بعض الكتاب فقال: ~~«ما أحسنه لولا كثرة شونيزه (أي نقطه)». ويقال: «كثرة النقط في الكتاب سوء ظن ~~في المكتوب إليه». # وقد يقع بالنقط ضرر، كما حكي عن جعفر المتوكل أنه كتب إلى بعض عماله: «أن ~~أحص من قبلك من الذميين وعرفنا بمبلغ عددهم» فوقع على الحاء نقطة فجمع العامل ~~من كان في عمله منهم وخصاهم فماتوا غير رجلين. # 42 # ولذلك ظل الكتاب في أثناء التمدن الإسلامي مخيرين بين الإعجام وعدمه، ~~والغالب عدم الإعجام. وقد حدث بسبب ذلك التباس في كثير من الأحوال، وخصوصا في ~~أسماء الأماكن الغريبة أو الألفاظ الغريبة ونحوهما. # 43 # وكان الأدباء يستحسنون الإعجام في كتب العلوم، ويستهجنونه في ~~المراسلات؛ ولذلك استحسنوا مشق الخط في المكاتبات؛ لأنهم لفرط إدلالهم في ~~الصنعة وتقدمهم في الكتابة يكتفون بالإشارة ويقتصرون على التلويح ويرون الحاجة ~~إلى استيفاء الإبانة تقصيرا. # 44 ~~(د) أدوات الكتابة # أما أدوات الكتابة فقد وفينا الكلام عنها في الجزء الأول من هذا الكتاب، ~~وظلوا يكتبون إلى أواخر دولة الأمويين على الجلود والرقوق دروجا، فكانت دفاتر ~~الحكومة عبارة عن لفائف من الجلد. فلما أفضى الأمر إلى العباسيين وقام أبو ~~العباس السفاح بالأمر واستوزر خالد بن برمك، غير خالد الدفاتر من الأدارج ~~إلى الكتب، فظلت أعمال الحكومة تدون في كتب من الجلد، إلى أن تصرف جعفر بن ~~يحيى البرمكي بالوزارة في أيام الرشيد فاتخذ الكاغد (الورق) فتداوله الناس من ~~بعده، وظلوا مع ذلك أجيالا ms0419 يكتبون على الجلود والقراطيس والورق الصيني ~~والتهامي والخراساني # 45 # فضلا عن الكاغد يصنعونه كراريس أو دفاتر، وكان بعضهم يفضل الرقاع ~~للكتابة عليها، كالفارابي مثلا فقد كانت كتاباته أكثرها على الرقاع. # 46 ~~(2) العلوم الشرعية الإسلامية # هي العلوم التي اقتضاها الإسلام والتمدن الإسلامي على ما تقدم، وتقسم إلى ثلاثة ~~أقسام: ~~(1) # العلوم الشرعية وهي العلوم الدينية الإسلامية. ~~(2) # العلوم اللسانية وهي التي اقتضاها الإسلام ضمنا، فاحتاجوا إليها في ضبط ~~قراءة القرآن أو تفسيره أو تفهمه وتفهم الحديث. ~~(3) # التاريخ والجغرافيا. ~~(2-1) العلوم الشرعية الإسلامية ~~(أ) القرآن - جمعه وتدوينه # لا غرو إذا اهتم المسلمون بجمع القرآن وحفظه؛ لأن عليه يتوقف دينهم ~~ودنياهم، وأول أسباب حفظه تدوينه، والقرآن لم ينزل مرة واحدة، وإنما نزل ~~تدريجيا في أثناء عشرين سنة على مقتضى الأحوال، من أول ظهور الدعوة إلى وفاة ~~النبي، بعضه في مكة وبعضه في المدينة، فكان كلما تلا آية أو سورة كتبوها على ~~صحف الكتابة في تلك الأيام، وهي الرقاع من الجلود، والعريض من العظام كالأكتاف ~~والأضلاع، وعلى العسب وهي قحوف جريد النخل، واللخاف وهي الحجارة العريضة ~~البيضاء، فتوفي النبي # صلى الله عليه وسلم # سنة 11ه، والقرآن إما مدون على أمثال هذه ~~الصحف، أو محفوظ في صدور الرجال، وكانوا يسمون حفظته «القراء». # وكان أكثر الناس عناية في تدوينه على عهد النبي؛ علي بن أبي طالب، ~~وسعد بن عبيد بن النعمان، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وثابت بن زيد، وأبي ~~بن كعب وغيرهم، فلما قام أبو بكر بالأمر وارتد بعض أهل جزيرة العرب عن الإسلام، ~~بعث جندا لمحاربتهم فقتل من الصحابة في تلك الحروب جماعة كبيرة، وخصوصا في ~~غزوة اليمامة فقتل فيها وحدها 1200 من المسلمين فيهم 700 من القراء. فلما بلغ ~~ذلك إلى أهل المدينة فزعوا فزعا شديدا، وخصوصا عمر بن الخطاب رجل الإسلام ~~والمسلمين، فأشار على أبي بكر بجمع القرآن لئلا يذهب منه شيء بموت أهله، فتوقف ~~أبو بكر وقال: «كيف أفعل أمرا لم يفعله رسول الله ولم يعهد إلينا فيه عهدا؟»، ~~فما زال به عمر ms0420 حتى أقنعه بجمعه، فأحضر أبو بكر زيد بن ثابت؛ لأنه كان من ~~كتبة الوحي، فجمع ما كان مدونا عند الصحابة، وربما وجد السورة الواحدة مكتوبة ~~عند اثنين أو ثلاثة أو أكثر، وقد لا يوجد من السورة الأخرى إلا نسخة واحدة، ~~كسورة التوبة فإنه لم يجد منها إلا نسخة واحدة عند أبي خزيمة الأنصاري، # 47 # فجمعه من تلك المحفوظات ومن صدور الرجال وسلمه إلى أبي بكر، فظلت ~~الصحف عنده حتى توفي سنة 13ه، فلما تولى عمر تسلمها وظلت عنده حتى تولى عثمان ~~سنة 23ه فانتقلت إلى بيت ابنته حفصة من أزواج النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # وفي أيام عثمان اتسعت الفتوح وتفرق المسلمون في مصر والشام والعراق وفارس ~~وإفريقية، وفيهم القراء وعند بعضهم نسخ من القرآن، وقد رتبها كل منهم ترتيبا ~~خاصا، فعول أهل كل مصر على من قام بينهم من القراء. # فأهل دمشق وحمص مثلا أخذوا عن المقداد بن الأسود، وأهل الكوفة أخذوا عن ابن ~~مسعود، وأهل البصرة عن أبي موسى الأشعري، # 48 # وكانوا يسمون مصحفه لباب القلوب - ومع شدة عناية القراء في حفظ ~~القرآن وضبطه لم يخلوا من الاختلاف في قراءة بعض سوره. # واتفق في أثناء ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في جملة من حضر غزو أرمينية ~~وأذربيجان، فرأى في أثناء سفره اختلافا بين المسلمين في قراءة بعض الآيات، ~~وسمع بعضهم يقول لبعض: «قراءتي خير من قراءتك». فلما رجع إلى المدينة أنبأ ~~عثمان بذلك وأنذره بسوء العقبى إن لم يتلاف الأمر، إلى أن قال: «أدرك هذه الأمة ~~قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى» فبعث عثمان إلى حفصة أن: ~~«أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك» فأرسلتها. فدعا عثمان ~~زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن ~~هشام وأمرهم أن ينسخوا القرآن، ويستعينوا على القراءة بما حفظه القراء، وقال ~~لهم: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل ~~بلسانهم» ففعلوا ذلك # 49 # سنة ms0421 30ه، وكتبوا أربعة مصاحف بعثها عثمان إلى الأمصار الأربعة: ~~مكة، والبصرة، والكوفة، والشام. # 50 # واثنين أبقاهما في المدينة: واحد لأهلها، وواحد لنفسه وهو الذي ~~يسمونه «الإمام»، ثم أمر بجمع كل ما كان قبل ذلك من المصاحف والصحف، # 51 # وأمر بإحراقه. # فأصبح المعول في المصاحف على ما كتبه عثمان، واشتغل المسلمون في الأمصار ~~باستنساخ تلك المصاحف، فنسخوا منها شيئا كثيرا في مدة قليلة ذكر المسعودي في ~~عرض كلامه عن واقعة صفين بين علي ومعاوية، وما كان من ظهور علي وما أشار به ~~عمرو بن العاص من رفع المصاحف: «ورفع من عسكر معاوية نحو من خمسمائة مصحف»، # 52 # وليست هذه كل مصاحف المسلمين فاعتبر هذا العدد، وبين كتابة مصحف ~~عثمان وواقعة صفين سبع سنين. # ومع تشديد الصحابة في التعويل على مصحف عثمان دون سواه، فقد ظل عند بعض ~~المسلمين نسخ من مصاحف أخرى أشهرها مصحف علي، ويعتقد الشيعة أن عليا أول من ~~خط المصاحف عند وفاة النبي، وتنوقل مصحفه في شيعته وبقي عند أهل ابنه جعفر، ~~وقد ذكر ابن النديم في كتاب الفهرست أنه رأى عند أبي يعلى حمزة الحسيني ~~مصحفا بخط علي يتوارثه بنو حسن # 53 ~~- ومنها مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ولكل منها ترتيب خاص ~~في سوره. # 54 # على أن الخلفاء والأمراء كانوا يبذلون جهدهم في جمع الكلمة على مصحف عثمان ~~والتشديد في إعدام ما سواه، وفي جملة مساعيهم أن الأمراء كانوا يكتبون نسخا ~~من ذلك المصحف يضعونها في المساجد ليتلوها الناس ويرجعوا إليها في تصحيح ما بين ~~أيديهم من المصاحف الخاصة. وربما كتب الأمير عدة مصاحف وفرقها في الأمصار، ~~ولكنهم كانوا يعدون قبول مصحف الأمير في الجامع إقرارا بسيطرته عليهم، وكان ~~الحجاج في مقدمة من كتب المصاحف من الأمراء وفرقها في الأمصار، فبعث منها ~~مصحفا إلى مصر والوالي عليها يومئذ عبد العزيز بن مروان فغضب وقال: «أيبعث إلى ~~جند أنا فيه بمصحف؟» وأمر فكتبوا له مصحفا آخر بالغ في ضبطه، وأعلن بعد الفراغ ~~من كتابته أن ms0422 من وجد فيه حرفا خطأ فله رأس أحمر، وثلاثون دينارا. # فوجد فيه أحد قراء الكوفة لفظة «نجعة» بدل «نعجة» فنال الجائزة. # 55 # قراءة القرآن # كان للقراءة شأن عظيم في أول الإسلام، لقلة الذين يقرأون يومئذ، فسموا الذين ~~كانوا يحفظون القرآن «قراء» تمييزا لهم عن سائر المسلمين؛ لأنهم كانوا ~~أميين، وقد تقدم أن السبب الذي حمل عثمان على جمع القرآن وكتابته ما بلغه من ~~اختلاف الصحابة في قراءته، على أنه لم يمض على إرسال مصاحفه إلى الأمصار ~~زمان قصير، حتى أصبح لأهل كل مصر قراءة خاصة يتبعون فيها قارئا يثقون بصحة ~~قراءته، وتنوقل ذلك واشتهر، ثم استقر منها سبع قراءات معينة تواتر نقلها ~~بأدائها، واختصت بالانتساب إلى من اشتهر بروايتها، فصارت هذه القراءات السبع ~~أصولا للقراءة، ويعدها بعضهم عشرا. # وأصحاب هذه القراءات هم: نافع بن أبي رؤيم، ويزيد بن القعقاع في المدينة، ~~وعبد الله بن كثير في مكة، وأبو عمرو بن العلاء، ويعقوب الحضرمي في البصرة، ~~وعبد الله بن عامر في الشام، وعاصم بن أبي النجود، وحمزة بن حبيب الزيات، وعلي ~~الكسائي، وخلف البزاز في الكوفة، واشتهر غيرهم كثيرون في أقطار العالم ~~الإسلامي، وفيهم من يقرأ قراءات غريبة، وخصوصا بعد أن ظهرت الفرق الإسلامية ~~وتشعبت الآراء في التفسير والفقه، والخلفاء يشددون في مقاصة أولئك الشاذين خوف ~~التفرقة، كما كانت تفعل رؤساء النصرانية في القرون الأولى للميلاد، ولكن ~~الإسلام كان أقرب إلى إطلاق حرية الفكر والقول وخصوصا في أوائله، فلم يكن ~~أحدهم يتردد في إبداء ما يخطر له ولو كان مخالفا لرأي الخليفة، ولذلك كثرت ~~الفرق الإسلامية يومئذ، وتعددت مذاهب أصحابها في القراءة، والتفسير والفقه وفي ~~كل شيء، حتى ذهب بعضهم إلى سورة يوسف ليست من القرآن؛ لأنها قصة من القصص، ~~والقائلون بذلك العجاردة، # 56 # وذهبت طائفة أخرى إلى إثبات حكم من أحكام الإلهية في السيد المسيح، ~~وأنه هو الذي يحاسب الخلق، # 57 # وظل بعضهم يقرأون القراءات الغريبة إلى أواسط الدولة العباسية، وفي ~~جملتهم يعقوب العطار المتوفى سنة 354ه فاستحضره الخليفة واستتابه ms0423 بحضرة القراء ~~والفقهاء، وكتب محضر توبته وأشهد عليه من حضر. # 58 # وأشهر من قرأ القراءات الشاذة ابن شنبوذ البغدادي المتوفى سنة 328ه فإنه تفرد ~~بقراءات من الشواذ كان يقرأ بها في المحراب، ذكرها ابن النديم وابن خلكان ~~فعلم به ابن مقلة الوزير سنة 323ه فقبض عليه واعتقله أياما، فلم يكن ذلك ~~ليرجعه عن قراءته، فأمر بجلده واستتابه فتاب، وقال إنه قد رجع عما يقرأه وإنه ~~لا يقرأ إلا بمصحف عثمان بن عفان بالقراءة المتعارفة التي يقرأ بها الناس وكتب ~~محضرا بذلك. # 59 # والقراءات العشر التي ذكرنا أصحابها كلها جائزة عند المسلمين، وعند الأئمة ~~أن الجميع على صواب، فقد يختار الإقليم الواحد قراءة واحدة أو قراءتين أو ~~أكثر، وقد تقرأ كل القراءات في إقليم واحد. # 60 # وكانوا يرجعون في إثبات صحة القراءة إلى الإسناد المتسلسل، كقولهم قرأ يعقوب ~~بن إسحاق على سلام، وقرأ سلام على عاصم، وقرأ عاصم على أبي عبد الرحمن، وقرأ ~~أبو عبد الرحمن على علي بن أبي طالب، وقرأ علي على النبي. # 61 # تأثير القرآن # إن قراءة القرآن وحفظه من أول واجبات المسلمين، وخصوصا في أوائل الإسلام، ~~فانطبعت أوامره ونواهيه في أفئدتهم، وارتسمت عباراته على ألسنة أدبائهم، وأصبح ~~هو المرجع في الشرع والدين واللغة والإنشاء وفي كل شيء، فاقتبسوا أساليبه في ~~خطبهم وكتبهم، وتمثلوا بآياته في مؤلفاتهم، وظهرت آدابه وتعاليمه في أخلاقهم ~~وأطوارهم، مع تباعد الأمم التي اعتنقت الإسلام في أصولها ولغاتها وبلادها، ~~واستشهدوا بأقواله ونصوصه في علومهم اللسانية، فضلا عن العلوم الشرعية، فقد ~~كان في كتاب سيبويه وحده 300 آية من القرآن، وأصبح أهل البلاغة لا تروق لهم ~~الكتابة أو الخطابة إلا إذا رصعوها بشيء من آي القرآن، كما سترى في باب الخطابة ~~في الإسلام، وفي باب البلاغة من اقتباس الآيات وإدخالها في عبارات الخطب ~~والرسائل والتوقيعات. # على أنهم كانوا، لفرط اشتغالهم بحفظ القرآن وقراءته وتفهمه، لو ذكر الرجل ~~حرفا أو كلمة انتبه السامع للآية كلها، ولذلك كثيرا ما كانوا يرمزون بالكلمة ~~الواحدة إلى آية يفهمها العارف ms0424 ويعمل بها وقد تخفى على كثيرين، ومما يحكى من ~~هذا القبيل أن السلطان محمود الغزنوي الشهير، بعث إلى الخليفة يطلب أن يذكر ~~اسمه في الخطبة ببغداد، وينقش اسمه في سكة الذهب والفضة (أي ينقش اسمه على ~~الدنانير والدراهم). فامتنع الخليفة من ذلك. فبعث إليه كتابا فيه تهديد ووعيد، ~~وقال في جملته: «لو أردت نقل حجارة بغداد على ظهور الفيلة إلى غزنة لفعلت». ~~فبعث إليه الخليفة كتابا مختوما، فلما فتحه لم يجد فيه بعد البسملة إلا ألفا ~~ممدودة، وفي وسطه لام، وفي آخره ميم، والصلاة، والحمدلة، فحار السلطان وأهل ~~مجلسه من ذلك حتى دخل عليهم أبو بكر ~~القهستاني، ففكر في ذلك وقال: «عندي شرحه »، فقال: «اذكر ولك ما تريد» فقال: ~~«بعث إليهم السلطان يهددهم بالفيلة، فبعثوا له هذا الكتاب وفيه ألف ولام وميم ~~إشارة إلى قوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك ~~بأصحاب الفيل # إلى آخر السورة» فارتاع السلطان لذلك ووقع في ~~قلبه الخوف والندم وعاد إلى أحسن الأحوال من الرضى والأدب. # 62 # ويحكى أيضا أن المأمون غضب على عبد الله بن طاهر، وشاور أصحابه في الإيقاع ~~به، وكان قد حضر المجلس صديق له فكتب إليه كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم ~~يا موسى» فلما فضه ووجد ذلك تعجب، وما زال يطيل فيه النظر حتى علم أنه يريد: ~~«يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك». # 63 # وأبلغ من ذلك حكاية سديد الملك وتشديد نون «إن» وقد ذكرناها في الجزء الأول ~~من هذا الكتاب، وفي إعادتها هنا تكرار. # وقد عني المسلمون في كتابة القرآن وحفظه عناية ليس بعدها غاية، فكتبوه على ~~صفائح الذهب والفضة، وعلى صفائح العاج، وطرزوا آياته بالذهب والفضة على الحرير ~~والديباج، وزينوا بها محافلهم ومنازلهم، ونقشوها على الجدران في المساجد ~~والمكاتب والمجالس، ورسموه بكل الخطوط وأجملها على كل أصناف الرقوق والجلود ~~والكواغد بالأدراج والكراريس والرقاع بأصناف المداد وألوانها وملأوا بين الكلام ~~بالذهب، وكان الخلفاء والأمراء والسلاطين يتبركون بكتابة المصاحف بأيديهم ~~ويختزنونها في المساجد أو نحوها، وفي دار الكتب الخديوية ms0425 (المصرية) بالقاهرة ~~أمثلة كثيرة من المصاحف المخطوطة بمعظم الأشكال المذكورة من القلم الكوفي ~~الخالي من الشكل والإعجام إلى إتمام الإعجام والشكل وما بينهما. # وقد ضبطوا عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه، وعدوا ما فيه من الألفات ~~والباءات إلى الياءات. # 64 # تفسير القرآن # كان العرب عند ظهور الدعوة كلما تليت عليهم سورة أو آية فهموها وأدركوا ~~معانيها بمفرداتها وتراكيبها؛ لأنها بلسانهم وعلى أساليب بلاغتهم، ولأن ~~أكثرها قيلت في أحوال كانت كالقرائن تسهل فهمها، وإذا أشكل عليهم شيء منها ~~سألوا النبي # صلى الله عليه وسلم # فكان يبين لهم المجمل ويميز الناسخ من المنسوخ، فحفظ ~~أصحابه عنه ذلك وتناقلوه فيما بينهم، وعنهم أخذ من جاء بعدهم من التابعين ~~وتابعي التابعين. # ولما صار الإسلام دولة واحتاجوا إلى الأحكام والقوانين كان القرآن مصدر ~~استنباطها، فزادت العناية في تفسيره وأصبح القراء والمفسرون مرجع المسلمين في ~~استخراج تلك الأحكام أو هم الفقهاء لأول عهد الإسلام، وكانوا يتناقلون التفسير ~~شفاها إلى أواخر القرن الأول، فكان أول من دون التفسير في الصحف مجاهد المتوفى ~~سنة 104ه، ثم اشتغل فيه سواه وهم كثيرون حتى انتهى ذلك إلى الواقدي سنة 207 ~~والطبري المتوفى 310ه وغيرهما. # وقد رأيت أن العمدة في التفسير على النقل بالتواتر والإسناد منذ أيام النبي # صلى الله عليه وسلم # فالصحابة فالتابعين، والعرب يومئذ أميون لا كتابة عندهم فكانوا إذا ~~تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتوق إليه نفوسهم البشرية، من أسباب الوجود وبدء ~~الخليفة وأسرارها، سألوا عنه أهل الكتاب قبلهم من اليهود والنصارى المقيمين بين ~~ظهرانيهم، وأكثرهم من حمير باليمن الذين أخذوا بدين اليهودية، # 65 # وكانوا قد أسلموا لكنهم ظلوا على ما كان عندهم من التقاليد ~~المتناقلة شفاها أو كتابة، مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية - فكانوا إذا ~~سئلوا عن شيء أجابوا بما عندهم من أقاصيص التلمود والتوراة بغير تحقيق، فامتلأت ~~كتب التفسير من هذه المنقولات «المعروفة بالإسرائيليات». # ومن أشهر أولئك اليهود كعب بن مانع المعروف بكعب الأحبار، أسلم في خلافة عمر ~~بن الخطاب، # 66 # وعبد الله بن سلام ms0426 بن الحارث أسلم عند هجرة النبي إلى المدينة. # 67 # ناهيك بمن كان هناك من أهل الأديان الأخرى كالصابئة والمجوس ~~وغيرهم، وكان بعضهم من ذوي المقامات الرفيعة، فكان المسلمون يسألونهم أيضا وهم ~~يجيبونهم مما عندهم، وأشهرهم وهب بن منبه، فإنه فارسي الأصل، جاء جده إلى ~~اليمن في جملة من بعثهم كسرى لنجدة اليمن على الحبشة، فأقاموا هناك وتناسلوا ~~وصاروا يعرفون بين العرب بالأبناء أي أبناء الفرس، ومنهم أيضا طاوس بن كيسان ~~التابعي الشهير. # وكان آباء وهب المذكور على دين الفرس (المجوسية أو الزردشتية) فلما أقاموا ~~بين اليهود باليمن أخذوا عنهم آداب اليهود وتقاليدهم، واختلطوا بالحبشة هناك ~~فتعلموا شيئا من النصرانية، وكان وهب يعرف اليونانية، # 68 # فاطلع على آداب اليونان وغيرهم، فنشأ وهو ذو اطلاع واسع في أخبار ~~الأمم وأحوال الأنبياء وقيام الدنيا وسير الملوك، ومن أقواله أنه قرأ من كتب ~~الله 72 كتابا، فكان للعرب ثقة كبرى فيه ولم يسألوه عن شيء إلا أفاض في الجواب ~~عليه مما يحفظه. # فكانت كتب التفسير في القرون الأولى محشوة بالأخبار، وفيها الغث والسمين مما ~~نقل إليها من الأديان الأخرى التي كانت شائعة قبلها في جزيرة العرب أو حولها، ~~كما أصاب النصرانية عند أول ظهورها، إذ دخلها كثير من عادات الأمم الوثنية ~~ومعتقداتهم وتقاليدهم، مع سهر الآباء الأولين على تخليصها من ذلك. # فلما نشأت العلوم اللسانية واشتغل المسلمون بها واطلعوا على كتب المنطق ~~والفلسفة، تعودت عقولهم على طلب الدليل والقياس، فأعادوا النظر في تلك التفاسير ~~ونظروا في مروياتها ومحصوها وسبروها بمسبار العقل. # وأشهر من فعل ذلك منهم ابن عطية والقرطبي وجار الله الزمخشري صاحب الكشاف ~~وغيرهم. # وكتب التفسير كثيرة جدا، ذكر منها صاحب كشف الظنون نيفا وثلاثمائة تفسير، ~~وقال إنه ذكر بعضها وكانت أكثر من ذلك كثيرا. # 69 ~~(ب) الحديث # لما اشتغل المسلمون في تفهم معاني القرآن كان في جملة ما افتقروا إليه في ~~تفهمها أقوال النبي # صلى الله عليه وسلم # وهو ما عبروا عنه بالأحاديث النبوية، وأقدم من ~~سمعها الصحابة وحفظوها، فكانوا إذا أشكل ms0427 عليه فهم آية واختلفوا في تفسيرها أو ~~حكم من أحكامها استعانوا بتلك الأحاديث على استيضاحها، فلما كانت الفتوح تفرق ~~الصحابة في الأرض، وعند كل منهم بعض الأحاديث، وقد يتفرد بعضهم بأحاديث لم ~~يسمعها سواه، فأصبح طالب الحديث إذا كان من أهل دمشق مثلا لا يستوفيه إلا إذا ~~رحل في طلبه إلى مكة والمدينة والبصرة والكوفة والري ومصر وغيرها، وكذلك المقيم ~~في أحد هذه البلاد فإنه لا يستطيع استيفاء الحديث ما لم يطلبه من البلاد ~~الأخرى، وهذا ما يعبرون عنه بالرحلة في طلب العلم، على أن الارتحال في طلب ~~العلم لم يكن من مستحدثات الإسلام، ولكنه كان شائعا من قديم الزمان بالنظر إلى ~~قلة أسباب النشر وقلة نسخ الكتب وصعوبة وصولها إلى النواحي في تلك العصور ، ثم ~~حرص الناس على السماع من الشيوخ مباشرة، فكان المؤرخ أو الجغرافي مثلا يرحل ~~في طلب التاريخ أو الجغرافيا إلى أقاصي البلاد، كما فعل هيرودوتس وإسترابون ~~وغيرهما، ولذلك كان المسلمون يرحلون في طلب العلوم غير الحديث أيضا، وكان ~~النصارى في العصر الإسلامي يرحلون إلى بلاد الروم لإتقان ديانتهم. # 70 # وضع الأحاديث # نشأت الفتنة بعد مقتل الخليفة عثمان، واختلف المسلمون في الخلافة وادعاها ~~غير واحد، فانصرفت عناية كل حزب من أحزابهم إلى استنباط الأدلة واستخراج ~~الأحاديث المؤيدة لدعواهم، فكان بعضهم إذا أعوزهم حديث يؤيدون به قولا أو ~~يقيمون به حجة اختلقوا حديثا من عند أنفسهم، وتكاثر ذلك في أثناء تلك الفوضى، ~~فكان المهلب بن أبي صفرة مثلا يضع الأحاديث ليشد بها أمر المسلمين ويضعف أمر الخوارج، # 71 # وهو مع ذلك معدود من الأتقياء والنبلاء، مع علمهم بما كان يضعه من ~~الأحاديث؛ لأنهم كانوا يعدون ذلك خدعة في الحرب، وأمثال المهلب كثيرون، كانوا ~~يضعون الحديث لأغراض مختلفة. # وتسابق الناس خصوصا إلى وضع الأحاديث في أثناء البحث في شروط الخلافة، ~~نظرا لما رأوه من تأثير الحديث فيها من أول عهدها، إذ مات النبي وانقسم أصحابه ~~في طلب الخلافة إلى قسمين: المهاجرين والأنصار، وكل منهما يعتقد الأحقية في ~~الخلافة ms0428 لحزبه، واشتد عزم الأنصار على الثبات في المطالبة، وعظمت الفوضى حتى ~~روى أبو بكر الحديث «الأئمة من قريش»، # 72 # فكان في ذلك فصل الخطاب، فقس على ذلك حاجة أصحاب الفرق والأحزاب ~~وغيرهم إلى الأحاديث، ناهيك بحاجتهم إليها في إثبات الأحكام الشرعية الخاصة ~~بالبلاد المفتوحة وأهلها وغير ذلك كأوصاف المهدي المنتظر وشروط ظهوره ووضع ~~الأحكام والقوانين، وفي كل باب من أبواب الإدارة والقضاء، ولما أراد المأمون ~~تحليل زواج المتعة لم يرجعه عن عزمه إلا حديث رووه له في تحريمه. # 73 # فلا غرو بعد ذلك إذا رغب أهل المطامع في اختلاف الأحاديث، وقد ذكروا من واضعي ~~الحديث جماعة أشهرهم أربعة، وهم: ابن أبي يحيى في المدينة، والواقدي في بغداد، ~~ومقاتل بن سليمان بخراسان، ومحمد بن سعيد بالشام. # 74 # وكثيرا ما كان أولئك الوضاع يعترفون عند مسيس الحاجة بما اقترفوه، ~~كما فعل ابن أبي العوجاء، وكان محدثا في الكوفة فأمر أميرها - محمد بن سليمان ~~بقتله سنة 153ه فلما أيقن أنه مقتول قال: «والله لقد وضعت أربعة آلاف حديث حللت ~~بها الحرام وحرمت الحلال، والله لقد فطرتكم يوم صومكم وصومتكم يوم فطركم»، # 75 ~~«ومنهم أحمد الجوبياري وابن عكاشة الكرماني وابن تميم الفريابي»، ~~فقد ذكر سهل بن السري أنهم وضعوا من عند أنفسهم نحو عشرة آلاف حديث، # 76 # ولنحو هذا السبب نشأت الفروق بين أحاديث السنة والشيعة. # فلما هدأت الفتنة وعمد المسلمون إلى التحقيق، كانت تلك الموضوعات قد تكاثرت، ~~فاشتغلوا في التفريق بينها وبين الصحيح، فألفوا كتبا كثيرة في الحديث، وميزوا ~~صحيحه من فاسده وجعلوه مراتب، ولهم في ذلك ألفاظ اصطلحوا عليها لهذه المراتب، ~~كقولهم: الصحيح، والحسن، والضعيف، والمرسل، والمنقطع، والمعضل، والشاذ، ~~والغريب، وغير ذلك من ألقابه المتداولة بينهم، وبينوا كيف يأخذ الرواة بعضهم عن ~~بعض بقراءة أو كتابة أو مناولة أو إجازة وتفاوت رتبها. # 77 # إسناد الحديث # وترتب على أهمية الحديث في الدين والدنيا تعرضه للوضع والتحريف كما رأيت، ~~فاحتاج إلى العناية في تحقيقه، ولم يكن ميسورا في العصور الأولى إلا بالحفظ، ~~والرجوع بالمحفوظ ms0429 إلى المصدر الأصلي الذي أخذ عنه بالتسلسل وهو «الإسناد»، كأن ~~يقال: «حدثنا فلان، أو أخبرنا فلان، أو أملى علي فلان ما هو كذا وكذا». فلما ~~بعدت الرواية جعلوها متسلسلة فقالوا: «حدثنا فلان عن فلان أنه سمع فلانا يقول ~~كذا وكذا». وترتب على تصحيح ذلك وضبطه النظر في طبقات المحدثين للتفريق بين ~~الثقات وغيرهم، فجعلوهم طبقات، ومنهم الصحابة، فالتابعون، فتابعو التابعين، ~~فالعلماء البالغون إلى رتبة الاجتهاد، فالمشتغلون في جمع الأحاديث وحفظها، ~~فالناقدون للأحاديث، فالشارحون وغيرهم، # 78 # وألفوا كتبا كثيرة في طبقات المحدثين والرواة. # وكان أهل الأمصار يختلفون في طرق إسنادهم، فطريقة أهل الحجاز أعلى مما لسواهم ~~وأمتن في الصحة، لاستبدادهم في شروط النقل من العدالة والضبط، وسند طريقة ~~الحجاز بعد الصحابة الإمام مالك عالم المدينة المتوفى سنة 179ه ثم أصحابه مثل ~~الشافعي وابن حنبل وأمثالهم، ومالك أول من دون الحديث في كتاب الموطأ، رتبه على ~~أبواب الفقه، وقيل إن ابن جريج أول من ألف فيه، ثم عني الحفاظ في طرق ~~الأحاديث وأسانيدها، وجاء محمد بن إسماعيل البخاري إمام المحدثين في عصره فخرج ~~أحاديث السنة على أبوابها وألف كتابه «الصحيح»، ثم ألف مسلم بن الحجاج ~~النيسابوري «المسند الصحيح» فسمي كتاباهما الصحيحين وصار مرجع الناس إليهما، ثم ~~جاءت طبقة أخرى من المحدثين جمعوا بين هذين أو بينهما وبين الموطأ، فاجتمع من ~~ذلك الكتب الستة المشهورة للمؤلفين الآتية أسماؤهم: وهم البخاري المتوفى سنة ~~256ه/870م، ومسلم المتوفى بنيسابور سنة 261ه/875م، وأبو داود المتوفى بالبصرة ~~سنة 275ه/888م، والترمذي المتوفى بترمذ سنة 279ه/892م، والنسائي توفي سنة ~~303ه/915م، والدارقطني المتوفى ببغداد سنة 385ه/995م. # 79 # ولما صار الحديث علما مدونا انصرفت العناية إلى الإسناد المتسلسل في تحقيق ~~السماع، أي تعلم تلك الكتب أو بعضها، كأن يقول أحدهم: سمعت الحديث (أي تعلمته) ~~من فلان وهو تعلمه من فلان إلى البخاري أو غيره. # وهاك تسلسل إسناد ابن خلكان في كيفية سماعه صحيح البخاري، قال: # سمعت صحيح البخاري بمدينة أربل في بعض شهور سنة إحدى وعشرين وستمائة، ~~على الشيخ الصالح أبي جعفر ms0430 محمد بن هبة الله بن المكرم بن عبد الله ~~الصوفي، بحق سماعه في المدرسة النظامية ببغداد، من الشيخ أبي الوقت ~~المذكور في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، بحق سماعه من أبي ~~الحسن عبد الرحمن بن محمد بن مظفر الداودي في ذي القعدة سنة خمس وستين ~~وأربعمائة، بحق سماعه من أبي محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي ~~في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، بحق سماعه من أبي عبد الله محمد بن ~~أبي يوسف بن مطر الفربري سنة ست عشرة وثلاثمائة، بحق سماعه من مؤلفه ~~الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، مرتين: إحداهما سنة ثمان ~~وأربعين ومائتين، والثانية سنة اثنتين وخمسين ومائتين، رحمهم الله ~~تعالى أجمعين. # 80 # وتطرق المسلمون في طريقة الإسناد من الحديث إلى غيره من العلوم النقلية ~~كالتاريخ والأدب كما هو مشهور، وتتبعوا طريقة الإسناد المتسلسل في كثير من ~~العلوم الإسلامية، مما لا يسبق له مثيل في البلاد الأخرى أو الأمم الأخرى، فهم ~~إذا ذكروا عالما في علم فيها، أسندوا تعلمه إلى أستاذه وأستاذ أستاذه إلى ~~واضع ذلك العلم، كقول ابن خلكان في ترجمة فخر الدين ابن الخطيب إنه اشتغل ~~في الأصول على والده ضياء الدين، ووالده على القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري، ~~وهو على إمام الحرمين أبي المعالي، وهو على الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني، وهو ~~على الشيخ أبي الحسن الباهلي، وهو على شيخ السنة أبي الحسن الأشعري، وهو على ~~أبي علي الجبائي أولا ثم رجع عن مذهبه ونصر مذهب أهل السنة والجماعة. # عدد الأحاديث # لما تكاثرت الأحاديث للأسباب التي قدمناها أصبحت تعد بمئات الألوف، فقد ذكروا ~~أن أحمد بن حنبل روى مليون حديث، منها 150000 بالأسانيد والمتون، # 81 # وأن يحيى بن معين المري قال: كتبت بيدي 600000 حديث، قال راوي هذا ~~الخبر: وأظن المحدثين كتبوا له بأيديهم 600000 و600000 وخلف من الكتب مائة قمطر، # 82 # وأن مسلما صاحب المسند الصحيح استخرجه من 300000 حديث مسموعة، # 83 # وأن الإمام البخاري قال: صنفت كتابي الصحيح ms0431 من 600000 حديث، # 84 # وقس على ذلك مما يدل على كثرة فاحشة، أما الذي صح منها فإنه أقل ~~كثيرا، وبعضهم بالغ في الإقلال، وهم أصحاب الرأي، وشيخهم أبو حنيفة فلم يصح ~~عنده إلا 17 حديثا، ومالك صح عنده 300 حديث، والبخاري اشتمل صحيحه على 9200 ~~حديث منها 3000 مكررة، وأحمد بن حنبل في مسنده 50000 حديث، # 85 # وقس على ذلك. ~~(ج) الفقه # مصدره # لما صار الإسلام دولة احتاج أمراؤه إلى ما يقضون به بين رعاياهم في أحوالهم ~~الشخصية ومعاملاتهم المدنية، فرجعوا إلى القرآن والحديث، فاستخرجوا منهما شريعة ~~نظموا بها حكومتهم وحكموا بها بين رعاياهم، وذلك طبيعي في الدول الكبرى، ~~فاليونان قلما عنوا بوضع الشرائع والأحكام الدولية أو القضائية؛ لأنهم لم ~~يكونوا أهل دولة كبرى إلا زمنا قصيرا فانصرفت قرائحهم إلى الفلسفة وفروعها، ~~وأما الرومان فقد اتسعت مملكتهم كما اتسعت مملكة العرب، وامتد سلطانهم وقويت ~~شوكتهم فلم يكن لهم بد من وضع الشرائع، لكنها لم يتم نضجها عندهم إلا بعد تأسيس ~~دولتهم ببضعة عشر قرنا على يد جستنيان صاحب القانون المشهور سنة 533م، وهي ~~عبارة عن عادات واعتبارات واعتقادات تجمعت بتوالي الأحقاب من الشعب اللاتيني ~~والصابني وغيرهما ممن دانوا لرومية بالتدريج حتى صارت شريعة كاملة على عهد ~~جستنيان المذكور. # وأما المسلمون فإنهم استخرجوا أحكامهم من القرآن والحديث، وقد علمت ما كان ~~لهم من العناية في حفظهما ودرسهما من أول الإسلام، ولذلك لم يمض على المسلمين ~~قرنان والثالث حتى نضجت شريعتهم وتكون فقههم، وهو من أفضل شرائع العالم، وقد ~~أسرعوا في ذلك مثل سرعتهم في تأسيس دولتهم ونشر دينهم. # قلنا إن القرآن أساس الفقه الإسلامي، وكان المسلمون على عهد النبي يتلقون ~~الأحكام منه وهو يبينها لهم شفاها، فلم يكن ذلك يحتاج إلى نظر أو قياس، فلما ~~توفي رجع الصحابة إلى القرآن والسنة، فأصبح القراء أول فقهاء المسلمين أو ~~حاملي شريعتهم، وكانوا يرجعون إليهم في الإفتاء والأحكام لقلة الذين يقرأون في ~~الصدر الأول. فلما عظمت أمصار الإسلام وذهبت الأمية من العرب وكمل الفقه ms0432 وأصبح ~~صناعة، بدلوا باسم الفقهاء العلماء. # الفقهاء # فأول الفقهاء المسلمين الصحابة الأولون، وأولهم الخلفاء الراشدون، ثم عبد ~~الرحمن بن عوف وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعمار بن ياسر ~~وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت وسلمان الفارسي وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري، # 86 # ثم انتقلت الفتوى والفقه إلى التابعين واشتهر منهم سبعة في ~~المدينة، وهم: سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن وقاسم وعبد الله وعروة ~~وسليمان وخارجة، وقد جمعهم بعض العلماء في هذين البيتين: # ألا كل من لا يقتدي بأئمة # فقسمته ضيزى عن الحق خارجة # فخذهم: عبيد الله، عروة، قاسم # سعيد، سليمان، أبو بكر، خارجة # 87 # وبعض المؤرخين يحسبهم عشرة مع تبديل بعض الأسماء، # 88 # وعنهم انتقل الفقه والإفتاء في العالم الإسلامي. # وفي أوائل الإسلام كان الفقه والقراءة والتفسير والحديث علما واحدا، ثم ~~أخذت هذه العلوم تستقل بعضها عن بعض عملا بناموس الارتقاء، فلما استقل الفقه ~~سموا أصحابه الفقهاء كما تقدم، وكان لهم تأثير كبير في الدولة لما يترتب على ~~الإفتاء من الأمور الهامة، كالعزل والتنصيب والقتل والعفو. # ففي أيام بني أمية كان المرجع في الفقه والإفتاء إلى أهل المدينة، فكان ~~الخلفاء لا يقطعون أمرا دونهم، وقد علمت مما فصلناه في الجزأين الماضيين من ~~هذا الكتاب ما كان من تعصب بني أمية للعرب واحتقارهم غير العرب من المسلمين ~~وغيرهم، وأهل المدينة مع تحيزهم لأهل البيت وإنكار الخلافة على بني أمية كان ~~الأمويون يسعون في إرضائهم وإكرامهم، وخصوصا أهل الورع من الخلفاء كعمر بن عبد ~~العزيز فإنه كان لا يقطع أمرا مهما إلا بعد مشورتهم. # فلما أفضى الأمر إلى بني العباس، وأراد المنصور تصغير أمر العرب وإعظام أمر ~~الفرس؛ لأنهم أنصارهم وأهل دولتهم، كان من جملة مساعيه في ذلك تحويل أنظار ~~المسلمين عن الحرمين، فبنى بناء سماه القبة الخضراء حجا للناس، وقطع الميرة ~~عن المدينة، وفقيه المدينة يومئذ الإمام مالك الشهير، فاستفتاه أهلها في أمر ~~المنصور فأفتى لهم بخلع بيعته فخلعوها وبايعوا محمد بن عبد ms0433 الله من آل علي، ~~وعظم أمر محمد هذا وحاربه المنصور ولم يتغلب عليه إلا بعد العناء الشديد، فرجع ~~أهل المدينة إلى بيعة المنصور قهرا، وظل مالك مع ذلك ينكر حق البيعة لبني ~~العباس، فعلم أمير المؤمنين يومئذ وهو جعفر بن سليمان عم المنصور بذلك، فغضب ~~ودعا بمالك وجرده من ثيابه وضربه بالسياط وخلع كتفه. # 89 # الرأي والقياس # وكانت علوم القرآن قد انتشرت في العراق وفارس، ونبغ من أبنائهما من درس الفقه ~~والفتيا، ولكنهم ما زالوا عيالا فيهما على أهل المدينة؛ لأنهم أوثق الناس ~~بحفظ الحديث وقراءة القرآن، وكان الحديث قليلا في العراق على الخصوص، وكان ~~المسلمون غير العرب هناك أكثرهم الفرس، وهم أهل تمدن وعلم، فعمدوا إلى استخدام ~~القياس العقلي في استخراج أحكام الفقه من القرآن والحديث، فخالفوا بذلك أهل ~~المدينة؛ لأنهم كانوا شديدي التمسك بالتقليد، فكان من جملة مساعي المنصور في ~~تصغير أمر المدينة وفقهائها، وخصوصا مالك بعد أن أفتى بخلع بيعته، أنه نصر ~~فقهاء العراق القائلين بالقياس، وكان كبيرهم يومئذ أبا حنيفة النعمان في ~~الكوفة، فاستقدمه المنصور إلى بغداد وأكرمه وعزز مذهبه، وكان أبو حنيفة لا يحب ~~العرب ولا العربية، حتى أنه لم يكن يحسن الإعراب ولا يبالي به، # 90 # ولذلك كان الربيع حاجب المنصور يقاومه؛ لأن الربيع ينتسب إلى ~~العرب وكان يكره الفرس، وابنه الفضل هو الذي سعى في قتل البرامكة. # فلما نصر المنصور أبا حنيفة وأصحابه، وهم المعروفون بأهل الرأي أو القياس، ~~ازداد مالك تمسكا برأيه وتبعه فقهاء الحجاز وهم أهل الحديث. # وانقسم الفقهاء إلى قسمين: أهل الحديث، وأهل الرأي، وزعيم الأول مالك وأنصاره ~~من أهل الحجاز، وأصحاب الشافعي وأصحاب سفيان الثوري وأصحاب أحمد بن حنبل وغيرهم ~~من أهل التقليد، وعرفوا بأصحاب الحديث؛ لأن عنايتهم مبذولة في تحصيل الأحاديث ~~ونقل الأخبار وبناء الأحكام على النصوص، ولا يرجعون إلى القياس الجلي أو الخفي ~~ما وجدوا خبرا أو أثرا، ويدلك على شدة تمسكهم بذلك قول الشافعي: «إذا وجدتم ~~لي مذهبا ووجدتم خبرا على خلاف مذهبي فاعلموا أن مذهبي ms0434 ذلك الخبر». # وزعيم أصحاب الرأي أبو حنيفة النعمان وأصحابه فقهاء العراق، ومنهم محمد بن ~~الحسن وأبو يوسف القاضي وزفر بن هذيل والحسن بن زياد وابن سماعة وأبو مطيع ~~البلخي وعافية القاضي وغيرهم، وقد سموا أهل الرأي؛ لأن عنايتهم اتجهت إلى ~~تحصيل وجه القياس والمعنى المستنبط من الأحكام وبناء الأحكام عليها، وهم يقدمون ~~القياس الجلي على آحاد الأخبار. # 91 # وجاء بعد مالك من أصحاب مذهبه محمد بن إدريس المطلبي الشافعي، فرحل إلى ~~العراق وخالط أصحاب أبي حنيفة وأخذ عنهم، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل ~~العراق واختص بمذهب خالف فيه مالكا في كثير من مذهبه، ثم جاء بعده أحمد بن ~~حنبل وكان من علية المحدثين، وقرأ أصحابه على أصحاب الإمام أبي حنيفة مع وفور ~~بضاعتهم من الحديث فاختصوا بمذهب آخر، ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء ~~الأربعة، وتولد منهم مذاهب الإسلام الأربعة وهي: الحنفي، والمالكي، والشافعي، ~~والحنبلي. # وللفقه فروع وشروح يضيق المقام عنها هنا، فنترك الكلام فيها وفي غيرها من ~~فروع العلم إلى تاريخ آداب اللغة العربية. # منزلة العلماء عند الخلفاء # يراد بالعلماء، في عرض الكلام عن العلوم الإسلامية، علماء الحديث والقرآن ~~والفقه، وقد علمت ما كان من منزلة هذه العلوم في الخلافة، فلا عجب بعد ذلك إذا ~~رأيت الخلفاء يكرمون الفقهاء وأصحاب الحديث والزهاد والعلماء، وقد رأيت أن ~~بني أمية كانوا يستشيرون فقهاء المدينة في الأمور الهامة. # وكثيرا ما كان أهل التقوى من الخلفاء يسألون العلماء عن شروط العدل ليجروا ~~عليه «كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري يسأله عن صفة الإمام العادل ~~فأجاب جوابا وافيا، # 92 # فلما وصله الكتاب وقع منه بمواقع وعظه ومحل يقظه». # وقد يحمل ذلك على مبالغة هذا الخليفة (يريد عمر بن عبد العزيز) في التقوى ~~والورع فما قولك بالمنصور المشهور بالشدة والحزم والدهاء، إذ دخل عليه عمرو بن ~~عبيد بعد مبايعة المهدي فقال له المنصور: «يا أبا عثمان، هذا ابن أمير المؤمنين ~~وولي عهد المسلمين» فقال عمرو: «أراك قد وطدت له الأمور وهي تصير ms0435 إليه وأنت عنه ~~مسئول» فاستعبر المنصور وقال: «عظني يا عمرو» فوعظه، # 93 # ولما مات عمرو رثاه المنصور بأبيات. # 94 # ناهيك بحكاية المنصور وهو يطوف بالكعبة ليلا إذ سمع ذلك العابد يشكو ظهور ~~البغي والفساد، ولما سأله المنصور عمن يعني صرح له أنه يعنيه هو وحكومته ~~ووعظه عظة شديدة لم يستنكف المنصور من سماعها # 95 # وقس على ذلك عظات الأوزاعي وابن السماع وسفيان الثوري وشبيب بن ~~شيبة للمنصور والمهدي والرشيد (راجع كتاب الثوري للرشيد في الجزء الثاني من هذا ~~الكتاب). # وكثيرا ما كان الواعظ يبكي الخلفاء؛ لأنهم كانوا يجلون العلماء ~~ويكرمونهم، حتى تسابقوا إلى احترامهم بما لا يصدر إلا من خادم إلى مولاه، فقد ~~صب الرشيد الماء على يدي أبي معاوية الضرير وهو يغسل. # 96 # وكان الإكرام في أول الأمر للفقهاء والمحدثين خاصة، ثم أطلق على أصحاب سائر ~~العلوم الإسلامية كالنحاة واللغويين، فقد كان الرشيد يجلس الكسائي ومحمد بن ~~الحسن على كرسيين ويأمرهما ألا ينزعجا لنهضته، # 97 # ولما مات هذان في الري في يوم واحد قال الرشيد: «دفنت الفقه ~~والعربية في الري». # 98 # وقد تنازع الأمين والمأمون ولدا الرشيد في حمل نعال أستاذهما ~~الفراء وتقديمها إليه، حتى اصطلحا على أن يقدم كل منهما واحدة. # 99 # وإكرام الخلفاء للعلماء اقتضى إكرام العامة لهم، فلما توفي ابن حنبل مشى في ~~جنازته 800000 رجل و60000 امرأة، # 100 # وناهيك بهذا الإكرام، ولما سار أبو إسحاق الشيرازي من قبل الخليفة ~~المقتدي إلى السلطان ملك شاه تنافس أهل البلاد في لقائه والتمسح بأطرافه ~~والتماس البركة من ملبوسه ومركوبه. # 101 ~~(2-2) العلوم اللسانية ~~(أ) النحو # النحو بمعناه الحقيقي طبيعي على لسان كل متكلم يتلقنه من مرضعه؛ لأن ~~الإنسان يتعلم النحو وهو يتعلم النطق، إذ بدونه لا يحسن التعبير عن أفكاره، ~~أما إذا أراد أن يتعلم لسانا غير لسانه فدرس قواعد النحو يسهل عليه تناوله، ~~ولذلك فالأمة قد تقضي قرونا متطاولة وهي تتكلم وتخطب وتنظم الشعر قبل أن ~~تدون قواعد النحو وتجعله علما، فاليونان لم يبدأوا بضبط قواعد لسانهم ms0436 إلا في ~~القرن الخامس قبل الميلاد، وأول من بدأ بذلك منهم بروتغوراس Protogoras # المتوفى سنة 411ق.م فتكلم في ~~المذكر والمؤنث وبعض الأسماء، ثم بروديكوس Prodichos # وقد عاصره وتكلم في المترادفات، ثم جاء أرسطو وغيره ~~وأتموا علم النحو اليوناني وله تاريخ يشبه تاريخ النحو العربي، وكذلك فعل ~~الرومان في نحو اللغة اللاتينية، فإنهم لم يدونوا قواعده إلا في القرن الأول ~~قبل الميلاد في زمن بومبيوس، وقد دونه عالم اسمه ديونيسيوس تراكس # D. Tarrax # اقتداء باليونان. # فاليونان نبغ فيهم الشعراء والخطباء والأدباء والفلاسفة قبل تدوين قواعد ~~النحو في لسانهم، فنظم هوميروس إلياذته وأوديسيته وهو لم يتعلم قواعد النحو فلم ~~يضره ذلك شيئا؛ لأن اللغة كانت ملكة فيه، وألف أشيلوس # Aeschylos # الروايات التمثيلية وسحر اليونان ببيانه، ونبغ ~~الفلاسفة فريسيدس وأناكسيمندر وطاليس # Tales # وكتب هيرودوتس الرحالة تاريخه الشهير قبل وضع النحو، وكذلك الرومان فقد نبغ ~~فيهم جماعة من الشعراء والخطباء والأدباء قبل تدوين النحو. ~~(ب) وضع النحو العربي وواضعه # وهكذا العرب فقد نظموا الشعر وألقوا الخطب وتناشدوا وتراسلوا قبل تدوين ~~النحو؛ لأن ملكة اللغة كانت طبيعية فيهم، على أنهم اضطروا إلى ضبط تلك ~~القواعد وتدوينها بأسرع مما اضطر إليه اليونان والرومان، التماسا للدقة في ضبط ~~معاني القرآن، فلم يمض على دولتهم نصف قرن حتى شعروا بالحاجة إلى النحو، ويغلب ~~على ظننا أنهم نسجوا في تبويبه على منوال السريان؛ لأن السريان دونوا نحوهم ~~وألفوا فيه الكتب في أواسط القرن الخامس للميلاد، وأول من باشر ذلك منهم الأسقف ~~يعقوب الرهاوي الملقب بمفسر الكتب المتوفى سنة 460م، # 102 # فالظاهر أن العرب لما خالطوا السريان في العراق اطلعوا على ~~آدابهم وفي جملتها النحو فأعجبهم، فلما اضطروا إلى تدوين نحوهم نسجوا على ~~منواله؛ لأن اللغتين شقيقتان. ويؤيد ذلك أن العرب بدأوا بوضع النحو وهم في ~~العراق بين السريان والكلدان، وأقسام الكلام في العربية هي نفس أقسامه في ~~السريانية. # أما استعجال العرب في تدوين النحو فإنه تابع لاستعجالهم في الفتح ونشر ~~الدين؛ لأن الفتوح دعت إلى الاختلاط بالأعاجم، والاختلاط دعا ms0437 إلى فساد اللغة ~~فأصبح الناس يهملون الإعراب؛ لأن العرب كانوا عند ظهور الإسلام يعربون ~~كلامهم على نحو ما في القرآن، إلا من خالطهم من الموالي والمتعربين فإن هؤلاء ~~كانوا حتى في أيام النبي # صلى الله عليه وسلم # يخطئون الإعراب، وقد ذكروا رجلا لحن بحضرة ~~النبي فقال: «أرشدوا أخاكم فقد ضل». وقال أبو بكر: «لأن أقرأ فأسقط أحب إلي ~~من أن أقرأ فألحن»، # 103 # ولكن اللحن لم يكثر إلا بعد الفتوح وانتشار العرب في الآفاق، فتذمر ~~العمال مما كانوا يسمعونه من اللحن وخصوصا في قراءة القرآن، فأحسوا بحاجة ~~شديدة إلى ضبط قواعد اللغة. # أما واضع علم النحو أو مدونه فهو بالإجماع أبو الأسود الدؤلي المتوفى سنة 69ه ~~وكان من سادات التابعين، صحب علي بن أبي طالب وشهد معه واقعة صفين، ثم أقام في ~~البصرة وكأنه تعلم لغة السريان أو اطلع على نحوها فرغب في النسج على منواله، ~~فعرض ذلك على والي العراقين يومئذ زياد ابن أبيه فأبى، # 104 # لأسباب تقدم بيانها، حتى إذا جاءه رجل يشكو إليه أمرا فسمعه يقول: ~~«أصلح الله الأمير، توفي أبانا وخلف لنا بنون» فاستنكف زياد من سماع ذلك ~~اللحن فبعث إلى أبي الأسود أن يضع ما كان قد نهاه عنه. # وقيل بل السبب في وضعه أن بنت خويلد الأسدي دخلت على معاوية وقالت: «إن ~~أبوي ماتا وتركا لي مالا» (بالإمالة) وبلغ ذلك عليا فرسم لأبي الأسود باب ~~«إن» وباب الإضافة وباب الإمالة، ثم سمع أبو الأسود رجلا يقرأ: # أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله # بخفض رسوله، فصنف باب العطف والنعت، ثم إن بنته قالت ~~له يوما: «يا أبت ما أحسن السماء» على طريق الاستفهام، فقال: ~~«نجومها». فقالت: «إنما أتعجب من حسنها». فقال: «قولي: ما أحسن السماء ... ~~افتحي فاك». # وقالت له يوما: «ما أشد الحر» على لفظ الاستفهام على نحو ما جرى في الجملة ~~الماضية، فصنف باب التعجب. # 105 # واختلف المؤرخون في هذه الروايات وذكروا غيرها، ولكن الفحوى واحد، فهم مجمعون ~~على أن أبا الأسود وضع النحو ms0438 لمثل الأسباب التي قدمناها، وهو يقول إنه تلقى ~~ذلك عن علي بن أبي طالب، فوضع علم النحو أو الشروع فيه على الأقل ثابت لأبي ~~الأسود، ويؤيد ذلك ما ذكره ابن النديم صاحب الفهرست مما شاهده بعينه في عرض ~~كلامه في خزانة كتب أطلعه عليها أحد جماعي الكتب، فكان في جملة ما فيها قمطر ~~كبير فيه نحو 300 رطل جلود فلجان وصكاك وقرطاس مصري وورق صيني وورق تهامي وجلود ~~آدم وورق خراساني، وبينها أربعة أوراق قال: «أحسبها من ورق الصين، ترجمتها: هذه ~~فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود رحمة الله عليه، بخط يحيى بن يعمر، ~~وتحت هذا الخط بخط عتيق: هذا خط علان النحوي، وتحته: هذا خط النضر بن شميل، ثم ~~لما مات هذا الرجل فقدنا القطمر». # 106 # على أن ما وضعه أبو الأسود من القواعد لم يكن ليسد الحاجة المستعجلة لضبط ~~القراءة، فعمد إلى ضبطها بعلامات يتميز بها المنصوب من المرفوع، أو الفعل من ~~الاسم، فوضع علامات كانت عند السريان يدلون بها على الرفع والنصب والجر، أو ~~يميزون بها الفعل من الاسم، كما تقدم في كلامنا عن تاريخ الخط العربي. # فالعرب كانوا يعرفون الإعراب قبل علم النحو، كما كانوا يحسنون النظم قبل علم ~~العروض، وكان ذلك ملكة طبيعية فيهم، حتى اختلطوا بالأعاجم، وأسلم هؤلاء وليس ~~فيهم ملكة اللغة ليفهموا القرآن، فاضطروا إلى ضبطها وكانوا أكثر المسلمين ~~اشتغالا في ذلك، بدأ بعلم النحو أبو الأسود وأتمه من جاء بعده من أهل البصرة ~~والكوفة، وأول من أخذ عنه عنبسة بن معدان المهري، وأخذ عن هذا ميمون الأقرن، ~~وأخذ عنه عبد الله الحضرمي، وأخذ عنه عيسى بن عمر، وأخذ عنه الخليل بن أحمد ~~إمام علم العروض واللغة، ومنه أخذ سيبويه إمام علم النحو، # 107 # فتنوقل النحو في هؤلاء من الواحد إلى الآخر، وهو ينمو ويرتقي عملا ~~بناموس الارتقاء، وألفوا فيه الكتب لكنه نضج في أيام سيبويه (توفي سنة 180ه) ~~فألف فيه كتابه الشهير، وأصبح كل من ألف في النحو عيالا عليه ms0439 وعلى كتاب العين ~~الآتي ذكره. # وكانوا إذا قالوا: «الكتاب» أرادوا كتاب سيبويه، وكان الناس يتهادونه كأفخر ~~التحف. ~~(ج) الأدب واللغة # لما أخذ المسلمون في تفسير القرآن احتاجوا إلى ضبط معاني ألفاظه وتفهم أساليب ~~عباراته، فجرهم ذلك إلى البحث في أساليب العرب وأقوالهم وأشعارهم وأمثالهم، ولا ~~يكون ذلك سالما من العجمة أو الفساد إلا إذا أخذ عن عرب البادية الذين كانت ~~قريش في الجاهلية تتخير من ألفاظهم وأساليبهم، فعني جماعة كبيرة من المسلمين ~~بالرحلة إلى بادية العرب والتقاط الأشعار والأمثال وسؤال العرب عن معاني ~~الألفاظ وأساليب التعبير، وسموا الاشتغال بذلك مع ما يتبعه من صرف ونحو وبلاغة ~~بعلم الأدب. # والقبائل التي نقلوا عنها العربية: قيس وتميم وأسد، وعن هذه القبائل الثلاث ~~أكثر ما أخذ من اللغة، وعليها عول الناقلون في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم ~~قبيلة هذيل وبعض كنانة وبعض طيء، ولم يؤخذ من غيرهم من سائر القبائل ولا أخذوا ~~شيئا عن الحضر ولا من البدو الذين كانوا يسكنون البراري المجاورة للأمم ~~الأخرى، فلم يأخذوا من لخم وجذام لمجاورتهما أهل مصر، ولا من قضاعة وغسان وإياد ~~لمجاورتهم أهل الشام وأكثرهم نصارى يقرأون العبرانية والسريانية، ولا من بكر ~~لمجاورتهم النبط والفرس، ولا من عبد القيس وأزد عمان؛ لأنهم كانوا بالبحرين ~~يخالطون الهند والفرس، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم الهند والحبشة، ولا من بني ~~حنيفة وسكان اليمامة ولا من ثقيف وأهل الطائف لمخالطتهم تجار اليمن، ولا من ~~حاضرة الحجاز لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب ~~وقد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم، والذين نقلوا اللغة وأساليبها عن ~~القبائل المذكورة وأثبتوها في الكتب وصيروها علما هم أهل البصرة والكوفة فقط، # 108 # وكان أكثر المشتغلين في جمع اللغة وآدابها العجم لحاجتهم إلى ذلك ~~أكثر من العرب. # علماء الأدب بالبصرة والكوفة # ومن أقدم المشتغلين في جمع اللغة والأدب وأوسعهم حفظا ورواية أبو عمرو بن ~~العلاء التميمي المتوفى بالكوفة سنة 154ه، وهو من مواليد مكة، وكانت كتبه عن ~~العرب الفصحاء تملأ بيته إلى ms0440 قريب السقف، # 109 # وقال مع ذلك: «ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم ~~وافرا لجاءكم علم وشعر كثير». # ونبغ في العراق جماعة كبيرة من طلاب الأدب واللغة في القرن الثاني للهجرة، ~~أشهرهم أربعة في عصر واحد، وهم: أبو زيد، وأبو عبيدة، والأصمعي، والخليل. وكان ~~العلم كله عندهم، والثلاثة الأول أخذوا عن أبي عمرو المذكور اللغة والنحو ~~والشعر والقراءة. # 110 # فأبو زيد كان من الأنصار توفي سنة 214ه، وهو من رواة الحديث ثقة في اللغة ~~وأخذ عنه سيبويه، وأبو عبيدة كان أعلم الجميع بأيام العرب وأخبارهم وأجمعهم ~~لعلومهم، ومن أقواله: «ما التقى فرسان في جاهلية أو إسلام إلا عرفتهما وعرفت ~~فارسيهما» توفي سنة 209ه، والأصمعي غلبت عليه اللغة وحفظ الشعر ونقده، توفي سنة ~~213ه. # وأما الخليل بن أحمد المتوفى سنة 170 فإنه أسبقهم جميعا وقد لقبوه بسيد ~~علم الأدب؛ لأنه أول من دون اللغة على حروف المعجم في كتابه المشهور بكتاب ~~العين، سماه بذلك لأنه رتبه على الحروف باعتبار مخارجها: من الحلق، فاللسان، ~~فالأسنان، فالشفتين. وبدأ بحرف العين، وهاك ترتيبه: ع ح ه خ غ ق ك ج ش ص ض س ر ~~ط د ت ظ ذ ث ز ل ن ف م و ا ي. فكأن الخليل حذا بذلك حذو الهنود في ترتيب حروف ~~لغتهم السنسكريتية، فإنهم يبدأون بأحرف الحلق حتى ينتهوا إلى الأحرف الشفوية. # 111 # وكان من عادات العرب أن يسموا الكتاب بأول لفظ من ألفاظه، ككتاب الجيم ~~للهروي وهو كتاب رتبه على حروف المعجم بدأ به بحرف الجيم، # 112 # وكتاب الجيم لأبي عمرو الشيباني، # 113 # ومن هذا القبيل كتاب الغين في الحروف، وكتاب الميم ونحوهما، ~~ويستفاد من ملاحظة ترتيب الحروف في كتاب العين أن الجيم كانوا يتلفظون بها ~~كالكاف الفارسية، وأن كثيرا من الأحرف تختلف عما تنطق به الآن. # وكان الحفاظ والرواة يدققون فيما يأخذونه عن العرب من شعر أو مثل أو غير ~~ذلك، وما يسمعونه من معانيها؛ لأن عليها يتوقف تفسير القرآن. # فإنهم ms0441 اتبعوا في نقل اللغة طريقة الإسناد المتسلسل، كما كانوا يفعلون في ~~رواية الحديث، وعني الناس بحفظها مثل عنايتهم بحفظه، لاعتبارهم أن ناقل اللغة ~~يجب أن يكون عدلا كما يشترط في ناقل الحديث؛ لأنها واسطة تفسيره وتأويله، ~~على أنهم لم يستطيعوا ذلك تماما. # وازدهرت علوم الأدب في القرن الثاني وبعض الثالث الهجريين في البصرة والكوفة، ~~ونبغ فيهما النحاة والرواة والحفاظ والأدباء والشعراء، والبصرة متقدمة في ذلك، ~~وأهل الكوفة يأخذون عن أهل البصرة، وهؤلاء يستنكفون أن يأخذوا عن أهل الكوفة ~~لاعتقادهم أنهم غير محققين، ولم يعلم أن أحدا من البصريين أخذ عن أهل ~~الكوفة إلا أبو زيد الأنصاري، # 114 # على أن الشعر كان في الكوفة أكثر وأجمع منه في البصرة، ولكن ~~كثيرا منه مصنوع، وأشهر علماء الكوفة الكسائي # 115 # المتوفى سنة 182ه يليه في النحو تلميذه الفراء المتوفى سنة 207ه ~~وعلي الأحمر اللحياني وغيره، كما اشتهر في البصرة سيبويه ومن ذكرناهم من النحاة ~~وأهل الأدب. # علماء الأدب في بغداد # وما زال هذان المصران مصدر العلوم الإسلامية حتى بنيت بغداد وانتقل العلم ~~إليها، وغلب ورود أهل الكوفة إلى بغداد لقربهم منها، وكان العباسيون يكرمونهم؛ ~~لأنهم نصروهم لما قاموا لطلب الخلافة، فقدمهم الخلفاء على أهل البصرة ~~واستقدموهم إليهم ووسعوا لهم، ورغب الناس في الروايات الشاذة وتفاخروا ~~بالنوادر، وتباهوا بالترخيصات وتركوا الأصول واعتمدوا على الفروع، واشتهر ~~منهم في عصر الفراء عبد الله بن سعيد الأموي، وأبو الحسن الأخفش الكوفي، وأبو ~~عكرمة الضبي، وأبو عمرو الشيباني وغيرهم. # وآل الأمر بعد نضج علم الأدب في العصر العباسي إلى أربعة هم أركانه وأعمدته، ~~دونوا علمهم في كتب شهيرة هي: ~~(1) # كتاب أدب الكاتب لابن قتيبة. ~~(2) # كتاب الكامل للمبرد. ~~(3) # البيان والتبيين للجاحظ. ~~(4) # كتاب النوادر للقالي. # وهذه الكتب هي مصادر علم الأدب عند العرب إلى الآن، وأكثر ما ألف بعدها ~~نقل عنها. # 116 # ولما قدم العباسيون أهل الكوفة ارتقوا في عين أنفسهم وأرادوا مسابقة أهل ~~البصرة ومفاخرتهم، فقامت المجادلات بين البلدين في مسائل كثيرة في النحو والأدب ~~واللغة، أشهرها مسألة الزنبور ms0442 والنحلة التي انتشبت نارها بين سيبويه من البصرة ~~والكسائي من الكوفة. وكان الكسائي يعلم الأمين ابن الرشيد، فكان الأمين ~~ينصره كأن على انتصار أحد النحويين يتوقف انتصار أهل بلده جميعا، ولا بأس من ~~إيراد خلاصة المسألة ليظهر مقدار اهتمام الخلفاء بالمسائل العلمية. # وذلك أن الكسائي كان مقيما في بغداد يعلم الأمين، واتفق أن سيبويه ~~قدم إليها من البصرة، فجمع الأمين بينهما في مجلس فتناظرا في أمور كثيرة من ~~جملتها مسألة الزنبور، فذكر الكسائي من أمثال العرب مثلا رواه على هذه الصورة: ~~«كنت أظن الزنبور أشد لسعا من النحلة فإذا هو إياها» فقال سيبويه: «ليس المثل ~~كذلك، بل: فإذا هو هي» وتحاورا طويلا، واتفقا على مراجعة عربي خالص لا يشوب ~~كلامه شيء من كلام أهل الحضر. وكان الأمين شديد العناية بالكسائي لكونه معلمه ~~فاستدعى عربيا وسأله، فقال كما قال سيبويه، فقال له: «نريد أن تقول كما قال ~~الكسائي» فقال: «لساني لا يطاوعني على ذلك فإنه ما يسبق إلا إلى الصواب» ~~فقرروا معه أن شخصا يقول: «قال سيبويه كذا، وقال الكسائي كذا فالصواب مع من ~~منهما؟» فيقول العربي: «مع الكسائي» فقال: ~~«هذا يمكن». ثم عقد لهما المجلس واجتمع أئمة هذا الشأن، وحضر العربي وقيل له ~~ذلك فقال: «الصواب مع الكسائي وهو كلام العرب» فعلم سيبويه أنهم تحاملوا عليه ~~وتعصبوا للكسائي، فخرج من بغداد وقد حمل في نفسه لما جرى عليه وقصد بلاد ~~فارس. # ويدل ذلك على عناية أهل الدولة بالمسائل الأدبية، وإن كانت في الواقع لا تخلو ~~من غرض سياسي، على أنهم كانوا يهتمون بالآداب من أيام بني أمية، فقد ذكروا ~~أن عبد الملك بن مروان كان يعقد المجالس للمذاكرة، فقال مرة لبعض أهل ~~مسامرته: «أيكم يأتيني بحروف المعجم في بدنه؟» أراد أن يعدد أعضاء بدنه فيذكر ~~عضوا أوله حرف الألف ثم عضوا أوله حرف الباء وهكذا إلى الياء، فقام سويد بن ~~غفلة فعدها، فقام أحد الحاضرين فعدها في جسد الإنسان مرتين # 117 # فأجاز الاثنين. # وكانت علوم اللغة في أول أمرها مشتركة ms0443 مختلطة، ثم تميزت وتشعبت فصارت علوما ~~عديدة، كل منها مستقل عن الآخر، كالنحو والصرف واللغة والمعاني والبيان ~~والاشتقاق والعروض والقوافي وأخبار العرب وأمثالهم والجدل وغيرها، وقد يطلقون ~~عليها علم الأدب، ولكل منها تاريخ وشروح هي من شأن تاريخ آداب اللغة. ~~(د) بلاغة الإنشاء # البلاغة في الإنشاء مما اقتضاه القرآن؛ ~~لأنه مثال البلاغة والفصاحة عند العرب، يتخذونه نموذجا في خطبهم ورسائلهم ~~وإنشائهم، وإذا لم يقصدوا إلى الاقتباس منه عمدا فشيوع حفظه بينهم أكسبهم ملكة ~~البلاغة، مع ما كانوا فيه من أسباب الحماسة والأنفة في إبان دولتهم، فدخلت لغة ~~العرب بعد الإسلام في طور جديد من البلاغة والفصاحة، ظهر في عبارتها على اختلاف ~~طرق تأديتها خطابة أو كتابة، أما بلاغة الخطابة فسيأتي الكلام عليها، وأما ~~الكتابة فينظر فيها من عدة وجوه ترجع إلى كتابة الرسائل وكتابة الكتب. # إنشاء الرسائل # فالرسائل كانت عبارتها عندهم مثل عبارة الخطابة، من حيث التفنن في أساليب ~~الخيال بالتهديد أو الوعيد أو النصح أو الاستنهاض أو الاستعطاف أو نحو ذلك من ~~المعاني، وكانوا في أوائل الإسلام يتوخون الاختصار فيها على قدر الإمكان، عملا ~~بالحديث القائل: «أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارا». فكانوا ~~يجمعون المعنى الكبير في اللفظ القليل، حتى تكاد ترى المعنى مجردا من اللفظ، ~~وكان لتلك الرسائل تأثير مثل تأثير الخطب البليغة، كأنهم استعاضوا بعد زمن ~~الفتح ببلغاء الكتاب عن بلغاء الخطباء. # ومن أمثلة الرسائل المختصرة البليغة أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن ~~العاص أمير مصر، وكان الحجاز في ضنك عام الرمادة: «من عبد الله عمر أمير ~~المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك، أما بعد فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا ~~شبعت أنت ومن معك أن أهلك أنا ومن معي ... فيا غوثاه ثم يا غوثاه!» فكتب إليه ~~عمرو: «لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عبد الله عمرو بن العاص، أما بعد فيا ~~لبيك ثم يا لبيك! وقد بعثت إليك بعير أولها عندك وآخرها عندي، والسلام عليك ~~ورحمة الله». # ومن أمثلة تأثير المكاتبة البليغة ms0444 أن عبد الملك بن مروان بنى بابا في بيت ~~المقدس باسمه، وأمر الحجاج فبنى بابا باسمه هو، فاتفق أن صاعقة وقعت فاحترق ~~بها باب عبد الملك فقط، فعظم ذلك عليه وتشاءم منه فكتب الحجاج إليه: «بلغني ~~أن نارا نزلت من السماء فأحرقت باب أمير المؤمنين ولم تحرق باب الحجاج، وما ~~مثلنا في ذلك إلا كمثل ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من ~~الآخر» فسري عن عبد الملك بذلك. # وكان الخلفاء يختارون كتابهم من البلغاء، ويتوخون جهدهم في الاختصار مع ~~البلاغة، ومن أمثلة ذلك أن المأمون استكتب كاتبه عمرو بن مسعدة كتابا إلى ~~بعض العمال بالوصية عليه والاعتناء بأمره فكتب: «كتابي إليك كتاب واثق بمن كتب ~~إليه، معني بمن كتب له، ولن يضيع حامله بين الثقة والعناية». # وكثيرا ما كانوا يجيبون على الكتاب بعبارة مختصرة، وخصوصا إذا أرادوا ~~التهديد أو نحوه، كما أجاب الرشيد نقفور ملك الروم، وكان قد كتب إليه ينذره ~~بقطع ما كان يحمله الروم إلى بغداد من الأموال، ويطلب إليه إرجاع ما كان قد ~~قبضه منها إلى أن قال: «وافتد نفسك بما تقع به المصادرة، وإلا فالسيف بيننا ~~وبينك». فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب، فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب ~~بعد البسملة: «قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه لا ما تسمعه!» وأجاب ~~مثل ذلك الجواب يوسف بن تاشفين للأذفونش ملك الإفرنج لما هدده بكتاب، فكتب يوسف ~~على ظهر الكتاب: «الذي يكون ستراه». # التوقيعات # ويعد من هذا القبيل أيضا التوقيعات، وهي ما كان يوقعه الخلفاء على ما يرفع ~~إليهم من القصص بما يشبه (التأشير) في دواوين هذه الأيام، وكانوا يتفننون في ~~التوقيع تفننا بديعا، ويغلب أن يجعلوا أجوبتهم آيات من القرآن، أو جملا من ~~الحديث، أو أشعارا مشهورة. ومن أمثلة ذلك أن سعد بن أبي وقاص كتب إلى عمر بن ~~الخطاب يستأذنه في بنيان يبنيه، فوقع عمر في أسفل الكتاب: «ابن ما يكنك من ~~الهواجر وأذى المطر». ووقع عثمان بن عفان في ms0445 قصة قوم تظلموا من مروان بن الحكم ~~وذكروا أنه أمر بوجأ أعناقهم: «فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون». وكتب ~~سلمان الفارسي إلى علي بن أبي طالب يسأله كيف يحاسب الناس يوم القيامة، فوقع ~~على جوابه: «يحاسبون كما يرزقون». # وكتب عبد الله بن عامر إلى معاوية في أمر يعاتبه فيه، فوقع في أسفل الكتاب: ~~«بيت أمية في الجاهلية أشرف من بيت حبيب في الإسلام، فأنت تراه». وكتب إليه ~~ربيعة بن عسل اليربوعي يسأله أن يعينه في بناء داره بالبصرة باثني عشر ألف جذع، ~~فوقع في أسفل الكتاب: «أدارك في البصرة أم البصرة في دارك؟!» وكتب الحجاج إلى ~~عبد الملك بن مروان يخبره بسوء طاعة أهل العراق وما يقاسي منهم، ويستأذنه في ~~قتل أشرافهم، فوقع له: «إن من يمن السائس أن يتألف به المختلفون، ومن شؤمه أن ~~يختلف به المتألفون». ووقع عبد الملك في كتاب ابن الأشعث: # فما بال من أسعى لأجبر عظمه # حفاظا وينوي من سفاهته كسري # ووقع عمر بن عبد العزيز إلى عامل شكاه الناس: «كثر شاكوك وقل شاكروك، فإما ~~اعتدلت وإما اعتزلت، والسلام»، # 118 # وكتب إليه بعض عماله يستأذنه في بناء مدينة فوقع على الكتاب: ~~«ابنها بالعدل ونق طرقها من الظلم». ~~••• # وقس على ذلك سائر توقيعات بني أمية وبني العباس، وهي كثيرة وكلها بليغة، ~~كتوقيع المهدي لعامله على خراسان لأمر جاء عنه : «أنا ساهر وأنت نائم ...» وتوقيع ~~الرشيد إلى عامله على مصر: «احذر أن تخرب خزانتي وخزانة أخي يوسف، فيأتيك من لا ~~قبل لك به ومن الله أكثر منه». وتوقيع المأمون إلى ابن هشام في أمر تظلم فيه: ~~«من علامة الشريف أن يظلم من فوقه ويظلمه من تحته، فأي الرجلين أنت؟» # وكان الأمراء والوزراء أيضا يوقعون مثل توقيعات الخلفاء فيما يرفع إليهم من ~~القصص، فتظلم أحدهم إلى زياد بن أبيه من بعض عماله بكتاب فوقع له: «أنا معك». ~~ووقع الحجاج في كتاب أتاه من صاحب الكوفة يخبره بسوء طاعة أهلها وما يقاسي من ~~مداراتهم: «ما ظنك بقوم قتلوا ms0446 من كانوا يعبدونه؟!» ووقع جعفر بن يحيى في قضية ~~محبوس: «ولكل أجل كتاب». ووقع لآخر: «الجناية حبسته والتوبة تطلقه». وقد اقتبس ~~العرب التوقيع على هذه الصورة من الفرس؛ لأنهم سبقوهم إلى ذلك. # وما زال الاختصار عمدة البلاغة في رسائلهم ومكاتباتهم، حتى تحضروا واختلطوا ~~بالفرس بالمصاهرة والمعاشرة فاقتبسوا منهم التفخيم والمبالغة والتوسع، وقد ~~بدأوا بذلك من أوائل القرن الثاني للهجرة، وأول من أطال الرسائل واستعمل ~~التحميدات في فصول الكتب وفتق أكمام البلاغة عبد الحميد الكاتب المشهور المتوفى ~~سنة 132ه، وهو من أهل الشام # 119 # غير عربي. وسار الكتاب بعده على خطته وقلدوه وتوسعوا في طريقته، ~~فنبغ جماعة من مشاهير البلغاء فيهم الوزراء والأمراء وأكثرهم من غير العرب، ~~ومنهم يحيى بن خالد البرمكي فارسي، والفضل بن الربيع من الموالي، والفضل بن سهل ~~فارسي، والصاحب بن عباد من الطالقان، وابن العميد المتوفى سنة 360ه وهو من أهل ~~خراسان، وعماد الدين الكاتب المتوفى سنة 597ه من أهل أصبهان وهو أكثرهم توسعا ~~وإطنابا. # إنشاء الكتب # ونريد بها الكتب المؤلفة في الموضوعات الأدبية أو العلمية أو التاريخية أو ~~نحوها، وهي تختلف بلاغة وفصاحة باختلاف موضوعاتها، وكتب الأدب أحوج إلى البلاغة ~~لما تقتضيه الموضوعات الأدبية من التخيلات الشعرية والكنايات ونحوها، والغالب ~~في كتاب الأدب أن يطالعوا آداب العرب ويخالطوهم ويحفظوا أساليبهم في ~~أشعارهم وخطبهم وأقوالهم، فتحصل فيهم ملكة البلاغة العالية، ولذلك كان الفقهاء ~~وأهل العلوم الطبيعية قاصرين في البلاغة لاستغناء هذه العلوم عن الخيال، ~~فيتعودون التعبير بعبارات بسيطة بعيدة عن أساليب الأدباء، وإذا حاولوا الكتابة ~~في الأدب أو نظم الشعر جاء كلامهم ضعيفا ركيكا. # فلغة الكتاب، قبل انتشار الفقه ونقل العلوم الطبيعية إلى العربية، كانت أقرب ~~إلى البلاغة مما صارت إليه بعد ذلك؛ لأنها كانت مصوغة على مثال القرآن وهو ~~عنوان البلاغة، لكنه أقرب إلى التعبير الشعري منه إلى الكلام المرسل، فالذين ~~حذوا حذوه في صدر الإسلام أجادوا في الخطب والمراسلات؛ لافتقارها إلى ذلك ~~الأسلوب بما فيه من أسباب التأثير في النفوس، فلما أقدم المسلمون على تأليف ms0447 ~~الكتب، وكان معظم المؤلفين من الفرس اصطبغت بلاغة العربية بشيء من أسلوب الفرس ~~فنشأ عنها الكلام المرسل المتناسق، وأحسن أمثلته عبارة ابن المقفع في كتاب ~~كليلة ودمنة، فإنها لا تزال عنوان البلاغة والسهولة إلى هذا اليوم. # ابن المقفع # كان ابن المقفع عريقا في الفارسية عالما بآدابها متمكنا من أساليبها؛ ~~لأنها لغته ولغة آبائه، وكان يعرف اللغتين الفهلوية واليونانية، وقد نشأ في ~~البصرة في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة وهي حافلة بالأدباء والشعراء، ~~فبرع في اللغة العربية وآدابها، وكان سليم الذوق ذا قريحة إنشائية، فلما أقدم ~~على نقل كتاب كليلة ودمنة من الفارسية إلى العربية جاءت عبارته شاملة للبلاغة ~~والسهولة، وقد سار على نهجه من جاء بعده؛ لأنه أقدم من حفظ إنشاؤه في ~~الموضوعات الأدبية باللغة العربية (توفي سنة 143ه). # على أن سائر كتاب الأدب نحو ذلك العصر قلما أنشأوا شيئا من عند أنفسهم؛ ~~لأن أكثر ما كانوا يكتبونه قطع كانوا يروونها عن أهل البادية أو عن بلغاء ~~الخطباء بنصها، وربما وصلوا بينها بفقرات لا تتجاوز قولهم: حدثنا فلان، أو ~~أخبرنا فلان، أو خطب فلان فقال كذا وكذا، وكتب فلان إلى فلان كذا وكذا، مما لا ~~يعد من قبيل الإنشاء المرسل، حتى ما كتبه أركان علم الأدب في أواسط القرن ~~الثالث للهجرة، كالجاحظ والمبرد وابن قتيبة وغيرهم، فإن كتبهم عبارة عن قطع ~~من أقوال العرب أو مروياتهم منقولة بالإسناد إلى أصحابها، وشأنهم في ذلك شأن ~~كتاب المغازي والفتوح والسير والأخبار والأشعار، كحماد والأصمعي وأبي عبيدة ~~ومحمد بن إسحاق، فإنهم كانوا يقولون ويسندون أقوالهم إلى الرواة، وأكثرهم من ~~أهل البادية. ويقال نحو ذلك فيما جمع بين هذه الفنون، ككتاب العقد الفريد لابن ~~عبد ربه، وكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني وغيرهما، فإنها عبارة عن أخبار ~~مسندة إلى أصحابها، ويندر فيها الكلام المرسل من عند المؤلف. # فكتاب كليلة ودمنة أقدم ما وصل إلينا من الإنشاء المرسل من لغة رجل واحد، وهو ~~عالم من علماء الفرس وقد نقل الكتاب عن لغة الفرس، ونظرا إلى ms0448 ما يمتاز به ~~الكتاب المذكور من السهولة والرشاقة عن سائر ما كتب في عصره أو ما بعده من ~~كتب الأدب، يغلب على ظننا أنه اكتسب ذلك من تأثير أساليب اللغات الأخرى ~~التي كان يعرفها الكاتب، أو لاقتدار خاص في الكاتب نفسه على مثل ذلك الأسلوب، ~~وقد قل من جاء بمثله بعده ولم يأت أحد بأحسن منه، مع ما بلغ إليه العلم من ~~الرقي في العصر العباسي وما نبغ فيه من علية الكتاب المشاهير، مما يدلك ~~على أن الإنشاء قريحة خاصة مثل قريحة الشعر لا تتقيد بالزمان أو المكان إلا ~~قليلا. # وما زالت الكتب تؤلف بالإسناد والرواية، حتى كثرت المؤلفات العربية في كل ~~فن أو علم، وعمد الكتاب إلى التلخيص والاختصار في القرن السادس أو السابع، ~~فأخذوا يحذفون الأسانيد أو يختصرونها إلا لأسباب خاصة كما سترى في باب ~~التاريخ. # السجع # ولما نضج التمدن الإسلامي وكثر فيه الأدباء والشعراء، وأصبح الشعر شائعا على ~~ألسنة الناس على اختلاف طبقاتهم، وكثر تمثلهم به وتناشدهم إياه، ألف الناس ~~التلذذ برنة القافية، فاستحسنوا إدخالها أولا في المراسلات وهو التسجيع، وقد ~~كان في أول أمره مقبولا لقلته وحسن وقعه، حتى أدخلوه في الكتب وكتبوا به ~~المقامات في أواخر القرن الرابع، وأول من فعل ذلك بديع الزمان الهمذاني المتوفى ~~سنة 398ه ولعله اقتبس نسقها من أحمد بن فارس الرازي المتوفى سنة 390 ه، # 120 # وعلى منواله نسج الحريري ولكنه تباعد عن السهولة والطلاوة، وشاعت ~~هذه المقامات واستحسنها الناس فزادتهم رغبة في الأسجاع، فتكاثر التسجيع في ~~القرون الإسلامية الوسطى حتى مجته الأسماع وعاد إلى نحو ما كان عليه في أيام ~~الكهان. # والتسجيع في الكتب أنبى على السمع مما في الرسائل، وخصوصا فيما لا يحتاج إلى ~~تنميق أو إطناب أو رنة أو خيال ككتب التاريخ والعلم، فمن يطالع كتاب قلائد ~~العقيان للفتح بن خاقان المتوفى سنة 535ه، أو الفتح القسي في الفتح القدسي ~~لعماد الدين الأصبهاني المتقدم ذكره، أو تاريخ آل سلجوق لعماد الدين أيضا؛ ير ~~ثقل الأسجاع على الأسماع ms0449 في التاريخ وإن حسنت أحيانا في الرسائل ~~والخطب. # على أن معظم مشاهير الكتاب في كل العصور لم يكتبوا إلا مرسلا، وقد ~~أجادوا كابن خلدون وابن الأثير والمسعودي وغيرهم، وقد كتب غير واحد منهم في ~~تقبيح السجع حتى في المراسلات، ونسبوا ذلك إلى ضعف ملكة الإنشاء. # 121 ~~(2-3) التاريخ والجغرافية ~~(أ) التاريخ # بقي الإنسان أحقابا لم يدون فيها التاريخ؛ لأنه لم يكن يعرف الكتابة، ~~ولأن أحواله لم تكن تستدعي التدوين لسذاجتها، مع انصراف همه في تلك العصور ~~إلى ضروريات الحياة، على أنه ما لبث أن أصيب بطوارق الحدثان، فحفظ أكثرها ~~تأثيرا في أحوال معائشه، كالطوفان والقحط والحرب ونحوها، وتنوقلت تلك الأخبار ~~في أعقابه أدهارا، وهي تتعاظم وتتكيف على ما تطلبه طبيعة الإنسان من التلذذ ~~باستماع الغريب، واجتهاد الراوي في التأثير على السامع بما يلقيه من الأخبار ~~المنمقة المستغربة، فوصلت أخبار الأوائل إلى زمن التاريخ وهي أشبه بالخرافات ~~منها بالحقائق، واتخذ بعضها وجهة دينية، والبعض الآخر وجهة حماسية، واصطبغ ~~بعضها صبغة شعرية أو خيالية، ويختلف ذلك باختلاف الأمم والعصور، فنشأ من ذلك ~~كله ما يعرف بالخرافات القديمة، كالميثولوجيا اليونانية في الإلياذة، وأخبار ~~الهنود في المهابهارتة، وأخبار الفرس القدماء في الشاهنامة، وأخبار القبائل ~~البائدة التي كان العرب يتناقلونها، فإن ما ينسبونه إلى عاد وثمود وطسم وجديس ~~من الحوادث المستغربة لا يخلو من أصل تاريخي تعاظم وتضاعف على مر الأيام، وكذلك ~~حديث سيل العرم وبلقيس وغيرهما. # ويلي ذلك طبقة من الأخبار أقرب إلى التاريخ من تلك، كالمهاجرات القديمة ~~والحروب القديمة، ومنها أيام العرب وحروبهم قبل الإسلام، وعام الفيل ونحوها مما ~~أشرنا إليه في باب علوم العرب قبل الإسلام، فجاء الإسلام وليس عند العرب من ~~قبيل التاريخ غير أنسابهم وشذرات من تلك الأخبار والخرافات، ولا علم لهم بأحوال ~~الأمم الأخرى إلا ما له علاقة بهم، غير ما كانوا يسمعونه من حوادث التوراة ~~والتلمود من أحبار اليهود أو قسس النصارى، ولا يخرج ذلك كله عن أخبار متقطعة ~~يقتصر الخبر منها على حادثة أو واقعة لا علاقة ms0450 لها بالحوادث الأخرى. # فالعرب قبل الإسلام كانوا يعدون من أضعف الأمم المتمدنة في التاريخ. فلما ظهر ~~الإسلام اشتغلوا بالفتوح والحروب، حتى إذا استتب لهم الأمر وفرغوا من الفتح ~~تدرجوا في وضع التاريخ مثل تدرجهم في سائر العلوم الإسلامية، وقد عددنا التاريخ ~~من هذه العلوم، لا لأنه خاص بالإسلام بل لأن الإسلام دعا إلى وضعه كما ~~سترى. # قد تقدم في كلامنا عن «حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم» أن العرب ~~كانوا يتنزهون عن الاشتغال بالعلم إلا الأخبار؛ فإنهم كانوا يشتغلون بها ~~ويعنون بحفظها وسماعها وتناقلها، وخصوصا أخبار الفرسان والشجعان والفصحاء ~~والخطباء والشعراء، لما في ذلك من بواعث القدوة واستنهاض الهمم وترويض ~~النفوس. # وكان أكثر الخلفاء دهاء وسياسة أكثرهم رغبة في استماع الأخبار. فمعاوية بن ~~أبي سفيان داهية بني أمية كان يجلس لأصحاب الأخبار في كل ليلة بعد العشاء إلى ~~ثلث الليل، فيقصون عليه أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها وسياستها في ~~رعيتها وسائر ملوك الأمم وحروبها ومكائدها. ثم ينام ثلث الليل ويقوم فيأتيه ~~غلمان مرتبون وعندهم كتب قد وكلوا بحفظها وقراءتها، فيقرأون عليه ما في تلك ~~الكتب من سير الملوك وأخبار الحروب ومكايدها وأنواع السياسات، # 122 # والغالب في اعتقادنا أن تلك الكتب باليونانية أو اللاتينية، ~~وفيها أخبار أبطال اليونان والرومان كالإسكندر ويوليوس قيصر وهنيبال، وأن ~~الغلمان كانوا يفسرونها له بالعربية؛ لأن العرب لم يدونوا الكتب إلا بعد زمن ~~معاوية. # وسماع أخبار العظماء يستنهض الهمم إلى الاقتداء بهم، ولذلك كان أكبر القواد ~~العظام الراغبين في العلا، من العرب وغير العرب، يستتلون أخبار من سبقهم من ~~مشاهير القواد، وإذا وقع أحدهم في مشكلة سياسية تدبر ما حدث من أمثالها قبله ~~تسهيلا لإبداء حكمه فيها، يقال: إن المنصور لما هم بقتل أبو مسلم الخراساني ~~تردد بين أن يمضي في قتله أو يشاور فيه، لما كان لأبي مسلم من السعي الحميد في ~~قيام الدولة العباسية، فتزيد بلباله حتى أرق، فلما أصبح استدعى إسحاق بن مسلم ~~العقيلي، وقال له: «حدثني حديث الملك الذي أخبرتني عنه في حران»، ms0451 فقص عليه ~~الحديث وخلاصته أن سابور ملك الفرس أنفذ وزيره إلى خراسان يدعو أهلها إلى ~~طاعته، فمضى وسعى في تحبيب الناس به ودعاهم إلى طاعة نفسه، فلما استفحل أمره ~~صمم سابور على قتله عند رجوعه إليه بأعين خراسان، فلما رجعوا بغتهم فلم ينتبهوا ~~إلا ورأس الوزير بين أيديهم، فاضطروا إلى طاعة سابور - فلما سمع المنصور تلك ~~الحكاية بما فيها من المشابهة بحكاية أبي مسلم أطرق مليا ثم رفع رأسه وهو ~~يقول: # لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا # وما علم الإنسان إلا ليعلما # واستقر رأيه على قتل أبي مسلم، وقتله، # 123 # وكان بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل إذا دخل شهر رمضان أحضرت له كتب ~~التواريخ والسير، وجلسوا يقرأون عليه أحوال العالم، فأصبح علم التاريخ من علوم ~~الملوك وأصحاب السيادة، وكان من الأمثال الشائعة في أوائل الإسلام قولهم: «علم ~~الملوك النسب والخبر، وعلم أصحاب الحروب درس كتب الأيام والسير، وعلم التجار ~~الكتابة والحساب». # 124 # فلما ضعف شأن الخلافة العباسية واستبد الوزراء بأمور الدولة، أصبح همهم منع ~~الخلفاء من مطالعة التاريخ أو السير، خوفا من أن يفطنوا إلى أشياء لا يحب ~~الوزراء أن يفطنوا لها - قيل: إن المكتفي طلب من وزيره كتبا يلهو بها ويقطع ~~بمطالعتها زمانه، فتقدم الوزير إلى النواب بتحصيل ذلك وعرضه عليه قبل حمله إلى ~~الخليفة، فجاءوه ببعض الكتب وفيها شيء مما جرى في الأيام السالفة، من وقائع ~~الملوك وأخبار الوزراء ومعرفة التحيل في استخراج الأموال، فلما رآه الوزير غضب ~~وقال لنوابه: «والله إنكم أشد الناس عداوة لي، أنا قلت لكم حصلوا له كتبا ~~يلهو بها ويشتغل بها عني وعن غيري، فقد حصلتم له ما يعرفه مصارع الوزراء ~~ويوجد له الطريق إلى استخراج الأموال ويعرفه خراب البلاد من عمارتها، ردوها ~~وحصلوا له كتبا فيها حكايات تلهيه وأشعار تطربه» # 125 # ففعلوا. # مصادر التاريخ الإسلامي # للتاريخ الإسلامي مصادر كثيرة تدرج فيها على مقتضى الأحوال، وإليك تمثيل ~~ذلك: # لما اشتغل المسلمون بجمع القرآن وتفسيره وجمع الأحاديث احتاجوا إلى تحقيق ~~الأماكن والأحوال التي ms0452 نزلت فيها الآيات أو قيلت فيها الأحاديث فعمدوا إلى جمع ~~السيرة النبوية؛ لأنها شاملة لكل ذلك فتناقلوها مدة ثم دونوها، وأول من دونها ~~على المشهور محمد بن إسحاق المتوفى سنة 151، ألفها للمنصور، على أننا رأينا في ~~كشف الظنون أن محمد بن مسلم الزهري المتوفى سنة 124ه ألف كتابا في المغازي، # 126 # وقد توفي قبل ابن إسحاق ببضع وعشرين سنة، ولكن يؤخذ من ترجمتهما ~~في وفيات الأعيان أنهما كانا متعاصرين، ويقال أيضا إن أول من صنف المغازي ~~والسير عروة بن الزبير المتوفى سنة 93ه ووهب بن منبه المتوفى سنة 114، # 127 # وعلى أي حال فإن هذه السير ضاعت، وأقدم ما وصل إلينا منها سيرة ~~عبد الملك بن هشام المتوفى سنة 213ه في كتابه المعروف بسيرة ابن هشام، وهي ~~منقولة عن ابن إسحاق المذكور وقد طبعت غير مرة. # ولما اشتغل المسلمون في ضرب الخراج على البلاد، اختلفوا في بعضها: هل فتح ~~عنوة أو صلحا أو أمانا أو قوة، وفي شروط الصلح أو الأمان. فاضطروا إلى تدوين ~~أخبار الفتح باعتبار البلاد، فألفوا كتبا في فتح كل بلد على حدة، كفتوح الشام ~~للواقدي المتوفى سنة 207ه وكتابه مشهور لكنه مملوء بالمبالغات بما يشبه ~~الحكايات، وفتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم المتوفى سنة 257ه، وفتوح بيت ~~المقدس ونحوها، ثم جمعوا فتوح البلاد معا في كتاب واحد كفتوح البلدان للبلاذري ~~المتوفى سنة 279ه، وهو أوثق كتب الفتح وأشملها وأقدم ما بين أيدينا منها، إلا ~~الواقدي. # الطبقات والمغازي # وقد رأيت فيما تقدم من كلامنا عن القرآن والحديث والنحو والأدب، أن ~~العلماء اضطروا لتحقيق مسائل هذه العلوم إلى البحث في أسانيدها والتفريق بين ~~ضعيفها ومتينها، فجرهم ذلك إلى النظر في رواة تلك الأسانيد وتراجمهم وسائر ~~أحوالهم، حتى أصبح من شروط الاجتهاد في الفقه معرفة الأخبار بمتونها وأسانيدها، ~~والإحاطة بأحوال النقلة والرواة: عدولها وثقاتها ومطعونها ومردودها، ~~والإحاطة بالوقائع الخاصة بها فقسموا رواة كل فن إلى طبقات، فتألف من ذلك تراجم ~~العلماء والأدباء والفقهاء والنحاة وغيرهم، مما يعبرون عنه بالطبقات، ومنها: ms0453 ~~طبقات الشعراء، وطبقات الأدباء، وطبقات النحاة، وطبقات الفقهاء، وطبقات الفرسان ~~والمحدثين واللغويين والمفسرين والحفاظ والمتكلمين والنسابين والأطباء، حتى ~~الندماء والمغنين وغيرهم، وألفوا في كل باب غير كتاب؛ ولذلك كان المسلمون أكثر ~~أمم الأرض كتبا في التراجم لأفراد الرجال. # وأقدم كتب الطبقات التي وصلت إلينا كتاب طبقات الصحابة لمحمد بن سعد المعروف ~~بكتاب الواقدي المتوفى سنة 230ه وهو كبير ربما دخل في بضعة عشر مجلدا، ويحتوي ~~على تراجم الصحابة والتابعين والخلفاء إلى أيام المؤلف، # 128 # وكان هذا الكتاب مشتتا في مكتبات العالم، ومنه الجزء الثاني في ~~دار الكتب الخديوية (المصرية) بمصر، وقد علمنا ونحن نخط هذه الحروف أن جمعية ~~ألمانية شرعت في طبعه وأصدرت الجزء الأول منه. # ثم طبقات الشعراء لابن قتيبة المتوفى سنة 276ه، وقد طبع في ليدن في هذا ~~العام بعناية الأستاذ دي خويه المستشرق الهولندي الشهير، ثم ألف الناس طبقات ~~كثيرة في أزمنة مختلفة، ومنها استخرجوا كتب التراجم الكبرى، كوفيات الأعيان، ~~والوافي في الوفيات، وفوات الوفيات، وغيرها مما سيأتي ذكره، غير التراجم ~~الدخيلة في تواريخ البلاد، كتاريخ دمشق لابن عساكر في ثمانين مجلدا، وتاريخ ~~بغداد للخطيب البغدادي في نحو ذلك وفيهما تراجم كثيرة. # وكان طلاب الأدب الراحلون في جمع اللغة والشعر من أفواه أهل البادية يلتقطون ~~أخبار العرب ووقائعهم وحوادثهم ويدونون ذلك في كتب الأدب كما تقدم، ناهيك ~~بالأخبار المستخرجة من تلك الأشعار - قال ابن يونس: «لولا شعر الفرزدق لذهب نصف ~~أخبار الناس». # 129 # ولما استبد بنو أميه بالخلافة واعوجوا في أحكامهم عن سبل الخلفاء ~~الراشدين، كثر تحدث الناس بأخبار الراشدين وتذكر أعمالهم المؤسسة على العدل ~~والرفق، وذلك طبيعي في هذه الأحوال، ثم ألف بعضهم كتبا في تاريخ الخلفاء ~~الراشدين، ثم في الخلفاء على الإجمال، وأقدمهم الدينوري المتوفى سنة 281ه، ~~ويقال نحو ذلك في تأليف تراجم الوزراء، وتواريخ عمال الشرطة وتواريخ الأذكياء ~~والبخلاء والعشاق وغيرهم. # التواريخ العامة # فانقضى القرن الثاني للهجرة ونصف الثالث وكتب التاريخ عند المسلمين الطبقات ~~والمغازي والسير والفتوح على ما تقدم، أما التواريخ العامة مثل ms0454 تواريخ الأمم أو ~~البلاد قديما أو حديثا فلم يشتغلوا بها إلا بعد ذلك، وأقدم من كتب في التاريخ ~~العام ابن واضح المعروف باليعقوبي، وكتابه مطبوع في جزأين: جزء في التاريخ ~~القديم كاليهود والهنود واليونان والروم والفرس وغيرهم، والثاني في تاريخ ~~الإسلام من ظهوره إلى أيام المعتمد العباسي الذي تولى الخلافة سنة 256ه، ويليه ~~ابن جرير الطبري المفسر الشهير المتوفى سنة 310ه، وتاريخه كبير مرتب على السنين ~~ينتهي إلى حوادث سنة 302ه، وقد ألف الفرغاني عليه ذيلا ينتهي إلى سنة 312ه، ~~وكلاهما مطبوع، ثم المسعودي المتوفى سنة 346ه صاحب «مروج الذهب» وفيه وصف ~~البلاد والبحار والحيوانات وغيرها، فضلا عن التاريخ، وهو مبوب حسب الدول أو ~~الأمم ومطبوع. وللمسعودي كتاب سماه «أخبار الزمان» قد ضاع ولم يقف له أحد على ~~أثر، ولكن يظهر مما ذكر عنه في مروج الذهب أنه مطول جدا، يليه حمزة ~~الأصفهاني صاحب «تاريخ سني ملوك الأرض» فرغ من تأليفه سنة 350ه. # وظل الناس على هذه التواريخ وقليل غيرها إلى القرن السابع للهجرة، إذ ~~انقضت الدول الإسلامية العربية: العباسية في العراق، والفاطمية في مصر، ~~والأموية في الأندلس. وقامت دول الأتراك والأكراد والبربر، فانتقل الناس إلى ~~عصر جديد، فعمدوا إلى تدوين تاريخ العصر المنقضي، فاستعانوا بالكتب التي تقدم ~~ذكرها فاختصروا مطولها وبوبوا مشوشها وجمعوا بين موضوعاتها وأضافوا ما لم يدركه ~~أصحابها، وألفوا عدة تواريخ مطولة، أشهرها وأوعاها وأضبطها كتاب «الكامل» لابن ~~الأثير المتوفى سنة 630ه فقد ضمنه تاريخ الطبري كله بعد حذف الأسانيد واختصار ~~النصوص المطولة، وزاد عليه ما حدث بعده وما حدث في زمن الطبري في الأندلس ~~وغيرها ، ورتب ابن الأثير كتابه على السنين، مثل كتاب الطبري، فجاء 12 مجلدا ~~كبيرا، وهو مطبوع، وجاء بعده أبو الفداء صاحب حماة، المتوفى سنة 732ه، فأخذ ~~الكامل فلخصه وأدخل فيه كثيرا من أخبار الأدباء والعلماء، وتوسع في أخبار ~~العرب الجاهلية وأبقاه على حوادث السنين، فجاء في ثلاثة مجلدات، وهو مطبوع ~~ومنشور، وجاء بعده عمر بن الوردي المتوفى سنة 749ه فاختصر تاريخ أبي ms0455 ~~الفداء. # ثم نبغ العلامة ابن خلدون المتوفى سنة 808ه والعرب قد ذهبت دولهم تمام الذهاب ~~واتضحت عبرة التاريخ، وكان ابن خلدون عالما دقيق النظر صحيح القياس، فألف ~~تاريخه المشهور ورتبه على الدول بدل السنين، وأفاض خصوصا في أخبار المغرب ~~والأندلس مما لم يسبقه إليه أحد. ويمتاز هذا التاريخ عما سبقه بمقدمة فلسفية لم ~~ينسج أحد على مثالها قبلها، حتى علماء اليونان والرومان وغيرهم من الأمم ~~القديمة، وفي شهرتها ما يغني عن وصفها. # ونهج بعض المؤرخين في تآليفهم منهجا آخر، فجعلوا مؤلفاتهم بأسماء المدن ~~فضمنوا كتبهم وصف تلك المدن وتراجم الذين عاشوا فيها، وأطول المؤلفات من هذا ~~الصنف تاريخ بغداد للخطيب البغدادي المتوفى سنة 463ه وتاريخ دمشق لابن عساكر ~~المتوفى سنة 571ه في ثمانين مجلدا وقد تقدم ذكرهما، وكلاهما لم يطبعا، ~~والثاني أكثر وجودا من الأول، ومن هذا القبيل خطط مصر للكندي ثم للقضاعي ثم ~~للمقريزي وهذه الأخيرة مشهورة ومثلها أخبار مصر القاهرة لأبي المحاسن ~~والسيوطي. # التراجم والمعجمات # وأما التراجم فكانت في القرون الأولى تدون في الطبقات، باعتبار المهن أو ~~العلم الذي يجمع كل طبقة كما تقدم. فلما نضج العلم وأخذ العلماء في الترتيب ~~والتبويب، نبغ جماعة من المؤرخين استخرجوا من الطبقات وغيرها كتب التراجم ~~ورتبوها على حروف المعجم وأشهر تلك الكتب «وفيات الأعيان» لابن خلكان المتوفى ~~سنة 681ه، ثم «فوات الوفيات» لصلاح الدين بن شاكر الكتبي المتوفى سنة 764ه، ~~استدرك فيه ما فات ابن خلكان ذكره، وكلاهما مطبوعان ومشهوران، وكتاب «الوافي في ~~الوفيات» لصلاح الدين الصفدي سنة 764ه، وهو كبير لكنه لم يوجد مجموعا في مكتبة ~~واحدة ولا جمعوه بعد، فهو لم يطبع ومنه أجزاء متفرقة في مكتبات أوربا. ومثله ~~كتاب «مرآة الزمان» لسبط ابن الجوزي المتوفى سنة 654 في 40 مجلدا، وهو مشتت. ~~وفي تراجم أهل الأندلس كتب كثيرة منها كتاب «الصلة» لابن بشكوال المتوفى سنة ~~578 وكتاب «المعجم» لابن الأبار وغيرهما. # ومن هذه المعجمات التاريخية ما هو خاص بفئة من الناس أو طبقة من طبقاتهم ~~ككتاب «أسد الغابة» ms0456 في أخبار الصحابة لابن الأثير صاحب الكامل، وهو في خمسة ~~أجزاء كبيرة وخاص بالصحابة، وهو مطبوع ومنشور. و«تراجم الحكماء» لابن القفطي ~~غير مطبوع. # على أن كثيرا من التراجم والأخبار التاريخية منتشر في كتب الأدب، ككتاب ~~الأغاني، والعقد الفريد، والكشكول، والمستطرف، والبيان والتبيين، وقد تجد ~~فصولا تاريخية مهمة في كتب العلم الطبيعي، ككتاب حياة الحيوان للدميري فإن ~~فيه فصولا تاريخية قلما نعثر عليها في كتب التاريخ. # ويمتاز التاريخ عند العرب على سواه عند سائر الأمم التي تحضرت قبلهم بكثرة ما ~~كتبوه من التراجم، وأكثره بشكل القواميس وهم السابقون في ذلك وعنهم أخذ أهل ~~العالم تأليف المعجمات التاريخية، فعندهم من قواميس التراجم بضعة صالحة، هي ~~كنوز في التاريخ والجغرافية والأدب والعلم. فوفيات الأعيان معجم يزيد عدد ~~الترجمات فيه على 820 ترجمة مرتبة على أحرف الهجاء، غير ما جاء عرضا في أثناء ~~الكلام على الآخرين. ومن مزاياه أنه يضبط الأعلام من أسماء الرجال والأماكن، ~~ويذكر سني الوفاة والولادة، ويضمن التراجم كثيرا من الفوائد الأدبية ~~والعلمية مما يندر في سواه، ويقال نحو ذلك في قواميس التراجم الأخرى، كفوات ~~الوفيات وفيه أكثر من 450 ترجمة لم يذكرها ابن خلكان، وكتاب الوافي في ~~الوفيات، وأسد الغابة في أخبار الصحابة، وكتاب تراجم الحكماء، غير كتب التراجم ~~المرتبة على غير الهجاء، ككتب الطبقات للشعراء والفقهاء والأطباء، ومن أحسنها ~~كتاب طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة المتوفى سنة 668ه، فإنه جامع تاريخ الطب ~~والأطباء والعلم والعلماء والفلسفة والفلاسفة عند اليونان والفرس والهنود ~~والكلدان، فضلا عن العرب والمسلمين، وهو مرتب بحسب العصور والبلاد، ناهيك بما ~~يتخلل ذكر مؤلفاتهم ووصفها من العادات والآداب الاجتماعية وغيرها، وهو مطبوع ~~ومشهور. # عدد كتب التاريخ # فالمسلمون ألفوا في التاريخ كتبا لا تحصى، وما من أمة قبل العصر الحديث ~~بلغت في هذا العلم ما بلغ إليه المسلمون، فإن كتب التاريخ الواردة أسماؤها في ~~كشف الظنون فقط تزيد على 1300 كتاب، غير الشروح والاختصارات وغير ما ضاع من تلك ~~الكتب وأهمل ذكره وهو كثير جدا. يدلك على ذلك ms0457 ما تراه في مقدمات بعض كتب ~~التاريخ أو الجغرافية، إذ يذكر المؤلف كتبا عديدة نقل عنها أو اعتمد عليها في ~~تأليف كتابه، فإذا بحثت عنها رأيت أكثرها ضاع ولم يرد ذكره في كتب الفهارس ككشف ~~الظنون أو غيره. فالمسعودي ذكر في مقدمة كتابه «مروج الذهب» عشرات من الكتب ~~التي كانت شائعة في أيامه، وقد نقل عنها ولم يذكر منها صاحب كشف الظنون إلا ~~القليل، فلو بقيت الكتب التي ألفها العرب في التاريخ كلها لزادت على بضعة آلاف، ~~وفيها كتب كبيرة يدخل الواحد منها في أربعين مجلدا أو خمسين أو ثمانين، ومنها ~~في عشرة أو خمسة أو أقل أو أكثر. # ومن كتب التاريخ العام ما هو مرتب أحسن ترتيب باعتبار السنين، كالطبري وابن ~~الأثير وأبي الفداء، أو باعتبار الأمم أو الدول كالمسعودي والفخري وابن خلدون، ~~أو بحسب المدن أو الملوك مما لا يحصى، وأكثرها حسن العبارة بليغها مع إسهاب ~~ربما زاد في بعض الأحوال حتى يخرج عن موضوع الكتاب. ويغلب الصدق في روايات ~~كتاب المسلمين، لما تعودوه من الإسناد في تناقل الأخبار، إلا ما دخل تواريخهم ~~في العصر الأول لأغراض بعض ذوي المطامع أو الأهواء والعرب لا يزالون على ~~سذاجتهم. # عيوب المؤرخين المسلمين # وإنما يعاب المؤرخون المسلمون لاقتصارهم في التواريخ على إيراد الحوادث ~~على عواهنها كما بلغت إليهم، وقد يسندونها إلى راو أو عدة رواة بلا انتقاد ولا ~~تمحيص ولا قياس اكتفاء بالإسناد. وقد فاتهم أن بعض الأخبار المسندة موضوع ~~في الصدر الأول أو ما بعده لأغراض سياسية، كما وضع كثير من الأحاديث لأسباب ~~تقدم بيانها. # ومما ينتقد عليهم أيضا أنهم يصرفون عنايتهم في التواريخ إلى تدوين أخبار ~~الحرب والفتح والعزل والولاية والولادة والوفاة، وقلما يذكرون تاريخ الآداب أو ~~العلوم، أو أحوال الدولة من الحضارة وأسبابها، وتعليل الحوادث وما نجم عنها، ~~وقياس بعضها على بعض إلا ما يجيء عرضا. فيندر أن ترى لمؤرخ منهم رأيا في ~~حادثة، أو انتقادا على خليفة أو أمير، أو ملاحظة على نكتة، حتى في الأحوال ~~التي ms0458 يعلم أنه لا يسيء فيها إلى الخليفة، بل قد يكون في انتقاده ما يسر ذلك ~~الخليفة، كما كانت حال مؤرخي الدولة العباسية في شؤون الدولة الأموية، فإن ~~شدة العباسيين على الأمويين مشهورة، ومع ذلك فإن المؤرخين الذين كتبوا في ~~عهد الدولة العباسية قلما ذكروا شيئا من مساوئ بني أمية، إلا ما قد يجيء ~~عرضا. ولعل السبب في ذلك السكوت أن حوادث التاريخ الإسلامي أكثرها متصل ~~بأسباب دينية أو شرعية بين فرقة وأخرى أو مذهب وآخر. فإذا انتشبت حرب بين ~~خليفتين أو أميرين مسلمين، لا يخلو أن يكون أحدهما ظالما والآخر مظلوما، ~~فالمؤرخ المسلم يتحاشى الطعن في أحدهما احتراما لمقام الدين، فينقل الخبر على ~~علاته ويترك الحكم فيه للقارئ، وهذا هو السبب فيما نقاسيه من العناء في استخراج ~~حقائق التمدن الإسلامي من كتب التاريخ. # وقد يكون من أسباب سكوتهم عن مساوئ بعض الأمراء التزلف إليهم أو الاستجداء ~~بمدحهم، وكثيرا ما كان الخلفاء والأمراء أو السلاطين يقترحون على المؤرخين ~~تأليف الكتب ويجيزونهم على تأليفها، فكان المؤرخون يراعون بها جانب المقترح ولو ~~خالفوا الحقيقة وهم يعلمون. ومن ألطف الشواهد على ذلك ما قاله أبو إسحاق الصابي ~~الكاتب الشهير، وقد كلفه عضد الدولة ابن بويه أن يؤلف له كتابا في أخبار ~~الدولة الديلمية، فألف له تاريخا سماه «التاجي» فاتفق وهو يؤلفه أن دخل عليه ~~صديق له فسأله عما يعمله فقال: «أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها ...» # 130 # وقد يكون السبب عداوة بين المؤلف والمترجم فيبخسه حقه عمدا، كما فعل الفتح ~~بن خاقان في ترجمة ابن باجة الفيلسوف الأندلسي الشهير. # 131 # ويندر أن ترى من بعض المؤرخين تصريحا بمساوئ أحد الخلفاء أو الأمراء أو ~~غيرهم من أولي الأمر. وأكثر ما عثرنا عليه من أمثال ذلك في كتاب الفخري والآداب ~~السلطانية لابن طباطبا، وتاريخ ابن خلدون. أما ابن طباطبا فقد صرح بذلك ~~انتصارا لآل علي، كقوله على أثر حكاية وقعت للرشيد مع أبي نواس إذ أورد قول ~~أبي نواس في الرشيد: # قد كنت خفتك ثم أمنني # من أن ms0459 أخافك خوفك الله # ثم قال: «ولم يكن الرشيد يخاف الله وأفعاله بأعيان آل علي (عم) أولاد بنت ~~نبيه بغير جرم ... إلخ»، وهذا تصريح لم نر له شبيها في كتب مؤرخي المسلمين إلا ~~ما قد يقوله الشيعة في أعمال أهل السنة أو بالعكس. وأما ابن خلدون فقد انتقد ~~أعمال بعض الدول أو الخلفاء مدفوعا بالقياس الصحيح والحكم الفلسفي. # ومما يؤاخذ به مؤرخو المسلمين أيضا - بالنظر إلى آداب هذه الأيام - أنهم ~~إذا عرض لهم في بعض الأخبار ألفاظ بذيئة، أو واقعة يخجل سماعها الأديب فإنهم ~~يذكرونها بألفاظها، كما يذكرون سائر الحوادث، ويدخل في ذلك كثير من الأشعار ~~السفيهة، وهم يسمون ذلك أحماضا. وقد يتبادر إلى الذهن أنه من مقتضيات تلك ~~العصور، أو أنه لم يكن منكرا عندهم. والحقيقة أن أهل الأدب الصحيح من أولئك ~~المؤرخين كانوا يتحاشون الوقوع في ذلك، وفي جملتهم ابن خلكان فإنه من أبعدهم عن ~~الفحش في القول، ومن الأدلة على أدبه أنه لما ترجم لحسين بن محمد المنعوت ~~بالبارع، وهو من الشعراء المشهورين، ساقه الحديث إلى قصيدة نظمها أحدهم للبارع ~~المذكور وقصيدة أجابه البارع بها، فذكر ابن خلكان البيت الأول من القصيدة ثم ~~قال: «لولا ما أودعها من السخف والفحش لذكرتها». ~~(ب) الجغرافية أو تقويم البلدان # لفظ الجغرافية وحده كاف للدلالة على أن هذا الفن ليس من موضوعات العرب، ~~ولكننا ذكرناه هنا لارتباطه بالتاريخ، ولأن العرب كتبوا في وصف الطرق والبلاد ~~والمدن قبل نقل الجغرافية إلى العربية لأسباب خاصة بالإسلام. # لم يقدم البشر على وضع علم أو فن إلا لأسباب حملتهم على ذلك؛ لأنهم ~~يساقون في شؤونهم وأعمالهم بالحاجة، ولذلك قالوا: الحاجة أم الاختراع. ~~واضطرارهم إلى الجغرافية لم يأت دفعة واحدة، بل جاء بالتدريج فنما واتسع عملا ~~بناموس الارتقاء، وأهم الأسباب التي دعت إلى نشوء هذا العلم احتياج الناس ~~قديما إلى معرفة الطرق والبلاد والأبعاد بينها، إما للتجارة أو للفتح، فجمعوا ~~معلومات التجار والفاتحين بتوالي الأزمان، وجعلوا يتداولونها ويتدارسونها للعمل ~~بها، حتى أتيح لها من رتب أبوابها وضبط ms0460 أجزاءها وجعلها علما. # وأول من وضع أساس هذا العلم الفينيقيون؛ لأنهم أقدم تجار العالم وأكثرهم ~~أسفارا، فقد رادوا شواطئ البحر الأبيض واستعمروا بعضها منذ بضعة وثلاثين ~~قرنا. وكانت مدينة صور مركز العالم التجاري في تلك الأيام، تجتمع حاصلات الأمم ~~ومصنوعاتهم فيها وتتفرق منها حتى الهند، فقد كانوا يحملون منها العاج والطيب ~~والقردة وغيرها. وأسماء هذه السلع الباقية في الفينيقية والعبرانية تدل على ~~أصلها الهندي. فاطلع الفينيقيون في أثناء أسفارهم على أحوال كثير من البلاد ~~وعرفوا المسافات بينها وأخبار أهلها ... # ولما حمل الإسكندر بجيوشه على العالم واخترق آسيا إلى بلاد الهند برا ~~وبحرا، اطلع رجاله على أحوال أواسط آسيا وأعاليها فاشتغلوا في جمع الأخبار ~~والأوصاف لغرابتها. وفعل البطالسة نحو ذلك بشواطئ البحر الأحمر إلى الحبشة، ثم ~~الرومان وغيرهم. # فكانت تلك المعلومات تتجمع بتوالي الأجيال والناس يتناقلونها متقطعة متفرقة، ~~ثم توجهت الأذهان إلى جمعها وترتيبها. وأول من فعل ذلك إراتستين # Eratostenes # اليوناني المتوفى سنة 196ق.م على ~~عهد البطالسة، فألف كتابا دون فيه كل ما عرفه الفينيقيون أو رواه قواد ~~الإسكندر وغيرهم. وجاء بعده غيره وغيره كالرحالة إسترابون الجغرافي بلينيوس، ~~إلى زمن بطليموس القلوذي في أواسط القرن الثاني للميلاد، فألف كتابا وافيا في ~~الجغرافية عين فيه الأماكن بالحسابات الفلكية، ورسم الخرائط على الحسابات ~~الرياضية وضبط الأقسام الجغرافية وحقق أماكنها على ما بلغ إليه العلم في عصره، ~~وذكر فيه أن عدد المدن في أيامه كان 4350 وسماها مدينة مدينة، وعدد الجبال ~~200 جبل ذكر ما في بطونها من المعادن، وذكر ما على الأرض من الخلائق وغير ذلك. ~~فجاء الإسلام وكتاب بطليموس هو المعول عليه في تقويم البلدان. فلما أخذ العرب ~~في ترجمة العلم في العصر العباسي كان هذا الكتاب في جملة ما نقلوه إلى لسانهم ~~وسموه جغرافية، وترجموا كتابه الآخر في الفلك وسموه المجسطي، وعلى هذين ~~الكتابين بنوا أكثر ما كتبوه في علم الجغرافية. # الجغرافية عند المسلمين # ولكن المسلمين بدأوا بوضع الجغرافية قبل اطلاعهم على كتاب بطليموس؛ لثلاثة ~~أسباب غير السببين اللذين دعوا اليونان ms0461 أو غيرهم إلى وضعها؛ لأن العرب من ~~أكثر الأمم فتحا وغزوا، وقد تفرقوا بعد الإسلام في أربعة أقطار المسكونة. وهم ~~- وخصوصا أهل الحجاز - كانوا تجارا من زمن الجاهلية ثم اتسعت تجارتهم في ~~الإسلام باتساع مملكتهم. أما الأسباب الثلاثة التي يمتاز بها العرب على ~~سواهم: # فأولها الحج؛ لأن المسلمين على اختلاف بلادهم وأقاليمهم يحجون إلى مكة، ~~والحج فريضة على المسلم ولو كان في الهند أو الصين أو غيرهما، والقدوم إلى مكة ~~يستلزم معرفة الطرق والمنازل. # وثانيها الرحلة في طلب العلم، فقد رأيت فيما تقدم أن المسلمين كانوا يرحلون ~~في طلب العلم إلى سائر الأمصار الإسلامية، والرحلة تستلزم معرفة الأماكن ~~والمناطق. ولذلك كان أول ما ألفه العرب في الجغرافية من عند أنفسهم ذكر الأماكن ~~العربية والمنازل البدوية. وأول من ألف في ذلك رواة الأدب والشعر، كالأصمعي ~~والسكوني، ثم ألفوا في بلاد العرب كلها كما فعل الهمذاني في جزيرة العرب وأبو ~~الأشعب الكندي في جبال تهامة # 132 # وغيره. # والسبب الثالث أن العرب فتحوا العالم واختلفوا في طرق الفتح باختلاف البلاد ~~بين أن تكون قد فتحت صلحا أو عنوة أو أمانا أو قوة، ولكل من ذلك حكم في قسمة ~~الفيء وأخذ الجزية وتناول الخراج واجتناء المقاطعات والمصالحات وإنالة ~~التسويفات والإقطاعات لا يسع الفقهاء جهلها فضلا عن الأمراء. فأصبح علم ذلك ~~عندهم من قبيل الدين، ولا يتوصل إليه إلا بالتاريخ والجغرافية. # ولما ترجمت الجغرافية إلى العربية واطلع العرب عليها أخذوا في تأليف الكتب ~~على مثالها، وتوسعوا في ذلك وزادوا عليه ما عرفوه من قبل. ولم يكتفوا بالنقل ~~والسماع، ولكنهم ركبوا البحار وجابوا الأقطار شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ~~وكتبوا ما شاهدوه أو تحققوه وصححوا كثيرا من أخطاء بطليموس. والظاهر أن علم ~~الجغرافية عند العرب لم ينضج إلا في القرن الرابع للهجرة، فتهافت الناس على ~~التأليف فيه مثل تهافتهم على تأليف التاريخ العام في ذلك القرن. # وأول من دون الجغرافية منهم على نحو ما عند اليونان الشيخ أبو زيد البلخي، ~~ألف في أول القرن الربع كتابا في ms0462 الجغرافية سماه «صور الأقاليم» ذكر فيه أمثلة ~~منها بعد أن قسمها إلى عشرين جزءا، ثم شرح كل مثال ولكنه اختصره وترك كثيرا ~~من أمهات المدن. وكان من معاصريه رجل من علماء الفرس اسمه أبو إسحاق الفارسي ~~الإصطخري المعروف بالكرخي، وكان محبا للأسفار فسافر وحقق بنفسه كثيرا من ~~البلاد والبحار والمدن وعول فيما بقي على كتاب البلخي، وألف كتابا سماه ~~«مسالك الممالك» وهو مطبوع ومنشور. وأما كتاب البلخي فقد ضاع. # وجرى الإصطخري في كتابه على تقسيم البلخي، فجعل بلاد المسلمين عشرين قسما ~~بدأ بديار العرب وانتهى إلى ما وراء النهر (تركستان) ووصف كل قسم على حدة، وذكر ~~البلاد وحرفها وتجارتها وغير ذلك. # ونبغ نحو ذلك الزمن ابن حوقل، فألف كتاب «المسالك والممالك» وقد سار بنفسه ~~أيضا لمشاهدة البلاد. قال في مقدمة كتابه: «فبدأت سفري هذا من مدينة السلام ~~يوم الخميس لسبع خلون من شهر رمضان سنة 331ه» فلما أتم رحلته كتب الكتاب ~~المذكور ووضحه بالخرائط الكثيرة، لكل إقليم من أقاليم الإسلام خريطة أو غير ~~خريطة، ورسم المدن والأنهار والجبال والبحار والجزر وغيرها، وتقسيمه كتقسيم ~~الإصطخري، والعبارة تكاد تكون واحدة في كثير من الأماكن. # ثم ألف ابن الفقيه الهمذاني والمقدسي والمسعودي وغيرهم، وقد رحل المسعودي ~~رحلات عديدة بلغ بها إلى أقاصي الهند وذكر ما شاهده وخبره في كتبه الجغرافية ~~والتاريخية. وجميع هؤلاء من أهل القرن الرابع للهجرة وكتبهم مطبوعة الآن إلا ~~الخرائط فقد ضاعت ولم يبق غير ذكرها أو الإشارة إليها. # وظل الناس على هذه الكتب وقليل غيرها، حتى نهض المسلمون لتأليف التاريخ ~~وترتيبه وجمعه على ما بيناه في مكانه، فنهض جماعة ألفوا في الجغرافية كما ألفوا ~~في التاريخ، فوضعوا المعجمات الجغرافية على أحرف الهجاء، وأشهر من فعل ذلك ~~ياقوت الحموي المتوفى سنة 626ه فقد ألف كتابا ضخما سماه «معجم البلدان» أتى ~~فيه على وصف البلدان والجبال والأودية والقيعان والقرى والمحال والأوطان ~~والبحار والأنهار والأصنام والأبداد والأوثان، وضمن ذلك كثيرا من تراجم ~~الناس في أثناء ذكره للبلاد التي ولدوا فيها أو نسبوا ms0463 إليها. فهو قاموس جغرافي ~~تاريخي أدبي. ولأبي الفداء صاحب حماة أيضا كتاب في تقويم البلدان ولغيره ~~غيرها، فضلا عن الرحلات الكثيرة التي خدم العرب بها الجغرافية، فنكتفي ~~بالإشارة إليها ونترك التفصيل لتاريخ آداب اللغة العربية. ~~(3) الآداب العربية الجاهلية ~~(3-1) الخطابة بعد الإسلام # الخطابة والشعر من الفنون الجاهلية التي زادها الإسلام رونقا وبلاغة وارتقاء، ~~ولكن الخطابة سبقت الشعر في الارتقاء، لحاجة المسلمين إليها في الفتوحات والغزوات، ~~والعرب يومئذ لا يزالون على بداوتهم، تتأثر نفوسهم بالتصورات الشعرية سواء سبكت في ~~قالب الخطابة أو الشعر. والخطابة أقرب تناولا، ولم يرد في القرآن ما ينفر الناس ~~منها كما ورد في الشعر والشعراء. فكما كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب لفرط ~~حاجتهم إلى الشعر الذي يقيد مآثرهم ويفخم شأنهم ويهول على عدوهم ويهيب بفرسانهم، ~~أصبح الخطيب في الإسلام مقدما على الشاعر لفرط حاجتهم إلى الخطابة # 133 # في استنهاض الهمم وجمع الأحزاب وإرهاب الأعداء. # والفرق بين الخطابة في الجاهلية وفي الإسلام، أن الإسلام زادها بلاغة وحكمة بما ~~كان يتوخاه من مجاراة أسلوب القرآن واقتباس الآيات القرآنية، وقد كان للقرآن نحو ~~هذا التأثير في الشعر أيضا، ولكن الخطابة أوسع مجالا للاقتباس. فأخذ الخطباء ~~يرصعون خطبهم بالآيات تمثيلا أو إشارة أو تهديدا، حتى لقد يجعلون الخطبة برمتها ~~مجموع آيات، كما فعل مصعب بن الزبير لما قدم العراق وأراد أن يحرض أهله على الطاعة ~~لأخيه عبد الله، فصعد المنبر وقال: «بسم الله الرحمن الرحيم. طسم، تلك آيات الكتاب ~~المبين، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إن فرعون علا في الأرض ~~وجعل أهلها شيعا، يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من ~~المفسدين (وأشار بيده نحو الشام) ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين (وأشار بيده نحو الحجاز) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون ~~وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (وأشار بيده نحو العراق)». # 134 # وزادت الخطابة بعد الإسلام قوة ووقعا في النفوس، بنهضة العرب للحروب وانتصارهم ~~في أكثر ms0464 مواقعها، فازدادوا أنفة وسمت نفوسهم فسما بها ذوقهم في البلاغة، وشحذت ~~قرائحهم بما شاهدوه من البلاد الجديدة والأمم الجديدة والألسنة الجديدة، فبلغت ~~الخطابة عندهم مبلغا قلما سبقهم فيه أحد من الأمم التي تقدمتهم بلاغة وإيقاعا ~~وتأثيرا حتى اليونان والرومان، لا ننكر ما كان من تفوق هاتين الأمتين في الخطابة، ~~وما نبغ بين رجالهما من الخطباء الذين لا يشق لهم غبار كديموستنيس وأشينس وهيبريدس ~~من خطباء اليونان، وشيشرون ويوليوس قيصر وسالوستس ولوكيرتس من خطباء الرومان، ~~ولكن العرب لم يأتوا بأقل مما أتى به أولئك بلاغة ووقعا. وربما كان الخطباء في ~~الإسلام أكثر عددا وخطبهم أوفر وأبلغ، مع اعتبار الفرق بين الأمتين لغة وخلقا ~~وأدبا. # فقد ذكروا لديموستنيس أخطب خطباء اليونان 61 خطبة نصفها منسوب إليه خطأ، وهذه خطب ~~الإمام علي تعد بالمئات. وأما في كثرة الخطباء فالعرب كانوا في صدر الإسلام من أكثر ~~الأمم خطباء؛ لأن خلفاءهم وأمراءهم وقوادهم كان معظمهم من الخطباء حتى النساك والزهاد # 135 # ولا غرابة في ذلك؛ لأن العرب أهل خيال وذوو نفوس حساسة، وللبلاغة ~~تأثير شديد في عواطفهم تقعدهم وتقيمهم. وقد كان ذلك من جملة ما ساعد على نشر ~~الإسلام بينهم. وكثيرا ما توقف فتح البلد أو الحصن على خطاب يتلوه القائد على ~~رجاله، فتثور فيهم النخوة وتسري في عروقهم الحماسة فيستهلكون في الدفاع أو الهجوم. ~~وفي أخبار الفتوح أدلة كثيرة لا يساعد المقام على إيرادها. ونعرف قوادا إنما ~~ساعدهم على النصر قوة عارضتهم وتأثير خطبهم في نفوس رجالهم. ~~••• # فالحجاج بن يوسف كان خطيبا بليغا زادته الخطابة عظمة وسطوة. كان العراق متمردا ~~على عبد الملك، فلما أعجزه أمره ولى عليه الحجاج، فدخل الحجاج الكوفة وصعد المنبر ~~متلثما متنكبا قوسه واضعا إبهامه على فمه، فاحتقره الناس وكادوا يرمونه بالحصي ~~كما كانوا يفعلون في الولاة قبله، فوقف وأزاح لثامه عن وجهه وألقى خطبته التي قال ~~في مطلعها: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا # متى أضع العمامة تعرفوني # إلى أن قال: «أما والله لأحمل الشر بثقله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله. ms0465 أما والله ~~إني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها، وكأني أرى الدماء بين العمائم ~~واللحى: # هذا أوان الشد فاشتدي زيم # قد لفها الليل بسواق حطم ~~«ألا وإن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان نثر كنانته فعجم عيدانها فوجدني ~~أصلبها عودا فوجهني إليكم ... فإنكم أهل بغي وخلاف وشقاق ونفاق، طالما سعيتم في ~~الضلالة وسننتم سنن البغي ... أما والله لألحونكم لحو العصا، ولأعضبنكم عضب السلمة، ~~ولأقرعنكم قرع المروة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل ... والله ما أخلق إلا فريت، ولا ~~أعد إلا وفيت ... إلخ». # 136 # فما فرغ من خطبته حتى هابوه وأذعنوا له، وكان شديدا عليهم. وأمره مشهور. ومع ذلك ~~فقد كان إذا رقي المنبر وذكر إحسانه إلى أهل العراق وصفحه عنهم وإساءتهم إليه، ~~يخيل للسامع أنه صادق وأن أهل العراق ظالموه # 137 ~~... ولذلك كان الأمراء والخلفاء يخافون الخطباء كما يخافون الشعراء، لما ~~في أقوالهم من التأثير في تلك النفوس الحساسة. # وإذا رجعت إلى حوادث الفتح أو جمع الأحزاب أو إخماد الثورات رأيت عجبا، وأول ~~ثورة كادت تهب في الإسلام لما بلغ أهل المدينة موت النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فهاجوا حتى خاف ~~الصحابة سوء العاقبة، فقام أبو بكر خطيبا فقال: «أيها الناس، إن يكن محمد قد مات ~~فإن الله حي لم يمت # وما محمد إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم ~~على أعقابكم # وقد علمتم أني أكثركم قتبا في بر، وجارية في ~~بحر، فأقروا أميركم وأنا ضامن إن لم يتم الأمر أن أردها عليكم»، # 138 # فهذه الكلمات القليلة كانت كافية لإخماد تلك الثورة. ~~••• # وقس على ذلك خطبته في السقيفة، وخطب من تولى بعده من الخلفاء الراشدين، وأخطبهم ~~بلا خلاف علي بن أبي طالب، وفي كتاب «نهج البلاغة» المنشور بين ظهرانينا أكبر شاهد ~~على ذلك، وإن لم تصح نسبة كل تلك الخطب إليه، فأكثرها من أقواله، وفيها أمثلة من كل ~~ضروب الخطب، ومنها الدينية والأدبية والعلمية والحماسية والفخرية. # وكان أكثر الخلفاء يخطبون، ولكنهم يتفاوتون في البلاغة وقوة العارضة، على ms0466 أن تلك ~~القوة أخذت تضعف فيهم، بعد الفراغ من الفتوح والانغماس في أسباب الترف والسكون إلى ~~الرخاء والبذخ، وتحولت من الحماسة إلى المواعظ ثم إلى الشكاية. وتداعى فن الخطابة ~~بتداعي دولة العرب في الشرق، فلما قامت دولتهم في الأندلس بعثوه وقربوا الخطباء كما ~~قربوا الشعراء، لكنهم قلما كانوا يستخدمونهم لإنهاض الهمم أو إخماد الفتن، لذهاب ~~الحاجة إلى ذلك بذهاب البداوة والفراغ من الفتح. على أنهم كانوا إذا احتفلوا ~~بتنصيب خليفة أو بالنصر على عدو أو باستقبال قادم كبير، تقدمت الخطباء للترحيب به ~~وإعظام شأنه أو شأن مقعده ووصف ما تهيأ له من توطيد الخلافة. # 139 # وأما الأمراء والقواد فكانوا يخطبون في الجند قبل الإغارة على العدو فيحرضونهم ~~على الثبات. وكثيرا ما كانت الخطبة سببا للنصر، كخطبة خالد بن الوليد في وقعة ~~اليرموك، وخطبة المغيرة في وقعة القادسية، وخطبة خليد بن المنذر في غزوة فارس، ~~وخطبة طارق بن زياد في فتح الأندلس، ونحو ذلك مما لا تسعه المجلدات. # ناهيك بشيوع الخطابة في القبائل على اختلاف أصقاعها كما كانت في الجاهلية. وكانت ~~ترد الوفود إلى المدينة أو دمشق أو بغداد أو غيرها من عواصم المسلمين لتهنئة ~~الخليفة أو استنفاره أو استنجاده أو استجدائه. وكان شباب الكتاب إذا قدم الوفد ~~حضروا لاستماع بلاغة خطبائهم، لشيوع حب الخطابة فيهم، # 140 # ولاقتباس أساليب البلاغة منهم. # ويعد من قبيل الخطابة عند العرب البلاغة في المكاتبات، فقد كان الخلفاء - وخصوصا ~~في صدر الإسلام - إذا كاتبوا أميرا في أمر تعمدوا البلاغة كأنهم واقفون على منبر ~~الخطابة، والغالب في قوى العارضة في الخطابة أن يكون بليغا في الكتابة. وقد مر ~~الكلام على ذلك. ~~(3-2) الشعر بعد الإسلام ~~(أ) الشعر وبنو أمية # لما ظهر الإسلام ودهش العرب بأساليب القرآن وبالنبوة والوحي، واشتغلوا بالغزو ~~والفتح ونشر الإسلام، انصرفت قرائحهم الشعرية إلى الخطابة لحاجتهم إليها في ~~استنهاض الهمم وتحريك الخواطر للجهاد واستحثاث القلوب على العبادة. فانقضى عصر ~~الراشدين والعرب في شاغل عن الشعر، حتى إذا طمع بنو أمية في الخلافة مع كثرة ms0467 ~~المطالبين بها من أهل البيت واحتاجوا إلى من يؤيدهم، استنفروا الناس لنصرتهم ~~وابتاعوا الأحزاب بالأموال واستخدموهم بالدهاء، فكان الشعر في جملة ما تساعدوا ~~به على ذلك لما قدمناه من تأثير في النفوس. وكان خلفاؤهم يبالغون في إكرام ~~الشعراء، إما ليرغبوا الناس في خلافتهم أو ليقطعوا ألسنتهم فيسكتوا عن هجوهم، ~~ولذلك عبروا عن إجازة الشاعر بقطع لسانه. # فكان الخلفاء من بني أمية يرغبون الناس في الشعر ويجيزونهم بأعظم الجوائز، ~~على نسبة الجودة في أشعارهم ومكانهم في أقوالهم، وكانوا يطالبون أولادهم بحفظ ~~الأشعار والآثار. على أن تحريض الناس على تعليم أولادهم الشعر بدأ في أيام عمر ~~كما تقدم، أما بنو أمية فقد بذلوا المال والسعي في هذا السبيل. قال معاوية مؤسس ~~دولتهم: «اجعلوا الشعر أكبر همكم وأكثر آدابكم»، # 141 # وكان يبالغ في إكرام الشعراء ولو هجوه، واقتدى به خلفاؤه وأمراؤه، ~~حتى الحجاج فإنه كان يهتم بذلك ويسأل أدباء زمانه عن أشعر الشعراء ويبحث عن ~~تفاضلهم، وإذا امتنع عليه ذلك مشافهة كاتبذلك مشافهة كاتب ~~به أهل العلم، كما كاتب قتيبة بن مسلم. # 142 # وكانوا إذا أمسك الشعراء عن أبوابهم استوفدوهم واستزاروهم وغمروهم ~~بالأموال والإكرام. ومن أكثرهم رغبة في الشعر عبد الملك بن مروان، فكان الناس ~~في أيامه حيثما اجتمعوا يتناشدون ويتدارسون أخبار الشعراء. # 143 ~~••• # وقد يتبادر إلى الأذهان أنهم كانوا يفعلون ذلك رغبة في الأدب وتنشيطا لأهله؛ ~~لأن الشعر سجية في العرب ودولة الأمويين عربية بحتة فلا يبعد أن يكون لذلك يد ~~في الأمر، ولكن الأغلب أنهم كانوا يفعلونه للاستعانة بألسنة الشعراء على ~~مقاومة أهل البيت، لعلمهم أن الجمهور يعتقد أن الحق في الخلافة لهؤلاء. ~~وكثيرا ما كان الشعراء المغمورون بنعم بني أمية لا يتمالكون عن التصريح بذلك ~~في بعض الأحوال. # فالفرزدق مثلا امتدح بني أمية ونال جوائزهم، وكان متشيعا في الباطن لبني ~~هاشم، والأمويون يعلمون ذلك ويسترضونه. ومن جملة أخباره أن مروان بن الحكم، ~~وكان عاملا لمعاوية على المدينة، بلغه عن الفرزدق قول أوجب حده فطلبه ففر ~~الفرزدق إلى البصرة، فقال الناس ms0468 لمروان: «أخطأت فيما فعلت، فإنك عرضت عرضك ~~لشاعر مضر» فوجه وراءه رسولا ومعه مائة دينار وراحلة خوفا من هجائه. ومع ذلك ~~اتفق أن الخليفة هشام بن عبد الملك ذهب إلى الحج، وبينما هو في الطواف شاهد ~~علي بن الحسين وأنكره، فسأل عنه. وكان الفرزدق حاضرا، فنظم قصيدته المشهورة في ~~مدح أهل البيت ومطلعها: # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته # والبيت يعرفه والحل والحرم # ومما يدل على أن بني أمية كانوا يقربون الشعراء لغرض عائد إلى تأييد سلطانهم، ~~أن عمر بن عبد العزيز أتقاهم وأعدلهم لما أراد أن يتمثل بالخلفاء الراشدين ~~في التقوى والزهد، منع الشعراء من بابه وأعلن أنه لا يقبل الشعر ولا يقابل الشعراء # 144 # فلم يطل حكمه، وعاد خلفاؤه إلى المباراة في إكرام الشعراء والإغداق ~~عليهم بالأموال. ~~(ب) الشعر وبنو العباس # فلما انقضت دولة بني أمية وقامت دولة العباسيين، عدل المنصور عن إكرام ~~الشعراء، وكانوا قد تعودوا الوفود على الخلفاء أو نيل جوائزهم، فأصبحوا إذا ~~أتوا المنصور منعهم من الدخول عليه أياما، حتى تنفد نفقاتهم ويملوا ~~الانتظار وحاجبه يرفع أمرهم إليه وهو يؤخرهم. ثم إذا أذن لهم بعد ذلك، اشترط ~~عليهم أن يمدحوه كما كانوا يمدحون بني أمية # 145 # وكان بخيلا عليهم، فتغيرت قلوب الشعراء، فساعد ذلك على تباعد قلوب ~~العرب عنه وميلهم إلى العلويين، فاستفحل أمر محمد بن عبد الله بالمدينة وقاسى ~~المنصور أمر العذاب في إخماد ثورته. فأصبح الخلفاء بعد المنصور يتجنبون إغضاب ~~الشعراء ويبالغون في إكرامهم. وكان الشعراء يتقربون إليهم بهجو العلويين، ~~وخصوصا الرشيد، فقد كان مروان بن أبي حفصة يتقرب إليه بهجائهم # 146 # وبعد أن كان الشعراء يسمون في أيام بني أمية السؤال، سماهم وزيره ~~جعفر الزوار. وبالغ المأمون في إكرامهم، حتى كان يغضي عنهم إذا هجوه. ذكروا ~~أن دعبلا الخزاعي الشاعر هجا إبراهيم بن المهدي، فرفع إبراهيم أمره إلى ~~المأمون، فقال له المأمون : «لك أسوة بي، فقد هجاني واحتملته وقال في ~~ذلك: # أيسومني المأمون خطة عاجز # أو ما رأى بالأمس رأس محمد؟ # إني من ms0469 القوم الذين سيوفهم # قتلت أخاك وشرفتك بمقعد # شادوا بذكرك بعد طول خموله # واستنقدوك من الحضيض الأوهد» # فقال إبراهيم: «زادك الله حلما يا أمير المؤمنين». # 147 # وتزاحم الشعراء بباب المهدي والرشيد والمأمون، ونبغ بشار بن برد العقيلي وأبو ~~نواس وأبو العتاهية وغيرهم. ~~(ج) الشعر ودول العرب # والشعر كما قدمنا من العلوم العربية، فلما تغلب العنصر الأعجمي في دولة بني ~~العباس وصارت الأمور إلى أيدي الأتراك ضعف أمر الشعراء، حتى إذا قامت دولة بني ~~حمدان، وهم عرب، عاد الشعر إلى رونقه وتزاحم الشعراء بباب سيف الدولة، حتى قيل ~~إنه لم يجتمع بباب خليفة من شيوخ الشعر ونجوم الدهر ما اجتمع ببابه. وكان هو ~~أديبا شاعرا، فاشتهر في عصره أبو فراس والمتنبي والسري الرفاء وأبو العباس ~~أحمد بن محمد النامي وأبو الفرج عبد الواحد الببغاء وأبو الفرج الوأواء ~~وغيرهم. # فلما انقضت تلك الدولة العربية عاد الشعر في الشرق إلى الخمول، وكان قد أينع ~~في دولة بني أمية بالأندلس وراجعت سوقه واتسع نطاقه وكثرت فنونه على ما ~~سيجيء. # أما دول المسلمين غير العرب، فقد كان فيهم من يحب الشعر ويكرم الشعراء، ولكن ~~الغالب فيهم أن يفعل الملك منهم ذلك على سبيل القدوة أو المباهاة، وهو لا يفهم ~~ما يقرأه من مدائحه. ومما يضحك من هذا القبيل أن الشعراء وفدوا على يوسف بن ~~تاشفين أمير دولة المرابطين وكان من بربر قبيلة لمتونة البربرية بالمغرب ونظموا ~~القصائد في مدحه بواسطة المعتضد بن عباد، فلما أنشدوه قصائدهم قال له المعتمد: ~~«أيعلم أمير المسلمين ما قالوه؟» قال: «لا أعلم، ولكنهم يطلبون الخبز ...» ولما ~~انصرف المعتمد إلى ملكه كتب إلى ابن تاشفين رسالة قال في جملتها: # بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا # شوقا إليكم ولا جفت مآقينا # حالت لفقدكم أيامنا فغدت # سودا، وكانت بكم بيضا ليالينا # فلما قرئ عليه هذان البيتان قال للقارئ: «يطلب منا جواري سودا وبيضا؟» قال: ~~«لا يا مولانا ... ما أراد إلا أن ليله كان بقرب أمير المسلمين نهارا لأن ~~ليالي السرور بيض، فعاد نهاره ببعده ليلا ms0470 لأن ليالي الحزن سود ...» فقال: ~~«والله جيد ... اكتب له في جوابه أن دموعنا تجري عليه، ورءوسنا توجعنا من بعده!» # 148 ~~(د) جمع الشعر ورواته # لما أخذ المسلمون في تفسير القرآن واحتاجوا إلى تحقيق معاني الألفاظ، كان ~~الشعر في جملة ما رجعوا إليه في تحقيقها، فاضطروا إلى جمعه بالأخذ عن رواته. ~~شرعوا في ذلك من القرن الأول للهجرة، وأكثر الناس اشتغالا بجمع الشعر أهل ~~العراق مما يلي بلاد العرب أي في البصرة والكوفة، وكان أهل الكوفة أجمع للشعر ~~من أهل البصرة، # 149 # وأول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الراوية الديلمي ~~الكوفي المتوفى سنة 155ه # 150 # وخلف بن حيان الأحمر الفرغاني مولى أبي بردة، # 151 # وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة الأصمعي وغيرهم، وأكثرهم من رواة ~~الأدب واللغة، وقد مر الكلام على ذلك في بابه. # وبلغ ما جمع من شعر الجاهلية عشرات الألوف من القصائد، مما لم يسمع له مثيل ~~في أمة من الأمم كما تقدم. على أن بعض الرواة كانوا ينظمون الشعر وينسبونه ~~إلى العرب لأسباب دعتهم إلى ذلك، لكنهم لم يفعلوا في هذا النحو ما يتجاوز ~~الأبيات القليلة. قال خلف الأحمر: «أتيت الكوفة لأكتب عنهم الشعر فبخلوا علي ~~به، فكنت أعطيهم المنحول وآخذ الصحيح، حتى مرضت فقلت لهم: «ويلكم! أنا تائب إلى ~~الله ... هذا الشعر لي، فلم يقبلوا مني، فبقي منسوبا إلى العرب لهذا السبب». # 152 # وقال أبو عمرو بن العلاء: «ما زدت في شعر العرب إلا بيتا واحدا وهو: # وأنكرتني وما كان الذي نكرت # من الحوادث إلا الشيب والصلعا # أدخلته في جملة أبيات الأعشى» وفعل حماد أيضا نحو ذلك، # 153 # على أن العرب ما لبثوا أن أخذوا في تمحيص الروايات بالأسانيد، ~~بعد أن تعودوا ذلك في رواية الحديث. ~~••• # ومن عادة العرب في رواية الشعر، أنهم كانوا من أيام الجاهلية إذا نبغ ~~الشاعر صحبه رجل يروي أشعاره ويتلوها، أو يروي له أشعار غيره للشاهد أو نحوه. ~~ويغلب على الراوية أن يكون مرشحا للشاعرية، كأنه تلميذ يتدرب على يد ms0471 أستاذه ~~يأخذ عنه، وكانت عمدتهم في الجاهلية على الحفظ؛ لأنهم لم يكونوا يكتبون، فكان ~~كثير عزة راوية جميل بثينة، وجميل راوية هدبة بن خشرم، وهدبة كان راوية ~~الحطيئة، والحطيئة راوية زهير وابنه # 154 # وكان الراوية في الجاهلية وأوائل الإسلام يروي للشاعر الواحد ~~ويصحبه وينشد له، ويعجب به إعجاب التلميذ بأستاذه ويناضل عنه ويفضله على سواه. ~~فلما احتاج العرب إلى جمع الشعر كثر رواته أو جماعه، وكل منهم يجمعه ويرويه ~~لغرض. فالنحويون كانوا يعتنون بحفظ الأشعار التي يستشهد بها في الإعراب، ~~والشعراء كانوا يروون كل شعر فيه لفظ غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج، ~~والإخباريون كانوا يجمعون من الشعر ما يجدون فيه الشاهد والمثل. وكان فيهم من ~~يروي أشعار المجانين ولصوص الأعراب والأرجاز الأعرابية القصار وأشعار اليهود، ~~على أن هؤلاء لم يكونوا يعدون من الرواة. وتفرد جماعة بجمع كل أنواع ~~الشعر، وهم الرواة الذين ذكرناهم ومنهم حماد وخلف وغيرهما. وكانت لهم في الحفظ ~~نوادر غريبة، لتعود ذاكرتهم على ذلك مذ أخذ الناس في ذلك العصر بتعويد حوافظهم ~~على حفظ القرآن والحديث، لتجنب الكتابة للأسباب التي قدمناها. فكان فيهم من ~~يحفظ بضعة وعشرين ألف قصيدة، يرويها بأسانيدها ومعاني ألفاظها كما تقدم. وكان ~~للشعراء عناية خاصة في حفظ أشعار العرب، لاكتساب ملكة العرب فيها؛ لأنهم ~~كانوا يعتقدون أن من يحفظ شعر شاعر فحل يشعر مثله، أو للجواب على ما قد يعرض ~~عليهم من الأسئلة، إذ كان للخلفاء والأمراء في الدولة الأموية وصدر الدولة ~~العباسية عناية كبيرة في استطلاع أشعار العرب. ~~(ه) طبقات الشعراء # العرب مطبوعون على الشعر، ولكنه يختلف فيهم معنى وأسلوبا باختلاف العصور ~~والأقاليم. فالبدوي الذي كان ينظم القصيدة وهو يسوق بعيره في عرض البيداء لا ~~يرى حوله إلا رمالا أو أطلالا، إذا لذعته الشمس أو جنه الظلام أوى إلى بيت ~~من الشعر أو الوبر، أنيسه فيه البعير والفرس، وطعامه اللبن والتمر، وضجيعه ~~السيف والرمح، يتوسد على حذر من عدو يبغته أو حشرة تلسعه، وإذا واعد حبيبته ~~فموعدهما الرقمتان أو العقيق ms0472 فيلتقيان على أكمة أو في واد، يعبد آلهة من ~~الحجارة أو الأخشاب أو يصنعها من التمر، وإذا جاع أكلها ... فالبدوي الذي هذه ~~حاله لا يكون خياله الشعري مثل خيال رجل نشأ بين القصور الشماء والحدائق ~~الغناء، ولبس الحرير وتوسد الديباج وتعود أبهة الدولة وجلال الملك، وعاشر ~~الخلفاء والوزراء وعانى أسباب التأنق وانغمس في الترف والبذخ. فإن الشعر ~~تختلف طبقاته باختلاف هذه الأحوال. ولذلك كان الشعر الجاهلي أقرب إلى الخشونة ~~والمتانة، مع خلوه من زخرف الكلام وأساليب الكتابة والمجاز. # فلما جاء القرآن وشاع حفظه وحفظ الأحاديث، وعني الناس بجمع الآداب والأمثال ~~واستظهار أحاسنها وأحاسن الشعر، نهضت طباع الناس وارتقت أذواقهم في البلاغة ~~ورسخت ملكاتهم واتسعت تصوراتهم في الشعر والخطابة. فكان كلامهم في نظمهم ونثرهم ~~أسمى رتبة وأصفى رونقا، واقتبسوا من الفرس أساليب الإطناب. ولذلك كان الشعراء ~~الإسلاميون أعلى طبقة في البلاغة وأذواقها من شعراء الجاهلية. فشعر حسان بن ~~ثابت وعمر بن ربيعة والحطيئة وجرير والفرزدق ونصيب وذي الرمة والأحوص أرفع طبقة ~~في البلاغة والتفنن في أساليب التعبير من شعر النابغة وعنترة وعمرو بن كلثوم ~~وزهير وعلقمة وطرفة # 155 # كما كان الخطباء الإسلاميون أحسن ديباجة وأبلغ عبارة من خطباء ~~الجاهلية. # فالجاهليون طبقة أولى، تليهم طبقة الإسلاميين إلى أواخر دولة بني أمية وهم ~~المخضرمون، ثم طبقة ثالثة في الدولة العباسية هي طبقة المولدين، تليها طبقة ~~المحدثين، ولا يسعنا تعيين حد فاصل بين كل طبقة وما تليها؛ لأن كثيرين من ~~الشعراء أدركوا أواخر إحدى هذه الطبقات وأوائل التي تليها. فمن شعراء الجاهلية ~~من أدرك الإسلام، ومن المخضرمين من أدرك زمن المولدين، وقس على ذلك. # وإنما نقسم الشعراء إلى هذه الطبقات تقسيما إجماليا. # فالطبقة الأولى: # شعراء الجاهلية، والمراد بهم من كان شعره جاهليا أو نظم ~~أكثره قبل الإسلام. ومزية الشعر الجاهلي البساطة والخشونة، ~~فإذا وصفوا عاطفة مثلوها بطبيعتها، أو وصفوا أسدا أو بيتا أو ~~ظبيا لم يكن في عبارتهم تكلف ولا تعمل أو مبالغة . وأشهر ~~أهل هذه الطبقة أصحاب المعلقات. # والطبقة الثانية: # وهي المخضرمون، تشبه ms0473 الأولى من حيث بقاء أهلها على البداوة ~~في عهد الأمويين، ولكنها أسمى منها في البلاغة للأسباب التي ~~قدمناها، وعليها مسحة من الحضارة. ومن أشهر الشعراء المخضرمين ~~حسان بن ثابت وكعب بن زهير وجرير والأخطل والفرزدق. # والطبقة الثالثة: # المولدون، وشعراؤها من معاصري الرشيد والمأمون، في عصر الزهو ~~العباسي، عصر الترف والبذخ والتأنق والرخاء، فرقت طباعهم ~~وارتقت أذواقهم بالمعاشرة والمخالطة، فظهر ذلك في أشعارهم ~~فعمدوا إلى وصف الخمر ومجالس الأنس وحدائق القصور ونحو ~~ذلك. # فشعر المولدين يمتاز عن الطبقتين السابقتين بالرقة والخلاعة، ~~وأشهر المولدين بشار العقيلي وأبو العتاهية وأبو نواس وأبو ~~تمام والبحتري. # وأما الطبقة الرابعة: # فنريد بها الشعراء الذين نبغوا بعد انتشار الفلسفة اليونانية ~~وعلوم اليونان وشيوع علم الكلام، وفي شعر أهل هذه الطبقة صبغة ~~فلسفية حكمية جدلية، كشعر المتنبي والمعري والشريف الرضي ~~والصفي الحلي. ~~(و) الشعراء في الإسلام وأشعارهم # تكاثر الشعراء في العصر الإسلامي فوق تكاثرهم في العصر الجاهلي، لرواج سوق ~~الشعر في القرون الأولى. على أن إحصاءهم بالضبط غير متيسر لضياع أكثر ~~أخبارهم، لكننا نستدل من بعض النصوص على أن عددهم كان عظيما جدا، فقد ذكر ~~ابن خلكان: «أن هارون بن علي المنجم البغدادي صنف كتاب البارع في أخبار ~~الشعراء المولدين وجمع فيه 161 شاعرا، وافتتحه بذكر بشار العقيلي وختمه بمحمد ~~بن عبد الملك بن صالح»، والفترة بينهما قصيرة، وذكر المؤلف أنه اقتصر على ~~خيرة الشعراء ونخبتهم. فقس على ذلك الشعراء المخضرمين والمحدثين من أهل الطبقة ~~الرابعة، ناهيك بشعراء الأندلس فإنهم يعدون بالمئات. # أما مقدار ما نظمه أولئك الشعراء من القصائد والدواوين فمما لا يحصيه عد، وقد ~~فقد معظمه في الفتن وغيرها في العصور الإسلامية الوسطى، فنكتفي منها بما ذكره ~~صاحب كشف الظنون، فإنه ذكر نحو ستمائة ديوان لستمائة شاعر من المشاهير، أورد ~~أسماءهم وألقابهم وسني وفاتهم، وهم من أهل العراق والشام وفارس وخراسان ومصر ~~والأندلس وغيرها. # ويختلف حجم هذه الدواوين ومقدار صفحاتها من ألفي صفحة إلى مائة وما تحتها، ~~وتقدير الورقة في اصطلاحهم صفحتان كل صفحة عشرون سطرا. ms0474 فديوان بشار العقيلي ~~مثلا ألف ورقة في ألفي صفحة أي 40000 سطر أو بيت، وابن هرمة 500 ورقة في 20000 ~~بيت، وشعر أبي نواس في نحو ألف ورقة، ومسلم بن الوليد 200 ورقة، وقس على ذلك. # 156 # وإذا اعتبرت الدواوين التي ضاعت وفات صاحب كشف الظنون ذكرها، والشعراء الذين ~~لم تجمع أشعارهم ولم يكن لهم دواوين، زاد استغرابك من كثرة الشعر العربي وتعداد ~~شعرائه مما لا تجد له مثيلا في لغة من لغات العالم القديم أو الحديث. ~~(ز) عروض الشعر # المشهور أن الخليل بن أحمد المتوفى سنة 170ه، هو أول من وضع عروض الشعر ~~العربي، أي استنبطه وأخرجه إلى الوجود وحصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها ~~خمسة عشر بحرا، ثم زاد فيه الأخفش بحرا واحدا سماه الخبب. # 157 # ولكن الغالب أن بحور الشعر كانت معروفة من قبل، ولولا ذلك لم ~~يستطع العرب ضبط منظوماتهم على ما نراه في أشعارهم. ويؤيد ذلك قول الوليد بن ~~المغيرة منكرا قول من قال: إن القرآن شعر: «لقد عرفت أضرب الشعر وهزجه ورجزه ~~وكذا وكذا فلم أره يشبه شيئا من ذلك» # 158 # فكيف يقول هذا وهو لا يعرف بحور الشعر؟ فالظاهر أن الخليل أول من ~~جعل العروض علما ورتبه هذا الترتيب وزاد فيه أنواعا من الشعر ليست من أوزان العرب # 159 # وربما زادوا فيه بعد ذلك شيئا من بحور اليونان أو أساليبهم؛ لأن ~~بعض الذين كانت لهم عناية باللغة اليونانية في ذلك العصر كانوا يقابلون بين ~~شعرها وشعر العرب. ولابن الهيثم في أوائل القرن الخامس للهجرة رسالة في صناعة ~~الشعر ممتزجة من اليوناني والعربي # 160 # لم نقف عليها. على أن ابن شرشير - الشاعر المعروف بالناشئ الأكبر ~~المتوفى سنة 293ه - كان قد نظر في قواعد العروض وأدخل عليها شبها ومثلها بغير ~~أمثلة الخليل. # 161 # ولا مشاحة في أن عروض الشعر ارتقت وتفرعت بتوالي القرون، شأن كل ما هو من ~~قبيل الأحياء (أي كل ما هو من صنع البشر)، فتولد في النظم ضروب من القصائد ~~كالأصمعيات ms0475 والشعر البدوي والحوراني وغيرها. # أما الأندلس فقد كان للشعر فيها تاريخ خاص لرواجه عندهم بعد اشتغال الأمم ~~الأخرى عنه، فإنهم هذبوا مناحيه وفنونه حتى بلغ التنميق فيه الغاية، واستحدثوا ~~الموشح ونظموا به الموشحات الأندلسية المشهورة. استنبطه مقدم بن معافى القبري ~~الأندلسي في أواخر القرن الثالث للهجرة # 162 # ولما شاع التوشيح عندهم وأخذ به الجمهور، لسلاسته وتنميق كلامه، ~~نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية من غير ~~أن يلتزموا فيها إعرابا، واستحدثوا فنا سموه «الزجل» شهره أبو بكر بن قزمان ~~القرطبي ويعرف بإمام الزجالين. # ثم استحدث أهل الأمصار في المغرب فنا آخر من الشعر في أعاريض مزدوجة، نظموه ~~بلغتهم الحضرية وسموه «عروض البلد» استنبطه ابن عمير الأندلسي. وشاع هذا الفن ~~بفاس فنوعوه أصنافا سموها: المزدوج، والكاري، والملعبة، والغزل وغيرها، كما ~~شاعت الآن أنواع الزجل المصري في مصر، والقريض اللبناني، والمعنى في ~~الشام. # وكان لعامة بغداد فن من الشعر يسمونه «المواليا» تحته فنون كثيرة، ذكروا منها ~~«القوما» و«كان وكان» # 163 # ومنه مفرد ومنه في بيتين وغير ذلك. ثم انتقل إلى الأمصار وتفننوا ~~فيه، وهو شائع الآن في سوريا والعراق ومصر. ~~(ح) الشعر والدولة # بينا في كلامنا عن الشعر في الجاهلية ما كان له من التأثير في نفوس ~~العرب لشدة حساسيتها وسرعة تأثرها. فلما صار العرب دولة وارتقت عقولهم زاد ~~شعورهم رقة فازدادوا حساسية وتضاعف تأثير الشعر فيهم. واتسعت دائرة ذلك التأثير ~~باتساع دولة المسلمين واهتمامهم بالشعراء وأشعارهم. فقد رأيت ما كان من احتفاء ~~بني أمية بالشعراء واستقدامهم إليهم، وظل ذلك في صدر الدولة العباسية وفي كل ~~دولة عربية. فإذا وفد الشاعر على الخليفة أو الأمير استأذن في الدخول عليه، ~~فإذا حل أنشد قصيدته جهارا والخليفة وأرباب مجلسه يسمعون # 164 # ويترنمون فيأمر الخليفة أو الأمير بالجائزة وقد تتجاوز مائة ألف ~~درهم إلى ألف ألف # 165 # وقد يرتب له الرواتب الشهرية ويخلع عليه الخلع ويقلده الوظائف. # 166 # ومن أكثر الخلفاء سخاء على الشعراء المهدي والرشيد العباسيان ~~والناصر والحكم المستنصر ms0476 الأندلسيان. ومن أسخى الأمراء خالد القسري أمير ~~العراقين في زمن الأمويين، وسيف الدولة بن حمدان. # على أن الخلفاء والأمراء عموما كانوا يبذلون الأموال للشعراء إلا نادرا، ~~وكانوا يعينون يوما كل أسبوع أول كل شهر أو سنة يستقبلون فيه الشعراء لا ~~يدخلون فيه سواهم # 167 # كأنهم يريدون التفرغ للنظر في الشعر وآدابه وكان الشعراء يتناظرون ~~ويتنافسون في ذلك المجلس، ولا يخفى ما يترتب على تلك المناظرة من شحذ الأذهان ~~وإنهاض العزائم. وكان الأندلسيون أكثر عناية في ذلك من سواهم؛ كان للمعتضد بن ~~عباد أمير أشبيلية المتوفى سنة 461ه، دار خاصة بالشعراء يجلسون فيها على الرحب ~~والسعة، فإذا آن يوم الشعراء - وهو يوم الاثنين من كل أسبوع - يدخلون عليه ولا ~~يدخل عليه سواهم. وكان للشعراء مراتب عندهم ولهم رئيس يوليه السلطان # 168 # وسجل خاص يقيدون فيه أسماءهم كأنهم يعدونهم من جملة موظفي الحكومة # 169 # وكان أمراء الأندلس إذا عاد أحدهم من فتح جلس الناس فيقرأ القراء ~~ثم يقوم الشعراء فينشدون. ونظنهم كانوا يبالغون في إكرام الشعراء اقتداء بخلفاء ~~بغداد، كما اقتدوا بهم في كثير من آدابهم ونظمهم وسائر أحوالهم. ~~(ط) الشعر والخلفاء والأمراء # ومن أسباب رواج صناعة الشعر في الدولة العربية أن الخلفاء أنفسهم كانوا ~~ينظمون الشعر ويبحثون فيه، ولبعضهم القصائد والمقاطيع الحسنة، ومن أشهر الخلفاء ~~الشعراء يزيد بن معاوية، فقد جمعوا شعره في ثلاث كراريس ذكر ابن خلكان أنه ~~قرأها وحفظ أبياتها لشدة غرامه بها # 170 # ولا غرابة في ذلك؛ لأن يزيد نشأ في البادية، ووالدته ميسون بنت ~~بحدل الكلبية التي لم تعجبها قصور معاوية في الشام فحنت إلى البادية وأنشدت ~~الأبيات التي مطلعها: # لبيت تخفق الأرواح فيه # أحب إلي من قصر منيف # ولبس عباءة وتقر عيني # أحب إلي من لبس الشفوف # فسمعها معاوية فطلقها، فسارت إلى أهلها في نجد وهي حامل بيزيد فولدته ~~بالبادية فأرضعته سنتين # 171 # هناك. ومن الخلفاء الشعراء أيضا الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ~~وهارون الرشيد. وأكثر الخلفاء العباسيين كانوا ينظمون الشعر، وأشعرهم بلا ~~استثناء عبد ms0477 الله بن المعتز المتوفى سنة 296ه، ولم يتول الخلافة إلا يوما ~~وليلة، وكان من رجال العلم وله ديوان شعر # 172 # قد طبع ونشر بمصر، وآخر من نظم الشعر منهم الراضي بالله المتوفى ~~سنة 329ه، فإنه آخر خليفة دون له شعر، وآخر خليفة خطب على منبر وجالس الندماء ~~ووصل إليه العلماء. # 173 # وأما خلفاء الأندلس وأمراؤهم فقد نظم الشعر منهم عبد الرحمن الأوسط والمستعين ~~بالله. وقد ألف الصولي كتابا مستقلا في أشعار خلفاء بني العباس، فحسدهم ~~خلفاء بني أمية بالأندلس، فكان هم الخليفة الحكم الأندلسي من يؤلف له كتابا ~~في شعراء خلفاء بني أمية مثل كتاب الصولي في بني العباس. # 174 # وإذا تدبرت ما تقدم رأيت أكثر الخلفاء والأمراء عناية في الشعر أكثرهم ~~اقتدارا على نظمه؛ لأنهم كانوا يقدرون الشعر قدره. وذلك شأن العلم في الدول ~~المطلقة، فإنما يروج فيها من الصنائع والفنون والعلوم والآداب ما كان للملوك أو ~~الأمراء رغبة فيه. فالوليد بن يزيد بن عبد الملك أعطى يزيد بن منبه على قصيدة ~~مدحه بها عن كل بيت ألف درهم # 175 # وهو أول خليفة عد الشعر وأعطى على البيت ألف درهم. ويقال نحو ذلك ~~في سائر الخلفاء الشعراء، وكذلك الأمراء، فإن سيف الدولة لم يرج الشعر في عصره ~~إلا لأنه كان هو نفسه شاعرا. # 176 # فكان الغرض من تقريب الشعراء في أول دولة بني أمية سياسيا، ثم صار أدبيا ~~يندفع الخلفاء والأمراء إليه تلذذا بالشعر وآدابه. ولذلك كانوا يجالسون ~~الشعراء ويقترحون عليهم نظم القصائد أو الأبيات، أو يستقدمونهم للسؤال عن بيت ~~استغلق عليهم فهمه أو نسوا بعضه، وقد يكون بينهم وبين الشاعر بعد شاسع. فقد بعث ~~هشام بن عبد الملك بدمشق إلى أميره على العراق يوسف بن عمر الثقفي أن يوجه إليه ~~حمادا الراوية ويدفع له خمسمائة دينار وجملا مهريا، فسار حماد إلى الشام في ~~12 ليلة، ولما وصلها وسأل عن سبب استقدامه قال له هشام: «خطر ببالي بيت لا أعرف ~~قائله وهو: # دعوا بالصبوح يوما فجاءت # قينة في يمينها ms0478 إبريق» # فقال حماد: «يقوله عدي بن زيد العبادي» وأنشده باقي القصيدة. # 177 # وكثيرا ما كانوا يفعلون ذلك وهم في مجلس من مجالس الطرب لا يجوزه ~~الشرع، فإن يزيد بن عبد الملك صاحب حبابة التي مات في سبيل تهتكه بها، كانت ~~تغنيه ذات ليلة وتسقيه فطرب ثم غنته: # إذا رمت عنها سلوة قال شافع # من الحسن ميعاد السلو المقابر # فسألها عن قائل هذا البيت فقالت: لا أدري، فبعث إلى الزهري ليستخبره وكان قد ~~ذهب من الليل شطره، فجاء وهو يرتعد خوفا فلما علم السبب سري عنه. # 178 # على أن الغالب في مجالسة الشعراء أن تكون لغرض أدبي، كوصف منظر أو أداة، ~~كما فعل الهادي إذ استقدم الشعراء إليه واقترح عليهم أن يصفوا سيفا أهداه إليه ~~المهدي، وهو سيف عمرو بن معديكرب، فوضع السيف بين يديه وقال للشعراء: صفوه، ~~فنال الجائزة ابن يامين المصري. # 179 # وكان الرشيد من أكثر الخلفاء بحثا في الشعر وقائليه، فقد سأل أهل مجلسه مرة ~~عن صدر هذا البيت: «ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه» فلم يعرفه أحد، وكان الأصمعي ~~مريضا لا يقدر على المجيء، فأرسل إليه إسحاق الموصلي وبعث معه ألف دينار ~~لنفقته، فجاء الجواب أن البيت من قصيدة لأبي النشناش النهشلي، وهذا ~~صدره: # وسائلة أين الرحيل وسائل # ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه # 180 # وكثيرا ما كان الرشيد يعقد المجالس للبحث في معنى بيت، وقد سأل أهل مجلسه ~~يوما عن معنى هذا البيت: # قتلوا ابن عفان الخليفة محرما # ورعا فلم أر مثله مخذولا # وكان في المجلس الكسائي والأصمعي، فطال الجدال بينهما والخليفة يسمع، # 181 # وأعطى الرشيد الفضل خاتما قيمته 1600 دينار مكافأة على أحسن بيت ~~قالته العرب في الذئب، # 182 # والمأمون ولى ابن الجهم ولاية من أجل بيت طلبه منه واشترط عليه ذلك # 183 # وقس على ذلك ما كان يجري من هذا القبيل في مجالس سيف الدولة وغيره ~~من محبي الشعر. ~~(ي) تأثير الشعر في الدولة # ويقال بالإجمال إن الشعر كان عند العرب كل آدابهم، يتناشدونه ويتسامرون به ms0479 ~~ويتذاكرون فيه، ولم يكن ذلك مقصورا على الخلفاء أو الأمراء أو الأدباء، ~~ولكنه كان عاما في الرجال والنساء. وكانوا لكثرة ما يحفظونه منه يرمزون ~~باسم الشاعر إلى بيت من أبياته مشهور بمعنى ويريدون ذلك المعنى، كما اتفق لرجل ~~كان قاعدا على جسر بغداد فوجد امرأة بارعة في الجمال قادمة من جهة الرصافة، ~~فاستقبلها شاب فقال: «رحم الله علي بن الجهم». فقالت له المرأة: «رحم الله أبا ~~العلاء المعري» وما وقفا بل سارا مشرقا ومغربا. قال الرجل: «فتبعت المرأة ~~وقلت لها: والله إن لم تقولي لي ما أراد وما أردت لأفضحنك!» فقالت: أراد بعلي ~~بن الجهم قوله: # عيون المها بين الرصافة والجسر # جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري # وأردت بأبي العلاء قوله: # فيا دارها بالخيف إن مزارها # قريب ولكن دون ذلك أهوال # 184 # فلا غرو بعد ما تقدم إن رأيت للشعر تأثيرا شديدا في نفوس كبار القوم، حتى ~~يترتب على إنشاد البيت الواحد إيقاد نار الحرب أو قتل جماعة أو إنقاذهم من ~~القتل. # ومن أمثلة ذلك أن أبا العباس السفاح أول خلفاء بني العباس، لما استوثق له ~~الأمر بالخلافة تتبع بقايا بني أمية ورجالهم ووضع السيف فيهم. ولكن جماعة من ~~كبارهم كانوا قد استأمنوا وصاروا يحضرون مجلس السفاح، فاتفق مرة أن أحدهم ~~سليمان بن هشام بن عبد الملك كان في مجلس السفاح وقد أكرمه، فدخل سديف بن ميمون ~~الشاعر وأنشد: # لا يغرنك ما ترى من رجال # إن تحت الضلوع داء دويا # فضع السيف وارفع السوط حتى # لا ترى فوق ظهرها أمويا # فالتفت سليمان وقال: قتلتني يا شيخ! ثم أخذ سليمان فقتل. ودخل على السفاح ~~شاعر آخر، وقد قدم الطعام وعنده نحو سبعين رجلا من بني أمية فأنشده: # أصبح الملك ثابت الأساس # بالبهاليل من بني العباس # ثم ذكر مظالم بني أمية إلى أن قال: # واذكروا مصرع الحسين وزيدا # وقتيلا بجانب المهراس # والقتيل الذي بحران أضحى # ثاويا بين غربة وتناس # فأمر بهم السفاح فضربوا بالسيوف حتى قتلوا، وبسط النطوع عليهم وجلس فوقهم ms0480 ~~فأكل الطعام وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا. # 185 # ويقال نحو ذلك في القصيدة التي هاجت الرشيد لمحاربة نقفور ملك الروم ~~ومطلعها: # نقض الذي أعطيته نقفور # فعليه دائرة البوار تدور # 186 # وكثيرا ما كان ينجو الرجل من القتل ببيت يعجب به الخليفة فيخلي سبيله، ~~وحكاية مالك بن طوق مع الرشيد مشهورة، فإنه بعد أن استوجب القتل وركع على ~~النطع قال القصيدة التي مطلعها: # أرى الموت بين النطع والسيف كامنا # يلاحظني من حيثما أتلفت # إلى أن قال: # وما بي من خوف أموت وإنني # لأعلم أن الموت شيء موقت # ولكن خوفي صبية قد تركتهم # وأكبادهم من حسرة تتفتت # كأني أراهم حين أنعى إليهم # وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا # وإن عشت عاشوا سالمين بغبطة # أذود الردى عنهم وإن مت موتوا # فكم قائل: لا يبعد الله داره! # وآخر جذلان يسر ويشمت # فبكى الرشيد وقال: «لقد سكت على همة وتكلمت على علم وحكمة، وقد عفوت لك عن ~~الصبوة ووهبتك للصبية، فارجع إلى ولدك ولا تعاود». فقال: «سمعا وطاعة» ... وانصرف. # 187 # وكم من قائد رجع عن الهزيمة ببيت تذكره فتحمس. قال معاوية يرغب الناس في ~~الشعر: «... فإن فيه مآثر أسلافكم ومواضع إرشادكم، فلقد رأيتني يوم الهزيمة وقد ~~عزمت على الفرار فما ردني إلا قول ابن الإطنابة الأنصاري: # أبت لي عفتي وأبى بلائي # وأخذي الحمد بالثمن الربيح» # 188 # وقس على ذلك كثيرا من أمثال هذه الحوادث في الجاهلية والإسلام. ~~(4) العلوم الدخيلة # فرغنا من الكلام فيما اقتضاه التمدن الإسلامي من العلوم الإسلامية، وفي الأسباب التي ~~دعت إلى نشوئها، وفي الآداب العربية الجاهلية ما بلغت إليه في الإسلام، ونحن متقدمون ~~فيما يلي إلى الكلام في العلوم الدخيلة التي نقلها المسلمون إلى العربية، ونريد بها ~~العلوم القديمة التي كانت شائعة عند ظهور الإسلام في الممالك التي عرفها المسلمون. وهي ~~عبارة عن خلاصة أبحاث رجال العلم والفلسفة والأدب في ممالك التمدن القديم، على اختلاف ~~الأمم والدول والأماكن والأصقاع في القرون المتوالية، من أقدم أزمنة التاريخ إلى ~~أيامهم، وفيها زبدة علوم ms0481 الآشوريين والبابليين والفينيقيين والمصريين والهنود والفرس ~~واليونان والرومان. ولا يراد بذلك أن العرب أخذوا علم كل أمة عن أهله رأسا، ولكنهم ~~جاءوا والعلوم قد تحلبت بتوالي العصور وتفاعل العناصر، واجتمع معظمها لليونان فبوبوها ~~ورقوها وظهرت النصرانية فأثرت فيها، وبقي بعضها في بقايا الدول القديمة كالفرس ~~والكلدان والهنود وغيرهم، ممن دانوا للمسلمين وانتظموا في خدمتهم، فأخذوا من هؤلاء ~~جميعا؛ لذلك كان من جملة أفضال التمدن الإسلامي على العلم أنه جمع شتات تلك العلوم ~~اليونانية والفارسية والهندية والكلدانية إلى العربية وزاد فيها ورقاها كما ~~سيأتي. # فلنبحث أولا في حال العلم والأدب في البلاد التي عرفها المسلمون، وهو يتناول النظر ~~في آداب اليونان والفرس والهنود والكلدان على ما يأذن به المقام. ثم نتقدم إلى الكلام ~~فيما نقله العرب من ذلك والأسباب التي دعت إلى نقله. ~~(4-1) آداب اللغة اليونانية # أصل اليونان من القبائل الآرية التي نزحت قبل زمن من التاريخ من أعالي الهند ~~واستقرت في الأرخبيل اليوناني وما يقابله من شواطئ آسيا الصغرى حول بحر إيجه. ~~وللشعوب الآرية آداب مشتركة وأخلاق متشابهة. # فنزل اليونان هناك ومعهم كثير من معتقدات أسلافهم وعاداتهم التي نزل بها إخوانهم ~~الآريون إلى بلاد الهند، ودونوا معظمها في كتبهم الدينية السنسكريتية «البرهمية» في ~~أقدم أزمنة التاريخ. # أما اليونان فكانوا يسمون هلاس أو الهيلينيين، وهم ثلاث قبائل كبرى: اليونيون # Ionoi # والأيوليون # Aeoloi # والدوريون # Dorioi ~~. ~~فنزل اليونيون شواطئ آسيا الصغرى، والأيوليون في لسبس وما والاها، ونزل الدوريون في ~~المورة وصقلية وغيرهما. وكان التمدن القديم يومئذ مزدهرا في وادي النيل ووادي ~~الفرات. وكان الفينيقيون جيران اليونيين برا والدوريين بحرا، وقد استعمروا شواطئ ~~آسيا الصغرى مما يلي بلادهم. فأصبح اليونيون «أو اليونان الآسيويون» على مقربة ~~منهم، فحمل إليهم الفينيقيون كثيرا من أسباب التمدن، وأكثره منقول عن البابليين ~~والآشوريين والمصريين، فاقتبس اليونيون مبادئ العلم والأدب كالفلك والطب والدين ~~ونقلوها إلى إخوانهم الدوريين في الجانب الغربي من بحر إيجه. وكان اليونانيون على ~~الإجمال أهل ذكاء ونشاط، فما لبثوا حينا حتى نظموا الشعر وألقوا الخطب وهي ms0482 من ~~قرائحهم الفطرية، ونبغ منهم الشعراء والخطباء ثم الفلاسفة والعلماء والأطباء، ~~وجعلوا للعلم قواعد لا تزال مرعية في أكثر وجوهها إلى اليوم. # ويقسم تاريخ آداب اللغة اليونانية إلى ثلاثة عصور: ~~(1) # عصر الآداب اليونانية القديمة، ويبتدئ قبل زمن التاريخ إلى سنة 529 ~~للميلاد، وهي السنة التي أمر فيها القيصر جستنيان بإغلاق المدارس ~~الوثنية في مملكة الروم. ~~(2) # العصر البيزنطي أو القسطنطيني، ويبتدئ سنة 529م، وينتهي بفتح ~~العثمانيين القسطنطينية سنة 1453م. ~~(3) # العصر الحديث، يبتدئ بذلك الفتح ولا يزال. # ولا يهمنا في هذا المقام إلا العصر الأول وبعض الثاني. ~~(4-2) الآداب اليونانية القديمة من قبل التاريخ إلى سنة 529م # وتقسم الآداب اليونانية القديمة إلى ثلاثة أدوار: ~~(1) # دور الشعر وينتهي سنة 475 قبل الميلاد. ~~(2) # دور الروايات التمثيلية والتاريخ والفلسفة من سنة 475-300 قبل ~~الميلاد. ~~(3) # دور العلم بعد نضجه أو الدور الإسكندري، ويقسم إلى عصرين: العصر ~~اليوناني، والعصر الروماني. ~~(أ) الشعر اليوناني # اليونان من الأمم التي استنبطت آدابها الخيالية استنباطا، ولم تقلد بها ~~أحدا ولا أخذتها عن أحد، وشأنهم في ذلك شأن العرب في علومهم الإسلامية وآدابهم ~~العربية. وأقدم آداب اليونان الشعر، وقد أتقنوه وأجادوا فيه من قديم الزمان؛ ~~لأن كل قبيلة منهم تولت إتقان فرع منه، فاشتغل اليونيون في الشعر القصصي، ~~والأيوليون في الشعر الموسيقى البسيط، واشتغل الدوريون في إتقان هذا الشعر ~~والتوسع فيه، وأخيرا اشتغل الأتيون # Attioi ~~- ~~وهم فرع من اليونيين - في إتقان الشعر التمثيلي وسائر الفنون الخيالية، وتطرقوا ~~منها إلى الفنون النثرية كالتاريخ والفلسفة وغيرهما. وكانت لغات هذه القبائل ~~تختلف بعضها عن بعض، مثل اختلاف لغات قبائل العرب في عصر الجاهلية. # ويغلب على الظن أن اليونان نظموا الشعر قبل تشتت قبائلهم، وأقدم أشعارهم ~~«أناشيد الفصول»، تليها أشعار وصفوا بها الآلهة أو الحروب على شكل الحكايات ~~المتقطعة كانوا يتناشدونها بالآلات الموسيقية. فلما تفرقوا اختص اليونيون ~~بالشعر القصصي، فألفوا من تلك الحكايات الملاحم، وأقدم الملاحم الإلياذة ~~والأوذيسة نظمهما هوميروس في القرن التاسع قبل الميلاد، وصف بهما الأيام العشرة ~~الأخيرة من حصار طروادة. # وقد زها الشعر ms0483 القصصي عند اليونان قبل سائر ضروب الشعر؛ لأنه يصف وقائعهم ~~وحروبهم. وكانوا في أوائل أحوالهم مثل قبائل العرب، وكان أمراؤهم يحبون سماع ~~أخبار أسلافهم من الأبطال وأنصاف الآلهة، فحببوا إلى أصحاب القرائح نظم تلك ~~الأخبار في الملاحم. وفي أواسط القرن الثامن قبل الميلاد أخذت السلطة ~~الاستبداية في الأفول، وأخذ اليونان يتمتعون بحريتهم الشخصية استعدادا للحكم ~~الجمهوري. فنما شعورهم الاستقلالي، وأحس كل منهم بذاتيته، وتولد فيه الميل إلى ~~وصف عواطفه وميوله، فنظمها شعرا هو الشعر الغنائي، وأكثر المشتغلين به ~~الأيوليون والدوريون، وله عند كل منهما مميزات، وأشهر نوابغ الشعر الموسيقي عند ~~اليونان سميونيدس وبندار. الأول يوني الأصل دوري النظم، وأكثر منظوماته في وصف ~~أحوال الحرب بين اليونان والفرس، والثاني دوري المولد والمنشأ وأسلوبه ونظمه ~~دوريان. ~~(ب) الأدب والعلم والفلسفة عند اليونان من سنة 475-300ق.م # الأدب والتاريخ # ويسمى هذا الدور أيضا الدور الأتي أو الأتيكي نسبة إلى أتيكا في جزائر ~~اليونان، وسكانها مزيج من اليونيين والدوريين. فبعد أن اشتغل اليونيون ~~والأيوليون والدوريون في إنشاء الشعر ودونوا به أخبارهم ووصفوا حروبهم وعبروا ~~به عن عواطفهم وعواطف ذويهم، استحثتهم قرائحهم الوقادة إلى ما يمثلون به تلك ~~الأخبار ويشخصون به العواطف؛ ليراها الناس رأي العين أو يشعروا بها كأنها بين ~~جنبيهم فأحدثوا فن التمثيل «الدراما» ومنه التراجيديا والكوميديا، وأجادوا في ~~كليهما، ونبغ منهم مشاهير عظام من أهل هذا الفن مما يطول بنا الكلام فيه، وهو ~~خارج عن موضوعنا. وإنما يقال بالإجمال: إن اليونان أتقنوا الشعر على اختلاف ~~ضروبه وموضوعاته قبل أن يعتنوا بالنثر المرسل لاستغنائهم عنه بالشعر القصصي. ~~وأقدم آثارهم النثرية وأكملها كتابات هيرودوتس الرحالة الشهير المتوفى سنة ~~406ق.م، وهي بالنظر إلى نثر اليونان مثل إلياذة هوميروس بالنظر إلى ~~شعرهم. # على أن هيرودوتس ليس أول من كتب النثر المرسل عندهم، فقد ظهر قبله جماعة من ~~العلماء دونوا به آراءهم في الفلسفة أو الميثولوجيا أو التاريخ أو غيرها من ~~العلوم النثرية. وأما هيرودوتس فتغلب نثره على نثرهم لحسن أسلوبه وأهمية ~~الموضوعات التي كتب فيها. فقد كتب ms0484 رحلته قبل سنة 431ق.م، وهي التاريخ المعروف ~~باسمه، بين فيه أسباب الحروب التي نشبت بين الفرس واليونان في القرن السادس ~~وأول الخامس قبل الميلاد. ولا يزال كتابه فريدا في بابه إلى اليوم، ولذلك ~~لقبوه بأبي التاريخ. وبعده بقليل نشبت بين أهل أثينا وأهل المورة حرب أهلية ~~هائلة، هي الحرب المورية أو البيلوبونيسية من سنة 431-404ق.م فأرخها ثوسيدس، ~~وكان معاصرا لهيرودوتس وأصغر منه. ثم ظهر جماعة من كتاب التاريخ عندهم ~~كخينوفون وغيره، ثم اشتغل اليونان بالخطابة ونبغ منهم ديموستنيس وأشينس وهبريدس ~~وغيرهم، واشتغل آخرون في وضع الشرائع مثل صولون، وآخرون بوضع قواعد اللغة أو ~~غيرها مما لا يهمنا البحث فيه هنا. # العلم والفلسفة # وهما من نتاج الدور الآتي، فقد ظل اليونانيون على نحو ما تقدم من الآداب ~~الشعرية والتاريخية والأدبية، حتى تنبهت أذهانهم إلى البحث في الخليقة والعلل ~~والمعلومات بنهضة حدثت على أثر الحروب المورية المذكورة. فإنها توالت 27 سنة، ~~وفي نهايتها دخلت أثينا في حوزة اللقديمونيين # Laecedomonoi # وأصبح الأثينيون بعد العز أذلاء، فساقتهم ~~العبرة والمذلة إلى النظر في الوجود فنهضوا نهضة فلسفية زعيمها وواضع أساسها ~~سقراط. والحروب يغلب أن يقعبها نهضة أدبية أو علمية أو سياسية، على ما قررناه ~~في غير هذا المكان. # على أن اليونان تنبهوا إلى النظر في الموجودات الطبيعية وأحوالها قبل تلك ~~النهضة، على أثر احتكاك الأفكار في أثناء حروبهم مع الفرس. وإنما كان نظرهم ~~فيها مقصورا على تفهم نواميسها على نحو ما نعبر عنه اليوم بالطبيعيات، وأقدم ~~من وصل خبره إلينا من الفلاسفة الطبيعيين طاليس المليطي، ولد في مليطة من بلاد ~~يونيا سنة 640 قبل الميلاد، وقد أخذ علمه من فينيقية ومصر وكريت ويونيا، وغلب ~~عليه النظر في النجوم والهندسة، وله آراء في الوجود والموجودات وأصل العناصر، ~~ووضع كثيرا من القواعد الرياضية لاستخراج الكسوف والخسوف وقياس الأجسام ~~المرتفعة بالنظر إلى ظلها، ونبغ بعده جماعة من تلامذته وتلامذتهم، ومنهم ~~أرخيلاوس وهو الذي نقل الطبيعيات من يونيا إلى أثينا، وهناك تتلمذ له سقراط ~~المولود سنة 469ق.م، وفي أيام ms0485 هذا الفيلسوف حدثت الحروب المورية، فامتزجت ~~الطباع وتحاكت الأفكار فهاجت القرائح وثارت العواطف، وأصبح الناس متضاغنين ~~متنافسين، وربما كان للرجل عدو من قبيلته وأهله. ~~••• # فلما أصيبت أثينا بالذل بعد تلك العظمة أصاب أهلها اضطراب وانكسار، ~~والإنسان إذا أصيب بنكبة لا حيلة له في دفعها اشتغل عنها بالتعليلات الفلسفية ~~عن الوجود وأصله ليخفف وطأة تلك المصيبة عليه، خصوصا في مثل ما أصيبت به أثينا ~~بعد عزها ورفعة شأنها، وأصبح أهلها بعد سقوطها يتلفتون إلى الوراء آسفين ~~وينظرون إلى الأمام خائفين، وقد ذهبت أسباب مفاخرتهم القديمة ولم تنتظم حكومتهم ~~الجديدة، فتنبهت أذهانهم وانصرفت قرائحهم إلى النظر في شؤون الإنسان على الجملة ~~وشؤونهم هم على الخصوص. فكانت وجهة تلك النهضة الأدب والفلسفة، فدخل القرن ~~الرابع قبل الميلاد والناس يتناقلون آراء بعض المتقدمين من العلماء على ما ~~يوافق أحوالهم، ونفوسهم تشتاق إلى الزيادة. # سقراط # وكان الناس في ذلك إذ نبغ سقراط الحكيم، ورأى النظر في الفلسفة الطبيعية لا ~~يجدي نفعا في تلك الأحوال، فانصرفت عنايته إلى الفلسفة الأدبية فدرسها ~~جيدا، وخلصها مما كان يعتورها من الرموز والغوامض، وطبقها على حاجات الأثينيين ~~يومئذ، وقسم شرائعه إلى ما يتعلق بالإنسان من حيث هو إنسان، وإلى ما يتعلق به ~~من حيث هو أب ومدبر، وإلى ما يتعلق به من حيث هو عضو في الجماعة، وذهب إلى خلود ~~النفس. ويعتبره اليونانيون واضع الفلسفة الأدبية العلمية، أو هو محول الفلسفة ~~القديمة من الخيال إلى العمل، قال شيشرون: «إن سقراط أنزل الفلسفة من السماء ~~إلى الأرض». # ويندر أن ينجو النوابغ وأصحاب الآراء الجديدة من حساد يتمنون أذيتهم أو ~~يسعون فيها. وقد كان في تعاليم سقراط ما يخالف اعتقاد الأثينيين يومئذ، فقاموا ~~عليه واتهموه بإفساد عقول الشباب وحكموا عليه بالموت، فشرب السم ومات. # أفلاطون # مات سقراط ولم يدون شيئا من تعاليمه، فدونها تلامذته من بعده، ولكنهم ~~اختلفوا في تفسير أقواله فانقسموا إلى ثلاث فرق تعرف بالكيرينية والكلبية ~~والإشراقية. وهذه الأخيرة أشهرها وتسمى أيضا الأفلاطونية نسبة إلى صاحبها ~~أفلاطون المولود سنة 428 ms0486 قبل الميلاد. ومذهبه مقتبس من ثلاثة مذاهب قديمة، فإنه ~~تبع هيرقليطس في الطبيعيات، وفيثاغورس فيما وراء الطبيعة والنقليات، وتبع سقراط ~~في الفلسفة الأدبية والأخلاق. وقال بثلاثة أصول هي: الإله، والمادة، والإدراك. ~~والآلهة عنده ثلاث طبقات: علويون، ومتوسطون، وسفليون، وعلم بتناسخ الأرواح. ~~وكتب أفلاطون على أسلوب المحاورات، وسيأتي ذكرها في كلامنا عما نقله المسلمون ~~من كتب الفلسفة إلى العربية. # أرسطو # وانقسم تلامذة أفلاطون أيضا إلى فرق، أهمها فرقة المشائين وصاحبها أرسطو أو ~~أرسطوطاليس الذي أجمع العلماء على أنه أقدر الفلاسفة القدماء، ويسميه العرب ~~المعلم الأول. ولد سنة 384 وتوفي سنة 322ق.م، وعنه نقل العرب أكثر كتب الفلسفة ~~والمنطق. جمع أرسطو في كتبه زبدة ما بلغ إليه العلماء في عصره ببلاد اليونان من ~~الفلسفة والعلم. أما الفلسفة فأخذها عن أستاذه أفلاطون، ويدخل فيها الأبحاث ~~المنطقية والعقلية والنفسية والسياسية. وأما العلم، ويراد به الحقائق المبنية ~~على المشاهدة والاختبار كالرياضيات والطبيعيات ونحوها، فقد كانت من جملة ما ~~طالعه من علوم القدماء وما اختبره بنفسه، وكان غرض أرسطو إيضاح الفلسفة بالعلم ~~وإخضاع كل بحث عقلي أو نظري إلى النواميس الطبيعية. ولم يكن يهمه تزويق العبارة ~~أو برقشة الألفاظ، وإنما كان يهمه الغرض الأصلي من الموضوع، فكان يبذل جهده في ~~تجريد عبارته من الخيالات الشعرية التي مازجت فلسفة أفلاطون. # فلما أظهر أرسطو فلسفته شغف الناس بها، وكان يلقيها في أروقة حول هيكل أبولو ~~قرب أكاديمية أفلاطون، وكان يتلو دروسه وهو يمشي هناك فسمي تلامذته المشائين أو ~~الرواقيين. ومن حظ أرسطو أن الإسكندر المقدوني ظهر في أيامه وتتلمذ له ~~وأمده بالأموال لأبحاثه في الطب والحيوان وغيرهما. ولما سافر الإسكندر للفتح ~~ظل أرسطو في أثينا، فلما جاء الخبر بموت الإسكندر سقط حزبه وفي جملتهم أرسطو. ~~وكانت فتوح الإسكندر قد هزت القرائح اليونانية كما هزتها حرب المورة من قبل، ~~فنهضت نهضة ثانية والعقول أكثر استعدادا وأقوى على الأبحاث. ولا يبعد أن يكون ~~الإسكندر قد نقل إلى أثينا بعض علوم فينيقية وبابل وفارس، كما سيأتي، فأدخلها ~~أرسطو في فلسفته وألف ms0487 في كل موضوع عقلي وطبيعي وفلسفي ومنطقي ولغوي. ومؤلفاته ~~كثيرة، وينسبون إليه كتبا لم يؤلفها هو. وأما الكتب التي ثبتت نسبتها إليه ~~فنحو 19 كتابا، نقل المسلمون أكثرها إلى العربية وسيأتي ذكرها. # والكتب المنسوبة إليه خطأ أكثرها في الميكانيكيات والبلاغة والأدبيات ~~والرياضيات، مما لا حاجة إلى ذكره، وإنما نذكر منها كتابين مشهورين له وهما: ~~كتاب المقولات «قاطيغورياس» في المنطق، وكتاب التفسير. # قد جاء أرسطو في أواخر عصر الزهو اليوناني، فجمع ما ولدته العقول اليونانية ~~إلى أيامه من الآراء والأبحاث والاختبارات في العلم والفلسفة، ورتبها في كتب ~~تعليمية توخى فيها الوضوح والسهولة، فعاشت تعاليمه أدهارا ولم تستغن عنها أمة ~~من الأمم التي تمدنت في عصر اليونان أو بعدهم كالرومان والفرس والعرب وغيرهم، ~~ولا يزال كثير منها مرعيا إلى اليوم. # مؤلفات أرسطو # ولمؤلفات أرسطو تاريخ غريب لا بأس من إيراده: لما دنا أجله عهد بكتبه ~~ومسوداته إلى أكبر تلامذته ثيوفراستوس، وبعد 35 سنة توفي هذا وقد عهد بها ~~وبكتبه هو إلى تلميذ اسمه نيليوس. فرحل هذا إلى وطنه سبسس في آسيا الصغرى فبقيت ~~عنده حتى توفي، فخاف ورثته عليها من ملك برجامس حينئذ فأخفوها في مغارة بقيت ~~فيها 187 سنة. فلما استخرجوها في رأس المائة الأولى قبل الميلاد، وجدوا بعضها ~~قد تهرأ بالعفونة والرطوبة والبعض الآخر أكله الدود والعث، فباعوها صفقة واحدة ~~إلى كتبي اسمه أبليكون فأرجعها إلى أثينا. فلما استولى سولا الروماني على أثينا ~~سنة 86ق.م، كانت مكتبة هذا الرجل في جملة غنائم الرومانيين فنقلوها إلى رومية ~~فتوصل إليها بعض اليونانيين المقيمين هناك فاشتغلوا في نسخها وضبطها. وأول ~~المشتغلين في ذلك تيرانيون صاحب شيشرون. ثم تولى أندرونيكوس الرودسي تصحيحها ~~وترميمها، ثم تناقلها الناس. فكل ما وصل إلى العالم من مؤلفات أرسطو إنما هو ~~من تصحيح أندرونيكوس المذكور في أواسط القرن الأول قبل الميلاد. # على أنها ما لبثت أن ظهرت في العالم حتى تناولها الناس واشتغلوا فيها بين درس ~~ونقل وترجمة وتلخيص وشرح ونقد. بدأ بذلك اليونان أنفسهم، ثم الرومان فالفرس ~~فالعرب، ms0488 فأهل العصور الوسطى في أوربا. فأهل أوائل التمدن الحديث، وخصوصا ~~فلاسفة القرون الأولى لهذه النهضة. وكانت مدرسة الإسكندرية الآتي ذكرها تعلم ~~الفلسفة بكتب ينسبونها إلى أرسطو وكتبه لا تزال مدفونة. فلما فتح الرومان ~~الإسكندرية - وكانوا قد وقفوا على نسخ أندرونيكوس - اعتمدوا عليها دون سواها ~~وأصبحت عمدة التعليم في رومية والإسكندرية على السواء. حتى ظهرت النصرانية، ~~فبطل تعليمها في رومية وظل في الإسكندرية. ولما سعى قياصرة الروم في إزالة ~~الوثنية من مملكتهم، بحثوا عن العلوم الوثنية وأبطلوها ومن جملتها كتب أرسطو ~~إلا بعض كتبه المنطقية. على أنهم كانوا يعلمونها سرا، حتى جاء الإسلام وانتقل ~~التعليم من الإسكندرية إلى أنطاكية أيام عمر بن عبد العزيز، فانتقلت إلى هناك ~~وظل تعليمها محظورا لا يتعلمها إلا بعض اليهود أو الحرانيين لتقوى بها حجتهم ~~على النصرانية. # الطب والنجوم # والطب أيضا من ثمار تلك النهضة على أثر الحرب المورية، وكان اليونان قبل ذلك ~~يعالجون مرضاهم بالكهانة، وينسبون الأمراض إلى أعمال الشياطين والعلاج إلى ~~أعمال الآلهة. وكان الفلاسفة يتكلمون في الطب باعتبار أنه فرع من العلم ~~الطبيعي، ولم يستقل أحد منهم بالبحث فيه. وأول من رتب الطب وبوبه وبناه على أسس ~~صحيحة أبقراط المتوفى سنة 357ق.م، ولذلك سموه أبا الطب. وهو من نتاج الحرب ~~المورية، فقد نشأ في أثنائها ونبغ بعد انقضائها وسافر إلى سوريا، ولعله اطلع ~~على طب البابليين والمصريين فأضافهما إلى طب اليونان وألف فيه الكتب. وأساس ~~علاجه الاعتماد على الطبيعة، وكان يفصد ويحجم ويكوي ويحقن ويشخص الأمراض ~~بالسماعة ويصف المسهلات النباتية والمعدنية. وله كتب في الطب كثيرة، ذكروا منها ~~87 كتابا ولم يثبت له منها إلا نحو العشرين، وسيأتي ذكرها فيما نقله المسلمون ~~من كتب الطب إلى العربية. وما زالت كتب أبقراط معول الأطباء إلى العصر الحديث، ~~وفيهم من شرحها أو فسرها أو ترجمها أو علق عليها. وممن اشتغل من ~~اليونانيين في ترقية العلوم الطبية بعد أبقراط أرسطو وغيره من الفلاسفة العظام، ~~فلما أنشئت مدرسة الإسكندرية على عهد البطالسة كان للطب شأن كبير فيها ms0489 كما ~~سيجيء. # وعلم النجوم - أو علم الفلك - قديم عند سائر الأمم، كما قد رأيت في كلامنا عن ~~علوم العرب قبل الإسلام. أخذ اليونان مبادئ هذا العلم عمن سبقهم من أمم التمدن ~~القديم، على يد الفينيقيين وتوسعوا فيه من عند أنفسهم. وكان النظر فيه من جملة ~~أبحاث الفلاسفة، وأقدمهم طاليس المتقدم ذكره، وقل من جاء بعده من فلاسفة ~~اليونانيين ولم يتعرض لهذا الفن، وأشهرهم فيه أنكسيمندر وأنكسيمينس ~~وأنكساغوراس. وكان للقسم الإيطالي من بلاد اليونان عناية كبرى في النجوم، ومقدم ~~فلاسفتهم فيه فيثاغورس الشهير المتوفى سنة 500ق.م، أخذ بعض هذا العلم من مصر ~~وتوسع فيه وتبعه في ذلك كثيرون. ولا يكاد يخلو فيلسوف من فلاسفة اليونان من ~~النظر في النجوم وأحكامها مما يطول شرحه. على أن هذا العلم بلغ قمة مجده في ~~مدرسة الإسكندرية. ويقال نحو ذلك في سائر العلوم الرياضية كالحساب والهندسة، ~~فقد اشتغل فيها الفلاسفة لكنها لم تنضج إلا في مدرسة الإسكندرية على يد ~~أوقليدس. ~~(ج) الدور الإسكندري # مدرسة الإسكندرية ومكتبتها # لم يكد اليونان يتخلصون من مصائبهم بالحروب المورية حتى انقض عليهم الرجل ~~المقدوني العظيم «الإسكندر» فغلبهم على ما في أيديهم، ثم حمل بهم على العالم ~~المتمدن في ذلك العهد، ففتح مصر وبنى فيها الإسكندرية واكتسح الشام والعراق ~~وفارس إلى بلاد الهند. فأصاب العالم بتلك الحروب هزة انتفضت لها أعصابه ~~واختلطت عناصره، فالتقى اليوناني بالفينيقي والمصري والفارسي والكلداني ~~والهندي، وتحاكت الأفكار وتلامست المطامع وتقاطعت المصالح، وكان من أقل ~~نتائجها: # أولا: # نشر علوم اليونان وآدابهم وتمدنهم في أمم الأرض. # ثانيا: # نقل علوم الفرس والكلدان وغيرهم إلى بلاد اليونان أو مصر. فقد ~~ذكروا أن الإسكندر لما فتح إصطخر عاصمة الفرس خرب أبنيتها وشوه ~~نقوشها ونسخ ما كان مجموعا من ذلك في الدواوين والخزائن هناك ~~ونقله إلى اللسان اليوناني والقبطي. وبعد فراغه من نسخ حاجته منه ~~أحرق ما كان مكتوبا بالفارسية، وأخذ ما كان يحتاج إليه من علم ~~النجوم والطب والطبائع وبعث به وبسائر ما أصاب من العلوم والأموال ~~والخزائن والعلماء إلى بلاد ms0490 مصر. # 189 # ولما مات الإسكندر سنة 323ق.م، انقسمت مملكته بين قواده، فانتقل علماء ~~اليونان من بلادهم للإقامة في مستعمراتهم الجديدة في مصر والشام والعراق، ~~فابتنوا المدارس في الإسكندرية وأنطاكية وبيروت وغيرها، وكان حظ البطالسة في ~~الإسكندرية أوفر من حظوظ سائر الدول اليونانية في الشرق في ترقية شؤون العلم ~~والفلسفة. وكان بطليموس الأول - الملقب بسوتر - أول البطالسة عادلا محبا ~~للعلم «حكم من سنة 306-285ق.م» فتقاطر إليه العلماء والفلاسفة من بلاد اليونان ~~على اختلاف القبائل والأماكن، فأكرم وفادتهم ونشطهم في مواصلة البحث والدرس، ~~وأطلق لهم الأموال فزادوا احتراما له ورغبة في العلم. # وكان من جملة المقربين إليه خطيب أثيني اسمه ديمتريوس فاليروس، أشار عليه ~~بإنشاء مكتبة يجمع إليها الكتب من أنحاء العالم فأجابه إلى ذلك، وأنشأ مكتبة ~~الإسكندرية الشهيرة التي بحثنا عن أسباب حرقها فيما تقدم. والظاهر أن الكتب ~~التي بعثها الإسكندر من إصطخر وغيرها وضعوها في هذه المكتبة. وديمتريوس هذا هو ~~الذي سماه ابن القفطي «زميرة»، وسبب الفرق تصحيف في النسخ. وبإشارته أيضا أنشأ ~~سوتر المتحف أو النادي # Museum # على هيئة مدارس ~~أوربا الجامعة، يجتمع فيه العلماء والأدباء والفلاسفة للدرس والبحث، وهو مدرسة ~~الإسكندرية الشهيرة. # وكان البطالسة خلفاء سوتر يقتفون أثره في تنشيط العلم، وأكثرهم من العلماء ~~وخصوصا فيلادلفوس «من سنة 285-247ق.م» فإنه أضاف إلى المكتبة ما لم يكن فيها ~~من كتب العلم اليونانية وغير اليونانية، فابتاع الكتب وجمع كثيرا من مؤلفات ~~اليهود والمصريين القدماء حتى لا ينقص هذه المكتبة علم ولا خبر، وخلفه بطليموس ~~أورجيتس «سنة 247-222ق.م» فأضاف إلى المكتبة كثيرا من كتب الأدب والشعر ~~والتمثيل مما وجدوه في خزائن أثينا، وفرض على كل من يقيم في الإسكندرية أو يمر ~~بها من رجال العلم أن يقدم للمكتبة نسخة من كل ما يملكه من الكتب، فزهت ~~الإسكندرية بالعلم ونبغ فيها العلماء في كل موضوع، حتى فاقت كل ما تقدمها أو ~~عاصرها من مدن العالم القديم، وما زالت رافلة بالعلم والعلماء إلى ظهور ~~الإسلام، أي عبارة عن نيف وتسعمائة سنة تقسم إلى ms0491 مدتين: # الأولى: # يونانية تبتدئ بولاية سوتر وتنتهي بدخول مصر في حوزة الرومان سنة ~~30 قبل الميلاد. # والثانية: # رومانية تبتدئ من هذه السنة وتنتهي سنة 640م، لما فتحها ابن ~~العاص. # وكان غرضها في المدة الأولى علميا أدبيا، وغايتها ترقية العلوم اليونانية ~~وتوسيع نطاقها، وكانت المرجع العلمي الوحيد في تلك العلوم إلى أواخر القرن ~~الثاني للميلاد، فأخذت تتقهقر لأسباب كثيرة ، أهمها فساد الحكومة واعوجاج ~~الأحكام وظهور مدارس أخرى من نوعها في سوريا ورودس وغيرهما، فتحولت همم رجال ~~العلم إلى بلاد العدل والحرية. فلما دخلت الإسكندرية في حوزة الرومان اتسعت ~~شهرتها باتساع دولتهم، ولكن رغبة رجال العلم تحولت عنها إلى رومية. واتفق ظهور ~~الديانة المسيحية واشتغال ذوي القرائح في إثباتها أو نفيها. ونظرا لتوسط ~~الإسكندرية وقربها من ميدان الجدال اتخذت مدرستها خطة فلسفية دينية. فلمدرسة ~~الإسكندرية بهذا الاعتبار عصران: # الأول: # يوناني علمي أدبي. # والثاني: # روماني فلسفي ديني. # العصر الإسكندري اليوناني من سنة 306-30ق.م # زهت الإسكندرية في عصرها الأول بمن انتقل إليها من جالية اليونان، على أثر ما ~~أصاب بلادهم من الذل بعد ذهاب استقلالهم، وحملوا معهم كتب العلم والفلسفة والطب ~~والشعر والأدب واللغة والتاريخ، غير ما جمعه البطالسة من الكتب الأخرى كما ~~تقدم، فأقام اليونانيون في الإسكندرية على الرحب والسعة في ظل حكومة يونانية ~~وعادات وآداب يونانية، لكنهم كانوا قد أضاعوا أنفة الاستقلال وروح الحرية، ~~لتقيد عواطفهم وشعائرهم بالحكم المطلق الذي لا يقترب منه إلا المتزلفون، ففسدت ~~القرائح وضاقت العقول، فاشتغل يونانيو الإسكندرية في الشعر والخطابة والتاريخ ~~والميثولوجيا، لكنهم لم يجيدوا شيئا منها مثل إجادتهم في أثينا والمورة وساقس ~~وغيرها، ناهيك بانصراف الأذهان إلى العلوم الطبيعية والرياضيات، وقد كان لهذه ~~العلوم حظ وافر في تلك المدرسة، فنبغ فيها جماعة من علماء الفلك والطب والهندسة ~~والجغرافية، وإن كانت مؤلفاتهم في الغالب مبنية على مؤلفات القدماء أو شروحها ~~لها. # الرياضيات # نبغ إقليدس الصوري المولود سنة 323ق.م، وقد طلب العلم في بلاد اليونان وأتقن ~~الرياضيات بنوع خاص، وكانت الإسكندرية قد دخلت في حكم البطالسة وأفضت الحكومة ms0492 ~~إلى بطليموس فيلادلفوس، فاستقدمه إليه في جملة من استقدمهم من رجال العلم، ووسع ~~له الرزق وأمره بتدريس الهندسة وكان فيلادلفوس أول من تلقاها عنه، وهناك ألف ~~كتابه المعروف بأصول إقليدس ولا يزال عليه المعول في هذا الفن إلى اليوم، وقد ~~نقل إلى كل لغات العالم المتمدن. # ونبغ من الرياضيين بعد إقليدس أرخميدس - أو أرشميدس - الصقلي المولود سنة 287 ~~قبل الميلاد، وجاء مدرسة الإسكندرية وتلقى فيها الرياضيات وعاد إلى بلاده، وكان ~~ملكها يحترمه فقربه إليه، وكان في حرب ضد الرومان فأعانه من علمه بما لم يستطعه ~~القواد بسيوفهم، ولكنه ذهب ضحية تلك المساعي، فقتله بعض جنود الرومان في أثناء ~~الفتح وهو لا يعرفه. # ولأرخميدس اكتشافات مهمة في النواميس الطبيعية المتعلقة بالهندسة أو الحساب، ~~وذكروا له من الكتب كتابا في الكرة والأسطوانة، وآخر في تربيع الدائرة ~~وتسبيعها والدوائر المماسة والمثلثات والخطوط المتوازية والمأخوذات والمفروضات. # 190 # ثم نبغ أبولونيوس المولود سنة 250ق.م صاحب الأبحاث في قطع المخروط، وهيبارخوس ~~المتوفى سنة 125ق.م مؤسس الرأي الفلكي للسماوات، واشتغلوا في أثناء ذلك ~~بالجغرافية الرياضية، وأول من كتب فيها أراتستين المتوفى سنة 195ق.م، وهو أول ~~من وضع جداول أسماء الملوك الفراعنة وأول من قاس الأرض. # ثم ظهر بطليموس القلوذي الشهير في أواسط القرن الثاني بعد الميلاد، فأخذ رأي ~~هيبارخوس وبنى عليه كتاب المجسطي الذي كان عليه المعول في مدارس العالم إلى عهد ~~غير بعيد. ومن أقوالهم: «لا يعرف كتاب ألف في علم من العلوم قديمها ~~وحديثها فاشتمل على جميع ذلك العلم وأحاط بأجزائه غير ثلاثة: كتاب المجسطي في ~~علم هيئة الفلك وحركات النجوم، وكتاب أرسطوطاليس في صناعة المنطق، وكتاب سيبويه ~~في النحو» # 191 # ومن مؤلفات بطليموس المذكور كتاب الأربعة، وكتاب الحرب والقتال، ~~وكتاب الجغرافية في المعمور وغيرها. # واشتغل علماء الإسكندرية خصوصا برصد الأفلاك واستخراج الأزياج، وكان عندهم ~~مرصد يرصدون منه الأجرام، وظل هو المرصد الوحيد في العالم إلى أيام ~~الإسلام. # الطب # أما الطب فقد كان يعلم في مدرسة برجامس، فلما زهت مدرسة الإسكندرية توجهت ~~الأنظار إليها وكثر ms0493 طلبة الطب فيها، وكانت عمدة التدريس فيها على مؤلفات ~~أبقراط، لكنهم اشتغلوا خصوصا في فن التشريح حتى فاقوا فيه سائر مدارس الطب في ~~ذلك العهد، واشتهر فيها أثناء العصر اليوناني طبيبان لكل منهما مذهب في الطب ~~والعلاج وهما: هيروفيلوس، وأراسستراتس. الأول من خلقيدونة، وتلقى العلم في ~~مدارس اليونان واشتغل خصوصا في التشريح، وألف كتبا وافق أبقراط في أكثرها، ~~ويعدونه في المنزلة الأولى بعده. أما الثاني فكان معاصرا لهيروفيلوس، وهو من ~~أنطاكية وجاء الإسكندرية للتبحر في علم التشريح، وله مؤلفات ذهب فيها مذهبا ~~غير مذهب هيروفيلوس، فكان لكل من هذين الطبيبين تلامذة يؤيدون رأيه، وأصحاب ~~هيروفيلوس ينصرون أبقراط والآخرون ضده. وظل المذهبان إلى القرن الثاني بعد ~~الميلاد، وقد مهد الأرستراتيون الطريق للتدجيل الذي شاع بعدئذ في الأجيال ~~المظلمة. # انقضى عصر مدرسة الإسكندرية اليوناني وبعض العصر الروماني والأطباء فئتان ~~لهما مذهبان متناقضان، حتى ظهر جالينوس القلوذي المولود في برجاموس سنة 130م. ~~تلقى أصول العلم على أبيه ثم شرع في درس الطب هناك، وسافر سنة 150م إلى أزمير، ~~ثم قدم إلى الإسكندرية لإتقان فن التشريح، وطاف بلادا أخرى في طلب العلم ~~حتى عاد سنة 158م. إلى برجاموس وسافر سنة 164 إلى رومية وهي آهلة بالعلماء، ~~واتفق له معالجة بعض كبار القوم وشفاؤهم على يديه فذاع صيته وسموه «الطبيب ~~العجيب»، فحسده زملاؤه فرجع إلى بلاده سنة 168، ثم تمكن من الرجوع إلى رومية ~~وخدم بعض أباطرتها حتى توفي سنة 200م، وله مؤلفات عديدة في الطب أشهرها يعرف ~~بالكتب الستة عشر، وبعضها يعرف بأسماء خاصة حسب موضوعاته، وسيأتي ذكرها في جملة ~~ما نقل من كتب الطب إلى العربية. وجالينوس ليس من أهل العصر الإسكندري ~~اليوناني الذي نحن بصدده، وإنما ذكرناه استيفاء للكلام في تاريخ الطب. # العصر الإسكندري الروماني من سنة 30ق.م-640م # هو العصر الإسكندري الثاني، ويبتدئ في الحقيقة قبل الفتح الروماني بنصف قرن، ~~أي منذ دخول أثينا في حوزة الرومان في القرن الأول قبل الميلاد، فإن قائدهم ~~«سولا» - بعد أن فتح أثينا - حمل منها إلى رومية ms0494 أحمالا من كتب العلم والفلسفة ~~كما تقدم، فانتقل العلم من ذلك الحين من أثينا إلى رومية، ولما أسس أوغسطس قيصر ~~المكتبة الشهيرة في رومية قسمها إلى قسمين: لاتيني ويوناني. ولم ترث رومية كتب ~~أثينا فقط ولكنها ورثت علماءها وفلاسفتها أيضا، فأصبح اليونان أنفسهم إذا ~~أرادوا التبحر في العلم رحلوا إلى رومية، وليس من شأننا الآن البحث في آداب ~~الرومان ... # فمدرسة الإسكندرية أخذت في الانحطاط قبل دخولها في حوزة الرومان، فلما صارت ~~رومانية زادت ضعفا. وكانت علومها قد تغيرت وجهتها وانحصرت في الفلسفة؛ لأن ~~الإسكندرية ما برحت منذ تأسيسها وفيها جماعة من اليهود، نزحوا إليها كعادتهم في ~~الرحيل للارتزاق أو فرارا من الاضطهاد، فآنسوا في الإسكندرية ترحابا وراحة ~~فتكاثروا. فترتب على اختلاطهم باليونان وتمازج الأذواق والأبحاث تطور مهم ~~في الفلسفة والدين؛ لأن اليهود أهل توحيد ووحي وتقليد، واليونان أهل فلسفة ~~ومنطق وخرافات دينية، فأدى التمازج إلى التقارب وزاد ذلك بظهور النصرانية. ولما ~~تأيدت النصرانية واعتنقها اليونان أخذوا في تطبيق فلسفتهم على الدين، فتولد من ~~ذلك ما يسمونه الفلسفة الأفلاطونية الجديدة # Neo-Platonic # والفلسفة الفيثاغورية الجديدة # Neo-Pythogoric ~~، وجملة القول إن العصر ~~الإسكندري الثاني قلما أفاد العلم؛ لأن أبحاثه كانت غايتها فلسفية ~~دينية. # ومما اختصت مدرسة الإسكندرية في ترقيته من العلوم: # أولا: # التشريح؛ لأن المصريين كانوا يفتحون الجثث لأجل تحنيطها فسهل ~~عليهم درس فن التشريح بها. # ثانيا: # علم الكيمياء؛ لأنه كان في مصر قبل دخولها في سلطة اليونان، ~~ولما أنشئت مدرسة الإسكندرية اشتغل علماؤها في درس هذا العلم ~~وجمعوا ما كان عند الأمتين في علم واحد. # وظلت مدرسة الإسكندرية مركز التدريس في الشرق إلى أواخر القرن الأول للهجرة، ~~حتى نقله عمر بن عبد العزيز إلى مدرسة أنطاكية فمدرسة حران وغيرها من مدارس تلك الأيام. # 192 # العصر البيزنطي من سنة 529-1453م # سمي هذا العصر بالبيزنطي نسبة إلى بيزنتيوم (القسطنطينية)؛ لأن آداب ~~اللغة اليونانية هناك كان لها فيه شأن خاص، فلا بأس من الإشارة إلى ما يهمنا ~~منه. ويقال بالإجمال إن الآداب اليونانية قلما تقدمت في ms0495 تلك العاصمة، مع أن ~~العلم كان في خزائنها كما كان في خزائن الإسكندرية، وخصوصا بعد موت جستنيان. ~~فلما قامت الخصومة على الأيقونات كان من جملة نتائجها إعدام الكتب وإهمال ~~العلم، واقتصر النوابغ فيها على ما لا يحتاج إلى مواهب خاصة، أو إلى بحث أو ~~نظر، فكانوا إذا نشأ أحد القياصرة وأراد التشبه بمنشطي العلم القدماء رغب الناس ~~في المطالعة والتأليف. وتأليفهم عبارة عن تلخيص القديم أو شرحه أو جمعه على شكل ~~الموسوعات، وقد يفعل القيصر نفسه ذلك. فإن قسطنطين السابع (905-959م) كان ~~محبا للعلم مشتغلا بالتأليف، فألف كتبا متسلسلة في تاريخ الحكومة ونظامها. ~~وكذلك كانوا يفعلون في سائر الموضوعات الأدبية، كالتاريخ والشعر واللغة، بدون ~~نقد ولا نظر كما فعل مؤلفو العرب بعد ذلك مثل هذه الحال. أما الفلسفة فتحولت ~~عندهم إلى اللاهوت؛ لأن علماء النصرانية استخدموا الأدلة الفلسفية لإثبات ~~العقائد أو الآراء الدينية في مجادلاتهم أو في مواعظهم، على نحو ما قدمناه عن ~~الفلسفة الأفلاطونية الجديدة. وممن اشتهر في هذا الشأن يوحنا الدمشقي ~~(718-741م) صاحب المؤلفات الكثيرة في الدين والفلسفة وغيره مما لا حاجة بنا إلى ~~ذكره. ~~(4-3) آداب اللغة الفارسية قبل الإسلام # الفرس من الشعوب الآرية إخوان الهنود واليونان، وهم أمة قديمة حاربت اليونان قبل ~~المسيح ببضعة قرون، فجردت على بلادهم جيشا قد يمتنع على أعظم دول الأرض اليوم حشده ~~ونقله بمهماته ومؤونته من أواسط آسيا إلى البحر الأبيض، فكيف منذ بضعة وعشرين ~~قرنا؟ فالدولة التي هذا مبلغ قوتها لا تخلو من أدب وعلم، والفرس أهل ذكاء وتعقل، ~~وفيهم استعداد فطري لأسباب التمدن، فلا بد من إجادتهم نظم الشعر على نحو ما فعل ~~إخوانهم الهنود في المهابهاراتة ونحوها، وإن كان ما وصل منه إلينا قليلا. ناهيك ~~بالعلوم القديمة التي هي من قبيل الطبيعيات والرياضيات كالنجوم والأنواء، فقد ~~أحرزوا شيئا منها وخصوصا لأنهم ورثوا البابليين والآشوريين واحتكوا باليونان ~~وهم في إبان تمدنهم واختلطوا بجيرانهم الهنود، وكانوا يعرفون الكتابة وينقشونها على ~~الأحجار باللغة الفهلوية، ويؤيد ذلك ما جاء في كتب الأخبار ms0496 عن فتح الإسكندر بلاد ~~فارس، وما عثر عليه في عاصمتهم إصطخر من خزائن الكتب فاستنسخها وأحرقها كما تقدم، ~~وفيها ما كان قد جمعه الفرس من علوم الهند والصين إلى تلك الأيام. # وليس ذلك كل ما كان عند الفرس من كتب العلم، فقد عثروا في أوائل القرن الرابع ~~للهجرة على مخابئ في رستاق جي بفارس، هي عبارة عن أزج معقود بالحجارة فوجدوا هناك ~~كتبا كثيرة مكتوبة في لحاء التوز، وفيها أصناف من علوم الأوائل باللغة الفارسية ~~القديمة (الفهلوية) وقد تبين من قراءتها: «أن طهمورث الملك المحب للعلوم والعلماء ~~خاف الأمطار على كتب العلم فأودعها ذلك الرستاق» وهي كتب نفيسة في علم النجوم وعلل ~~حركاتها مما كان عند الفرس والروم والكلدان. # 193 # وعثروا نحو ذلك الزمن أيضا على أزج آخر انهار فانكشف عن كتب كثيرة لم ~~يهتد أحد إلى قراءتها. # والظاهر أن عادة حبس الكتب في المغارات أو نحوها كانت شائعة في ذلك الزمان. قال ~~ابن النديم: «والذي رأيته أنا بالمشاهدة أن أبا الفضل بن العميد أنفذ إلى هنا في ~~سنة نيف وأربعين (وثلاثمائة) كتبا متقطعة أصيبت بأصفهان في سور المدينة في صناديق، ~~وكانت في اليونانية فاستخرجها أهل هذا الشأن مثل يوحنا وغيره، وكانت أسماء الجيش ~~ومبلغ أرزاقهم ... إلخ». # على أن الشائع من علوم الفرس لم يكن يتجاوز بعض الأشعار والأخبار وكتب العقائد ~~والأديان إلى أيام سابور بن أردشير من الدولة الساسانية في أواسط القرن الثالث ~~للميلاد. وفي أيامه ظهرت طائفة المانوية، ونشبت بين سابور والروم حروب انتهت ~~بنصرته، وقد حمل معه عددا كبيرا من أسراهم إلى بلاده، فأنشأ لهم في الأهواز مدينة ~~سماها جنديسابور نسبة إليه، وأكرم وفادتهم فحببوا إليه العلم فعمل على استرجاع علوم ~~الفرس من اليونان أو الاستعاضة بمثلها، فبعث إلى بلاد اليونان فاستجلب كتب الفلسفة ~~وأمر بنقلها إلى الفارسية # 194 # واختزنها في مدينته، وأخذ الناس في نسخها ودراستها. # فلما تولى كسرى أنوشروان العادل (من سنة 531-578) فتح للفرس مورد جديد للعلم ~~والفلسفة بما كان من اضطهاد جستنيان قيصر ms0497 الروم للفلاسفة الوثنيين على أثر إقفاله ~~الهياكل والمدارس الوثنية، وكانت الفلسفة الأفلاطونية الجديدة قد نضجت، ففر بعض ~~أصحابها من وجه الاضطهاد وتفرقوا في العالم، وجاء منهم سبعة إلى أنوشروان فأكرم ~~وفادتهم، وأمرهم بتأليف كتب الفلسفة أو نقلها إلى الفارسية، فنقلوا المنطق والطب # 195 # وألفوا فيهما الكتب فطالعها هو ورغب الناس فيها. وعقد المجالس للبحث ~~والمناظرة كما فعل المأمون بعده بقرنين وبعض القرن، حتى خيل لليونان الذين جالسوا ~~أنوشروان أنه من تلامذة أفلاطون، والمظنون أن تلك الفلسفة كانت أساسا لتعاليم ~~الصوفية التي نشأت بعد ذلك. # ولم يقتصر أنوشروان على نقل علوم اليونان إلى لسانه ولكنه نقل علوم الهنود ~~أيضا من السنسكريتية إلى الفارسية # 196 # وأنشأ في جنديسابور مارستانا (مستشفى) لمعالجة المرضى وتعليم صناعة ~~الطب، استقدم إليه الأطباء من الهند وبلاد اليونان، وكانوا يعلمون فيه الطبين: ~~الهندي والأبقراطي، فجمع بين الحسنيين. وبلغ المارستان من الشهرة ما لم يسبق له ~~مثيل، وكان له شأن كبير بعد الإسلام كما سيأتي. # وجملة القول أن الفرس اشتغلوا قبل الإسلام في الفلسفة والطب، وتثقفت عقولهم ~~وذاع صيتهم وكان لهم اطلاع خاص في علم النجوم وأحكام الأفلاك، مما توارثوه عن ~~أسلافهم أو نقلوه عن جيرانهم. وقد زها العلم عندهم في أيام أنوشروان العادل، والعلم ~~لا يزهو إلا في ظل العدل والحرية. ~~(4-4) آداب اللغة السريانية قبل الإسلام # السريان بقايا الكلدان أو البابليين القدماء، الذين أنشأوا تمدنا ووضعوا علوما ~~هامة ورصدوا الكواكب واخترعوا المزاول ووضعوا أسس الطب قبل الميلاد بقرون، ثم دالت ~~دولتهم واستولى الفرس على بلادهم فذهب علمهم بذهاب حريتهم، حتى إذا قامت النصرانية ~~وانتشر دعاتها في البلاد وافترقت إلى طوائف ومذاهب، كان للسريان حظ كبير من كل ذلك ~~وكان لهم تأثير ذو شأن في تاريخ النصرانية. # وإنما يهمنا في هذا المقام ما كان عندهم من العلم والفلسفة. وهم في ذلك تلامذة ~~اليونان؛ لأنهم تعلموا فلسفتهم وطبهم وسائر علومهم، كما تعلمها الرومان قبلهم ~~واقتبسها الفرس معهم وكما تعلمها المسلمون بعدهم. والسريان أهل ذكاء ونشاط، فكانوا ~~كلما اطمأنت خواطرهم ms0498 من مظالم الحكام وتشويش الفاتحين انصرفوا إلى الاشتغال بالعلم، ~~فأنشأوا المدارس للاهوت والفلسفة واللغة، ونقلوا علوم اليونان إلى لسانهم وشرحوا ~~بعضها ولخصوا بعضا. ومنهم خرج أكثر الذين ترجموا العلم للعباسيين وأكثرهم من ~~النساطرة كما سيجيء. ونقتصر هنا على ذكر اشتغالهم بالعلم لأنفسهم. # كان للسريان فيما بين النهرين نحو خمسين مدرسة، تعلم فيها العلوم بالسريانية ~~واليونانية، أشهرها مدرسة الرها وفيها ابتدأ السريان يشتغلون بفلسفة أرسطو في القرن ~~الخامس للميلاد. وبعد أن تعلموها أخذوا في نقلها إلى لسانهم، فنقلوا المنطق في ~~أواسط القرن المذكور. ثم أتم دراسة المنطق سرجيس الرأس عيني الطبيب المشهور، وفي ~~المتحف البريطاني بلندن نسخ خطية من ترجمته الإيساغوجي إلى السريانية، وكذلك مقولات ~~أرسطو لفرفوريوس، وكتاب النفس وغيرها، وقد نشر بعضها من عهد قريب. # وفي أوائل القرن السابع للميلاد اشتهرت مدرسة قنسرين على الفرات بتعليم فلسفة ~~اليونان باللغة اليونانية، وتخرج منها جماعة كبيرة من السريان وفي جملتهم الأسقف ~~ساويرس، فقد انقطع فيها لدرس الفلسفة والرياضيات واللاهوت. ولما تمكن من تلك ~~العلوم نقل بعضها إلى السريانية، ولا تزال بعض ترجماته في الفلسفة محفوظة في المتحف ~~البريطاني. وقد أتمها بعده تلميذه يعقوب الرهاوي واضع علم النحو السرياني ومن ~~تلامذة أثناسيوس جورجيوس المعروف بأسقف العرب (686م) فقد ترجم بعض كتب أرسطو. ~~واشتغل جماعة آخرون في ترجمة كتب أفلاطون وفيثاغورس وغيرهما مما يطول شرحه. واشتهرت ~~هناك مدارس أخرى كمدرسة نصيبين التي كان عدد تلامذتها نحو ثمانمائة، وكانت تعلم ~~فيها كل العلوم العقلية والنقلية. # أما الطب فقد كان لهم فيه حظ وافر أثر إنشاء مارستان جنديسابور، واشتهر فيهم من ~~أهل هذه الصناعة كثيرون، منهم سرجيس الرأس عيني المتقدم ذكره، وأتاتوس الآمدي، ~~وسمعان الطيبوتي، والأسقف غريغوريوس، والبطريرك ثيودوسيوس، وغيرهم من الأطباء الذين ~~أدركوا الدولة العباسية وخدموها. # وقد نقل أطباء السريان كثيرا من كتب الطب من اليوناني إلى السرياني، حتى في ~~أثناء اشتغالهم بنقلها إلى العربية؛ لأنهم كثيرا ما كانوا ينقلونها إلى ~~السريانية فقط أو إلى السريانية والعربية معا. فسرجيس ترجم بعض كتب جالينوس إلى ~~السريانية، ms0499 ثم نقلها في الإسلام موسى بن خالد إلى العربية # 197 # والطيبوتي ألف في أواخر القرن السابع للميلاد كتابا في الطب، وترجم ~~غير كتاب، ناهيك بما كان من مؤلفات آل بختيشوع وآل حنين وغيرهما. # ولهم في النجوم مؤلفات كثيرة، لتسلسل هذا العلم فيهم عن آبائهم الكلدانيين، فإن ~~البرديصاني له كتاب في النجوم لم يصل إلينا غير خبره، وألف الرأس عيني في تأثير ~~القمر وحركة الشمس. وألف السبكتي في صور الأبراج. وممن ألف في النجوم أيضا يعقوب ~~الرهاوي المتقدم ذكره، وداود البيت رباني وموسى بن كيفا وعمونيل البرشهاري ~~وغيرهم. # واشتغل السريان أيضا في الكيمياء والحساب والرياضيات، فضلا عن اشتغالهم في ~~لغتهم وضبط قواعدها وحركاتها. والمشهور أنهم اقتبسوا قواعد النحو عن اليونان، ~~وحركات أحرفهم عبارة عن أحرف يونانية صغيرة توضع فوق الحروف أو تحتها. وقد استغرقوا ~~في آداب اللغة اليونانية وشعرها، فترجموا الإلياذة والأوذيسة إلى لسانهم. ترجمها ~~ثيوفيل الرهاوي سنة 875م وقد ضاعت الترجمة ولم يبق منها إلا بيتان. ويقال إنهم ~~تنبهوا لاستخدام الحروف اليونانية مكان الحركات لما أراد ناظم الإلياذة ضبط الأعلام ~~اليونانية فيها. وذلك غير النقط التي كانت تقوم عندهم مقام الحركات، وقد تقدم ذكرها ~~في كلامنا عن حركات الخط العربي. ولا تزال الحركات عند السريان النقط والأحرف ~~اليونانية إلى اليوم، الأولى شائعة عند السريان الشرقيين، والثانية عند ~~الغربيين. ~~(4-5) آداب اللغة الهندية قبل الإسلام # الهنود أمة قديمة، والطبقة العليا منهم إخوان الفرس واليونان، وقد نظموا الملاحم ~~ودونوا الأخبار شعرا من قديم الزمان، ولهم آداب خاصة وتواريخ خاصة تولدت عندهم ~~بتوالي القرون، كما يستدل من مراجعة تواريخهم ودرس أحوالهم. حتى أنه كثيرا ما ~~كان ملوك الفرس يستعينون بأطباء الهنود، كما فعل أنوشروان في مارستان جنديسابور، ~~وكما وقع للخلفاء العباسيين في أوائل نهضتهم، فإنهم كانوا يستقدمون الأطباء من ~~الهند ويستشيرونهم في أمراضهم، بعد أن تفرغ حيل أطباء الفرس والسريان في معالجتهم؛ ~~لأن للطب الهندي طرقا غير ما للطب اليوناني أو الفارسي، وقد اشتهر منهم عدة ~~أطباء ألفوا في الهندية، ونقل المسلمون بعض ms0500 كتبهم إلى العربية كما سيجيء، ومنهم ~~كنكة وصنجهل وشاناق وغيرهم. # وكانت لهم معرفة حسنة بالنجوم ومواقعها وأبراجها، ولها أسماء خاصة بلسانهم، وكان ~~لهم فيها ثلاثة مذاهب: مذهب الأرجهير، ومذهب الأركند، ومذهب ثالث يقال له ~~بالسنسكريتية سدهنتا # Siddhanta # وهو عبارة عن زيج ~~ذكروا فيه آراءهم في حركات الكواكب، وهو الذي وصل إلى العرب ونقلوه إلى لسانهم ~~وسموه السندهند. والهنود هم الذين اخترعوا الأرقام، وعنهم أخذها العرب، ولهم طرق ~~خاصة في الحساب اكتسبها العرب عنهم. وكان لهم معرفة بفن الموسيقى، ولهم فيها كتب ~~ترجم المسلمون بعضها إلى العربية وسيأتي ذكرها. ~~(5) الخلاصة # هذه حال العلوم في العالم وبعض نواحي المملكة الإسلامية لما عزم المسلمون على نقلها ~~إلى العربية، وقد رأيت أن أكثرها يونانية الأصل، وضعها اليونان في أيام وثنيتهم مع ما ~~اقتبسوه من الأمم التي تمدنت قبلهم. ثم تنوعت بالنصرانية وبانتقالها إلى الفرس ~~والسريان، على مقتضيات آداب تلك الأمم وعاداتهم. # وكان العراق على الخصوص حافلا بالعلماء، وفيهم الأطباء والفلاسفة والمنجمون ~~والحساب وغيرهم، ممن تجمعوا من بلاد فارس وما بين النهرين، وفيهم السريان والفرس ~~والروم والهنود. فلما أراد الخلفاء نقل تلك العلوم إلى لسانهم وجدوا بين ظهرانيهم من ~~يلبي الطلب ويفي بالغرض. ~~(5-1) العلوم الدخيلة (ما الذي حملهم على طلبها؟) # قد رأيت فيما كتبناه عن «العرب والقرآن والإسلام» أن المسلمين كانوا يعتقدون في ~~الصدر الأول «أن الإسلام يجب ما قبله»، وأنه «لا ينبغي أن يتلى غير ~~القرآن»، وبناء على ذلك هان عليهم إحراق ما عثروا عليه من كتب اليونان والفرس في ~~الإسكندرية وفارس. ثم اشتغلوا عن طلب تلك العلوم بما احتاجوا إليه في صدر الإسلام ~~من أسباب إنشاء الدولة، فأصبحوا لا عناية لهم إلا بالقرآن وأحكامه وما ترتب عليه من ~~العلوم الإسلامية في الفقه واللغة والمغازي وسير الفتح ونحو ذلك. وكان أهل البلاد ~~الأصليون من الروم والفرس يحببون إلى الخلفاء الاشتغال بعلوم الأوائل، وخصوصا الطب ~~والفلسفة وهم لا يصغون ولا يقبلون. يحكى أن ماسرجويه البصري من معاصري مروان بن ~~الحكم كان عالما في الطب، ms0501 وهو سرياني الجنس يهودي المذهب، وكان في أيامه كتاب في ~~الطب هو كناش (حاوي) من أفضل الكنانيش ألفه القس أهرون بن أعين في اللغة السريانية ~~فنقله ماسرجويه إلى العربية. فلما تولى عمر بن عبد العزيز وجد هذا الكتاب في خزائن ~~الكتب في الشام، فحرضه بعضهم على إخراجه إلى المسلمين للانتفاع به. فاستخار الله في ~~ذلك أربعين يوما ثم أخرجه إلى الناس وبثه في أيديهم # 198 # ويدلك ذلك على التردد الذي استولى على الخليفة في إخراج هذا الكتاب مع ~~أنه من كتب الطب وليس الفلسفة. # ولما اتسع سلطان المسلمين وفرغوا من إنشاء العلوم الإسلامية - وقد تأيدت دولتهم ~~وذهبت عنهم السذاجة والغفلة عن الصناعات، وأخذوا في أسباب الحضارة بالحظ الوافر ~~وتفننوا في الصناعات والعلوم - تشوقوا إلى الاطلاع على العلوم الفلسفية بما سمعوه ~~من الأساقفة والقساوسة وهان عليهم ذلك بالإسناد إلى الحديث النبوي القائل: «الحكمة ~~ضالة المؤمن، يأخذها ممن سمعها ولا يبالي في أي وعاء خرجت»، وقوله: «خذوا الحكمة ~~ولو من ألسنة المشركين»، # 199 # و«طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»، و«اطلبوا العلم من المهد إلى ~~اللحد»، و«اطلبوا العلم ولو بالصين». # 200 # على أنهم لم يقدموا على طلبها دفعة واحدة وإنما طلبوها تدريجا ~~تبعا لمقتضيات الأحوال. ~~(5-2) أول من اشتغل بها # أقدم من اشتغل من العرب بهذه العلوم النضر بن الحارث بن كلدة الثقفي، وهو ابن ~~خالة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان قد رحل إلى بلاد فارس وغيرها كأبيه الحارث الطبيب الشهير ~~في عصر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، واجتمع بالعلماء وعاشر الأحبار والرهبان وحصل من العلوم ~~القديمة أشياء جليلة، واطلع على علوم الفلسفة وأجزاء الحكمة وتعلم من أبيه صناعة ~~الطب. وكان يجاري أبا سفيان في عداوة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ لأنه ثقفي، وكان بنو ثقيف ~~حلفاء بني أمية. فكان النضر كثير الأذى للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، يتكلم فيه بأشياء كثيرة. ثم ~~وقع النضر أسيرا في واقعة بدر، فأمر النبي # صلى الله عليه وسلم # بقتله وذهب خبره. # 201 # على أن ms0502 النضر اقتصر من تلك العلوم على المطالعة ولم ينقل منها شيئا إلى ~~العربية. أما أول من اشتغل في نقلها فخالد بن يزيد الأموي المتوفى سنة 85ه حفيد ~~معاوية الأكبر، ويسمونه حكيم آل مروان. وكان طامعا في الخلافة بعد وفاة أخيه ~~معاوية الثاني، فغلبه على ذلك مروان بن الحكم وانتقلت به الخلافة من بيت أبي سفيان ~~إلى بيت مروان. فلما يئس خالد من الخلافة - وهو ذو مطامع وذكاء - انصرف ذهنه إلى ~~اكتساب العلى بالعلم. وكانت صناعة الكيمياء رائجة يومئذ في مدرسة الإسكندرية، ~~فاستقدم جماعة منهم راهب رومي اسمه مريانوس طلب إليه أن يعلمه صناعة الكيمياء، ~~فلما تعلمها أمر بنقلها إلى العربية، فنقلها له رجل اسمه إصطفان القديم # 202 # وهذا أول من نقل في الإسلام من لغة إلى لغة. # وكان خالد راغبا في علم النجوم أيضا، وأنفق الأموال في طلبه واستحضار آلاته، ~~ولعلهم ترجموا له شيئا منه لم يصلنا خبره. على أن بعض الذين اطلعوا على مكتبة ~~القاهرة في أواسط القرن الرابع للهجرة شاهدوا فيها كرة من نحاس من عمل بطليموس ~~وعليها مكتوب: «حملت هذه الكرة من الأمير خالد بن يزيد بن معاوية». # 203 # ويلي نقل خالد للكيمياء نقل ماسرجويه - أو ماسرجيس المتقدم ذكره - لكناش أهرون من ~~السرياني إلى العربي، وهو ثلاثون مقالة زاد عليه ماسرجويه مقالتين. # 204 ~~(6) نقل العلوم في العصر العباسي ~~(6-1) المنصور والنجوم والطب # أول الخلفاء العباسيين السفاح، ولم يعن بشيء من العلم لقصر مدة حكمه، ثم أفضت ~~الخلافة إلى أخيه المنصور (سنة 136-158ه) وكان شديدا حازما كثرت في أيامه الفتوح ~~فاضطر إلى حروب كثيرة، وقد طالت مدة حكمه لكنه قضى معظمها في تثبيت دعائم دولته ~~وبناء مدينته «بغداد». ~~(أ) النجوم # وكان المنصور مع براعته في الفقه ميالا إلى التنجيم لا يكاد يعمل عملا إلا ~~استشار المنجمين فيه، وهو أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم # 205 # واقتدى به أكثر الذين خلفوه. وكانت صناعة النجوم رائجة عند الفرس، ~~ونبغ فيها جماعة تقربوا بها إليه أشهرهم نوبخت المنجم الفارسي - كان ms0503 مجوسيا ~~وأسلم على يده، وكان بارعا في اقترانات الكواكب وحوادثها، وكان يصحب المنصور ~~حيثما توجه. ولما ضعف عن خدمته قال له المنصور: «أحضر ولدك ليقوم مقامك» فأحضره ~~وهو أبو سهل بن نوبخت # 206 # وتوالى آل نوبخت في خدمة العباسيين، وترجموا لهم كتبا في الكواكب ~~وأحكامها، وكانوا فضلاء ولهم رأي ومشاركة في علوم الأوائل. # وخدم المنصور أيضا في النجوم إبراهيم الفزاري المنجم وابنه محمد، وعلي بن ~~عيسى الأسطرلابي المنجم. # 207 # ونظرا لكلف المنصور بحركات الكواكب وحبه الاطلاع عليها قصده ~~أصحابها من بلاد فارس والهند والروم، وفي جملتهم رجل من الهند بارع في حساب ~~السدهنتا المتقدم ذكره جاءه سنة 156ه وعرض عليه كتابا في النجوم مع تعاديل ~~معمولة على مذاهب الهند، فأمر المنصور أن ينقل هذا الكتاب إلى العربية، وأن ~~يؤلف فيه كتاب يتخذه العرب أصلا في حركات الكواكب، فتولى ذلك محمد بن إبراهيم ~~الفزاري وعمل منه كتابا سماه المنجمون «السندهند الكبير» وظل أهل ذلك الزمان ~~يعملون به إلى أيام المأمون. # 208 # فاهتم الناس من ذلك الحين بعلم النجوم ومتعلقاتها، وجرهم النظر في الأفلاك ~~إلى الهندسة، فكتب المنصور إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعاليم مترجمة، ~~فبعث إليه بكتاب إقليدس وبعض كتب الطبيعيات # 209 # ولعل المجسطي من جملتها؛ لأنه في النجوم. والظاهر أن ترجمة هذه ~~الكتب لم تكن مضبوطة؛ لأننا رأينا إقليدس والمجسطي في جملة ما ترجم للرشيد ~~والمأمون. وجملة القول أن رغبة المنصور في النجوم دعت إلى ترجمة بعض كتب ~~النجوم وما يتعلق بها. ~~(ب) الطب # ومما اهتموا بنقله من العلوم الطبيعية في أيام المنصور الطب. والسبب في ذلك ~~أن المنصور أصابه في أواخر أيامه (سنة 148ه) مرض في معدته فانقطعت شهوته، ~~وكان الأطباء القائمون في خدمته يعالجونه ولا يجدي علاجهم نفعا. فجمعهم يوما ~~وقال لهم: «هل تعرفون من الأطباء في سائر المدن طبيبا ماهرا؟» فقالوا: «ليس ~~في وقتنا هذا أحد يشبه جورجيس رئيس أطباء جنديسابور». وهو جورجيس بن بختيشوع ~~السرياني، فقد كان ماهرا في الطب وله فيه مصنفات باللغة ms0504 السريانية، وكان من ~~الذكاء والفضل على جانب عظيم، حتى أصبح رئيس أطباء مارستان جنديسابور أشهر ~~مدارس الطب في تلك الأيام. فبعث المنصور في طلبه على عجل، فلما جاء الرسول إلى ~~جورجيس أراد استمهاله فهدده بالقتل إذا أبطأ. فعهد بأمر المارستان إلى ابنه ~~بختيشوع، واصطحب اثنين من تلامذته هما إبراهيم وعيسى بن شهلا وركب إلى بغداد. ~~فلما وصل استقدمه المنصور إليه فدخل ودعا له بالفارسية والعربية. وكان جورجيس ~~ذا هيبة ووقار وفصاحة، فوقع عند المنصور موقعا حسنا فأجلسه أمامه وسأله بعض ~~الأسئلة فأجابه عليها بسكون، فازداد إعجابا به فأخبره عن علته من ابتدائها. ~~فقال له جورجيس: «أنا أدبرك كما تحب» فخلع عليه وأنزله في قصر خاص وأمر ~~بإكرامه. ورجع في الغد ونظر في قارورة الماء (زجاجة البول) ودبره تدبيرا ~~لطيفا، فشفي ورجع إلى مزاجه فازداد فرحه به ومنعه من الرجوع إلى بلده. ومما ~~زاده رغبة فيه أنه رآه عفيفا صادقا في تدينه. وكان المنصور قد علم أن ~~جورجيس خلف امرأته في جنديسابور وليس عنده في بغداد من يخدمه، فأرسل إليه ثلاث ~~جوار روميات وثلاثة آلاف دينار فقبل الدنانير ورد الجواري، فلما عاتبه المنصور ~~في الغد أجابه: «إننا معشر النصارى لا نتزوج إلا بامرأة واحدة، وما دامت المرأة ~~حية لا نأخذ غيرها» # 210 # فحسن موقع ذلك عند المنصور وأطلق له الدخول إلى حظاياه وحرمه ~~ليطببهن، وتعلق به تعلقا شديدا. # وكان جورجيس محبا للتأليف كما رأيت، وكان يعرف اللغة اليونانية فضلا عن ~~السريانية والفارسية والعربية. فلما رأى وثوق المنصور به نقل له كتبا طبية من ~~اليونانية إلى العربية، غير ما ألفه في السريانية. أما التأليف في الطب فقد ~~سبقه إليه أكثر الأطباء الذين خدموا المسلمين على عهد بني أمية. وكان الطبيب ~~إذا خدمهم ألف لنفسه أو لولده أو لأحد تلامذته كتابا أو غير كتاب في الفن الذي ~~يتعاطاه. والغالب أن يؤلفوا الكنانيش، كالكناش الذي ألفه ثياذوق المتوفى سنة ~~90ه طبيب الحجاج، ألف لابنه وألف له أيضا كتابا في الأدوية ومعالجتها. وتوالى ~~آل بختيشوع ms0505 في خدمة العباسيين وخدموا الطب والعلم في ظلهم خدمة نافعة. # فالمنصور أول من عني بنقل الكتب القديمة، ولكنه اقتصر منها على النجوم ~~والهندسة والطب. وفي أيامه ترجم ابن المقفع كليلة ودمنة. وأما الفلسفة والمنطق ~~وسائر العلوم العقلية فترجمت في أيام المأمون. وقد ذكر صاحب الفهرست أن ابن ~~المقفع نقل من الفارسية إلى العربية كتبا في المنطق والطب كان الفرس قد نقلوها ~~عن اليونانية. فلعله نقلها لنفسه. ~~(6-2) المهدي والرشيد # أما المهدي (158-169ه) فإنه اشتغل عن العلم بما ظهر في أيامه من البدع الدينية، ~~وما انتشر من كتب ماني وابن دميان ومرقيون مما نقله ابن المقفع وغيره ~~وترجمت من الفارسية والفهلوية إلى العربية، وما ~~صنفوه في تأييد هذه المذاهب في العربية، فكثر الزنادقة وظهرت آراؤهم في الناس، ~~فأمر المهدي أهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب لإبطال تلك المذاهب. أما الهادي، ~~فلم تطل أيامه ولم يأت أمرا يذكر. # فلما أفضت الخلافة إلى الرشيد (170-193ه) كانت الأفكار قد نضجت والأذهان قد زادت ~~تنبها إلى علوم الأقدمين بما كان يتقاطر إلى بغداد من الأطباء والعلماء من السريان ~~والفرس والهنود. وكانوا أهل تمدن وعلم كما رأيت، وكانوا يتعلمون العربية ويعاشرون ~~المسلمين ويباحثونهم في تلك العلوم، والمسلمون يتهيبون من ذلك لما سبق إلى أذهانهم ~~من مخالفته للدين إلا الكتب الطبية فكانوا يرغبون في نقلها أو مطالعتها. ولكن ~~الأطباء أنفسهم كانوا يومئذ من غير المسلمين، ويغلب أن يكونوا من محبي الفلسفة ~~والمنطق، وكانوا من الجهة الثانية يخدمون الخلفاء ويجالسونهم ويعاشرونهم كأنهم ~~بعض أهلهم كما سترى. فأدى ذلك إلى ائتلاف الخلفاء بذكر الفلسفة، وأصبحوا إذا فتحوا ~~بلدا ووجدوا فيه كتبا لا يأمرون بإحراقها أو إعدامها، بل يأمرون بحملها إلى ~~عاصمتهم والاحتفاظ بها لنقلها إلى لسانهم، كما اتفق للرشيد في أثناء حربه في أنقرة ~~وعمورية وغيرهما من بلاد الروم، فإنه عثر هناك على كتب كثيرة حملها إلى بغداد ~~وأمر طبيبه يوحنا بن ماسويه بترجمتها # 211 # ولكنها ليست من الفلسفة في شيء وإنما هي في الطب اليوناني. # 212 # وفي أيام ms0506 الرشيد نقل كتاب إقليدس النقلة الأولى على يد الحجاج بن مطر، وتسمى ~~الهارونية تمييزا لها عن النقلة المأمونية التي نقلها للمأمون. # 213 # وفي أيامه نقل المجسطي إلى العربية، وأول من عني بنقله يحيى بن خالد البرمكي، ~~ففسره له جماعة لم يتقنوه فندب لتفسيره أبا حسان وسلما صاحب بيت الحكمة، فأتقناه ~~واجتهدا في تصحيحه. ~~(6-3) المأمون والفلسفة والمنطق # فالكتب الفلسفية لم يقدم المسلمون على ترجمتها إلا في أيام المأمون، لسبب متصل ~~بالمأمون نفسه، وذلك أن المسلمين تعودوا من أول الإسلام حرية الفكر والقول ~~والمساواة فيما بينهم، فكان إذا خطر لأحدهم رأي في خليفة أو أمير لا تمنعه هيبة ~~الملك من إبداء رأيه. وكان ذلك شأنهم أيضا في الدين، فإذا فهم أحدهم من الآية أو ~~الحديث غير ما فهمه الآخر صرح برأيه وجادله فيه. فلم ينقض عصر الصحابة حتى أخذ ~~المسلمون يفترقون في المذاهب، ولم يدخل القرن الثاني حتى تعددت الفرق وتفرعت، وفي ~~جملتها المعتزلة. والمعتزلة طوائف كثيرة، أساس مذهبهم تطبيق الأحكام العقلية على ~~النصوص الدينية، ولو طالعت مذاهبهم لرأيت بعضها يوافق أحدث الآراء الانتقادية في ~~الدين مع مرور الأجيال على تمحيصها. ولذلك فهم يسمون أصحاب العدل والتوحيد. ~~(6-4) المأمون والاعتزال # ظهر مذهب الاعتزال في أواخر القرن الأول للهجرة، وكثر أشياعه بسرعة لارتياح العقل ~~إلى أدلته. وقد تقدم في كلامنا عن الفقه أن المنصور أخذ يناصر أصحاب الرأي ~~والقياس واستقدم أبا حنيفة إلى بغداد ونشطه لهذه الغاية، وظل الميل إلى القياس ~~متواصلا في بني العباس. والاعتزال أقرب المذاهب إلى أصحاب الرأي؛ لأن عمدة ~~المعتزلة في إثبات مذهبهم البرهان العقلي، ولذلك كانوا إذا رأوا رجلا مطلعا على ~~منطق أرسطو أو أقواله في الجدل ونحوه استعانوا بما يسمعونه منه في تأييد مذهبهم، ~~واحتاجوا إلى ذلك، خصوصا في أيام المهدي لدفع أقوال الزنادقة كما تقدم. فلعلهم ~~احتاجوا إلى الاستعانة بمنطق اليونان وفلسفتهم، أو شعروا باحتياجهم إليها على ~~الأقل، وأخذوا في إنشاء علم الكلام. وكان البرامكة من أصحاب الرأي أيضا، وفيهم ~~ذكاء وميل إلى العلم، فاشتغلوا ms0507 في ترجمة الكتب القديمة قبل المأمون # 214 # وكانوا يعقدون مجالس المباحثة والمجادلة في منازلهم ولكن يظهر أن ~~الرشيد لم يكن يوافقهم على ذلك فلم يتظاهروا به. # فلما أفضت الخلافة إلى المأمون (198-218ه) تغير وجه المسألة؛ لأنه كان مع فطنته ~~وسعة علمه شديد الميل إلى القياس العقلي. وقد تعلم وتفقه وطالع ما نقل إلى عهده من ~~كتب القدماء، فازداد رغبة في القياس والرجوع إلى أحكام العقل، فتمسك بمذهب الاعتزال ~~وقرب إليه أشياخه كأبي الهذيل العلاف وإبراهيم بن سيار النظام، وجالس المتكلمين ~~فتمكن من مذهب الاعتزال. فأخذ يناصر أشياعه وصرح بأقوال لم يكونوا يستطيعون التصريح ~~بها خوفا من غضب الفقهاء، وفي جملتها القول بخلق القرآن أي أنه غير منزل. وكان ~~المسلمون في أيام الرشيد يخافون في ذلك؛ لأنه ظهر فيه قبل توليه الخلافة، وكان ~~الفضيل بن عياض يتمنى طول عمر الرشيد لما تبين له من أمر المأمون من هذا القبيل ~~... # فلما تظاهر المأمون بالاعتزال وقال بخلق القرآن، قامت قيامة الفقهاء وعظم ذلك على ~~غير المعتزلة وهم أكثر عددا، ولم يعد في وسعه الرجوع عن قوله فعمل على تأييده ~~بالبرهان، وجعل يعقد المجلس للمناظرة في هذا الموضوع. # 215 # وتأييدا لصحة الجدل أمر بنقل كتب الفلسفة والمنطق من اليونانية إلى ~~العربية، واطلع هو عليها فقويت حجته وازداد تمسكا بالاعتزال. ولما يئس من إقناع ~~الناس بالبرهان والقياس عمد إلى العنف، باشر ذلك في العام الأخير من حكمه وهو خارج ~~بغداد، فكتب إلى عامله فيها إسحاق بن إبراهيم أن يمتحن القضاة والشهود وجميع أهل ~~العلم بالقرآن، فمن أقر أنه مخلوق محدث خلى سبيله ومن أبى فليعلمه به # 216 # فالراجح عندنا أن المأمون، لسعة علمه وحرية فكره ورغبته في القياس ~~العقلي، لم يكن يرى بأسا من نقل علوم اليونان إلى العربية، وأنه بدأ بنقل كتب ~~الفلسفة والمنطق تأييدا لمذهب الاعتزال، ثم جعل الترجمة عامة لكل مؤلفات أرسطو في ~~الفلسفة وغيرها. وقد ابتدأ بترجمة تلك الكتب في أعوام بضعة عشر ومائتين، فتلقى ~~المعتزلة تلك الفلسفة تلقي الظمآن لموارد ms0508 الماء، وأقبلوا على تصفحها والتبحر ~~فيها فاشتد ساعدهم بها # 217 # فتولد من اشتغال المسلمين بالفلسفة علم الكلام # 218 # كما تولد من اشتغال النصارى بها «الفلسفة الأفلاطونية الجديدة». ~~(6-5) المأمون ونقل الكتب # وقد ذكروا لمباشرة المأمون نقل تلك الكتب أسبابا كثيرة. قال أبو إسحاق النديم ~~صاحب كتاب الفهرست في سبب ذلك: إن المأمون رأى في منامه أرسطوطاليس الحكيم وسأله ~~بعض الأسئلة، فلما نهض من منامه طلب ترجمة كتبه، فكتب إلى ملك الروم يسأله الإذن في ~~إنقاذ ما يختار من كتب العلوم القديمة المدخرة ببلد الروم، فأجابه إلى ذلك بعد ~~امتناع. فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجاج بن مطر وابن البطريق، وسلما صاحب ~~بيت الحكمة وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل. # 219 # وذكر نحو ذلك ابن أبي أصيبعة صاحب طبقات الأطباء، وأبو الفرج صاحب مختصر الدول ~~وغيرهما. والغالب في ظننا أنهم نقلوا ذلك عن ابن إسحاق المذكور. ومهما يكن السبب، ~~فلا مشاحة في أن المأمون بذل جهده في استخدام التراجمة لنقل تلك الكتب وغيرها. ~~وكان ينفق في سبيل ذلك بسخاء، حتى أعطى وزن ما يترجم له ذهبا. وكان لشدة عنايته في ~~النقل يضع علامته على كل كتاب يترجم له. وكان يحرض الناس على قراءة تلك الكتب ~~ويرغبهم في تعلمها، وكان يخلو بالحكماء ويأنس بمناظراتهم ويلتذ بمذاكراتهم. # 220 # واقتدى بالمأمون كثيرون من أهل دولته، وجماعة من أهل الوجاهة والثروة في بغداد، ~~فتقاطر إليها المترجمون من أنحاء العراق والشام وفارس، وفيهم النساطرة واليعاقبة ~~والصابئة والمجوس والروم والبراهمة، يترجمون من اليونانية والفارسية والسريانية ~~والسنسكريتية والنبطية واللاتينية وغيرها. وكثر في بغداد الوراقون وباعة الكتب، ~~وتعددت مجالس الأدب والمناظرة، وأصبح هم الناس البحث والمطالعة، وظلت تلك النهضة ~~مستمرة بعد المأمون إلى عدة من خلفائه، حتى نقلت أهم كتب القدماء إلى العربية. ~~(6-6) نقلة العلم في العصر العباسي # رأيت فيما تقدم أن السريان كانوا في نهضة علمية قبل الإسلام، وأنهم أخذوا في ~~نقل كتب اليونان إلى لسانهم، ودرسوا كثيرا منها وخصوصا الفلسفة ms0509 والطب، وبرزوا في ~~هذه الصناعة حتى تولى بعضهم رئاسة مارستان جنديسابور كما تقدم، وأن اللغة اليونانية ~~كانت تعلم في مدارسهم. فلما انتقل كرسي الخلافة إلى بلادهم «العراق» وعمرت بغداد ~~بالوافدين من أطراف المملكة الإسلامية وغيرها، كان أولئك السريانيون من جملة الوفود ~~التماسا للرزق، فتعلموا لسان العرب كما نتعلم نحن لغة الإنجليز اليوم لهذا السبب. ~~وطاب لهم الاختلاط بالعرب - أو المسلمين - لما آنسوه من عدل العباسيين في أول ~~دولتهم، وإطلاق حرية الأديان لرعاياهم، حتى كثيرا ما كانوا يوسطونهم في فض الخلاف ~~بين طوائفهم أو أساقفتهم. ولهذا السبب أيضا انتقل جماعة من الفرس إلى بغداد، ~~وكانوا أهل دولة وحكومة، فاستخدمهم الخلفاء في إدارة شؤون حكومتهم، وفيهم جماعة ~~كبيرة من أهل العلم والأدب، واستقدم الخلفاء أيضا جماعة من أطباء الهند للانتفاع ~~بطبهم. # فلما أراد الخلفاء نقل كتب العلم إلى العربية، كان واسطة ذلك النقل أهل العراق ~~والشام وفارس والهند. فرغبهم الخلفاء في ذلك بالبذل الكثير وجعلوا لبعضهم رواتب ~~وأرزاقا، وبالغوا في إكرامهم ومحاسنتهم، فتكاثروا، وأكثرهم من السريان النساطرة؛ ~~لأنهم أقدر على الترجمة من اليونانية، وأكثر اطلاعا على كتب الفلسفة والعلم ~~اليوناني، وفيهم جماعة من أهل فارس والهند وغيرهم، للنقل من الفارسية أو الهندية، ~~وكان أكثرهم تتوالى الترجمة في أعقابه فيتولاها هو وأولاده وأحفاده. وإليك أشهر ~~نقلة العلم في العصر العباسي: ~~(1) # آل بختيشوع: # وهم من السريان ~~النساطرة، وأولهم جورجيس بن بختيشوع طبيب المنصور، وقد تقدم ذكره، ~~وخلفه عندهم ابنه بختيشوع ابن جورجيس استقدمه الرشيد من جنديسابور كما ~~استقدم المنصور أباه قبله، فلما دخل على الرشيد دعا له بالفارسية ~~والعربية، فقال الرشيد لوزيره يحيى: امتحنه، فدعا يحيى الأطباء ~~لامتحانه - وهم أبو قريش عيسى وعبد الله الطيفوري وداود بن سرابيون ~~وغيرهم - فلما رأوه قال أبو قريش: «يا أمير المؤمنين، ليس في الجماعة ~~من يقدر على الكلام مع هذا، لأنه كون الكلام وهو وأبوه وجنسه فلاسفة». ~~ويدل ذلك على منزلة آل بختيشوع من العلم والفلسفة. فولاه الرشيد رئاسة ~~الأطباء، وخلفه فيها ابنه جبريل وكان حظيا عند الخلفاء ms0510 ونال جوائزهم ~~وعطاياهم. وكان له من الرواتب شيء كثير قد فصلناه في الجزء الثاني من ~~هذا الكتاب. وخلفه ابنه بختيشوع بن جبريل، وقد بلغ من عظم المنزلة ~~والحال وكثرة المال ما لم يبلغه أحد من أطباء عصره. ومنهم جبريل بن ~~عبيد الله بن بختيشوع خدم المقتدر العباسي. وخلفه عبيد الله بن جبريل. ~~فهؤلاء ستة من آل بختيشوع، كلهم من مهرة الأطباء، ولم يعن بالترجمة ~~منهم إلا جورجيس الأول. وإنما أوردنا ذكرهم لأن أكثرهم ألف في الطب ~~كتبا مفيدة، وبعضهم استخدم التراجمة في نقل بعض كتب الطب إلى السريانية. # 221 ~~(2) # آل حنين: # أولهم حنين بن إسحاق ~~العبادي شيخ المترجمين، وهو من نصارى الحيرة. ولد سنة 194ه وكان أبوه ~~صيرفيا، ولما ترعرع انتقل إلى البصرة فتلقى فيها العربية، ثم انتقل ~~إلى بغداد ليشتغل بصناعة الطب، فلقي في ذلك مشقة؛ لأن الأطباء - ~~وخصوصا أهل جنديسابور - كانوا يكرهون أن يدخل في صناعتهم أبناء ~~التجار. وكان أعمر مجالس الطب في بغداد يومئذ مجلس يوحنا بن ماسويه أحد ~~متخرجي مارستان جنديسابور، فجعل حنين يحضره. فاتفق أنه سأله مرة مسألة ~~مما كان يقرأه عليه، فغضب يوحنا وقال: «ما لأهل الحيرة وصناعة الطب؟ ~~فسر إلى فلان قرابتك، حتى يهب لك خمسين درهما، تشتري بها قفافا ~~صغارا بدرهم، وزرنيخا بثلاثة دراهم، واشتر بالباقي فلوسا كوفية ~~وفارسية، وزرنخ القادسية في تلك القفاف، واقعد على الطريق وصح: ~~الفلوس الجياد للصدقة والنفقة! وبع الفلوس، فإنه أعود عليك من هذه ~~الصناعة ...» ثم أمر به فأخرج من داره ... # فخرج حنين باكيا مكروبا، وقد بعثه ذلك على زيادة النشاط للسعي في ~~تعلم الطب بلغته الأصلية. فغاب عن بغداد سنتين، ثم عاد وقد تعلم ~~اليونانية وآدابها في الإسكندرية وحفظ أشعار هوميروس # 222 # فأصبح أعلم أهل زمانه بالسريانية واليونانية والفارسية ~~فضلا عن العربية، وأصبح أطباء بغداد في حاجة إليه لنقل الكتب، حتى ابن ~~ماسويه نفسه فإنه استخدمه في نقل بعض كتب جالينوس إلى السريانية ~~وبعضها إلى العربية، واحتذى فيها حذو الإسكندرانيين. # 223 # وترجم أيضا لجبريل بن بختيشوع ms0511 كتاب التشريح لجالينوس، ~~وكان جبريل يخاطبه بالتبجيل فيقول له: «ربن حنين» في اصطلاح السريان ~~أي: «يا معلمنا حنين». ولما أراد المأمون نقل فلسفة اليونان إلى ~~العربية سأل عمن يستطيع ذلك فأرشدوه إلى حنين؛ لأنه لم يكن ثمة من ~~يضاهيه وهو لا يزال شابا، فأخرج المأمون جماعة من التراجمة وهم ~~الحجاج بن مطر وابن البطريق وسلم صاحب بيت الحكمة وغيرهم وعليهم حنين ~~المذكور ليصلح ما يترجمونه. # وكان المأمون يعطيه من الذهب زنة ما ينقله إلى العربية مثلا بمثل، ~~ولذلك فقد كان حنين يكتب الترجمة بحروف غليظة وأسطر متفرقة على ورق ~~غليظ جدا لتعظيم حجم الكتاب وتكثير وزنه. وذكر أن حنينا رحل بنفسه ~~في طلب الكتب من بلاد الروم لنقلها، وكان يترجم أيضا لبني شاكر الآتي ~~ذكرهم ولغيرهم. # وكان لحنين ولدان: داود وإسحاق، صنف لهما كتبا طبية في المبادئ ~~والتعليم، ونقل لهما كتبا كثيرة من مؤلفات جالينوس، فأفلح إسحاق ~~وتميز، واشتغل في الترجمة مثل أبيه من اليونانية إلى العربية، إلا أن ~~عنايته كانت مصروفة إلى نقل كتب الحكمة، مثل كتب أرسطوطاليس وغيره من ~~الحكماء. # أما أبوه فكان أكثر اشتغاله في نقل كتب الطب، وخصوصا كتب جالينوس. ~~ويندر أن يوجد من جالينوس كتاب إلا وهو بنقل حنين أو بإصلاحه، وما لم ~~يكن كذلك لم يكن معتبرا عندهم، لبراعة حنين في العربية فضلا عن تمهره ~~بصناعة الطب. واشتغل حنين في زمن المتوكل (تولى سنة 233ه) فاختاره ~~لرئاسة الترجمة، فعين جماعة من التراجمة كإصطفان بن باسيل وموسى بن ~~خالد، فكانوا يترجمون ويتصفح حنين ترجماتهم وينقحها. وكان يلبس زنارا ~~على عادة النصارى في تلك الأيام، وتوفي سنة 264ه. # واشتهر ابنه إسحاق أيضا، وأكثر نقله من كتب أرسطو في الفلسفة ~~وشروحها، وكان مع أبيه ثم انقطع للقاسم بن عبيد الله وزير المعتضد، ~~وكان يفضي إليه بأسراره، وله - فضلا عن المنقولات - مؤلفات في الطب ~~والصيدلة وغيرهما. ~~(3) # حبيش الأعسم الدمشقي: # هو حبيش بن ~~الحسن الدمشقي ابن أخت حنين بن إسحاق، وقد تعلم صناعة الطب منه، وكان ~~قد سلك مسلكه ms0512 في الترجمة. وقيل من جملة سعادة حنين صحبة حبيش له، فإن ~~أكثر ما نقله حبيش نسب إلى حنين، وكثيرا ما يرى الناس شيئا من الكتب ~~القديمة مترجما بنقل حبيش فيظنه لحنين وقد صحف، فيكشطه ويجعله لحنين. # 224 ~~(4) # قسطا بن لوقا البعلبكي: # وهو من ~~نصارى الشام، وكان طبيبا حاذقا وفيلسوفا نبيلا، رحل إلى بلاد الروم ~~في طلب العلم، وكان عالما باللغات اليونانية والسريانية والعربية ونقل ~~كتبا كثيرة من اليونانية إلى العربية، وكان جيد النقل وأصلح نقولا ~~كثيرة وألف رسائل عديدة في الطب، وكان حسن العبارة جيد القريحة. وفضلا ~~عما نقله فله مؤلفات كثيرة في الطب والتاريخ والفلسفة والجبر والمقابلة ~~والهندسة والمنطق والأدب والدين، ما يزيد على مائة كتاب. قال أبو الفرج ~~الملطي: «لو قلت حقا لقلت: إنه أفضل من صنف كتابا، بما احتوى عليه ~~من العلوم والفضائل وما رزق من الاختصار للألفاظ وجمع المعاني». ~~(5) # آل ماسرجويه: # أولهم ماسرجويه، ~~متطبب البصرة، وهو يهودي المذهب سرياني اللغة. وكان ينقل من السرياني ~~إلى العربي، وقد تقدم ذكره. ثم ابنه عيسى بن ماسرجويه، وكان يلحق بأبيه ~~ولهما مؤلفات في الطب. ~~(6) # آل الكرخي: # أولهم شهدي الكرخي من ~~أهل الكرخ، وكان قريب الحال في الترجمة، ثم ابنه وكان مثل أبيه في ~~النقل ثم فاق أباه في آخر عمره، ولم يزل متوسطا. وكان ينقل من ~~السرياني إلى العربي. ~~(7) # آل ثابت: # أولهم ثابت بن قرة ~~الحراني، وهو من الصابئة المقيمين في حران. وكان صيرفيا ثم تعلم الطب ~~والفلسفة والنجوم، وكان مع ذلك يعرف اللغة السريانية جيدا، وكان جيد ~~النقل إلى العربية، وله تصانيف كثيرة في الرياضيات والطب والمنطق، وله ~~في السريانية كتاب في مذهب الصابئة، وكان في خدمة المعتضد العباسي، ~~وبلغ عنده أجل المراتب، حتى كان يجلس في حضرته في كل وقت، ويحادثه ~~طويلا ويضاحكه، فيقبل عليه دون وزرائه وخاصته. يليه ابنه سنان بن ~~ثابت، وكان مقدما عند القاهر بالله، وله تصانيف كثيرة، وكذلك ابنه ~~ثابت بن سنان، ولكنهما لم ينقلا شيئا. ~~(8) # الحجاج بن مطر: # كان في جملة من ms0513 ~~ترجم للمأمون، وقد نقل كتاب المجسطي وإقليدس إلى العربية، ثم أصلح نقله ~~فيما بعد ثابت بن قرة الحراني. ~~(9) # ابن ناعمة الحمصي: # هو عبد المسيح ~~بن عبد الله الحمصي الناعمي، كان متوسط النقل وهو إلى الجودة أميل. ومن ~~بيت الناعمة الحمصي أيضا زروبا بن مانحوه، وكان أضعف من سابقه. ~~(10) # إصطفان بن باسيل: # كان يقارب حنين ~~بن إسحاق في جودة النقل، إلا أن عبارة حنين كانت أفصح وأحلى. ~~(11) # موسى بن خالد: # ويعرف بالترجمان، ~~نقل كتبا كثيرة من الستة عشر لجالينوس، وهو دون حنين. ~~(12) # سرجيس الرأس عيني: # هو من مدينة ~~رأس العين في العراق، نقل كتبا كثيرة، وكان متوسطا في النقل، وحنين ~~كان يصلح نقله. ~~(13) # يوحنا بن بختيشوع: # هو من غير آل ~~بختيشوع المتقدم ذكرهم، وكان ينقل الكتب من اليوناني إلى السرياني وليس ~~إلى العربي. ~~(14) # البطريق: # كان في أيام المنصور وقد ~~أمره بنقل أشياء من الكتب القديمة، وله نقل كثير جيد إلا أنه دون نقل ~~حنين. ~~(15) # يحيى بن البطريق: # كان في جملة ~~الحسن بن سهل، وكان لا يعرف العربية حق معرفتها ولا اليونانية وإنما ~~كان يعرف اللاتينية. # 225 ~~(16) # أبو عثمان الدمشقي: # كان من النقلة ~~المجيدين إلى العربية. ~~(17) # أبو بشر متى بن يونس: # من أهل دير ~~قنى، تفقه في مدرسة مارماري على أساتذة عظام، وإليه انتهت رئاسة ~~المنطقيين في عصره. ~~(18) # يحيى بن عدي: # هو من أهل المنطق في ~~القرن الرابع للهجرة، قرأ على متى بن يونس وعلى أبي نصر الفارابي، وهو ~~يعقوبي المذهب خلافا لأكثر المترجمين السريان (إذ كانوا نساطرة) وكان ~~سريع الخط يكتب في اليوم والليلة مائة ورقة. # 226 # هؤلاء أشهر نقلة العلم من اليوناني أو السرياني إلى العربي. وقد اكتفينا بما تقدم ~~للاختصار. # وأما النقلة من الألسنة الأخرى، فمنهم من نقل من الفارسية إلى العربية كابن ~~المقفع وآل نوبخت، وقد تقدم ذكر نوبخت كبيرهم ولابنه الفضل بن نوبخت نقل من الفارسي ~~إلى العربي في النجوم وغيرها. ومنهم موسى ويوسف ابنا خالد، وكانا يخدمان داود بن ~~عبد الله بن حميد بن قحطبة، وينقلان ms0514 له من الفارسية إلى العربية، وعلي بن زياد ~~التميمي ويكنى أبا الحسن نقل من الفارسي إلى العربي كتاب زيج الشهريار، والحسن ~~بن سهل وكان من المنجمين. والبلاذري أحمد بن يحيى، وجبلة بن سالم كاتب هشام، وإسحاق ~~بن يزيد نقل سيرة الفرس المعروفة باختيار نامه. ومنهم محمد الجهم البرمكي، وهشام بن ~~القاسم، وموسى بن عيسى الكردي، وعمر بن الفرخان وغيرهم. # ومن الذين نقلوا من اللغة السنسكريتية (الهندية) منكه الهندي، كان في جملة إسحاق ~~بن سليمان بن علي الهاشمي ينقل من اللغة الهندية إلى العربية، وابن دهن الهندي وكان ~~إليه مارستان البرامكة نقل من الهندي إلى العربي. # 227 # ومن الذين نقلوا من اللغة النبطية (الكلدانية) إلى العربية ابن وحشية، نقل كتبا ~~كثيرة سيأتي ذكرها. ~~(6-7) السوريون ونقل العلم # إذا تدبرت ما تقدم من أخبار النقلة ومواطنهم ومللهم، رأيت معظمهم من السوريين ~~سكان الشام والجزيرة والعراق. وللسوريين شأن كبير في نشر العلوم بين الأمم ونقلها ~~من أمة إلى أخرى أو من لسان إلى لسان من أقدم أزمنة التاريخ، يساعدهم على ذلك ~~نشاطهم وذكاؤهم وإقدامهم وتوسط بلادهم بين الشرق والغرب. # فالسوريون (أو الفينيقيون) هم الذين نشروا أحرف الهجاء في العالم قبل الميلاد ~~ببضعة عشر قرنا، فحملوها معهم في أثناء أسفارهم التجارية إلى بلاد اليونان ~~والكلدان، ولا تزال صورها وأسماؤها عند سائر أمم العالم المتمدن شاهدة بذلك إلى ~~اليوم. وهم الذين توسطوا في نقل العلوم والآداب بين المصريين والكلدانيين، ثم ~~نقلوها إلى اليونان القدماء كما تقدم. وكانوا يدرسون اللغات اليونانية والقبطية ~~والبابلية وغيرها من لغات ممالك الأمم المتمدنة في تلك العصور، كما يدرسون اليوم ~~الإنجليزية والفرنسية وغيرهما من لغات ممالك التمدن الحديث، لنقل العلم أو الاتجار ~~أو الانتفاع من الخدمة في مصالح تلك الدول. # ولما تمدن اليونان واستنبطوا الفلسفة والمنطق وغيرهما، ونضجت علومهم وانتقلت ~~بفتوح الإسكندر إلى العراق والشام، تلقاها السوريون ونقلوها إلى لسانهم وأضافوا ~~إليها بعد انتشار النصرانية الآداب النصرانية اليونانية، وحفظوها مع الفلسفة ~~اليونانية في أديرتهم، ثم كانت مصدرا للعلم والفلسفة إلى بلاد ms0515 فارس والهند ~~وغيرهما. # وكان السوريون في دولة الفرس الساسانية الواسطة الكبرى في نقل علوم اليونان وطبهم ~~وفلسفتهم إلى الفرس. ولما بنى كسرى أنوشروان مارستان جنديسابور لتعليم الطب ~~والفلسفة كما تقدم، كان جل معتمده في ذلك على نصارى العراق والجزيرة، ناهيك بما حفظ ~~من الآداب السامية على صبغته الوثنية في حران؛ لأن أهلها ظلوا على ديانتهم ~~القديمة. غير ما حفظه أهل العراق من آداب قدماء الكلدان وعلومهم. # فلما ظهر الإسلام وأراد الخلفاء نقل العلوم إلى العربية، كان السوريون ساعدهم ~~الأقوى في نقلها من اللغات المعروفة في ذلك العهد، وفيهم الحمصي والبعلبكي والدمشقي ~~والحيري والحراني والبصري. ونقل العلوم من لسان إلى آخر لا يتيسر إلا باستيعاب تلك ~~العلوم وتفهمها، فضلا عن إتقان اللغات اللازمة لذلك. ولهذا كان أكثر أولئك ~~المترجمين من أهل العلم الواسع فيما اشتغلوا بنقله، وفيهم من ألف في أكثر فروع ~~العلم أو الفلسفة أو المنطق أو الطب وغيرها. # وذلك شأن السوريين أيضا في علوم التمدن الحديث، فقد كانوا من أكثر الناس ~~اشتغالا في نقلها من لغات أوربا المختلفة إلى اللغة العربية، ولا يزالون في ذلك ~~إلى اليوم. ~~(6-8) نقل العلم لغير الخلفاء # قد رأيت فيما تقدم أن الخلفاء هم الذين سعوا في نقل كتب العلم على يد التراجمة، ~~فلما نقل بعض تلك الكتب واطلع عليها أهل بغداد، نهض جماعة من كبرائهم واقتدوا ~~بالخلفاء في نقلها، واستخدموا التراجمة وبذلوا الأموال في البحث عنها ~~وترجمتها. # وأشهر هؤلاء الثلاثة يعرفون ببني شاكر أو بني موسى؛ لأنهم أولاد موسى بن شاكر، ~~وهم: محمد وأحمد والحسن، ويعرف أولادهم بعدهم ببني المنجم. وكان والدهم موسى يصحب ~~المأمون، والمأمون يرعى حقه في أولاده هؤلاء. أما موسى فلم يكن من أهل العلم ~~والأدب، بل كان في حداثته لصا يقطع الطريق ويتزيا بزي الجند، وكان شجاعا مجربا. ~~وكان يصلي العتمة مع جيرانه في المسجد ثم يخرج متنكرا فيقطع الطريق على فراسخ ~~كثيرة في طريق خراسان، ويركب فرسا له أشقر يشد على قوائمه خرقا بيضاء ليوهم من ~~يراه في ms0516 الليل أنه محجل. وكان له جاسوس يأتيه بخبر من يخرج ومعه مال، وربما لقي ~~الجماعة وفارسهم وغلبهم فينصرف من ليلته فيصلي الصبح مع الجماعة في المسجد. فلما ~~كثر فعله واشتهر اتهم، فشهد له الجماعة بملازمته الصلاة معهم فاشتبه أمره. ثم ~~إنه تاب ومات وخلف هؤلاء الثلاثة صغارا، فوصى بهم المأمون إسحاق بن إبراهيم ~~المصعبي وأثبتهم مع يحيى بن أبي منصور في بيت الحكمة. وكان المأمون إذا سافر بعث ~~إلى إسحاق أن يراعيهم، حتى قال إسحاق: «جعلني المأمون داية لأولاد موسى». وكانت ~~حالهم رثة رقيقة وأرزاقهم قليلة، ولكنهم خرجوا نهاية في علومهم. وكان أكبرهم وأجلهم ~~محمدا، وكان وافر الحظ في الهندسة والنجوم، عالما بإقليدس والمجسطي وغيرهما من ~~علوم الفلك والطبيعيات والرياضيات. وكان أخوه أحمد دونه في العلم إلا صناعة الحيل ~~(الميكانيكيات) فإنه قد فتح له فيها ما لم يفتح مثله لأخيه. وكان أخوهما الحسن ~~منفردا بالهندسة، وله طبع عجيب فيها لا يدانيه أحد فيه، مع أنه علم كل ما علمه ~~من نفسه بدون تعليم، ولا قرأ كتب الهندسة إلا ست مقالات من إقليدس. # 228 # وتفانى أولاد شاكر في طلب العلوم القديمة، وبذلوا فيها الرغائب وأتعبوا أنفسهم في ~~جمعها، وأنفذوا إلى بلاد الروم من أخرجها إليهم وأحضروا النقلة من الأصقاع والأماكن ~~بالبذل السني. وكان في جملة من أنفذوه للبحث عن الكتب حنين بن إسحاق # 229 # وغيره. وأقاموا التراجمة وفي جملتهم حنين وحبيش وثابت بن قرة، وكانوا ~~ينفقون 500 دينار في الشهر للنقل والملازمة. # 230 # ولبني موسى مؤلفات كثيرة في الفلك والحيل والهندسة، ولهم استنباطات في ~~هذا العلم لم يسبقهم إليها أحد. وقد برهنوا للمأمون أن محيط الأرض 24000 ميل ~~برهانا محسوسا، فضلا عن مهارتهم في الرصد وغيره. ~~••• # وممن بذلوا المال في نقل العلوم غير الخلفاء محمد بن عبد الملك الزيات، كان يقارب ~~عطاؤه للنقلة والنساخ 2000 دينار في الشهر، ونقل باسمه كتب عديدة. ومنهم ~~علي بن يحيى المعروف بابن المنجم، كان أحد كتاب المأمون ونقل له كثير من كتب الطب، ~~وكذلك محمد ms0517 بن موسى بن عبد الملك. # ومنهم إبراهيم بن محمد بن موسى الكاتب، وكان حريصا على نقل كتب اليونانيين إلى ~~لغة العرب، كثير البذل في سبيلها. ومنهم تادري الأسقف في الكرخ، وكان راغبا في طلب ~~الكتب متقربا إلى قلوب نقلتها، وصنف له الأطباء النصارى كتبا كثيرة. وعيسى بن ~~يونس الكاتب الحاسب من أهل العراق، وكانت له عناية في تحصيل الكتب القديمة والعلوم ~~اليونانية. ومنهم شير شوع (كذا) بن قطرب من أهل جنديسابور، وكان يبر النقلة ويهدي ~~إليهم ويتقرب إلى تحصيل الكتب بما يمكنه من المال، وكان يجيد النقل إلى السرياني ~~أكثر مما إلى العربي. وقس على ذلك جماعة من أطباء الخلفاء، كيوحنا بن ماسويه وجبريل ~~بن بختيشوع وداود بن سرابيون وسلمويه وابن الطيفوري وغيرهم، واقتدى بالخلفاء ~~العباسيين في نقل العلوم إلى العربية أيضا كثيرون من أمراء المسلمين المستقلين ~~عنهم، فقد كان عند سيف الدولة طبيب اسمه عيسى الرقي ينقل له من السرياني إلى العربي. # 231 ~~(7) الكتب التي ترجمت في النهضة العباسية # قد رأيت الأسباب التي حملت الخلفاء على نقل علوم القدماء في النهضة العباسية وقبيلها، ~~وقد ذكرنا الذين اشتغلوا في ترجمتها من الألسنة المختلفة. بقي علينا أن نذكر الكتب التي ~~نقلت وكان عليها معول علماء المسلمين فيما ألفوه بعد ذلك. وهي كثيرة تصعب الإحاطة بها ~~لتشتت أخبارها وضياع كثير منها، على أننا نكتفي بما يبلغ إليه الإمكان. # وتسهيلا للإحاطة بموضوعات تلك الكتب واللغات المنقولة هي عنها نقسمها باعتبار اللغات ~~التي نقلت عنها وهي: اليونانية والفارسية والهندية (السنسكريتية) والنبطية والعبرانية ~~واللاتينية والقبطية. ونقسم منقولات كل لغة إلى أقسام باعتبار الموضوعات على ما يقتضيه ~~المقام: ~~(7-1) الكتب المنقولة عن اليونانية # هي أكثر ما نقلوه إلى العربية في تلك النهضة، وأكثرها في الفلسفة والطب ~~والرياضيات والنجوم وفروع العلم الطبيعي. وإليك كتب كل علم على حدة، مرتبة باعتبار ~~المؤلفين، وبإزاء كل كتاب اسم المترجم الذي نقله: ~~(أ) كتب الفلسفة والأدب # كتب أفلاطون ~~(1) # كتاب السياسة: نقله حنين بن إسحاق. ~~(2) # كتاب المناسبات: نقله يحيى بن عدي. ~~(3) # كتاب ms0518 النواميس: نقله حنين ويحيى. ~~(4) # كتاب طيماوس: نقله ابن البطريق وأصلحه حنين. ~~(5) # كتاب أفلاطن إلى أقرطن: نقله يحيى بن عدي. ~~(6) # كتاب التوحيد: نقله يحيى بن عدي. ~~(7) # كتاب الحس واللذة: نقله يحيى بن عدي. ~~(8) # كتاب أصول الهندسة: نقله قسطا بن لوقا. # كتب أرسطوطاليس ~~(1) # قاطيغورياس، أي المقولات: نقله حنين بن إسحاق. ~~(2) # كتاب العبارة: نقله حنين إلى السريانية وإسحاق إلى العربية. ~~(3) # تحليل القياس: نقله ثيادورس وأصلحه حنين. ~~(4) # كتاب البرهان: نقله إسحاق إلى السرياني ومتى إلى العربي. ~~(5) # كتاب الجدل: نقله إسحاق إلى السرياني ويحيى إلى العربي. ~~(6) # كتاب المغالطات أو الحكمة المموهة: نقله ابن ناعمة وأبو بشر إلى ~~السرياني ويحيى إلى العربي. ~~(7) # كتاب الخطابة: نقله إسحاق وإبراهيم بن عبد الله. ~~(8) # كتاب الشعر: نقله أبو بشر من السرياني إلى العربي. ~~(9) # كتاب السماع الطبيعي: نقله أبو روح الصابي وحنين ويحيى وقسطا وابن ~~ناعمة. ~~(10) # كتاب السماء والعالم: نقله ابن البطريق وأصلحه حنين. ~~(11) # كتاب الكون والفساد: نقله حنين إلى السرياني وإسحاق والدمشقي إلى ~~العربي. ~~(12) # كتاب الآثار العلوية: نقله أبو بشر ويحيى. ~~(13) # كتاب النفس: نقله حنين إلى السرياني وإسحاق إلى العربي. ~~(14) # كتاب الحس والمحسوس: نقله أبو بشر متى بن يونس. ~~(15) # كتاب الحيوان: نقله ابن البطريق. ~~(16) # كتاب الحروف أو الإلهيات: نقله إسحاق ويحيى وحنين ومتى. ~~(17) # كتاب الأخلاق: نقله إسحاق. ~~(18) # كتاب المرآة: نقله الحجاج بن مطر. ~~(19) # كتاب أتولوجيا: نقله الحجاج بن مطر. # ولكتب أرسطو شروح وتعاليق لبعض تلامذته أو من جاء بعده، كثاوفرسطس وديدوخس ~~برفلس والإسكندر الأفروديسي وفرفوريوس الصوري، وأمونيوس وتامسطيوس ونيقولاوس ~~وفلوطرخس ويحيى النحوي وغيرهم. ولبعض هؤلاء مؤلفات خاصة. كلها في الفلسفة ~~وفروعها، وقد نقل كثير منها إلى العربية ولم يعلم ناقلها فأغضينا عن ذكرها، ~~وقد ذكرها صاحب الفهرست. # وذكروا لجالينوس في جملة كتبه الطبية الآتي بيانها كتب في الفلسفة والأدب، ~~وهي «كتاب ما يعتقده رأيا» ترجمة ثابت، وكتاب «تعريف المرء عيوب نفسه» نقله ~~توما وأصلحه حنين، وكتاب «الأخلاق» نقله حبيش، وكتاب «انتفاع الأخيار بأعدائهم» ~~نقله حبيش، و«المحرك الأول لا يتحرك» نقله حبيش وعيسى، وغيرها ... ~~(ب) كتب الطب وفروعه # كتب أبقراط ~~(1) # كتاب ms0519 عهد أبقراط: نقله حنين إلى السريانية وحبيش وعيسى إلى العربية. ~~(2) # كتاب الفصول: نقله حنين لمحمد بن موسى. ~~(3) # كتاب الكسر: نقله حنين لمحمد بن موسى. ~~(4) # كتاب تقدمة المعرفة: نقله حنين وعيسى بن يحيى. ~~(5) # كتاب الأمراض الحادة: نقله عيسى بن يحيى. ~~(6) # كتاب أبيذيميا: نقله عيسى بن يحيى. ~~(7) # كتاب الأخلاط: نقله عيسى بن يحيى لأحمد بن موسى. ~~(8) # كتاب قاطيطيون: نقله حنين لمحمد بن موسى. ~~(9) # كتاب الماء والهواء: نقله حنين وحبيش. ~~(10) # كتاب طبيعة الإنسان: نقله حنين وعيسى. # كتب جالينوس # وأشهر كتب جالينوس الكتب الستة عشر، وهي: كتاب الفرق، الصناعة، كتاب النبض، ~~شفاء الأمراض، المقالات الخمس، الاسطقصات، كتاب المزاج، القوى الطبيعية، العلل ~~والأمراض، تعرف علل الأعضاء الباطنة، كتاب النبض الكبير، كتاب الحميات، ~~البحران، أيام البحران، تدبير الأصحاء، حيلة البرء، وقد نقلها كلها حنين بن ~~إسحاق إلى العربية إلا كتاب العلل الباطنة، وكتاب النبض الكبير، وكتاب تدبير ~~الأصحاء، وكتاب حيلة البرء، فقد نقلها حبيش، أما ما بقي من كتب جالينوس الطبية ~~فإليك أسماءها مع أسماء ناقليها: ~~(1) # التشريح الكبير: نقله حبيش الأعسم. ~~(2) # اختلاف التشريح: نقله حبيش الأعسم. ~~(3) # تشريح الحيوان الحي: نقله حبيش الأعسم. ~~(4) # تشريح الحيوان الميت: نقله حبيش الأعسم. ~~(5) # علم أبقراط بالتشريح: نقله حبيش الأعسم. ~~(6) # الحاجة إلى النبض: نقله حبيش الأعسم. ~~(7) # علوم أرسطو: نقله حبيش الأعسم. ~~(8) # تشريح الرحم: نقله حبيش الأعسم. ~~(9) # آراء أبقراط وأفلاطون: نقله حبيش الأعسم. ~~(10) # العادات: نقله حبيش الأعسم. ~~(11) # خصب البدن: نقله حبيش الأعسم. ~~(12) # المني: نقله حبيش الأعسم. ~~(13) # منافع الأعضاء: نقله حبيش الأعسم. ~~(14) # تركيب الأدوية: نقله حبيش الأعسم. ~~(15) # الرياضة بالكرة الصغيرة: نقله حبيش الأعسم. ~~(16) # الرياضة بالكرة الكبيرة: نقله حبيش الأعسم. ~~(17) # الحث على تعليم الطب: نقله حبيش الأعسم. ~~(18) # قوى النفس ومزاج البدن: نقله حبيش الأعسم. ~~(19) # حركات الصدر: نقله إصطفان وأصلحه حنين. ~~(20) # علل النفس: نقله إصطفان وأصلحه حنين. ~~(21) # حركة العضل: نقله إصطفان وأصلحه حنين. ~~(22) # الحاجة إلى النفس: نقله إصطفان وأصلحه حنين. ~~(23) # الامتلاء: نقله إصطفان وأصلحه حنين. ~~(24) # المرة والسوداء: نقله إصطفان وأصلحه حنين. ~~(25) # الحركات المجهولة: نقله حنين. ~~(26) # علل الصوت: نقله حنين. ~~(27) # أفضل الهيئات: نقله حنين. ~~(28) # سوء المزاج المختلف: ms0520 نقله حنين. ~~(29) # الأدوية المفردة: نقله حنين. ~~(30) # المولود لسبعة أشهر: نقله حنين. ~~(31) # رداءة التنفس: نقله حنين. ~~(32) # الذبول: نقله حنين. ~~(33) # قوى الأغذية: نقله حنين. ~~(34) # التدبير الملطف: نقله حنين. ~~(35) # مداواة الأمراض: نقله حنين. ~~(36) # أبقراط في الأمراض الحادة: نقله حنين. ~~(37) # إلى تراسوبولوس: نقله حنين. ~~(38) # الطبيب والفيلسوف: نقله حنين. ~~(39) # كتب أبقراط الصحية: نقله حنين. ~~(40) # محنة الطبيب: نقله حنين. ~~(41) # أفلاطون في طيماوس: نقله حنين وإسحاق. ~~(42) # تقدمة المعرفة: نقله عيسى. ~~(43) # الفصد: نقله عيسى وإصطفان. ~~(44) # صفات لصبي يصرخ: نقله ابن الصلت. ~~(45) # الأورام: نقله ابن الصلت. ~~(46) # الكيموس: نقله ثابت وحبيش. ~~(47) # الأدوية والأدواء: نقله عيسى. ~~(48) # الترياق: نقله ابن البطريق. # وهناك كتب في الطب وتوابعه ذكرها صاحب الفهرست ولم يذكر ناقليها، وأما ~~مؤلفوها فمنها بضعة وعشرون كتابا لروفس من أهل أفسس كان قبل جالينوس، ولعلها ~~لم تنقل كلها. ومما ذكر ناقلوه بضعة كتب لأوريباسيوس، وهي كتاب الأدوية ~~المستعملة نقله إصطفان بن باسيل، وكتاب السبعين مقالة نقله حنين وعيسى بن يحيى ~~إلى السريانية، وكتاب إلى ابنه اسطاث نقله حنين، وكتاب إلى أبيه أرنافيس نقله ~~حنين، ولديسقوريدس العين زربي - ويقال له السائح في البلاد لسياحته في طلب ~~العقاقير والحشائش - كتاب في الحشائش سيأتي تاريخ نقله. ولإسكندروس كتاب ~~«البرسام» نقله ابن البطريق، وغير هؤلاء مما لم يعرف ناقلوه. ~~(ج) كتب الرياضيات والنجوم وسائر العلوم # ويشتمل النظر في ذلك على علم النجوم والهندسة والحساب والموسيقى ~~والميكانيكيات، وهاك خلاصة الكلام فيها: ~~(1) # كتب إقليدس: منها أصول الهندسة، نقله الحجاج بن مطر نقلين: ~~الهاروني والمأموني، ونقله إسحاق بن حنين وأصلحه ثابت بن قرة، ~~ونقله أبو عثمان الدمشقي، ولا يزال هذا الكتاب باقيا إلى الآن، ~~ومن كتب إقليدس التي لم يعرف مترجموها: كتاب الظاهرات، وكتاب ~~اختلاف المناظر، وكتاب الموسيقى، وكتاب القسمة، وكتاب القانون، ~~وكتاب الثقل والخفة. ~~(2) # كتب أرخميدس: وقد تقدم ذكرها في كلامنا عن آداب اليونان، وهي ~~عشرة لم يعرف ناقلوها. ~~(3) # أبلونيوس: صاحب كتاب المخروطات وكتاب قطع السطوح وقطع الخطوط ~~والنسبة المحدودة والدوائر المماسة، لم يعرف ناقلوها. ~~(4) # منالاوس: له كتاب الأشكال الكروية وكتاب أصول الهندسة، نقله إلى ~~العربية ثابت ms0521 بن قرة. ~~(5) # بطليموس القلوذي: صاحب كتاب المجسطي الشهير، وقد تقدم خبر نقله ~~وتفسيره على يد يحيى البرمكي. ولبطليموس أيضا كتاب الأربعة، نقله ~~إبراهيم بن الصلت وأصلحه حنين، وكتاب الجغرافيا المعمور وصفة الأرض ~~نقله ثابت إلى العربية نقلا جيدا. ولبطليموس 15 كتابا آخر في ~~الجغرافية وغيرها لم يعرف ناقلوها. ~~(6) # أبرخس: له كتاب صناعة الجبر ويعرف بالحدود، وكتاب قسمة الأعداد، ~~لم يعرف ناقلهما. ~~(7) # ذيوفنطس: له كتاب صناعة الجبر لم يعرف ناقله. # وهناك كتب عديدة في الرياضيات والهيئة والأزياج ونحوها، وذكرها ابن النديم ~~ولم يذكر ناقليها، منها: كتاب العمل بالأسطرلاب المسطح لأبيون البطريق، وكتاب ~~جرم الشمس والقمر لأرسطرخس، وكتاب العمل بذات الحلق، وكتاب جداول زيج بطليموس ~~المعروف بالقانون المسير، وكتاب العمل بالأسطرلاب - وكلها لثاون الإسكندري، غير ~~ما تقدم ذكره من الكتب الرياضية في أثناء ذكر كتب الفلسفة رغبة في إيرادها ~~لأصحابها مع سائر مؤلفاتهم، وقد نقل المسلمين من كتب الموسيقى عن اليونانية ~~كتاب الموسيقى الكبير لنيقوماخس الجهراسيني، وكتاب الموسيقى المنسوب لإقليدس ~~وقد تقدم ذكره، ومقالات في الموسيقى لفيثاغورس وغيره. وكتاب الريموس، وكتاب ~~الإيقاع لأرسطكاس، وكتاب الآلات المصوتة المسماة بالأرغن البوقي والأرغن الزمري ~~لمورطس. # ونقل لهم من كتب الميكانيكيات، غير ما جاء في كتب أرخميدس، كتاب الحيل ~~الروحانية، وكتاب شيل الأثقال لأيرن، وكتاب استخراج المياه لبادروغوغيا، وكتاب ~~الآلات المصوتة على ستين ميلا لمورطس. ~~(7-2) الكتب المنقولة عن الفارسية # أكثر الكتب المنقولة عن الفارسية في النهضة العباسية من قبيل الآداب والأخبار ~~والسير والأشعار، وبعضها في النجوم مما نقله آل نوبخت وعلي بن زياد التميمي وغيرهم. ~~أما ما بقي من كتبهم المنقولة إلى العربية فهي مع أسماء ناقليها: ~~(1) # كتاب رستم وأسفنديار: نقله جبلة بن سالم. ~~(2) # كتاب بهرام شوس: نقله جبلة بن سالم. ~~(3) # كتاب خداينامه في السير: نقله عبد الله بن المقفع. ~~(4) # كتاب آيين نامه: نقله عبد الله بن المقفع. ~~(5) # كتاب كليلة ودمنة: نقله عبد الله بن المقفع. ~~(6) # كتاب مزدك: نقله عبد الله بن المقفع. ~~(7) # كتاب التاج في سيرة أنوشروان: نقله عبد الله بن المقفع. ~~(8) # كتاب الأدب ms0522 الكبير: نقله عبد الله بن المقفع. ~~(9) # كتاب الأدب الصغير: نقله عبد الله بن المقفع. ~~(10) # كتاب اليتيمة: نقله عبد الله بن المقفع. ~~(11) # كتاب هزار أفسانه: لم يذكر ناقله. ~~(12) # كتاب شهريزاد مع أبرويز: لم يذكر ناقله. ~~(13) # كتاب الكارنامج أنوشروان: لم يذكر ناقله. ~~(14) # كتاب دارا والصنم الذهب: لم يذكر ناقله. ~~(15) # كتاب بهرام ونرسي: لم يذكر ناقله. ~~(16) # كتاب هزاردستان: لم يذكر ناقله. ~~(17) # كتاب الدب والثعلب: لم يذكر ناقله. ~~(18) # سير ملوك الفرس: وهي غير كتاب - ترجم أحدها محمد بن جهم البرمكي، ~~والآخر ترجمه زادويه بن شاهويه الأصفهاني والآخر محمد بن بهرام بن ~~مطيار الأصفهاني. # 232 # ومما يجب ذكره من مترجمات الفرس، وإن كان من مؤلفاتهم بعد نشوء التمدن الإسلامي، ~~كتاب «شاهنامة» التي نظمها الفردوسي للسلطان محمود الغزنوي سنة 384ه في نحو 60000 ~~بيت على نسق إلياذة هوميروس، وقد تضمنت تاريخ الفرس القديم نقلها إلى العربية الفتح ~~بن علي البنداري الأصبهاني نثرا للملك المعظم عيسى الأيوبي أتم ترجمتها سنة 697ه # 233 # ولا ريب أن العرب نقلوا من اللغة الفارسية كتبا أخرى تاريخية وأدبية، ~~وخصوصا مما يتعلق بالمذاهب القديمة ونحوها. ~~(7-3) الكتب المنقولة عن اللغة الهندية # نقل العرب عن اللغة الهندية (السنسكريتية) كثيرا من كتب الطب والنجوم والرياضيات ~~والحساب والأسمار والتواريخ. والكتب الطبية المنقولة عنها كثيرة وإن لم يصل إلينا ~~من أخبارها إلا القليل؛ لأن بغداد كانت في إبان الزهو العباسي محج العلماء ~~والأطباء والتجار والسياح من كل الملل، وكان للبرامكة عناية في استقدام أطباء الهند ~~إليها، وقد بعث يحيى بن خالد فاستقدم بضعة صالحة منهم كمنكه وبازيكر وقليرفل ~~وسندباز وغيرهم. # 234 # ويظهر مما كتبه المسلمون بعد العصر العباسي في الأدب أو الطب أو الصيدلة أو السير ~~أنهم اعتمدوا في جملة مصادرهم على كتب هندية الأصل. راجع قانون ابن سينا مثلا أو ~~الملكي للرازي أو غيرهما من كتب الطب الكبرى، فتراهم يذكرون بعض الأمراض ويشيرون ~~إلى أن الهنود يسمونها مثلا كذا وكذا أو يعالجونها بكذا وكذا. وإذا قرأت ~~العقد الفريد لابن عبد ربه أو سراج الملوك للطرطوشي، ms0523 أو غيرهما من كتب الأدب ~~المهمة، رأيت مؤلفيها إذا ذكروا بعض الآداب أو الأخلاق أو نحوها قالوا: «وفي كتاب ~~الهند كذا وكذا». ~~(أ) كتب الطب وفروعه # على أننا نعلم مما جاء في كتاب طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة أنه اشتهر ~~حوالي العصر العباسي جماعة من علماء الهند في الطب والنجوم والفلسفة وغيرها، ~~منهم كنكه الهندي وهو من متقدميهم وأكابرهم وخصوصا في علم النجوم فضلا عن ~~الطب وله مؤلفات كثيرة، منها كتاب النمودار في الأعمار، وكتاب أسرار المواليد، ~~وكتاب القرانات الكبير والصغير، وكتاب في الطب يجري مجرى الكناش، وكتاب في ~~التوهم، وكتاب في أحداث العالم والدور في القران. ومنهم أيضا صنجل وباكهر ~~وغيرهما، وقد نقل كثير من مؤلفاتهم في النجوم والطب إلى اللغة العربية، إما ~~رأسا أو بواسطة اللغة الفارسية، بأن ينقل الكتاب من الهندي إلى الفارسي ثم ~~ينقل من الفارسي إلى العربي. منها كتاب سيرك الهندي. وقد نقله من الفارسي إلى ~~العربي عبد الله بن علي، وكتاب آخر في علامات الأدواء ومعرفة علاجها أمر يحيى ~~بن خالد البرمكي بنقله. وكتاب فيما اختلف فيه الروم والهند في الحار والبارد ~~وقوى الأدوية وكتب أخرى في فروع الطب. # ومن مشاهيرهم منكه الهندي المتقدم ذكره بين المترجمين، وقد أتى بغداد بإشارة ~~يحيى بن خالد لمعالجة الرشيد فشفاه فأجرى عليه الرشيد رزقا واسعا. وكان منكه ~~يعرف الفارسية أيضا فكان ينقل من الهندي إلى الفارسي، وله حديث طويل ذكره صاحب ~~طبقات الأطباء. # 235 # ومنهم صالح بن بهلة الهندي جاء العراق في أيام الرشيد أيضا ونال ~~شهرة واسعة وخالط أطباءها يومئذ واختلطوا به، فإذا لم يكونوا نقلوا شيئا من ~~كتبه فلابد من اقتباسهم شيئا من آراء الهند عنه. # ومن مشاهيرهم أيضا شاناق، وله كتاب في السموم خمس مقالات نقله من اللسان ~~الهندي إلى الفارسي منكه الهندي، وأوعز يحيى بن خالد إلى رجل يعرف بأبي حاتم ~~البلخي بنقله إلى العربية، ثم نقل للمأمون على يد العباس بن سعيد الجوهري ~~مولاه. ولجودر الحكيم كتاب في المواليد نقل إلى العربية ms0524 أيضا. # ومن الكتب الطبية التي نقلت من الهندية إلى لسان العرب في العصر العباسي غير ~~ما تقدم ذكره. # 236 ~~(1) # كتاب سسرد في الطب: نقله منكه. ~~(2) # كتاب أسماء عقاقير الهند: نقله منكه لإسحاق بن سليمان. ~~(3) # كتاب استانكر الجامع: نقله ابن دهن. ~~(4) # كتاب صفوة النجح: نقله ابن دهن. ~~(5) # كتاب مختصر الهند في العقاقير: لم يذكر ناقله. ~~(6) # كتاب علاجات الحبالى للهند: لم يذكر ناقله. ~~(7) # روسا الهندية في علاجات النساء: لم يذكر ناقله. ~~(8) # كتاب السكر للهند: لم يذكر ناقله. ~~(9) # كتاب التوهم في الأمراض والعلل: لم يذكر ناقله. ~~(10) # كتاب رأي الهند في أجناس الحيات وسمومها: لم يذكر ناقله. ~~(ب) كتب النجوم والرياضيات # أما في الرياضيات والكواكب فللهند شأن كبير، وقد ذكرنا خبر السندهند فيما ~~تقدم، وكان لنقل هذا الزيج تأثير في علم النجوم عند العرب وقد قلدوه وألفوا على ~~مذهبه. وممن ألف على هذا المذهب محمد بن إبراهيم الفزاري وحبش بن عبد الله ~~البغدادي ومحمد بن موسى الخوارزمي وغيرهم # 237 # والفزاري أول من عمل أسطرلابا في الإسلام. # 238 # وما من فلكي من فلكيي المسلمين أراد التوسع في علم النجوم إلا ~~وطالع كتبهم، إما في اللغة الهندية أو في ترجمتها إلى العربية. وأكثر المسلمين ~~عناية في ذلك واطلاعا على آداب الهند وعلومهم أبو الريحان البيروني المتوفى ~~سنة 440ه فإنه طاف بلاد الهند واطلع على علومهم وآدابهم ثم ألف كتابه «الآثار ~~الباقية عن القرون الخالية» وله من المؤلفات ما يعد بالعشرات، ومنها كثير في ~~علوم الهند إما ترجمة أو تصحيحا أو نقدا، ومما ذكره من كتبه التي ألفها في ~~هذا الصدد قوله: # وعملت في السندهند كتابا سميته جوامع الموجود لخواطر الهنود في حساب ~~التنجيم، جاء ما تم منه 550 ورقة. وهذبت زيج الأركند وجعلته بألفاظي إذ ~~كانت الترجمة الموجودة منه غير مفهومة وألفاظ الهند فيها متروكة ~~لحالها. وعملت كتابا في المدارين المتحدين والمتساويين، وسميته بخيال ~~الكسوفين عند الهند وهو معني مشتهر فيما بينهم لا يخلو منه زيج من ~~أزياجهم، وليس بمعلوم عند أصحابنا. وعملت تذكرة في الحساب ms0525 والعد بأرقام ~~السند والهند في 30 ورقة، وكيفية رسوم الهند في تعلم الحساب، وتذكرة في ~~أن رأي العرب في مراتب العدد أصوب من رأي الهند فيها، وفي راسكيات ~~الهند، وترجمة ما في إبرهم سدهاند من طرق الحساب، ومقالة في تحصيل الآن ~~من الزمان عند الهند. ومقالة في الجوابات على المسائل الواردة من منجمي ~~الهند. ومقالة في حكاية طريقة الهند في استخراج العمر. وترجمة كلب باره ~~وهي مقالة للهند في الأمراض التي تجري مجرى العفونة. # وغير ذلك، فيؤخذ من هذا أن الهنود أهل علم ورأي في النجوم وعلومها وأن ~~المسلمين نقلوا عنهم شيئا كثيرا. ~~(ج) كتب الأدب # وأما كتب الهند في الأدب والتاريخ والمنطق والأسمار والخرافات مما نقل إلى ~~العربية، فأولها كتاب كليلة ودمنة وقد نقل عن طريق الفارسية كما تقدم، وبعد ~~نقله إلى العربية نظموه شعرا كما نظمه الفرس من قبلهم. وممن نظمه في العربية ~~إبان بن عبد الحميد بن لاحق بن عفير الرقاشي وعلي بن داود. (2) كتاب سندباد ~~الكبير. (3) كتاب سندباد الصغير. (4) كتاب البد . (5) كتاب يوذاسف. (6) يوذاسف ~~مفرد. (7) كتاب أدب الهند والصين. (8) كتاب هابل في الحكمة. (9) كتاب الهند في ~~قصة هبوط آدم. (10) كتاب طرق. (11) كتاب دبك الهندي في الرجل والمرأة. (12) ~~كتاب حدود منطق الهند. (13) كتاب ساديرم. (14) كتاب ملك الهند القتال والسباح. ~~(15) كتاب بيدبا في الحكمة. # 239 # ومما نقله العرب من الهنود كتاب في الموسيقى اسمه في الهندية (بيافر) ومعناه ~~ثمار الحكمة وفيه أصول الألحان وجوامع تأليف النغم. # 240 ~~(7-4) الكتب المنقولة عن النبطية # قد رأيت فيما تقدم كتبا كثيرة فلسفية وطبية نقلت من اليونانية إلى العربية عن ~~طريق اللغة السريانية أخت النبطية أو هي عينها فلا نتعرض لذكرها. وإنما المراد بهذا ~~الباب الكتب التي كانت مكتوبة في اللغة الكلدانية أو النبطية ونقلت إلى العربية ~~رأسا ولولا نقلها لضاعت. وأهم تلك الكتب كتاب الفلاحة النبطية فإنه فريد في بابه، ~~وقد نقله إلى العربية أحمد بن علي بن المختار النبطي المعروف بابن وحشية سنة 291ه، ~~وظل معتمد أهل الزراعة إلى أمد ms0526 غير بعيد، وقد نقل إلى اللغات الإفرنجية ولولا نقله ~~إلى العربية لضاع وخسره العالم كما يؤخذ من مطالعة مقدمته، فقد قال ابن وحشية وهو ~~يملي الكتاب على علي بن محمد بن الزيات سنة 318ه: «اعلم يا بني أني وجدت هذا الكتاب ~~في كتب الكسدانيين (الكلدان أو النبط) يترجم معناه في العربية كتاب فلاحة الأرض ~~وإصلاح الزرع والشجر والثمار ودفع الآفات عنها. وكان هؤلاء الكسدانيون أشد غيرة ~~عليها، لئلا يظهر هذا الكتاب فكانوا يخفنونه بجهدهم. وكان الله عز وجل قد رزقني ~~المعرفة بلغتهم ولسانهم، فوصلت إلى ما أردت من الكتب بهذا الوجه. وكان هذا الكتاب ~~عند رجل متميز فأخفى عني علمه، فلما اطلعت عليه لمته في إخفاء الكتاب عني وقلت ~~له: إنك إن أخفيت هذا العلم دثر ومضى ولا يبقى لأسلافك ذكر. وما يصنع الإنسان بكتب ~~لا يقرأها ولا يخلي من يقرأها؟ فهي عنده بمنزلة الحجارة والمدر، فصدقني في ذلك ~~وأخرج إلي الكتب، فجعلت أنقل كتابا بعد كتاب. فكان أول كتاب نقلته كتاب دواناي ~~البابلي في معرفة أسرار الفلك والأحكام على حوادث النجوم، وهو كتاب عظيم المحل، ~~ونقلت كتاب الفلاحة هذا بتمامه إلخ» # 241 ~~(2) كتاب طرد الشياطين ويعرف بالأسرار. (3) كتاب السحر الكبير. (4) ~~كتاب السحر الصغير. (5) كتاب دوار على مذهب النبط. (6) كتاب مذاهب الكلدانيين في ~~الأصنام. (7) كتاب الإشارة في السحر. (8) كتاب أسرار الكواكب. (9) كتاب الفلاحة ~~الصغير. (10) كتاب في الطلسمات. (11) كتاب الحياة والموت في علاج الأمراض. (12) ~~كتاب الأصنام. (13) كتاب القرابين. (14) كتاب الطبيعة. (15) كتاب الأسماء وأكثرها ~~من نقل ابن وحشية. # 242 # غير ما لا بد من نقله من كتب الدين وأخبار الكلدان القدماء. ~~(7-5) الكتب المنقولة عن العبرانية واللاتينية والقبطية # لا ريب أن كثيرا من تعاليم اليهود وآدابهم المدونة في التلمود وغيره من كتبهم ~~قد نقل إلى العربية، وإن كنا لا نرى شيئا منها مدونا بصفة ترجمة؛ لأنهم كانوا ~~ينقلونها شفاها للصحابة وغيرهم على ما تقدم، وربما دونوا منها شيئا وضاع. وأما ما ~~وصل إلينا خبره من المنقول عن العبرانية فترجمة أسفار التوراة، نقلها ms0527 سعيد الفيومي ~~المتوفى سنة 330ه وهو أقدم من نقل التوراة إلى العربية مما وصل إلينا خبره، وله ~~أيضا شروح وتفاسير عليها. # 243 # ولا يبعد أن يكون قد نقل إلى العربية بعض الكتب عن اللاتينية؛ لأنها كانت تحوي ~~كثيرا من العلوم الفلسفية والتاريخية والشرعية وغيرها، وربما فات نقلة الأخبار ذكر ~~ما نقل عنها. وقد رأينا في جملة المترجمين أن يحيى بن البطريق لا يعرف غير اللغة ~~اللاتينية وأنه ترجم عدة كتب، فالظاهر أنه ترجمها عن اللاتينية. # وأما القبطية فإذا لم ينقل العرب عنها رأسا فلا نشك في أنهم نقلوا كثيرا من ~~علوم المصريين بواسطة اللغة اليونانية، وخصوصا صناعة الكيمياء القديمة وغيرها مما ~~برع فيه المصريون، وأما الكيمياء فقد نقلت عن القبطي واليوناني معا بأمر خالد بن يزيد. # 244 ~~(8) الخلاصة # وفي الجملة فإن المسلمين نقلوا إلى لسانهم معظم ما كان معروفا من العلم والفلسفة ~~والطب والنجوم والرياضيات والأدبيات عند سائر الأمم المتمدنة في ذلك العهد، ولم يغادروا ~~لسانا من ألسن الأمم المعروفة إذ ذاك لم ينقلوا منه شيئا، وإن كان أكثر نقلهم عن ~~اليونانية والفارسية والهندية. فأخذوا من كل أمة أحسن ما عندها، فكان اعتمادهم في ~~الفلسفة والطب والهندسة والموسيقى والمنطق والنجوم على اليونان، وفي النجوم والسير ~~والآداب والحكم والتاريخ والموسيقى على الفرس، وفي الطب (الهندي) وفي الفلاحة والزراعة ~~والتنجيم والسحر والطلاسم على الأنباط والكلدان، وفي الكيمياء والتشريح على المصريين، ~~فكأنهم ورثوا أهم علوم الآشوريين والبابليين والمصريين والفرس والهنود واليونان، ~~وقد مزجوا ذلك كله وعجنوه واستخرجوا منه علوم التمدن الإسلامي (الدخيلة). # ومما نلاحظه من أمر ذلك النقل أن العرب، مع كثرة ما نقلوه عن اليونان، لم يتعرضوا ~~لشيء من كتبهم التاريخية أو الأدبية أو الشعر، مع أنهم نقلوا ما يقابلها عند الفرس ~~والهنود، فقد نقلوا جملة صالحة من تواريخ الفرس وأخبار ملوكهم وترجموا الشاهنامة. ~~ولكنهم لم ينقلوا تاريخ هيرودتس، ولا جغرافية إسترابون، ولا إلياذة هوميروس ولا ~~أوديسته. والسبب في ذلك أن أكثر ما بعث المسلمين على النقل رغبتهم في الفلسفة والطب ~~والنجوم ms0528 والمنطق، لأسباب تقدم بيانها. وأما التواريخ والآداب فقد كان التراجمة ينقلونها ~~غالبا من عند أنفسهم، حبا في إظهار مآثر أسلافهم أو جيرانهم. فالمترجمون الفرس نقلوا ~~شيئا من تواريخ الفرس وآدابهم، وكذلك فعل التراجمة السريان بآداب أجدادهم وكذلك ~~التراجمة الهنود. فلو كان في أولئك المترجمين واحد من اليونان لنقلوا كثيرا من تواريخ ~~أمتهم وأشعارها. # ولا ريب أن من جملة ما منعهم من نقل الإلياذة إلى العربية ذكر الآلهة والأصنام ~~فيها، ولكن في الشاهنامة أيضا كثيرا من ذلك فلم يمنعهم من نقلها. # ويلاحظ أيضا أن العرب نقلوا من علوم تلك الأمم في قرن وبعض القرن ما لم يستطع ~~الرومان بعضه في عدة قرون، وذلك شأن المسلمين في أكثر أسباب تمدنهم العجيب. ~~(8-1) محاسبة الخلفاء للعلماء غير المسلمين # ومن العوامل الفعالة في سرعة نضج العلم في النهضة العباسية، وكثرة ما ترجم في تلك ~~المدة القصيرة، أن الخلفاء أصحاب تلك النهضة كانوا يبذلون كل مرتخص وغال في سبيل ~~نقل الكتب، ويرغبون النقلة وغيرهم بالبذل والإكرام والمحاسنة، بقطع النظر عن ~~مللهم أو نحلهم أو أنسابهم، وقد كان فيهم النصراني واليهودي والصابئ والسامري ~~والمجوسي. فكان الخلفاء يعاملونهم كافة بالرفق والإكرام، مما يصح أن يكون مثالا ~~للاعتدال والحرية وقدوة لولاة الأمور في كل العصور. # بلغ من إكرام المنصور لطبيبه جورجيس بن بختيشوع # 245 # أنه أمر أن يحضروا له المشروب وهو محرم في الإسلام. وذلك أنه رأى ~~وجهه يتغير على أثر إقامته في بغداد، فقال المنصور لحاجبه الربيع: «أرى هذا الرجل ~~قد تغير وجهه ... أتكون قد منعته مما يشربه على عادته؟» قال الربيع: «لم نأذن له أن ~~يدخل إلى هذه الدار مشروبا» فأجابه المنصور بقبيح وقال: «لا بد أن تمضي بنفسك حتى ~~تحضره من المشروب كل ما يريده». فمضى الربيع إلى قطربل وحمل منها إليه غاية ما ~~أمكنه من الشراب الجيد # 246 # وكان ذلك شأن المنصور مع أكثر أطبائه، حتى كان يستشير بعضهم في أهم ~~الأمور. فلما طلب أهل خراسان عقد البيعة لابنه المهدي كان من أطبائه طبيب ms0529 يهودي ~~اسمه فرات بن شحاثا وكان حاضرا، فقال له المنصور: «ما تقول يا فرات؟» فأشار عليه ~~بما يراه. # وبلغ من إكرام الرشيد لطبيبه جبريل بن بختيشوع أنه دعا له وهو في الموقف بمكة ~~دعاء كثيرا، فأنكر عليه بنو هاشم ذلك وقالوا: «يا سيدنا، ذمي» فقال: «نعم، ~~ولكن صلاح بدني وقوامه به، وصلاح المسلمين بي، فصلاحهم بصلاحه وبقائه» فقالوا: ~~«صدقت يا أمير المؤمنين!» # 247 # أما المأمون فلطفه وإكرامه العلماء أشهر من أن يذكر. # وكثيرا ما كان الخلفاء يطلقون أيدي أطبائهم في دورهم، ويستشيرونهم في مهام ~~أمورهم الإدارية والسياسية، وربما كلفوهم التوقيع عنهم. فكان المعتصم قد استطب ~~سلمويه بن بنان النصراني، وبلغ من إكرامه إياه أنه كان إذا ورد إلى الخليفة كتاب ~~يقتضي توقيعا، وكان سلمويه حاضرا، أمره أن يوقع عنه بخطه. وكل ما كان يرد على ~~الأمراء والقواد من خروج أمر أو توقيع من الخليفة فبخط سلمويه. وكذلك كان شأن داود ~~بن ديلم مع المعتضد # 248 # ومن أدلة إكرام المعتصم لسلمويه أنه ولى أخاه إبراهيم بن بنان خزن بيوت ~~الأموال في البلاد وخاتمه مع خاتم الخليفة، ولم يكن أحد عنده مثل سلمويه وأخيه في ~~المنزلة. وكان المعتصم يدعو سلمويه «أبي» وكان إذا قرب الفصح أو غيره من أعياد ~~النصارى أذن له بالذهاب إلى بلده القادسية ليقيم في كنيستها ويتقرب، ويزوده ~~بالأكسية والمسك والبخور. ولما اعتل سلمويه عاده المعتصم وبكى عنده وقال له: «تشير ~~علي بعدك بما يصلحني؟» فأشار عليه بيوحنا بن ماسويه. فلما مات سلمويه امتنع ~~المعتصم من أكل الطعام يوم موته، وأمر بأن تحضر جنازته الدار ويصلى عليه بالشمع ~~والبخور على زي النصارى الكامل، ففعلوا وهو بحيث يبصرهم ويباهي في كرامته # 249 # وكذلك كان المتوكل والمهتدي وغيرهم في إكرام الأطباء وتقديمهم والإحسان إليهم، ~~وكانوا إذا حضروا مجلس الخليفة جلسوا معه على السدة. # 250 # وربما جلس الطبيب والوزراء والأمراء وقوف، كما كان شأن ثابت بن قرة ~~الصابي مع المعتضد بالله. # 251 # وكان مواكبهم إذا ركبوا مثل مواكب الأمراء والوزراء. وكان الخلفاء ms0530 ~~يمازحونهم ويماجنونهم، وهم أول من يدخل عليهم للنظر فيما يحتاجون إليه مما يصلح ~~أبدانهم، ويختارون لهم الأطعمة المناسبة. ولم يكن الخليفة يتناول دواء إلا بإذن ~~طبيبه، فإذا فعل ولم يستأذنه جر عليه غضب الطبيب واضطر لاسترضائه. ذكروا أن المتوكل ~~احتجم بغير إذن طبيبه إسرائيل بن الطيفوري، فغضب إسرائيل فافتدى الخليفة غضبه ~~بثلاثة آلاف دينار وضيعة تغل في السنة 50000 درهم # 252 # وكان جبرائيل الكحال أول من يدخل على المأمون بعد الصلاة، فيغسل أجفانه ~~ويكحل عينيه، فإذا انتبه من قائلته فعل مثل ذلك. # 253 # وطبيعي أن يأنس الإنسان بطبيبه ويكرمه، وخصوصا في دور الخلفاء في ذلك العصر، ~~والمطالبون بالخلافة كثيرون ومن أقرب الطرق إلى نيل مطالبهم أن يقتلوا الخليفة ~~بالسم، وذلك هين على الطبيب. وكثيرا ما كانوا يخافون ذلك من ملوك الروم. فكان ~~الخلفاء يخافون أن يفعل الأطباء ذلك طمعا في مال أو منصب، فكانوا يبذلون الجهد في ~~أن يملأوا جيوبهم وعيونهم وقلوبهم. وكثيرا ما كانوا يمتحنون أمانتهم وسلامة ذمتهم ~~قبل التسليم لهم، كما فعل المتوكل بحنين بن إسحاق لما أراد أن يستطبه وقد خافه على ~~نفسه، فبعث إليه فلما حضر أقطعه إقطاعا سنيا وقرر له جاريا وخلع عليه ثم قال ~~له: «أريد أن تصف لي دواء يقتل عدوا نريد قتله سرا» فقال حنين: «ما تعلمت غير ~~الأدوية النافعة، ولا علمت أن أمير المؤمنين يطلب مني غيرها، فإن أحب أن أمضي ~~وأتعلم فعلت» فقال: «هذا شيء يطول بنا». ثم رغبه وهدده وحبسه في بعض القلاع سنة، ثم ~~أحضره وأعاد عليه القول وأحضر سيفا ونطعا وهدده بالقتل فقال: «لي رب يأخذ لي حقي ~~غدا في الموقف العظيم» فتبسم المتوكل وأخبره أنه أراد امتحانه. # 254 # ولنفس هذا السبب كان الخلفاء يوجبون على أطبائهم النصارى أو غيرهم التمسك بطقوس دياناتهم # 255 # ويكرمون أهل تلك الأديان من أجلهم. فقد كان ثابت بن قرة صابئيا، فلما ~~نال حظوة عند المعتضد تجددت الرئاسة للصابئة في مدينة السلام. وقلما كانوا يريدونهم ~~على الإسلام إلا نادرا، كما أراد القاهر ms0531 بالله سنان بن ثابت المذكور فهرب ثم أسلم ~~خوفا منه. على أن الصابئة كثيرا ما كانوا يصومون شهر رمضان مع المسلمين، كما ~~كان يفعل أبو إسحاق الصابي الكاتب المشهور في أيام عز الدولة، ومع ذلك فلما أراده ~~عز الدولة على الإسلام لم يفعل؛ لأنه كان متمسكا بدينه. والصابي هذا هو الذي رثاه ~~الشريف الرضي بقصيدته الدالية التي مطلعها: # 256 # أرأيت من حملوا على الأعواد # أرأيت كيف خبا ضياء النادي؟ # ولم يمنعه شرفه في الإسلام من هذا الرثاء. ويدلك ذلك على أن التعصب أو التساهل ~~إنما يكون مصدرهما من صاحب الأمر والنهي، فإذا كان الأمير معتدلا أو متعصبا كانت ~~رعيته مثله. ولذلك فقد كان التساهل في عصر النهضة العباسية شاملا على الخصوص أهل ~~الخلفاء وأهل الوجاهة والعلم. ولم يكن العالم المسلم يستنكف أن يأخذ العلم عن ~~نصراني، حتى الفارابي الفيلسوف الكبير فقد أخذ بعض علمه عن أحد نصارى حران # 257 # وكان النصارى من الجهة الأخرى لا يستنكفون من قراءة التوراة والإنجيل ~~على فقيه مسلم. # 258 # أما بذل الأمول للأطباء فلا حاجة إلى ذكره لشهرته، ومن مراجعة ثروة جبريل بن ~~بختيشوع في الجزء الثاني من هذا الكتاب كفاية. فضلا عما كانوا يكسبونهم من الأموال ~~غير الرواتب، فإن المأمون أمر أن كل من يتقلد عملا لا يخرج إلى عمله إلا بعد أن ~~يلقى طبيبه جبريل ويكرمه. وللمأمون شعر فيه: # أفي طبك يا جبري # ل ما يشفي ذوي العلة؟ # غزال قد سبى عقلي # بلا جرم ولا زلة # 259 # فكيف لا يزهو العلم ويزهر ويثمر في ظل هؤلاء؟ # ولم تكن تلك المحاسنة خاصة بالنهضة العباسية، بل كانت تتناول كل دولة نهضت للعلم، ~~فالدولة الفاطمية بمصر كان أكثر أطبائها من النصارى واليهود والسامريين، وكانت لهم ~~عندهم منزلة الأطباء في الدولة العباسية، فكانوا يغدقون عليهم الأموال، ويولونهم ~~الوظائف والمناصب ويستشيرونهم ويكرمونهم ويلقبونهم بألقاب الشرف، كسلطان الحكماء ~~وأمين الدولة ومعتمد الملك # 260 # ويخاطبونهم كما يخاطبون الأمراء والوزراء. كان طبيب العزيز بالله ~~الفاطمي نصرانيا اسمه منصور بن مقشر، فاعتل ms0532 الطبيب وتأخر عن الركوب، فلما ~~تماثل كتب إليه الخليفة العزيز بخط يده «بسم الله الرحمن الرحيم. على طبيبنا - سلمه ~~الله - سلام الله الطيب، وأتم النعمة عليه. وصلت إلينا البشارة بما وهبه الله من ~~عافية الطبيب وبرئه، والله العظيم لقد عدل عندنا ما رزقناه نحن من الصحة في جسمنا. ~~أقالك الله العثرة، وأعادك إلى أفضل ما عودك من صحة الجسم وطيبة النفس وخفض العيش ~~بحوله وقوته». # 261 # ويقال نحو ذلك في دولة الأندلس، فقد كان للأطباء والعلماء في أيام الحكم المستنصر ~~بن الناصر ما كان لهم في أيام المأمون لمشابهة بين الخليفتين. فقد كان الحكم محبا ~~للعلم والعلماء جماعا للكتب كما سيأتي. على أن حال هؤلاء العلماء كانت تختلف ~~باختلاف الخلفاء واختلاف العصور. ~~(8-2) انتشار العلوم الدخيلة في المملكة الإسلامية # لم تكد العلوم الدخيلة تنقل إلى العربية حتى أخذ المسلمون في درسها والاشتغال ~~بها. وكان اشتغالهم في بادئ الرأي على سبيل التلخيص أو الشرح أو التعليق، حتى إذا ~~نضج تمدنهم وانتشرت العلوم في البلاد - للأسباب الآتية - أخذ المسلمون في التأليف ~~من عند أنفسهم، وبعد أن كانت العلوم في القرنين الأولين نقلية إنما تحتاج إلى ~~الادخار في الذاكرة، أصبحت في القرنين التاليين وما بعدهما عقلية عمدتها النظر ~~والقياس والتحليل والتركيب. # وكانت بغداد كعبة العلم ومحج العلماء ومنبت أهل الفضل ومقر نقلة العلم في أثناء ~~النهضة العباسية، وخصوصا في أيام المأمون. حتى إذا تولى المعتصم واستكثر من ~~الأتراك، وظهرت منهم الإساءة لأهل بغداد نفر الناس وتباعدت القلوب، ولكن المعتصم ~~كان على مذهب أخيه المأمون في الاعتزال وإكرام الشيعة، فظلت بغداد على نحو ما كانت ~~عليه في أيام المأمون. وكان الواثق يتشبه بالمأمون في حركاته وسكناته، وكان يعقد ~~المجالس مثله للمباحثة بين الفقهاء والمتكلمين في أنواع العلوم العقلية والسمعية في ~~جميع الفروع. # 262 # فلما توفي الواثق سنة 233ه خلفه أخوه جعفر المتوكل، وكان شديد الانحراف عن الشيعة ~~والمعتزلة، حتى أمر بهدم قبر الحسين بن علي وما حوله من المنازل ومنع الناس من ~~إتيانه، وكان ms0533 كثير الاستهزاء بعلي # 263 # وكان يجالس من اشتهر ببغضه. وخالف ما كان عليه المأمون والمعتصم ~~والواثق من الاعتقاد، فأبطل القول بخلق القرآن، ونهى عن الجدل والمناظرة في الآراء، ~~وعاقب عليه، وأمر بالرجوع إلى التقليد ونصر السنة والجماعة، وأمر الشيوخ والمحدثين ~~بالتحديث، فانحط علم الكلام بعد أن بلغ رونقه في أيام الرشيد وخلفائه، فأخذ في ~~التقهقر في أيام المتوكل؛ لأنه كان شديد الوطأة على أصحاب الرأي وأصحاب الفلسفة ~~وسائر العلوم الدخيلة. وأخذ منذ تولى الخلافة في مناوأتهم، فأهلك جماعة من العلماء ~~وحط مراتبهم وعادى العلم وأهله، ولاقى أهل الذمة منه الشدائد بتغيير زيهم وتذليلهم وإهانتهم. # 264 # ومن أشهر حوادث نقمته على خدمة العلم، أنه غضب على بختيشوع الطبيب وقبض ~~ماله ونفاه إلى البحرين، وقتل أبا يوسف يعقوب المعروف بابن السكيت # 265 # وسخط على عمر بن مصرح الراجحي وكان من علية الكتاب، وأخذ منه مالا ~~وجوهرا وأمر أن يصفع في كل يوم، فأحصى ما صفع به فكان ستة آلاف صفعة. # 266 # ومات المتوكل مقتولا سنة 247ه، قتله رجاله بتحريض ابنه فاضطربت أحوال الخلافة ~~واستفحل شأن الأتراك، فنفرت قلوب طلبة العلم وأكثرهم من الفرس والعرب، فتفرقوا من ~~بغداد رويدا رويدا إلى أنحاء المملكة الإسلامية شرقا وغربا، ولذلك كان أكثر من ~~ظهر من العلماء - بعد نضج العلم في القرن الرابع للهجرة فما بعده - إنما نبغوا خارج ~~بغداد، وفيهم الأطباء والفلاسفة والمهندسون والمتكلمون وأصحاب المنطق والفقهاء ~~واللغويون وغيرهم. # فكان مركز الطب والطبيعيات والفلسفة - عند ظهور الإسلام - في الإسكندرية، ثم ~~انتقل في أيام عمر بن عبد العزيز في آخر القرن الأول للهجرة إلى أنطاكية. وكان مركز ~~العلوم الإسلامية في أول الإسلام في المدينة، ثم انتقل إلى البصرة، ومنها إلى ~~الكوفة. فلما بنيت بغداد انتقلت إليها تلك العلوم، ثم انضمت إليها العلوم الدخيلة، ~~فأصبحت بغداد أم المدائن في العلم والأدب والفلسفة والطب وسائر العلوم العقلية ~~والنقلية. فلما اضطربت أحوال الخلافة في أيام المتوكل، ثم لما نشأت الدول الجديدة ~~في أنحاء المملكة الإسلامية بالتفرع والتشعب على مقتضى ناموس ms0534 الارتقاء، تفرق ~~العلماء وأصبح للعلم مراكز كثيرة قد يتفاضل بعضها على ببعض. وتدرج الانتقال من ~~بغداد أولا إلى العراق العجمي، فخراسان وما وراء النهر من المشرق ثم إلى القاهرة ~~وما إليها من المغرب والأندلس. # وربما كانت الأندلس أسبق من سواها إلى الأدب والشعر؛ لأنها ورثت دول المشرق في ~~ذلك، فأصبحت قرطبة في الدولة المروانية قبة الإسلام ومجتمع العلماء، وإليها كانت ~~الرحلة في رواية الشعر ومناشدة الشعراء، # 267 # وهي في ذلك وفي غيره مدينة لبغداد وخصوصا في العلوم الدخيلة. فإن ~~الموسيقى نقلت إليها من بغداد على يد زرقون وعلون، دخلا في أيام الحكم بن هشام. # 268 # وأما الفلسفة فقد دخلتها في عهد عبد الرحمن الأوسط المعاصر للمأمون ~~وازدهت في أيام الحكم بن الناصر # 269 # أما الطب فدخل المغرب ثم الأندلس على يد إسحاق بن عمران، أصله من بغداد ~~ورحل إلى المغرب ونقل الطب معه # 270 # في أوائل القرن الثالث. على أن أطباء الأندلس ومصر ما زالوا حينا من ~~الدهر يرحلون في إتقان الطب وغيره من العلوم الدخيلة إلى بغداد. حتى يهود الأندلس ~~فقد كانوا يستخرجون فقههم من يهود بغداد # 271 # ويقال نحو ذلك في سائر بلاد الإسلام. # وبالجملة فإن بذور العلم التي ألقاها خلفاء النهضة العباسية في بغداد، ظهرت ~~ثمارها في خراسان والري وخوزستان وأذربيجان وما وراء النهر، وفي مصر والشام ~~والأندلس وغيرها. وظلت بغداد مع ذلك حافلة بالعلماء بقوة الاستمرار، وبما فيها من ~~أسباب الثروة ولأنها مركز الخلافة. فنبغ فيها جماعة من أهل العلم المسلمين، فضلا ~~عن الأطباء النصارى الذين كانوا يخدمون الخلفاء في التطبيب والترجمة. # على أن أكثر العلماء غير المسلمين، الذين نبغوا فيها بعد تلك النهضة، كانوا ~~يتقاطرون إليها من أنحاء جزيرة العراق وغيرها لخدمة الخلفاء، أما المسلمون فالغالب ~~أن يكون ظهورهم خارج العراق، ولا سيما وأن أكثر ملوك الدول الجديدة التي تفرعت من ~~الدولة العباسية اقتدوا بخلفاء النهضة العباسية، في ترغيب أهل العلم واستقدامهم إلى ~~عواصمهم في القاهرة وغزنة ودمشق ونيسابور وإصطخر وغيرها. فالرازي من الري، وابن ms0535 ~~سينا من بخارى في تركستان، والبيروني من بيرون في بلاد السند، وابن جلجل النباتي من ~~أهل الأندلس، وكذلك ابن باجة الفيلسوف وابن زهر الطبيب وأقاربه آل زهر وابن رشد ~~وابن الرومية النباتي وكلهم من الأندلس. # أما مصر فأكثر أطبائها المشاهير من النصارى واليهود والسامريين، وقد نبغ فيها ابن ~~الهيثم من أهل الفلسفة والطبيعيات، وعلي بن رضوان الطبيب الشهير والشيخ السديد رئيس ~~الأطباء، ورشيد الدين أبو حليقة الطبيب الفيلسوف، وضياء الدين بن البيطار النباتي ~~الشهير. أما الشام فقد نبغ منها الفارابي الفيلسوف، وأبو المجد بن أبي الحكم، وشهاب ~~الدين السهروردي، وموفق الدين البغدادي الرحالة، ناهيك بعدد عديد من النصارى الذين ~~خدموا الخلفاء والأمراء في الطب والفلسفة وغيرهما ممن نبغ في الشام. # ويقال نحو ذلك في علماء العلوم الإسلامية، كالفقهاء والمحدثين واللغويين ~~والشعراء، فإنهم مع بقاء بغداد آهلة بهم فقد ظهر جماعة كبيرة منهم في خارجها، ~~وألقابهم تدل على أماكنهم، كالبخاري والشيرازي والنيسابوري والسجستاني والفرغاني ~~والبلخي والخوارزمي والفيروزابادي والحموي والدمشقي والفيومي والسيوطي والقرطبي ~~والإشبيلي وغيرهم. ~~(8-3) الخلفاء والأمراء والعلم ~~(أ) اشتغال الخلفاء والأمراء بالعلم # فلا غرو إذا احتفى الخلفاء والأمراء بأهل العلم وحاسنوهم، وهم أنفسهم كانوا ~~من طلبة العلم ومريديه، وإذا كان الملك أو الأمير عالما زها في أيامه العلم ~~وسعد خدمته. ومن شروط الخلافة في الإسلام أن يكون الخليفة عالما بالأمور ~~الشرعية، ولذلك كان الخلفاء في الغالب عالمين بها، يعقدون المجالس للنظر فيها ~~ويقربون الفقهاء والمحدثين، وتطرقوا من ذلك إلى الرغبة في النحو واللغة ~~والتاريخ، لارتباط تلك العلوم بعضها ببعض، والعلم مترابط يطلب بعضه بعضا. فلما ~~أقاموا في العراق، وأحاط بهم أهل العلوم الطبيعية والفلسفة والنجوم من السريان ~~والفرس، واطلعوا على شيء من تلك العلوم، تاقت أنفسهم إليها واشتغلوا بها، وكان ~~ذلك الاشتغال باعثا على استنارة الخلفاء والأمراء، فنبغ من ذلك العصر فما بعده ~~جماعة من الخلفاء، انتظموا في سلك أهل العلم الطبيعي فضلا عن الأدبي. # وأعلم خلفاء بني العباس المأمون، فقد كان عالما بالشرع واللغة والنجوم ~~والفلسفة والمنطق، ويقابله في ms0536 الدول الإسلامية الأخرى الحكم المستنصر بن الناصر ~~الأموي في الأندلس (توفي سنة 366ه) والحاكم بأمر الله الفاطمي في مصر (توفي سنة ~~411ه) أما الحكم فقد كان مع رغبته في العلم جماعا للكتب يبذل الأموال في ~~استجلابها من الأقطار. وأما الحاكم فقد كان عالما بالنجوم وبنى مرصدا وأنشأ ~~مكتبة كما سيأتي، وكذلك كان عبد الرحمن الأوسط أمير الأندلس المتوفى سنة 238ه # 272 # وهو أول من وصلت إليه كتب الفلسفة من أمراء الأندلس واطلع عليها ~~وتظاهر بها، اقتداء بالمأمون لقرب عهده منه. أما قبلهما فلم يكن أحد من الخلفاء ~~يعرف الفلسفة، وإذا عرفها فلا يجسر على التظاهر بها، ولكنهم كانوا يعرفون ~~النجوم ويشتغلون بها، كما فعل المنصور والرشيد. أما بعد النهضة العباسية فقد ~~تظاهر بعض الخلفاء بالفلسفة والعلم الطبيعي. # أما الأدب والشعر فكان للخلفاء حظ وافر منهما، وقد ذكرنا بباب الشعر من اشتغل ~~به منهم. أما الأدب فقد كان السفاح تعجبه المحادثة ومفاخرات العرب من نزار واليمن # 273 # وكان المنصور صاحب أخبار وآداب وله كتاب فيها # 274 # وكان الهادي يجالس الأدباء يقصون عليه الأخبار والأشعار. وابن ~~المعتز أول من ألف في علم البديع # 275 # وإبراهيم بن المهدي كان من علية أهل الأدب والشعر. ويقال نحو ذلك ~~في بني حمدان في حلب، وبني عباد في الأندلس، وبني بويه في بغداد. # وكان هؤلاء الخلفاء أو الأمراء يقدمون أهل العلم ويستوزرونهم . ومن الوزراء ~~العلماء: يحيى بن خالد وزير الرشيد، ويعقوب بن كلس وزير العزيز بالله بمصر، ~~وكذلك كان أكثر الوزراء في الدولة العباسية وغيرها. # وإذا كان السلطان من أهل العلم فلا غرو إذا كثر العلماء في عصره وزها العلم ~~على يده؛ لأن الناس على ما يريد ملوكهم وخصوصا في الحكم المطلق؛ لأن ~~الأفكار تتجه إلى إرضاء الحاكم المطلق فيشتغلون بما يرضيه. قال أسامة بن معقل: ~~«كان السفاح راغبا في الخطب والرسائل يصطنع أهلها ويثيبهم عليها، فحفظت ألف ~~رسالة وألف خطبة طلبا للحظوة عنده فنلتها، وكان المنصور بعده معنيا بالأسمار ~~والأخبار وأيام العرب يدني أهلها ويجيزهم ms0537 عليها، فلم يبق شيء من الأسمار أو ~~الأخبار إلا حفظه طلبا للقربى منه، وكان موسى الهادي مغرما بالشعر يستخلص ~~أهله، فما تركت بيتا نادرا ولا شعرا فاخرا ولا نسيبا سائرا إلا حفظته، ~~ولم أر شيئا أدعى إلى تعلم الآداب غير رغبة الملوك في أهلها وصلاتهم عليها». # 276 ~~(ب) تأليف الكتب للخلفاء والأمراء # وهذا هو الواقع في كل عصر، وكل دولة. فالمأمون لولا حبه العلم وإحرازه شيئا ~~منه لم يقدم على ترجمة الكتب، وقد كان يعقد المجالس للمناظرة والمحاورة، وهو ~~الذي أمر الفراء بجمع أصول النحو وأخلاه في غرفة وأطلق له الأموال # 277 # فزها العلم في أيامه وخصوصا الفلسفة؛ لأنه كان يحبها. وما من ~~أمير ولا ملك محب للعلم إلا اجتمع العلماء حوله، وألفوا له الكتب فيما يحبه من ~~فروع العلم وهو يجيزهم عليها. فمحمد بن إسحاق الراوية الشهير ألف كتاب المغازي ~~للمنصور وهو في الحيرة # 278 # وابن بكار ألف كتاب الأخبار المعروف بالموفقيات للموفق بالله # 279 # والرازي ألف كتاب المنصوري باسم المنصور بن إسحاق، ولما تولى ~~عضد الدولة بن بويه دار السلام قرب إليه أهل العلم، فقصدوه من كل بلد وصنفوا ~~له «كتاب الإيضاح» في النحو و«كتاب الحجة» في القراءات و«كتاب الملكي» في الطب ~~و«التاجي» في تاريخ الديلم وغيرها، # 280 # وسعيد بن هبة الله الطبيب ألف كتاب المغني في الطب للمقتدي بأمر الله، # 281 # وقد يؤلفون الكتب للوزراء والأمراء ، فقد ألف الحريري مقاماته ~~لأنوشروان وزير المسترشد # 282 # وألف جبريل بن عبيد الله بن بختيشوع كتاب الكافي بلقب الصاحب بن ~~عباد لمحبته له. وقس على ذلك كثيرين ألفوا الكتب بأسماء الخلفاء والأمراء أو ~~الوجهاء. والغالب أن يكون الغرض من ذلك الطمع في العطايا الوافرة، وكانوا ~~ينالون شيئا كثيرا منها. فالمنصور الأندلسي أثاب على كتاب النصوص بخمسة آلاف دينار # 283 # والفردوسي نظم الشاهنامة للسلطان محمود الغزنوي على أن يعطيه على ~~كل بيت دينارا فبلغت 60000 بيت. # على أنهم لم يكونوا يجيزون على تأليف الكتب اعتباطا، وإنما كانوا ينظرون ~~فيها فإذا لم يتوسموا ms0538 فيها نفعا نبذوها وربما عاقبوا مؤلفيها، فأبو بكر الرازي ~~الطبيب ألف للمنصور بن إسحاق المذكور كتابا في صناعة الكيمياء فأجازه عليه ~~بألف دينار، ولكنه طالبه بإثبات ما فيه فلما عجز عن ذلك قال له المنصور: «ما ~~اعتقدت أن حكيما يرضى بتخليد الكذب في كتب ينسبها إلى الحكمة يشغل قلوب ~~الناس بها. وقد كافأتك على قصدك وتعبك بألف دينار. ولا بد من معاقبتك على تخليد ~~الكذب!» ثم أمر أن يضرب بالكتاب على رأسه حتى يتقطع، ثم جهزه وأرجعه إلى بغداد. # 284 # وكان بعض الأمراء والسلاطين يتفاخرون بتقريب العلماء وتأليف الكتب بأسمائهم، ~~وخصوصا في الأندلس بعد ذهاب دولة بني أمية منها وقيام دول الطوائف. فإنهم ~~كانوا يقلدون الخلفاء في حب العلم وتنشيط العلماء، وكان أكثرهم يحاضر العلماء ~~والأدباء ويحب أن يشتهر عنه ذلك وخصوصا عند مباديه في الرئاسة # 285 # وكانوا يتباهون أن يقال إن العالم الفلاني عند الملك الفلاني، ~~والشاعر الفلاني مختص بالملك الفلاني. وكان العلماء والشعراء يدلون عليهم ~~ويستعزون، وربما أبى الشاعر أن يمدح الملك إلا بمال معين يشترطه سلفا والملوك ~~يسترضونهم بما يريدون، وقد يقترح الأمير على العالم أن يؤلف كتابا باسمه فلا ~~يرضى ولو بالمال الكثير. حكي أن أبا غالب تمام بن غالب اللغوي القرطبي ~~المتوفى سنة 436ه، لما ألف كتابه في اللغة بعث إليه أبو الجيش مجاهد العامري ~~ملك دانية ألف دينار ومركوبا وكساء، على أن يجعل الكتاب المذكور باسمه فيزيد ~~في آخره : «هذا الكتاب مما ألفه أبو غالب لأبي الجيش مجاهد» فرد الدنانير وقال: ~~«كتاب ألفته لينتفع به الناس وأخلد فيه همتي أجعل في صدره اسم غيري وأصرف الفخر ~~له؟» فلما بلغ هذا مجاهدا استحسن أنفته وضاعف له العطاء وقال: «هو في حل من ~~أن يذكرني فيه لا نصده عن غرضه». # 286 # على أن بعض العلماء كانوا يؤلفون الكتب لأبنائهم وإخوانهم وأصدقائهم لا ~~يلتمسون على ذلك أجرا، وقد يؤلفون لأنفسهم، ومن لطيف ما جاء في مقدمة كتاب ~~حياة الحيوان للدميري قوله: «هذا الكتاب لم يسألني أحد تأليفه». ms0539 # وجملة القول أن التمدن الإسلامي كان حافلا بأهل العلم، من قصور الخلفاء ~~إلى المساجد ومنازل الأمراء والعامة إلى مجالس الغناء. وكانوا يعقدون المجالس ~~للمناظرة في العلوم على اختلافها، وفي الآداب على تنوع وجهاتها، وفي الشعر ~~وغيره، وكانوا يفرضون العلم على أولادهم وإخوانهم ومماليكهم وجواريهم وسراريهم. ~~وكانوا يعلمون الجواري ويثقفونهن ويحفظونهن القرآن ويروونهن الأشعار والأخبار ~~ويعلمونهن النحو والعروض والغناء ثم يتهادونهن. وقد كان عند زبيدة أم الأمين ~~مائة جارية يحفظن القرآن، وكان يسمع من قصرها دوي كدوي النحل من القراءة # 287 # حتى المخانيث فقد كانوا يؤدبونهم، وكان في قرطبة في أوائل القرن ~~الخامس للهجرة جملة من الفتيان المخانيث ممن أخذ من الأدب بأوفر نصيب ولهم فيه مؤلفات. # 288 # وأغرب من ذلك بذلهم الأموال للمطالعين، فضلا عن المؤلفين، فالملك المعظم شرف ~~الدين عيسى الأيوبي صاحب دمشق كان من رغاب الأدب، فاشترط لكل من يحفظ كتاب ~~المفصل للزمخشري مائة دينار وخلعة، فحفظه جماعة كبيرة # 289 # وهذه منقبة لم يسمح بمثلها. ~~(8-4) المؤلفون والمؤلفات # فلا عجب والحالة هذه إذا كثر المؤلفون وتعددت مؤلفاتهم واتسعت مباحثهم، وكان منهم ~~الملوك والأمراء والوزراء والأغنياء والفقراء، وفيهم العرب والفرس والروم واليهود ~~والسريان والهنود والترك والديلم والقبط، وغيرهم من الملل الخاضعة للإسلام في أنحاء ~~العالم المتمدن يومئذ، في الشام ومصر والعراق وفارس وخراسان وما وراء النهر والهند ~~وفي المغرب والأندلس وغيرها. وقد حوت مؤلفاتهم البحث في كل ما أنتجته قريحة الإنسان ~~إلى ذلك الزمان، من الطبيعيات والإلهيات والعقليات والرياضيات والنقليات. ودعت ~~أبحاثهم الواسعة إلى تشعب العلوم وتفرعها حتى زادت على خمسمائة علم، ذكرها طاشكبرى ~~زاده في مفاتيح العلوم، ومنها ما لم يكن له وجود قبل الإسلام، كالاقتصاد السياسي، ~~وفلسفة التاريخ، والموسوعات التاريخية، والجغرافية. غير العلوم الإسلامية الخاصة ~~بلغة العرب وآداب المسلمين. # وقد تعددت مؤلفاتهم حتى أصبحت تعد بعشرات الألوف، ويستدل على كثرتها مما بقي من ~~خبرها إلى القرن الحادي عشر للهجرة على ما في كشف الظنون. فقد بلغ عدد المؤلفات ~~المذكورة هناك 14501 غير الشروح والتعاليق، وغير ما ضاع ms0540 خبره منها في النكبات ~~المتوالية في أثناء الفتن الداخلية بين الفرق الإسلامية وغيرها، وما كان يحرقه ولاة ~~الأمر من كتب الفلسفة ومتعلقاتها، اضطهادا لأصحابها كما سيجيء. حتى ذهب معظم ما ~~ترجموه أو ألفوه ولم يبق منها إلا النزر اليسير. # ولا ريب عندنا أن الضائع من كتب المسلمين يزيد على أضعاف الباقي. ومما يؤيد ذلك ~~أن بعض المؤلفين القدماء. كالمسعودي والطبري وابن الأثير وغيرهم، ذكروا في مقدمات ~~كتبهم كثيرا من أسماء المؤلفات التي نقلوا كتبهم عنها وقلما نجد أسماءها في ~~الفهارس. # ومن المؤلفين المسلمين من بلغت مؤلفاته بضع مئات إلى الألف، فمؤلفات أبي عبيدة ~~200 مؤلف في علوم مختلفة، ومؤلفات ابن سريج 400، ومؤلفات ابن حزم 400 مجلد، ومؤلفات ~~القاضي الفاضل مائة كتاب. # وقس على ذلك مؤلفات كثير من العلماء في الموضوعات المختلفة، كمؤلفات الرازي ~~والسيوطي وابن سينا، وقد بلغت مؤلفات بعضهم ألف كتاب كعبد الملك بن حبيب عالم الأندلس # 290 # وقد عدت مؤلفات جمال الدين العيني الحافظ وقسمت على عمره فبلغ كل يوم ~~تسع كراريس. # 291 # ناهيك بضخامة تلك المؤلفات، فإن بعضها يتألف من عشرات المجلدات، وخصوصا كتب ~~التاريخ، فكتاب مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي أربعون مجلدا، وتاريخ دمشق لابن عساكر ~~ثمانون مجلدا، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي 14 مجلدا، والأغاني عشرون مجلدا، ~~وابن الأثير 12 مجلدا، ويقال نحو ذلك في غير كتب الأدب كشرح كتاب النبات لأبي ~~حنيفة الدينوري فإنه بلغ ستين مجلدا # 292 # وتقدير المجلد يختلف باختلاف الأحوال، فإذا اعتبرنا تقسيم ابن الأثير ~~والأغاني إلى مجلدات رأينا المجلد عبارة عن 200 صفحة فأكثر ولكننا رأينا في بعض ~~النصوص أن تقدير المجلد عشر ورقات، # 293 # وربما اختلف ذلك باختلاف الموضوعات. # والغالب في المؤلفات الكبرى عندهم أن تكون من قبيل الموسوعات الحاوية في موضوعها ~~وما يقاربه. فمعجم ياقوت موضوعه الأصلي في الجغرافية، ولكنه يحوي تراجم جماعة كبيرة ~~من علماء الإسلام وأدبائه. والأغاني في الغناء ولكنه يشمل فوائد ذات شأن في تاريخ ~~العرب وآدابهم في الجاهلية وأوائل الإسلام، والعقد الفريد كتاب في الأدب، ms0541 ولكن فيه ~~فوائد كثيرة في الشعر والعروض والأخلاق والتاريخ وغيرها، وقس على ذلك سائر كتب ~~التراجم أو التواريخ المطولة. ومن هذا القبيل الكتب الطبية كالقانون لابن سينا، ~~فإنه عبارة عن قاموس جامع لفنون الطب كالتشريح والفسيولوجيا والباثولوجيا والنبات ~~والصيدلة وغيرها، وكذلك كتاب الرازي. وقد يجمع الكتاب الواحد موضوعات متباعدة، ~~ككتاب حياة الحيوان للدميري، فإن موضوعه علم الحيوان ولكنه حوى شيئا كثيرا من ~~التاريخ والآداب والأخلاق والطب والصيدلة والنبات، والكشكول كتاب في الأدب والحكم ~~ولكن فيه مقالات وفصولا في فنون متناقضة، كالجبر والهندسة والمنطق والنجوم ~~والفلسفة والتاريخ والأدب واللاهوت والفقه والحديث وغيرها. ~~(9) تأثير الإسلام في العلوم الدخيلة # لما نضج التمدن الإسلامي وانتشرت العلوم الدخيلة في بلاد الإسلام، عني المسلمون ~~بدرسها ونبغ منهم جماعة فاقوا أصحابها وأدخلوا فيها آراء جديدة، فتنوعت وارتقت على ما ~~اقتضاه الإسلام والآداب الإسلامية وما مازجها من علوم الأمم الأخرى، فأصبحت على شكل خاص ~~بالتمدن الإسلامي. فلما نهض أهل أوربا إلى استرجاع علوم اليونان، أخذوا معظمها عن اللغة ~~العربية وفيها الصبغة الإسلامية. فلنبحث فيما أثره التمدن الإسلامي في علوم التمدن ~~القديم. ~~(9-1) الفلسفة في الإسلام # قرأ المسلمون الفلسفة في كتب أفلاطون وأرسطو، وما علقه عليها اليونان من الشروح ~~وأضافوا إليها من الآراء، وهي تشمل المنطق والطبيعيات والإلهيات والأخلاق. فبدأ ~~المسلمون أولا بدرس هذه الكتب، ثم أخذوا في شرحها أو تلخيصها، ثم عمدوا إلى ~~الكتابة في تلك الموضوعات من عند أنفسهم،. ويندر أن يشتغل الواحد منهم في الفلسفة ~~دون الطب والنجوم، أو في الطب دون الفلسفة والنجوم، أو بالعكس. ومن أقوال حنين: ~~«إن الطبيب يجب أن يكون فيلسوفا» لكنهم كانوا يلقبون العالم بما غلب اشتغاله ~~فيه. ~~(أ) الفلاسفة المسلمون في الشرق # وأكبر فلاسفة المسلمين وأشهرهم وأسبقهم يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي، ~~وهو عربي الأصل دون سواه من الفلاسفة، ويتصل نسبه بملوك كندة ولذلك سموه فيلسوف ~~العرب. فبعد أن كان العرب في صدر الإسلام يستنكفون من الاشتغال بالعلوم حتى ~~الإسلامية، وبعد أن عملوا على إبادة ما عثروا عليه من ms0542 علوم الأقدمين في مصر ~~وفارس، أصبحوا لا يستنكفون من الاشتغال حتى بالعلوم الفلسفية الدخيلة. وأول من ~~اشتغل بها منهم أبناء ملوكهم. كان الكندي معاصرا للمأمون والمعتصم إلى ~~المتوكل، وكانت له عندهم منزلة سامية، وقد برع في الطب والفلسفة والحساب ~~والمنطق والألحان والهندسة وطبائع الأعداد وعلم النجوم، وقد نبغ وليس في ~~المسلمين فيلسوف غيره، وحذا في تآليفه حذو أرسطوطاليس، وله ترجمات عديدة نقلها ~~لنفسه، وكان يعد من حذاق التراجمة ولم يذكر بينهم؛ لأنه لم يرتزق بالترجمة. ~~وقد ألف الكندي في معظم العلوم الدخيلة كتبا كثيرة، ذكرها صاحب الفهرست وإليك ~~عددها باعتبار العلوم: # في الفلسفة # 22 كتابا # في الحساب # 11 كتابا # في النجوم # 19 كتابا # في الهندسة # 23 كتابا # في الفلكيات # 16 كتابا # في الطب # 22 كتابا # في الجدل # 17 كتابا # في السياسة # 12 كتابا # في الأحداث # 14 كتابا # في الطبيعيات إلخ # 33 كتابا # في الكريات # 8 كتب # في المنطق # 9 كتب # في الموسيقى # 7 كتب # في الأحكام # 10 كتب # في النفس # 5 كتب # في الأبعاد # 8 كتب # في تقدمة المعرفة # 5 كتب # المجموع كله # 231 كتابا # وأكثر هذه الكتب قد ضاع. ويتضح من مراجعة أسمائها أن الرجل كان كثير التضلع ~~في هذه العلوم، حتى انتقد أصحابها وخطأهم. وللكندي تلامذة حذوا حذوه. # ويليه أبو نصر الفارابي المتوفى سنة 339ه، أصله من فاراب ببلاد الترك لكنه ~~فارسي المنتسب # 294 # وقد نشأ في الشام واشتغل فيها، وكان فيلسوفا كاملا درس كل ما ~~درسه الكندي من العلوم، وفاقه في كثير منها وخصوصا في المنطق، وتعمق في ~~الفلسفة والتحليل وأنحاء التعاليم، وأفاد التعليم وجوه الانتفاع بها، وألف ~~كتبا في موضوعات لم يسبقه أحد إليها، ككتابه «في إحصاء العلوم والتعريف ~~بأغراضها» وهو أشبه بقاموس علمي على شكل موسوعات العلوم لم يذهب مذهبه فيه أحد ~~قبله، وكتاب «السياسة المدنية» وهو الاقتصاد السياسي الذي يزعم أهل التمدن ~~الحديث أنه من مخترعاتهم، وقد كتب فيه الفارابي منذ ألف سنة، ثم كتب فيه ابن ~~خلدون في مقدمته. وبرع الفارابي خصوصا في ms0543 علم الموسيقى حتى أصبح لا يضاهيه فيه ~~أحد، واخترع القانون كما سيأتي في باب الموسيقى، وأصلح ما بقي من الترجمات غير ~~مصلح فسموه المعلم الثاني. # 295 # وممن غلبت عليه الفلسفة من علماء المسلمين الشيخ الرئيس ابن سينا المتوفى سنة ~~428ه، وله من المؤلفات نحو مائة كتاب منها 26 في الفلسفة فقط، ومنهم أبو حامد ~~الغزالي الملقب حجة الإسلام المتوفى سنة 505ه، وهو إمام التصوف ... غير الذين ~~ظهروا في الأندلس، وسيأتي ذكرهم. على أن الإفاضة في ذكر الفلاسفة ومؤلفاتهم ~~وآرائهم من متعلقات «تاريخ آداب اللغة»، فنقتصر هنا على تاريخ الفلسفة في ~~الإسلام وما كان من تأثيرها في الدين والعلم. # أهم ما كان من تأثير الفلسفة في الإسلام أنهم بنوا عليها علم الكلام وأيدوه ~~بها، لتقوى حجتهم فيما قام بينهم من المجادلات المذهبية، واشتهر علم الكلام في ~~المسلمين وعكفوا على درسه، وخصوصا المعتزلة، واشتهر به جماعة من علية القوم، ~~وفي جملتهم الشريف المرتضى والزمخشري والباقلاني وغيرهم. # وأما الفلسفة في حد ذاتها فقد كان أصحابها متهمين بالكفر، وكان الانتساب ~~إليها مرادفا للانتساب إلى التعطيل، ومن أقوالهم: «كان فلان - سامحه الله - ~~يتهم بدينه لكون العلوم العقلية غالبة عليه»، # 296 # وقد شاع ذلك في بغداد بين العامة، حتى في أيام المأمون، ولذلك سماه ~~بعضهم أمير الكافرين # 297 # ولكنهم لم يكونوا يتظاهرون بذلك، حتى ذهب عصر المأمون والمعتصم ~~والواثق، وتولى المتوكل فأصبح مريدو الفلسفة يتجنبون الظهور بها، أو ينكرونها ~~وهم كلفون بها فكانوا يشتغلون فيها سرا فألفوا الجمعيات السرية لهذه ~~الغاية. ~~(ب) جمعية إخوان الصفا # ومن جمعياتهم السرية الفلسفية جمعية إخوان الصفا، تألفت في بغداد في أواسط ~~القرن الرابع للهجرة، وذكروا من أعضائها خمسة هم: أبو سليمان محمد بن معشر ~~البستي ويعرف بالمقدسي ، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد ~~المهرجاني، والعوفي، وزيد بن رفاعة # 298 # وكانوا يجتمعون سرا ويتباحثون في الفلسفة على أنواعها، حتى صار ~~لهم فيها مذهب خاص، هو خلاصة أبحاث الفلاسفة المسلمين بعد اطلاعهم على آراء ~~اليونان والفرس والهند، وتعديلها على ما ms0544 يقتضيه الإسلام. وأساس مذهبهم أن ~~الشريعة الإسلامية تدنست بالجهالات واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها ~~وتطهيرها إلا بالفلسفة، لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية، ~~وأنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال. # وقد دونوا فلسفتهم هذه في خمسين رسالة سموها رسائل إخوان الصفا، وكتموا ~~أسماءهم. وهي تمثل الفلسفة الإسلامية على ما كانت عليه في إبان نضجها، وتشمل: ~~النظر في مبادئ الموجودات، وأصول الكائنات إلى نضد العالم، فالهيولي والصورة، ~~وماهية الطبيعة، والأرض والسماء ووجه الأرض وتغيراته، والكون والفساد، والآثار ~~العلوية، والسماء والعالم، وعلم النجوم، وتكوين المعادن، وعلم النبات، وأوصاف ~~الحيوانات، ومسقط النطفة وكيفية رباط النفس بها، وتركيب الجسد، والحاس ~~والمحسوس، والعقل والمعقول، والصنائع العلمية والعملية، والعدد وخواصه، ~~والهندسة والموسيقى، والمنطق وفروعه، واختلاف الأخلاق، وطبيعة العدد، وأن ~~العالم إنسان كبير والإنسان عالم صغير، والأكوار والأدوار، وماهية العشق والبعث ~~والنشور، وأجناس الحركات، والعلل والمعلولات، والحدود والرسوم ... وبالجملة فقد ~~ضمنوها كل علم طبيعي أو رياضي أو فلسفي أو إلهي أو عقلي. وبين أيدينا خلاصة هذه ~~الرسائل مطبوعة في ليبسك بعناية الدكتور ديتريشي في نحو 650 صفحة كبيرة. ويظهر ~~من إمعان النظر فيها أن أصحابها كتبوها بعد البحث الدقيق والنظر الطويل. وفي ~~جملة ذلك آراء لم يصل أهل هذا الزمان إلى أحسن منها. وفي ذلك الكتاب فصل في ~~كيفية عشرة إخوان الصفا وتعاونهم بصدق المودة والشفقة، وأن الغرض منها التعاضد ~~في الدين. وذكروا شروط قبول الإخوان فيها وغير ذلك. # وكان المعتزلة ومن جرى مجراهم يتناقلون هذه الرسائل ويتدارسونها ويحملونها ~~معهم سرا إلى بلاد الإسلام، ولم تمض مائة سنة على كتابتها حتى دخلت الأندلس ~~على يد أبي الحكم عمرو بن عبد الرحمن الكرماني وهو من أهل قرطبة، رحل إلى ~~المشرق للتبحر في العلم على جاري عادة الأندلسيين فلما عاد إلى بلاده حمل معه ~~الرسائل المذكورة وهو أول من أدخلها الأندلس # 299 # فما لبثت أن انتشرت هناك حتى تناولها أصحاب العقول الباحثة وأخذوا ~~في درسها وتدبرها. ~~(ج) فلاسفة الأندلس # وكانت الفلاسفة قد دخلت الأندلس في ms0545 أيام عبد الرحمن الأوسط كما تقدم، وقد أخذ ~~الأندلسيون بشيء منها، وظهر فيهم جماعة اشتهروا بعلوم الأوائل والنجوم، وأولهم ~~أبو عبيدة مسلم بن أحمد المعروف بصاحب القبلة توفي في أواخر القرن الثالث ~~للهجرة. ثم يحيى بن يحيى القرطبي المعروف بابن السمينة المتوفى سنة 315ه، وأبو ~~القاسم مسلمة بن أحمد المعروف بالمرجيطي أو المجريطي من أهل قرطبة، كان إمام ~~الرياضيين في عصره بالأندلس توفي سنة 398ه، وأنجب تلامذة جلة، أشهرهم ابن السمح ~~المهندس الغرناطي، وابن الصفار أستاذ الرياضيات في قرطبة، والزهراوي صاحب كتاب ~~الأركان في المعاملات على طريق البرهان، وأبو الحكم عمرو الكرماني المتقدم ~~ذكره، فإنه رحل إلى المشرق حتى نزل حران وتعلم فيها الهندسة والطب، ثم رجع ~~برسائل إخوان الصفا إلى الأندلس وتوفي في سرقسطة سنة 458ه. # على أن هؤلاء إنما اقتصروا من علوم الأوائل على الرياضيات والنجوم ~~والهندسة ونحوها، أما الفلسفة بمعناها الحقيقي فلم يعن أهل الأندلس بها إلا ~~بعد دخول رسائل إخوان الصفا، وكان المستنصر بن الناصر قد استجلب كتب الفلسفة من ~~المشرق فتداولها الناس، ولكنهم لم ينبغوا فيها إلا بعد مطالعة تلك الرسائل. ~~فنبغ أبو بكر بن باجة الفيلسوف الأندلسي الشهير المتوفى سنة 533ه، ويعرف بابن ~~الصائغ، ومن تلاميذه القاضي أبو الوليد بن رشد الفيلسوف القرطبي المتوفى سنة ~~595ه، ونبغ أيضا ابن الطفيل وابن هود وغيرهما، وقد ألفوا المؤلفات الضافية في ~~فروع الفلسفة مما اتخذه الإفرنج قاعدة لفلسفتهم في أوائل نهضتهم. # على أن أولئك الفلاسفة كانوا عرضة لاحتقار العامة، شأنهم في مثل هذه الحال ~~في سائر العصور. وكان الملوك يسايرون العامة في ذلك رغبة في استرضائهم لتوطيد ~~سلطانهم، فما من ملك إلا نقم على الفلاسفة واضطهدهم ومن أشهر الحوادث من هذا ~~القبيل نقمة المنصور بن أبي عامر صاحب الأندلس، في أواخر القرن السادس للهجرة، ~~فإنه اضطهد الفلاسفة ونفاهم، وفي جملتهم ابن رشد وأبو جعفر الذهبي وأبو عبد ~~الله قاضي بجاية وغيرهم # 300 # وعزم أن لا يترك شيئا من كتب المنطق والحكمة في بلاده، فأمر ~~بإحراقها في النار ms0546 وشدد النكير على المشتغلين بها، وأصبح العامة كلما قيل فلان ~~يشتغل في الفلسفة أو التنجيم أطلقوا عليه اسم زنديق وقيدت عليه أنفاسه، فإن زل ~~في شبهة رجموه بالحجارة أو أحرقوه. أما الخاصة فكانوا يدرسون الفلسفة سرا، ~~وربما أمر السلطان بقتل بعض الفلاسفة تقربا من قلوب العامة، ويكون هو نفسه يحبها. # 301 ~~(9-2) الطب في الإسلام ~~(أ) الطب الإسلامي # الطب الإسلامي خلاصة ما بلغ إليه علم الطب عند الأمم المتمدنة قبل الإسلام؛ ~~لأن المسلمين نقلوا إلى لسانهم كتب أبقراط وجالينوس وغيرهما من أطباء ~~اليونان، واطلعوا على ما كان عند السريان من الطب اليوناني الممزوج ببقايا طب ~~الكلدان القدماء، ونقل إليهم أطباء مدرسة جنديسابور طب اليونان بصبغته ~~الفارسية، واطلعوا على طب الهنود ممن جاءوا بغداد من أطبائهم، غير ما كان عند ~~العرب في أيام الجاهلية وتنوقل في الإسلام. # ومن تفاعل هذه العناصر وتمازجها تألف الطب الإسلامي، الذي تمثل بعد نضج العلم ~~في الكتاب الملكي (أو الملوكي) لأبي بكر الرازي الملقب جالينوس العرب، ألفه ~~للملك عضد الدولة بن بويه وجمع فيه كل ما وجده متفرقا من ذكر الأمراض ~~ومداواتها في كتب القدماء إلى زمانه في أواسط القرن الرابع للهجرة، وللرازي من ~~كتب الطب والفلسفة وغيرهما شيء كبير. # وما زال الناس يعولون على الكتاب الملوكي حتى ظهر القانون لابن سينا، وهو ~~منشور ومشهور إلى اليوم، وإذا قلبت صفحاته علمت أنه قاموس في الطب والصيدلة، ~~وقد جمع خلاصة أبحاث اليونان والكلدان والهنود والفرس والعرب في الأمراض ~~ومعالجتها والعقاقير وخصائصها. وليس هو طب اليونان فقط كما توهم البعض؛ لأنك ~~تقرأ في أماكن كثيرة منه تفصيلا لآراء الهنود وانتقاضها واستحسانها. ومما ذكره ~~من طبهم مثلا أنهم وصفوا أنواع العلق وأشكاله وخصائص كل منها، # 302 # ومن آرائهم أن أكل اللبن مع الحوامض أو مع السمك يورث أمراضا ~~منها الجذام. وقولهم: أن لا يؤكل ماست مع الفجل ولا مع لحوم الطير ولا سويق ~~على أرز بلبن أو نحو ذلك # 303 # ناهيك بالعقاقير الهندية التي تدل أسماؤها على أصلها. # ومن ms0547 الكتب الطبية الإسلامية التي استفاد منها الإفرنج في نهضتهم الأخيرة كتاب ~~«التصريف لمن عجز عن التأليف» لأبي القاسم خلف بن عباس الزهراوي الأندلسي من ~~أهل القرن الخامس للهجرة، وهو قاموس في الطب ويمتاز عن سواه بالقسم الجراحي، ~~وكتاب التيسير لعبد الملك بن زهر الأندلسي ألفه لابن رشد الفيلسوف في أواسط ~~القرن السادس للهجرة، وأطباء المسلمين كثيرون، وكتبهم كثيرة لا محل لذكرها ~~هنا. ~~(ب) الأطباء المسلمون # ولو أحصينا الأطباء المسلمين الذين نبغوا بعد ترجمة الكتب الطبية إلى انقضاء ~~النهضة العباسية وابتداء عصر التقهقر، أي في أثناء ثلاثة أو أربعة قرون، لزاد ~~عدد المؤلفين منهم ممن بلغت إلينا أسماؤهم على بضع مئات، وأكثرهم اشتغلوا بسائر ~~العلوم الدخيلة وألفوا الكتب العديدة، وترى ذلك مفصلا في طبقات الأطباء لابن ~~أبي أصيبعة، وتراجم الحكماء لابن القفطي، وكتاب كشف الظنون وغيرها. أما عدد ~~الأطباء على الإطلاق فمما لا يمكن حصره لضياع ذلك مع الزمان، وإنما يستدل من ~~بعض القرائن أنه كان كثيرا جدا. فقد أحصوا أطباء بغداد وحدها في زمن ~~المقتدر بالله في أول القرن الرابع للهجرة فبلغ 860 طبيبا احتاجوا إلى ~~الامتحان لنيل الإذن في التطبيب، سوى من استغنى عن الامتحان لشهرته وسوى من كان ~~في خدمة الخليفة # 304 # فلا يمكن أن يكون مجموع ذلك كله أقل من ألف طبيب متعاصرين في مدينة ~~واحدة. وبلغ عدد أطباء النصارى فقط، في خدمة المتوكل بأواسط القرن الثالث ~~للهجرة 56 طبيبا. # 305 # وكان سيف الدولة إذا جلس على المائدة حضر معه 24 طبيبا، ومنهم من ~~يأخذ رزقين لتعاطيه علمين، ومن يأخذ ثلاثة أرزاق لتعاطيه ثلاثة علوم. # 306 # وكان للأطباء عندهم نظام وعليهم رئيس يمتحنهم ويجيز من يرى فيه الكفاءة ~~للتطبيب، وأشهر هؤلاء الرؤساء سنان بن ثابت في بغداد ومهذب الدين الدخوار في ~~مصر. ويقال نحو ذلك في الصيادلة، فقد كانوا كثارا، وتفشى الغش في الأدوية حتى ~~اضطر أولو الأمر إلى امتحانهم وإعطاء الإجازات أو المنشورات إلى الذين يحسنون ~~الصناعة ونفي الآخرين. وأول من فعل ذلك الأفشين في بغداد، ms0548 فقد وكل زكريا بن ~~الطيفوري به في حديث يطول ذكره # 307 # وكان من الأطباء أو الصيادلة من هو خاص بالجند يرافقه في أسفاره ~~ومنهم من هو خاص بالخلفاء والأمراء، ولهؤلاء رواتب خاصة ويعرفون بالمرتزقين. ~~ومنهم من يطببون العامة وهم غير مرتزقين. # وكان الأطباء طبقات وأصنافا، وفيهم الطبيب على إجماله والجراح والفاصد ~~والكحال والأسناني، ومن يعالج النساء والمحاظي فقط أو يطبب المجانين فقط. ~~على نحو الأطباء الإخصائيين في هذه الأيام. وكان الكحالون في مصر أكثر منهم في ~~سواها لتعرضهم لأمراض العين، وكانوا يعالجون الماء الأزرق بقدح العين على نحو ~~عملية الكتركتا اليوم. # ونبغ جماعة من النساء اشتهرن بصناعة الطب، منهن أخت الحفيد بن زهر الأندلسي ~~وابنتها، فقد كانتا عالمتين بصناعة الطب ولهما خبرة جيدة بمداواة النساء، ~~وكانتا تدخلان على نساء المنصور الأندلسي وأهله ولا يقبل المنصور سواهما # 308 # واشتهرت في أيام بني أمية بالشام امرأة اسمها زينب طبيبة بني أود، ~~كانت عالمة بالأعمال الطبية ومداواة العين بالجراحة # 309 # فضلا عمن اشتهر منهن بالعلم والأدب، كشهدة الدينورية وبنت دهين ~~اللوز الدمشقية وغيرهما. # وكان الفحص الطبي عندهم مقصورا على فحص البول وجس النبض، فيأتي المريض ومعه ~~قارورة الماء، أي زجاجة البول، فيسلمها إلى الطبيب فينظر فيها ثم يذوقها، ~~ليتحقق وجود الحوامض أو القوابض أو السكر فيها، ثم يجس النبض وعند ذلك يحكم في ~~حال المريض، لاعتقادهم أن النبض يدل على مزاج القلب، والبول على مزاج الكبد ~~وحال الأخلاط، ومهما يكن من اعتقادهم فإن هذه الطريقة لا تزال مما يعول عليه ~~الأطباء إلى اليوم. ~~(ج) ما الذي أحدثه المسلمون في الطب # بقي علينا النظر فيما أحدثه المسلمون في الطب من الاختراعات الجديدة أو ~~الآراء المبتكرة، والحكم في ذلك يستلزم درسا طويلا لا يسعه هذا المكان، على ~~أننا نقول بالاختصار: إن المسلمين جمعوا بين طب اليونان والفرس والهنود ~~والكلدان والعرب كما تقدم، وأضافوا إلى ذلك كثيرا من نتائج اختبارهم في هذه ~~الصناعة، كما يظهر من مراجعة كتبهم الطبية، فإنهم كثيرا ما يذكرون رأي ~~جالينوس أو ms0549 أبقراط مثلا وينتقدونه ويبينون وجه الخطأ وصوابه. # 310 # فضلا عما أدخلوه من الترتيب والتبويب في الكتب التي ترجموها، كما ~~فعل ابن أبي الأشعث بكتب جالينوس، فإنه رتبها وبوبها وفصلها تسهيلا لمطالعتها # 311 # غير ما أحدثوه من الشروح والذيول لكتب القدماء. ففي ذيل ابن جلجل ~~على كتاب ديسقوريدس عقاقير لم يعرفها القدماء. # أما ما أحدثوه من عند أنفسهم رأسا فالإحاطة به من الأمور الشاقة التي يعسر ~~تحقيقها، فنذكر ما ثبت عندنا حدوثه على سبيل المثال. من ذلك أنهم أحدثوا في ~~الطب آراء جديدة تخالف آراء القدماء في تدبير الأمراض، وإن لم يصلنا إلا خبر ~~القليل منها، مثل نقلهم تدبير أكثر الأمراض التي كانت تعالج قديما بالأدوية ~~الحارة (على اصطلاحهم) إلى التدبير البارد كالفالج واللقوة والاسترخاء وغيرها، ~~وذلك على غير ما سطره القدماء. وأول من فطن لهذه الطريقة ونبه عليها وأخذ ~~المرضى بالمداواة بها الشيخ أبو منصور صاعد بن بشر الطبيب في بغداد، فإنه أخذ ~~المرضى بالفصد والتبريد والترطيب ومنعهم من الغذاء، فأنجح تدبيره فعينوه رئيسا ~~للمارستان العضدي، فرفع منه المعاجين الحارة والأدوية الحارة، ونقل تدبير المرض ~~إلى ماء الشعير ومياه البذور، فأظهر في المداواة عجائب فاقتدى به سائر الأطباء بعده. # 312 # والعرب أول من استخدم المرقد # 313 ~~«البنج» في الطب، يقال: إنهم استخدموا له الزوان أو الشيلم، وهم ~~أول من استخدم الخلال المعروف عند الأطباء. # وقد وجد محققو الإفرنج أن العرب أول من استخدم الكاويات في الجراحة على نحو ~~استخدامها اليوم، وأنهم أول من وجه الفكر إلى شكل الأظافر في المصدورين، ~~ووصفوا علاج اليرقان والهواء الأصفر، واستعملوا الأفيون بمقادير كبيرة لمعالجة ~~الجنون، ووصفوا صب الماء البارد لقطع النزف، وعالجوا خلع الكتف بالطريقة ~~المعروفة في الجراحة برد المقاومة الفجائي، ووصفوا إبرة الماء الأزرق وهو قدح ~~العين، وأشاروا إلى عملية تفتيت الحصاة، وقد ألف العرب في بعض فروع الطب ما لم ~~يسبق أحد إلى مثله. فالجذام أول من كتب فيه أطباؤهم، وأول كتاب في هذا الموضوع ~~ليوحنا بن ماسويه وهم أول من وصف ms0550 الحصبة والجدري بكتاب لأبي بكر الرازي، غير ما ~~ألفوه من الموسوعات الضافية في الطب. ~~(د) الصيدلة والكيمياء والنبات # ومن فروع الطب الصيدلة، وللعرب فضل كبير فيها. فقد بذلوا الجهد في استجلاب ~~العقاقير من الهند وغيرها، بدأوا بذلك من أيام يحيى بن خالد البرمكي كما تقدم، ~~ثم نبغ منهم الأطباء والصيادلة، ووجهوا عنايتهم إلى درس العقاقير، وقد نقلوا ~~كتبا فيها من الهندية واليونانية ثم اشتغلوا هم أنفسهم في جمعها. وقد عني ~~الإفرنج بعد نهضتهم الأخيرة بدرس تاريخ فن الصيدلة، فتحققوا أن العرب هم ~~واضعو أسس هذا الفن، وهم أول من اشتغل في تحضير الأدوية أو العقاقير، فضلا عما ~~استنبطوه من الأدوية الجديدة. وأنهم أول من ألف الأقرباذين على الصورة التي ~~وصلت إلينا # 314 # وظل العرب في النهضة العباسية يعتمدون في المارستان ودكاكين ~~الصيادلة على أقرباذين ألفه سابور بن سهل المتوفى سنة 255ه، حتى ظهر أقرباذين ~~أمين الدولة بن التلميذ المتوفى في بغداد سنة 560ه. وهم أول من أنشأ حوانيت ~~الصيدلة على هذه الصورة. ومن أقرب الشواهد على ذلك أسماء العقاقير التي أخذها ~~الإفرنج عن العرب، ولا تزال عندهم بأسمائها العربية أو الفارسية أو الهندية كما ~~أخذوها عن العربية. # 315 # على أن تقدمهم في الصيدلة تابع لتقدمهم في الكيمياء والنبات، ولا خلاف في ~~أن العرب هم الذين أسسوا الكيمياء الحديثة بتجاربهم ومستحضراتهم، وقد تقدم ~~أن أول من اشتغل في نقلها إلى العربية خالد بن يزيد، نقلها عن مدرسة ~~الإسكندرية، وعنه أخذ جعفر الصادق المتوفى سنة 140ه، وبعد جابر بن حيان، ثم ~~الكندي، فأبو بكر الرازي وغيرهم، فاكتشفوا كثيرا من المركبات الكيماوية التي ~~بنيت عليها الكيمياء الحديثة. وقد ذكر محققو الإفرنج أن العرب هم الذين ~~استحضروا ماء الفضة (الحامض النتريك)، وزيت الزاج (الحامض الكبريتيك)، وماء ~~الذهب (الحامض النيتروهيدروكلوريك)، واكتشفوا البوتاسا، وروح النشادر، وملحه، ~~وحجر جهنم (نترات الفضة)، والسليماني (كلوريد الزئبق)، والراسب الأحمر (أكسيد ~~الزئبق) وملح الطرطير، وملح البارود (نترات البوتاسا)، والزاج الأخضر (كبريتات ~~الحديد)، والكحول، والقلى، والزرنيخ، والبورق وغير ذلك من المركبات والمكتشفات ms0551 ~~التي لم يصل إلينا خبرها. على أننا نستدل على وجود بعض المركبات الكيماوية في ~~أيامهم، مما لم نسمع له بمثيل في تاريخ الكيمياء قبل أواخر القرن الماضي. فقد ~~أشار ابن الأثير إلى أدوية استخدمها العرب في واقعة الزنج سنة 269ه، إذا طلي ~~بها الخشب امتنع احتراقه # 316 # ولم يذكر ما هي. ومما يعد من قبيل الكيمياء أيضا البارود، فقد ~~ترجح لنا بالبحث أنهم هم الذين ركبوه # 317 # وهم أول من وصف التقطير، والترشيح، والتصعيد، والتبلور، والتذويب. ~~وقد ألفوا في إبطال الكيمياء القديمة - أول من ألف ذلك منهم حكيمهم وفيلسوفهم ~~يعقوب الكندي في أواسط القرن الثالث للهجرة. # 318 # وأما النبات فللعرب القدح المعلى في درسه والتأليف فيه، وقد أخذوا هذا العلم ~~في النهضة العباسية عن مؤلفات ديسقوريدس وجالينوس ومن كتب الهند. نقل كتاب ~~ديسقوريدس في أيام المتوكل، نقله إصطفان بن باسيل من اليونانية إلى العربية، ~~فالعقاقير التي لم يعرف لها أسماء في العربية تركها على لفظها اليوناني اتكالا ~~على أن يبعث الله بعده من يعرف ذلك ويفسره. وحمل هذا الكتاب إلى الأندلس على ~~هذه الصورة، فانتفع به الناس إلى أيام الناصر صاحب الأندلس في أواسط القرن ~~الرابع للهجرة. فكاتبه ملك القسطنطينية سنة 337ه وهاداه بكتب من جملتها كتاب ~~ديسقوريدس باليونانية «مصور الحشائش» بالتصوير الرومي العجيب، ولم يكن في ~~الأندلس من يحسن اليونانية، فبعث الناصر إلى الملك يطلب إليه رجلا يعرف ~~اليونانية واللاتينية لينقله إلى اللاتينية، وعارفو هذه اللغة في الأندلس ~~كثيرون. فبعث إليه راهبا اسمه نقولا وصل قرطبة سنة 340ه، فتعاونوا على استخراج ~~ما فات ابن باسيل تعريبه من عقاقير هذا الكتاب، ثم جاء ابن جلجل في آخر القرن ~~الرابع فألف كتابا فيما فات ديسقوريدس ذكره من أسماء العقاقير وجعله ذيلا على ~~ذلك الكتاب. # حتى إذا نبغ ابن البيطار المالقي النباتي في أواسط القرن السابع للهجرة، ~~تناول الكتاب المذكور فدرسه وتفهمه، ثم سافر إلى بلاد اليونان، وإلى أقصى بلاد ~~الروم، ولقي جماعة يعانون هذا الفن ، وأخذ عنهم معرفة نبات كثير عاينه ms0552 في ~~مواضعه، واجتمع أيضا في المغرب وغيره بكثير من علماء النبات وعاين منابته ~~بنفسه، وذهب إلى الشام ودرس نباتها، وجاء الديار المصرية في خدمة الملك الكامل ~~الأيوبي، وكان يعتمد عليه في الأدوية المفردة والحشائش حتى جعله رئيسا على ~~العشابين وأصحاب البسطات. وبعد طول ذلك الاختبار ألف كتابه في النبات، وهو فريد ~~في بابه # 319 # وكان عليه معول أهل أوربا في نهضتهم الأخيرة. # ومن المبرزين في علم النبات رشيد الدين بن الصوري المتوفى سنة 639ه صاحب كتاب ~~«الأدوية المفردة»، وكان كثير البحث والتدقيق يخرج لدرس الحشائش في منابتها، ~~ويستصحب مصورا معه الأصباغ والليق على اختلافها وتنوعها، ويتوجه إلى المواضع ~~التي بها النبات في لبنان وسوريا فيشاهد النبات ويحققه، ويريه للمصور فيعتبر ~~لونه ومقدار ورقه وأعضائه وأصوله ويصور بحسبها بالدقة # 320 # وذلك غاية ما يفعله الباحثون في هذا العلم اليوم. ~~(ه) المارستانات في الإسلام # المارستان أو البيمارستان لفظ فارسي معناه مكان المرضى ويقابله اليوم ~~المستشفى، ولكن المارستانات كانت في التمدن الإسلامي تشمل مدارس الطب ~~والمستشفيات معا؛ لأنهم كانوا يعلمون الطب فيها. والعرب أخذوا المارستانات ~~عن الفرس وأنشأوها على مثال مارستان جنديسابور المتقدم ذكره. # وأول من أنشأ المارستانات في الإسلام الوليد بن عبد الملك الأموي، أنشأ ~~مارستانا بدمشق سنة 88ه جعل فيه الأطباء، وأمر بحبس المجذومين، وأجرى لهم الأرزاق، # 321 # فانقضت الدولة الأموية وليس في الإسلام غير هذا المارستان، فلما ~~حكم العباسيون كان المنصور أول من استقدم الأطباء من مارستان جنديسابور كما ~~رأيت، ولم ينشئ مارستانا ولكنه أنشأ دارا للعميان والأيتام والقواعد من النساء # 322 # وأنشأ هو أو من خلفه دورا لمعالجة المجانين. # 323 # وأول من أنشأ المارستانات في الدولة العباسية الرشيد، فإنه لما رأى مهارة ~~القادمين عليه من أطباء مارستان جنديسابور، أراد أن يكون لبغداد مثل ذلك، فأمر ~~طبيبه جبرائيل بن بختيشوع بإنشاء المارستان في بغداد. وكان رئيس مارستان ~~جنديسابور يومئذ طبيبا هنديا اسمه دهشتك، فبعث إليه ليقلده مارستان بغداد ~~فاعتذر ودله على ماسويه فولاه إياه، ثم تولاه ابنه يوحنا بن ماسويه، ms0553 # 324 # وكان البرامكه أهل علم ولهم رغبة في طب الهند وأطبائه كما رأيت، ~~فأنشأوا مارستانا باسمهم وولوا عليه طبيبا هنديا اسمه ابن دهن، وهو ممن نقل ~~إلى العربية من اللسان الهندي رأسا. # 325 # ولما اشتهر مارستان بغداد أخذت المدن الأخرى في تقليدها كما قلدتها في سائر ~~أسباب ذلك التمدن، وكان الفتح بن خاقان وزير المتوكل قد أنشأ في مصر مارستانا ~~عرف بمارستان المغافر، فلما تولاها ابن طولون أنشأ فيها سنة 259ه، مارستانا ~~عرف باسمه وأنفق على بنائه 60000 دينار، وشرط أن لا يعالج فيه جندي ولا مملوك ~~بل يعالج فيه العامة من المرضى والمجانين وغيرهم، وحبس ريعا يضمن بقاءه، وكان ~~يتعهده بنفسه كل يوم جمعة حتى ساءه أحد المجانين فقطع الزيارة. # 326 # ولم ينقض القرن الثالث للهجرة حتى بنيت المارستانات في مكة والمدينة ~~وغيرهما. ولما دخل القرن الرابع تسابق الخليفة المقتدر ووزراؤه إلى إنشاء ~~المارستانات في بغداد وضواحيها، منها مارستان علي بن عيسى الوزير أنشأه ~~بالحربية سنة 302ه، وأنفق عليه من ماله وقلده طبيبه أبا عثمان الدمشقي # 327 # ومارستان السيدة فتحه سنان بن ثابت بسوق يحيى سنة 306ه وبلغت ~~النفقة عليه 600 دينار في الشهر. وفي تلك السنة أشار سنان المذكور على الخليفة ~~المقتدر أن يتخذ مارستانا ينسب إليه، فأمر فبنوا له بباب الشام من أبواب ~~بغداد المارستان المقتدري، وكان ينفق عليه من ماله 200 دينار كل شهر. وبنى ~~أيضا الوزير ابن الفرات نحو ذلك الزمن مارستانا بدرب الفضل عرف باسمه، # 328 # وبنى غيرهم مارستانات أخرى في الري ونيسابور وغيرهما. وفي أواسط ~~القرن الرابع بني المارستان الكافوري بمصر. ثم أنشأ عضد الدولة بن بويه ~~المارستان العضدي سنة 368ه على طرف الجسر في الجانب الغربي من بغداد، ورتب له ~~24 طبيبا فيهم الجراحون والكحالون والمجبرون والفاصدون والأطباء الطبيعيون، ~~ففاق سائر ما تقدمه من المارستانات، وكان على الأطباء رئيس يسمونه ~~«الساعور». # وظل المارستان العضدي صدر المارستانات حتى بنى نور الدين زنكي مارستانه ~~الكبير في دمشق في أواسط القرن السادس، ثم بنى صلاح ms0554 الدين الأيوبي المارستان ~~العتيق في القاهرة وغيره. ولما تولى السلاطين المماليك مصر بنى الملك المنصور ~~قلاوون المارستان المنصوري بالقاهرة سنة 683ه على مثال مارستان دمشق، وصفه ~~المقريزي وصفا مسهبا في الجزء الثاني من خططه. ولا تزال آثار المارستان ~~المنصوري باقية إلى اليوم في شارع النحاسين. ثم بنى الملك المؤيد سنة 821ه ~~المارستان المؤيدي بمصر، ناهيك بما أنشأوه من المارستانات في سائر بلاد الإسلام ~~في فارس وخراسان والموصل والشام والأندلس وغيرها، مما يطول شرحه. وفي رحلة ابن ~~جبير وصف ما شاهده بنفسه من مارستانات المسلمين في القرن السادس للهجرة ~~هناك. # وكانت تلك المارستانات في غاية النظام يعالج فيها المرضى على اختلاف طوائفهم ~~ونحلهم، وفيها لكل مرض قاعة أو قاعات خاصة يطوفها الطبيب المختص بها وبين يديه ~~المشارفون والقوام لخدمة المرضى، فيتفقد المرضى ويصف لهم الأدوية ويكتب لكل ~~مريض دواءه # 329 # فمن شفي فيها زود السلام ومن مات كفنوه ودفنوه. وكانت تلقى فيها ~~الدروس في الطب والصيدلة وتمارس بها هاتان الصناعتان. # وكان من ضروب المارستانات عندهم مارستان نقال يحملونه على الجمال أو البغال ~~على نحو المستشفيات المتنقلة في دول هذه الأيام. فكان في معسكر السلطان محمود ~~السلجوقي مارستان يحمله أربعون جملا يستصحبه العسكر حيثما توجهوا. # 330 ~~(9-3) التنجيم والنجوم أو الفلك # النجوم عند القدماء علمان: علم طبيعي ينظر في النجوم من حيث مواضعها وحركاتها ~~وأحكامها بالنظر إلى الخسوف والكسوف، وعلم ينظر فيها باعتبار علاقاتها بحوادث ~~العالم من حيث الحرب والسلم والولادة والوفاة والسعد والنحس والمطر والصحو ونحو ~~ذلك. وتسهيلا للبحث نسمي الأول علم النجوم أو الفلك، والثاني على التنجيم. وقد ~~علمت مما تقدم أن العرب كانوا يعرفون هذين العلمين، فلما تمدنوا ونقلوا العلم ~~أضافوا ما أخذوه عن اليونان والفرس والهند والكلدان إلى ما كان عندهم، فتولد من ذلك ~~كله التنجيم والنجوم عند المسلمين. ~~(أ) التنجيم # وأول من عني بالتنجيم والنجوم في النهضة العباسية أبو جعفر المنصور، فترجموا ~~له السندهند كما تقدم، واقتدى به خلفاؤه وأصبح للتنجيم شأن كبير عندهم، حتى في ~~إبان ms0555 العصر العباسي. وكان المنجمون فئة من موظفي الدولة كما كان الأطباء ~~والكتاب والحساب، ولهم الرواتب والأرزاق # 331 # وكان الخلفاء يستشيرونهم في كثير من أحوالهم الإدارية والسياسية، ~~فإذا خطر لهم عمل وخافوا عاقبته استشاروا المنجمين، فينظرون في حال الفلك ~~واقترانات الكواكب ثم يشيرون بموافقة ذلك العمل أو عدمها. وكانوا يعالجون ~~الأمراض على مقتضى حال الفلك، وكانوا يراقبونها ويعملون بأحكامها قبل الشروع في ~~أي عمل، حتى الطعام والزيارة. على أن علماء الشرع الإسلامي كانوا يبينون فساد ~~هذا الاعتقاد ويخطئونه ويردونه، والناس على اعتقادهم ولا يزال بعضهم على ذلك ~~إلى اليوم. ~~(ب) علم النجوم أو الفلك # كان للمسلمين حظ وافر في علم النجوم وفضل كبير عليه، يكفيك أنهم جمعوا فيه ~~بين مذاهب اليونان والهند والفرس والكلدان والعرب الجاهلية. شأنهم في أكثر ~~العلوم الدخيلة. فقد رأيت أن محمد الفزاري نقل السندهند للمنصور؛ ليكون قاعدة ~~علم النجوم عند العرب، وأنه ظل معولهم عليه إلى عصر المأمون. وفي أيامه نبغ ~~محمد بن موسى الخوارزمي، وكان منقطعا إلى بيت الحكمة وله علم واسع في النجوم، ~~فاصطنع زيجا جمع فيه بين مذاهب الهند والفرس والروم، فجعل أساسه على السندهند ~~وخالفه في التعاديل والميل، فجعل تعاديله على مذاهب الفرس، وجعل ميل الشمس فيه ~~على مذهب بطليموس، واخترع فيه أبوابا حسنة فاستحسنه أهل عصره وطاروا به في ~~الآفاق، ولكنه جعل تاريخه على الحساب الفارسي، فنقله مسلمة بن أحمد المرجيطي ~~الأندلسي المتوفى سنة 398ه إلى الحساب العربي، ووضع أواسط الكواكب لأول تاريخ ~~الهجرة. والزيج كتاب فيه جداول حركات الكواكب يؤخذ منها التقويم. # واشتهر منهم في علم النجوم بنو شاكر الثلاثة، وقد تقدم ذكرهم، ومن أعمالهم ~~المأثورة أنهم قاسوا للمأمون درجة خط نصف النهار، واستعملوا فيها محيط الأرض ~~في حديث ذكره ابن خلكان وغيره، وقد ألف بنو شاكر كتبا جليلة في الفلك ~~والهندسة، ونبغ في عصرهم أبو معشر البلخي المتوفى سنة 272ه، كان معاصرا للكندي ~~يغري به العامة ويشنع عليه بعلوم الفلاسفة، فدس له الكندي من حسن له النظر في ~~الرياضيات فدخل ms0556 ذلك واستغرق فيه واتصل بعلم النجوم وألف فيه كثيرا. ومنهم ~~حنين بن إسحاق العبادي المترجم الشهير، وثابت بن قرة الحراني المتوفى سنة 288ه، ~~وأحمد بن كثير الفرغاني، وسهل بن بشر كان يخدم طاهر بن الحسين، ومحمد بن عيسى ~~الماهاني، ومحمد بن جابر الحراني المعروف بالبتاني، وكان صابيا اصطنع زيجا ~~عرف بالزيج الصابي وهو نسختان الثانية أصح. ابتدأ بالرصد سنة 264 إلى سنة 306ه، ~~وأثبت الكواكب في زيجه سنة 299ه، وكان أوحد عصره في فنه وتوفي سنة 317ه # 332 # وغيرهم. # يليهم في القرن الرابع والخامس أبو الوفاء البوزجاني والبيروني ومعاصروه ~~كثيرون وإمام فلكيي القرن السابع للهجرة نصير الدين الطوسي، ونبغ في عصره ~~المؤيد العرضي وابنه محمد، والفخر المراغي بالموصل، والفخر الخلاطي بتفليس، ~~ونجم الدين القزويني # 333 # وغيرهم في عصور أخرى، وتفصيل مؤلفاتهم ووصفها من شؤون «تاريخ آداب ~~اللغة»، وإنما يهمنا في هذا المقام النظر فيما أحدثه التمدن الإسلامي في علم ~~الفلك. # وأول ما يستلفت انتباهنا من هذا القبيل أن العرب (أو المسلمين) قالوا ~~بإبطال صناعة التنجيم المبنية على الوهم، # 334 # ولعلهم أول من فعل ذلك، وإن كانوا لم يستطيعوا إبطالها، ولكنهم ~~مالوا بعلم النجوم نحو الحقائق المبنية على المشاهدة والاختبار كما فعلوا بعلم ~~الكيمياء، وكانوا كثيري العناية بعلم الفلك يرصدون الأفلاك ويؤلفون الأزياج، ~~ويقيسون العروض ويراقبون السيارات، ويرتحلون في طلب ذلك العلم إلى الهند وفارس، ~~ويتبحرون في كتب الأوائل ويتممون ما نقص منها أو يجمعون بين مذاهبها، ولعلم ~~الفلك عند العرب تاريخ طويل لا يسعه هذا المكان، فنذكر أولا المراصد ثم نأتي ~~على أمثلة مما استنبطوه في هذا العلم. ~~(ج) المراصد # الرصد أساس علم الفلك وعليه المعول في تعيين أماكن النجوم وحركاتها، وكان له ~~شأن كبير عند اليونان فرصدوا الكواكب واصطنعوا آلات الرصد. وفي القرن الثالث ~~قبل الميلاد بنوا مرصدا في الإسكندرية بلغ قمة ارتفاعه على عهد بطليموس ~~القلوذي صاحب المجسطي. وظل المرصد الإسكندري وحيدا في العالم، حتى نهض العرب، ~~وأنشأوا المراصد في بغداد ودمشق ومصر والأندلس ومراغة وسمرقند وغيرها كما ms0557 ~~سيجيء. # آلات الرصد # وللرصد آلات كان منها في عهد التمدن الإسلامي بضعة عشر شكلا تختلف باختلاف ~~الغرض منها، وهاك أهمها: ~~(1) # اللبنة: # وهي جسم مربع مستو، ~~يستعلم به الميل الكلي وأبعاد الكواكب وعرض البلد. ~~(2) # الحلقة الاعتدالية: # هي حلقة ~~تنصب في سطح دائرة المعدل، ليعلم بها التحويل الاعتدالي. ~~(3) # ذات الأوتار: # هي أربع ~~أسطوانات مربعة تغني عن الحلقة الاعتدالية، ويعلم بها تحويل ~~الميل. ~~(4) # ذات الحلق: # هي أعظم الآلات ~~هيئة ومدلولا. وتركب من حلقة تقوم مقام منطقة فلك البروج، وحلقة ~~تقوم مقام المارة بالأقطاب، تركب إحداهما في الأخرى بالتصنيف ~~والتقطيع. وحلقة الطول الكبرى وحلقة الطول الصغرى تركب الأولى في ~~محدب المنطقة والثانية في مقعرها. وحلقة نصف النهار وقطر مقعرها ~~مساو لقطر محدب حلقة الطول الكبرى. ومن حلقة الأرض قطر محدبها قدر ~~قطر مقعر حلقة الطول الصغرى. وهي توضع على كرسي. ~~(5) # ذات السمت والارتفاع: # هي نصف ~~حلقة قطرها سطح من سطوح أسطوانة متوازية السطوح، يعلم بها السمت ~~وارتفاعه، وهي من مخترعات الرصاد الإسلاميين. ~~(6) # ذات الشعبتين: # هي ثلاث مساطر ~~على كرسي، يعلم بها الارتفاع. ~~(7) # ذات الجيب: # هي مسطرتان ~~منتظمتان انتظام ذات الشعبتين. ~~(8) # المشتبهة بالناطق: # لمعرفة ما ~~بين الكوكبين من البعد، وهي ثلاث مساطر. ~~(9) # الأسطرلاب: # وهو أنواع كثيرة، ~~منها: التام، والمسطح، والطوماري، والهلالي، والزورقي، والعقربي، ~~والآسي، والقوسي، والجنوبي، والشمالي، والمبطح، والمسرطق، وحق ~~القمر، والمغني، والجامعة، وعصا موسى، ناهيك من آلات الرصد ~~بالأرباع وأشكالها، ولكل شكل تنوعات مما لا يحصيه عد. # 335 ~~(د) المراصد في الإسلام # لما اشتغل المأمون في نقل علوم الأوائل إلى العربية، ووقف العلماء على كتاب ~~المجسطي وفهموا صور آلات الرصد الموصوفة به، نزعت به همته إلى السير على منهجه، ~~فجمع علماء النجوم في عصره وأمرهم أن يصنعوا آلات يرصدون بها الكواكب كما فعل ~~بطليموس صاحب المجسطي، ففعلوا وتولوا الرصد بها بالشماسية في بغداد وجبل قيسون ~~في دمشق سنة 214ه، # 336 # ولما توفي المأمون سنة 218ه توقفوا عن العمل وقيدوا ما كانوا قد ~~تبينوه من رصدهم وسموه الرصد المأموني. وكان الذين تولوا ذلك يحيى بن ms0558 أبي منصور ~~كبير المنجمين في عصره، وخالد المروزي، وسند بن علي، والعباس بن سفيد الجوهري، ~~فألف كل منهم في ذلك زيجا منسوبا إليه. وأرصاد هؤلاء أول الأرصاد في الإسلام. # 337 # ثم بنى بنو شاكر مرصدا في بغداد على طرف الجسر عند اتصاله بالطاق، ورصدوا ~~الكواكب فيه واستخرجوا حساب العروض الأكبر من عروض القمر # 338 # وبنى شرف الدولة بن عضد الدولة رصدا في طرف بستان دار المملكة في ~~أواسط القرن الرابع للهجرة، وقد رصد فيه الكواكب السبعة أبو سهل الكوهي. # 339 # ولما ضعف شأن الخلافة في بغداد وتشعبت المملكة العباسية إلى فروع، تحولت ~~الهمم إلى تلك الفروع وأكبرها المملكة المصرية في أيام الفاطميين، فأنشأوا ~~رصدا (أو مرصدا) على جبل المقطم عرف بالرصد الحاكمي، نسبة إلى الحاكم بأمر ~~الله المتوفى سنة 411ه، وفيه استخرج علي بن يونس الزيج الحاكمي، # 340 # ثم أعيد بناء هذا الرصد في أيام الأفضل بن أمير الجيوش المتوفى سنة ~~515ه، وذكر المقريزي خبر إنشائه في حديث طويل. وأنشأ بنو الأعلم ببغداد سنة ~~425ه رصدا عرف باسمهم. وذكر صاحب فوات الوفيات رصدا في حدود الشام سماه ~~الييناني (كذا). # وما زال الرصد الحاكمي عمدة الراصدين، حتى نشأ نصير الدين الطوسي على عهد ~~هولاكو التتري، فبنى مرصدا في مراغة من بلاد تركستان سنة 657ه، أعد فيه كل ما ~~يلزم من الآلات وأنفق فيه الأموال الطائلة، وأنشأ له مكتبة فيها 400000 مجلد # 341 # ثم بنى تيمورلنك مرصدا في سمرقند، وبنى غيرهم مراصد أخرى في ~~أصبهان ومصر والأندلس، وأرصادا خصوصية أو عمومية لم يصل إلينا تفصيلها. ~~(ه) علم النجوم والإسلام # وفي هذه المراصد اشتغل المسلمون في رصد الكواكب ووضع الأزياج، وأطولها الزيج ~~الحاكمي المتقدم ذكره، كتبه ابن يونس في أربعة مجلدات وكان عليه تعويل المسلمين ~~بعدما سبقه من الأزياج البغدادية. ومن أشهر الأزياج زيج الفزاري صاحب المنصور، ~~وأزياج الخوارزمي، وأبي حنيفة الدينوري صاحب رصد أصبهان، وأبي معشر البلخي وضع ~~زيجه على مذهب الفرس، وزيج أبي السمح الغرناطي المتوفى سنة 426ه، وزيج أبي حماد ms0559 ~~الأندلسي، والزيج الإيلخاني لنصير الدين الطوسي، وزيج ابن الشاطر الأنصاري سنة ~~777ه وغيرهم # 342 # وقد أصلحوا في هذه الأزياج كثيرا من الأرصاد اليونانية. # وللمسلمين طرق جديدة أدخلوها في الرصد من عند أنفسهم، واخترعوا كثيرا من ~~آلاته كذات السمت والارتفاع اللتين تقدم ذكرهما، وذات الأوتار والمشبهة بالناطق ~~فإنها من اختراع تقي الدين الراصد. # 343 # والبديع الأسطرلابي البغدادي المتوفى في أوائل القرن السادس للهجرة ~~زاد في الكرة ذات الكرسي ما كمل عملها بعد أن مرت السنون على نقصها، وألف رسالة ~~في ذلك وكمل الآلة الشاملة التي ابتدعها الخجندي وجعلها بعرض واحد، وأقام ~~الأدلة على أنها لا تكون لعروض متعددة، فنظر فيها البديع المذكور وعملها ~~لعروض متعددة، غير ما اخترعه من المساطر والبراكير وغيرها. # 344 # وأدخل الشيخ شرف الدين الطوسي تحسينا في الأسطرلاب، فاستنبط أن يقع المقصود ~~من الكرة والأسطرلاب في خط، فوضعه وسماه العصا وعمل فيه رسالة بديعة. وهو أول ~~من أظهر هذا في الوجود، فصارت الهيئة توجد في الكرة وهي جسم وفي السطح وفي الخط ~~ولم يبق غير النقطة، # 345 # وبين البتاني نقطة الذنب للأرض، وأصلح قيمة مبادرة الاعتدالين، ~~وقيمة ميل دائرة البروج على دائرة خط الاستواء، وهو أول من استخدم الجيوب ~~والأوتار في قياس المثلثات والزوايا. # 346 # والبيروني أول من استنبط تسطيح الكرة، وقد فصل ذلك في كتابه «الآثار الباقية» # 347 # وللبيروني استنباطات جليلة في الفلك والرياضيات، يستدل عليها من ~~قراءة كتابه المذكور ومن فهرست مؤلفاته في مقدمة ذلك الكتاب. يكفيه أنه نقل ~~علوم اليونان إلى الهند، ونقل حكمة الهنود إلى المسلمين. فقد دخل بلاد الهند ~~وأقام فيها عدة سنين، وتعلم من حكمائها فنونهم وعلمهم طرق اليونانيين في فلسفتهم # 348 # في ظل السلطان محمود الغزنوي، كما فعل نصير الدين الطوسي في نشر ~~علم النجوم بين المغول في ظل هولاكو التتري، وكما نشره عمر الخيام بين ~~السلاجقة، ومرجع الفضل في ذلك للإسلام. # فطار خبر فلكيي المسلمين في أقطار العالم، وأصبح المرجع إليهم في تحقيق ~~المسائل، فإن ملوك الإفرنج كانوا يرسلون في ms0560 حل المشكلات الفلكية، فيعرضون عليهم ~~المسائل ويطلبون حلها ليس في الأندلس فقط لقربها من بلادهم ولكنهم كانوا يوفدون ~~الوفود إلى ممالك الإسلام في الشرق لهذه الغاية. ومما نقله ابن أبي أصيبعة ~~أن الأنبرور ملك الإفرنج أنفذ إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل رسولا وبيده ~~مسائل في علم النجوم وغيره، فبعث بدر الدين إلى كمال الدين بن يونس في حلها في ~~حديث طويل. # 349 # ويعترف الأسبان أن العرب علموهم الرقاص (البندول) لقياس الزمان، ولا يخفى ~~ما بني على الرقاص من الآلات الفلكية وغيرها. على أنهم كانوا يعرفون عمل ~~الساعات من قبل، ويقال: إن الرشيد أهدى الملك شارلمان ساعة بديعة تناقل ~~الإفرنج خبرها. # ومن فضل العرب على الفلك وسائر الرياضيات أنهم نقلوا عن اليونانية كتبا ~~ضاع أصلها بعد نقلها، وحفظت العلوم في ترجماتها العربية. منها مؤلفات تموخارس ~~وأرستلوس وكرويات منيلاوس وكرويات ثاوون وشرحه للمجسطي، # 350 # ولم يقتصر ذلك على كتب الفلك ولكنه تناول كثيرا من العلوم حتى كتب ~~الأدب فإن كليلة ودمنة نقله ابن المقفع من الفارسية، وقد ضاع أصله الفارسي ~~فلما عمد أهل أوربا إلى ترجمته نقلوه عن العربية. ~~(9-4) الحساب والجبر والهندسة # كان العرب في صدر الإسلام يستنكفون من تعلم الحساب؛ لأنه من شأن عمال الخراج ~~أهل الذمة والموالي، وكانوا يقتصرون على العمل بوصية عمر بتعليم أولادهم الشعر ~~والفروسية والسباحة والمثل. فلما تحضروا ورأوا افتقارهم للحساب مالوا إليه وشاع ~~فيهم قول ابن التوأم: «علم ابنك الحساب قبل الكتاب» # 351 # ثم ما لبثوا أن استغرقوا في طلب العلم كله على اختلاف أنواعه، ~~ونقلوه إلى لسانهم فكان الحساب في جملة تلك العلوم، وهو مما اشتغل فيه الفلكيون ~~والمهندسون ونحوهم، وقلما انفرد واحد منهم بالحساب وحده. # ومن أكبر مآثر التمدن الإسلامي في الرياضيات نقلهم الحساب الهندي والأرقام ~~الهندية من الهند إلى سائر أقطار العالم. فالعرب يسمونها أرقاما هندية؛ لأنهم ~~نقلوها عن الهنود، والإفرنج يسمونها عربية؛ لأنهم أخذوها عن العرب، # 352 # وأول من تناول تلك الأرقام من الهنود أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي ms0561 # 353 # ومن اسمه اشتق الإفرنج لفظ # Algorism # الإفرنجية. # وأما الجبر فللعرب فضل كبير في وضعه أو تأليفه، فقد رأيت في كلامنا عن نقل العلوم ~~اليونانية أن العرب نقلوا كتابين في الجبر، أحدهما لذيوفانتوس والآخر لأبرخس. وقد ~~وجد الباحثون بعد نهضة التمدن الحديث أن ما كتبه هذان ليس من الجبر في شيء، أو هي ~~أصول ضعيفة لا يعتد بها، وهم يعتقدون أن الجبر من موضوعات العرب، والحقيقة على ~~ما نرى أن العرب بعد أن اطلعوا على حساب الهنود أضافوه إلى ما نقلوه عن اليونان، ~~وبنوا على ذلك علم الجبر. ومن أشهر كتب المسلمين في الجبر كتاب الجبر والمقابلة ~~للخوارزمي المذكور، فالظاهر أن الخوارزمي جمع بين ما عثر عليه من الأصول الجبرية ~~عند اليونان والهنود والفرس فاستخرج منه الجبر العربي، كما جمع في زيجه بين آراء ~~الهند والفرس واليونان. وقد عني العرب بشرح كتاب الخوارزمي مرارا. وألف أيضا في ~~الجبر أبو كامل شجاع بن أسلم، وأبو الوفاء البوزجاني، وأكثر مؤلفاته في الحساب، ~~وأبو حنيفة الدينوري المتوفى سنة 218ه، وأبو العباس السرخسي المتوفى سنة 286ه ~~وغيرهم، ولما نهض الإفرنج في تمدنهم الحديث أخذوا الجبر عن العرب. # ومما أحدثه المسلمون في الهندسة أنهم طبقوها على المنطق، وقد فعل ذلك ابن ~~الهيثم في أوائل القرن الخامس للهجرة، فإنه ألف كتابا جمع فيه الأصول الهندسية ~~والعددية من إقليدس وأبلونيوس، ونوع فيها الأصول وقسمها وبرهن عليها ببراهين ~~نظمها من الأمور التعليمية والحسية والمنطقية، حتى انتظم ذلك مع انتقاص توالي ~~إقليدس وأبلونيوس، وأدخل في الجبر والحساب أساليب جديدة في استخراج المسائل ~~الحسابية من جهتي التحليل الهندسي والتقدير العددي، وعدل فيه عن أوضاع الجبرين وألفاظهم. # 354 # والحسن بن موسى بن شاكر اشتغل في استخراج مسائل هندسية لم يستخرجها أحد من ~~الأولين، كقسمة الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية، وطرح خطين بين خطين ذوي توال ~~على نسبة (كذا)، وكان يحللها ويردها على المسائل الأخرى ولا ينتهي إلى آخر أمرها؛ ~~لأنها أعيت الأولين. # 355 ~~(9-5) الفنون الجميلة # الفنون الجميلة تسمية جديدة لما ms0562 تنبسط له النفس من المصنوعات لجماله ورونقه لا ~~لمنفعته ومتانته، والفنون التي تدخل في اعتبارهم تحت هذه التسمية قسمان: الأول تظهر ~~أشكاله محسوسة كالحفر والتصوير والنحت والتمثيل (وتسمى الآن الفنون التشكيلية)، ~~والثاني ما لا يحس ولا يرى بل هو من قبيل الخيال كالشعر والموسيقى. أو أن الفنون ~~المذكورة ترجع بكليتها إلى التصوير ولبعضها صور محسوسة كالمنحوتات والمرسومات، ~~وللبعض الآخر صور خيالية كالشعر والموسيقى. والأمم التي تمدنت قبل الإسلام اشتغلت ~~في هذه الفنون على تفاوت في إتقانها. وممن أجاد فيها المصريون واليونان والرومان، ~~فإنهم نحتوا التماثيل وصوروا الصور ومثلوا الحوادث ونظموا الشعر وضبطوا ~~الألحان. # ومن الاعتقادات الشائعة أن التمدن الإسلامي مقصر في هذه الفنون؛ لأنه لم يخلف ~~ما خلفه اليونان أو الرومان من الآثار الجميلة كالأبنية والتماثيل والصور ونحوها. ~~ولو دققنا النظر لرأينا المسلمين أو العرب من أكثر الأمم استعدادا للفنون الجميلة ~~والإجادة فيها، لا يقلون شيئا عن اليونان والرومان، وربما فاقوهما في بعضها. أما ~~الجمال المحسوس فقد أجادوا فيما يتعلق منه بالبناء، ولهم نمط خاص فيه مشهور، ومن ~~آثارهم البنائية الحمراء في الأندلس وجوامع القاهرة والشام وفارس والهند، وهي تدل ~~على تقدم عظيم في هندسة البناء، مع ما فيها من زخارفه كالفسيفساء ونحوها مما يدهش ~~النظر. ولهم نحو ذلك في الصياغة والنسج ونحوهما من الصنائع الجميلة. أما التصوير ~~فلم يشتغلوا فيه؛ لأنه محرم عندهم كما هو معلوم. # أما الشعر فقد بينا فيما تقدم أن العرب أكثر الأمم انطباعا على الشعر وإتقانا ~~له وأكثرهم نظما وأوسعهم خيالا. ~~(أ) الموسيقى # وأما الموسيقى فالعرب فاقوا سواهم فيها، وقد وضعوا الألحان واخترعوا الآلات ~~المطربة وأتقنوا صنعها، وكان للموسيقى عندهم شأن كبير، والمشهور أن العرب كان ~~عندهم من الألحان شيء يوافق سذاجتهم وخشونة الجاهلية، فلما ظهر الإسلام ~~واختلطوا بالروم والفرس اقتبسوا الموسيقى عن تلك الأمم قبل سائر العلوم ~~الدخيلة؛ لأن اقتباسها لا يحتاج إلى نقل أو ترجمة. وأول من فعل ذلك عبد مكي ~~اسمه سعيد بن مسحج، كان حسن الصوت مغرما بالموسيقى، وكان في مكة ms0563 عند حصار ~~الأمويين لها على عهد عبد الله بن الزبير في الثلث الأخير من القرن الأول ~~للهجرة. واستخدم ابن الزبير بعض رجال الفرس في ترميم الكعبة، فسمع ابن مسحج ~~بعضهم يغني بالفارسية فطرب والتقط النغم منه، ثم رحل إلى الشام وفارس وأخذ ~~الألحان الرومية والفارسية، وألقى منها ما استقبحه من النبرات والنغم مما لا ~~يألفه الذوق العربي، وغنى على هذا المذهب. وهو أول من فعل ذلك، وأخذ عنه من ~~جاء بعده من مغني المسلمين، فنبغ منهم جماعة كبيرة. # وكان الغناء يزداد إتقانا ويزداد نبوغ المغنين كلما قربت الدولة من الترف ~~والقصف، ولذلك كثروا في أواخر الدولة الأموية وأواسط الدولة العباسية ومن أشهر ~~المغنين ابن سريج والغريض ومعبد وحكم الوادي وفيلج بن أبي العوراء وسياط ونشيط ~~وعمر الوادي وإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق وغيرهم. ومن المغنيات جميلة وحبابة ~~وسلامة وعقيلة وغيرهن. # ولما اشتغل المسلمون في نقل العلوم الدخيلة، كان من جملتها كتب الموسيقى ~~لليونان والهند، فتناولها المسلمون ودرسوها وأصبحت الموسيقى علما عندهم بأصول، ~~وقد جمعوا بين ألحان اليونان والهنود والفرس والعرب فألفوا فيه المؤلفات، فضلا ~~عما استنبطوه من الألحان أو اخترعوه من الآلات وكان للخلفاء عناية كبرى ~~بالغناء، يبذلون الأموال في سبيل تنشيطه كما هو مشهور. وكانوا يشترطون في ~~المغني أن يكون حافظا للأشعار والنوادر، يحسن النحو والإعراب، فكان المغنون في ~~الدولة العباسية من أحاسن أهل الأدب، وفيهم من يحسن الفقه فضلا عن الأدب ~~واللغة، كإبراهيم بن إسحاق الموصلي # 356 # وغيره، وبعضهم كان عالما بالنجوم مثل زرياب المغني. وكثيرا ما ~~كان الخلفاء يجمعون المغنين للمناظرة بينهم في التلحين # 357 # ويجيزون المجيدين ويغدقون عليهم الرواتب والجواري، فقد كان راتب ~~الموصلي عند الهادي 10000 درهم في الشهر، غير الصلات وغلات الضياع وغيرها # 358 # ولما قدم زرياب المغني من العراق إلى الأندلس ركب الأمير عبد ~~الرحمن بنفسه للقائه. # 359 # وقد أدخل الموسيقيون في فن الموسيقى ألحانا لم تكن من قبل، وفيها ما لم يسبق ~~له مثيل في تأثيره. ذكروا منها ألحانا لا يقدر الشبعان الممتلئ ms0564 على غنائها، ~~ولا سقاء يحمل قربة على الترنم بها، وأخرى لا يقدر المتكئ أن يغنيها حتى يقعد ~~مستوفزا، ولا القاعد حتى يقوم. # 360 # والآلات الموسيقية أخذوا أكثرها عن الفرس والأنباط والروم والهند، فقد كان ~~لكل من هذه الأمم آلات خاصة يتغنون بها. كان غناء الفرس بالعيدان والصنوج، ~~وغناء خراسان بالزنج ذات سبعة أوتار، إيقاعه يشبه إيقاع الصنج. وغناء أهل ~~طبرستان والديلم بالطنابير. وغناء الأنباط والجرامقة بالعيروارات، وهي ~~كالطنابير. والروم كان غناؤهم بآلة يسمونها الأوعر عليها 16 وترا، والسلبان ~~له 24 وترا، واللوزا وهي كالرباب من خشب له خمسة أوتار، والقيثارة ولها 12 ~~وترا والصليح من جلود العجاجيل، والأرغن وهو منافخ من الجلود. وكان للهند ~~الكيلكة بوتر واحد يمد على قرعة فيقوم مقام العود والصنج. وكان عند العرب الدف ~~والمزهر. فالمسلمون جمعوا بين هذه الآلات الكثيرة، كما جمعوا بين علوم تلك ~~الأمم واستخرجوا أحسنها وزادوا فيها وحسنوها، فضلا عما استنبطوه من عند أنفسهم ~~كالآلة المعروفة بالقانون، فقد اخترعها الفارابي الفيلسوف، وهو أول من ركبها ~~هذا التركيب ولا تزال عليه إلى الآن. # واصطنع الفارابي آلة مؤلفة من عيدان، يركبها ويضرب عليها وتختلف أنغامها ~~باختلاف تركيبها ولكنها على أي حال غريبة في بابها. ذكروا أن الفارابي حضر ~~مجلس غناء لسيف الدولة، ولم يكن أحد من الحضور يعرفه فعاب المغنين فسأله سيف ~~الدولة هل يحسن الغناء؟ ففتح خريطة واستخرج تلك الآلة وركبها ثم لعب بها، فضحك ~~منها كل من كان في المجلس، ثم فكها وركبها تركيبا آخر وضرب عليها فبكى كل من ~~كان في المجلس، ثم فكها وغير تركيبها وضرب ضربا آخر فنام كل من كان في المجلس ~~حتى البواب، فتركهم نياما وخرج! # 361 # وزاد المسلمون في العود وترا خامسا، زاده زرياب بالأندلس، وكان للعود أربعة ~~أوتار على الصنعة القديمة التي قوبلت بها الطبائع الأربع، فزاد عليها وترا ~~خامسا أحمر متوسطا، ولون الأوتار وطبقها على الطبائع. وهو الذي اخترع مضراب ~~العود من قوادم النسر، وكانوا قبله يضربون بالخشب. وعباس بن فرناس في الأندلس ~~اصطنع ms0565 الآلة المعروفة بالمثقال، يعرف بها الأوقات على غير رسم ومثال. # 362 # وبالجملة إن العرب لم يقصروا في الفنون الجميلة، بل هم فاقوا سواهم في ~~أكثرها وإنما قصروا في بعضها مراعاة للدين. ~~(9-6) المدارس في الإسلام ~~(أ) التعليم # قد رأيت فيما تقدم أن القرآن أساس العلوم الإسلامية، فتعليمه أساس ~~التعليم الإسلامي، وأول دروس القرآن قراءته. فأول المعلمين في الإسلام النبي # صلى الله عليه وسلم # علمه للصحابة، وهم علموه للناس مع ما ترتب عليه أو تفرع عنه من ~~العلوم . ولهذا السبب كانت مدارس المسلمين في جوامعهم كما كانت مدارس النصارى في ~~أديرتهم وكنائسهم. وكانوا يسمون التلامذة المجتمعين حول أستاذ يتلقون علما من ~~العلوم «حلقة». وتفرعت العلوم بتوالي الأعوام واتسعت دوائرها، حتى أصبح للعلم ~~الواحد عدة حلقات، والغالب أن تنسب الحلقة إلى أستاذها، فيقولون مثلا: حلقة ~~أبي إسحاق الشيرازي في جامع المنصور أو نحو ذلك. وكانوا يجعلون في كل جامع ~~خزانة كتب للمطالعة أو الاستنساخ. # على أن التعليم لم يكن خاصا بالمساجد، فكثيرا ما كانوا ينشئون حلقات ~~التدريس في المارستانات أو الربط أو المنازل أو غيرها. وكان الأغنياء إذا ~~أرادوا تعليم أولادهم أحضروا المعلمين إلى منازلهم، كذلك كان يفعل الخلفاء ~~والأمراء، ولا يزال أهل الوجاهة يفعلون ذلك إلى اليوم. # وأشهر الجوامع في التدريس على الإطلاق الجامع الأزهر في القاهرة، فقد بني مع ~~القاهرة في أواسط القرن الرابع للهجرة، وكانت تلقى فيه دروس القرآن والفقه على ~~جاري العادة في سائر الجوامع. وكان جماعة من الطلبة يقيمون فيه ويسمون ~~المجاورين، ومنهم من جاء من أقاصي البلاد الإسلامية حتى تركستان والهند وزيلع ~~وسنار، ولكل طائفة منهم رواق باسمها كرواق الشوام أو المغاربة أو العجم أو ~~الزيالعة أو السنارية أو اليمنية أو الهندية، فضلا عن أروقة أهل الصعيد. وبلغ ~~عدد تلامذة الأزهر في أوائل القرن التاسع للهجرة 750 طالبا من طوائف مختلفة، ~~وكانوا يقيمون في الجامع ومعهم صناديقهم وخزائنهم، يتعلمون فيه الفقه والحديث ~~والتفسير والنحو والمنطق ويحضرون مجالس الوعظ وحلق الذكر. وربما بات في الجامع ~~كثيرون من ms0566 غير الطلبة للتبرك أو المأوى، وللجامع المذكور تاريخ طويل ترى تفصيله ~~في خطط المقريزي والخطط التوفيقية. على أن حاله كانت تختلف باختلاف المذهب ~~السائد بمصر وباختلاف مناقب الحكام. وبلغ عدد مجاوريه في عهد العائلة الخديوية ~~بضعة عشر ألفا، والهمة مبذولة في إدخال بعض العلوم الحديثة فيه. ~~(ب) المدارس # ومما لاحظناه من أمر التعليم في التمدن الإسلامي أن العلم نضج على اختلاف ~~وجهاته وأثمر، ونبغ العلماء والفقهاء والأطباء والفلاسفة، وليس في الإسلام ~~مدرسة مستقلة نحو مدارس هذه الأيام، وقد أجمع المؤرخون المسلمون تقريبا على ~~أن أول من بنى المدارس في الإسلام نظام الملك الطوسي، وزير ملك شاه السلطان ~~السلجوقي، في أواسط القرن الخامس للهجرة. ومن الغريب أن ينقضي العصر العباسي، ~~ويتم نقل الكتب وينضج العلم على اختلاف موضوعاته دون أن ينشئ المسلمون مدرسة، ~~أو أن ينشئوا المدارس ولا يرد ذكرها في تاريخهم. ولكننا رأينا الإفرنج يذكرون ~~للمسلمين مدرسة أنشأها المأمون في خراسان وهو وال هناك، # 363 # ولا ندري من أين نقلوا ذلك، ولم نر له ذكرا في كتب العرب التي ~~طالعناها. على أننا رأينا فيما ذكره المسلمون عدة مدارس أنشئت في نيسابور عاصمة ~~خراسان قبل زمن نظام الملك، منها مدرسة ابن فورك المتوفى سنة 406، # 364 # والمدرسة البيهقية نسبة إلى البيهقي المتوفى سنة 450ه ... والمدرسة ~~السعيدية بناها نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود الغزنوي الشهير، ومدرسة بناها ~~إسماعيل الإسترابادي الصوفي الواعظ، وأخرى بنيت للأستاذ أبي إسحاق، # 365 # وكل هذه المدارس بنيت قبل بناء المدرسة النظامية في بغداد. حتى ~~نظام الملك نفسه بنى مدرسة بهذا الاسم في نيسابور أيضا قبل مدرسة بغداد، بناها ~~لإمام الحرمين في سلطنة ألب أرسلان، # 366 # فلعل السبب في اشتهار أسبقية نظام الملك في إنشاء المدارس ~~الإسلامية أنه أول من بنى مدرسة كبرى في بغداد، وجعل التعليم فيها مجانا، ~~وفرض لتلامذتها الأرزاق والجواري والمعاليم. # وعلى أي حال فإن أول من بنى المدارس في الإسلام الأمراء الأعاجم، وإذا صحت ~~رواية الإفرنج عن مدرسة المأمون في خراسان (أو نيسابور) فقد بنيت ms0567 في بلاد ~~أعجمية لغرض أعجمي، وإلا فلماذا لم يبن المأمون مثلها في بغداد لما تولى ~~الخلافة واشتغل في نقل العلوم؟ ... فما هو السبب في اختصاص إنشاء المدارس في ~~الإسلام بغير الخلفاء؟ # قد رأيت فيما تقدم منزلة العلماء المسلمين عند الخلفاء والأمراء، لارتباط ~~السياسة بالدين عندهم، ولأن العلماء هم حملة الدين والداعون إليه. فكان ~~العلماء في أوائل الإسلام يشاركون الخلفاء في النفوذ على العامة ويساعدونهم ~~فيه. فلما ضعف شأن الخلفاء، وأفضت الحكومة إلى السلاطين والأمراء من الفرس ~~والأتراك والديلم والأكراد وغيرهم، أصبح هؤلاء في حاجة إلى اكتساب قلوب العامة ~~لتأييد سلطانهم بما يقوم مقام نفوذ الخلفاء الديني. وأقرب السبل المؤدية إلى ~~ذلك الإحسان إلى الفقراء وإكرام العلماء والفقهاء. فأصبح السلطان أو الأمير إذا ~~تولى بلدا وكان حكيما عاقلا، فأول ما يسعى فيه تقريب العلماء والفقهاء ~~واسترضاء العامة بإنشاء الجوامع والربط والمارستانات ونحوها، وتعيين الرواتب ~~والأرزاق للعلماء والفقراء وغيرهم، فيكتسبون بذلك ثقة العامة ورضى الخاصة، غير ~~ما يرجونه من الثواب. كذلك فعل ابن طولون بمصر، وعضد الدولة في بغداد، ونور ~~الدين في الشام، وصلاح الدين بمصر. # وذلك أيضا ما حمل نظام الملك على إنشاء المدارس؛ لأنه وزر للسلطان ألب ~~أرسلان عشر سنين، وكان بمنزلة والده وله النفوذ الأكبر عنده، فلما توفي ألب ~~أرسلان وازدحم أولاده على الملك، وطد المملكة لولده ملك شاه فصار الأمر كله ~~لنظام الملك وليس للسلطان غير التخت والصيد. أقام على ذلك عشرين سنة، وكانت ~~طائفة الباطنية قد استفحل أمرها في ذلك العصر وكثر المتزاحمون على السلطة. وكان ~~نظام الملك عاقلا حكيما، فبذل جهده في استمالة الأعداء وموالاة الأولياء، ~~فأكثر من الإحسان حتى عم العدو والصديق والبغيض والحبيب. وكان من أهم مساعيه في ~~ذلك أنه بنى دور العلم للفقهاء، وأنشأ المدارس للعلماء، وأسس الرباط للعباد ~~والزهاد وأهل الصلاح والفقراء، ثم أجرى الجرايات والنفقات لطلبة العلم وغيرهم. ~~وعم بذلك سائر أقطار مملكته في الشام وديار بكر والعراقين وخراسان إلى سمرقند، ~~فلم يكن فيها حامل علم أو طالبه أو متعبد أو ms0568 زاهد إلا وكرامة نظام الملك شاملة ~~له سابغة عليه، وقدروا ما كان ينفقه في هذا السبيل فبلغ 600000 دينار في السنة. ~~فوشى به بعضهم إلى السلطان وقالوا: «إن الأموال التي ينفقها نظام الملك في ~~ذلك تقيم جيشا يركز رايته في سور القسطنطينية» فعاتبه ملك شاه في ذلك فأجابه: ~~«يا بني أنا شيخ أعجمي، لو نودي علي فيمن يزيد لم أحفظ خمسة دنانير ... وأنت غلام ~~تركي، لو نودي عليك عساك تحفظ ثلاثين دينارا ... وأنت مشتغل بلذاتك منهمك في ~~شهواتك، وأكثر ما يصعد إلى الله تعالى معاصيك دون طاعتك، وجيوشك الذين تعدهم ~~للنوائب إذا احتشدوا كافحوا عنك بسيف طوله ذراعان وقوس لا ينتهي مدى مرماها ~~ثلاثمائة ذراع، وهم مع ذلك مستغرقون في المعاصي والخمور والملاهي والمزمار ~~والطنبور ... وأنا أقمت لك جيشا يسمى جيش الليل، إذا نامت جيوشك ليلا قامت ~~جيوش الليل على أقدامها صفوفا بين يدي ربهم، فأرسلوا دموعهم وأطلقوا ألسنتهم ~~ومدوا إلى الله أكفهم بالدعاء لك ولجيوشك ... فأنت وجيوشك في خفارتهم تعيشون، ~~وبدعائهم تبيتون، وببركاتهم تمطرون وترزقون ...» فقبل ملك شاه وسكت # 367 # وتوفي نظام الملك مقتولا سنة 485. # ومن الأسباب التي كانت تحمل الأمراء غير العرب على إنشاء المدارس والمساجد، ~~غير التماس الأجر والثواب، أنهم كانوا ينشأون في بلاط السلطان ويغلب أن ~~يكونوا من صنائعه أو مواليه، فيكون له عليهم حق الولاء أو الرق. فإذا توفي ~~أحدهم عن مال أو ضياع وأراد السلطان قبضها فعل وحرم أبناءه منها. فكان الرجل ~~منهم إذا بلغ الإمارة وكثر ماله خاف عادية السلطان على ما يخلفه من ذريته، ~~فيبني المدارس أو الزوايا أو الربط، ويقف عليها الأوقاف المغلة من ضياعه أو ~~أبنيته، ويجعل في شروط الأوقاف أن يتولاها بعض ولده وله نصيب منها، والأوقاف ~~ثابتة فيأمن بذلك على أولاده الفقر. # وكان من أسباب إنشاء المدارس أيضا تأييد المذهب الذي يتبعه السلطان أو ~~الأمير، فقد كانت القاهرة شيعية منذ بنيت، وكانت الدروس التي تلقى في الجامع ~~الأزهر على مذهب الشيعة، فلما تولاها صلاح الدين الأيوبي أبطل هذا ms0569 المذهب وأحيا ~~المذهبين المالكي والشافعي، فأنشأ المدارس لتعليم هذين المذهبين فبنى المدرسة ~~الناصرية سنة 566ه للمذهب الشافعي، وهي أول مدرسة حدثت بمصر # 368 # واقتدى به من جاء بعده من الأكراد والأتراك. # ومهما يكن السبب، فلا خلاف في أن نظام الملك أول من اشتهر بإنشاء المدارس ~~في الإسلام في أواسط القرن الخامس للهجرة. فبنى المدارس في بغداد وأصبهان ~~ونيسابور وهراوة وغيرها، وكل منها تنعت بالنظامية نسبة إليه، أشهرها المدرسة ~~النظامية في بغداد تولى بناءها سعيد الصوفي سنة 457ه على شاطئ دجلة وكتب عليها ~~اسم نظام الملك، وبنى حولها أسواقا تكون محبسة عليها وابتاع ضياعا وخانات ~~وحمامات وقفها عليها، فبلغت النفقة ما يقارب 60000 دينار. # وكان للمدرسة المذكورة شأن كبير في العالم الإسلامي، وقد تخرج فيها جماعة من ~~رجال العلم طار ذكرهم في الآفاق. أول أساتذتها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، ثم ~~الإمام أبو نصر الصباغ صاحب الشامل، ثم أبو القاسم الدبوسي، وأبو حامد الغزالي، ~~والشاشي، والكيا الهراسي، والسهروردي، وكمال الدين الأنباري وغيرهم من أقطاب ~~العلم. فأصبح التعليم في هذه المدرسة من أكبر أسباب الثقة بالمعلمين، وكانت ~~تعلم فيها العلوم الدينية والفقهية واللسانية. # واقتدى السلاطين والأمراء بنظام الملك في إنشاء المدارس المجانية على هذه ~~الصورة في أنحاء المملكة الإسلامية، وأشهرهم على الترتيب السلطان نور الدين ~~زنكي صاحب دمشق المتوفى سنة 577ه، وهو تركي الأصل بنى المدارس في جميع بلاد ~~الشام وغيرها مثل دمشق وحلب وحماة وحمص وبعلبك ومنبج والرحبة، غير ما بناه من ~~المارستانات والمساجد ودور الحديث والربط. ثم السلطان صلاح الدين المتوفى سنة ~~589 وهو كردي، بنى المدارس في مصر والإسكندرية والقدس وغيرها، ثم الملك المعظم ~~مظفر الدين صاحب أربل المتوفى سنة 630ه، فقد بنى كثيرا من المدارس ودور ~~الأيتام واللقطاء والأرامل وغيرها. واقتدى بالسلطان صلاح الدين من خلفه من أهله ~~في مصر، فتسابقوا إلى إنشاء المدارس فيها، فبلغ عددها بعد انقضاء ملكهم 25 ~~مدرسة. ولما أفضى الملك إلى السلاطين المماليك ساروا على خطواتهم واقتدى بهم ~~الأغنياء، فبلغ عدد ما أنشأوه بمصر ms0570 إلى أيام المقريزي في أواسط القرن التاسع ~~للهجرة 45 مدرسة وصار المجموع 70 مدرسة. ويقال نحو ذلك في الأصقاع الأخرى. وأول ~~من أنشأ المدارس في الدولة العثمانية السلطان أورخان المتوفى سنة 761ه، واقتدى ~~به سلاطين آل عثمان في إنشائها، وأشهرها المدارس الثماني التي أنشأها السلطان سليمان. # 369 # وجاء في رحلة ابن جبير الذي طاف الشرق الإسلامي في القرن السادس أنه شاهد ~~عشرين مدرسة في دمشق و30 في بغداد. أما الأندلس فقد نقل الأمير علي صاحب تاريخ ~~الإسلام في الإنجليزية أن العرب أنشأوا المدارس في قرطبة وإشبيلية وطليطلة ~~وغرناطة ومالقة وغيرها، وأن مملكة غرناطة وحدها بلغ عدد مدارسها 17 مدرسة كبرى ~~و120 مدرسة صغرى # 370 # ولكن يظهر أن مدارس الأندلس أنشئت على غير مثال المدرسة ~~النظامية. # قال المقري صاحب نفح الطيب: «وليس لأهل الأندلس مدارس تعينهم على طلب العلم، ~~بل يقرأون جميع العلوم في المساجد بأجرة، فهم يقرأون لأن يتعلموا لا لأن ~~يأخذوا جاريا» # 371 # فترى في عبارة المقري نفيا صريحا للمدارس في الأندلس، فالظاهر ~~أن الأمير عليا المذكور نقل كلامه عن الإفرنج، وهؤلاء ربما يعنون مدارس ~~المساجد. # والمدارس في الإسلام على أشكال، منها حلقات الجوامع والربط والزوايا، ومنها ~~المدارس المجانية الكبرى للعلوم الإسلامية والمارستانات للطب والفلسفة، غير ما ~~قد يعقده العلماء من مجالس التعليم في منازلهم. وعدد الطلبة على أي حال يختلف ~~باختلاف شهرة الأستاذ في فنه، فكان يجتمع في حلقة الفارابي مئات المئين من ~~الطلبة، وقد يكون للأستاذ تلامذة تحتهم تلامذة. ذكروا أن أبا بكر الرازي ~~الطبيب المشهور كان يجلس في مجلسه ودونه التلاميذ، ودونهم تلاميذهم، ودونهم ~~تلاميذ أخر. فكان يجيء الرجل فيصف ما يجد لأول من يلقاه، فإن كان عندهم علم ~~وإلا تعداهم إلى غيرهم، فإن أصابوا وإلا تكلم الرازي، # 372 # وكان الأستاذ يزداد شهرة ونفوذا بازدياد تلامذته، وإذا مشى مشوا ~~حوله وقد يركب وهم مشاة. كان الإمام فخر الدين بن خطيب الري إذا ركب مشى حوله ~~300 تلميذ من الفقهاء. # 373 # وكان الشيخ الأستاذ إذا قرأ عليه ms0571 أحد كتابا كتب هو علامته على ~~الكتاب، شهادة بأنه قرئ عليه. ومن أكثر العلماء تلامذة الشيرازي والفارابي ~~والرازي وابن خطيب الري وابن سينا والغزالي. وكان التعليم شاملا كل طبقات ~~الناس، حتى المماليك والجواري والعبيد والمخانيث وغيرهم. ~~(9-7) المكتبات أو خزائن الكتب # ما برح الناس منذ أخذوا في تدوين أعمالهم وأخبارهم وعلومهم وهم يحرصون على ~~استبقاء ما يدونونه؛ لأنهم دونوه رغبة في استبقائه. ويعبرون عن المكان الذي ~~يحفظون الكتب فيه بالمكتبة أو خزانة الكتب، وأقدم من أنشأ المكتبات في العالم ~~البابليون سنة 1700 قبل الميلاد، ومن بقاياهم مكتبة عثر عليها علماء القرن ~~الماضي في خرائب بابل وآشور، وهي عبارة عن قرميدات من الطين المجفف عليها كتابة ~~بالحرف الإسفيني (المسماري)، يليهم المصريون القدماء فقد وصف ديودورس مكتبة وجدوها ~~في قبر ملك مصري اسمه أوسيمندياس. ثم اليونان وهم أول من أنشأ المكتبات العامة ~~لفائدة الناس، وأقدم منشئيها بسستراتوس في أواسط القرن السادس قبل الميلاد، وذكر ~~بلوتارخس مكتبة في برجاموس مؤلفة من 200000 مجلد. وأنشأ البطالسة مكتبة الإسكندرية ~~الشهيرة. ثم الرومان، وأول مكتباتهم نقلوها عن مقدونية إلى رومية سنة 167ق.م، ثم ~~استولوا على مكتبة برجاموس المذكورة سنة 133ق.م، ثم نقلوا مكتبات أثينا سنة 86، ~~ولما عظم شأن قسطنطين في القسطنطينية أنشأ فيها مكتبة سنة 355م، غير ما تقدم ذكره ~~من خزائن الفرس في الرساتيق والأزج، ثم كف الناس عن إنشاء المكتبات حتى تمدن ~~المسلمون وأنشأوا مكتباتهم. ~~(أ) المكتبات الإسلامية # لما ظهر الإسلام ونهض المسلمون للفتح أحرقوا ما عثروا عليه من الكتب لأسباب ~~تقدم بيانها، لكنهم ما لبثوا أن تحضروا وذاقوا طعم العلم حتى أصبحوا أحرص الناس ~~على الكتب وأكثرهم بذلا في الحصول عليها وأشدهم عناية في صيانتها. وقد رأيت ~~أن العرب قضوا القرن الأول ونصف القرن الثاني وأبحاثهم مقصورة تقريبا على ~~العلوم الإسلامية، ولم يدونوها إلا في أواخر تلك المدة. فكان ما يجمعونه من ~~الكتب محصورا في الأشعار والأخبار والأمثال مكتوبة على الرقوق أو الجلود أو ~~الأنسجة أو نحوها. قالوا: إن كتب أبي عمرو بن ms0572 العلاء كانت تملأ بيته إلى ~~السقف، وقالوا نحو ذلك في سائر رواة الأدب والشعر كالأصمعي وحماد وأبي ~~عبيدة. # غير أن ذلك لا يعد من قبيل المكتبات العامة التي إنما يقوم بإنشائها ولاة ~~الأمور أو من يجري مجراهم. ومرجع الفضل في إنشاء هذه المكتبات إلى خلفاء النهضة ~~العباسية، وإن كنا نرى ذكر خزائن الكتب في أيام بني أمية التي أخرج عمر بن عبد ~~العزيز منها كناش هارون، فتلك على الغالب مما أنشأه الأطباء والفلاسفة الذين ~~كانوا في خدمة تلك الدولة لأنفسهم أو لأولادهم. ~~(ب) مكتبات بغداد # أما في الدولة العباسية فكان إنشاؤها من جملة أسباب نهضتهم لنقل العلوم، ~~فأنشأوا مكتبة في بغداد سموها «بيت الحكمة» الغالب أن الرشيد أنشأها وجمع ~~إليها ما كان قد نقل إلى العربية من كتب الطب والعلم، وما ألف من العلوم ~~الإسلامية، مع ما سعى يحيى بن خالد في جمعه من كتب الهند، وما وقع للرشيد من ~~كتب الروم في أنقرة وغيرها. ولما تولى المأمون وأنشأ مجالس الترجمة جمع في بيت ~~الحكمة كتب العلم في لغاتها، وفيها اليونانية والسريانية والفارسية والهندية ~~والقبطية، فضلا عن العربية، وعلم الناس رغبته في ذلك فأتوه بالكتب على اختلاف ~~موضوعاتها وأشكال خطوطها، ومنها كتاب ذكر ابن النديم أنه بخط عبد المطلب بن ~~هاشم جد النبي # صلى الله عليه وسلم # على جلد، وفيه ذكر حق عبد المطلب «على فلان بن فلان ~~الحميري من أهل صنعاء عليه ألف درهم فضة كيلا بالحديدة ومتى دعاه بها أجابه ~~شهد الله والملكان». # 374 # وكان بيت الحكمة عبارة عن مجلس للترجمة أو النسخ أو الدرس أو التأليف، فيجلس ~~النساخ في أماكن خاصة بهم ينسخون لأنفسهم أو بأجور معينة، وكذلك المترجمون ~~والمؤلفون والمطالعون. ومن نساخ بيت الحكمة علان الشعوبي أصله فارسي وكان راوية ~~عارفا بالأنساب والمنافرات، وكان ينسخ في بيت الحكمة للرشيد والمأمون ~~والبرامكة، وله كتاب في مثالب العرب هتك فيه العرب وأظهر مثالبها، # 375 # وممن كان يتردد إلى بيت الحكمة للمطالعة أو التأليف محمد بن موسى ~~الخوارزمي المنجم، ms0573 ويحيى بن أبي منصور الموصلي أحد أصحاب الأرصاد في أيام ~~المأمون، والفضل بن نوبخت المنجم، وأولاد شاكر وغيرهم. وكان للبيت المذكور ~~قيم يدير شؤونه يسمى صاحب بيت الحكمة، وأشهر مديريها سهل بن هارون وهو ~~فارسي شعوبي شديد التعصب على العرب، وله في ذلك كتب كثيرة. ومنهم سلم وله نقول ~~من الفارسي إلى العربي. فترى من ذلك أن البيت أو الخزانة المذكورة أنشئت على ~~يد الفرس، وخدمتها والمترددون إليها من الفرس، وأكثرهم من الشعوبية الذين ~~يكرهون العرب، ولذلك سبب متصل بقيام الخراسانيين بنصرة المأمون لأسباب ذكرناها ~~في الجزأين الماضيين من هذا الكتاب. # ثم أنشأ البغداديون المكتبات على مثال بيت الحكمة، أشهرها مكتبة وقفها سابور ~~بن أردشير وزير بهاء الدولة في محلة بين السورين في الكرخ في سنة 381ه وجعل ~~فيها أكثر من عشرة آلاف مجلد كلها بخطوط الأئمة المعتبرة، وكان المؤلفون يقفون ~~عليها نسخا من مؤلفاتهم. واحترقت فيما احترق من محال الكرخ عند مجيء طغرل بك ~~أول ملوك السلجوقية إلى بغداد سنة 447ه # 376 # وممن تولى حفظ ما بقي منها والإشراف عليها عبد السلام البصري ~~اللغوي المتوفى سنة 405ه. # 377 # واشتهر بجمع الكتب من بني العباس الخليفة الناصر بن المستضيء ~~المتوفى سنة 622ه. # 378 ~~(ج) مكتبات الأندلس # وكان المأمون مثالا في إنشاء المكتبات في الممالك الإسلامية، كما كان مثالا ~~في سائر أسباب النهضة العلمية. فاقتدى به بنو أمية في الأندلس، وأشبههم به ~~الحكم المستنصر بن الناصر الذي تولى الخلافة سنة 350ه وتوفي سنة 366ه وكان ~~محبا للعلوم مكرما لأهلها جماعا للكتب على أنواعها بما لم يجمعه أحد من ~~الملوك قبله. فأنشأ في قرطبة مكتبة جمع إليها الكتب من أنحاء العالم، فكان يبعث ~~في شرائها رجالا من التجار ومعهم الأموال، ويحرضهم على البذل في سبيلها لينافس ~~بني العباس في اقتناء الكتب وتقريب الكتاب. وكان أبو الفرج الأصفهاني صاحب ~~الأغاني معاصرا له، وهو أموي مثله فبعث إليه أن يرسل إليه كتاب الأغاني قبل ~~إخراجه إلى بني العباس، وبذل له على ذلك ألف دينار ms0574 ذهبا. وفعل نحو ذلك مع ~~القاضي أبي بكر الأبهري المالكي في شرحه لمختصر ابن عبد الحكيم وغيره، فاجتمع ~~له من الكتب ما لم يسبق له مثيل في الإسلام فجعلوها في قاعات خاصة من قصر قرطبة ~~أقاموا عليها مديرا ومشرفا ووضعوا لها الفهارس لكل موضوع على حدة. وذكروا ~~أن فهارس الدواوين وحدها 44 فهرسا في كل فهرس عشرون ورقة # 379 # فإذا قدرنا للصفحة 25 اسما فقط كان مجموع عدد الدواوين 44000 ~~كتاب، فكيف بسائر الكتب؟ ولا نظننا نبالغ إذا سلمنا مع ابن خلدون والمقري أن ~~مجموع ما حوته تلك المكتبة 400000 مجلد. # 380 # واقتدى بالحكم رجال دولته وعظماء مملكته، فأنشأوا المكتبات في سائر بلاد ~~الأندلس، حتى قالوا إن غرناطة وحدها كان فيها سبعون مكتبة من المكتبات ~~العامة، وأصبح حب الكتب في الأندلس سجية في أهلها وأصبح اقتناؤها من شارات ~~الوجاهة والرئاسة عندهم. وقد يكون الرئيس منهم جاهلا ويحتفل أن يكون في بيته ~~خزانة كتب، ليقال: فلان عنده خزانة كتب، والكتاب الفلاني ليس عند أحد غيره، ~~والكتاب الذي هو بخط فلان قد حصله وظفر به. قال الحضرمي: «أقمت مرة بقرطبة ~~ولازمت سوق كتبها مدة أترقب فيه وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع وهو ~~بخط فصيح وتفسير مليح ففرحت به أشد الفرح، فجعلت أزيد في ثمنه فيرجع إلى ~~المنادي بالزيادة علي، إلى أن بلغ فوق حده. فقلت له: يا هذا! أرني من يزيد في ~~هذا الكتاب حتى بلغه إلى ما لا يساوي، قال: فأراني شخصا عليه لباس رئاسة، ~~فدنوت منه وقلت له: أعز الله سيدنا الفقيه، إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركته ~~لك، فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده. فقال لي: لست بفقيه ولا أدري فيه، ~~ولكني أقمت خزانة الكتب واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فيها ~~موضع يسع هذا الكتاب، فلما رأيته حسن الخط جيد التجليد استحسنته ولم أبال بما ~~أزيد فيه، والحمد لله على ما أنعم به من الزرق فهو كثير. قال الحضرمي: ms0575 فأحرجني ~~وحملني على أن قلت له: نعم، لا يكون الرزق كثيرا إلا عند مثلك ... يعطى الجوز ~~من لا أسنان له ... وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب وأطلب الانتفاع به يكون ~~الرزق عندي قليلا، وتحول قلة ما بيدي بيني وبينه!» # 381 # وظل أهل قرطبة على أي حال أحسن الأندلسيين رغبة في الكتب، كما كان أهل ~~إشبيلية أرغبهم في اللهو الطرب، فإذا مات عالم في إشبيلية فأريد بيع كتبه، حملت ~~إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب بقرطبة فأريد بيع تركته حملت إلى ~~إشبيلية. أما مكتبة قرطبة فما زالت في قصرها حتى بيع أكثرها في حصار البربر ثم ~~أتم عليها الإفرنج. ~~(د) مكتبات مصر # واقتدى بخلفاء بغداد والأندلس الخلفاء الفاطميون بمصر، بدأ بذلك منهم العزيز ~~بالله ثاني خلفائهم، تولى الخلافة سنة 365ه وهو شاب، فاستوزر يعقوب بن كلس ، ~~وكان يعقوب مدبرا ومحبا للعلم، فرتب له الدواوين وقرب إليه العلماء على ~~اختلاف طبقاتهم، وأجرى لهم الأرزاق وحبب إلى الخليفة اقتناء الكتب، فجمع منها ~~جانبا كبيرا وخصص لها قاعات في قصره وسماها «خزانة الكتب»، وبذل الأموال في ~~الاستكثار من المؤلفات المهمة في التاريخ والأدب والفقه، ولو اجتمع من الكتاب ~~الواحد عشر نسخ أو مائة نسخة أو أكثر. ذكروا أنه كان فيها من كتاب العين ~~للخليل نيف وثلاثون نسخة منها نسخة بخط الخليل نفسه، وعشرون نسخة من تاريخ ~~الطبري، واشتروا النسخة بمائة دينار، ومائة نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد. ~~وكان عدد النسخ المكررة يزداد بتوالي الأعوام، حتى بلغ عدد النسخ من تاريخ ~~الطبري عند استيلاء صلاح الدين الأيوبي على مصر 1200 نسخة، وكان فيها 3400 ختمة ~~قرآن بخطوط منسوبة محلاة بالذهب. فلا عجب إذا قالوا إنها كانت تحوي 1600000 كتاب # 382 # في الفقه والنحو اللغة والحديث والتاريخ والنجامة والروحانيات ~~والكيمياء، منها 18000 كتاب في العلوم القديمة، فيها 6500 جزء من كتب النجوم ~~والهندسة والفلسفة خاصة # 383 # غير أدوات الهندسة والفلك. # على أننا نرى في تقدير تلك الكتب مبالغة، وقد قدرها آخرون 200000 ms0576 كتاب، ~~وغيرهم 120000، ونظن في تقديرهم التباسا من حيث المراد بخزانة الكتب أو خزائن ~~الكتب؛ لأن العزيز بعد أن أنشأ خزانته بقصره اقتدى به جماعة من أهله فأنشأوا ~~مثلها في قصورهم، فالظاهر أن المراد بالتقدير القليل عدد الكتب في خزانة ~~العزيز خاصة، وبالكثير عدد ما في خزائن القصور كلها. وبهذا الاعتبار لا يقل عدد ~~الكتب في خزائن القصور عن 1000000 مجلد أو كتاب. # وكان للعزيز عناية كبيرة بخزانته يتعهدها بنفسه حينا بعد حين، وقد رتب لها ~~قيما يتولى شؤونها ويجالسه ويقرأ له الكتب وينادمه، وممن تولى ذلك أبو ~~الحسن الشابشتي الكاتب المتوفى سنة 390ه. # 384 # وقد أصاب هذه الخزائن من الإحن بتوالي الفتن مثل ما أصاب مكتبة الإسكندرية في ~~عهد الرومان، فألقي بعض كتبها في النار والبعض الآخر في النيل وترك بعضها في ~~الصحراء فسفت عليه الرياح حتى صار تلالا عرفت بتلال الكتب، واتخذ العبيد من ~~جلودها نعالا مما يطول شرحه. وبالإجمال فقد طرح ما بقي منها عند دخول الأكراد ~~للمبيع في أواسط القرن السادس، وكان في جملة ما أخرجوه من تلك القصور نحو ~~120000 كتاب أعطاها صلاح الدين للقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني. # 385 ~~(ه) دار الحكمة # وتسمى أيضا دار العلم وهي غير خزانة العزيز أو خزائن القصور كما توهم ~~الأكثرون. أنشأها الحاكم بأمر الله بن العزيز بالله سنة 395ه، بجوار القصر ~~الغربي بالقاهرة، وحمل إليها الكتب من خزائن القصور، ووقف لها أماكن ينفق عليها ~~من ريعها. ففرشوها وزخرفوها وعلقوا الستائر على أبوابها وممراتها وأقاموا عليها ~~القوام والمشرفين، والغرض من دار الحكمة مثل الغرض من بيت الحكمة الذي أنشأه ~~العباسيون، أي لخدمة الناس في المطالعة والدرس والتأليف. وهي طريقة القدماء في ~~تعليم الناس، إذ يتعذر على غير الأغنياء اقتناء الكتب الكثيرة نظرا لغلائها، ~~فمن أحب تعليم رعيته أنشأ مكتبة جمع فيها الكتب وفتح أبوابها للناس، كما فعل ~~البطالسة في مكتبة الإسكندرية، والعباسيون في بيت الحكمة ببغداد، وقد عد بعضهم ~~دار الحكمة مدرسة؛ لأن الحاكم أقام بها القراء والمنجمين وأصحاب النحو ms0577 واللغة ~~والأطباء، وأجرى لهم الأرزاق وأباح الدخول إليها لسائر الناس على اختلاف ~~طبقاتهم من محبي المطالعة، ليقرأوا أو ينسخوا ما شاءوا، وجعل فيها ما يحتاجون ~~إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر. وكان الحاكم يستحضر بعض علماء الدار ~~المذكورة بين يديه، ويأمرهم بالمناظرة كما كان يفعل المأمون ويخلع عليهم الخلع. ~~وقد أباح المناظرة بين المترددين إلى دار الحكمة، فكانوا يعقدون المجتمعات هناك ~~وتقوم المناظرات وقد يفضي الجدال إلى الخصام. واتخذ بعض أصحاب البدع تلك ~~الاجتماعات وسيلة لبث آرائهم، فاضطر الأفضل بن أمير الجيوش في أوائل القرن ~~السادس للهجرة إلى إبطالها دفعا لأسباب الفتن، فلما توفي الأفضل أمر الخليفة ~~الآمر بأحكام الله وزيره المأمون بن البطائحي فأعادها سنة 517ه، ولكنه اشترط ~~فيها المسير على الأوضاع الشرعية، وأن يكون متوليها رجل دين وأن يقام فيها ~~متصدرون برسم قراءة القرآن. ولا نظن عدد كتبها يقل عن 100000 كتاب، ولما أفضت ~~الحكومة إلى صلاح الدين الأيوبي هدم دار العلم وبناها مدرسة للشافعية. # 386 ~~(و) مكتبات الشام # لما كانت الشام مركز الخلافة في أيام بني أمية لم يكن للخلفاء رغبة في العلم ~~ولا التفت العباسيون إليها. ولكنها اشتهرت في عهد الدولة الفاطمية بمكتبة كانت ~~في طرابلس الشام حتى فتحها الإفرنج سنة 502 فانتهبوها # 387 # وذكر «جبن» أن عدد كتبها 3000000 مجلد أحرقها الإفرنج. # 388 # فلما تولى نور الدين الشام وأنشأ المدارس في مدائنها جعل فيها ~~خزائن الكتب، وتعرف بالخزائن النورية، وهكذا فعل صلاح الدين. # أما بلاد فارس فقد تقدم في غير هذا الباب ما كان فيها من الخزائن المخبأة ~~في الرساتين والأزج والقباب، مكتوبة بالحروف الفهلوية على الجلود ونحوها قبل ~~الإسلام، فلما نضجت الحضارة الإسلامية في بغداد كان الفرس من أكبر العوامل ~~فيها، وفي جملة مساعيهم أنشأ بيت الحكمة وغيره كما تقدم. # وأما خراسان فقد كانت بلاد علم وأدب لما علمته من إنشاء المدارس فيها قبل ~~سائر بلاد الإسلام. وأما المكتبات فلم يتصل بنا من أخبارها إلا القليل، فقد ذكر ~~ياقوت في معجمه أنه ترك مرو ms0578 الشاهجان أشهر مدن خراسان يومئذ سنة 616ه وفيها ~~عشر خزائن للوقف لم ير في الدنيا مثلها كثرة وجودة، وقد فصل أخبارها وأخبار ~~واقفيها وذكر أن واحدة منها كان فيها 12000 مجلد وأنه أخذ علمه منها. # 389 # أما ما وراء النهر فقد ذكروا في بخارى مكتبة اشتهرت باقتباس ابن سينا علمه ~~عنها، وكانت لنوح بن منصور سلطان بخارى، قال الشيخ الرئيس: «ورأيت فيها من ~~الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس، وما كنت رأيته من قبل... إلخ». وأنشأ ~~هولاكو التتري لنصير الدين الطوسي في مراغة مكتبة فيها 400000 مجلد مما نهبه ~~التتر من بغداد والشام والجزيرة. # هذا ما عثرنا على خبره من المكتبات العامة التي أنشأها الخلفاء أو السلاطين ~~لمنفعة الناس، غير خزائن الكتب التابعة للمدارس أو المارستانات أو الجوامع، ~~فإنها كانت كثيرة جدا ومنها ما لا تقل كتبها عن المكتبات الكبرى، وهي مرتبة ~~أبوابا حسب الموضوعات وعليها الوكلاء والقوام. وغير الخزائن الخاصة التي كان ~~يقتنيها العلماء لأنفسهم وهي كثيرة وعظيمة، فقد كانت كتب الصاحب بن عباد تنقل ~~على 400 جمل، وخلف إفرايم الطبيب المصري 20000 مجلد، ولما مات موفق الدين بن ~~المطران كان في خزانته 10000 مجلد غير ما استنسخه، وكان له ثلاثة نساخ يكتبون. ~~وكان عند أمين الدولة 20000 مجلد، وقس عليهم كثيرين كالفتح بن خاقان وابن ~~القفطي وغيرهما. # ولا تتضح ضخامة تلك المكتبات إلا إذا قابلناها بمكتبات هذا العصر، مع اعتبار ~~الفرق بين العصرين وما كان لانتشار الطباعة من تسهيل اقتناء الكتب، مع مرور ~~الأزمنة الطويلة على مكتبات هذه الأيام، وكثرة الوسائل المساعدة على اقتناء ~~الكتب لقلة النفقة وغير ذلك. ونقتصر على المكتبات الإسلامية الكبرى التي عرفنا ~~عدد مجلداتها ونقابلها بأشهر مكتبات أوربا اليوم: # أشهر مكتبات المسلمين في عهد التمدن ~~الإسلامي # عدد المجلدات # بيت الحكمة في بغداد # 10000 # مكتبة سابور في بغداد # 400000 # مكتبة الحكم بقرطبة # 1000000 # خزائن القصور بالقاهرة # 100000 # دار الحكمة بالقاهرة # 3000000 # مكتبة طرابلس # 400000 # مكتبة مراغة # أشهر مكتبات هذه الأيام في عواصم ms0579 أوربا ~~الكبرى # عدد المجلدات # 2700000 # مكتبة باريس الأهلية # 1648000 # مكتبة المتحف البريطاني في لندن # 1360000 # مكتبة بطرسبرج القيصرية # 1230000 # مكتبة برلين الأهلية # 924000 # مكتبة فينا الملوكية # 677000 # مكتبة رومية الأهلية # وفي الولايات المتحدة 4026 مكتبة مجموع عدد كتبها 33051872 مجلدا. وعلى ~~الجملة فإن المسلمين جمعوا في مكتباتهم العامة والخاصة من الكتب على اختلاف ~~موضوعاتها ما يعد بالملايين. ولم يبق منها إلا جزء صغير جدا، وقد ضاع معظمها ~~في أثناء القرون الوسطى وذهب بذهاب التمدن. # أما الباقي من تلك الكتب فأكثره تجمع في عاصمة الإسلام في أثناء تلك القرون ~~وهي القسطنطينية. وقد توفق المستشرق جوستاف فلوجل، ناشر كتاب الفهرست وكتاب كشف ~~الظنون، إلى إحراز قوائم المكتبات العربية على ما بلغت إليه من قبل النهضة ~~الأخيرة وشيوع الطباعة في الشرق، وذيل كتاب كشف الظنون بأسماء تلك الكتب بحسب ~~موضوعاتها. فبلغ عدد تلك المكتبات بضعا وعشرين مكتبة، منها 21 في القسطنطينية ~~بلغ مجموع كتبها 27445 كتابا. وأما ما بقي ففي مصر ودمشق وحلب ورودس ومجموع ~~كتبها 2400 كتاب، فيكون الباقي من كتب التمدن الإسلامي في المكتبات العامة نحو ~~30000 كتاب، هاك تفصيلها باعتبار أماكنها: # مكتبات المسلمين في أواخر القرون الوسطى ~~وكتبها # عدد المجلدات # 1537 # مكتبة السلطان محمد الثاني في القسطنطينية # 803 # مكتبة السلطان سليمان في القسطنطينية # 752 # مكتبة قليج علي باشا بالطبخانة في القسطنطينية # 412 # مكتبة حافظ أحمد باشا في القسطنطينية # 1448 # مكتبة كيو بريلي أوغلو في القسطنطينية # 2906 # مكتبة شهيد علي باشا في القسطنطينية # 831 # مكتبة إبراهيم باشا في القسطنطينية # 732 # مكتبة والده سلطان في القسطنطينية # 552 # مكتبة بشير أغا في القسطنطينية # 1336 # مكتبة عاطف أفندي في القسطنطينية # 1445 # مكتبة أيا صوفيا في القسطنطينية # 556 # مكتبة سراي غلطه في القسطنطينية # 2421 # مكتبة عثمان الثالث في القسطنطينية # 1077 # مكتبة محمد راغب باشا في القسطنطينية # 980 # مكتبة لعله لي دفتر أول في القسطنطينية # 1947 # مكتبة لعله لي دفتر 2 في القسطنطينية # 916 # مكتبة سراي همايون في القسطنطينية # 1769 # مكتبة ولي الدين أفندي في القسطنطينية ms0580 # 1877 # مكتبة عاشر أفندي في القسطنطينية # 1109 # مكتبة داما زاده محمد مراد أفندي في القسطنطينية # 1383 # مكتبة عبد الحميد في القسطنطينية # 656 # مكتبة حالت أفندي في القسطنطينية # 27445 ~~(مجموع الكتب في القسطنطينية) # 1099 # مكتبة الأزهر في القاهرة # 422 # مكتبة عبد الله باشا العظم بدمشق # 269 # مكتبة المدرسة الأحمدية بحلب # 609 # مكتبة رودس # 29844 ~~(المجموع كله) # وبديهي أن هذه الكتب ليست كلها ما بقي من المؤلفات العربية، فقد كان منها ~~شيء كثير في المكتبات الخاصة وغيرها، ولكنها على أي حال لا تعد شيئا بالنظر ~~إلى ما كانت عليه في إبان التمدن. وخصوصا إذا اعتبرنا تكاثر المؤلفات بتوالي ~~القرون، مما يدعو إلى زيادة عدد الكتب الباقية في القرون الوسطى كما لا يخفى لا ~~إلى نقصانها، ولكن لكل شيء أجلا لا يتعداه، سنة الله في خلقه. # | أنساب العرب القدماء # (1) رد على القائلين بالأمومة والطوتمية عند العرب الجاهلية # كتب إلينا صديقنا الأستاذ مرجليوث المستشرق الإنجليزي الكبير في أثناء نقله كتابنا ~~تاريخ التمدن الإسلامي إلى اللغة الإنجليزية كتابا هذا نصه: # إن بين ما جاء في كلامكم عن أنساب العرب وبين آراء المستشرقين في هذا الصدد ~~بونا عظيما. ولو اطلعتم على كتاب الأنساب والزواج عند العرب الجاهلية للأستاذ ~~روبرتسن سميث # 1 # لرأيتم بين المشهور عندنا والموضوع في كتابكم فرقا بعيدا، فإن ~~مسألة الأمومة مثلا قد دونت فيها مجلدات كثيرة ذهب أكثر أصحابها إلى أن ~~العائلة القديمة ليس فيها أب معلوم، إنما ترأسها أم كثيرة الرجال. وحق الأبوة ~~أمر مستحدث إدخاله عند العرب لم يسبق عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # بكثير. وأنساب العرب ~~كلها أكاذيب، فإن أسماء القبائل ليست أسماء رجال قد عاشوا كما يزعمون، بل ~~أكثرها يشبه المسمى طوتم # Totem # عند الأمم ~~المتوحشة، أعني حيوانا ينتسبون إليه لجهلهم بترتيب الطبيعة، فيصدر عن انتسابهم ~~إليه سنن وقوانين لا تخفى آثار بعضها عند العرب الجاهلية. # هذا هو نص كتاب الأستاذ، فنظرنا فيه نظر الاعتبار إجلالا لمقام صاحبه، وبادرنا إلى ~~كتاب روبرتسن سميث المشار إليه، فإذا هو يدخل ms0581 في نيف وثلاثمائة صفحة، فتصفحناه مليا ~~رغبة في الاطلاع على ذلك الرأي وتدبره، لأن مؤلفه من كبار المستشرقين وله في الشرق ~~وآدابه أبحاث ومؤلفات ذات شأن، ككتاب في أديان الساميين وغيره من المقالات الشائقة. ~~فقرأنا الكتاب بإخلاص وإمعان، لعلنا نقتنع بصحة هذا الرأي فنرجع إليه، إذ لا غرض لنا ~~فيما نكتبه إلا تقرير الحقيقة، فهي ضالتنا المنشودة إذا ظفرنا بها وقفنا عندها صاغرين، ~~ولا يهمنا على يد من يكون ذلك، فتحققنا من مطالعة الكتاب ما عليه الرجل من العلم ~~والفضل، وسعة الاطلاع على آداب الشعوب السامية ولغاتها وأديانها، وتوسمنا من خلال أدلته ~~وسبك عبارته حجة وقوة على الإقناع، يندر مثلها بين أرباب الأقلام، ولولا ذلك ما استطاع ~~- مع ضعف المذهب الذي أخذ على نفسه إثباته - أن يلاقي إصغاء من جلة العلماء ~~المستشرقين، وفي جملتهم صديقنا الأستاذ مرجليوث، حتى ظهر اقتناعه بذلك في مقدمة كتابه ~~الجليل الذي أصدره في السيرة النبوية # Mohammed and the Rise of ~~Islam # على أن الأستاذ المشار إليه قد أسند الرأي إلى صاحبه ولم ~~يتكلف نقده، اعتمادا على ما اشتهر به صاحبه من سعة العلم، ولا نخاله لو تكلف ذلك إلا ~~شاعرا بما شعرنا به من وهم صاحبه في تصوره على ما سنبينه فيما يلي. وقد نكون واهمين ~~مثله؛ لأن العصمة لله وحده. وإنما أردنا أن نقول في هذا الموضوع كلمة نلقيها بين ~~يدي العلماء المستشرقين، ولا ندعي النجاة من الزلل، بل يكفينا أن تربو مواضع الصواب في ~~أقوالنا على مواضع الخطأ، وربما كان الأمر بالعكس - على أن البحث لا يخلو من فائدة ~~على أي حال. # وبما أننا سننشر هذه الرسالة باللغة العربية أيضا ليطلع عليها جمهور القراء، وفيهم ~~من لا يزال خالي الذهن من الطوتم والأمومة ونحوهما من الأبحاث الجديدة التي قلما طرقها ~~كتاب العربية، رأينا أن نصدر الكلام بتمهيد وجيز في المراد من هذه الألفاظ، ثم نتقدم ~~إلى الموضوع. ~~(1-1) الطوتمية عند القبائل المتوحشة الآن # الطوتم هو لفظ دخل اللغات الإفرنجية في أواخر القرن الثامن ms0582 عشر من لغة الأوجيبي ~~من هنود أمريكا، ويراد به كائنات تحترمها بعض القبائل المتوحشة، ويعتقد كل فرد من ~~أفراد القبيلة بعلاقة نسب بينه وبين واحد منها يسميه طوتمه، وقد يكون الطوتم ~~حيوانا أو نباتا أو غير ذلك. وهو يحمي صاحبه، وصاحبه يحترمه ويقدسه أو يعبده، ~~وإذا كان حيوانا لا يقدم على قتله، أو نباتا فلا يقطعه أو يأكله، وتختلف الطوتمية ~~عن عبادة الحيوانات والنباتات الشائعة عند بعض تلك القبائل المعبر عنها بالديانة ~~الفتشية في أن هذه عبادة صنم بصورة حيوان، وتلك تقديس نوع من أنواع الحيوان أو ~~النبات أو عبادته. # والطوتم بالنظر إلى مجموع القبائل ثلاث طبقات: # أولا: # طوتم القبيلة وهو عام يشترك في احترامه كل أفرادها ~~ويتوارثونه. # ثانيا: # طوتم الجنس وهو ما يختص باحترامه أفراد أحد الجنسين الذكور أو الإناث ~~فيكون خاصا بنساء القبيلة أو برجالها. # ثالثا: # الطوتم الشخصي وهو ما يختص باحترامه الفرد الواحد ولا يرثه أبناؤه. # والأول أحراها بالاعتبار وعليه نجعل مدار كلامنا. ~~(أ) طوتم القبيلة # هو حيوان أو نبات أو شيء آخر يشترك في تقديسه أو عبادته أفراد قبيلة من ~~القبائل ويتسمون باسمه ويعتقدون أنه جدهم الأعلى وأنهم من دم واحد مرتبطون ~~بعهود متبادلة ترجع إلى ذلك الطوتم. وله عندهم اعتباران، أحدهما ديني والآخر ~~اجتماعي. فالديني يراد به ما بين الرجل وطوتمه من العلاقة المتبادلة: الرجل ~~يحترم الطوتم، والطوتم يحميه ويحفظه. وأما الاجتماعي فهو الحقوق المتبادلة بين ~~أفراد تلك القبيلة التي يجمعها اسم ذلك الطوتم، بالنظر إلى القبائل الأخرى ~~المنسوبة إلى طوتمات أخرى، وقد يختلف الاعتباران في كثير من الأحوال. # فالطوتم من الوجهة الدينية يعتبر أبا للقبيلة وأنها من نسله، ولكل قبيلة ~~حديث خرافي عن طوتمها يتناقلونه أبا عن جد، يغلب أن يكون مداره على كيفية ~~انتقاله من الحيوانية أو النباتية إلى الإنسانية. فمن قبائل الأيروكوا - من ~~هنود أمريكا - قبيلة تعرف بقبيلة السلحفاة، يعتقد أهلها أنهم متسلسلون من ~~سلحفاة سمينة استثقلت صدفتها فألقتها عن ظهرها ثم تحولت إلى إنسان أولد ~~أولادا. ومنهم قبيلة الحلزون (البزاقة) يعتقدون ms0583 أنهم متسلسلون من الحلزون ~~وأنثى الجندبادستر - وذلك أن حلزونا ذكرا خلع صدفته ونبت له يدان ورجلان ~~ورأس وتحول إلى رجل طويل القامة جميل الصورة، فتزوج أنثى الجندبادستر وأولدها ~~هذه القبيلة. وقس على ذلك قبائل تنسب إلى البط أو الإوز أو غيرهما من الطيور ~~المائية. وفي سينغمبيا قبائل تنتسب إلى وحيد القرن وفرس البحر أو إلى العقرب أو ~~الثعبان. فكل من هذه الحيوانات يعد طوتما للقبيلة التي تسمى باسمه، وهي ~~تحترمه وتقدسه فلا تؤذيه ولا تقتله. فقبيلة البط مثلا لا تؤذي هذا الطير ولا ~~تقتله إلا إذا عض أحدها الجوع فيأكل البطة وهو يأسف ويستغفر، وكذلك إذا كان ~~الطوتم نباتا فإنهم يحترمونه ويتجنبون أن يدوسوه أو يأكلوه، فمن كان طوتمه ~~الذرة مثلا فأكلها محرم عليه. وإذا كان الطوتم شجرة حرموا إحراق ~~عيدانها. # ولا يقتصر احترامهم الطوتم على تحريم أكله أو أذيته فإن بعضهم يحرم لمسه أو ~~النظر إليه. فقبيلة الأيل - من قبائل الأوهاما - لا تأكل لحم الأيل ولا تمس ~~أيلا ذكرا، وقبيلة رأس الغزال لا تمس جلد غزال قط. وقد يحرمون التلفظ باسم ~~الطوتم، فإذا اضطروا إلى ذكره عمدوا إلى الكناية أو الإشارة. فمن هنود الدولارس ~~في أمريكا قبيلة تنسب إلى الذئب، وأخرى إلى السلحفاة، وأخرى إلى ديك الحبش ~~(الديك الرومي) فإذا اضطروا إلى ذكر أحدها كنوا عن الأول بالقدم المستديرة، وعن ~~الثاني بالساحف، وعن الثالث بغير الماضغ، والقبائل المذكورة تعرف بهذه ~~الكنايات. # وإذا مات حيوان من نوع طوتم القبيلة احتفل أهلها بدفنه وحزنوا عليه حزنهم على ~~واحد منهم، فقبيلة البومة في ساموا إذا وجد أحد رجالها بومة ميتة فإنه يقعد ~~إلى جانبها ويأخذ في الندب والبكاء ويضرب جبينه بالحجارة حتى يدميه، ثم يكفن ~~البومة ويحملها إلى المدفن كأنها بعض أفراد القبيلة. ويعتقدون أن من أهان ~~الطوتم أو أساء إليه يصاب بالمصائب، ويختلف اعتقادهم ذلك باختلاف القبائل أو ~~البلاد. فبعضهم يعتقدون أن من يأكل طوتمه تصبح نساء قبيلته عواقر، وغيرهم ~~يعتقدون أنهم يصابون بالأمراض أو النكبات أو نحو ذلك. ويتوهم آخرون ms0584 أن آكل ~~طوتمه يجازى بالموت، بأن يقيم الطوتم في بدنه ولا يزال يأكل منه حتى ~~يموت. # ويؤمنون من الجهة الأخرى أن الطوتم لا يؤذي صاحبه، فالذين طوتمهم الحية مثلا ~~لا يخافون لسعها، وعندهم أن الحية لا تلسعهم. وكذلك قبائل العقرب في ~~سينغمبيا، فهم على ثقة أن العقرب السامة تمر على جسم أحدهم ولا تؤذيه. وقس ~~على ذلك قبائل الذئاب ونحوها. وكثيرا ما يمتحنون بذلك قرابة من يدعي انتسابه ~~إلى أحدها، فمن زعم أنه من قبيلة الثعبان أطلقوا عليه الثعبان، فإذا لسعه ~~قالوا إنه مدع كاذب، وعلى هذا المبدأ ينبذون كل من لا يراعي الطوتم جانبه ~~ويتجنب أذيته. # على أنهم لا يكتفون من الطوتم أن يكف أذاه عن أصحابه أو عباده، ولكنهم ~~يتوقعون أن يحسن إليهم ويدافع عنهم. فتعتقد قبيلة الذئاب أن الذئاب تدافع ~~عنها في ساحة القتال، ويتوهم أكثر أصحاب الطوتمية أن الطوتم ينذر أصحابه ~~بالخطر قبل وقوعه بعلامات أو رموز على نحو ما يعبر عنه بالفأل أو ~~الطيرة. # ومما يتقربون به إلى الطوتم ابتغاء رضاه وحمايته أن يتشبهوا به، فيقلدوه في ~~شكله ومظهره ويلبسوا جلده أو قسما من جلده، أو يتخذوا جزءا منه يعلقونه في ~~أعناقهم أو أذرعهم على نحو التعاويذ في الأمم الأخرى فلا يخلو فرد من تعويذة ~~تدل على علاقته بطوتمه. # ومن عاداتهم الدالة على اعتبارهم أنفسهم من نسل الطوتم، ما يجرونه من ~~الاحتفال عند الولادة أو الزواج أو الوفاة ونحوها من الأحوال. فقبيلة الغزال ~~الأحمر مثلا إذا ولد لهم طفل نقشوا ظهره بالحمرة، وإذا كان من قبيلة الذئب ~~صاحت الولائد عند وضعه: «قد ولد لنا ذئب صغير!» ويخيطون بقميص الطفل قطعة من ~~عين الذئب أو قلبه، وإذا تزوج واحد من قبيلة الكلب الأحمر في جاوة دهنوا ~~العروسين برماد عظام كلب أحمر، وقس على ذلك سائر القبائل بما ينتسبون إليه من ~~أنواع الطواتم. ويحتفلون مثل هذه الاحتفالات عند الوفاة أو الزواج. # أما الطوتم الجنسي فيراد به اختصاص ذكور القبيلة أو إناثها بطوتم خاص. فبعض ~~القبائل في أستراليا ms0585 لذكورها طوتم ولإناثها طوتم آخر، وكلاهما غير طوتم ~~القبيلة. وكذلك الطوتم الشخصي، فإن الرجل قد يكون له طوتم خاص به غير طوتم ~~القبيلة وغير الطوتم الجنسي. # أما طوتم القبيلة من الوجهة الاجتماعية، فيراد به تعاقد أهل القبيلة فيما ~~بينها باعتبار علاقتها بالقبائل الأخرى. فأهل الطوتم الواحد يعدون إخوة وأخوات، ~~يتعاونون في السراء والضراء بروابط هي أشد مما بين أفراد العائلة الواحدة ~~اليوم. فيتزوج الرجل بامرأة من غير قبيلته وطوتم غير طوتمه، وربما نشأ الأولاد ~~على طوتم آخر، فإذا انتشبت حرب تعاون أهل الطوتم الواحد على أصحاب الطوتم ~~الآخر، فينفصل الرجل عن زوجته والولد عن أبيه أو أمه. # ومن شروط الطوتمية أن رجال الطوتم الواحد لا يتزوجون نساء من قبيلتهم، ولا ~~النساء برجال منها، وهو ما يعبر عنه علماء العمران بالزواج الخارجي # Exogamy # ويعتقد أصحاب الطوتم أن التزاوج ~~في نفس القبيلة مضر بالصحة حتى ينخر العظام، ويعاقبون من يقدم عليه بالموت أو ~~العذاب الأليم، ولذلك فهم يتخذون نساء من القبائل الأخرى بالغزو أو المراضاة ~~أو نحو ذلك، والأولاد يرثون على الغالب طوتم أمهاتهم، فكأن النسب يتصل بينهم ~~بالأمهات وليس بالآباء كما هو المعهود بيننا. # وقد تتفرع القبيلة إلى بطون وأفخاذ تنسب إلى آباء من الحيوان أو النبات بينها ~~نسبة تفرعية، مثل تفرع الحيوان إلى الأنواع وما تحتها من الفصائل والتباينات، ~~أو بعلاقة أخرى بين طوتم القبيلة وطوتمات الفروع، كأن يكون طوتم القبيلة ~~حيوانا وطوتم فرعها نباتا يأكله ذلك الحيوان مما لا سبيل إلى بسطه. # والطوتمية منتشرة الآن في العالم المتوحش، فهي عامة بين قبائل أستراليا، ~~وكثيرة الانتشار في شمالي أمريكا وفي بناما والطوتم الشائع هناك «الببغاء»، ولا ~~تخلو أمريكا الجنوبية من آثار الطوتمية على حدود كولمبيا وفنزويلا وفي جيانيا ~~وبيرو، وللطوتمية شأن كبير في أفريقيا، فإنها شائعة في سينغمبيا وبين قبائل ~~البقالي على خط الاستواء، وعلى شاطئ الذهب الأشانتي، وبين الدامارية والبكوانية ~~في جنوبي أفريقيا، وفي أماكن كثيرة من تلك القارة ولها آثار في مدغشقر وبعض جزر ~~ملقا. أما في آسيا ms0586 فلها أثر في أواسط الهند بين بعض قبائل البنغال غير الآريين، ~~وفي سيبيريا وبعض جهات الصين وجزائر المحيط. وأكثر هذه القبائل أدخلها العلماء ~~في الطوتمية بالقياس التمثيلي؛ لأنها تقدس بعض الحيوانات أو النباتات وإن لم ~~تتسم بأسمائها. ~~(1-2) الخلاصة # فالطوتمية تلخص فيما يأتي: ~~(1) # أنها شائعة الآن بين أكثر الأمم أعراقا في الوحشية. ~~(2) # أن قوامها اتخاذ القبيلة حيوانا أو نباتا أو شيئا آخر من ~~الكائنات المحسوسة أبا لها تعتقد أنها متسلسلة منه وتتسمى باسمه. ~~(3) # أن كل قبيلة تقدس طوتمها أو تعبده. ~~(4) # تعتقد كل قبيلة أن طوتمها يحميها ويدافع عنها، أو على الأقل لا ~~يؤذيها وإن كان الأذى طبعه. ~~(5) # الزواج ممنوع بين أهل الطوتم الواحد، وأساس التناسل عندهم التزوج ~~ببنات من أصحاب الطوتمات الأخرى (الإكسوجامي). ~~(6) # أن الأبوة ضائعة عندهم ومرجع النسب إلى الأم. ~~(7) # لا عبرة عندهم بالعائلة، وإنما القرابة تنتهي إلى الطوتم، وأهل ~~الطوتم الواحد إخوة وأخوات يجمعهم دم واحد. ~~(أ) أصل هذا المذهب # ومذهب الطوتمية - بالنظر إلى نظام الاجتماع - حديث، أول من قاله الدكتور ~~مكلينان الباحث الاجتماعي الإنجليزي المتوفى سنة 1881، فإنه ألف في هذا ~~الموضوع كتابه الزواج عند القدماء Primitive ~~Marriage # ونشره للمرة الأولى سنة 1865، ثم كتب كتبا كثيرة ~~في هذا الموضوع وما يتفرع عنه نشر فيها أصل مذهبه والقواعد التي بنى عليها رأيه ~~في الطوتمية. ولم يكد ينشر رأيه حتى تصدى علماء الاجتماع لانتقاده، وفي مقدمتهم ~~الفيلسوف سبنسر والسير جون لبك العالم الاجتماعي الشهير، ولا سيما الأول فإنه ~~أفاض في نقد هذا المذهب بكتابه «أصول العمران» وكتاب «أصول التمدن» وغيرهما مما ~~لا شأن لنا به. وإنما ننظر الآن في الأمر من حيث ما يهمنا ونغض الطرف عن صحة ~~هذا المذهب أو فساده، ونبحث فيما أراده الأستاذ روبرتسن سميث من تطبيقه على ~~العرب قبل الإسلام. ~~(ب) رأي سميث في طوتمية العرب # يرى سميث أن العرب كانوا في أقدم أزمانهم ينتسبون إلى آباء من الحيوانات أو ~~النباتات كانوا يعبدونها أو يقدسونها ويتسمون بأسمائها، وكان شأنهم في الزواج ~~والأمومة وغيرها مثل شأن القبائل ms0587 المتوحشة في أستراليا وأمريكا وأفريقيا، وأن ~~المشهور من انتساب العرب إلى إسماعيل وقحطان من آباء التوراة، وتسلسل القبائل ~~على الصورة المعروفة إنما هو حادث وضعه أهل الأغراض في زمن حديث لا يتجاوز ~~القرن الأول للهجرة، مبنيا على ديوان الإمام عمر بن الخطاب من حيث حقوق ~~المسلمين في العطاء بالنظر إلى القبائل وأنسابها (صفحة 6 من كتابه). # ولتأييد هذا الرأي بدأ أولا بإثبات الأمومة عند العرب، فقال: إن العرب في ~~الزمن القديم لم يكن عندهم عائلة رئيسها الأب، ولا كانت الأنساب تتصل بالآباء، ~~بل كان الزواج عندهم نحو ما هو في بلاد التبت اليوم ويعرف بالزواج التيبتي، ~~وذلك أن المرأة تتزوج برجلين فأكثر، وأولادها لا ينتسبون لأحدهم وإنما ~~ينتسبون إلى القبيلة ويسمون بطوتمها كما تقدم. فعمد أولا إلى إيراد الأدلة على ~~إثبات الأمومة وشيوعها عند العرب القدماء ولما ظن نفسه أثبتها عمد إلى إثبات ~~الطوتمية، فبذل قصارى جهده في استخراج الأدلة والشواهد مما سنفصله ونبين وجه ~~الخطأ فيه. ~~(1-3) العرب القدماء وأنسابهم وأخبارهم # وقبل التقدم إلى البحث في أدلة الأستاذ سميث، نقول كلمة إجمالية في العرب ~~وأنسابهم ورواياتهم تمهيدا للبحث. # إن من يطالع رأي صاحب طوتمية العرب، ومن يقول قوله من المستشرقين، يدرك لأول ~~وهلة أنهم إنما حملهم على ذلك أمران: # الأول: # ضعف ثقتهم بأقوال مؤرخي العرب وبما حفظ من خرافاتهم ~~القديمة. # والثاني: # نهوض أهل القرن الماضي لتحدي ما ثبت من مذهب الارتقاء في قواعد ~~العمران؛ لأن شيوع هذا المذهب في أواسط ذلك القرن حمل أدباء ~~الإفرنج على رد كل شيء إلى أسباب طبيعية، كما فعل سبنسر في رد ~~العبادات وأكثر العادات إلى مثل هذه الأسباب. # وهكذا أراد صاحب طوتمية العرب، فإنه لما اطلع على ما كتبه مكلينان عن الطوتم ~~في القبائل المتوحشة - وهو مستشرق مطلع على أخبار العرب سيئ الظن في جاهليتهم ~~يحتقر أقوال رواتهم ونسابيهم - ورأى بين أسماء آباء القبائل والبطون ما يشبه أسماء ~~الحيوانات، سبق إلى وهمه أنها من آثار الطوتمية عندهم. فوضع هذا الحكم نصب عينيه، ~~وأخذ ms0588 على نفسه أن يبرهنه. ولما كانت الطوتمية مبنية على الأمومة، عمد إلى إثبات ~~هذه. فأتى بأدلة ضعيفة تجاوز بها حد التكلف، واستشهد بنوادر من أخبار العرب، فجعل ~~الشاذ قاعدة وأغفل القواعد العامة الثابتة التي أجمع عليها النسابون والرواة، مما ~~يخالف أصول البحث. وهذا غريب من عالم اطلع على أخبار الأمم وخرافاتهم، وعلم أن ~~التاريخ القديم أكثره مأخوذ من الخرافات المأثورة عن الأسلاف، يمحصها المؤرخون ~~ويستخرجون صحيحها من فاسدها فلا يحتقرون خرافة ولا ينكرون قولا. فإن ما في إلياذة ~~هوميروس من أخبار الآلهة وخرافاتهم، لم يمنع العلماء من تمحيصها والتمييز بين ~~التاريخ والدين والخرافة فيها. ويقال نحو ذلك عن أخبار الهنود القدماء، منذ نزل ~~جماعة الآريين إلى بلاد الهند على ما هو مدون في كتبهم السنسكريتية. وهكذا ينبغي أن ~~يقال في خرافات العرب، من أخبار عاد وثمود وطسم وجديس، وأخبار سيل العرم ونحوها. ~~فإنها - مع بعدها عن مألوفنا - لا تخلو من حقائق تاريخية ذات بال، قد كشف الزمان ~~صدق كثير منها، فنأتي بشذرات من ذلك على سبيل المثال: ~~(أ) عاد وثمود # إن أعرق خرافات العرب في القدم وأبعدها عن المألوف أخبار القبائل البائدة. ~~وما زال الباحثون إلى عهد غير بعيد يعدونها من الخرافات الموضوعة قبيل ~~الإسلام، وظنها آخرون لبعض الأمم الأخرى وقد حفظها العرب ونسبوها لأنفسهم. ثم ~~تبين لهم أنها لا تخلو من حقيقة ثابتة، لما وجدوه من ذكرها في كتب مؤرخي ~~اليونان أو جغرافييهم القدماء كإسترابون وبطليموس وغيرهما. وأهم القبائل ~~البائدة عاد وثمود. أما عاد فقد كان المظنون أنها لم تذكر في كتب اليونان؛ ~~لأنهم لم يعثروا بين أسماء قبائل العرب على لفظ يشبهها، ولكننا بينا في ~~مقالة لنا بهذا الموضوع (الهلال 23 سنة 6) أنهم ذكروها باسم «عاد إرم» فكتبوها # Adramitae ~~، تمييزا لها عن حضرموت واسمها ~~عندهم # Xatramotitae ~~، ورجحنا هناك أنها وقبيلة ~~هدورام المذكورة في التوراة بين العرب القاطنين بلاد اليمن قبيلة واحدة. # وأما ثمود فقد ذكرت مرارا في كتب اليونان والرومان، وعثروا على آثارها في ~~أعالي الحجاز وحلوا بعض ms0589 ما نقش على أحجارها، وكانوا مع ذلك يحسبون تاريخها لا ~~يتجاوز في القدم ما وراء تاريخ الميلاد إلا قليلا، حتى عثر المنقبون على ذكرها ~~في أنقاض آشور حوالي القرن الثامن قبل الميلاد، # 2 # في عرض أخبار الحروب والفتوح، مما يدل على أن تلك القبيلة كانت ~~ذات شأن في هذا العهد. وقس على ذلك سائر أخبار القبائل البائدة، مما ضاع خبره ~~لتقادم عهده أو اشتبه اسمه عند اليونان بالتصحيف أو نحوه، كما أصاب قبيلة ~~«جديس» فإن اليونان كتبوها # Jolisitai # والغالب ~~في أصلها على اعتقادنا # Jodisitai # بإبدال الدال ~~لاما وهما متشابهان في اللغة اليونانية فاللام تكتب هكذا # Λ # والدال هكذا # Δ # تحتها شرطة وقس عليه. # ناهيك بما يؤيد أخبار العرب وأنسابهم من نصوص التوراة، وما عثروا ويعثرون ~~عليه في آثار اليمن وغيرها. ~~(ب) النسابون العرب # إذا كان هذا شأن خرافات العرب القديمة، فكيف بأخبارهم المدونة في الكتب مما ~~أجمع عليه النسابون في صدر الإسلام، والرواة يومئذ لا يقبلون رواية إلا بعد ~~التحقق منها بالإسناد الصحيح، لما تعودوه من تحقيق الأحاديث النبوية أو نحوها ~~من الأخبار الدينية في ذلك العصر؟ فالعرب يعدون من أكثر الأمم تحقيقا في ~~الرواية، وأكثرهم تدقيقا في حفظ ما يروونه، ولا سيما في صدر الإسلام لاعتمادهم ~~على الذاكرة وإغفالهم الكتابة، لأسباب بيناها في الجزء الثالث من كتابنا «تاريخ ~~التمدن الإسلامي». # ولا ننكر ما يتخلل تلك الروايات من الأمور الموضوعة أو المختلف فيها أو غير ~~المعقولة، ولكن لا يعقل أن تكون كلها موضوعة، إذ لا يتأتى التواطؤ إلى هذا ~~الحد. وإن جاز لنا تصديق هذا التواطؤ لم يكن لنا بد من السؤال عن الزمن الذي ~~حصل فيه، أهو قبل الإسلام أو بعده؟ فإذا قيل قبل الإسلام فما الذي دعا إلى ~~حصوله؟ ولا نعلم سببا يدعو إلى ذلك، ولا نظن صاحب طوتمية العرب يعلم. وإذا قيل ~~بعد الإسلام - وهو رأيه - فقد زعم أن النسابين وضعوا الأنساب في صدر الإسلام ~~فقسموها إلى قحطانية وعدنانية، وقسموا كلا منها إلى فروع، وأن الغرض من ms0590 هذا ~~التقسيم بيان حقوق القبائل بالنظر إلى العطاء الذي فرضه عمر - فكيف يجوز ذلك ~~وهذه أشعار العرب الجاهلية وأقوالهم وأمثالهم وأخبارهم شاهدة بمحافظتهم على ~~النسب وعنايتهم بالرجوع إلى أجدادهم من قحطان وعدنان؟ بل كيف يقال هذا ~~والإسلام منذ ظهوره إلى انتشاره مبني على النسب القحطاني والعدناني، والخلفاء ~~يحرضون المسلمين على حفظ أنسابهم والتدقيق فيها؟ ومن أقوال عمر بن الخطاب: ~~«تعلموا النسب، ولا تكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدهم عن أصله قال: من قرية كذا» # 3 # فهل يصح ذلك والعرب قبائل طوتمية لا رابطة بينها ولا نسب؟ # وإذا افترضنا صحته وأن النسابين وضعوا هذه الأنساب في أول الإسلام للعطاء، ~~فكيف ترضى القبائل التي أبعدها النسابون عن النسب النبوي فقل عطاؤها أو ضعفت ~~حقوقها؟ وكيف لا تحتج على ذلك؟ بل كيف لا يشتم رائحة ذلك الاحتجاج من كلام ~~المؤرخين؟ على أن تواطؤ النسابين على الوضع يعيد الإمكان؛ لأنهم لم يأتوا ~~بشيء من عند أنفسهم، وإنما كانوا يطوفون البادية ينقلون النسب عن ألسنة الحفاظ ~~ويدونونه أو يحفظونه. وقد يجمع النسابة أخباره من أهل نجد والحجاز واليمن ~~بالسؤال من الثقات في تلك الأصقاع المتباعدة الأطراف، فهل يمكن تواطؤهم على ~~ذلك؟ ~~(ج) الشعوبية وأنسباء العرب # وإذا سلمنا بإمكانه، وأن العرب لم يبدوا معارضة احتراما للخليفة أو خوفا ~~منه، فكيف سكت الشعوبية - ولا سيما الفرس - عن هذا الاختلاف، مع ما يفاخرهم به ~~العرب من شرف النسب العربي، والشعوبية يبحثون عن حجة يضعون بها من شرف العرب ~~المتصل إليهم من انتسابهم إلى إسماعيل وقحطان؟ وقد تجرأ الفرس في صدر الإسلام ~~حتى نسبوا العرب إلى الوحشية وقالوا: «إنهم كالذئاب العادية والوحوش النافرة، ~~يأكل بعضهم بعضا ويغير بعضهم على بعض، فرجالهم موثقون في حلق الأسر، ونساؤهم ~~سبايا مردفات على حقائب الإبل». ولم يطعن أحد منهم في نسبهم تلميحا ولا ~~تصريحا، ولو استطاعوا ذلك لكان فيه أقوى انتقام لهم. ولا يقال إنهم سكتوا ~~عنه إهمالا، أو إنهم لم ينتبهوا له، فقد طعنوا في اختلاف العرب بالنسب وفي ~~استلحاقهم الأدعياء ونحو ms0591 ذلك مما يتعلق بالأنساب. قال بجير يعير العرب باستلحاق ~~الأدعياء: # زعمتم بأن الهند أولاد خندف # وبينكم قربى وبين البرابر # وديلم من نسل ابن ضبة باسل # وبرجان من أولاد عمرو بن عامر # بنو الأصفر الأملاك أكرم منكم # وأولى بقربانا ملوك الأكاسر # أتطمع في صهري دعيا مجاهرا # ولم تر سترا من دعي مجاهر # وتشتم لؤما رهطه وقبيله # وتمدح جهلا طاهرا وابن طاهر # 4 # ومع ذلك لم يتعرضوا لصحة أنسابهم أو فسادها. وأمة الفرس بلغت أوج تمدنها قبل ~~الإسلام بقرون، وكان العرب ينزحون إليهم ويقيمون بينهم، وجرى لهم معهم حروب ~~ومنافسات قبل الإسلام، وقد استولى الفرس على اليمن وأقاموا بين ظهراني العرب ~~وعاشروهم وخالطوهم قبيل الإسلام - فهم أولى الناس بمعرفة أحوالهم في جاهليتهم، ~~فلو وجدوا في ضبط أنسابهم شكا ما سكتوا عنه، وقد بدأوا بالنقمة عليهم من ~~أوائل القرن الأول للهجرة. وأغرب من ذلك أن النسابين أنفسهم كان أكثرهم من ~~العجم، فهل يضعون شيئا يكون سلاحا في أيدي أعدائهم؟ ~~(د) اختلاف بعض الأنساب # فكل ما لدينا من أخبار العرب يرجع إلى ترتيب النسب على ما ذكروه في كتبهم أو ~~رووه في أشعارهم، وليس عندنا ما يخالف ذلك الترتيب نصا ولا إشارة، فكيف ~~يجوز لنا نقضه؟ ولا عبرة في ما ذكره صاحبنا من اختلاف النسابين في نسبة بعض ~~القبائل إلى قحطان أو عدنان أو إلى قيس أو كلب أو نحو ذلك؛ لأن النسب كما ~~قدمنا منقول في الأصل عن أفواه الناس على اختلاف الأصقاع، والإنسان غير معصوم ~~من الخطأ، ولا يخلو أن يكون ديوان عمر بن الخطاب وفرض العطاء على النسب أوجب ~~بعض التشويش، وانتماء بعض البطون إلى غير قبائلها، والنسابون المحققون يبنون ~~الصحيح من الفاسد على ما يبلغ إليه إمكانهم. ولكن وجود هذا الاختلاف لا يدل على ~~فساد النسب من أساسه، كما أن اختلاف الرواة في تفاصيل إحدى الوقائع التاريخية ~~لا يدل على أنها لم تقع. فلو اختلف جماعة في فتح عمرو بن العاص مصر، فقال ~~أحدهم إنه فتحها صلحا، وقال آخرون إنه ms0592 فتحها عنوة، وقال غيرهم إنه جاءها ~~بأربعة آلاف مقاتل، وقال آخرون بل جاءها بعشرة آلاف، واختلف آخرون في هل جاءها ~~العرب على الخيل أو على الإبل - فهل يدل ذلك على أن مصر لم تفتح؟ وإذا قال ذلك ~~قائل ألا ننسبه إلى الشذوذ في أحكامه؟ # على أن اختلاف النسابين قد يكون سببه تشابه القبائل بالأسماء لفظا ~~واختلافها معنى، وهذا كثير في أنسابهم قد وضع له النسابون كتبا مستقلة، ككتاب ~~مختلف القبائل ومؤتلفها لأبي جعفر محمد بن حبيب المتوفى في أواسط القرن الثالث ~~للهجرة، وقد طبع في جوتنجن سنة 1850. ولو راجعت معجمات القبائل لرأيت عدة منها ~~باسم واحد، بعضها من قحطان والبعض الآخر من عدنان وفيها بطون من اليمنية وبطون ~~من القيسية ... فبنو أسد بطن من الأزد من كهلان من القحطانية، وبنو أسد أيضا بطن ~~من قضاعة من حمير، وبنو الأوس بطن من الأزد من القحطانية، وبنو الأوس بطن من ~~العدنانية، وبنو الحرث عدة بطون من قبائل مختلفة، وبنو بكر عدة بطون بعضها من ~~العدنانية والبعض الآخر من القحطانية، وبنو تغلب حي من وائل بن ربيعة من ~~العدنانية، وبنو تغلب بطن من قضاعة من القحطانية، وبنو تميم من طابخة من ~~العدنانية، وبنو تميم بطن من هذيل من العدنانية، وبنو ثعلبة بضعة عشر بطنا من ~~قبائل مختلفة، # 5 # ومثلهم بنو ربيعة، وبنو سليم، وبنو عامر، وبنو عدي، وبنو كعب ~~وغيرهم، فالاسم الواحد تشترك فيه عدة بطون ترجع إلى أصول مختلفة. وقد وجدوا ~~بطونا كثيرة باسم بني أمية ففي قريش أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وفي إياد بن ~~نزار أمية بن حذافة، وفي الأنصار أمية بن زيد بن مالك من الأوس، وفي طي أمية بن ~~عدي بن كنانة بن مالك، وفي قضاعة أمية بن عصبة بن هصيص، وقس عليه. # وقد تتشابه أسماء القبائل صورة وتختلف لفظا ومعنى، مثل جساس بسين مشددة ~~وجساس بسين مخففة، وأكثر ما يكون الاشتباه في الأسماء المتشابهة بصور الحروف ~~مع غض الطرف عن النقط، وقد كان ذلك سببا ms0593 كبيرا للالتباس قبيل الإسلام وفي ~~صدره. ففي مذحج عنس (بالنون) ابن مالك بن أدد، وفي غطفان عبس (بالباء) ابن ~~بغيض، وفي الأزد عبس (بالباء) ابن هوازن بن أسلم. وقس عليه عنزة، فإنها بهذا ~~اللفظ في ربيعة وهي عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وفي خزاعة عيرة (بالياء) ~~ويقال أيضا عنز، وفي الأزد عنترة بن عمرو بن عوف بن عدي بن الأزد، وفيها أيضا ~~عبرة (بالباء) إما مضمومة العين أو مفتوحتها، ومنها غيرة بالغين والياء باختلاف ~~الحركات. ومن هذا القبيل عنز من ربيعة وعتر من ربيعة أيضا، ومثلها غبر. وقس ~~على ذلك أجرم وأخزم وأحرم، وكل منها من أصل غير أصل الآخرين. # 6 # فهذه الاختلافات بالصورة واللفظ أوجبت بعض الالتباس في أنساب القبائل. ويقال ~~نحو ذلك في قلة عدد الآباء بالنظر إلى الزمن، فقد يكون سببه ضياع بعض الأجداد ~~لنسيان أو غيره، أو اعتبار الجد قبيلة برأسها وليس رجلا فردا، كما هو المظنون ~~في بعض أجداد اليهود آباء التوراة. وهذا أيضا من الأدلة على قدم الأنساب من ~~عهد الجاهلية، إذ لو وضعها واضع بعد ذلك لأتقن صناعة التزوير وأكثر من الآباء ~~حتى لا يبقى مكان لظهور التزييف، ولكن النسابين لم يأتوا بشيء من عند أنفسهم، ~~وإنما نقلوا ما كان شائعا على ألسنة العرب محفوظا في أذهانهم على ~~علاته. # وزد على ذلك أن من القواعد الأساسية في تمييز الحقوق «أن الأصل براءة ~~الذمة»، فالأصل في أنساب العرب أن تعتبر كما وصلت إلينا، ولا يجوز لنا الاعتراض ~~عليها أو نقضها إلا بما لا يقل ثقة عن النصوص الصريحة والقرائن الثابتة ~~بالتواتر أو نحوه. أما الاعتماد على الأقوال النادرة، أو الرجوع إلى شوارد ~~الأخبار، واتخاذ الشواذ قواعد، فلا يصح الاعتماد عليه، أو هو استقراء ناقص، بل ~~هو ليس من الاستقراء في شيء، وإنما هو من قبيل التحكم على خلاف القاعدة المتبعة ~~في البحث والنقد. والأقرب إلى الصواب في إثبات قضية أن نتدرج فيها من الجزئيات ~~إلى الكليات، فمتى ثبتت الجزئيات ثبتت الكليات. وأما ms0594 صاحبنا فإنه افترض ~~القضية الكلية وحاول إثباتها، فلم يعدم من الحوادث المبعثرة من أخبار العرب ما ~~يتخذه أساسا يبني عليه بناء ضعيفا يظهر ببراعته كأنه صحيح. # فالأستاذ روبرتسن سميث صاحب طوتمية العرب اطلع على رأي مكلينان في طوتمية ~~هنود أستراليا وأمريكا ونحوهما، ورأى لبعض قبائل العرب أسماء حيوانية، ووجد ~~النسابين مختلفين في أصول بعض القبائل، فتبادر إلى ذهنه أنها بقايا الطوتم ~~كما قدمنا، فوضع القضية الكلية: «أن العرب كانوا من أصحاب الطوتم» ثم أخذ يبحث ~~في كتبهم عما يؤيد هذا القول، ولا يخفى عليك ما هنالك من النوادر الشاذة ~~والحوادث المتضاربة، فاختار ما ظنه يؤيد قوله وأغفل الباقي. فلو كان السير على ~~هذه الخطة في الاستدلال والبرهان جائزا لما أعجزنا إثبات أي قضية فرضناها، ~~مهما يكن من غرابتها فلو أردنا الذهاب إلى أن المرأة في الجاهلية كانت مطلقة ~~الحرية ذات شأن في الهيئة الاجتماعية مثل شأنها في أمريكا اليوم، لما عدمنا من ~~أخبار العرب ما يسند هذا القول. وكذلك لو قلنا إنها كانت تعامل عندهم معاملة ~~البهائم فإننا نجد ما يشاكل زعمنا. ولكن القاعدة في مثل هذا البحث أن ينظر في ~~مجمل الأدلة ويؤخذ الراجح بالإجماع أو الأغلبية، ولم يجمع العرب في أخبارهم أو ~~خرافاتهم أو أشعارهم أو تواريخهم أو عاداتهم على شيء مثل إجماعهم على تلك ~~الأنساب، أفننكرها بمجرد الظن؟ وهل يزال اليقين بالشك، ثم نلتفت إلى رأي ليس ~~في أخبار العرب ولا في تواريخهم ولا تواريخ سائر الأمم السامية ما تشتم رائحته ~~منه؟ # ثم إن تلك الأنساب وصلت إلينا بالتسلسل من النسابين إلى المؤرخين على ~~اختلاف أماكنهم وعصورهم، وهي مع ذلك مطابقة في أكثر رواياتها، فكيف تتفق هذه ~~المطابقة إن لم يكن أصلها صحيحا؟ وإن قيل إن ذلك الأصل وضع بعد الإسلام، فلا ~~بد من أن يكون واضعه رجلا ذا سلطان، فمن هو هذا يا ترى؟ وكيف يخفى خبره مع ~~كثرة أعداء العرب في ذلك العصر؟ # والصحيح أن النسب قديم عند العرب، مثل قدمه عند سائر الأمم السامية، ms0595 والعرب ~~أشد تمسكا به لبداوتهم وتنقلهم مع فراغ أيديهم من جامعة أخرى يرجعون إليها. ~~وقد بالغوا في المحافظة على الأنساب، حتى حفظوا أنساب خيولهم إلى أجيال كثيرة، ~~فيلحقونها بما اشتهر منها في اللحاق أو السباق من جياد الخيل، كأعوج والوجيه ~~ولاحق والغراب واليحموم. # 7 # ولو راجعت ما وصل إلينا من أخبار النسابين لعجبت من عنايتهم بحفظ ~~الأنساب وتدقيقهم في ضبطها. وكان أحدهم إذا نسب واحدا تتبع نسبه من أبيه إلى ~~رهطه فالفصيلة حتى يصل إلى القبيلة، أو بالعكس من القبيلة إلى الفرد. ~~(ه) الشعوب السامية # وقد ذهب صاحب طوتمية العرب في مقدمة كتابه «أديان الساميين» وفي كتاب «أنساب ~~العرب» الذي نحن في صدده إلى أن الساميين نشأوا أولا في جزيرة العرب ثم ~~تفرعوا، فخرج العبرانيون والآراميون منها وعمروا ما حولها من البلاد وظل العرب ~~فيها على بداوتهم، فكان ينبغي أن تكون الطوتمية عندهما كما هي عند العرب. ولكنه ~~لم يقل ذلك، وإذا قاله فلا نظنه يوفق إلى ما يسند قوله ولو في الظاهر مثل ~~توفيقه في طوتمية العرب؛ لأن اليهود قلما تسموا بأسماء الحيوانات لبعدهم عن ~~البداوة الخشنة، فلا يجد بين أسماء القبائل ما يساعده على هذا الزعم. وهب أنه ~~وفق إلى بعض الأسماء كما وفق الأستاذ كوك في مقالة نشرها في المجلة الإسرائيلية ~~الإنجليزية سنة 1904 # 8 # مثل كالب ويعقوب وعورب - فهي أسماء أشخاص لا أسماء قبائل ولا يصح ~~الرجوع إليها في إثبات الطوتمية. # على أنه لو ترك الافتراض والظن ونظر في الأمر على بساطته، لرأى هذه الأمم ~~السامية تتشابه في أمر حقيقي واضح لا التباس فيه، وهو الانتساب إلى آباء ~~التوراة. وانتساب العرب إلى إسماعيل وقحطان ثابت مما جاء في التوراة من أنساب ~~الأمم، إذ يظهر للمتأمل أن أنساب العرب فرع من أنساب الساميين، وقد حقق ذلك ~~وأثبته جورج رولنسن في كتابه أصل الأمم # 9 # وإدوار جلازر في كتابه تاريخ العرب وجغرافيتهم، # 10 # ولنا مقالة في أنساب العرب منشورة في (الهلال) العشرين من السنة ~~الخامسة، بينا فيها أنساب ms0596 القبائل البائدة فضلا عن القبائل الباقية، ~~بالإسناد إلى التوراة ومؤرخي العرب، والتوفيق بينها وبين الآثار التي كشف عنها ~~المنقبون ونصوص مؤرخي اليونان. # فالنسب العربي ثابت بثبوت أنساب التوراة، مع اعتبار ما يراه أهل النقد من ~~الباحثين أن أسماء بعض الآباء الأولين يراد بها القبائل لا الأشخاص، فإذا ~~نقضنا هذه لم يبق بيدنا شيء. وهل يجوز أن نغفل هذه الأنساب الثابتة بتوالي ~~القرون، ونرجع إلى رأي لا أساس له في كتب المشارقة ولا إشارة إليه في خرافاتهم ~~ولا عاداتهم ولا أديانهم ولا شيء من آثارهم؟ # ومما لا يحسن الإغضاء عنه أن العرب لا يصح قياسهم في أحوالهم وأنسابهم ~~بأصحاب الطوتم من الأمم المتوحشة من هنود أستراليا وأمريكا وزنوج أفريقيا؛ ~~لأن العرب من أرقى الأمم عقلا ونفسا، وهم أهل تمدن قديم مثل تمدن أرقى ~~الشعوب القديمة، وقد ذهب بعض الباحثين في آثار اليمن وحضرموت إلى أن التمدن ~~العربي القديم أصل التمدن المصري القديم؛ أي أن الفراعنة أخذوا تمدنهم من ~~بلاد اليمن - ومهما يكن من منزلة هذا القول من الصحة، فإنه يدل على أعراق ~~العرب في المدنية منذ آلاف من السنين. # دع عنك ارتقاء لغتهم في تركيبها وألفاظها، وهو يشهد بارتقاء عقول أصحابها من ~~أقدم أزمنة التاريخ وقبله، فهل يعقل أن يتخذوا آباء من البنات أو الحيوان كما ~~يفعل أعرق الأمم وحشية اليوم؟ على أن القول بالطوتمية بحد ذاتها من الغرابة ~~بحيث يصعب علينا تصديق وجودها في الأمم المتوحشة، ونخشى أن يكون القول بها ~~مبنيا على الاستقراء الناقص. ولنتقدم الآن إلى النظر في أدلة صاحبنا فننظر ~~فيما يختص منها بالأمومة، ثم ما بناه عليها من الطوتمية عند العرب ~~فنقول: ~~(1-4) الأمومة عند العرب ~~(أ) الأمومة على الإجمال # الأمومة الانتساب إلى الأم، ويراد بها انتساب أهل القبيلة أو الأمة إلى ~~أمهاتهم بدلا من آبائهم، فيقال: فلان بن فلانة، كما يقال في الأبوة: فلان بن ~~فلان. والأمومة من الأبحاث التي حدثت في أواسط القرن الماضي بعد شيوع مذهب ~~الارتقاء، وأول من استلفت الأنظار إليها عالم ms0597 ألماني اسمه باخوفن في كتاب ~~نشره سنة 1861، فاهتم به علماء العمران لاختلافه عما تعوده من نظام العائلة ~~المألوف. ومرجع بحثه أن الأمومة سابقة في تاريخ العائلة للأبوة، فعنده أن ~~الزواج كان عند الأقدمين فوضى بلا شرط، وهو زواج المشاركة. فإذا ولدت بعض ~~النساء غلاما لا يمكن تعيين والده وهو ملازم أمه للرضاع فينتسب إليها ويعرف ~~بها، فيصير الانتساب إلى الأمهات قاعدة عامة. فأصبح للمرأة المقام الأول في ~~الهيئة الاجتماعية وهي صاحبة النفوذ، كما هو حال الرجل اليوم. ~~••• # ثم ظهر كتاب مكلينان الإنجليزي في الزواج عند القدماء Primitive Marriage # نشره سنة 1865 فذهب في ~~الأمومة مذهبا جعل أساسه الزواج الخارجي؛ أي تزوج الرجال ببنات من غير قبيلتهم ~~بالغزو لقلة البنات عندهم بالوأد (على زعمه) فنشأ عن ذلك في اعتقاده زيادة عدد ~~الرجال، فاضطر كل جماعة منهم إلى الاكتفاء بامرأة واحدة وهو تعدد الأزواج، ~~وانحصر النسب في الأم وعلت منزلتها. وهو قول ضعيف الإسناد متناقض المعنى - كيف ~~يمكن حفظ النسب بالأمهات وكل منهن مجلوبة من الخارج ولها نسب خاص؟ على أن مذهب ~~مكلينان في أصل العائلة ما لبث أن سقط بما كتبه فيه المنتقدون، وخصوصا مورجن ~~العالم الأمريكي صاحب كتاب نظام الاجتماع عند القدماء، فقد برهن أن الزواج ~~الداخلي لا ينافي الأمومة. وكتب في الأمومة ونظام العائلة غير واحد من علماء ~~الاجتماع الألمان والفرنسيين والإنجليز والروس وغيرهم، مثل باجيهوت ودارجون ~~وأميرا وويلكن وستارك وبريد وجيرو وسميث ووستر مارك وغيرهم مما يطول بنا ~~تعداده، فنكتفي بآخر من خاض هذا العباب وهو الأستاذ ويلكن المستشرق في كلية ~~ليدن، فإنه وضع كتابا في الأمومة عند العرب على الخصوص، كتبه بعد مطالعة كتاب ~~الأستاذ روبرتسن سميث في طوتمية العرب، فوافقه من وجوه وانتقده من وجوه، ولكنه ~~يرى رأيه في أن الأمومة كانت سائدة عند العرب قبل الإسلام، وأن الأنساب ~~التي يتناقل العرب أخبارها موضوعة. واستشهد بقول لوندكي المستشرق الألماني ~~الشهير في هذا الشأن، وخلاصة قوله: الأنساب العربية التي وضعها ابن الكلبي ~~وغيره بعد الإسلام لفقوها تلفيقا، ms0598 # 11 # وهو قول قد بينا بعده عن الإمكان وستأتي تتمة الكلام. # ولو أردنا الإتيان على أقوال الباحثين في هذا الموضوع لضاق بنا المقام، ~~فنتقدم إلى النظرة في أدلة سميث التي نحن في صددها ومن قال قوله. ~~(ب) أدلتهم على أمومة العرب # ليس في أدلة سميث ولا غيره على الأمومة عند العرب قول صريح أو دليل ثابت، ~~وإنما هي قرائن أو إشارات لو ثبتت أمومة العرب لكانت مؤيدة لها لا أن تكون هي ~~وحدها دليلا عليها. فانتساب بعض القبائل أو البطون أو العشائر إلى أمهاتهم، ~~وتأنيث أسماء القبائل، واشتقاق لفظ الأمة من الأم، وإطلاق لفظ الخال على أهل ~~الأم جميعا، وامتلاك بعض النساء عصمتهن بالطلاق، وغير ذلك مما عول عليه صاحبنا ~~في إثبات قوله على ما سنبينه ... هذه كلها - إذا فرضنا ثبوتها - لا يجوز اتخاذها ~~دليلا على أن العرب كانوا ينتسبون إلى أمهاتهم أو أن أساس العائلة عندهم ~~المرأة؛ لأن وجود هذه الأحوال في جاهلية العرب لا ينافي انتسابهم إلى ~~آبائهم، بل هي تعد من قبيل الشواذ، أو أنها وقعت على سبيل الاتفاق. ولو جاز ~~لنا أن نجعل الشواذ قواعد لفسدت أحكامنا وضللنا في أقوالنا وعقائدنا. فالثابت ~~منذ قرون عديدة أن العرب وغيرهم من الشعوب السامية كان نظام الاجتماع عندهم ~~كما هو الآن، أي أن الرجل رأس العائلة وهو سيدها، ويؤيد ذلك لفظ «البعل» ~~للزوج والسيد جميعا. ناهيك بشهادة التوراة، فإنها مع قدم عهدها لم يرد في نص ~~من نصوصها فقرة تشير إلى الأمومة أو تدل على وجودها أو أثر شيوعها عند الساميين ~~أو غيرهم، ولو على سبيل النقد أو النهي أو الإصلاح. ولا ورد شيء من ذلك في ~~القرآن، ولا شوهد منقوشا على الآثار في مملكة من ممالك الشرق قديما ولا ~~حديثا، بل كل ما جاءنا من هذه السبيل يؤكد سيادة الأبوة عند الساميين. ولو ~~افترضنا وجدودها لاقتضى أن يكون ذلك قبل أسفار موسى بمدة لا نعلم مقدارها؛ ~~لأن هذه الأسفار لما كتبت لم يكن للأمومة أثر على الإطلاق. بل ms0599 ينبغي أن تكون ~~قد امحت آثارها قبل موسى بعدة قرون؛ لأن شريعة حمورابي التي اكتشفوا نصها ~~مؤخرا دونت نحو القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد # 12 # وكل ما جاء فيها عن الزواج والطلاق ونحوهما يدل على أن نظام ~~العائلة كان في عصر حمورابي نحو ما هو عليه الآن: الرجل رب العائلة. وليس في نص ~~من نصوص شريعته أو موادها لفظ أو عبارة أو قرينة تدل على وجود الأمومة، لا ~~تصريحا ولا تلميحا. ولا اطلعنا على ذكر الأمومة أو الإشارة إليها في كتاب من ~~الكتب القديمة المتصلة بالخرافات، مع ما تتضمنه من أقاصيص الآلهة ونحوها. ولا ~~اكتشف المكتشفون نقشا من نقوش الأطلال فيه أقل إشارة إلى ذلك، فكيف يجوز القول ~~بوجودها والاستناد في إثباتها إلى بعض القرائن الضعيفة؟ ~~(ج) قول إسترابون # والظاهر أن القائلين بالأمومة عند العرب نبههم إليها ما طالعوه في كتب ~~السياح عن وجود زواج المشاركة عند بعض القبائل المتوحشة بين هنود أمريكا ~~وأستراليا وفي بلاد التبت ونحوها، وأن العرب الجاهلية كان عندهم نوع من هذا ~~الزواج، فذهبوا إلى شيوعها قبل الإسلام، وخصوصا بعد أن قرأوا ما قاله الرحالة ~~إسترابون عن الزواج عند العرب في عصره؛ أي نحو القرن الأول قبل الميلاد. فقد ~~جاء في الكتاب السادس عشر من رحلته ما ترجمته: «والزواج عندهم مشترك بين ~~الإخوة، فللإخوة جميعا امرأة واحدة، والذي يدخل منهم إليها أولا يترك عصاه ~~بالباب. وأما الليل فهو خاص بأكبرهم. وقد يأتون أمهاتهم، والزناة يعاقبون ~~بالقتل، وهم الذين يتزوجون من غير قبيلتهم» # 13 # فقد يتبادر إلى ذهن المطالع لأول وهلة أن هذه الفقرة تؤيد ~~الأمومة، وليس الأمر كذلك؛ لأن هذه القصة إنما تشير إلى اشتراك الإخوة في ~~الزواج بامرأة واحدة، وليس أهل العشيرة جميعا. فهي تدل على وجود العائلة ~~واستقلالها، مما يخالف شروط الأمومة. وتشير أيضا إلى تحريم الزواج الخارجي، ~~وهو من أسس الأمومة عند أصحابنا، ويقول إسترابون: إن العرب كانوا يعاقبون ~~مرتكبه بالقتل. # وهب أن نص هذه الحكاية لا يخالف ما يريدونه بالأمومة، فتكون الأمومة ms0600 شائعة ~~عند العرب حوالي تاريخ الميلاد. وقد تقدم قول الأستاذ سميث: إن العرب ~~والعبران والآراميين كانوا في أقدم أزمانهم عائشين معا في جزيرة العرب ثم خرج ~~العبرانيون والآراميون وظل العرب مكانهم. وبينا قبلا أن العبرانيين لا ذكر ~~لهذا الزواج عندهم على الإطلاق، ولا سمعنا بمثله عند الآراميين، وإغفال حمورابي ~~ذكره في نصوص شريعته يدل على أنه لم يكن معروفا في عصره في بلاد ما بين ~~النهرين أو ما يجاورها، فكيف نصدق وجوده عند العرب نحو تاريخ الميلاد؟ فالأرجح ~~عندنا أن يكون إسترابون قد شاهد حادثة من هذا النوع عند بعض الناس فأطلقها على ~~سائر العرب، أو سمعها من بعض الرواة فصدقها لغرابتها، فأوردها على علاتها كما ~~يفعل كثيرون من أمثاله، الذين يرحلون إلى بلاد الشرق فيعولون في وصف أهله ~~وعاداتهم على ما يلقيه إليهم بعض التراجمة أو عابري السبيل، بما فيه من ~~المبالغة أو الاختلاف، وهم أرغب في نشر الغريب استجلابا لإعجاب قرائهم، كما ~~حدث في الأجيال الوسطى وما بعدها على أثر انتشار الإسلام. # ومع اشتغال الإفرنج بنقل العلم عن الكتب العربية في القرنين الحادي عشر ~~والثاني عشر للميلاد، واختلاطهم بالمسلمين في قرطبة وطليطلة وغيرهما، فقد ظلوا ~~يجهلون تهجئة اسم النبي فيكتبونه تارة مفمت # Mophomet ~~، وآونة بفمت # Bophomet ~~، ~~وحينا بافون # Bafon # وكانوا يظنون محمدا صنما ~~يعبده المسلمون. حتى يولوجيوس أحد كهنة قرطبة العلماء، مع مخالطته المسلمين في ~~تلك العاصمة، فقد كتب عن الإسلام مفتريات لا أصل لها في كتبهم ولا في تعاليمهم، ~~كقوله مثلا إن النبي # صلى الله عليه وسلم # أعلن أصحابه أن الملائكة ستحمله إلى السماء ~~بعد موته بثلاثة أيام - زعم أنه نقل ذلك من مسودات لاتينية عثر عليها في ~~بمبلونة. فقس عليه ما قد يختلقه غير العارفين، كما حدث ويحدث كل يوم إلى عهد ~~غير بعيد. حتى الذين يقيمون بين أظهرنا أعواما فقد ينقلون عنا الأكاذيب التي ~~ما أنزل الله بها من سلطان، وربما رأوا حادثة غريبة ارتكبها بعض الناس عن جهل ~~أو اتفاق فيعدونها من القواعد المرعية ms0601 عند سائر أفراد الأمة. وبين يدينا رحلات ~~عديدة كتبت ونشرت في أثناء القرنين الماضيين عن سوريا ومصر، وفيها من المفتريات ~~ما لا أصل له إلا في ذهن الكاتب أو ملقنه. ولولا انتشار الطباعة وخروج الناس ~~إلى نور العلم وتصحيح تلك المفتريات، لرسخ في أذهان أهل الغرب أن الشرقي يكدن ~~امرأته للحراثة، وأنه يزرع القوارما (اللحم المقلي) وهو يعتقد أنه سيستغل ~~خرفانا، ويرزع الفحم ليستغل عبيدا ... فكيف في عصر إسترابون منذ نيف وتسعة عشر ~~قرنا وهو يكتب عن قوم لا يعرف لسانهم ولا أقام بينهم؟ ويؤيد ذلك أن تتمة ~~قوله في هذا الموضوع تدل على أنه أورده على سبيل الحكاية، ولم يغفل الإشارة ~~إلى ضعف إسناده بقوله يزعمون # On dit ~~، فلا عبرة ~~بما ذكره إسترابون فيما يختص بالأمومة، وهو بظاهره أصرح أدلة صاحب طوتمية ~~العرب. وأما سائر أدلته فإنما هي قرائن ضعيفة لا يصح الاعتماد عليها. وحتى لا ~~يقال إننا لم ننصفه نأتي بتلك الأدلة وننظر في كل منها على حدة وهي: ~~(1) الانتساب إلى الأمهات (صفحة 27 و30 من كتابه) # كقولهم بنو خندف وبنو ظاعنة وكلاهما اسم امرأة نسبت القبيلة إليها - ولو ~~نقبنا بين المئات من أسماء القبائل والبطون والأفخاذ ما وجدنا بينها من ينسب ~~إلى أمهم إلا بضعة قليلة. فأي غرابة في ذلك وبين العائلات اليوم نحو عشرة في ~~المائة ينسبون إلى الأمهات، كآل ظريفة وآل تقلا وآل نور وآل نائلة وآل مارية، ~~وقس عليه أهل اللغات الأخرى؟ فهل يجوز الذهاب إلى أن هذه الأسماء من آثار ~~الأمومة عند أسلافنا؟ أم نأتي على تعليلها من الطريق الأقرب، وهو أن بعض هذه ~~العائلات نسبت إلى امرأة هي جدتهم العليا؛ لأن جدهم مات وهي كفلتهم وربتهم ~~فعرفوا باسمها. وقد يكون الأب مجهولا لحصول الحمل من السفاح مما يحدث في ~~الجاهلية وغيرها، فيولد الولد لا يعرف أبوه فينسبونه إلى أمه، كما وقع لزياد بن ~~أبيه الصحابي الداهية، فقد كان يعرف بأمه سمية، فيقال: زياد بن سمية، ولولا ~~استلحاق معاوية إياه بنسبه لعرف أعقابه ms0602 بآل سمية، ولو تقادم عهد هذه العائلة ~~وتنوسي خبر أمها لأضافها صاحبنا إلى أسماء أمهات القبائل وعدها من بقايا ~~الأمومة. # ويكثر الانتساب إلى الأمهات على الخصوص في الأمم التي يتزوج رجالها امرأتين ~~فأكثر، فيولد للرجل ولدان من والدتين يسميهما باسم واحد، فينسب كل منهما إلى ~~أمه فضلا عن انتسابه لأبيه تمييزا له عن ابن الأم الأخرى، وقد يشتهر بنسبته ~~إلى أمه دون أبيه، وأمثلة ذلك كثيرة قبل الإسلام وبعده. فقد كان لعلي بن أبي ~~طالب غير امرأة، ولد له منهن عدة أولاد من جملتهم ثلاثة كل منهم اسمه محمد، ~~فنسب أحدهم محمد الأكبر إلى أمه خولة بنت جعفر من بني حنيفة فسماه محمد ابن ~~الحنفية، فلو عاش هذا في الجاهلية لعرف أعقابه ببني الحنفية بطن من هاشم أو من ~~قريش، كما عرف بنو العدوية نسبة إلى أمهم من قبيلة عدي. # وقد يشتهر الرجل باسم أمه وإن لم يكن له سمي من إخوته، وإنما يقع ذلك لشهرة ~~والدته. فمحمد الأمين بن هارون الرشيد اشتهر بابن زبيدة، لفضل أمه على سائر ~~أمهات الخلفاء وشهرتها، وقس عليه. فهل يجوز أن تؤخذ هذه الحوادث أدلة على ~~الأمومة؟ وزد على ذلك أن القبائل العربية التي تنسب إلى امرأة ترجع أخيرا ~~إلى النسب الأبوي، وهو العام الشامل فبنو ظاعنة مثلا نسبوا إلى أمهم ظاعنة وهم ~~ينتسبون أيضا إلى أبيهم، فيقال لهم بنو ثعلبة بن مراد بن أد. وبنو خندف هم ~~أيضا بنو إلياس بن مضر، وقد نسبوا إلى أمهم امرأة إلياس واسمها خندف. وبنو ~~طهية نسبوا إلى أمهم، وهو بنو سود بن مالك، وقس عليه. # 14 ~~(2) تأنيث أسماء القبائل (صفحة 28) # أي أن العرب تقول: جاءت مضر وسطت قيس إلخ، ولا يقولون: جاء مضر، وسطا قيس - ~~فلا ندري العلاقة بين تأنيث الاسم والأمومة، والتأنيث والتذكير في العربية لا ~~قياس لهما، ولو صحت الأمومة لما ضرها أن تكون أسماء القبائل مذكرة، كما أن ~~تأنيثها لا يثبت وجود الأمومة. على أن لتأنيث القبائل سببا مبنيا على ~~قاعدة من قواعد ms0603 اللغة، وهو تقدير لفظ «القبيلة» قبل كل اسم، فقولنا «مضر» يراد ~~به «قبيلة مضر»، وقولنا «قيس» يراد به «قبيلة قيس»، فالتأنيث للفظ القبيلة ~~المحذوف. والحكمة في ذلك دفع الالتباس بين أن يكون المراد بالفاعل رجلا اسمه ~~قيس أو مضر أو القبيلة. فإذا كان الفعل مؤنثا انصرف الذهن إلى القبيلة. وعلى ~~هذا المبدأ يؤنثون أسماء المدن وإن لم يكن لفظها مؤنثا، فنقول: فتحت بغداد ~~وعمرت مصر أو الشام بتقدير لفظ «مدينة». ونحن نقول اليوم: روت المقطم، وذكرت ~~المؤيد، وقالت الهلال - فنؤنث الفعل، والفاعل مذكر لفظا ومعنى، وإنما نقدر ~~قبله كلمة الصحيفة أو المجلة. ~~(3) التعبير عن القرابة بالبطن (صفحة 28) # فيزعم أن تسمية القبيلة بالبطن يؤيد اعتماد العرب على قرابة الأم، والواقع ~~أن البطن فرع من فروع القبيلة على سبيل التشعب كالشجرة، وإنما جعلوا ~~أسماءها شبيهة بأسماء أجزاء البدن بالنظر إلى علاقتها بعضها ببعض، أو تفرعها ~~بعضها عن بعض. فالمجموع الأكبر عندهم «الحي» كناية عن الإنسان كله ويراد به ~~الجماعة النازلون بمربع. وهو ينقسم إلى «الشعوب» أي الفروع، والشعبان النصفان، ~~كأنهم أرادوا انقسام الجسم إلى شطرين متساويين: أيمن وأيسر. ويليها «القبائل» ~~وهي قطع عظم الرأس المشعوب بعضها من بعض. ثم «العمارة» كناية عن الصدر، ثم ~~«البطن»، وبعده «الفخذ»، وأخيرا «الفصائل». فترى استخدام البطن للقبيلة أو بعض ~~فروعها لا علاقة له بالأمومة، وإنما وفرع من فروع النسب لما يقابله من أعضاء ~~الجسد. وإذا عدلنا عن هذا التعليل واعتبرنا كل اسم مستقلا، وقبلنا التعليل ~~الذي تبادر إلى ذهن حضرته، لاقتضى أن يدلوا بالبطن على العائلة التي هي من بطن ~~واحد، ولكنهم يريدون به القبيل المؤلف من عائلات. ~~(4) اشتقاق لفظ الأمة من الأم # وهو عنده دليل على أن الأصل في النسب الأم، وخصوصا لأن الأم في ~~العبرانية تدل على القبيلة أو الجماعة، ولكن هذا التعبير إنما هو من قبيل ~~المجاز، مما لا يخفى على العارف بأساليب اللغة العربية، كقولهم: أم القرى، وأم ~~المدائن، والأمهات للعناصر. وعندهم الأم الأصل، فأم كل شيءأصله وعماده، وكل شيء ~~انضمت إليه ms0604 أشياء فهو أم لها. والأصل في هذه المعاني اتباع الأطفال أمهم؛ ~~لأنها هي المكلفة بتربيتهم في طفولتهم، فيتبعونها وينقادون لأمرها لا لأنها ~~أصل النسب. ولهذا السبب قالوا أم الكتاب أصله، وأم القرى مكة، وأم الدنيا مصر ~~لكثرة أهلها. وأما اشتقاق الأمة عن الأم فيعلل بنفس هذه الكيفية، لاستعارة ~~الأمومة للرئاسة أو من التوليد، لظهور ذلك في النساء دون الرجال؛ لأن المرأة ~~تضع النسل وهي تتولى الحضانة والتربية. فإذا ذكرنا الولادة سبق إلى أذهاننا ~~الأم، ولذلك غلب التعبير عن القرابة بعضو التوليد بالنساء كالبطن أو الرحم، ~~وليس لأن الأم أصل القرابة. ولو تتبعت معاني ما يقابل لفظ الأمة في سائر ~~اللغات لرأيت لها نفس هذا المعنى، فلفظ # Nation # في اللغات الإفرنجية معناه الأمة وهو مشتق من فعل في اللاتينية بمعنى «ولد»، ~~والإنجليز يقولون # Motherland # ويريدون بها وطن ~~الأبوين مع أن اللفظ يقتضي أن تكون وطن الأم فقط. فعلى تعليل صاحبنا تكون هذه ~~اللفظة دليلا على شيوع الأمومة عند الإنجليز الآن! ~~(5) الخال والعم والكنة # وذلك أن لفظ «الخال» بالعربية لا يراد به أخو الأم على الخصوص، ولكنه ~~يطلق على كل رجل من أهلها. وكذلك لفظ «العم» وأن هذه اللفظة أصل معناها ~~«الشعب»، وذلك هو مؤداها في العبرانية إلى الآن. وعليه فلا تكون عند العرب ~~عائلة خصوصية وإنما الولد يكون ابن الجماعة أو القبيلة على ما تقتضيه الأمومة ~~أو الطوتمية - وهو قول غريب إذا صح الاعتماد عليه تشوشت أحكامنا في أنساب ~~الإنجليز والفرنسيين وغيرهم؛ لأنك ترى عندهم نفس هذا الإطلاق أو الاشتراك، ~~فلفظ # Cousin # في ألسنتهم يدل على كل قرابة عصبية ~~أبعد من الأخوة، فهو ابن العم، وابنة العم، وابن العمة، وابنة العمة، وابن ~~الخال إلخ ... مما لا مثيل له في العربية. والأصل فيه ابن الخالة؛ لأنه منحوت من # Consobrinus # في اللاتينية أي ابن أخت الأم ~~- فهل يفيدنا إطلاقه على كل الأقرباء أن الأصل في القرابة الأم؟ وقس على ذلك ~~لفظ # uncle # في الإنجليزية وما يقابلها في اللغات ~~الإفرنجية الأخرى، فإنها تدل على ms0605 العم أو الخال وأصلها # Avunculus # في اللاتينية ومعناها الخال ثم ~~أطلقت على العم. والحقيقة أن لا عبرة في هذا الاختلاف فيما يختص بالأمومة، ~~فإن اللغات تختلف في طرق الدلالة بما لا قياس له، وخصوصا من حيث درجات ~~القرابة. ففي بعض اللغات لفظ يدل على قرابة لا يعبر عنها في لغة أخرى إلا بعدة ~~ألفاظ: فالصهر في العربية لا يمكن التعبير عنه في اللغة الإنجليزية إلا بثلاثة ~~ألفاظ # Brother-in-law # وكذلك الحمو فهو عندهم # Father-in-law ~~، والجد يعبر عنه في اللغة ~~الإنجليزية بلفظين # Grand Father # وكذلك ~~حفيد # grandson # وبعكس ذلك لفظ # Nephew # في الإنجليزية فلا يمكن التعبير عنه ~~في العربية إلا بلفظين: ابن الأخ أو ابن الأخت، ومثلها # Niece # بنت الأخ أو بنت الأخت - فدلالة كل ~~من هذين اللفظين على أولاد الأخ والأخت معا قد يتخذها أصحاب رأي الأمومة من ~~جملة الأدلة عليها! # ولفظ «الكنة» في العربية يراد به في اللغات السامية الكنة والزوجة على ~~السواء، فاستدل صاحبنا بذلك على أن الرجل كان يتزوج كنته (أي امرأة ابنه أو ~~امرأة أخيه) فلا رابط للزواج بين الرجل وامرأته. والجواب على ذلك يدخل فيما ~~تقدم بيانه من اختلاف معاني الألفاظ توسعا ومجازا. ومثلها لفظ «صهر» يراد بها ~~زوج بنت الرجل وزوج أخته، ويراد بالصهر أيضا القرابة على العموم، والأصهار أهل ~~بيت المرأة. ومنهم من يجعل الصهر من الأحماء، فهل يصح الاعتماد على مثل هذا ~~التوسع في إثبات مبدأ أو رأي؟ ~~(6) زواج المتعة # وهو الزواج الوقتي، أي أن يعقد الرجل على امرأة عقد زواج إلى أجل مسمى فمتى ~~انقضى الأجل بطل الزواج. فيرى صاحبنا أن هذا الزواج كان شائعا عند ظهور ~~الإسلام، وهو يحسبه يؤيد رأيه في الأمومة، وهي تقتضي إباحة نساء القبيلة لأهل ~~القبيلة بلا عقد ولا شرط، والمتعة لا تكون بدون عقد فهي تناقض ما أراد إثباته. ~~فالمتعة ضرب من ضروب الزواج التي كانت شائعة في الجاهلية، وكلها تنفي الأمومة؛ ~~لأن الرجل فيها صاحب السيادة وصاحب العصمة. ~~(7) الوأد # يرى صاحب طوتمية العرب أن شيوع ms0606 الوأد في الجاهلية قلل البنات فاضطروا إلى ~~الاشتراك في النساء، فكان يشترك عدة رجال في امرأة واحدة يستولدونها ويكون ~~الانتساب إليها. وقد بالغ بعض الباحثين في مسألة الوأد وتوهموها عادة شائعة في ~~بلاد العرب كلها، والناقد يرى أنها كانت منحصرة في مكان معين وزمان معين تحت ~~أحواله مخصوصة، وإلا فلا يعقل أن يعمد الناس إلى دفن بناتهم ثم يضطروا إلى ~~المشاركة في الأزواج وفي طاقتهم أن يتخلصوا من ذلك الضيق. وقد ذهب بعضهم إلى ~~أن العرب كانوا يئدون بناتهم خوف الفقر، وهم في حل من هذا الفقر لو استبقوهن ~~على قلة البنات لما يجدون من إقبال الأزواج عليهن بالمهر والهدايا. وقال آخرون ~~إنهم كانوا يئدونهن خوف العار، وإذا صحت الأمومة لم يكن ثمة عار يخافه ~~الآباء. # وخوفهم العار على بناتهم دلالة على الغيرة، وهي لا تكون في زواج المشاركة، ~~وفي الحالين فإن دليله في الوأد ساقط. ~~(8) العصمة في يد المرأة # وقد اتخذ امتلاك بعض نساء الجاهلية عصمتهن في الزواج والطلاق دليلا على ~~سيادة الأمومة، وأن المرأة هي رئيسة العائلة - فما أغرب هذا الاستنتاج وما ~~أنقص هذا الاستقراء ... إن المرأة في الجاهلية لم تكن عصمتها في يدها إلا في ~~أحوال مخصوصة وحوادث نادرة، فهل نجعل الشاذ قاعدة نبني عليه، والنادر قياسا ~~نقيس به؟ وأما القاعدة في زواجهم فهي أن تكون العصمة في يد الرجل. وهب أنها ~~في يد المرأة، فلا تكون إلا بعقد مقيد بشروط وقوانين، وليس على سبيل الإباحة ~~والاشتراك كما يريدون بالأمومة. وقس على ذلك سائر أدلته لإثبات الأمومة، فإن ~~مرجعها إلى تأويل الألفاظ والاعتماد على الاستقراء الناقص كقوله إن الأب ~~معناه المربي، وكاستخراجه الحي من حواء وذكره القرابة بالرضاعة أو المؤاكلة ~~وتأويل لفظ آحاب إلى أخ أب، ونحو ذلك مما يقاس في رده بما قدمناه. ~~(1-5) الخلاصة # فالقول بشيوع الأمومة في العرب الجاهلية لا يستطاع إثباته بالقرائن الضعيفة؛ ~~لأن اليقين لا يزال بالشك، إلا إذا جاز الاعتماد على الشاذ وإغفال القواعد ~~العامة. فقد رأيت في شروط الأمومة أن ms0607 يكون الزواج من الخارج بالغزو أو السبي؛ لأن ~~بنات القبيلة في زعمهم تقل بالوأد أو بغيره، وأن تكون المرأة زوجا لعدة رجال معا ~~وأولادها ينسبون إليها، فلم نفهم كيف يكون الزواج بالغزو؟ وكيف يمكن الرجوع ~~بالأنساب في القبيلة الواحدة إلى الأم؟ ولماذا تقل البنات حتى تضطر القبيلة أن تغزو ~~غيرها للحصول على النساء؟ والقاعدة الطبيعية في تاريخ الإنسان في أدواره الأولى أن ~~يكون النساء أكثر من الرجال، لتعرض هؤلاء للقتل ونحوه بالغزو والسطو، والأولى أن ~~يكثر النساء حتى يتزوج الرجل عدة منهن. على أن الحصول على النساء بالغزو يبعث على ~~الرجوع إلى النسب الأبوي؛ لأن الآباء يبقون في القبيلة. ويشبه ذلك ما كان من كثرة ~~السبايا والجواري في صدر الإسلام، فإنهن تكاثرن حتى اختص الرجل بعشر أو عشرات منهن، ~~وظل النسب في الرجال - ولا يمكن غير ذلك كما يظهر للمتأمل. ولو فرض أن النساء ~~يحاربن القبائل للحصول على الأزواج بالسبي، لكان ذلك أقرب إلى حفظ النسب فيهن، أي ~~الانتساب إليهن أو إلى قبيلتهن. # فالقول بتسلط الأمومة على الإجمال يفتقر إلى إثبات أو تعديل؛ لأن وجودها على ~~هذه الكيفية غير معقول ولا يوافق قواعد العمران، أو هو لا يوافقها على الأقل عند ~~العرب؛ لأن القاعدة في الزواج عندهم وعند سائر الساميين أن تكون داخل القبيلة، ~~وإذا جنح أحدهم إلى الخارج فلسبب طارئ، هذا هو حالهم في أقدم ما نعلمه من أخبارهم ~~في التوراة وغيرها، والعربي يسمي امرأته ابنة عمه وإن لم تكن كذلك؛ لأن الغالب في ~~الزواج عندهم أن يكون بين أبناء العم على تفاوت درجات العمومة. واليهود أكثر الأمم ~~محافظة على أنسابهم ويمنعون الزواج من غير قبائلهم، ويعاقبون من يخرج عن ذلك عقابا ~~صارما، وإذا تزوج إسرائيلي بغير إسرائيلية فزواجه سفاح، ويسمون المولود من ذلك ~~الزواج «نغلا» كما يسميه العرب «هجينا» أي لئيما، فكيف نزعم مع ذلك أن العرب ~~القدماء كانوا يتزوجون من الخارج بالغزو؟ وإذا فرضنا أنهم كانوا كذلك فمتى انتقل ~~الزواج إلى الداخل؟ وكيف انتقلت الأمومة إلى الأبوة ms0608 أو البعولة؟ ومتى؟ كلها مسائل ~~مهمة لا يمكن الجواب عليها، وأصحاب مذهب الأمومة أنفسهم يعترفون بعجزهم عن ذلك، فما ~~أغنانا عن الذهاب إليه. ومن يطالع تاريخ الزواج من أول أحوال العمران إلى الآن لا ~~يرى فيه إلا ما ينقض الأمومة. ~~(1-6) الطوتمية عند العرب # وإذا نقض القول بالأمومة عند العرب نقض معه القول بالطوتمية عندهم؛ لأنها ~~أساسها وأول شروطها. ومع ذلك فإننا ننظر في أدلة صاحبنا من حيث الطوتمية على حدة، ~~فنذكر شروط الطوتم كما فسره هو، ثم ننظر في تطبيقها على أحوال العرب. # فالطوتمية يشترط فيها «أن يتفق أهل القبيلة الواحدة على حيوان أو نبات أو كائن ~~آخر يعتقدون أنه جدهم الأعلى يتسمون باسمه ويعبدونه أو يقدسونه»، فهل ينطبق ذلك ~~على أحوال العرب الجاهلية انطباقا كليا أو جزئيا؟ ولكي ينجلي الموضوع ويتضح ~~البرهان نحلل القضية إلى أجزائها الأصلية وعليه فالطوتمية تقتضي: # أولا: # أن يتفق أهل القبيلة على حيوان أو نبات يعتقدون أنه جدهم ~~الأعلى. # ثانيا: # أن يتسموا باسمه أو ينتسبوا إليه. # ثالثا: # أن يعبدوه أو يقدسوه. # ولا تثبت الطوتمية ما لم تجتمع هذه المقدمات الثلاث عند العرب. ولو أنك بحثت في ~~أخبارهم قديمها وحديثها، من الخرافات والحقائق الثابت منها وغير الثابت، وفيما رواه ~~غير العرب عن أحوالهم القديمة في كتب اليونان والرومان فضلا عن التوراة، وما قرئ ~~من أخبارهم على آثار آشور وآثار ثمود وآثار اليمن وحضرموت، لما وفقت إلى العثور على ~~ما يشير إلى وجودها. وإذا درست أحوال العرب الآن في الصحارى والمدن والأودية ~~والجبال، لا تجد بينهم قبيلة ولا بطنا ولا رجلا يعتقد أنه متسلسل من أسد أو ثور ~~أو ثعلب أو جميزة أو وردة. ومهما أجهدت نفسك في التنقيب والمراجعة والتأويل فإنك ~~لا تجد أثرا لهذا الاعتقاد على الإطلاق، ولو على سبيل الخرافة أو في معرض التكذيب ~~أو الطعن - فالمقدمة الأولى سقطت. # أما الثانية فبعضها صحيح، أي أن القبائل تسمى بأسماء الحيوانات، كبني أسد ~~وبني النمر وبني كلب ونحوها، ولكنها لا تعتقد أن أولئك الأجداد حيوانات، ms0609 بل هي ~~تعدهم أناسا لهم أنساب متصلة بالآباء الأولين. # والمقدمة الثالثة ظاهرها صحيح وباطنها فاسد؛ لأن بعض قبائل العرب كانت تعبد ~~آلهة على شكل الحيوانات، مثل عبادة سائر الأمم الوثنية القديمة في مصر وآشور ~~وفينيقية، ممن كانوا يعبدون أصناما يمثلون بها القوى العلوية - لا أنها تعبد ~~حيوانا خاصا تقدسه وتجتنب أذاه وتعتقد أنه جدها كما يفعل أصحاب الطوتم. فبنو ~~أسد يتسمون باسم الأسد، ولكنهم لا يعتقدون أنه جدهم ولا يقدسون الأسد أو ~~يعبدونه، وإذا عرض لهم الأسد قتلوه. وقد يكون معبودهم من الحيوانات بشكل نسر أو فرس ~~أو غيرهما من الأصنام الحيوانية. وشرط الطوتمية إنما هو أن يعتقد بنو أسد أن ~~الأسد جدهم، وأن يقدسوا كل أسد أو يعبدوه أو لا يؤذوه. وبنو ثور يجب أن يعتقدوا ~~أن الثور جدهم، وأن يعبدوا الثيران أو يقدسوها ولا يذبحوها أو يؤذوها. وبنو جراد ~~حقهم أن يعتقدوا تسلسلهم من الجراد، ويقدسوه ولا يأكلوه كما رأيت فيما تقدم من شروط ~~الطوتمية عند الأمم المتوحشة اليوم. ولا يكفي أن تسمى القبيلة باسم الثور مثلا ~~وتقدس الجراد، أو تتسمى باسم الأسد وتقدس الفرس. ولو فرض واتفق لقبيلة أن تسمى ~~بحيوان وتقدسه أو تعبده فليست من الطوتمية في شيء؛ لأن الشرط الأول أن تعتقد ~~تسلسلها عنه. وهذه الشروط الثلاثة لم يتفق وجودها في قبيلة من قبائل العرب، ولا في ~~بطن من بطونها، ولا في فصيلة ولا فرد من أفرادها ولو على سبيل الخرافة أو الأكذوبة. ~~حتى اجتماع الشرطين الأخيرين فإنه متعذر، إذ ليس بين قبائل العرب قبيلة تسمى باسم ~~حيوان وتعبده، ولا يكفي أن تعبد صنما بشكل ذلك الحيوان، بل الشرط أن تقدس جنس هذا ~~الحيوان وتتجنب أذاه، كما كان المصريون يقدسون الهر أو الجعلان. والعرب لا يقدسون ~~حيوانا إلا نادرا وفي أحوال مخصوصة. على أن صاحبنا لم يتفق له - مع ما أجهد ~~نفسه وتوسع في برهانه من التأويل والتفسير - أن يأتي بدليل على أن قبيلة من القبائل ~~المسماة بأسماء حيوانية كانت تعبد صنما بشكل الحيوان الذي ms0610 تتسمى به، وإن كان ~~توفيقه إلى ذلك لا ينفعه شيئا، لأن المطلوب أن القبيلة التي تتسمى باسم حيوان ~~يجب أن تقدس جنس ذلك الحيوان لا صنما بشكله. # فمذهب الطوتمية عند العرب ساقط سقوط الأمومة، ثم هو ساقط أيضا لبعد أحوال العرب ~~عن شروط الطوتمية كما رأيت - ومع ذلك فلا ينبغي لنا الإغضاء عن الأدلة التي اعتمد ~~عليها صاحب طوتمية العرب في إثبات هذا الرأي وسبب ذهابه إليه مع غرابته ~~فنقول: ~~(1-7) أدلته على طوتمية العرب # إن من يطالع تلك الأدلة في كتابه يتضح له من مجملها أنه لما اطلع على أحوال ~~الطوتمية عند القبائل المتوحشة كما ذكرها مكلينان وغيره - وهو مستشرق يعرف أحوال ~~العرب الجاهلية وقبائلها وأنسابها ومعبوداتها - ورأى بعض القبائل أو البطون تسمى ~~بأسماء حيوانية، وكان العلماء يومئذ مولعين بالحقائق الطبيعية على مذهب الارتقاء ~~يشتغلون برد كل الحوادث إليه كما قدمناه، ورأى النسابين العرب مختلفين في تحقيق ~~أنساب بعض القبائل، تبادر إلى ذهنه أن أسماء هذه القبائل من بقايا الطوتمية عند ~~العرب، فأخذ يفتش عن شروطها الأخرى، فرأى بعض القبائل تعبد أصناما بشكل بعض ~~الحيوانات، فتمكن ذلك الرأي من ذهنه ونسي أن الشرط ليس عبادة صنم حيواني الشكل، ~~وإنما المراد تقديس صنف من الحيوانات اسمه كاسم القبيلة، أو لعله انتبه لذلك وظن ~~نفسه قادرا على الإتيان بحادثة يمكن تأويلها أو قرينة يستدل بها على شيء، وأخبار ~~العرب كثيرة وفيها الغث والسمين والناقض والمنقوض، وهو قوي الحجة لطيف الأسلوب ~~فوفق إلى أدلة توهم غير المتأمل أنه أصاب بها المرمى وهو بعيد عنه كما سترى. ~~وإليك أدلته وبيان فسادها: ~~(أ) تسمية القبائل بأسماء حيوانية (صفحة 188) # ليس بين أدلته على الطوتمية ما يصح اعتباره من قبيل القول الصريح إلا أسماء ~~القبائل، وإن كانت هذه الأسماء لا تكفي وحدها لإثبات رأيه لأسباب تقدم بيانها. ~~ولكنه يحتج بأن تسميتها بأسماء حيوانات ليست من قبيل العبث ولا بد لذلك من سبب. ~~فعلينا أن ندفع حجته بأن هذه التسميات طبيعية لا غرابة فيها. # إن صاحبنا الأستاذ ms0611 أورد من أسماء القبائل كل ما يشتم منه رائحة ~~الحيوانية، ولم يزد عدد ما أورده منها على ثلاثين اسما، بعضها قبائل وبعضها ~~عمائر وبعضها بطون أو فصائل وهي: # بنو أسد # بنو جعدة # بنو ضب # بنو قهد # بنو بدن # بنو جعل # بنو ضبيعة # بنو كلب # بنو بكر # بنو حداء # بنو عضل # بنو نعامة # بنو بهثة # بنو حمامة # بنو عنز # بنو نمر # بنو ثعلب # بنو حنش # بنو غراب # بنو وبر # بنو ثور # بنو دؤيل # بنو فهد # بنو هوزن # بنو جحش # بنو دب # بنو قرد # بنو يربوع # بنو جراد # بنو ذئب # بنو قنفد # ولو عددنا أسماء القبائل العربية وفروعها من العمائر والبطون والأفخاذ ~~والفصائل لزادت على بضع مئات، وربما ناهزت الألف. فلو كانت التسمية طوتمية لوجب ~~أن يزيد عدد الطوتمية على سائرها، ثم إن بعض ما أورده من الأسماء له غير معنى ~~الحيوانية، ولكنه اختار الحيوانية ليزيد أسباب برهانه. فبكر مثلا تفسر بولد ~~الناقة، ولكن لها معنى «العذراء»، و«أول كل شيء»، والسحابة، والكرم أول حمله، ~~وغير ذلك. على أننا لو رجحنا معناها الأول، أي ولد الناقة، لما كان في التسمية ~~شيء من الطوتمية؛ لأن العرب لو جاز أن يتسموا بحيوان ويعبدوه لكان «الجمل» أو ~~«البعير» أولى من سواه، نظرا لاضطرارهم إليه وقدم عهده عندهم، وليس من القبائل ~~ما يسمى به إلا بكر هذا، وهو أقرب أن يكون لقبا لقب به رجل فتي نشيط ~~كأنه ولد الناقة. # و«البهثة» البقرة الوحشية، وابن الزناء. و«الجعدة» الأنثى من أولاد الضأن، ~~والمرأة في شعرها جعودة، فلماذا لا يكون المراد بها المعنى الثاني لو لم يسبق ~~إلى ذهنه الطوتمية؟ و«العضل» الجرذ، ولكنه أيضا يدل بكسر العين على الداهية من ~~الرجال أو القبيح منهم، فلماذا لا يكون المراد أحد هذين المعنيين؟ و«القهد » نوع ~~من ضأن الحجاز، ولكنه يدل أيضا على الرجل الأبيض اللون نقيه. وقس على ذلك - ~~فالقبائل التي تثبت تسميتها بأسماء الحيوانات لا تزيد على بضعة وعشرين قبيلة أو ~~فرع قبيلة. # فاتفاق هذا العدد القليل بين مئات من الأسماء ms0612 لا يصح عزوه إلى الطوتمية، ~~فإن الناس ما برحوا منذ القدم يتسمون بأسماء الحيوانات، أو يتلقبون بها ثم ~~يذهب الاسم ويبقى اللقب كما سنبينه. ~~(ب) التسمية # إن لأسماء الأعلام تاريخا طويلا في علم العمران، وهي تختلف صورة ومعنى ~~باختلاف العصور وباختلاف الأمم. فكل أمة تختلف التسمية فيها عما في سواها، ~~وتختلف في الأمة الواحدة باختلاف أدوار تمدنها. على أنها في كل حال تقتبس مما ~~يقع في النفس موقع الاعتبار من الكائنات على اختلاف طبقاتها، فتختار من أسمائها ~~ما يلائم عاداتها ومعتقداتها. فإذا تدينت انتسبت إلى الإله أو الآلهة، سواء ~~كانت تلك الآلهة أجراما سماوية أو حيوانات أو أصناما أو غير ذلك. أما قبل ~~التدين أو في حال البداوة الخشنة، فالغالب أن يختار الناس لأبنائهم أسماء ما ~~يعجبون به أو يخافون من الأجسام الطبيعية، ولا سيما الحيوانات على ما يتوسمونه ~~في المولود من القوة أو الشجاعة أو الدهاء أو الدعة أو الخوف. فيختارون له اسم ~~حيوان فيه مثل هذه الطباع، فيسمون الرجل الشجاع بالأسد، والسريع الوثوب بالنمر، ~~ويسمون الفتاة اللطيفة بالغزال أو الحمامة. وقد جرى على ذلك معظم الأمم القديمة ~~في كل أنحاء العالم، ولا سيما الأمم الحربية أو أهل البداوة والغزو الذين ~~يعيشون في البراري ويرحلون من نجع إلى آخر والحيوانات عشراؤهم، كما كان شأن ~~العرب في أيام جاهليتهم فقد كانوا يعيشون بين الحيوانات حتى درسوا طبائعها ~~ووصوفوا كلا منها بوصف خاص، فإذا ولد لهم ولد هان عليه تشبيهه بواحد منها ~~بشكله أو طباعه ويسمونه به. # وليس هذا خاصا بالعرب، بل هو يتناول سائر أهل البادية أو من جرى مجراهم قبل ~~تعلقهم بالدين. فاليهود كانوا في أوائل أدوارهم يجرون في التسمية على هذا ~~النمط، ولذلك رأيت بين أسمائهم القديمة كثيرا من أسماء الحيوانات، كقولهم ~~دبورا (نحلة) وأربة (أسد) ويونا (حمامة) وراحيل (نعجة) وشوال (ثعلب) وكالب ~~(كلب) وديسان (غزال) أو أسماء الأجرام السماوية مثل حودش (الهلال). ومن الأوصاف ~~الطبيعية آشور (أسود) وأيدوم (أحمر) وعيسو (كثير الشعر) وكوره (شجاع). وقس على ~~ذلك ms0613 سائر الأمم القديمة، ولا سيما قبل تدينها فقدماء الإنجليز كانوا يتسمون ~~بأسماء الحيوانات أيضا، ومن أسمائهم القديمة # Ethelwolf ~~(الذئب الشريف أو ذئب الحرث) وقد ~~تسموا بالأوصاف الطبيعية كالأبيض والأسمر والطويل والقصير، ثم تدرجوا إلى ~~الصناعات كالحداد والنجار والنقاش والسروجي. وإنما يهمنا في هذا المقام الأسماء ~~الحيوانية، وهذه لم تخل أمة من التسمية بها، على تفاوت في ذلك بتفاوت أحوالهم ~~من البداوة والحضارة. ولا يزال عند الأمم المتمدنة حتى الآن عدد كبير منها أو ~~ما يقابلها من أسماء الكائنات الطبيعية كالحجارة والأشجار، وإليك أمثلة من ~~ذلك: # فمن الأسماء اليونانية والرومانية: # كالأسد أو الأسد # Leonidas # أسد الغاب # Napoleon # صخر Peter # محب الخيل Philip # غزال # Darcas # أسد # Leo # ومن الأسماء الجرمانية والسكسونية والتيوتونية: # النسر أو قوي كالنسر # Arnold # الحجر الشريف # Athelston # الذئب أو قوي كالذئب # Bernard # العقاب أو قوي كالعقاب # Bertram # الخنزير البري # Everard # نعجة # Giles # عقاب # Ingram # أسد # Leonder # كالأسد أو كالعقاب # Leonard # خروف # Oven # ذئب المنازل # Randal # الذئب المشهور # Rodolph # الحية الشريفة # Ethelnid # ومن الأسماء الفارسية القديمة: # شيركوه # أسد الجبل # ببر أو بابر # الأسد # جمشيد # وجه الشمس # أردشير # الأسد الغضوب # بلاش # نوع من النمر # سيمورغ # السمك الفضي # زرسب # الجواد المذهب # بهرام # المريخ # الضحاك # الثعبان # فترى مما تقدم أن التسمية بالأسماء الحيوانية من القواعد الطبيعية المرعية ~~عند سائر الأمم، وربما كان العرب أكثر تمسكا بها لما تقتضيه بداوتهم وخشونتهم، ~~ولذلك كثرت عندهم الأسماء المتعلقة بالحروب أيضا، كحرب ونصر وسعد وعدوان وعبس ~~وأشجع وسهم وصخر ونحوها - قيل لأبي الدقيش الأعرابي: «لم تسمون أبناءكم بشر ~~الأسماء نحو كلب وذئب وعبيدكم بأحسنها نحو مرزوق ورباح؟» فقال: «إنما نسمي ~~أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا». # 15 # على أن المتعبدين من العرب للأصنام كانوا يتسمون عبيدا لها كعبد العزى ~~وعبد مناة وعبد شمس وعبد سعد وعبد تيم وغيرهم. ولما أسلموا كثرت أسماؤهم ~~المنسوبة لله أو بعض صفاته، كعبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم وعبد الأحد وعبد ~~الصمد. وذلك شأن الأمم المتدينة في كل مكان وزمان، فالآشوريون كانوا يتسمون ~~بالنسبة ms0614 إلى آلهتهم مثل «تغلاتنين» عبد الإله تنين، و«متاغل نبو» عابد نبو، ~~وكذلك البابليون فإنهم يضيفون أسماءهم إلى إلههم «بل» أو «نبو»، فيقولون: «بل ~~ابني» بل صنعني، و«نبو نصر» أي نبو ينصر، و«عبد نبو» أي عبد الإله نبو، و«نبو ~~بالوزور» نبو يحمي ابني # 16 # وكذلك اليونان بعد تنصرهم، ومن أسمائهم «ثيودسيوس» عطية الله، ~~و«ثيودورس» عبد الله وغيرهما. # فتسمية العرب الجاهلية رجالهم بأسماء الحيوانات أمر طبيعي يؤيده تصغير تلك ~~الأسماء للتحبب، كقولهم ذؤيب وأسيد وكليب ونحو ذلك، مما لا يفسر إلا إذا كانت ~~تلك الأسماء ألقابا للناس. وظل العرب على ذلك في بداوتهم حتى تدينوا وتسموا ~~بالأسماء الدينية كما تقدم. ولما تمدنوا تسموا بأسماء الصناع كالنحاس ~~والصيدلاني والكحال والنجار والأسطرلابي، ولما ضعفت عصبية النسب عندهم تسموا ~~بالنسبة إلى البلاد كالدمشقي والبغدادي والبصري والبخاري والنيسابوري وغيرها - ~~فبقاء بضعة وعشرين من القبائل القديمة على أسماء الحيوانات ليس أمرا ~~غريبا. # قال الجاحظ في كتاب الحيوان: «والعرب إنما كانت تسمي بكلب وحمار وحجر وجعل ~~وحنظلة وقرد على التفاؤل بذلك. وكان الرجل إذا ولد له ذكر خرج يتعرض لزجر الطير ~~والفأل، فإن سمع إنسانا يقول حجر أو رأى حجرا، سمى ابنه به وتفاءل فيه الشدة ~~والصلابة والبقاء والصبر وأنه يحطم ما لقي، وكذلك إذا سمع إنسانا يقول ذئب ~~أو رأى ذئبا تأول فيه الفطنة والمكر والكسب، وإن كان حمارا تأول فيه طول ~~العمر والوقاحة والقوة والجلد، وإن كان كلبا تأول فيه الحراسة واليقظة وبعد ~~الصوت والكسب، ولذلك صور عبيد الله بن زياد في دهليز كلبا وكبشا وأسدا وقال: ~~كلب نابح وكبش ناطح وأسد كالح، فتطير على ذلك فطارت عليه». ~~(ج) التلقيب # هذا على فرض أنها أسماء سمي بها آباء تلك القبائل، ولكن كثيرا منها كان في ~~الأصل لقبا ألحق بالاسم الأصلي، ثم ذهب الاسم وبقي اللقب، مما يقع دائما ~~وخصوصا عند العرب؛ لأنهم مفطورون على التلقيب والتكنية، ويتضح لك ذلك من ~~مراجعة معاجمهم، فإنك ترى للأسد مئات من الأسماء أكثرها ألقاب لقبوه بها ثم ~~صارت أسماء، وكذلك ms0615 الديك والغراب والفرس والبعير والذئب والحية والجراد وغيرها ~~من حيواناتهم، غير أسماء الأسلحة، ناهيك بالمترادفات من أسماء الشمس والمطر ~~والبحر والبئر واللبن والعسل والخمر والنار. ومن الألقاب كالطول والقصر ~~والشجاعة والجبن والكرم والبخل والحمق ونحوها # 17 # ولكل منها مائة أو مئات من المترادفات وأكثرها ألقاب أو كنايات تدل ~~على أن ميل العرب إلى التلقيب والتكنية من فطرتهم. # وكانوا يضربون الأمثال غالبا بالبهائم، فلا يكادون يذمون أو يمدحون إلا ~~بذلك؛ لأنهم جعلوا مساكنهم بين السباع والأحناش والحشرات، واستعملوا التمثيل ~~بها لما ألفوه من طبائعها، وخصوصا القبائل العدنانية لسكناهم في صحارى نجد ~~والحجاز، وبلادهم أكثر وعورة وخشونة من القحطانية، ولذلك كانت أسماء الحيوانات ~~أكثر في قبائلهم مما في القبائل القحطانية. وقد درسوا تلك الطبائع بالمزاولة ~~واختصوا كل حيوان بطبيعة نسبوها إليه، كالروغان للثعلب، والشجاعة للأسد، والصبر ~~للحمار والأمانة للكلب، والغضب للنمر، والثقل مع الخساسة للفيل، ونحو ذلك ~~وصاروا يعوضون عن الألقاب بأسماء تلك الحيوانات، فبدلا من قولهم: «شجاع» ~~يقولون: «أسد»، وبدلا من صبور يقولون: «حمار»، ويكنون عن المراوغ بالثعلب، ~~وإذا أرادوا أن يقولوا غضب فلان قالوا: «تنمر». # وكانوا من الجهة الأخرى يلقبون الحيوانات بأسماء الناس أو كناهم، فالفيل ~~كنيته أبو حجاج، والأسد أبو الحارث، والذئب أو جعدة، والدب أبو رباح، والخنزير ~~أبو قادم ويقال أبو عقبة، والثعلب أو الحصين، والكلب أبو خالد، وأبو ناصح عند ~~بعضهم، والسنور أبو خراش ويقال أبو غزوان، والغزال أبو الحسين، والجمل أبو ~~صفوان ويقال أبو أيوب وأبو مزاحم، والثور أبو حاتم، والكبش أبو المطرف، والنمر ~~أبو وثاب، والفهد أبو قرة، والفرس أبو طالب، والبرذون أبو مضاء، والبغل أبو ~~المختار، والحمار أبو زياد، وعندهم أم حبين الجرادة، وأم عوف الحمامة، وأم مهدي ~~الدجاجة، وأم حفص الهدهد، وأبو الميت الجعالة، وأبو الصراة القملة، وأم عقبة ~~الحية، وأم يقظان العقرب، وقس عليه. # وكان التلقيب عاما في الشعوب السامية، اعتبر ذلك بما جاء في التوراة عن ~~تلقيب يعقوب لأولاده لما جمعهم في آخر أيامه، فعبر عن أوصاف بعضهم بأسماء ~~الحيوانات، فسمى ms0616 يهوذا شبل أسد، ويساكر حمارا، ودان ثعبانا ونفتالي أيلة، ~~وبنيامين ذئبا. وترى أمثال التلقيب في أماكن كثيرة من التوراة، ويدل ذلك على ~~شيوع هذا التلقيب عند الساميين قديما، ثم قل عند العبران والسريان لما سكنوا ~~المدن وأخلدوا إلى السكون، وظل عند العرب لبقائهم على البداوة. وما زال ذلك ~~شأنهم إلى صدر الإسلام وما بعده، ولا تزال بعض أسماء الحيوانات تستخدم للتكنية ~~إلى اليوم، وقد تنوسي معناها الأصلي كالقرم للسيد العظيم ومعناه في الأصل ~~«الفحل»، وكذلك «الرت» للباسل وهي اسم للخنزير، و«الأصيد» للملك وهو البعير. ~~على أنهم كثيرا ما كانوا يلقبون بأعضاء الحيوانات المفترسة كالناب والأنف ~~والقرن فإنها من ألقاب الشجاعة والقوة عندهم، # 18 # ومن عادات العرب إذا مات لأحدهم أولاد وخاف انقطاع ذريته أن يسمي ~~أولاده بأسماء الحيوانات المفترسة، كالذئاب والنمر وغيرهما، ولا تزال هذه ~~العادة جارية في سوريا إلى اليوم. # فترى أن التلقيب بالحيوانات كان شائعا عند العرب قبل الإسلام، على أنهم ~~ساروا عليه بعد الإسلام فسموا حمزة عم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~«أسد الله» أو «أسد رسول ~~الله»، وكذلك علي بن أبي طالب لشجاعتهما، # 19 # وقد سموا مروان بن محمد بالحمار لصبره. ويكون التلقيب للمدح كما ~~رأيت أو للذم، كتسميتهم عثمان بن عفان «نعثل» وهو ذكر الضباع، وتسمية عبد الملك ~~بن مروان «أبا زبان» لبخره و«شح الحجر» لبخله، # 20 # وتلقيب بني عمرو بن عمر أفواه الكلاب لبخر أفواههم. # ومن أدلة رغبتهم في التلقيب أنهم يلقبون الرجل ببيت شعر نظمه أو لفظ قاله ~~أو حادثة جرت معه مما لا ضابط له، فالمرقش الشاعر أصل اسمه عوف بن سعد فنسي ~~الاسم وبقي اللقب، والمتلمس اسمه جرير بن عبد المسيح، والنابغة اسمه زياد بن ~~معاوية، وكذلك المخرق وتأبط شرا وأعصر والمستوعر وغيرهم ممن ذهبت أسماؤهم ~~وبقيت ألقابهم - فماذا يمنع حدوث ذلك قبل التاريخ، فيلقب أبو القبيلة بما يناسب ~~خلة من خلاله مدحا أو ذما ثم يتناسى الاسم ويبقى اللقب؟ وفي أخبار العرب ~~أمثلة كثيرة من هذا النوع، فقيس عيلان أصل ms0617 اسمه قمقة ولكنه اشتهر بلقبه، وكذلك ~~قريش وغيره. وقد يكون للتلقيب سبب متصل بحادثة، فعنزة أبو القبيلة المعروفة ~~سمي بذلك؛ لأنه قتل رجلا بعنزة وأصل اسمه عامر. والحظائر سمي بذلك ~~لأن المنذر بن امرئ القيس كان جمع أسارى بكر في الحظائر ليحرقهم، فكلمه فيهم ~~فشفعه وأصل اسمه كعب. والزبرقان سمي بهذا الاسم لجماله وسمي القمر أيضا، ~~وكلاهما غير اسمه ولا يعرف إلا بهما. وقصي أصل اسمه زيد، وعبد المطلب اسمه عامر ~~وكلاهما يعرف باللقب فقط. وقد يكون اللقب اسم حيوان أو لقبا من ألقابه، مثل ~~جساس اسم الرجل المشهور، فمعناه في اللغة الأسد المؤثر في الفريسة ببراثنه وأصل ~~اسمه عمرو بن مرة البكري، وقس على ذلك ألقاب الخلفاء بعد الإسلام، فإن أكثرهم ~~يعرف بلقبه كالفاروق والصديق والمنصور والرشيد والمأمون وغيرهم. # فإذا اعتبرنا شيوع التسمية بأسماء الحيوانات أو التلقيب بها، وإمكان بقائها ~~وذهاب الأسماء الأصلية، مع ميل العرب من فطرتهم إلى ذلك، فوجود بضعة وعشرين ~~اسما حيوانيا بين مئات من أسماء القبائل لا يعد شيئا غريبا. ~~(د) التلقيب بصيغة الجمع # على أننا رأينا صاحب طوتمية العرب يعلق أهمية كبرى على تسمية بعض القبائل ~~بجمع أسماء الحيوانات، مثل الأنمار والكلاب والأراقم والضباب، فعنده أن وجود ~~هذه الأسماء بصيغة الجمع لا ينطبق على تفسيرنا من حيث تلقيب أبي القبيلة بلقب ~~يبقى ويذهب اسمه الأصلي. ويرى أن هذه الصيغة دليل قوي على الطوتمية؛ لأن ~~أبناء قبيلة النمر يعدون أنمارا، وأبناء قبيلة كلب يعدون كلابا على مقتضى ~~شروط الطوتمية. # والجواب على ذلك أن التلقيب بصيغة الجمع للقبيلة كان شائعا عند العرب مثل ~~شيوع التلقيب بصيغة المفرد للفرد. وكانوا يلقبون القبيلة بصفة عامة تشترك فيها ~~أو يغلب شيوعها بين أفرادها، كالكرم والبخل والحلم والغدر ونحو ذلك. فلما انتشر ~~الإسلام وضعوا لأهل الأقاليم أوصافا يمتاز بها بعضهم عن بعض. # فمن أمثلة أوصاف القبائل في صدر الإسلام أن معاوية سأل دغفلا النسابة: ما ~~تقول في بني عامر بن صعصعة؟ قال: أعناق ظباء، وأعجاز نساء. وقال: فما تقول في ms0618 ~~بني أسد؟ قال: عافة قافة، فصحاء كافة. قال: فما تقول في بني تميم؟ قال: حجر ~~خشن، إن صادفته آذاك وإن تركته أعفاك. قال: فما تقول في خزاعة؟ قال: جوع ~~وأحاديث. ومن هذا القبيل أن الحجاج سأل ابن القرية عن قبائل العرب فوصف كلا ~~منها بما امتازت به. وليس في وصفه مجون. قال: # قريش: # أعظم القبائل أحلاما وأكرمها مقاما. # بنو عامر: # أطولها رماحا وأكرمها صباحا. # بنو سليم: # أعظمها مجالس وأكرمها محابس. # ثقيف: # أكرمها جدودا وأكثرها وفودا. # بنو زبيد: # ألزمها للرايات وأدركها للثارات. # قضاعة: # أعظمها أخطارا وأعظمها نجارا وأبعدها آثارا. # وهكذا حتى أتى على معظم القبائل ثم وصف الأقاليم مما لا محل له هنا وعلى هذا ~~النمط كانوا يلقبونهم بأسماء حيوانات يغلب في طباعها الخلة التي اشتهرت تلك ~~القبيلة بها، وقد يذهب الاسم الأصلي ويبقى اللقب وحده وتعرف القبيلة به، كما ~~حدث بالأنمار فإنها قبيلة من نزار لقبت بذلك لاشتهار أهلها بالقنص كأنهم ~~أنمار في الوثوب على الفريسة، قال النابغة من معلقته: # أهوى له قانص يسعى بأكلبه # عاري الأشاجع من قناص أنمار # 21 # وكذلك الأراقم - قبيلة من بني تغلب - لقبوا بذلك؛ لأن عيونهم شبهت بعيون ~~الحيات الأراقم فعرفوا بهذا الاسم، # 22 # والعنابس - أي الأسود - لقبوا بذلك لشجاعتهم. وقد يطلق لقب واحد ~~على غير رجل أو غير قبيلة، وتعرف كل قبيلة باسمها الأصلي كالأراقم المتقدم ~~ذكرها، فإنها لقب لجشم ومالك وعمرو وثعلبة والحرث ومعاوية بني بكر بن حبيب من تغلب. # 23 # وليس تلقيب القبائل على هذه الصورة خاصا بالعرب الجاهلية بل هو شائع في عرب ~~هذه الأيام. وأشهر ما تداولته الألسن من هذا القبيل تلقيب النقاش لأهل لبنان في ~~أواسط القرن الماضي، إذ أرسلته الدولة العثمانية لمسح لبنان وإحصاء سكانه، وكان ~~ظريفا وفيه دعابة فكان إذا نزل القرية أو البلد لقب أهله بأول تشبيه يتبادر ~~إلى ذهنه عند إقباله على ذلك البلد - وإليك ألقاب بعض أهل القرى من أقاليم ~~الغرب، وأكثرها أسماء حيوانات بصيغة الجمع: # اسم البلد # لقب أهله # أهل جباع # الشواح # أهل ms0619 نيحة # النور # أهل بعذران # الثعالب # أهل المختارة # الذئاب # أهل عين قنية # الشواح # أهل عماطور # الديوك المزهرة # أهل المزرعة # البقر # أهل عينبال # الجحاش # أهل بعقلين # الغنم # أهل جديدة الشوف # الكلاب ~~* ~~* # الهلال، صفحة 95 سنة 13. # وليس هذا خاصا بالعرب بل يتناول بعض الأمم المتمدنة، ففي الولايات المتحدة ~~لأهل كل ولاية لقب خاص على هذه الصورة: # اسم الولاية # لقب أهلها # Illinois # Luchers # Missouri Pipers # Oragon # Webfoot # Ohio # Buckeye # Indiana # Hoosiers # New England # States Yankees # Alabama # Yellow Limnor # Wisconsin # Badger # وجملة القول أن تسمية بعض القبائل بأسماء الحيوانات أفرادا أو جماعات لا ~~أهمية لها فيما نحن فيه؛ لأنه عادي وطبيعي في الأجيال القديمة والحديثة. ~~وبالطبع لم تبق أهمية لما ذكروه من عبادة الحيوانات التي كانت شائعة في ~~الجاهلية، وإن كانت في الحقيقة ليست من قبيل عبادة الحيوانات الطوتمية بل هي ~~عبادة أصنام أقلها بشكل بعض الحيوانات وأكثرها بأشكال أخرى. فهي من قبيل عبادة ~~الأوثان وليست من الطوتمية في شيء؛ لأن أهل الطوتم لا يعبدون صنما بشكل ~~الحيوان، بل يعبدون الحيوان نفسه ويقدسونه ويتجنبون أذاه كما تقدم، وليس عند ~~العرب شيء من ذلك - على أننا نقول كلمة في أصنام العرب لا تخلو من فائدة ~~... ~~(1-8) أصنام العرب # من المشهور أن العرب وسائر الأمم السامية أهل توحيد من فطرتهم، وإذا عبدوا ~~صنما فيغلب أن يكون ذلك الصنم دخيلا عندهم، ويصدق ذلك على العرب بنوع خاص لتوسطهم ~~بين الأمم الوثنية القديمة، فقد كانوا في عهد جاهليتهم محاطين بالفراعنة في مصر، ~~والفينيقيين في الشام، والآشوريين في العراق، والأحباش في الحبشة. وكانت جزيرتهم ~~طريق أهل الهند في التجارة إلى مصر والشام. وكانوا إذا ذهبوا إلى بلد مما يجاورهم ~~للتجارة أو للغزو ورأوا أهل ذلك البلد يعبدون صنما يعتقدون فيه الكرامة حملوه معهم ~~في رجوعهم ونصبوه في الكعبة أو غيرها من مجتمعاتهم. وإذا مرت بهم قافلة هندية ومعهم ~~صنم يعبدونه في أثناء أسفارهم فربما أعجب العرب فأخذوه منهم أو اصطنعوا صنما على ~~مثاله. ولم يصل إلينا من أخبار هذه الأصنام ms0620 إلا نتف مشتتة يمكن الاستدلال بها على ~~غيرها. # وأشهر من نقل الأصنام إلى مكة في عهد الجاهلية رجل يسمونه عمرو بن لحي، ذكروا ~~أنه غلب على مكة وأخرج منها جرهما وتولى سدانتها، وكان كاهنا فحمل إليها ~~الأصنام من الآفاق فنقل هبل وإساف ونائلة من البلقاء، # 24 # ونقل ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا من ساحل جدة، # 25 # واختصت كل قبيلة من القبائل المشهورة يومئذ بواحد منها، فأصبح ود ~~لقبيلة كلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير. وكان ود على صورة ~~رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة ~~نسر. ولو جمعت أصنام العرب لزاد عددها على مائة صنم، ليس منها على صور الحيوانات ~~إلا بضعة قليلة جدا. على أنها إذا كثرت فقلما تؤيد برهانا للأسباب التي ~~قدمناها، ولأنها دخيلة كما رأيت - ولا نقول ذلك اعتمادا على رواية العرب فقط؛ ~~لأن صاحبنا الأستاذ لا يثق من أقوالهم إلا بما يؤيد برهانه، ولكننا ننظر في هذه ~~الأصنام نظرا تحليليا عسانا أن نتوصل إلى نتيجة فنقول: ~~(أ) هبل # هو أكبر أصنامهم ويسمونه الصنم الأكبر، وذكروا أنه كان مصنوعا من نحاس - ~~وقيل من قوارير أي زجاج - على هيئة رجل ضخم، وكانوا يذبحون له ويستخيرونه في ~~أسفارهم وحروبهم وسائر أعمالهم. ويظهر لنا أن هذا الصنم من آلهة الفينيقيين ~~أو الكنعانيين والأدلة على ذلك: # أولا: # قول العرب أنه جاءهم من مواب بأرض البلقاء، حمله إليهم عمرو بن ~~لحي الذي ذكرناه. # ثانيا: # أن لفظ هبل لا اشتقاق له في العربية من معناه، فهو غير مشتق من ~~لفظ عربي، وعندنا أنه عبراني أو فينيقي أصله «هبعل» وهو اسم أكبر ~~أصنام الفينيقيين أو الكنعانيين ومن جاورهم من أمم الشام ~~كالموابيين والمديانيين والبابليين والليبيين. وكان للفينيقيين ~~عشرات من الآلهة يميزون منها إلهين. أحدهما ذكر والآخر أنثى، ~~ويسمون الذكر «هبعل» والأنثى «عشروت»، ومعنى «بعل» في لسانهم السيد ~~والإله، والهاء في العبرانية أداة التعريف مثل «أل» العربية، ~~فبإضافة هذه الأداة إلى بعل يريدون ms0621 الإله الأكبر. والظاهر أن ~~عمرا المذكور لما قدم مواب أعجبته عبادة الموابيين لهذا الصنم، ~~وكانوا يستمطرونه ويستنصرونه، فحمله إلى مكة باسمه العبراني ~~«هبعل»، وأما العين الزائدة فيسهل إهمالها بالتخفيف ثم ضياعها ~~بالاستعمال، وخصوصا في لفظ «بعل»؛ لأن الكلدانيين كانوا يلفظونه ~~«بل» بإهمال العين، وهو اسم هذا الإله عندهم. وربما كان الموابيون ~~يلفظونها «هبل» فنقلها عمرو بن لحي كما كان يسمعها. # ثالثا: # أن أساليب عبادة العرب هبل تشبه أساليب عبادة الموابيين هبعل. ~~فقد كان الموابيون ينصبون هذا الصنم على التلال المرتفعة أو سقوف ~~البيوت، ويذبحون له الذبائح من الحيوانات والآدميين، ويحرقون له ~~المحرقات ويستخيرونه ويفضلونه على سائر آلهتهم، وكذلك كان يفعل ~~العرب لهبل. وكما أن هبعل أكبر أصنام الموابيين ومن جرى مجراهم، ~~فهبل أكبر أصنام العرب وكانوا ينصبونه فوق الكعبة. ~~(ب) إساف ونائلة # ذكروا أنهما صنمان، الأول على صورة رجل والثاني على صورة امرأة، حملهما ~~عمرو بن لحي أيضا من البلقاء فوضعهما على بئر زمزم بالكعبة، ثم وضع أحدهما على ~~الصفا والآخر على المروة، فربما كان هذان وهبل مثلثا وثنيا، والمثلثات ~~الوثنية كانت شائعة عند الوثنيين في الأزمنة القديمة والغالب في هذه المثلثات ~~أن يكون كل منها مؤلفا من رجل وامرأة وغلام، وأمثلة هذه المثلثات كثيرة عند ~~المصريين القدماء والكلدانيين وغيرهم. ~~(ج) يغوث # جاء في تفسير الزمخشري أنه على صورة أسد، وأن عمرو بن لحي نقله من جدة ~~على ساحل البحر إلى مكة. فإذا كان مجلوبا من الخارج فالغالب أنه من الحبشة ~~أو مصر؛ لأن جدة محطة المسافر من إحداهما إلى الحجاز وقد وجدنا بين آلهة ~~المصريين صنما على صورة أسد أو لبؤة يسمونه «تغنوت»، ولا يخفى ما بين هذه ~~اللفظة ولفظ يغوث من المشاكلة الصورية إذا اعتبرنا أن العرب كانوا يكتبون بلا ~~نقط، فإذا كتبوا «تغنوت» التبس عليهم بين أن تقرأ يغوث أو تغنوت أو تعوت، ~~وكثيرا ما وقع لهم ذلك حتى بعد تدوين التاريخ في إبان التمدن الإسلامي، ~~فإمبراطور الروم الذي حاربه هارون الرشيد يسميه بعض المؤرخين يعفور، والبعض ms0622 ~~الآخر نعفور، والآخر نقفور وهو الصواب؛ لأن اسمه الروماني # Nicephorus # ألا يعقل أن يحدث مثل هذا ~~الالتباس في عصر الجاهلية؟ وعلى هذا المبدأ تحول اسم قايين إلى قابيل، وشاول ~~إلى طالوت، وجليات إلى جالوت، وقورح إلى قارون. ~~(د) ود # وهذا الصنم قد وصفه ياقوت في معجمه فقال: «إنه على مثال رجل كأعظم ما يكون ~~من الرجال، قد دبر عليه - أي نقش عليه - حلتان، متزر بحلة ومرتد بحلة ... عليه ~~سيف وقد تنكب قوسا، وبين يديه حربة فيها لواء وجعبة فيها سهام»، فما أشبه هذا ~~الوصف بوصف ملك من ملوك الفراعنة ذاهب للحرب على مركبته. وهو يشبه إلها ~~فينيقيا اسمه أشبو، أو سيس إله مصري. ولا يمكننا الجزم في ذلك وإنما يظهر من ~~وصفه أنه إله غريب. # وقس على ذلك سائر الأصنام، وإن كنا لا نطمع في ردها كلها إلى أصولها، ولا ~~أن يكون كلامنا فيها يقينيا أو قطعيا، وإنما هو من قبيل الترجيح، وهذا يكفي ~~في هذا المقام. ~~(1-9) الثأر والعائلة والحلف # ورأينا صاحب طوتمية العرب قد علق أهمية كبرى على اجتماع العرب للمطالبة بالثأر ~~باسم القبيلة، فعنده أن ذلك من بقايا الطوتمية؛ لأن القبيلة كانت قديما إذا ~~قتل أحد أفرادها اشتركت كلها في المطالبة بدمه؛ لأنها تطالب بحق الإله الذي هو ~~جدها الأعلى، وأن العرب ليس عندهم عائلة إنما آخر أنسابهم الحي - ولا حاجة بنا ~~إلى التطويل في بيان فساد هذا التأويل بعد أن ظهر فساد المقدمات الأخرى. فالطلب ~~بالثأر باسم القبيلة طبيعي في أمم البادية، وضروري لحفظ جامعة النسب، ولولاها لم ~~يكن لتلك الجامعة معنى. ولكن صاحبنا أجهد نفسه كثيرا في التفسير والتعليل، للتوفيق ~~بين المطالبة بالثأر عند العرب ومطالبة أصحاب الطوتم بحق جدهم الأعلى. وهيهات أن ~~يتأتى له ذلك إلا إذا ثبتت الطوتمية عند العرب فيمكن تفسير الثأر بما فسره، لا أن ~~يكون هو من أدلة تلك الطوتمية يستعان به في إثباتها. # وأما عدم وجود العائلة عند العرب فالقول به غريب، وإنكار العائلة عند العرب يقرب ~~من إنكار ms0623 البديهيات، أو هو إنكار ضوء الشمس في رابعة النهار . وأغرب من ذلك استدلاله ~~على طوتمية العرب بما يحدث عندهم من الترابط أو التعاون بواسطة الحلف ونحوه، ~~فالتحالف قاعدة سياسية لا تزال جارية إلى الآن عند أرقى الأمم المتمدنة، وإنما ~~يختلف عن الحلف عند قبائل العرب كما تختلف بداوة هؤلاء عن حضارة أولئك. # مقدمة‏ # العصر العربي الأول‏ # تمهيد في العرب قبل الإسلام‏ # سياسة العرب في عصر الراشدين‏ # سياسة الدولة في عهد الأمويين‏ # العصر الفارسي الأول‏ # تمهيد‏ # سياسة العباسيين في تأييد سلطتهم‏ # العصر التركي الأول‏ # تمهيد‏ # الدول الفارسية في ظل العباسيين‏ # الدول التركية في ظل العباسيين‏ # الدول الكردية في ظل العباسيين‏ # الخلافة والسلطة أو الدين والسياسة‏ # العصر العربي الثاني‏ # الإمارات العربية والعنصر العربي‏ # سياسة بني أمية في الأندلس‏ # الدولة الفاطمية‏ # العصر المغولي أو التتري‏ # انحلال الدولة الإسلامية‏ # المغول‏ # الدور الثاني من ظهور الدولة العثمانية ولا يزال‏ # مقدمة‏ # العصر العربي الأول‏ # تمهيد في العرب قبل الإسلام‏ # سياسة العرب في عصر الراشدين‏ # سياسة الدولة في عهد الأمويين‏ # العصر الفارسي الأول‏ # تمهيد‏ # سياسة العباسيين في تأييد سلطتهم‏ # العصر التركي الأول‏ # تمهيد‏ # الدول الفارسية في ظل العباسيين‏ # الدول التركية في ظل العباسيين‏ # الدول الكردية في ظل العباسيين‏ # الخلافة والسلطة أو الدين والسياسة‏ # العصر العربي الثاني‏ # الإمارات العربية والعنصر العربي‏ # سياسة بني أمية في الأندلس‏ # الدولة الفاطمية‏ # العصر المغولي أو التتري‏ # انحلال الدولة الإسلامية‏ # المغول‏ # الدور الثاني من ظهور الدولة العثمانية ولا يزال‏ # | تاريخ التمدن الإسلامي (الجزء الرابع) # | تاريخ التمدن الإسلامي (الجزء الرابع) # تأليف # جرجي زيدان # | مقدمة # أخذنا في تأليف هذا الكتاب ونحن نعلم أهمية موضوعه ونشعر بافتقار اللغة العربية إلى مثله. ~~ولكننا لم نكن نتوقع ما لاقاه من حفاوة أهل اللغات الأخرى في العالم الإسلامي بأسره، ولا أن ~~يصل إعجاب كبار المستشرقين في أوروبا بموضوعه إلى مثل ما رأيناه منهم على أثر صدور الأجزاء ~~الثلاثة الماضية، لأنهم فضلا عما كتبوه إلينا من عبارات الاستحسان والتنشيط، وما نشروه من ~~التقاريظ في المجلات والجرائد التي تصدر في بلادهم، ms0624 قد أخذوا يشتغلون بنقله إلى ألسنتهم ~~ونشره بين مواطنيهم ونحن لم نفرغ بعد من تأليفه. وبعض هذه الترجمات قد طبع ونشر ولا يزال ~~البعض الآخر تحت الطبع، والآخر تحت الترجمة. فقد صدر الجزء الأول من الترجمة الأوردية ~~(الهندستانية) مطبوعا على الحجر في أمرتسار (الهند) بقلم الشيخ محمد غلام منشئ «جريدة ~~وكيل» الهندية الشهيرة. وسيصدر الجزء الأول من الترجمة الفارسية قريبا بقلم ميرزا ذكاء ~~الملك صاحب «جريدة تربيت» الفارسية. وكتب إلينا المستشرق الكبير الأستاذ مرجليوث المشتغل ~~بنقله إلى الإنجليزية في جامعة أكسفورد، أنه سيفرغ من ترجمته ويبدأ في نشره في أواخر هذا ~~الصيف. وبعث إلينا الأستاذ دانيلوف المستشرق الروسي في موسكو أنه أتم نقل الجزء الأول إلى ~~اللغة الروسية ويليه الجزء الثاني. وقد خابرنا بعض المستشرقين بشأن نقله إلى اللغة الفرنسية ~~وغيرها. # فنشطنا ذلك في المثابرة على التنقيب والبحث لاستطلاع دخائل التمدن الإسلامي، وكشف أسراره ~~بما يبلغ إليه الإمكان على أسلوب لم يطرقه كتاب العرب، نتوخى فيه إرجاع الحوادث إلى أسبابها ~~وبيان ارتباطها بعضها ببعض مع تطبيق أحكام العقل ونواميس العمران عليها. فنطالع كتب التاريخ ~~والأدب وغيرها، على سذاجة أسلوبها في سرد الحوادث وإيراد الوقائع، ونتدبر ما نقرؤه ثم ~~نستخرج منه فلسفة ذلك التمدن العجيب، كما يستخرج السكر من الخروب؛ لأن مؤرخي الإسلام، مع ما ~~بذلوه من الجهد في تحقيق الحوادث وتمحيص أسانيدها ومصادرها، قلما نظروا في علاقاتها أو ~~عللوا أسبابها، وإنما نقلوها على علاتها، وخصوصا ما يتعلق منها بسياسة الدولة، وكيفية ~~انتقال الملك من عائلة إلى عائلة، أو أمة إلى أمة، أو طائفة إلى طائفة؛ لأن تعليل تلك ~~الحوادث يبعث أحيانا على الطعن في أقوال بعض الخلفاء، أو تخطئة بعض المذاهب، وهم يتحاشون ~~ذلك احتراما للدين ورجاله، ولذلك كان موضوع هذا الجزء أوعر مسلكا من موضوعات سائر الأجزاء ~~الماضية، وأدعى إلى إعمال الفكرة، واستنباط الأقيسة، وتطبيق النتائج على المقدمات؛ لأنه ~~عبارة عن فلسفة تاريخ الإسلام في ذلك التمدن. # موضوع هذا الجزء # بسطنا الكلام في الجزء الأول من هذا الكتاب عن ms0625 نشوء الدولة الإسلامية وسعة مملكتها، ~~وتاريخ نظمها الإدارية والسياسية والمالية والعسكرية والقضائية وغيرها. وخصصنا الجزء ~~الثاني لبيان ثروة الدولة الإسلامية ورجالها، وأسباب تكون تلك الثروة وأسباب تدهورها. ~~وجعلنا الجزء الثالث خاصا بالعلم والأدب، فبحثنا فيما كان منهما عند العرب في ~~الجاهلية، وما أحدثه الإسلام من التغيير في القرائح والعقول، وما نقل عن اللغات ~~الأجنبية من العلوم، وما كان من تأثير التمدن الإسلامي في كل ذلك. # فبعد أن نظرنا في التمدن المذكور، من حيث نظام الدولة وثروتها وعلومها، عمدنا إلى ~~البحث في سياستها، فخصصنا لها هذا الجزء برمته، ولعله أهم أجزاء الكتاب وأوعرها مسلكا، ~~لما يحول بيننا وبين أسباب الوقائع السياسية من العقبات والشكوك، ولا سيما انتقال ~~الخلافة من دولة إلى دولة، وما يعترض ذلك من تنازع أهل الدولة على الاستئثار بالسلطة، ~~وتأثير الاختلاف الجنسي أو المذهبي في ذلك، مما لا يتيسر العثور عليه في كتب القوم لما ~~قدمناه من تحاشي المؤرخين الخوض في مثله. على أننا لم نعدم بصيصا من خلال تلك الظلمة، ~~تلمسنا به سبيلنا في البحث عن الأسباب والعلل، فوفقنا إلى كشف أسباب أكثر الحوادث، ~~فبسطناها بما يقتضيه ذلك من النظر الفلسفي والحكم العقلي والقياس التمثيلي، وتحرينا ~~الحقيقة جهد طاقتنا. # ولما عمدنا إلى تقسيم الموضوع وتبويبه اعترضتنا عقبة أخرى لا تقل وعورة عن تلك؛ ~~لاختلاط الحوادث وتعارض أسباب واشتراك نتائجها وتلون مظاهرها، وتعدد أوجهها من حيث ~~الدين أو الجنس أو المكان أو الزمان، فرأينا بعد إمعان النظر أن نقسم الموضوع باعتبار ~~العناصر التي سادت في الإسلام، وما كان من تنازعها على تلك السيادة، مع ملاحظة أطوار ~~التمدن الإسلامي باختلاف تلك العناصر. فقسمنا تاريخ الإسلام إلى دورين كبيرين: # الدور الأول: # دور التمدن الذي نحن بصدده، يبتدئ بظهور الإسلام وينتهي بذهاب الدولة ~~العباسية من العراق، وتدهور المملكة الإسلامية وتسلط المغول ~~عليها. # الدور الثاني: # هو النهضة السياسية التي حدثت بعد ذلك التدهور، بتغلب الدولة ~~العثمانية وإحياء الخلافة الإسلامية، بجمع شتات المسلمين السنيين ~~في ظلها، وظهور الدولة الصفوية الفارسية، وجمع شتات الشيعة ms0626 تحت ~~رايتها. # وقسمنا الدور الأول إلى خمسة عصور، باعتبار تغلب أحد العناصر الإسلامية على سائرها. ~~ولا يتيسر وضع حد فاصل بين هذه العصور لأسباب لا تخفى على المطلع، فيغلب أن تختلط أواخر ~~كل عصر بأوائل العصر الذي يليه. وإليك هذه العصور: ~~(1) # العصر العربي الأول: من ظهور الإسلام إلى انقضاء الدولة الأموية سنة ~~132ه. ~~(2) # العصر الفارسي الأول: من قيام الدولة العباسية سنة 132 إلى خلافة المتوكل ~~سنة 233ه. ~~(3) # العصر التركي الأول: من خلافة المتوكل إلى تسلط الديلم سنة 334ه. ~~(4) # العصر العربي الثاني: من قيام الدولة الفاطمية إلى انقضائها. ~~(5) # العصر المغولي: من ظهور جنكيزخان إلى وفاة تيمور لنك. # أما العصر التركي الثاني فهو عصر الدولة العثمانية، والعصر الفارسي الثاني عصر الدولة ~~الصفوية ومن خلفها على بلاد فارس، ويتألف منهما الدور الإسلامي الثاني، وهو خارج عن ~~دائرة بحثنا في هذا الكتاب. # وقسمنا كلا من العصور الخمسة التي درسناها في هذا الجزء إلى فصول وأبواب على ما ~~يقتضيه المقام. فقدمنا الكلام بتمهيد في العرب قبل الإسلام من حيث نظام الاجتماع، ~~فوصفنا البدو والحضر وأنساب العرب وقبائلهم وبطونهم، واستفحال عصبية النسب عندهم ومنها ~~الأمومة والخؤولة، ثم ذكرنا توابع تلك العصبية كالحلف والاستلحاق والخلع، ثم العبيد ~~والموالي في الجاهلية وأنواعهم وأحكامهم، والنازلين من الأجانب في جزيرة العرب قبل ~~الإسلام وخصوصا الأبناء الفرس، وختمنا التمهيد بفصل في سياسة دول العرب قبل الإسلام ~~ومناقب العرب. # ثم تقدمنا إلى العصر العربي الأول، فقسمناه إلى أيام الراشدين وأيام بني أمية، فبينا ~~أولا أن الإسلام قام بالجامعة الإسلامية التي جمعت كلمة العرب على اختلاف قبائلهم ~~وبطونهم تحت راية الإسلام. فتساووا في الفضل من حيث أنسابهم، وتفاضلوا من حيث سبقهم إلى ~~الدين أو جهادهم في سبيله، فتولدت طبقات إسلامية جديدة، كالمهاجرين والأنصار وأهل بدر ~~وأهل القادسية، مما لم يكن من قبل. # ثم وصفنا سياسة الخلفاء الراشدين وأنها مبنية على التقوى والحق والعدل، وذكرنا مزايا ~~كل خليفة منهم، وأن سياسة عمر بن الخطاب كانت في أول خلافته تدعو إلى حصر المسلمين في ~~جزيرة ms0627 العرب وبلاد الشام والعراق، وأنه اضطر بطبيعة العمران إلى أن يأذن لقواده وأمرائه ~~في الانسياح في الأرض، فانتشر العرب بالفتح أو المهاجرة، وتكاثروا بالتناسل ~~الكثير. # وختمنا العصر الأول بفصل في العبيد والموالي وأحكامهم في الإسلام. # ثم انتقلنا إلى القسم الثاني من العصر الأول، وهو أيام الأمويين، فذكرنا أولا ~~الأسباب التي ساعدت على انتقال الخلافة إليهم، وما كان بين بني هاشم وبني أمية من ~~المنافسة قبل الإسلام، وكيف شق على الأمويين أن يعظم أمر بني هاشم بالنبوة وهم أقل ~~منهم عددا وقوة. فما زالوا حتى غلبوهم على الدولة، فأخذها معاوية بن أبي سفيان من علي ~~بن أبي طالب بالدهاء والأطماع. وفصلنا سياسة الأمويين في تأييد سلطتهم، وبينا أن محور ~~هذه السياسة طلب التغلب بأية وسيلة كانت. والأمويون يعلمون أن الهاشميين أحق منهم ~~بالخلافة، فعمدوا إلى التغلب بالعصبية كما كانت في الجاهلية، وكان العرب المسلمون قد ~~زالت عنهم دهشة النبوة، فعادوا إلى عصبية النسب أولا بين قريش وسائر العرب، ثم بين ~~اليمنية والمضرية. وبالغ الأمويون في التعصب على غير العرب، فاحتقروا الموالي الفرس ~~وغيرهم وضيقوا عليهم. وتحضر العرب في عصر الأمويين وألفوا السكنى في المدن، فحدثت ~~العصبية الوطنية، أي: تعصب البلاد بعضها على بعض كالبصرة والكوفة والشام وغيرها. واضطر ~~الأمويون في سبيل التغلب على بني هاشم إلى اصطناع القبائل والرجال ببذل المال، فحملهم ~~ذلك على الاستكثار من الأموال. وجرهم الاستكثار منها إلى ابتزازها بحق أو بغير حق، ~~فضيقوا على الرعية من المسلمين وأهل الذمة، حتى مل الناس أيامهم وخصوصا بعدما ظهر من ~~استخفافهم بأحكام الشريعة، وتهتكهم وفتكهم واحتقارهم الموالي وتضييقهم على أهل الذمة. ~~ويلي ذلك فصل طويل في أحكام أهل الذمة من زمن عمر بن الخطاب إلى آخر أيام ~~الأمويين. # ثم تقدمنا إلى العصر الفارسي الأول، فصدرناه بفصل في انتقال الخلافة إلى العباسيين ~~بنصرة الموالي الناقمين على بني أمية. وكيف نصروا بني العباس - وهم في الأصل من شيعة ~~علي - وكانوا يظنون بيعتهم مشتركة بين العلويين والعباسيين؛ لأن العباسيين كانوا قد ~~بايعوا العلويين ms0628 على ذلك فسكتوا، فنقل أبو مسلم الخراساني المملكة الإسلامية من ~~الأمويين وسلمها إلى العباسيين. فلما قبض العباسيون على زمام الدولة نكثوا البيعة، ~~وغدروا بمن كانوا يخشون سلطانهم من العلويين وغيرهم، حتى فتكوا بجماعة من أكبر دعاتهم ~~وأنصارهم، وفيهم أبو مسلم نفسه. # وقسمنا سياسة العباسيين إلى سياستين: # الأولى: # سياستهم في تأييد سلطتهم، وكانت مبنية على الغدر والفتك، فخافهم ~~الفرس الذين ساعدوهم على قيام دولتهم، وكظموا غيظهم لئلا يصيبهم ما ~~أصاب أبا مسلم وأصحابه، فاستخدمهم العباسيون في مصالح دولتهم، وسلموا ~~إليهم مقاليد الحكومة، وجعلوهم وزراءهم وأشهرهم البرامكة. فلما اشتد ~~ساعد البرامكة، ونالوا ما نالوه من القوة والسطوة والثروة، أخذوا ~~يبذلون الأموال لاكتساب قلوب الناس، وقد أضمروا إرجاع البيعة إلى ~~العلويين أو تسليم الدولة للفرس، فشعر الرشيد بذلك فنكبهم. وفصلنا ~~مقدمات هذه النكبة وأسبابها، وبينا كيف تضاعفت نقمة الفرس على ~~العباسيين. ولما مات الرشيد اختلف ابناه الأمين والمأمون، وكان الفرس ~~أخوال المأمون، فنصروه وحاربوا معه وقتلوا أخاه وأعادوا الخلافة إليه، ~~على أن يبايع بعده لعلي الرضا، أي: ينقل الدولة من العباسيين إلى ~~العلويين، فأطاعهم حتى ملك مراده منهم ثم غدر بهم. # والثانية: # سياستهم في معاملة الرعية، وكانت مؤسسة على العدل والحق والمحاسنة، ~~ويتخلل ذلك فصول في أهل الذمة وأحكامهم وأسباب ما لحقهم من الاضطهاد ~~إلى عهد غير بعيد. وفصل في حرية الدين وإطلاق الأفكار، وما كان من ~~تنازع العناصر، وكيف ذهبت العصبية العربية بذهاب دولة الأمين، وما رافق ~~ذلك من اختلاط الأنساب، حتى ندر الدم العربي الخالص بعد ذهاب القرن ~~الثاني للهجرة إلا في البادية. # ثم تقدمنا إلى العصر التركي الأول، وذكرنا الأسباب التي دعت إلى تدخل الأتراك في ~~الدولة من أيام المعتصم، وكيف جمع الأتراك وجندهم وبنى لهم سامرا، وكيف تدرجوا في مصالح ~~الدولة حتى تغلبوا على الخلفاء، وما ترتب على ذلك من احتجاب الخلفاء في دور النساء، ~~ومعاشرتهم الخدم ووثوقهم بهم، حتى رفعوا الخدم والخصيان إلى رتب القيادة وإمارة الأمراء ~~وغيرهما، وأطلقوا أيدي النساء في مصالح الدولة، فآل ذلك كله إلى ms0629 فساد الحكم واختلال ~~الأعمال، وذهبت هيبة الخلفاء، فعمد أصحاب الأطراف إلى الاستقلال بولاياتهم ، فتشعبت ~~الدولة العباسية إلى فروع: فارسية، وتركية، وعربية، وكردية، وكلها تبايع الخليفة ~~العباسي. فاستطرقنا بذلك إلى البحث في معنى الخلافة ونسبتها إلى السلطة من أول الإسلام ~~إلى الآن. # ثم انتقلنا إلى العصر العربي الثاني، فذكرنا نقمة العرب على العباسيين منذ أهملوهم ~~وأسقطوهم من الديوان، وأضفنا إليها نقمة العلويين والأمويين، وكيف ظهرت الدولة الأموية ~~في الأندلس، والفاطمية في مصر، لمقاومة الدولة العباسية، وأوشك الفاطميون - وهم علويون ~~- أن يتغلبوا على العباسيين، لو لم يقف السلاجقة في سبيلهم. على أن الفاطميين ما لبثوا ~~أن تضعضعوا وغلبهم الأكراد على دولتهم، وأولهم صلاح الدين، فأعاد البيعة إلى العباسيين، ~~وانقضى هذا العصر وقد تضعضعت المملكة الإسلامية وانقسمت على نفسها، وطمع فيها أعداؤها ~~المحيطون بها، فجاءها المغول وهي في تلك الحال، فاكتسحوها وزادوها ضعفا واختلالا، وهو ~~العصر المغولي، وبه ينتهي هذا الجزء. # وقد بذلنا الجهد في تمحيص الحقائق وتحقيق الحوادث، بالاعتماد على أوثق المصادر وأصح ~~الروايات، وتدبرنا ذلك واستخرنا من علل الحوادث وأسبابها ما نظنه الأقرب إلى الصواب، ~~ملتزمين الصدق والإخلاص والإنصاف، والله حسبنا ونعم الوكيل. # 1 # وسيكون موضوع الجزء الخامس حضارة المملكة وأبهة الدولة وآداب الاجتماع، وبه ينتهي ~~الكتاب. # | العصر العربي الأول # من ظهور الإسلام حتى سنة 132ه/749م # | تمهيد في العرب قبل الإسلام # نريد بهذا العصر المدة التي كانت فيها الدولة الإسلامية في أيدي العرب، وكانت سياستها ~~عربية وقوادها عربا وعمالها عربا، وكانت السيادة فيها للعنصر العربي. والعصر المذكور ~~يبتدئ بالإسلام وينقضي بانقضاء الدولة الأموية. وهو ينقسم إلى دولتين: دولة الراشدين، ~~ودولة الأمويين، ولكل منهما أحكام خاصة بها في السياسة وشؤون الحكومة سيأتي بيانها. ولا ~~بد لنا تمهيدا لذلك أن نأتي بفذلكة في حال العرب قبل الإسلام، من حيث ما يهمنا بيانه ~~في هذا الباب ... ~~(1) البدو والحضر # البدو أهل البادية، والحضر أهل المدن. والبداوة أقدم من الحضارة؛ لأنها أقرب منها ~~إلى الفطرة الطبيعية. فالإنسان كان في أول أدواره بدويا يحترف الزراعة والفلاحة، ~~أو ms0630 ينتحل القيام على تربية الحيوان من الغنم والبقر والماعز أو النحل والدود ~~لنتاجها واستخراج فضلاتها ، مما لا تتسع له المدن من المزارع للغرس والمراعي للمرعى. ~~فالتجأوا إلى السهول والبراري، وكان همهم بلوغ الضروري من القوت والسكن والدفء ~~بالمقدار الذي يحفظ الحياة ويمكن من مواصلة العيش. فلما تقدمت أحوالهم وحصلوا على ~~ما هو أكثر من ذلك من أسباب الغنى والرفاهية، عمدوا إلى السكون والدعة وتأنقوا ~~وتمدنوا وأترفوا. # فالبداوة تقوم إما على الفلاحة والزرع، أو على تربية الحيوان. فالبدو أهل الفلاحة ~~مضطرون للاستقرار في مواطنهم ينتظرون الغلة وهم سكان المداشر. والقرى والجبال، ~~وكانوا قليلين في بادية العرب. وإنما يكثر هذا الصنف من البدو في بلاد البربر ~~بشمالي أفريقيا، وفيما يجاور المدن العامرة بمصر وفارس والشام وغيرها. وأما البدو ~~الذين يحترفون تربية الحيوان فدأبهم الظعن والارتحال، لارتياد المسارح والمياه ~~لحيواناتهم. وهم صنفان: أهل سائمة، وأهل إبل. فأهل السائمة هم القائمون على الشاء ~~والبقر، ولا يبعدون في القفر لقلة المراعي الطيبة، ويقال لهم: الشاوية نسبة إلى ~~الشاء. وهؤلاء مثل البربر في شمالي أفريقيا، والترك وإخوانهم التركمان والصقالبة، ~~وغيرهم ممن يقطنون بوادي تركستان وخراسان ونحوهما. ~~••• # وأما أهل الإبل فأشهرهم بدو العرب، وهم أكثر ظعنا وأبعد في القفار مجالا من أهل ~~السائمة؛ لأن مسارح التلول ونباتها وشجرها لا تستغني بها الإبل في قوام حياتهم عن ~~مراعي الشجر بالقفار، وورود مياهه الملحة والتقلب في فصل الشتاء في نواحيه فرارا ~~من أذى البرد إلى دفء هوائه وطلبا لما خض النتاج في رماله؛ لأن الإبل أصعب ~~الحيوانات فصالا ومخاضا وأحوجها في ذلك إلى الدفء. فاضطروا إلى إبعاد النجعة ~~والإيغال في القفار، فهم ينزلون من أهل الحواضر منزلة الوحش غير المقدور عليه، ~~والمفترس من الحيوان، لتفردهم عن المجتمع، وتوحشهم في الضواحي، وقيامهم بالدفاع عن ~~أنفسهم. فهم دائما يحملون السلاح، ويتلفتون في الطرق، ويتجافون عن الهجوع، إلا ~~غرارا في المجالس وعلى الرحال وفوق الأقتاب، ويتفردون في القفار والبيداء واثقين ~~ببأسهم، حتى صار البأس لهم خلقا، ولذلك كان أكثر البدو توغلا في ms0631 القفار أشدهم ~~بأسا وأصبرهم على المشاق. # فسكان جزيرة العرب معظمهم من البدو الرحل؛ ولذلك كانت المدن قليلة في تلك ~~الجزيرة، ولا سيما في أواسطها. وأشهر المدن العربية قبل الإسلام مكة والمدينة ~~والطائف في الحجاز، ومأرب وصنعاء في اليمن. وسكانها أخلاط من العرب والفرس والأحباش ~~واليهود وغيرهم، يرتزقون بالبيع والشراء على من يفد عليهم من أهل البادية. ~~(2) العصبية العربية قبل الإسلام # قلنا: إن العرب جمهورهم من البدو، والعصبية ضرورية لأهل البادية؛ لأن الناس ~~مفطورون على المطامع، ودأبهم التخاصم والتنازع، فأهل المدن يدفع عدوانهم الحكام ~~وأهل الدولة من أن يظلم بعضهم بعضا، وهي أيضا تدفع غارات الأعداء بما تقيمه من ~~الأسوار وتعده من الجند والسلاح. وأما البدو فيحكم بينهم مشايخهم وكبراؤهم، بما وقر ~~في نفوس أهل القبيلة أو الحي من الوقار لهم ... وإكرام السن من تقاليد البدو. وإذا ~~سطا عليهم عدو في منازلهم قام بالدفاع عنها فتيانهم وشجعانهم، وهؤلاء لا يصدق ~~دفاعهم إلا إذا كانوا عصبية تشتد بها شوكتهم ويخشى جانبهم. # وأهل البلد الواحد، أو المصلحة الواحدة، لا بد لهم من جامعة تجمع بين أفرادهم. ~~والجامعة تختلف في الأمم باختلاف أحوالهم، فبعض الأمم يجمعهم الوطن، وآخرون يجمعهم ~~الدين، وغيرهم يجمعهم النسب أو اللغة. وقد رأيت أن البدو لا وطن لهم، وكانوا قبل ~~الإسلام لا دين لهم، فلم يكن لهم ما يجمعهم غير العصبية واللغة، وهما متلازمتان ~~خصوصا في البداوة؛ لذلك عني العرب بحفظ أنسابهم وضبطها، وتفاخروا بها، وبالغوا في ~~استقصائها، حتى ردوها إلى الآباء الأولين. # فأقرب أسباب العصبية عندهم الأخوة والأبوة والعمومة، ومنها تتألف العائلة أو ~~الأسرة، ومن العائلات تتألف الفصيلة، كآل أبي طالب وآل العباس مثلا، فإن كلا ~~منهما فصيلة مؤلفة من عائلات، وكلاهما من بني هاشم. ومن الفصائل تتألف الأفخاذ، مثل ~~بني هاشم وبني أمية، وكلاهما من بني عبد مناف. ومن الأفخاذ تتألف البطون، مثل بني ~~عبد مناف وبني مخزوم، وكلاهما من قريش. ومن البطون تتألف العمائر (جمع عمارة) مثل ~~بني قريش وبني كنانة، وكلاهما من مضر. ومن العمائر تتألف ms0632 القبائل، مثل ربيعة ومضر، ~~وكلاهما من عدنان. ومن القبائل يتألف الشعب، وهو النسب الأبعد، مثل عدنان ~~وقحطان. ~~(3) أنساب العرب # والذي عليه النسابون أن سكان جزيرة العرب قبل الإسلام يرجعون في أصولهم إلى ~~قسمين: العرب البائدة، والعرب الباقية. فالقبائل البائدة هي التي بادت وضاعت ~~أخبارها قبل ظهور الإسلام، مثل عاد وثمود وطسم وجديس وعمليق وجرهم وجاسم. وقد بحثنا ~~بحثا تحليليا في نسب هذه القبائل وأماكنها في مقالة نشرت في الهلال العشرين من ~~السنة الخامسة لا محل لها هنا. وأما العرب الباقية فهي القبائل التي ظهر الإسلام ~~وهي موجودة، فقامت به ونشرته وأنشأت الدولة الإسلامية. والقبائل الباقية فرقتان، ~~ترجع كل منهما إلى أب واحد يضمها وطن تنسب إليه: الفرقة الأولى القحطانية، وترجع في ~~أنسابها إلى قحطان وهو يقطان الذي ينتهي نسبه إلى أرفكشاد (أبو أرفخشد) من آباء ~~التوراة، ومقر القبائل القحطانية في اليمن؛ ولذلك عرفت أيضا بالقبائل اليمنية أو ~~عرب اليمن. والفرقة الثانية العدنانية، نسبة إلى عدنان من بعض أعقاب إسماعيل بن ~~إبراهيم الخليل وتعرف أيضا بالإسماعيلية، ولما كان مقر أكثرها في الحجاز ونجد ~~عرفت بالقبائل الحجازية، أو بعرب الحجاز ونجد أو عرب الشمال. # ولكل من القحطانية والعدنانية فروع من القبائل والعمائر والبطون والأفخاذ ~~والفصائل لا يحصيها عد ولا محل لذكرها، ولكننا نأتي بما يهمنا منها في ~~هذا المقام - فالعرب القحطانية أقدم من ~~العدنانية، أو تمدنت قبلها على الأقل، ومنها بنو حمير الذين أنشأوا تمدنا في اليمن، ~~ومنهم الملوك التبابعة وآثارهم في حضر موت وخرائب اليمن، لا يزال أكثرها مدفونا في ~~الرمال وعليه نقوش بالقلم المسند. وقد تفقد آثار ذلك التمدن غير واحد من ~~المستشرقين، ولكنهم لم يتمكنوا من الاطلاع على شيء كثير لصعوبة السلوك في تلك ~~القفار. على أن بعضهم ألف الكتب في هذا الموضوع، وذهب إلى أن التمدن اليمني أقدم من ~~التمدن المصري، وأن الفراعنة أخذوا أصول تمدنهم عن أولئك العرب القحطانية. والمظنون ~~أن ملكة سبأ التي زارت سليمان الحكيم نحو القرن العاشر قبل الميلاد إنما هي من ملوك ~~هذه ms0633 الدولة. ~~••• # وما زال اليمنية في بلاد اليمن وحضرموت، حتى كان سيل العرم أو انبثاق السد ~~المعروف بسد مأرب. وهو عبارة عن حائط كان موصلا بين جبلين، يحجز الماء الذي كان ~~يسيل بينهما، فيرتفع ويروي السفحين إلى أعلاهما. بناه بعض ملوك تلك الدولة بناء ~~متينا، فصبر على صدمات الماء وتأثير الهواء عدة قرون. فلما دنا القرن الثاني ~~للميلاد (تقريبا) وكانت الدولة قد شاخت، أحسوا بقرب سقوط السد، فخافوا الطوفان ~~والقحط، فنزحوا من ذلك المكان وتفرقوا في البلاد، بحسب قبائلهم وبطونهم، ومنهم بنو ~~غسان في الشام، وبنو لخم في العراق، وبنو الأوس والخزرج في المدينة، والأزد في منى، ~~وخزاعة بجوار مكة. ثم انفجر السد فهاجر من بقي هناك من القبائل اليمنية. وفي نحو ~~القرن الخامس للميلاد استولى الأحباش على بلاد اليمن، ثم جاء الفرس فأخرجوا الأحباش ~~وضموا اليمن إلى مملكتهم. وجاء الإسلام واليمن من أعمال مملكة الفرس. # فلما ظهر الإسلام، كانت دولة العرب القحطانية قد دالت، وهم الحضر وسكان المدن. ~~وأما البدو القحطانية فكانوا لا يزالون كثيرين، غير من بقي من القحطانية الحضر في ~~يثرب وغيرها من مدن الحجاز واليمن. وإليك أشهر القبائل القحطانية عند ظهور الإسلام ~~وهي: سبأ وحمير وكهلان والأزد ومازن وغسان والأوس والخزرج وخزاعة وبجيلة وخثعم ~~وهمدان وطيء ولخم وكندة وقضاعة وكلب وتنوخ ومراد والأشعر وغيرها. ~~••• # وأما القبائل العدنانية، أو عرب الحجاز ونجد أو عرب الشمال، فلم يظهروا قبل ~~الإسلام إلا قليلا، ولم ينشؤوا دولة إلا بعد الإسلام. وهم قبائل عديدة، مواطنهم ~~غالبا في نجد والحجاز والعراق وتهامة، وكلها بادية رحالة إلا قريشا فقد كانوا ~~حضرا يقيمون في مكة، وبعض أهل الطائف. وأعظم القبائل العدنانية قبيلة «معد»، ومنها ~~تسلسلت قبائل عدنان كلها، ويقال: أنه كان معاصرا لأرميا النبي. # 1 # وتفرع من معد إياد ونزار، وسكنت إياد العراق وتشعبت إلى بطون وأفخاذ. ~~وأما نزار ففيها العظمة والقوة، ولها الفضل الأعظم على العرب؛ لأن منها جاءهم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. وانقسمت نزار إلى قبيلتي ربيعة ومضر، فسكنت ربيعة في جزيرة ms0634 العراق، ومن ~~بطونها ضبيعة وأسد وعنزة وجديلة والنمر وتغلب وبكر بن وائل وغيرهم. وأما مضر بن ~~نزار فهم أهل الكثرة والغلب بالحجاز، أكثر من سائر بني عدنان، وكانت لهم الرياسة ~~بمكة. ومن مضر تشعبت عدة عمائر من جملتها قريش، وتشعبت قريش إلى 25 بطنا من جملتها ~~بنو عبد مناف، ومنهم بنو هاشم رهط النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وبه شرفت مضر بعد الإسلام على ~~سائر العرب قحطانيها وعدنانيها. # وأشهر القبائل العدنانية، غير ما تقدم، خزيمة وكنانة والنضر وشيبان وقيس وهوازن ~~وسليم وغطفان وذبيان وثقيف وكلاب وعقيل وتميم وهلال وباهلة ومخزوم وأمية وعبد القيس ~~وغيرها، وبعضها فروع للبعض الآخر. ولكل قبيلة أو عمارة شؤون خاصة وحكومة خاصة وشارة ~~خاصة. ولكل منها سمة خاصة تمتاز بها عن سائر القبائل، تعرف بها رايتها وتسم بها ~~أبلها، أي: تنقش عليها علامة خاصة بها كيا بالنار يقال لها: الميسم # 2 # وكانت القبيلة تمتاز بشيء تعرف به ويذاع بين القبائل خبره، وتفاخر به ~~سواها. فكانت مضر مثلا تفتخر بفصاحتها، وربيعة تفتخر بفروسيتها ونجدتها # 3 # واشتهر بعض القبائل بالعز والمنعة دون سواها، كقبيلة بهدلة من ~~العدنانية، فقد ذكروا أن العز والقوة تسلسلا إليها من معد إلى نزار فمضر فخندف ~~فتميم فسعد فكعب فعوف فبهدلة. ~~(3-1) عصبية النسب # وبين القبائل، أو أفخاذها أو بطونها أو ~~عمائرها، عصبية النسب تجمعها بعضها على بعض - الأقرب فالأقرب إلى الأبعد ~~فالأبعد. فتجتمع الفصيلتان من الفخذ الواحد على فخذ آخر ولو كانوا جميعا من ~~بطن واحدة، وتجتمع البطنان من عمارة واحدة على عمارة أخرى ولو كانوا جميعا من ~~قبيلة واحدة، على حد قول المثل: «أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على ~~الغريب»، فالقحطاني يتعصب على العدناني وهذه أوسع العصبيات، ثم إن القبائل ~~يتعصب بعضها على بعض. والعمائر من قبيلة واحدة تتعصب بعضها على بعض، ويقال نحو ~~ذلك في البطون من عمارة واحدة، أو الأفخاذ من بطن واحدة، حتى تصل إلى الفصائل ~~والعائلات. فبنو العباس وبنو أبي طالب مثلا تخاصما، وكلاهما من ms0635 بني هاشم، وبنو ~~هاشم وبنو أمية تخاصما، وكلاهما من بني عبد مناف، وقس على ذلك. # وكل من القبائل أو البطون أو الأفخاذ يفاخر سواه بحسنات قومه ويذكر مثالب ~~الآخرين. ولهم في ذلك مفاخرات يطول بنا شرحها. على أن أشهر حوادث المنافسة بين ~~العرب إنما هو بين القبائل القحطانية (أو اليمنية) والقبائل العدنانية، وقد يرد ~~ذكر ذلك في التاريخ ولا ينتبه له القارئ؛ لأنهم قلما يذكرون انتساب القبائل إلى ~~إحدى هاتين العصبيتين فيقولون مثلا: «انتشبت الحرب بين قيس وكلب»، ولا يذكرون ~~أن قيسا من العدنانية وكلبا من القحطانية، لاعتقادهم أن القارئ يعرف ذلك. ~~وقس عليه قولهم: تفاخرت قحطان ونزار، أو معد واليمن، أو مضر وحمير، أو هوازن ~~وكهلان، أو قيس وهمدان، أو نحو ذلك. ~~(4) العرب والعجم قبل الإسلام # على أن العرب القحطانية والعدنانية يجتمعون ~~على غير العرب من الفرس أو الترك ويسمونهم «العجم»، ويفاخرونهم بالأنساب واللغة ~~ويحتقرونهم، وقد شقوا من اسمهم لفظ الأعجم للدلالة على الخرس، أو أن العجم مشتق من ~~العجمة، فالعجمي عندهم غير العربي، والأعجم الأخرس # 4 # والأخزر عندهم الذي في عينه ضيق، وهذا وصف العجم وهو عند العرب من ~~النقائص، فإذا قيل للعربي: يا أخزر عد ذلك القول إهانة؛ لأنه أخرجه من العرب. ~~على أن العجمي في الأصل الفارسي، والعجم الفرس؛ لأن الفرس أقدم من خالط العرب من ~~الأمم الغريبة عن لسانهم، ثم أطلقوا لفظ العجم على كل أجنبي غير عربي. # والمنافسة بين العرب والعجم قديمة، فإن الفرس في أيام دولتهم كثيرا ما كانوا ~~يخرجون العرب من بلادهم بالسيف، والعرب كانوا يسطون على مدن الفرس حتى في أيام ~~سابور قبل الإسلام ببضعة قرون، وكان هذا قد تعمد أذى العرب وإخراجهم من بلاده، ~~وخصوصا قبيلة إياد، وفيه يقول الشاعر: # على رغم سابور بن سابور أصبحت # قباب إياد حولها الخيل والنعم # ولكنه تمكن منهم بالقوة والجند، فقتل منهم ~~خلقا كثيرا، ومن أفلت لحق بأرض الروم. وفعل نحو ذلك ببني تميم في البحرين. وما ~~زالت الضغائن بين العرب والفرس، حتى اضطر ms0636 عرب اليمن إلى استنجاد كسرى على الأحباش ~~في القرن الخامس للميلاد، فأرسل جندا أخرجوا الأحباش واحتلوا مكانهم وحكموا العرب، ~~إلى أن جاء الإسلام وتحول السلطان إلى العرب فتسلطوا على العجم، فكبر ذلك عليهم ~~وخصوصا في أيام بني أمية لتعصبهم على غير العرب. ونشأت فرقة الشعوبية للطعن في ~~العرب وسيأتي بيان ذلك. ~~(5) الأمومة والخؤولة # الأصل في العصبية عند العرب الأبوة أو الانتساب إلى الأب، مثل سائر الأمم ~~الراقية، على أن الأمومة كان لها شأن كبير عندهم، وكثيرا ما كانت المزاوجة أو ~~المصاهرة سببا كبيرا للعصبية، ليس ذلك لعلو منزلة المرأة على الإجمال، وإنما ~~الفضل فيه للأمومة، فإن المرأة كانت لا تزال محتقرة حتى تصير أما ... فتعلو منزلتها ~~وتشتد عرى الاتحاد بها. فالرجل منهم يفضل أمه على امرأته؛ لأن الأم في اعتقاده أبقى ~~له من امرأته. ومن أمثلة ذلك أن صخر بن عمرو بن الشريد - أخا الخنساء - لما حضر ~~محاربة بني أسد، طعنه ربيعة بن ثور الأسدي فأدخل بعض حلقات الدرع في جنبه، ~~وبقي صخر مدة في أشد ما يكون من المرض، وأمه ~~وزوجته سليمى تمرضانه، فضجرت زوجته منه، فمرت بها امرأة فسألتها عنه فقالت: «لا هو ~~حي فيرجى ولا ميت فينسى»، فسمعها صخر فأنشد قصيدة قال منها: # أرى أم صخر لا تمل عيادتي # وملت سليمى مضجعي ومكاني # وأي امرئ ساوى بأم حليلة # فلا عاش إلا في شقا وهوان # 5 # وكانت العرب من أجل ذلك لا يعزون في المرأة إلا أن تكون أما # 6 # ولم يكن ذلك خاصا بحال المرأة عند العرب، فقد كان هذا شأنها أيضا ~~عند اليونان، لأنهم كانوا يعدون المرأة أمة يحجبونها قبل الزواج وبعده، وتشتغل ~~بأشغال البيت من الحياكة والغزل وتمريض المرضى. وكذلك كان يفعل الفرس بنسائهم، فإذا ~~صارت المرأة أما علت منزلتها وصار إليها الأمر والنهي في بيتها، ولا يزال هذا دأب ~~أهل البادية إلى اليوم. ونشأت من ذلك عصبية الخؤولة عند العرب، وهي نصرة عشيرة الأم ~~لأولادها، وبعبارة أخرى لعشيرة زوجها، ولو كان الأب من قبيلة ms0637 يمنية والأم من قبيلة ~~عدنانية، أو بالعكس. ~~••• # وكان للخؤولة شأن عظيم عند العرب قبل الإسلام، وأقرب الشواهد عليها نصرة أهل ~~المدينة للنبي # صلى الله عليه وسلم # في هجرته إليهم، فإن الخؤولة كانت من أهم أسباب نصرتهم؛ لأن ~~أم النبي من بني النجار من الخزرج وهي قبيلة قحطانية، وأبوه من قريش وهي قبيلة ~~مضرية. فلما توفي والده ذهبت به أمه إلى المدينة؛ لكي تلتجئ إلى أخواله بني النجار ~~وهم كثيرون، وكانوا من أقرب أهلها إلى التدين، وقد ترهب أحدهم في الجاهلية، ولبس ~~المسوح وفارق الأوثان واغتسل من الجنابة، وهم بالنصرانية ثم أمسك عنها، واتخذ بيته ~~مسجدا. فأقامت عندهم على الرحب والسعة، ثم ذهبت به إلى أعمامه في مكة وماتت على ~~الطريق. فلما قام بدعوته وقاسى ما قاساه من اضطهاد أعمامه، هاجر إلى أخواله في ~~المدينة، وأهلها يعرفون ذلك فيه؛ لأن خؤولة بني النجار جعلت الخزرج كلهم أخواله، ~~فلما نزل المدينة رحب به أهلها، وكان أول من تابعه منهم أخواله أو من يمت إليهم ~~بقرابة. وكانوا أشد أهل المدينة غيرة عليه ودفاعا عنه # 7 # ثم تهافت أهل المدينة إلى مبايعته. وكان في أثناء غزواته إذا اشتد ~~القتال جلس تحت راية الأنصار # 8 # وهم يستهلكون في سبيل نصرته؛ ولا سيما آل النجار. وكان أعداء الأنصار ~~إذا هجوهم خصوا بني النجار منهم بالذكر، لتصدرهم في ذلك أكثر من سائر أهل المدينة. ~~فمن قصيدة قالها عمرو بن العاص يوم أحد وهو لم يسلم بعد: # خرجنا من الفيفا عليهم كأننا # مع الصبح في رضوى الحبيك المنطق # تمنت بنو النجار جهلا لقاءنا # لدى جنب سلع والأماني تصدق # فما راعهم بالشر إلا فجاءة # كراديس خيل في الأزقة تمرق # 9 # وظلت الخؤولة مرعية عند العرب بعد الإسلام، وكان لها تأثير كبير في العصبية ~~وسياسة الدولة. فلما طلب معاوية الخلافة، بحجة المطالبة بدم عثمان بن عفان، نصره ~~بنو كلب وهم يمنية؛ لأن نائلة امرأة عثمان منهم وقد تلطخت أصابعها بالدم. وكان ~~لنصرتهم دخل كبير في قيامه، وتزوج هو واحدة منهن ms0638 ولدت له ابنه يزيد. ولما أفضت ~~الخلافة إلى يزيد، كان الكلبية من حزبه؛ لأنهم أخواله، وأمثال هذه الشواهد كثيرة في ~~تاريخ الإسلام، منها أن المأمون نصره الفرس؛ لأن أمه منهم، وكان أخوه الأمين ضده ~~وحزبه عربي؛ لأن أمه عربية، فلجأ المأمون إلى خراسان وأقام بمرو عند أخواله، ~~فأخرجوا الخلافة من يد الأمين وسلموها إليه. والمعتصم كانت أمه تركية وكان ميله إلى ~~الأتراك كثيرا، وقد جندهم فنصروه على الفرس. وقس على ذلك تأثير الأم في الدولة، ~~مما سيأتي تفصيله. وكان رجال السياسة والتدبير من الملوك والقواد يقوون أحزابهم ~~بالتزوج من القبائل المختلفة، فيكتسبون عصبية قبائل نسائهم. ~~(6) توابع العصبية العربية ~~(6-1) الحلف # فعمدة العرب في العصبية جامعة النسب من الأب، ثم الأم. على أنهم كانوا ~~يجتمعون بأسباب أخرى، كالحلف بين القبائل وهو يشبه المحالفات أو المعاهدات ~~الدولية في هذه الأيام. وأشهر أحلاف الجاهلية حلف المطيبين، وحلف الفضول. ~~فالحلف يجمع بين القبائل ولو تباعدت أنسابها من القحطانية والعدنانية. وقد يكون ~~التحالف بين العرب وغير العرب ممن ينزلون بينهم، وهو من قبيل الولاء، كاليهود ~~الذين نزلوا المدينة من بني النضير وبني قينقاع وغيرهم، ومنهم حلفاء الأوس ~~والخزرج، وكان أهل وادي القرى حلفاء بني هاشم، وسيأتي ذكرهم في الموالي. # وللتحالف أو الحلف عندهم شروط وأسباب، منها أن يكون الحليف أسيرا لا يستطيع ~~فداء نفسه، فيسمونه بسمة تلك القبيلة فيعد حليفا لها # 10 # والحليف يرث من القبيلة كما يرث الصريح من أبنائها، # 11 # أما إذا قتل فديته نصف دية الصريح. # 12 ~~(6-2) الاستلحاق # ومن توابع العصبية العربية قبل الإسلام الاستلحاق، وهو أن يدعي الرجل رجلا ~~يلحقه بنسبه، وقد يكون عبدا أو أسيرا أو مولى، فيسميه مولاه وينسبه إليه. ومن ~~أشهر حوادث الاستلحاق في الجاهلية، أن أمية جد بني أمية كان له عبد اسمه ذكوان، ~~استلحقه بنسبه وكناه أبا عمرو، فصار اسمه عندهم أبا عمرو بن أمية، ومن نسله جاء ~~الوليد بن عقبه أخو عثمان بن عفان لأمه، وكان من جلة الصحابة. # وأشهر حوادث الاستلحاق في الإسلام ms0639 استلحاق زياد بن أبيه بأبي سفيان والد ~~معاوية داهية العرب، وقصة استلحاقه مشهورة في كتب التاريخ. وكان زياد هذا ابن ~~امرأة اسمها سمية، وكانت جارية، فولدت زيادا من غلام رومي من موالي ثقيف اسمه ~~عبيد، ولم يكن ذلك مشهورا عند العرب، فكانوا يعتبرون زيادا مجهول الأب فسموه ~~«زياد بن أبيه»، فلما طلب معاوية الخلافة واحتاج إلى من ينصره، قرب إليه جماعة ~~من دهاة العرب ومنهم زياد المذكور، واختص زيادا بالاستلحاق، فاستشهد خمارا من ~~أهل الطائف اسمه أبو مريم السلولي، فشهد أن أبا سفيان جاءه والتمس منه بغيا ~~فأتاه بسمية فحملت منه بزياد، وثقات المؤرخين ينكرون ذلك ويعتقدون أن معاوية ~~اختلق هذه القصة ليكتسب نصرة زياد، وقد تم له ما أراد. فسمى زياد من حينئذ ~~«زياد بن أبي سفيان» بعد أن كان يعرف بزياد بن أبيه أو ابن سمية # 13 # وما زال آل زياد معدودين من قريش، حتى ردهم المهدي سنة 160ه إلى ~~نسب عبيد المذكور، وصاروا من موالي ثقيف # 14 # ومثل هؤلاء آل أبي بكرة، فقد كانوا من موالى النبي # صلى الله عليه وسلم # وألحقوا بثقيف، فردهم المهدي إلى أصلهم. # وكانوا يسمون المستلحق «دعيا»، وقد يكون الرجل دعي أدعياء فيكون هو ~~دعيا في رهطه ورهطه دعي في قبيلة مثل ابن هرمة، فقد كان دعيا في الخلج ~~والخلج أدعياء في قريش، وكثيرا ما كانوا يستلحقون الرهط أو العشيرة دفعة ~~واحدة، لنزولهم فيهم أو لنصرتهم إياهم، كما أصاب بني العم من أهل البصرة، فإنهم ~~نزلوا ببني تميم في أيام عمر بن الخطاب، فأسلموا وغزوا مع المسلمين فقالوا لهم: ~~«أنتم وإن لم تكونوا من العرب إخواننا وأهلنا، وأنتم الأنصار وبنو العم»، ~~فلقبوا بذلك وصاروا من جملة العرب. # 15 ~~••• # وكانوا يعدون الدعي من أنفسهم، ويورثونه كما يورثون الابن الصريح # 16 # ويرثونه، وكثيرا ما كان العرب يرغبون في استلحاق مواليهم، رغبة ~~منهم في أن يرثوهم، وقد يأبى المولى أن يلحقوه إذا عرف غرضهم، كما أصاب نصيبا ~~المغني المشهور، إذ أراد مواليه أن يلحقوه بنسبهم فأبى ms0640 وقال لهم: «والله لأن ~~أكون مولى لائقا أحب إلي من أن أكون دعيا لاحقا، وقد علمت أنكم تريدون مالي». # 17 # ومن أسباب العصبية عندهم مما يشبه الحلف «المؤاخاة»، وقد تكون بين القبائل أو ~~بين الأفراد، ولا تزال هذه العادة شائعة بين البدو إلى الآن، فإذا آخيت العربي ~~أخذ بناصرك وحماك ودافع عنك كأنك أخوه. ~~(6-3) الخلع # وضد الاستلحاق عندهم «الخلع»، فكان الرجل إذا ساءه أمر من ابنه، سواء كان ~~صريحا أو دعيا خلعه، أي: نفاه عن نفسه فيتخلص من تبعة ما قد يرتكبه الولد من ~~المكروه، وقد تفعل ذلك القبيلة أو العشيرة، فيذهب جماعة منها إلى سوق عكاظ ~~ومعهم المراد خلعه، ويشهدون على أنفسهم أنهم خلعوه، ويبعثون مناديا بذلك فلا ~~تحتمل القبيلة جريرة له، ولا تطالب بجريرة يجرها أحد عليه. كما فعلت خزاعة بقيس ~~بن الحدادية الشاعر الجاهلي # 18 # وقد يكتبون بالخلع كتابا. # ومن أشهر حوادث الخلع قبل الإسلام خلع عمرو بن العاص من عشيرته، وكان قد ذهب ~~إلى الحبشة بتجارة في الجاهلية مع عمارة بن الوليد المخزومي واختصما في الطريق، ~~فأساء عمارة إلى عمرو فأضمر له الشر، وعمرو من بني سهم فكتب إلى أبيه أن يخلعه ~~ويتبرأ من جريرته إذا أذى عمارة ففعل، فخلعت كل من العشيرتين صاحبها وأرسلوا ~~بذلك مناديا إلى مكة. # 19 # وكان الخلعاء في البادية كثيرين، يجتمعون ويؤلفون عصابات من الصعاليك يقطعون ~~السبل ويتمردون على القبيلة. فلما جاء الإسلام أصبح تمردهم على الحكومة. فقد ~~كان يعلي الأحول من شعراء الدولة الأموية خليعا، يجمع صعاليك الأزد وخلعاءها ~~فيغير بهم على أحياء العرب ويقطع الطريق على السابلة. وكان بين تجار الرقيق من ~~يبتاع الخلعاء ويذهب بهم إلى بلاد الروم. ~~(7) العبيد في الجاهلية ~~(7-1) الاسترقاق # الاسترقاق قديم مثل قدم الإنسان؛ لأن الإنسان مفطور على الاستبداد، والقوي ~~يستعبد الضعيف. وكان الإنسان في أول عهد العمران إذا غلب عدوه وقبض عليه لا ~~يستعبده بل يقتله، إلا النساء فقد كانوا يستبقونهن للاستمتاع بهن. ثم صاروا ~~يستعبدون الأسرى ويستخدمونهم في حرث الأرض ورعاية ms0641 الماشية، أو نحو ذلك من ~~الصناعات، أو يبيعونهم بيع المتاع. ذلك كان شأنهم في عهد التمدن القديم في مصر ~~وأشور وبابل. وكان للاسترقاق سوق رائجة في الدولة الرومانية، فكانوا يأتون ~~بالأسرى بالمئات والألوف، ويبيعونهم بيع الأغنام ويعاملونهم معاملة الحيوانات. ~~ولما انتظم حال تلك الدولة، صاروا يتزوجون بالجواري، وبعد أن كان الروماني ~~يتصرف بعبيده كما يشاء من قتل أو جلد، أصبح قصاصه منوطا برأي القضاة، وإذا ~~بالغ السيد في ظلم عبده حكم القضاة عليه. # على أن العبيد ما زالوا كثيرين في ~~المملكة الرومانية، لا يخلو منهم بيت، وأكثرهم من الأسرى أو أبنائهم، ~~يستخدمونهم في المنازل ويعلمونهم الصناعات على اختلاف ضروبها، ويبيعونهم في ~~أسواق خاصة بالرقيق. ويختلف ثمن العبد عندهم من عشرين ريالا رومانيا إلى ~~أربعة آلاف ريال، ويقال نحو ذلك في سائر الممالك القديمة. فالفرس مثلا كانوا ~~يستعبدون الأتراك في الحرب ويتهادونهم، وقد يتهادون أبناء الأمراء منهم. ومما ~~ذكره التاريخ من ذلك أن أبرويز ملك الفرس أهدى إلى موريقس # Mouricius # ملك الروم مائة غلام من أبناء أراكنة ~~الترك في غاية الحسن والجمال، في آذانهم أقراط من الذهب فيها الدر واللؤلؤ، في ~~جملة هدايا أخرى. فأهداه ملك الروم هدية فاخرة، في جملتها عشرون جارية من بنات ~~ملوك برجان # Burgundians # والجلالقة # Gallicians # والصقالبة # Sclavs # والوشكنس # Gascons # من الأجناس المجاورة لبلاده على رؤوسهن أكاليل الجوهر. # 20 ~~(7-2) العبيد عند العرب # والعرب أيضا كانوا يستخدمون العبيد من أسرى الحرب، أو ممن يبتاعونهم من ~~الأمم المجاورة لجزيرتهم، كالحبشة وما حولها من الأمم المتوحشة. فكان النخاسون ~~يحملون العبيد والإماء من تلك البلاد وغيرها إلى جزيرة العرب، يبيعونهم في ~~أسواقها في المواسم، وكانت قريش تتجر بالرقيق مثل اتجارها بسائر السلع. ومن ~~أشهر النخاسين في الجاهلية عبد الله بن جدعان التيمي رئيس قريش في حرب الفجار، # 21 # فإذا اشترى أحدهم عبدا وضع في عنقه حبلا وقاده إلى منزله # 22 # كما تقاد الدابة. وإذا كان العبد أسير حرب جزوا ناصيته وجعلوها في ~~كنانتهم حتى يفتدي نفسه. وكانوا يبتاعون الأرقاء ويتهادونهم ms0642 ويتوارثونهم مثل ~~سائر الأمتعة، إلا إذا دبر المولى عبده أي: قال له: «أنت حر بعد موتي» فإنه ~~يكون حرا. وقد يخرجون العبيد في جملة صداق العرائس، وممن أخرج في الصداق بشار ~~بن برد الشاعر الإسلامي الشهير، فإنه كان هو وأمه لرجل من الأزد تزوج امرأة من ~~بني عقيل فساق إليها بشارا وأمه في صداقها. # 23 # وذلك يدل على كثرتهم، ولا سيما عند الأمراء والملوك حتى ليزيدون على المئات ~~والألوف. فقد وفد ذو الكلاع ملك حمير على أبي بكر ومعه ألف عبد غير من كان معه ~~من عشيرته. # 24 # ولم يكن شريف من أشراف العرب يخلو منزله من عبيد يستخدمهم في قضاء ~~حاجات منزله، فعبد الله بن أبي ربيعة كان له عبيد من الحبشة يقومون بجميع ~~المهن، وكان عددهم كثيرا وفيهم من يخرج للحرب. وقلما كانوا يثقون بأمانتهم # 25 # على أنهم كانوا يستعينون بهم في القتال، وكان لذلك شأن بعد ~~الإسلام. وكانوا يجعلون الحد على العبد نصف ما على الحر # 26 # وإذا شهد حربا لا يضرب لهم بسهم # 27 # بل يكون سهمه لسيده. # وكان من أصناف العبيد عندهم «القن»، وهو العبد الذي يعمل في الأرض ويباع معها ~~ويشبه ما يعرف باسم # Cerf # في المملكة الرومانية. ~~ومن العبيد من يدخل الرق بالمقامرة، كما اتفق لأبي لهب مع العاصي بن هشام، ~~فإنهما تقامرا على أن من قمر كان عبدا لصاحبه، فقمره أبو لهب فاسترقه واسترعاه إبله # 28 # وكانوا يسترقون المدينين أيضا. # وكانت العرب تتزوج الإماء، فإذا ولد لهم منهن أولاد استعبدوهم، فإذا أنجب ~~أحدهم ألحقوه بأنسابهم واعترفوا به وإلا بقي عبدا. وأشهر حوادث الاستلحاق على ~~هذه الصورة إلحاق عنترة العبسي بأبيه شداد، وهو ابن جاريته زبيبة. وكان شداد ~~نفاه فلما أنجب ألحقه بنسبه # 29 # وقصته مشهورة. وكان العرب قبل الإسلام لا يعتقون عبيدهم إلا لسبب ~~هام. وإذا أحب العبد العتق، استباع أي: طلب البيع، فإذا رضي صاحبه باعه لسواه. ~~أما بعد الإسلام فقد كثر الإعتاق لحكمة سياسية دينية سيأتي ذكرها. ~~(8) الموالي في الجاهلية ms0643 # المولى عند العرب وسط بين العبد والحر، والغالب فيه أن يكون عبدا معتقا، فكل ~~عبد أعتق صار مولى، وهو يشبه ما كان في الدولة الرومانية من العبيد المحررين ~~ويسمونهم # Libertines # وكل عبد أو أسير أعتقه صاحبه ~~فهو مولى له، وينسب إليه أو إلى قبيلته أو رهطه. فمولى العباس مثلا هو مولى بني ~~هاشم، وهو أيضا مولى قريش ومولى مضر . وقد ينسب المولى إلى بلد معتقه، فيقال: فلان ~~مولى أهل المدينة، أو مولى أهل مكة. والمولى عندهم كالقريب، ولكنهم يسمون قرابة ~~الأهل صريحة وقرابة المولى غير صريحة. ويطلق المولى على الصاحب والقريب وابن العم ~~والجار والحليف والابن والعم والنزيل والمحب والتابع والصهر وغير ذلك، وأكثرها يطلق ~~على المولى بسبيل المجاز. وأما عند التحقيق فالموالي ثلاثة أنواع: مولى عتاقة، ~~ومولى عقد، ومولى رحم. ~~(8-1) مولى العتاقة # فمولى العتاقة هو الذي كان أسيرا أو عبدا وأعتق، وكانوا يعتقون الأسير ~~مكافأة على إحسان، فيشترط الرجل على عبده مثلا إذا فعل كذا وكذا فهو حر، ويكون ~~مولى لمعتقه، وكان لذلك تأثير كبير في صدر الإسلام؛ لأن المسلمين كثيرا ما ~~كانوا يستعينون بالعبيد على أسيادهم بطريق الإعتاق. ومن أمثلة ذلك أن المسلمين ~~لما حاصروا الطائف في السنة الثامنة للهجرة وكادت تمتنع عليهم، أمر النبي # صلى الله عليه وسلم # مناديا فنادى: «أيما عبد نزل فهو حر وولاؤه لله ورسوله»، فنزل جماعة كبيرة # 30 # وقد يكون الإعتاق لسبب آخر. # إذا كان العبد من أسرى الحرب وأرادوا إعتاقه جزوا ناصيته وخلوا سبيله، فيصير ~~مولى لمالك تلك الناصية. ومن قول حسان بن ثابت شاعر النبي # صلى الله عليه وسلم # بعد واقعة ~~أحد جوابا على قول هبيرة بن أبي وهب: # ألا اعتبرتم بخيل الله إذ قتلت # أهل القليب ومن ألفينة فيها # كم من أسير فككناه بلا ثمن # وجز ناصية كنا مواليها # 31 ~~(8-2) المكاتبة # وقد يقع العتاق باتفاق بين العبد وصاحبه بالبيع، وهو ما يعبرون عنه ~~بالمكاتبة، وذلك أن يكتب العبد على نفسه صكا بثمن إذا سعى وأداه عتق، وقد ~~يجعل ms0644 الدفع أنجما «تقسيطا»، فأبو سعيد المقري أحد كبار التابعين كان عبدا ~~لرجل من جندع، وكاتبه على أربعين ألفا وشاة لكل أضحى فأداها. # 32 # قلنا: أن من أعتق عبدا كان ولاؤه له، ومعنى ذلك أنه يكون هو صاحب ولائه، ~~فينسب إليه، وإذا مات كان هو وارثه. على أنهم كانوا يشترطون أحيانا ألا يكون ~~ولاؤه لمعتقه، بل يكون لمن يؤدي ثمن المكاتبة. وقد تكون العتاقة «سائبة »، وهي ~~أن يعتق العبد ولا ولاء له. فكان الرجل إذا قال لعبده: «أنت سائبة» يعتق ولا ~~يكون ولاؤه لمعتقه، ويضع ماله حيث شاء. ومن أشهر المعتقين سائبة سالم مولى أبي ~~حذيفة بن عتبة، وأصله من اصطخر وكان مملوكا لبثينة امرأة أبي حذيفة، فأعتقته سائبة # 33 # على أن الإسلام نهى عن أن يكون الولاء لغير المعتق، فبريرة بنت ~~سعود الثقفية دخلت على عائشة أم المؤمنين تستعينها في كتابتها وعليها خمس أواق ~~نجمت عليها في خمس سنين، فقالت لها عائشة: «أرأيت إن عددت لهم عدة واحدة أيبيعك ~~أهلك فأعتقك فيكون ولاؤك لي؟» فذهبت بريرة إلى أهلها فعرضت ذلك عليهم، فقالوا: ~~«لا، إلا أن يكون لنا الولاء». قالت عائشة: «فدخلت على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فذكرت ذلك له فقال: اشتريها فاعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق» # 34 # إلا أن يشتري أحد ذلك الولاء من صاحبه فيصير الولاء إلى المشتري، ~~كما أصاب أبا معشر أحد أصحاب الحديث، فقد كان مكاتبا لامرأة من بني مخزوم، ~~فأدى وعتق ثم اشترت أم موسى بنت منصور الحميرية ولاءه. # 35 # ومن أسباب العتاقة عندهم التدبير، وذلك أن يقول الرجل لعبده: أنت حر بعد موتي ~~فلا يرثه أهله. ~~(8-3) مولى العقد # ويقال له أيضا: مولى حلف أو اصطناع، وذلك أن ينتمي الرجل إلى رجل بالخدمة ~~على اختلاف ضروبها، أو بالمحالفة أو المخالطة أو الملازمة على أن يتعاقب ذلك ~~أجيالا. ومن أمثلة الموالي بالمحالفة أو المخالطة اليهود في يثرب (المدينة) ~~فقد جاء الإسلام وهم يعدون من موالي الأوس والخزرج، فولاؤهم من قبيل الحلف، ~~ولولاء اليهود في ms0645 يثرب تاريخ يطول شرحه، خلاصته أن اليهود نزلوا قبل الميلاد ~~ببضعة قرون وتوطنوها قبل أن ينتقل إليها الأوس والخزرج من عرب اليمن، فلما ~~جاءوا إليها رأوا اليهود مستأثرين بالأرض والماشية فأقاموا في ضيق، حتى اتفق أن ~~أميرا منهم اسمه مالك بن عجلان استشار ملك غسان بالشام في شأنهم، وكأنه ~~استعانه عليهم فاتفقا على الكيد لهم. فجاء المدينة وفعل ذلك فذل اليهود وخافوا، ~~وأصبحوا إذا داهمهم أحد من الأوس أو الخزرج بشيء يكرهونه، لا يمشون بعضهم إلى ~~بعض كما كانوا يفعلون من قبل، بل يذهب كل منهم إلى جيرانه الذين هو بين أظهرهم ~~فيستجير بهم، فلجأ كل قوم من اليهود إلى بطن من الأوس أو الخرزج يتعززون بهم # 36 # ويحالفونهم على أنهم مواليهم، وفيهم من ينسب ولاءه إلى رهط خاص ~~كموالي بني النجار أخوال النبي # صلى الله عليه وسلم # أو موالي غيرهم من عرب المدينة. # ومن هذا القبيل أكثر موالي العرب بعد الإسلام، فقد كان العرب أهل السيادة ~~والشوكة، وأهل البلاد يلازمونهم بالخدمة أو المخالطة أو المعاشرة، فينسبون ~~إليهم، ويسمون ذلك ولاء الموالاة، وهي أن يقول شخص لآخر: «أنت مولاي ترثني إذا ~~مت، وتعقل عني إذا حييت»، فيقول الآخر: «قبلت». ولكل طبقة من العرب طبقة من ~~الموالي، فقد كان البرامكة مثلا من موالي الرشيد، ومن هم دونهم من العجم موالي ~~الأمراء، وهكذا. # وكان المولى في الجاهلية ربما كان نصرانيا أو يهوديا أو مجوسيا، لا فرق ~~في ذلك عندهم، فموالي النبي # صلى الله عليه وسلم # كان أحدهم حبشي الأصل والآخر يوناني الأصل ~~والآخر قبطي الأصل والآخر فارسي الأصل # 37 # وعدس مولى عتبة بن أبي ربيعة كان من أهالي نينوى وقتل يوم بدر على النصرانية # 38 # أما بعد ظهور الإسلام فأصبح الولاء خاصا بالمسلمين؛ لأن القرآن ~~نهى عن تولي اليهود والنصارى بالآية: # يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء # إلخ، وصاروا يعدون بعد الإسلام من أهل الذمة. ~~(8-4) مولى الرحم # وأما مولى الرحم فيكتسب الولاء بالزواج من موالي بعض القبائل، فينسب ms0646 إلى ~~القبيلة التي تزوج من مواليها. ومن أمثلة ذلك سديف الشاعر، فقد كان مولى خزاعة، ~~ثم ادعى ولاء بني هاشم؛ لأنه تزوج مولاة لآل أبي لهب (من بني هاشم). # 39 # وللموالي عند العرب أحكام عامة وأحكام خاصة، فأحاكمهم العامة أن المولى أحط ~~منزلة من الحر وأرفع من العبد، فهو حر لا يباع كالعبد لكنه لا يعامل معاملة ~~الحر في الزواج والميراث. فالمولى لا يتزوج حرة، ودية المولى نصف دية الحر # 40 # كأنه عبد. ويعامل نحو ذلك فيما يقع عليه من القصاص، فيجلد نصف حد ~~الحر. # وأما أحكامهم الخاصة فتختلف باختلاف نوع الولاء، وأهمها الإرث، فمولى العتاقة ~~يورث ولا يرث، ومولى العقد لا يرث ولا يورث، ومولى الرحم يرث ويورث # 41 # فمن أعتق عبدا كان الولاء له وهو يرثه؛ ولذلك يسمونه مولى النعمة. ~~وكان الرومانيون يرثون ثلث ما يملكه مواليهم، أو يكتسبونه بالعمل أو غيره، وإذا ~~لم يكن لهم من يرثهم من نسلهم ورثوا كل أموالهم. # 42 # وكان للموالي شأن في عصبية العرب قبل الإسلام، وقد عظم شأنهم في الإسلام، حتى ~~كانوا سببا في قلب الممالك ونقل السلطة من دولة إلى دولة. ~~(9) النزالة الأجانب في الجاهلية # كان معظم سكان جزيرة العرب من القبائل العدنانية والقحطانية ومن يتبعهم من العبيد ~~والموالي والخلفاء ونحوهم، وفيها أيضا جماعة من النزالة نزحوا إليها من الحبشة ~~والشام والعراق ومصر وفارس والهند، وفيهم الأحباش واليهود والروم والكلدان والعجم ~~والهنود وغيرهم. وكان بعضهم يتوالدون فيها ويتزوجون بأهلها، فيختلطون بهم وتضيع ~~أنسابهم فيهم، كالكلدان والسريان وغيرهم. وفيهم من يحالفونهم وينتمون إليهم كاليهود ~~والنصارى، ومنهم من يدخلون في جملة عبيدهم ومواليهم كالأحباش والفرس والهنود، فتضيع ~~أصولهم؛ ولذلك كان سكان جزيرة العرب عند ظهور الإسلام عربا صرفا، إلا بعض اليهود ~~كبني قينقاع والنضير وغيرهم، وشرذمات من نصارى الروم، وطائفة من الفرس الأحرار ~~يعرفون بالأبناء. ~~(9-1) الأبناء # هم طائفة من الفرس كانوا يقيمون في بلاد اليمن، ويعرفون بأبناء الفرس الأحرار ~~أو «الأبناء» تمييزا لهم عن الفرس الموالي. وأبناء الفرس الأحرار هم أبناء ms0647 ~~الجند الفارسي الذي جاء بلاد اليمن لنصرة سيف بن ذي يزن الحميري على الأحباش، ~~وكان الأحباش قد فتحوا اليمن واستولوا عليها، ففزع سيف المذكور إلى كسرى ملك ~~الفرس واستنجده في حديث طويل، فسير كسرى معه بضعة آلاف من جند الفرس ومعهم قائد ~~اسمه وهرز. فلما وصل الجيش إلى اليمن جرت الواقعة بينهم وبين الأحباش، فاستظهر ~~الفرس عليهم وأخرجوهم من البلاد، وملك سيف بن ذي يزن ووهرز أربع سنين. وكان سيف ~~قد اتخذ من الأحباش خدما، فخلوا به يوما وهو في الصيد وقتلوه وهربوا في رؤوس ~~الجبال، وطلبهم أصحابه فقتلوهم جميعا، وتضعضع أمر اليمن ولم يولوا عليهم أحدا ~~من العرب، فظلت سيادة الفرس عليها حتى ظهر الإسلام، وفيها عاملان من قواد الفرس ~~أحدهما اسمه فيروز الديلمي والآخر راذويه فأسلما. # فالجيش الفارسي لما استوطن اليمن تزوج ~~رجاله فيها وتناسلوا، ورزقوا الأولاد والأحفاد وعرفوا بالأبناء. واشتهر منهم في ~~صدر الإسلام طاوس بن كيسان أحد أعلام التابعين، ووهب بن منبه صاحب الأخبار ~~والقصص، ووضاح اليمن الشاعر وغيرهم. # وكان مثل هؤلاء الفرس أيضا في الشام ~~والعراق والجزيرة، واختلفت أسماؤهم باختلاف أماكنهم بعد الإسلام، فهم يسمون في ~~اليمن الأبناء كما رأيت، وفي صنعاء خاصة يسمون بني الأحرار، وفي الكوفة ~~الأحامرة، وبالبصرة الأساورة، وبالجزيرة الحضارمة، وبالشام الجراجمة. # 43 # وكان للأبناء شأن عند ظهور الإسلام، فتجندوا للمسلمين ونصروهم، ~~وظلوا مميزين عن سائر المسلمين غير العرب بأنهم غير الموالي. ~~(10) سياسة الدولة في الجاهلية # لم يكن للعرب دولة في جاهليتهم، إلا ما كان في اليمن من دول التبابعة مما لا يدخل ~~في بحثنا. وإنما نريد بسياسة الدولة عندهم القواعد التي كانت تدور عليها أحكامهم ~~ومعاملاتهم لحفظ علاقاتهم السياسية وآدابهم الاجتماعية، مما يقوم مقام القوانين ~~الإدارية والسياسية الدولية في الأمم المتمدنة. # فالرياسة عندهم أو الإمارة إنما ينالها أهل العصبية والجاه، وإذا تساوت العصبية ~~في جماعة قدموا أكبرهم سنا؛ ولذلك كان لفظ «الشيخ» عندهم يدل على الشيخوخة ~~والرياسة معا، وإذا أشكل عليهم الانتخاب لأي سبب عمدوا إلى الاقتراع. وكذلك إذا ~~اجتمعت عدة ms0648 قبائل في محالفة على حرب، واحتاجوا إلى من يرأسهم جميعا فإنهم يقترعون ~~بين أهل الرياسة، فمن وقعت عليه القرعة أسندوا إليه الرياسة ... ذلك هو شأن بدو العرب ~~وهم معظمهم. وأما حضرهم في مكة فالرياسة فيهم لسادن الكعبة، وقد تقدم ذكر مصالح ~~الحكومة عندهم في الجزء الأول من هذا الكتاب. # وكان في كل قبيلة بالجاهلية بيوتات تشتهر بالرياسة والشرف، فتمتاز عن سائر ~~القبيلة وتكون الرياسة فيها، كبيت هاشم بن عبد مناف من قبيلة قريش، وبيت آل حذيفة ~~بن بدر الفزاري من قيس، وبيت آل زرارة بن عدي من تميم، وبيت آل ذي الجدين بن عبد ~~الله بن همام من شيبان، وبيت بني الريان من بني الحرث بن كعب من اليمن. وقد امتازت ~~هذه البيوتات على قبائلها بالشرف؛ لتوالي ثلاثة آباء منها في الرياسة على الأقل. ~~ولأهل البيوتات نفوذ على سائر القبيلة: وكان أهل السياسة من رجال المسلمين يلاحظون ~~ذلك في تولية الحكام. ومن هذا القبيل وصية ابن عباس للحسن بن علي: «ول أهل البيوتات ~~تستصلح بهم عشائرهم». # والأمير البدوي مع سلطته المطلقة قلما يستبد في أحكامه، ويغلب أن يستشير أهل ~~بطانته وخاصته، على أنه لم يكن يحتجب عن أحد ولا يمتهن أحدا. يجالس جميع الناس ~~ويخالطهم، رفيعهم ووضيعهم. وهم لا يعرفون ألقاب التفخيم ولا نعوت التملق، فإذا خاطب ~~البدوي أميره ناداه باسمه وطالبه بحقه، بعبارات تشف عن عزة النفس وإباء الضيم، أو ~~هي أنفة البداوة، على أنهم كانوا يتكلمون على الأسنان، والأمير يخاطب رعاياه بألقاب ~~الوقار، كالأب والعم والخال والابن أو ابن الأخ، على ما تقتضيه الأسنان والأنساب. ~~وظل ذلك شأنهم في صدر الإسلام، ينادون الخليفة باسمه ويحاجونه في شؤونه، حتى إذا ~~تحضروا احتجبوا وتكبروا، فاتسع الفاصل بين المحكوم والحاكم. ~~(11) مناقب العرب في الجاهلية ~~(11-1) الوفاء # على أن العرب قلما كانوا يحتاجون إلى حاكم يفصل في الخصومة بينهم، لما فطروا ~~عليه من المناقب الجميلة التي تقوم فيهم مقام الحاكم الصارم، وتنزههم عن ارتكاب ~~الدنايا مما يغنيهم عن القضاء. وسيد هذه المناقب ms0649 «الوفاء»؛ لأنه إذا تأصل في ~~أمة أغناها عن القضاء - والحكومة إنما تقضي بين الذين لا يعرفون الوفاء. وكان ~~الوفاء متمكنا في خلق العربي، ويزيد تمكنا فيه كلما بعد عن المدن وأوغل في ~~الصحراء؛ لأن الغدر والنكث لا يعيشان إلا في القصور الشماء في ظل الحدائق ~~الغناء. # وترى الوفاء مطبوعا في أقوال أهل البادية وأشعارهم وأمثالهم، ويتجلى في ~~عاداتهم وأخلاقهم وفي سائر أعمالهم، وهو فيهم سجية وفي سواهم صناعة وتكلف. ~~وحكاية حنظلة الطائلي والنعمان بن المنذر تمثل هذه الخلة أحسن تمثيل، فإن حنظلة ~~وعد النعمان بالرجوع بعد عام لاستقبال الموت، فطلب النعمان من يضمنه فضمنه شريك ~~بن عدي، ولم يقدم شريك على ذلك إلا وهو يعتقد صدق البدو لاشتهارهم به. وقد وفى ~~حنظلة فجاء في الوقت المعين، لا جند يقوده ولا حراس تخفره، مما حمل النعمان على ~~العفو عنه وقصته مشهورة. # 44 # وأغرب من ذلك وفاء السموأل (صموئيل) بن عادياء، وكان امرؤ القيس الكندي قد ~~استودعه سلاحا وأمتعة تساوي مالا كثيرا، وسافر إلى بلاد الروم ومات قبل ~~رجوعه، فبعث ملك كندة يطلب الأسلحة والأمتعة المودعة عند السموأل، فلم يسلمها. ~~ولما ألح عليه أجابه: «لا أغدر بذمتي ولا أخون أمانتي ولا أترك الوفاء الواجب ~~علي». فجرد الملك عليه جيشا وحاصره في حصنه، فوقع ابن السموأل أسيرا عند ~~الملك، فهدد السموأل بقتل ابنه أن لم يسلم الوديعة، فأبى التسليم وقال: «ما كنت ~~لأخفر ذمامي وأبطل وفائي فافعل ما شئت». فذبح ولده و السموأل ينظر. فلما امتنع ~~الحصن على ملك كندة عاد خائبا، وأما السموأل فصبر على ما تحمله من الثكل ~~محافظة على الوفاء، ولم يسلم الوديعة إلا إلى ورثة امرئ القيس. # فمن كانت هذه مناقبهم قلت حاجتهم إلى القوانين، واستغنوا عن الجند والحرس ~~وخصوصا إذا أضفنا إليها علو الهمة وطيب النفس، وقلة احتمال الذل والسماحة ~~والكرم والنزاهة عن الدنايا ... فهذه كلها مناقب العرب أهل البادية. ~~(11-2) الجوار # ومن قبيل الوفاء بالعهد وحفظ الذمام أيضا «الجوار»، فإن البدوي يحافظ على ~~جاره محافظته على نفسه. ms0650 والمقصود بالجوار في الأصل أن يحافظ الرجل على جاره ~~القريب، وهو من قبيل التعاون الطبيعي حتى قيل: «جارك القريب ولا أخوك البعيد». ~~ولكن العرب توسعوا في ذلك حتى شقوا منه الإجارة والاستجارة والجوار، وكلها ~~بمعنى الحماية والحفاظ، مع أن أصل المادة «جار» يفيد عكس ذلك. واستعاروا الجوار ~~للحماية على الإطلاق، فإذا خاف أحدهم سوءا جاء إلى رجل يحميه، ويكفي أن يقول ~~له: «أجرني» فيجيره بقدر طاقته، وقد يفرط في أهله ولا يفرط في جاره. # ومن أمثلة ذلك أن الأعشى امتدح الأسود العنسي فأعطاه جائزة من الحلل والعنبر، ~~فرجع وطريقه على بني عامر فخافهم على ما معه من المال، فأتى علقمة بن علاثة ~~فقال له: «أجرني ...»، فقال: «قد أجرتك ...»، قال: «من الجن والإنس ...»، قال: «نعم ~~...»، قال: «ومن الموت ...» قال: «لا ...»، فتركه وأتى عامر بن الطفيل فقال له: ~~«أجرني ...»، قال: «قد أجرتك ...»، قال: «من الإنس والجن ...»، قال: «نعم ...»، قال: ~~«ومن الموت ...»، قال: «نعم ...»، قال: «وكيف تجيرني من الموت؟» قال: «إذا مت وأنت ~~جاري بعثت إلى أهلك الدية»، فقال: «الآن علمت أنك تجيرني». # 45 # وقد يجئ بعضهم ليستجير برجل فلا يجده في بيته، فيكفي أن يعقد طرف ثوبه إلى ~~جانب طنب البيت، فإذا فعل ذلك صار جارا ووجب على المعقود بطنب بيته للمستجير ~~به أن يجيره وأن يطلب له بظلامته. # 46 # ومن قبيل تعظيم الجوار والمحافظة عليه أن عامر بن الطفيل لما مات نصبت بنو ~~عامر أنصابا ميلا في ميل على قبره، لا ينشر فيه ماشية ولا يرعى ولا يسلكه ~~راكب ولا ماش، إشارة إلى ما كان عليه من المحافظة على الجوار في حياته. # 47 # وما زال الجوار مرعيا عند العرب بعد الإسلام، إلا من خالط الأمم الأخرى في ~~البلاد المفتوحة. على أن تأييد الدولة اقتضى ضعف الجوار؛ لأن أهل الوجاهة ~~أصبحوا من أهل الدولة، والرجل يومئذ إنما يستجير من حاكم يطلبه، فإذا استجار به ~~مظلوم قالوا: «إنما يجير الرجل على عشيرته، وأما على سلطانه فلا» خوفا على ~~مناصبهم، كما أصاب ابن مفرغ ms0651 لما هجا بني زياد واستجار بالأحنف بن قيس على عبيد ~~الله بن زياد، وهو يومئذ أمير البصرة فأبى الأحنف خوف العزل، وقال له: «إذا شئت ~~أن أجيرك من بني سعد فعلت»، فذهب إلى غيره من وجهاء العرب فأبوا إجارته لنفس ~~هذا السبب. # 48 ~~(11-3) الأريحية # ومن المناقب التي تغني العرب عن الوازع القهري أو القوة الحاكم «الأريحية»، ~~وهي من مقتضيات العصور الجاهلية البدوية، أو ما يجري مجراها من أحوال الفروسية ~~التي يعبر عنها الإفرنج بقولهم: # Chevalerie ~~، ~~ومرجع ذلك إلى التفاخر بالشجاعة والكرم وحسن الأحدوثة. وكان للأريحية شأن عظيم ~~عند العرب، لدقة شعورهم وسرعة تأثرهم؛ لأنهم أهل خيال وذوو نفوس حساسة، يقيمهم ~~البيت من الشعر ويقعدهم، وقد يسمعون الكلمة فتطير لها نفوسهم، وربما بذل العربي ~~حياته في سبيل كلمة يقولها، أو فرارا من كلمة يسمعها؛ ولذلك كثرت عندهم ضروب ~~المفاخرة، والمباهاة في المواسم والأندية، مما يرغب في الفضائل ويغني عن زجر ~~الحكام. # ومناقب العرب كثيرة، كالكرم والضيافة وعلو الهمة، مما لا دخل له في ~~موضوعنا. # | سياسة العرب في عصر الراشدين # من سنة 11-41ه ~~(1) الجامعة الإسلامية # قد رأيت أن العرب إنما كانوا يتفاضلون بالعصبة ويتفاخرون بالأنساب، فلما جاء ~~الإسلام كان في جملة ما بدله من أحوالهم أنه جمع كلمتهم وصاروا يدا واحدة على ~~اختلاف أنسابهم ومواطنهم. وبعد أن كان اليمني يفاخر الحجازي، والمضري يفاخر ~~الحميري، ونحو ذلك من مفاخرات القبائل والبطون والأفخاذ، جاء الإسلام فجمعهم تحت ~~راية واحدة باسم واحد هو «الإسلام»، فقال النبي: «المسلمون إخوة»، وقال في خطبة ~~ألقاها يوم فتح مكة: «يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها ~~بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب»، # 1 # وقال من خطبة في حجة الوداع: «أيها الناس، إن ربكم واحد وإن أباكم ~~واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، وأكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على عجمي فضل ~~إلا بالتقوى». # 2 # واقتدى بالنبي خلفاؤه الأولون، لا سيما عمر بن الخطاب، فإن جبلة بن الأيهم ملك ~~غسان بعد أن أسلم، اتفق ms0652 وهو يطوف بالكعبة أن فزاريا وطئ إزاره فانحل، فرفع جبلة ~~يده وهشم الفزاري، فشكاه إلى عمر فأراد أن يهشم أنف جبلة، فقال: «وكيف ذلك يا أمير ~~المؤمنين وهو سوقة وأنا ملك؟» فأجابه عمر: «إن الإسلام جمعك وإياه، فلست تفضله بشيء ~~إلا بالتقى والعافية»، فلم يحتمل جبلة ذلك فعمد إلى الفرار. # 3 # فيؤخذ من ذلك أن الجامعة الكبرى إنما هي الإسلام، ولكنهم كانوا يجعلون للعرب مزية ~~على سواهم من الأمم؛ لأنهم قوام الإسلام، وأوصى عمر بن الخطاب بأهل البادية خيرا؛ ~~لأنهم أصل العرب ومادة الإسلام # 4 # وقال: «إياكم وأخلاق العجم»، والإسلام نهضة عربية جمعت العرب على ~~العجم. وعمر أول خليفة فضل العرب وجعل لهم مزية على سواهم ومنع من سبيهم، ومن ~~أقواله: «قبيح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا، وقد وسع الله - عز وجل - وفتح الأعاجم»، ~~وفدى سبايا العرب من الجاهلية والإسلام إلى أيامه # 5 # عملا بالحديث: «لا سبأ في الإسلام». # وكان عمر لا يدع أحدا من العجم يدخل المدينة # 6 # وهو الذي قسم خيبر بين المسلمين وأخرج اليهود منها، وقسم وادي القرى ~~وأجلى يهود نجران إلى الكوفة # 7 # لتخلو جزيرة العرب من غير العرب. وكان كثير العناية بالجامعة العربية ~~يوصي العرب بحفظ أنسابهم لئلا تضيع عصبيتهم، ومن وصاياه: «تعلموا النسب ولا تكونوا ~~كنبط السواد إذا سئل أحدكم عن أصله قال: من قرية كذا ...». # 8 ~~(2) الجامعة العربية # ثم إن عمر، مع حرصه على الجامعة العربية واختصاص جزيرة العرب بها، قد حرض العرب ~~المسلمين على سكنى العراق والشام فقال: «ليست الحجاز لكم بدار إلا ~~على النجعة ... سيروا في الأرض التي وعدكم الله في ~~الكتاب أن يورثكموها» # 9 # لعلمه أن في العراق والشام عربا يتحدون معهم وينصرونهم. وكان عرب ~~العراق ناقمين على الفرس من أيام دولتهم، لما كانوا يسومونهم إياه من الاضطهاد. ~~وكانت ديانة بعض عرب العراق والشام النصرانية، ولكنهم فرحوا بالمسلمين وكانوا ~~ينصرونهم للعصبية العربية وليس للدين. وخصوصا عرب العراق فإنهم حاربوا مع المسلمين ~~ودلوهم على عورات الفرس - فأبو زبيد الطائي حارب ~~مع ms0653 المسلمين في واقعة الجسر حتى قتل وهو نصراني، وإنما حارب حمية للعرب. وجاء ~~المسلمين يوم واقعة البويب أنس بن هلال النمري في جمع عظيم من النمر - وهم نصارى - ~~وقالوا: «نقاتل مع قومنا»، # 10 # وكذلك فعل جماعة من تغلب وغيرهم حمية للجامعة العربية، بقطع النظر عن ~~الدين. # وكثيرا ما كان عرب الشام والعراق عونا للمسلمين في حروبهم، يرشدونهم وينصحونهم ~~ويحملون إليهم أخبار أعدائهم. فلما خرج الوليد بن عقبة غازيا لقيه الروم فقاتلوه، ~~فجاءه رجل من العرب نصراني وقال له: «إني لست من دينكم ولكنني أنصحكم للنسب، فالقوم ~~مقاتلوكم إلى نصف النهار، فإن رأوكم ضعفاء أفنوكم وإن صبرتم هربوا وتركوكم » # 11 # وقد نفعته هذه النصيحة. # ولم يكن عمر يجهل تلك الرابطة، فحرض المسلمين على فتح الشام والعراق. ولما رأى ما ~~كان من نصرة عرب العراق لهم عرف فضلهم، فلما هم المسلمون بوضع الجزية على أهل الذمة ~~وفي جملتهم عرب تغلب وإياد والنمر - وهم نصارى - أبى هؤلاء الجزية، وبلغ عمر ذلك ~~فاستشار أصحابه فقال له بعضهم: «إنهم عرب يأنفون من الجزية، وهم قوم لهم نكاية فلا ~~تعن عدوك عليك»، فوافق ذلك ما في نفسه ففرض عليهم الصدقة كما تفرض على المسلمين، ~~ولكنه شرط عليهم أن لا ينصروا أولادهم. # 12 # كل ذلك محافظة على الجامعة العربية، وكان يعد ذلك حقا واجبا. فلما سار ~~الوليد بن عقبة لفتح العراق والجزيرة، انضمت إليه عربها النصارى، إلا قبيلة إياد، ~~فإنهم تحملوا إلى بلاد الروم، فكتب الوليد إلى عمر بذلك، فكتب عمر إلى ملك الروم: ~~«بلغني أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك، فوالله لتخرجنه إلينا أو ~~لنخرجن النصارى إليك» فأخرجهم ملك الروم. # 13 ~~(3) الانسياح في الأرض # فعمر حرض العرب على فتح الشام والعراق توسيعا للجامعة العربية، والاستعانة بها ~~على الروم والفرس، ولكنه لم يأذن لهم بفتح ما وراءهما إلا في السنة السابعة عشرة أو ~~الثامنة عشرة، وهو ما يعبرون عنه بالانسياح في الأرض. فكانوا يتطلبون الفتح وقد ~~طابت لهم الغنائم واستلذوا النصر، فإذا استأذنوه في ms0654 فتح بلد مما وراء ذلك لم يأذن ~~لهم، كما وقع لعمر بن العاص لما أراد فتح مصر، وكان قد عرفها من أيام الجاهلية، ~~فلما فتحت الشام والعراق جاء إلى الخليفة عمر ورغبه في فتحها وقال له: «إنك إن ~~فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونا لهم، وهي أكثر الأرض أموالا وأعجز عن القتال ~~والحرب» فلم يجبه عمر، ولما ألح عليه أطاعه وهو يتردد وقال له: «سر ... إني مستخير ~~الله في سيرك، وسيأتيك كتابي إن شاء الله تعالى، فإذا أدرك كتابي آمرك فيه ~~بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها أو شيئا من أرضها فانصرف، وإلا أن دخلتها قبل أن ~~يأتيك كتابي فامض لوجهك واستعن بالله واستنصره». فسار عمرو بجنده مسرعا خوفا من ~~أن يأتيه كتاب الخليفة بالرجوع. فوصله كتابه في بلد قرب العريش خارج حدود مصر، فلم ~~يفتح الكتاب حتى نزل العريش وهي من مصر، ففض الكتاب وإذا نصه: «بسم الله الرحمن ~~الرحيم، من الخليفة عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص عليه سلام الله تعالى وبركاته، ~~أما بعد فإن أدركك كتابي هذا وأنت لم تدخل مصر فارجع عنها، وأما إذا أدركك، وقد ~~دخلتها أو شيئا في أرضها فامض واعلم أني ممدك»، فمضى حتى فتح مصر. # ولما فتح المسلمون الأهواز قال عمر: «ليت بيننا وبين فارس جبلا من نار لا يصلون ~~إلينا ولا نصل إليهم». ومن هذا القبيل نهيه المسلمين عن اجتياز البحر. وكان إذا هم ~~المسلمون بالنزول في بلد أو إنشاء معسكر في البلاد المفتوحة أوصاهم أن لا يقيموا في ~~مكان يفصل بينه وبين المدينة (مركز الخلافة) ماء، حتى إذا أراد أن يأتيهم أتاهم على ~~راحلته، مما يدل على رغبته في العصبية العربية على أن يكون مركزها في بلاد العرب. ~~ومع ذلك فلما لم ير بدا من الانسياح في الأرض أذن لقواده بالفتح، ولكنه ظل ~~على رأيه في القرشيين على الخصوص، فحصرهم في المدينة ومنعهم من الخروج وقال: «أخوف ~~ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد»، فإذا جاء الرجل منهم يستأذنه ms0655 في الغزو ~~أجابه: «قد كان لك في غزوك مع رسول الله ما يبلغك، وخير لك من غزوك اليوم أن لا ترى ~~الدنيا ولا تراك». كان يفعل ذلك بالمهاجرين من قريش فقط، فلما ولي عثمان خلي عنهم، ~~فلحق معظمهم بمعاوية في الشام وانتشروا في البلاد. # 14 # فسياسة عمر بن الخطاب في أوائل دولته كانت تقضي ببقاء العرب محصورين في جزيرة ~~العرب وما يليها من الشام والعراق، وأن يختص قريشا بالإقامة في المدينة؛ لأنها ~~مركز الإسلام وهم أساسه ومنشأه، على أنه لم يستطع وقف تيار الفتح فلم ير بدا من ~~الإذن في الانسياح. # فالعصبية التي قام بها الإسلام هي الجامعة العربية؛ ولذلك كان اللفظان مترادفين ~~في ذلك الحين، وخصوصا عند الأمم التي خضعت لسلطان المسلمين، فكانوا إذا قالوا: ~~«العرب» أرادوا «المسلمين»، وبالعكس. ولفظ «طيبوتا» عند السريان يدل على العرب ~~والمسلمين على السواء، والفرق بين هذه الجامعة قبل الإسلام وبعده أن العرب كانوا في ~~الجاهلية عصبيات عديدة تختلف باختلاف الأنساب، فأصبحوا بالإسلام عصبية واحدة تجمعها ~~كلمة العرب، وتركوا ذكر الآباء والأجداد عملا بما يقتضيه روح الإسلام. وكانوا في ~~جاهليتهم يتفاضلون بالأنساب، فأصبحوا في الإسلام يتفاضلون بالتقوى والجهاد في سبيل ~~الدين، فنشأت فيهم جامعات إسلامية فرعية لم يكن لها ذكر من قبل. ~~(4) طبقات عربية إسلامية # لما قام النبي # صلى الله عليه وسلم # بالدعوة الإسلامية، احتاج إلى من يسمع دعوته وينصره، ~~فاجتمع حوله جماعة من قبيلته صدقوه ونصروه، وهاجر بعضهم إلى الحبشة وهاجر الآخرون ~~إلى المدينة معه فعرفوا بالمهاجرين، وهم أقدم الطبقات الإسلامية. ولما جاء المدينة ~~وأقام فيها نصره أهلها وآمنوا بدعوته فسماهم «الأنصار» وهم طبقة أخرى، والطبقتان ~~معا تسميان «الصحابة» أي: الذين صحبوا النبي أو عرفوه. وتفرع من الصحابة جماعات ~~تعرف كل منها بجامعة خاصة لأحوال خاصة كان لها تأثير في نصرة الإسلام أو نشره. ~~فواقعة بدر كان لها شأن عظيم في تأييد الإسلام، فامتاز الصحابة الذين شهدوها عن ~~سائر المسلمين، ونسبوا إليها فسموا «البدريين» أو «أهل بدر»، وكذلك واقعة القادسية ~~التي كانت عنوان ms0656 فتح العراق وفارس، فإن الذين شهدوها عرفوا بأهل القادسية. وقد جعل ~~المسلمون لكل من هذه الطبقات أو الجماعات امتيازات خاصة، وفضلوا أهل بدر وأهل ~~القادسية بالعطاء على سائر المسلمين. # ويقال نحو ذلك في من شهد فتح مكة أو سواها من الوقائع الأخرى التي كان لها شأن في ~~الأحزاب الإسلامية، كواقعة الجمل وواقعة صفين، فإن شيعة علي يفضلون من رجالهم الذين ~~شهدوا واقعة الجمل؛ لأنهم انتصروا فيها ويسمونهم «أصحاب الجمل»، وشيعة بني أمية ~~يفضلون «أصحاب صفين» لمثل هذا السبب، وقد زاد معاوية عطاء هؤلاء عن سائر ~~أصحابه. # على أن الصحابة يتفاضلون أيضا في السبق إلى الهجرة، أو إلى البيعة، ومنهم أصحاب ~~بيعة العقبة وأصحاب الغار. والذين لهم صحبة قبل بيعة الرضوان يفرقون عمن صاحب ~~بعدها، ونحو ذلك مما يطول شرحه. ناهيك بالمناصب التي اقتضتها الأحوال الدينية أو ~~الإدارية، كالحفاظ والقراء والمؤلفة قلوبهم والعمال والقضاة والتابعين وتابعي ~~التابعين وغيرهم. # على أن عصبية النسب لم تذهب بعد الإسلام ذهابا تاما، ولكنها تحولت إلى وجهة ~~دينية، فأصبح أشرف الأنساب عندهم، أقربها إلى قبيلة النبي «قريش» فالنسب القرشي ~~أشرف الأنساب، وللقرشيين التقدم في المناصب والمراتب والعطاء وخصوصا بعد اشتهار ~~الحديث: «الأئمة من قريش» # 15 # فاعتقدوا الفضل للقرشيين على الناس كافة في كل شيء، حتى في أحوال ~~الحياة والولادة فقالوا: «لا تحمل لستين إلا قرشية، ولا تحمل لخمسين إلا عربية» # 16 # وإنه لا تكون بنت امرأة قرشية أمة # 17 # وأن القرشي لا يتزندق # 18 # وأنه لا ينبغي للقرشي أن يستغرق في شيء من العلم غير الأخبار # 19 # وظلت الرياسة في قريش لا ينازعهم فيها منازع إلى عهد غير بعيد. # وكان لكل من طبقات الصحابة المهاجرين والأنصار شأن خاص وحزب خاص، ولا سيما في ~~أيام بني أمية، إذ ذهبت دهشة النبوة وعاد الناس إلى عصبية الجاهلية، فاختصم ~~المهاجرون والأنصار وتذكروا ما كان بين العدنانية والقحطانية من التفاخر - ~~والمهاجرون من العدنانية (مضر) والأنصار من القحطانية (الأوس والخزرج) - فعادوا إلى ~~المنافسة وغلب انحياز كل من الطائفتين إلى أحد الأحزاب ms0657 التي نشأت في ذلك العهد، ~~فكان الأنصار مع علي ومعظم المهاجرين مع معاوية، وعادوا إلى المهاجرة والمفاخرة ~~بالأشعار وغيرها. # وكان الأنصار أهل المدينة من أشجع الناس وهم أهل الشورى، يعقدون الإمامة، وحكمهم ~~جائز على الأمة وهم شيعة علي وسائر أهل البيت. فلما قام معاوية يطلب الخلافة لنفسه ~~كانوا من أقوى مقاوميه، فكان رجاله يكرهونهم ويسعون إلى إذلالهم، وكثيرا ما كانوا ~~ينكرون عليهم هذا اللقب - يروى أن بعض الأنصار استأذنوا للدخول على معاوية في إبان ~~خلافته، فدخل الحاجب وقال: «هل تأذن للأنصار؟»، وكان عمرو بن العاص حاضرا فقال: ~~«ما هذا اللقب يا أمير المؤمنين؟ أردد الناس إلى أنسابهم». ~~(5) سياسة الخلفاء الراشدين # لم يكن للإسلام في عصر الراشدين دولة سياسية، بل هي خلافة دينية أساس أحكامها ~~التقوى والرفق والعدل، مما لم يسمع بمثله في عصر من العصور. ورجل هذا العصر، بل رجل ~~الإسلام على الإطلاق «عمر بن الخطاب»، فإن ما يروونه من أعماله وأحكامه يندر ~~اجتماعه في البشر، ومناقبه مدونة في الكتب ومشهورة. وأما أبو بكر فلا يقل عظمة عنه، ~~لولا قصر مدة حكمه، ويكفيه من الأثر في الإسلام قتاله أهل الردة؛ إذ رجع بعض الناس ~~عن الإسلام بعد موت النبي، فخاف المسلمون ذهاب دولتهم وهي لا تزال في طفولتها، فشمر ~~أبو بكر عن ساعد الجد وقاتل المرتدين وأيد الدين، وكذلك يقال عن علي ~~وعثمان. ~~(5-1) أبو بكر # وعصر الراشدين هو في الحقيقة عصر الإسلام الذهبي، ومناقب الخلفاء الراشدين ~~مشهورة بالزهد والتقوى والعدل. فقد أسلم أبو بكر وعنده من ماله أربعون ألفا، ~~وهي ثروة طائلة يومئذ، أنفقها كلها في سبيل الإسلام مع ما اكتسبه من التجارة. ~~وكان له في خلافته بيت مال ينفق كل ما فيه على المسلمين، ولما مات لم يجدوا فيه ~~غير دينار. وكان منزله في السنح بضواحي المدينة يغدو إليه على رجليه، ويندر أن ~~يركب فرسه. فإذا جاء المدينة صلى في الناس، فإذا جاء العشاء عاد إلى السنح. ~~وكان مع ذلك يغدو كل يوم إلى السوق يبيع ويبتاع، وكانت ms0658 له قطعة غنم تروح عليه ~~وربما خرج بنفسه فيها. وكان قبل الخلافة يحلب للحي أغنامهم، فلما صار خليفة سمع ~~جارية تقول: «الآن لا يحلب لنا منائح دارنا» فقال: «بلى لعمري لأحلبنها لكم، ~~وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه». وبعد خلافته بستة أشهر تحول إلى المدينة ~~وقال: «ما تصلح أمور المسلمين مع التجارة، وما يصلح إلا التفرغ لهم والنظر في ~~شؤونهم». فترك التجارة، فصار ينفق من مال المسلمين ما فرضوه له: 6000 درهم في ~~السنة. فلما حضرته الوفاة وصى بقطعة أرض كانت له، أن تباع ويصرف ثمنها عوض ما ~~أخذه من مال المسلمين. ~~(5-2) عمر بن الخطاب # أما عمر بن الخطاب، ففي أيامه فتحت البلاد وكثرت الغنائم، وانصبت خزائن كسرى ~~وقيصر بين يدي رجاله، ومع ذلك فإنه كان من الزهد والتقشف بما ليس بعده غاية، ~~حتى قيل: إنه كان يقف للخطابة وعليه إزار مرقع بجلد. وإذا أنفق عطاءه واحتاج ~~إلى المال أتى صاحب بيت المال فاستقرضه على أن يؤديه من عطائه. وكان شديد الحرص ~~على أموال المسلمين، لا ينفقها إلا في مصالحهم، ويتولى أمورهم بنفسه دينا ~~وسياسة، فيسعى في نشر الإسلام، ويعلم العرب قواعد الدين، فيطوف الأسواق ويقرأ ~~القرآن ويحرض الناس على التقوى، وإذا حرضهم على شيء بدأ بنفسه. ووضع على من ~~يشرب الخمر ثمانين ضربة، وكان يبعث أناسا من القراء يعلمون أهل البادية ~~القرآن، ثم يبعث من يمتحنهم فمن لم يقرأ شيئا منه عاقبه بالضرب، وربما فرط ~~الضارب حتى يقتل المضروب # 20 # وكان شديدا على عماله وقواده، يحاسبهم ويدقق في استطلاع أحوالهم، ~~فمن رأى فيه اعوجاجا قومه، لا يبالي من هو حتى خالد بن الوليد القائد الإسلامي ~~الشهير، فإن عمر نقم عليه لأمر يخالف قواعد التقوى، فاستقدمه إليه ووبخه وهدده ~~كأنه غلام وخالد لا يجيبه # 21 # وقد يضرب عامله بالدرة أو يوبخه، وليس فيهم من يرد في وجهه أو ~~يعترضه، وكان شديد العقاب على من يشرب الخمر، أو يطمع في أموال المسلمين. ومع ~~ذلك فقد كان يعامل الناس ms0659 معاملة الأب لبنيه، فيطعمهم على موائد يجفن لهم فيها ~~عشرة عشرة، وإذا غاب قواده تفقد بيوتهم وتعهد أهلهم بما يحتاجون إليه # 22 # وكان عادلا في الناس رفيقا بغير المسلمين. وكانت الدنيا في أيامه ~~مجمعة على الطاعة، والناس يدخلون في الإسلام أو يبقون تحت راية المسلمين عن رضى ~~وراحة، كأنه كان قابضا على شؤون الدولة وأعنة الحكومة بيد من حديد. فلما قتل ~~تزعزعت أركانها، ونقض كثير من أهل الأمصار وخصوصا خراسان وسجستان # 23 # وغيرهما من الأطراف البعيدة. ~~(5-3) عثمان بن عفان # وكان عثمان مثل سائر الخلفاء الراشدين، لولا ضعفه واستسلامه إلى بعض ذوي ~~قرابته من بني أمية، حتى نقم عليه سائر المسلمين، وخصوصا أهل المدينة لأسباب ~~تقدم بيانها وقتلوه، فاتخذ بنو أمية قتله حجة لطلب الخلافة لأنفسهم. على أن ~~عثمان أول خليفة اقتنى المال لنفسه، فقد ذكروا أنه كان عند خازنه 15000 دينار ~~و1000000 درهم، وله ضياع بوادي القرى وحنين وغيرهما قيمتها 100000 دينار، فضلا ~~عما خلفه من الخيل والإبل، وفي أيامه اقتنى الصحابة الضياع وابتنوا الدور ~~واختزنوا الأموال # 24 # وتعودوا الغنى والترف، فلما جاءهم على بعده بما كان عليه عمر من ~~الزهد والتقشف كابروه، وساعدهم على التمنع قيام معاوية وأطماعهم في الأموال، ~~وسيأتي بيان ذلك. ~~(5-4) علي بن أبي طالب # أما علي فحكاياته في الزهد والتقوى كثيرة، وكان شديد التمسك بالإسلام، حر ~~القول والفعل، لا يعرف الدهاء ولا يركن إلى الحيلة في شأن من الشؤون، وإنما همه ~~الدين وعمدته في أعماله الصدق والحق. فمن أمثلة تقشفه وزهده أنه تزوج فاطمة بنت ~~النبي وليس له فراش إلا جلد كبش كانا ينامان عليه بالليل ويعلقان عليه ناضحهما ~~بالنهار، ولم يكن عنده خادم يخدمه. وجاءه مال من أصبهان في أيام خلافته فقسمه ~~على سبعة أسهم، فوجد فيه رغيفا فقسمه على سبعة، وكان يلبس قطيفة لا تقيه ~~البرد. ورآه بعضهم يحمل تمرا في ملحفته قد اشتراه بدرهم، فقال له: «يا أمير ~~المؤمنين ألا نحمله عنك؟»، فقال: «أبو العيال أحق بحمله ...». ومن أقواله في كيف ms0660 ~~يجب أن يكون المسلمون قوله: «خمص البطون من الطوي، يبس الشفاه من الظمأ، عمش ~~العيون من البكاء». # 25 # ومن أمثلة عدله أنه رأى درعا له عند رجل فتقاضيا إلى شريح القاضي. ~~فوقف علي بجانب خصمه احتراما للعدل. وكان إذا بعث رجاله في حرب أوصاهم أن ~~يرفقوا بالناس وأن يكفوا الأذى عن النساء. # وكان شديدا في محاسبة رجاله حرصا على العدل والحق، كما كان يفعل عمر. ولو ~~تولى أمور المسلمين في زمن عمر، والناس في دهشة النبوة وصدق التدين؛ لكان نصيبه ~~من الحكم أطول، ولما بدا في تدبيره ضعف، ولكنه تولاها وقد فسدت النيات، وطمع ~~العمال في الأحكام، وأطمعهم وأدهاهم معاوية بن أبي سفيان، فإنه جمع الرجال حوله ~~بالدهاء والحيلة والبذل، وعلي يضيع الأحزاب بتدقيقه في محاسبة عماله وقواده، ~~والمبالغة في المحافظة على الدين وأسباب التقوى، ففارقه جلة الصحابة حتى ابن ~~عمه عبد الله بن عباس، وكان عاملا له على البصرة. فوشى به أبو الأسود الدؤلي ~~إلى علي، فكتب علي إلى ابن عباس بذلك ولم يذكر اسم الواشي، فأجابه: «أما بعد ~~فإن الذي بلغك باطل، وإني لما تحت يدي لضابط وله حافظ، فلا تصدق الظنين ~~والسلام». فكتب إليه علي: «أما بعد فأعلمني ما أخذت من الجزية، ومن أين أخذت، ~~وفيما وضعت». فكتب إليه ابن عباس: «أما بعد فقد فهمت تعظيمك مرزاة ما بلغك، إني ~~رزئته من أهل هذه البلاد، فابعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعن عنه والسلام»، ~~واستدعى أخواله من بني هلال بن عامر، فاجتمعت معه قيس كلها، فحمل مالا وقال: ~~«هذه أرزاقنا اجتمعت»، فتبعه أهل البصرة إلى مكة # 26 # ولم ينتفع علي به ولا بأحزابه فعلي لم يفعل بابن عمه غير ما كان ~~عمر يفعله بعماله، ولكن الأحوال كانت قد تغيرت، وقام معاوية يبتاع الأحزاب ~~بالعطاء ويجتذب القواد بالدهاء. # وزد على ذلك أن رجال عمر كانوا مثله غيرة وحمية. وكانت لا تزال فيهم الأريحية ~~والأنفة وحرية البداوة والوفاء، وجاء الإسلام فكمل الأسباب الباعثة إلى الاتحاد ~~والنهضة والقوة. # على أن ms0661 سياسة الراشدين على الإجمال ليست مما يلائم طبيعة العمران، أو تقتضيه ~~سياسة الملك، وإنما هي خلافة دينية وفقت إلى رجال يندر اجتماعهم في عصر، وإلى ~~أحوال يكفي منها الجامعة الإسلامية والحمية الدينية والأنفة البدوية والأريحية ~~العربية. فهذه كلها اجتمعت في عصر واحد وتلاءمت فأتت بالعجائب، فانتشر الإسلام ~~وفتح العالم في بضع عشرة سنة كما هو مشهور # 27 # فأهل العلم بطبائع العمران لا يرون هذه السياسة تصلح لتدبير ~~الممالك في غير ذلك العصر العجيب. وإن انقلاب تلك الخلافة الدينية إلى الملك ~~السياسي لم يكن منه بد - سنة الله في خلقه. ~~(6) انتشار العرب في الأرض # قد رأيت رغبة عمر بن الخطاب رجل الإسلام في جمع كلمة العرب، وتوثيق عرى الاتحاد ~~بين قبائلهم وتأكيد العلائق بين منازلهم، فحرضهم على فتح العراق والشام، لعلمه بما ~~هنالك من قبائل العرب. فإذا انضموا إلى عرب الحجاز واليمن زادوا الإسلام قوة. ولكنه ~~منعهم مما وراء ذلك، وأمرهم إذا بنوا بلدا في دار الفتح أن لا يبنوه في مكان يحول ~~بينه وبين المدينة ماء، خوفا على الجامعة العربية أن يزداد تباعد أطرافها فتتمزق، ~~ورغبة منه في استبقاء مركز الخلافة في المدينة دار الهجرة، على أن يستبقي البلاد ~~المفتوحة لاستدرار ما فيها من غلة أو مال لأهل الحجاز؛ ولهذا السبب أيضا نهى ~~المسلمين عن الزرع وشدد في منعهم اعتمادا على الحديث القائل: «السكة (المحراث) ~~ما دخلت دار قوم إلا دخله الذل» # 28 # ولأن الاشتغال بالزرع يشغلهم عن الحرب، وهو يريد أن يقيمهم حامية لجمع ~~الخراج والجزية واستبقاء السلطة، ولم تكن المدن التي بنوها في صدر الإسلام كالبصرة ~~والكوفة والفسطاط إلا حصونا أو معسكرات، ينزل فيها جند العرب نزول الحامية أو جيش الاحتلال؛ # 29 # ولهذا السبب أيضا أخرج غير المسلمين من جريرة العرب عملا بوصية النبي # صلى الله عليه وسلم ~~«أن لا يترك في جزيرة العرب دينان»، # 30 # وأن لا يأتي الحج أحد من المشركين # 31 # فأخرجهم وتخلص من خطرهم، إذ لو بقوا هناك على غير دين الإسلام لأقلقوا ~~الراحة، ms0662 وربما كانوا عونا لغير المسلمين كما كان نصارى الشام والعراق ينصرون الروم ~~بعد ذلك، كما سترى. # فكانت السياسة في صدر الإسلام أن يبقى ~~المسلمون في بلاد العرب وضواحيها، وكان القواد الذي فتحوا الشام والعراق قد ذاقوا ~~لذة الفتح مع سهولته عليهم، فلم يكفوا عن عمر حتى أذن لهم بفتح ما وراءه ذلك كما ~~تقدم، فكان عمر وهو في المدينة قابضا على أطراف الدولة يشدها نحوه، ورجاله يحاولون ~~الذهاب بها شرقا وغربا، حتى اضطر أخيرا إلى مجاراتهم وأذن بانسياحهم في الأرض، ~~فتفرق العرب وفتحوا مصر وفارس وأفريقية وغيرها. ولما تولى عثمان أطلق العنان لقريش ~~أن يخرجوا من المدينة، فخرجوا وتفرق العرب في الأرض وانتشروا في مصر والشام والعراق ~~وفارس وما وراءها، وعددهم يومئذ لا يزيد على 200000 نفس # 32 # وهم جند المسلمين وعليهم حماية مملكتهم الجديدة واستغلالها، وسكانها ~~يزيدون على مئة مليون ودولة الروم واقفة لهم بالمرصاد. ~~(6-1) الاستكثار بالتناسل # كانت العرب في الجاهلية قليلة العدد بالقياس على ما صارت إليه بعد الإسلام. ~~ذكروا أن أكبر جيش اجتمع في الجاهلية لم يزد عدد رجاله على ثمانية آلاف رجل، ~~وهو جيش يوم الصفقة # 33 # والذين تجندوا للإسلام وقاموا بنصرته كانوا في صدر الإسلام قليلين ~~كما رأيت، ومملكتهم الواسعة تحتاج إلى رجال، فعمدوا إلى الاستكثار بالتناسل، ~~وهو من قواعد العصبية العربية من أيام الجاهلية. فإن عبد المطلب جد النبي، لما ~~ظهرت قريش عليه، نذر لله إذا رزقه عشرة من الولدان يبلغون أن يمنعوه ويذودوا ~~عنه، أن ينحر أحدهم قربانا لله، فجاءه عشرة أولاد فاشتد أزره بهم. # فالمسلمون لما رأوا قلة عددهم، وما وقع في أيديهم من السبايا الروميات ~~والفارسيات والقبطيات، استكثروا من أمهات الأولاد، فضلا عن الزوجات، فكثر ~~نسلهم - والترف يزيد الدولة في أولها قوة بكثرة النسل - وتسابقوا إلى إحراز ~~الجواري، حتى إن بعضهم أحصن ثمانين امرأة معا، كالمغيرة بن شعبة فقد جمع في ~~منزله أربع نسوة و76 أمة # 34 # فلا غرابة إذا ولد لأحدهم خمسون ولدا أو مئة ولد أو أكثر. ذكروا ms0663 ~~أنه وقع للأرض من صلب المهلب 300 ولد # 35 # وخلف عبد الرحمن بن الحكم الأموي 150 ذكرا و50 أنثى # 36 # وخلف تميم بن المعز الفاطمي أكثر من مئة ذكر و60 أنثى # 37 # وكان لعمر بن الوليد تسعون ولدا منهم ستون يركبون الخيل # 38 # وولد لابن سيرين 30 ولدا من امرأة و11 بنتا # 39 # وقس على ذلك مما يطول شرحه، وفي التاريخ أدلة كثيرة على قيام ~~الدولة بعصبية الملك من الأولاد والإخوة والأعمام، كالعباسيين والأيوبيين ~~وغيرهم. ~~(6-2) انتشار العرب بالفتح # كان العرب في الجاهلية محصورين في جزيرة العرب وما يجاورها من جزيرة العراق ~~وضواحي الشام. فلما ظهر الإسلام اجتمعت كلمة العرب على نصرته، ونهضوا للفتح ~~وأوغلوا في البلاد وفتحوا الأمصار، ولم يكن زجر عمر ليوقف تيارهم فانساحوا في ~~الأرض، حتى نصبوا أعلامهم على ضفاف نهر الكنج شرقا وشواطئ المحيط الأطلسي ~~غربا، وضفاف نهر لوار شمالا وأواسط أفريقيا جنوبا، وملأوا الأرض فتحا ~~ونصرا، واحتلوا مدائن كسرى وقيصر ، وأقاموا في المدن وركنوا إلى الحضارة ~~وتعودوا الترف، واختلطت أنسابهم بتوالي الأجيال وضعفت عصبيتهم فضاعت سلطتهم. ~~والقبائل التي قامت بنصرة الإسلام ونشره قبائل مضر وأنصارها من العدنانية ~~والقحطانية، وإليك أسماء القبائل التي مهدت قواعد الدولة الإسلامية ونشرت الدين ~~الإسلامي بالفتح من أول الإسلام: # من ~~العدنانية # من ~~القحطانية # مضر # ربيعة # كهلان # حمير # قريش # تغلب بن وائل # الأوس والخزرج # قضاعة وبطونها # كنانة # بكر بن وائل # غسان # كلب # خزاعة # شكر # الأزد # سليح # أسد # حنيفة # همدان # تنوخ # هذيل # عجل # خثعم # بهراء # تميم # ذهل # مذحج # عذرة وغيرها # غطفان # شيبان # مراد # سليم # تيم الله # زبيد والنخع # هوازن # النمر بن قاسط وغيرها # الأشعريون # ثقيف # لخم وكندة # سعد بن بكر وعامر ابن صعصعة # على أن هذه القبائل لم تكن في أوائل الفتح تنزل القرى وتختلط بالناس، بل كانت ~~رابطة ثم اختلطوا وتفرقوا في الأرض، وأنفقتهم الدولة الإسلامية العربية، فنبا ~~منهم الثغور القصية وأكلتهم الأقطار المتباعدة، واستلحمتهم الوقائع وضاعت ~~أسبابهم بتوالي الأجيال حتى خرجت الدولة من أيديهم. ~~(6-3) انتشار العرب بالمهاجرة # على أن انتشار ms0664 العرب في الأرض لم يكن ~~بالفتح فقط، ولكنهم تفرقوا أيضا بالمهاجرة بأهلهم وخيامهم وأنعامهم، التماسا ~~لسعة العيش في البلاد العامرة من مملكتهم الجديدة. فقد جلت بطون من خزاعة إلى ~~مصر والشام في صدر الإسلام؛ لأن أرضهم أجدبت فمشوا يطلبون الغيث والمرعى # 40 # وكذلك كانت تفعل العرب كلما أصابها جدب، حتى كانت لهم أعوام خاصة ~~يجلون فيها إلى مصر والشام، يسمونها أعوام الجلاء # 41 # وكانوا يفعلون ذلك قبل الإسلام: إذا أجدبت أرضهم يمموا العراق ~~وفارس، فيعطيهم الفرس التمر والشعير، ولكنهم كانوا لا يقيمون هناك بل يرجعون ~~إلى بلادهم # 42 # خوفا من الذل في سلطان دولة أعجمية. أما بعد الإسلام فكان المقام ~~يطيب لهم في بلاد فتحها آباؤهم أو أعمامهم أو أخوالهم، وغرسوا عليها أعلامهم ~~وجعلوها فيئا لهم. # على أن الغالب في نزوح العرب عن أحيائهم وانتجاعهم المدن أو أكنافها، أن يكون ~~بإيعاز بعض الخلفاء أو الأمراء، وخصوصا بعد رجوع العرب إلى عصبية النسب بين ~~قحطان وعدنان، أو مضر وقيس في عهد الدولة الأموية. فكان الأمير أو الخليفة إذا ~~تولى بلدا وخاف على سلطانه من أمير آخر ذي عصبية أخرى، استقدم جماعة من ~~قبيلته، أو من ينتمي إليها بالحلف ونحوه، يسكنهم في ضواحي بلده لاستنصارهم عند ~~الحاجة، فيطلق لهم المرعى ويفرض لهم العطاء، كما حدث في ولاية الوليد بن رفاعة ~~على مصر في خلافة هشام بن عبد الملك الأموي، وكان هشام يقرب قبيلة قيس ~~(العدنانية)؛ لأنهم نصروه وأيدوا خلافته، ولم يكن منهم في مصر إلا بعض ~~البطون، وقيس قبيلة كبيرة تحتها عدة قبائل وبطون وأفخاذ، وأول من نبه هشام ~~إلى نقلهم عبيد الله بن الحبحاب، فإنه وفد عليه فسأله أن ينقل إلى مصر منهم ~~أبياتا، فأذن له في إلحاق ثلاثة آلاف منهم وتحويل ديوانهم إلى مصر، أي: أن ~~يقبضوا رواتبهم من حكومة مصر، على أن لا ينزلهم في الفسطاط، فأنزلهم في الحوف ~~الشرقي (الشرقية والدقهلية) ولا سيما في بلبيس وأمرهم بالزرع، # 43 # ثم تقاطروا بعد ذلك وتكاثروا فيها. ~~(6-4) بنو سليم وبنو ms0665 هلال # وقد يكون الباعث على استقدامهم وإقرارهم رغبة الأمير أو الخليفة في التخلص من ~~شرهم، كما فعل العزيز بالله الفاطمي ببني سليم وبني هلال، وهما بطنان من مضر، ~~كان رجالهما إلى زمن العزيز المذكور في القرن الرابع للهجرة لا يزالون أحياء ~~ناجعة أهل بادية، محلاتهم وراء الحجاز مما يلي نجد: بنو سليم من جهة المدينة، ~~وبنو هلال من جبل غزوان عند الطائف فكانوا يطوفون رحلة الصيف والشتاء أطراف ~~العراق والشام، فيغيرون على الضواحي ويفسدون السابلة، وربما أغار بنو سليم على ~~الحاج أيام الموسم بمكة وأيام الزيارة بالمدينة. ثم ظهر القرامطة فتحيز بنو ~~سليم لهم، وعاثوا في البلاد، وقد عجز الخلفاء العباسيون عن قمعهم. فلما أفضت ~~خلافة مصر إلى العزيز بالله الفاطمي، كان القرامطة قد تغلبوا على الشام، ~~فانتزعها العزيز منهم وردهم إلى قراهم في البحرين، ونقل أشياعهم من بني هلال ~~وسليم وأنزلهم بالصعيد، في العدوة الشرقية من نهر النيل، فأقاموا هناك. وكان ~~لهم أضرار في البلاد، والخلفاء يدارونهم ويبحثون عن وسيلة يتخلصون بها منهم. ~~فاتفق بعد سنين أن المعز بن زيري عامل الفاطميين في أفريقية، شق عصا الطاعة ~~وبايع للدولة العباسية، وقطع اسم الخليفة الفاطمي من الخطبة والطراز والرايات، ~~فعظم الأمر على الخليفة بالقاهرة، وهو يومئذ المستنصر بالله، فأشار عليه وزيره ~~أبو محمد الحسن بن علي اليازوري، أن يقرب إليه أحياء هلال وسليم المذكورين، ~~ويصطنع مشايخهم ويوليهم أعمال أفريقية، ويرسلهم لاستلام أمورها، فإذا فازوا ~~كانت إحدى الحسنيين، وإلا فإنه يتخلص من شرهم. فبعث الخليفة وزيره إلى هذه ~~الأحياء سنة 441ه وحرضهم على الذهاب إلى المغرب وتملكه، ففرحوا وأجازوا النيل ~~وساروا برا إلى برقة ففتوحها. ثم تبعهم غيرهم من بطون دياب وزغب طمعا في ~~الكسب، وأصبحت أفريقية مقر هذه القبائل من ذلك الحين، فاقتسموا البلاد فيما بينهم. # 44 # وقس على ذلك ما كان من انتقال العرب المسلمين إلى الأندلس بعد إتمام فتحها، ~~إذ صرف عرب الشام وغيرهم الهمم إلى الحلول بها لخصبها وطيب هوائها، فنزل بها من ~~أصول العرب وساداتهم جماعة ms0666 أورثوها أعقابهم، وفيهم قبائل من العدنانية والقحطانية # 45 # وكل قبيلة كانت تنزل البلد الذي يشبه بلدها بإقليمه ومرعاه. ناهيك ~~بما كان يتنقل من القبائل أو البطون في أثناء الحروب في عصر الأمويين للنجدة أو ~~نحوها. ~~(7) العبيد والموالي في الإسلام # للعبيد والموالي شأن كبير في الدولة الإسلامية، وقد أثروا في سياستها وجندها وفي ~~سائر أحوالها من العلم والأدب والفقه، فلا غرو إذا أفردنا الكلام عنهم فصولا ~~خاصة. ~~(7-1) الرق في الإسلام # قلنا: إن الاسترقاق عند العرب الجاهلية كان أكثره بالأسر أو الشراء، وأما في ~~الإسلام فأكثر الاسترقاق بالأسر، وخصوصا في أثناء الفتوح لكثرة من كان يقع في ~~أيديهم من الأسرى. فإذا غلبوا جندا أو فتحوا بلدا، أسروا رجاله وسبوا نساءه ~~وأطفاله، واقتسموا الأسرى والسبايا والغنائم، وهي كثيرة ربما زاد عدد الأسرى في ~~المعركة الواحدة على عشرات الألوف، فيختمون أعناقهم ويقسمونهم على الأسهم، وقد ~~يصيب الفارس من العرب مائة أسير ومائة جارية في واقعة واحدة، فيجتمع عند بعضهم ~~بتوالي الأيام ألف عبد أو أكثر # 46 # وهم عند الأمراء أكثر مما عند غيرهم، وقد تزايدوا على الخصوص بعد ~~عصر الراشدين. على أن الخليفة عثمان كان عنده ألف عبد. # 47 # والغالب في الأسرى إذا كانوا كثارا أن يباعوا بالجملة قبل تفريق الأسهم، ~~فينادون على الأسير بمائة درهم وأقل أو أكثر، وربما اقتضى لبيع أسرى معركة ~~واحدة عدة أشهر. ومن أكثر الفتوح أسرى وغنائم فتوح الأندلس، فقد ذكروا أنهم ~~ظلوا يبيعون الأسرى والغنائم بعد معركة هناك ستة أشهر # 48 # وتكاثرت الأسرى على المسلمين بعد واقعة عمورية، حتى نادوا على ~~الرقيق خمسة خمسة وعشرة عشرة للسرعة # 49 # وكثرت الأسرى والغنائم عليهم في واقعة الأرك بالأندلس، حتى بيع ~~الأسير بدرهم والسيف بنصف درهم. # 50 # على أنهم كانوا يعدون البلد المفتوح عنوة ملكا للفاتحين، بما فيه من ~~الناس والدواب والبساتين والأنهار والأشجار، وقد تمسك بنو أمية بذلك وبالغوا ~~فيه، كقول سعيد بن العاص: «السواد بستان قريش»، وقول عمرو بن العاص لصاحب ~~خربتا: «إن مصر فتحت عنوة وأهلها عبيدنا ms0667 ندير عليهم كيف شئنا». # 51 # والغالب في عامة الجند من المسلمين أن يبيعوا أسراهم ويحرزوا أثمانهم، لعجزهم ~~عن القيام بمعاشهم، فلم يكن يستبقي الأسرى في حوزته عبيدا إلا الأمراء، حتى ~~يفتديهم أهلهم أو يعتقهم هو لسبب من الأسباب. # ومن مصادر الرقيق في الإسلام - غير الأسر - أن بعض العمال، وخصوصا في ~~أفريقية وتركستان ومصر، كانوا يؤدون بعض خراج أعمالهم من الرقيق # 52 # وكان بعض أهل الذمة من البربر ونحوهم يقدمون بدل الجزية رقيقا من أولادهم # 53 # غير ما كان يقع في أيدي المسلمين من الرقيق الأصلي في جملة ~~الغنائم. # أما أحكام الأسرى في الإسلام فالخليفة (أو من يقوم مقامه) مخير بين أربعة ~~أشياء: إما القتل، وإما الاسترقاق، وإما الفداء بمال أو أسرى، وإما المن عليهم ~~بغير فداء، فإن أسلموا سقط القتل وكان الخليفة على خياره في أحد الثلاثة الباقية، # 54 # فكانوا يتصرفون في ذلك على ما تقتضيه الأحوال. # ومن ملك رقيقا بالأسر أو الشراء أو غير ذلك كان مخيرا في استبقائه أو بيعه ~~أو المن عليه بالعتق، ومن أعتق عبدا صار مولاه. وللعتق أسباب كثيرة ، أهمها في ~~الإسلام إظهار التقوى أو الغيرة على الدين، فإذا أسلم العبد وأظهر التقوى أطلقه ~~سيده، فقد أعتق عبد الله بن عمر بن الخطاب على هذه الصورة ألف عبد # 55 # وأعتق محمد بن سيلمان 70000 ~~مملوك ومملوكة، وقد يعتقونهم فداء عن يمين، أو وفاء لنذر، أو التماسا ~~للثواب، أو شكرا لله على نعمه، أو نحو ذلك. وكان بعض أهل الورع يبتاعون العبيد ~~ويعتقونهم ابتغاء مرضاة الله. وأقسم عمر بن أبي ربيعة لما أسن أن لا يقول بيت ~~شعر إلا أعتق رقبة، وقد نظم وبر بقسمه غير مرة، # 56 # وكانوا يعتقون العبيد ترغيبا لهم في الجهاد، كما فعل الجنيد بن ~~عبد الرحمن المري صاحب خراسان بهشام بن عبد الملك في واقعة الشعب، لما احتدم ~~الوطيس وخاف الجنيد الفشل، فصاح في العبيد: «أي عبد قاتل فهو حر»، فقاتل العبيد ~~قتالا أعجب منه الناس وانهزم الأعداء، # 57 # وكثيرا ما ms0668 كانوا يرغبون العبيد في نصرة الإسلام وهم عند أعدائهم ~~بأن يعدوهم بالعتق، كما فعل النبي # صلى الله عليه وسلم # يوم حصار الطائف، إذ قال: «كل عبد ~~نزل إلي فهو حر»، # 58 # وكما فعل المسلمون في بعض البلاد التي فتحوها، فكانوا يعدون عبيدها ~~بالعتق إذا أسلموا، فيدخل بعضهم في الإسلام على نية أن يرجعوا عنه بعد ذهاب ~~الحرب، ولكنهم لما أرادوا ذلك عدهم المسلمون مرتدين فحل حربهم. # على أن الإسلام جاء رحمة للأرقاء، فأوصى النبي بهم خيرا بقوله: «لا تحملوا ~~العبيد ما لا يطيقون، وأطعموهم مما تأكلون» # 59 # وقال: «لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي». # وفي القرآن الكريم: # واعبدوا الله ولا تشركوا ~~به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ~~واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار ~~الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت ~~أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا ~~فخورا ~~. والإسلام من الجهة الأخرى يحرض العبد على التقوى وحسن العبادة # 60 # وقد اختص العرب المسلمين بالنجاة من الرق والسبي بقول الأئمة: ~~«لا سبأ في الإسلام، ولا رق على عربي في الإسلام». ومن أحكام العبيد عندهم أن ~~يعاملوا معاملة نصف الحر ، فالعبد إذا أذنب ضرب نصف ما يضرب الحر # 61 # وإذا أحسن كانت جائزته لمولاه، والأسرى الذين يقعون في أيدي العرب ~~بالفتوح من أهل البلاد المفتوحة فيهم النصراني واليهودي والمجوسي والصابي ~~والسامري وغيرهم، فهؤلاء إما أن يفتديهم أهلهم، أو يبيعهم المسلمون لبعض تجار ~~الرقيق، أو يستبقوهم في خدمتهم لقضاء حاجات المنازل، أو رعاية الإبل أو ~~الماشية، أو لبري القسي ورمي النبل أو جمع النبال المتساقطة وقت القتال، أو ~~لرواية الشعر أو حفظ القرآن أو الحديث أو غير ذلك. فكانت قيمة العبد تختلف ~~باختلاف نوع صناعته، فالعبد الذي لا يعرف صناعة يساوي مائة دينار، فإذا كان ~~راعيا للإبل يحسن القيام بها يقدرون قيمته ب 200 دينار، فإذا كان عارفا ~~بصناعة النبل والقسي يباع بأربعمائة دينار، فإذا كان يحسن رواية الشعر صارت ~~قيمته 600 دينار. تلك أثمان العبيد في أواسط دولة بني ms0669 أمية. # 62 # وأما القن فهو العبد الذي يشتغل في الأرض، وهو خاص بالقرى، ويسمى المزارع ~~المقيم «فلاحا فرارا»، فإذا أقطعت أرضه، أو بيعت لأحد، أو دخلت في ملك أحد ~~بالفتح أو غيره، كان الفلاح تبعا لها وصار «عبدا قنا»، إلا أنه لا يرجو أن ~~يباع أو يعتق، ولا يستطيع مولاه ذلك لو أراد، بل هو قن ما بقي حيا، وكذلك ~~أولاده بعده، فإنهم يكونون عبيدا لمالك الأرض أو مقتطعها، وقد أشرنا إليه في ~~كلامنا عن العبيد في الجاهلية. ~~(7-2) الموالي في الإسلام # والباقون في الأسر إذا اعتنقوا الإسلام نجوا من الرق غالبا، إذ يغلب أن ~~يعتقوهم مكافأة لهم، ومن أعتق منهم صار مولى؛ ولذلك كان الموالي من المسلمين ~~غير العرب، استنكافا من استرقاق المسلم، ثم أطلقه بنو أمية على كل مسلم غير ~~عربي، فإذا قالوا: «الموالي» أرادوا المسلمين من الفرس وغيرهم الذين كانوا ~~مجوسا أو ذميين واعتنقوا الإسلام، أو كانوا ممن لازم العرب أو التجأوا إليهم، ~~ويسمونهم «الحمراء» فإذا قالوا: «الحمراء» أرادوا الموالي. والحمراء في القاموس ~~العجم، وهم كل من سوى العرب. # وأصبح الموالي في الإسلام طبقة خاصة من طبقات الهيئة الاجتماعية، كان لها شأن ~~عظيم في تاريخ الإسلام، ويمكن اعتبارهم من قبيل العصبية العربية، لقول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «مولى القوم منهم» # 63 # وقوله: «من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة ~~الله والملائكة والناس أجمعين» # 64 # وأهل الرجل عند العرب الموالي والذراري. ويثق الرجل بمولاه كما يثق ~~بابنه؛ لأنه لم يعتقه إلا حبا فيه، والموالي يعد عتقه منة لمولاه عليه، ~~فيترك نسبه إلى أهله وينتسب إلى مولاه، فيقال: فلان مولى فلان ولا يقال: ابن ~~فلان. أو ينتسب إلى قبيلته فيقال مثلا: ابن سريج مولى بني نوفل، ومحرز مولى ~~عبد الدار، وحكم الوادي مولى الوليد بن عبد الملك، وابن عياد مولى بني مخزوم، ~~وقس عليه؛ ولذلك كانت رابطة المولى بمولاه وثيقة، وخصوصا من يعيش من الموالي ~~في بيت مواليهم، ولكن الغالب أن يخرجوا لعمل يعملونه، ms0670 حتى إذا انتشبت حرب ~~اجتمعوا تحت لوائهم. # وللموالي فضل كبير في الإسلام؛ لأن معظم الحفاظ وأهل التفسير واللغة والشعر ~~وسائر العلماء وأكثر التابعين منهم، لاشتغال العرب عن هذه العلوم بالسياسة ~~والسيادة والتنازع على السلطة # 65 # ومعظم الموالي الذين خدموا العرب في صدر الإسلام من بقايا الفيء ~~والغنائم في فارس وغيرها. وأكثرهم كانوا غلمانا في جملة السبي، فربوا في ~~الإسلام ونبغوا فيه أو نبغ أولادهم - منهم أربعون غلاما كانوا يتعلمون الإنجيل ~~في عين التمر لما فتحها خالد بن الوليد، فغنمهم وبعثهم إلى أبي بكر بالمدينة ~~ففرقهم في أهل البلاد من جملة الغنائم، فاعتنقوا الإسلام وأعتقهم مواليهم فنبغ ~~من أولادهم جماعة كانوا عونا كبيرا للمسلمين في السياسة والحرب والعلم ~~والدين، منهم موسى بن نصير فاتح المغرب والأندلس فإن أباه منهم، وحمران مولى ~~عثمان بن عفان # 66 # وأيضا محمد بن إسحق صاحب المغازي والسير، فإن جده يسار منهم # 67 # وقس على ذلك سائر مشاهير الموالي الذين أصلهم من السبي في أثناء ~~الفتح أو بعده. # فأبو صفر من سبى دبا في أيام أبي بكر، وحماد الراوية أصل أبيه ديلمي من سبي ~~مكنف بن زيد الخيل # 68 # وسائب خاثر أصله من فيء كسرى، ومروان بن أبي حفصة الشاعر الشهير ~~أصله يهودي من سبي اصطخر # 69 # والهروي اللغوي المشهور أسير وقع في سهم عرب نشأوا في البادية # 70 # وابن الأعرابي سندي الأصل، وأبو دلامة كوفي أسود كان عبدا لرجل من ~~بني أسد فأعتقه # 71 # وقل نحو ذلك عن سائر حملة العلم في الإسلام. # وقد يكون المولى من أصل رفيع واسترقه الأسر ولم يتوفق له الفداء، فإن بعض ~~موالي المنصور من أولاد المرازبة # 72 # وأبو علي بن بذيمة الذي يروى عنه، وأبو زهير جد المطلب بن زياد ~~أصلهما من أبناء الأكاسرة، وقعا في الأسر يوم المدائن فأهداهما سعد الفاتح إلى ~~سمرة بن جنادة الصاحبي فأعتقهما ابنه جابر. # 73 # وانتقى أبو موسى الأشعري ستين غلاما من أولاد الدهاقين من سبي ~~بيروذ بفارس، وفرق بعضهم في المسلمين، غير الذين ms0671 افتداهم أهلهم. # 74 # وكان للخلفاء والأمراء ثقة كبرى بمواليهم، يعهدون إليهم بكل شؤونهم، فأكثر ~~حجاب الخلفاء الراشدين من مواليهم، لا فرق في أن يكون أصلهم فارسيا أو ~~ديلميا أو حبشيا أو روميا، فموالي أبو بكر أولهم بلال بن رباح كان عبدا ~~حبشيا لرجل من مكة، اشتراه أبو بكر بخمس أواق وأعتقه. وهو أول من أذن في ~~المدينة، وكان له مقام رفيع في الإسلام، وكذلك عامر بن فهيرة، وأبو نافع ومرة ~~بن أبي عثمان وغيرهم # 75 # وقس على ذلك موالي عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الخلفاء وكبار ~~الصحابة. وكلهم يستهلكون في سبيل مواليهم؛ لاعتقادهم الفضل لهم عليهم، وفي ~~التاريخ شواهد كثيرة من هذا القبيل على اختلاف الأعصر - من ذلك أن محمد بن يزيد ~~المهلبي، لما نشبت الفتنة بين الأمين والمأمون، كان هو من حزب الأمين، وأراد أن ~~يحفظ له الأهواز من أصحاب طاهر بن الحسين قائد جند المأمون فباغته طاهر بجنده ~~قبل أن يتحصن وضايقه، فالتفت المهلبي المذكور إلى مواليه وقال لهم: «ما رأيكم؟ ~~إني أرى من معي قد انهزم، ولست آمن خذلانهم ولا أرجو رجعتهم، وقد عزمت على ~~النزول والقتال بنفسي حتى يقضي الله بما أحب، فمن أراد الانصراف فلينصرف، ~~فوالله لأن تبقوا أحب إلي من أن تموتوا». ~~فقالوا : «والله ما أنصفناك إذن ... تكون قد أعتقتنا من الرق، ورفعتنا من الضعة، ~~وأغنيتنا بعد القلة، ثم نخذلك على هذا الحال؟ فلعن الله الدنيا والعيش بعدك؟». ~~ثم نزلوا فعرقبوا دوابهم واستقتلوا بين يديه. # 76 # على أن المولى لا يزال أحط مقاما من العربي. وكان الموالي في صدر الإسلام ~~يتولون كثيرا من مصالح الدولة التي تفتقر إلى أمانة وثقة، فضلا عن العلم ~~والدين. ولهم الرواتب السنية # 77 # لكنهم كانوا محرومين من المناصب الرفيعة التي تحتاج إلى شرف ~~وعصبية، كالقضاء مثلا، فإنهم كانوا يعدونه فوق مرتبتهم، فإن عمر بن عبد العزيز ~~لما أراد أن يولي مكحولا القضاء أبى وقال: «قال النبي: لا يقضي بين الناس إلا ~~ذو الشرف في قومه، وأنا مولى». # 78 # | سياسة ms0672 الدولة في عهد الأمويين # من سنة 41-132ه # قد رأيت مما تقدم أن سياسة الدولة في أيام الراشدين إنما كان قوامها الجامعة العربية، ~~وعمادها العدل والرفق والأريحية، ففتحوا العالم وأسسوا الدولة الإسلامية، وأخضعوا معظم ~~المعمور في بضع وعشرين سنة، ووجهتهم دينية وسلاحهم التقوى والحق، والعمل بالكتاب ~~والسنة، وغايتهم نشر الدين والتماس الثواب في الآخرة، وحكومتهم بالانتخاب والشورى، ~~وسترى في سياسة بني أمية ما يخالف ذلك من كل الوجوه. ~~(1) انتقال الخلافة إلى الأمويين # لما طمع بنو أمية في الخلافة، كانت قد أفضت إلى علي بن أبي طالب صهر النبي وابن ~~عمه، والمسلمون يعتقدون أنه أحق الناس بها، لقرابته من النبي وتقواه وشجاعته وعلمه، ~~وسابقته في الإسلام وفضله في تأييده. فتصدى له معاوية بن أبي سفيان، وكان أبوه ~~وإخوته من أشد الناس مقاومة للإسلام عند ظهوره، ولم يسلموا إلا بعد فتح مكة في ~~السنة الثامنة للهجرة، وإنما أقدموا على ذلك مضطرين، لما رأوا الإسلام قد تأيد في ~~جزيرة العرب ولم يبق سبيل إلى مقاومته. # وكان أبو سفيان والد معاوية زعيم أهل مكة، وقد حارب النبي في عدة أمكان. وجاهر ~~بعداوته وطعن فيه. فلما ظفر المسلمون في غزواتهم، واشتد آزرهم وهموا بفتح مكة ومشوا ~~حتى أقبلوا عليها، كان أبو سفيان وبعض كبراء قريش قد خرجوا منها يتجسسون . فلقيهم ~~العباس عم النبي، فقال له أبو سفيان وقد أسقط في يده: «لقد أصبح أمر ابن أخيك ~~عظيما»، فأشار عليه العباس أن يستأمن، فلم ير له حيلة في غير ذلك فاستأمن، ثم فتحت ~~مكة ولم يكن له بد من الإسلام فأسلم هو وأولاده وفيهم معاوية، وقد تألفهم النبي ~~بالعطاء ليثبتوا في إسلامهم. # 1 # المنافسة بين بني أمية وبني هاشم # والسبب في طلب معاوية للخلافة متصل بالجاهلية. وذلك أن بني عبد مناف هم أشرف ~~بطون قريش وأكثرهم عددا وقوة، وهم فخذان: بنو أمية وبنو هاشم، وكان بنو أمية ~~أكثر عددا من بني هاشم وأوفر رجالا، وكان لهم قبل الإسلام شرف معروف انتهى ~~إلى حرب بن أمية والد أبي ms0673 سفيان وجد معاوية. وكان حرب المذكور رئيسهم في واقعة ~~الفجار قبل الإسلام، وله جاه وشوكة في الفخذين جميعا، فلما جاء الإسلام، ~~والنبي من بني هاشم شق ذلك على بني أمية وكانوا من أقوى الساعين في مقاومته، ~~فلم يفلحوا ولكنهم حملوا النبي على الهجرة من مكة إلى المدينة، وقد نصره ~~الأنصار هناك وهم من القحطانية حتى استتب له الأمر، وقد مات عمه أبو طالب ~~وهاجر بنوه مع النبي إلى المدينة. ثم لحقهم أخوه حمزة ثم العباس وغيره من بني ~~عبد المطلب وسائر بني هاشم، فخلا الجو لبني أمية في مكة، واستغلظت رياستهم في ~~قريش، وزادت سطوتهم بعد واقعة بدر؛ إذ هلك فيها عظماء قريش من سائر البطون. ~~فاستقل أبو سفيان بشرف أمية بمكة والتقدم في قريش، وكان رئيسهم في واقعة أحد ~~وقائدهم في واقعة الأحزاب وما بعدها. فلما استفحل أمر المسلمين وفتحوا مكة ~~واستأمن أبو سفيان كما تقدم، رأى النبي من حسن السياسة أن يمن على قريش كافة ~~بعد أن ملكهم بالفتح عنوة، فمن عليهم وأطلق سبيلهم وقال: «اذهبوا فأنتم ~~الطلقاء» وفيهم معاوية، فأسلموا جميعا. # فلما مات النبي وتولى الخلافة أبو بكر، جاء القرشيون ومعظمهم من بني أمية، ~~وشكوا إليه ما وجدوه في أنفسهم من التخلف عن رتب المهاجرين والأنصار، فقال لهم ~~أبو بكر: «لقد جئتم الإسلام متأخرين، فأدركوا إخوانكم في الجهاد»، فجاهدوا في ~~حروب الردة. ولما تولى عمر بن الخطاب أدرك ما في نفوسهم، فخاف بقاءهم في ~~المدينة، فرمى بهم الروم ورغبهم في الشام، فاستعمل يزيد بن أبي سفيان عليها، ~~فانتقل معه سائر قريش، واستطابوا فاكهة الشام فأقاموا فيها حتى توفي يزيد ~~المذكور، فولى عمر مكانه أخاه معاوية. ولما تولى عثمان سنة 23ه أقر معاوية على ~~الشام، فاتصلت رياسة بني أمية على قريش في الإسلام كما كانت في الجاهلية، وبنو ~~هاشم مشتغلون بالنبوة وقد نبذوا الدنيا. # معاوية وعلي # وكان بنو أمية ينظرون إلى ما ناله بنو هاشم بالنبوة من السلطان والجاه، ~~ويتوقعون فرصة للقبض على أزمة الملك. فلما قتل عمر ms0674 بن الخطاب وأمر بالشورى، ~~اختار الصحابة عثمان بن عفان وهو من بني أمية، ولا يخلو فوزهم بهذا الانتخاب من ~~دسيسة أموية، وكان عثمان ضعيفا يؤثر ذوي قرابته في مصالح الدولة، فاغتنم ~~الأمويون ضعفه وتولوا الأعمال واستأثروا بالأموال، فشق ذلك على سائر الصحابة ~~فنقموا عليه، ثم استشهد بعد ذلك على ما هو معروف. # فاتخذ الأمويون قتله ذريعة للقبض على الخلافة، ورئيسهم معاوية بن أبي سفيان ~~عامل عثمان على الشام ومعه رجال قريش. وكان أهل المدينة قد بايعوا علي بن أبي ~~طالب، وجمهورهم الأنصار. فأصبح المسلمون يومئذ حزبين رئيسيين: ~~(1) # الأنصار ويريدون الخلافة لأهل بيت النبي # صلى الله عليه وسلم # جريا على ~~نصرتهم إياه يوم هجرته. ~~(2) # بنو أمية في الشام ويطلبونها لمعاوية ابن زعيمهم في ~~الجاهلية. # وجمهور الصحابة يرون الحق لعلي، فلم ير معاوية سبيلا إلى نيل بغيته إلا ~~بالدهاء والتدبير. وكان أدهى أهل زمانه بلا منازع. فنظر في الأمر نظرة رجل يطلب ~~الملك كما يطلبه أهل المطامع وطلاب السيادة في كل عصر بلا علاقة بالدين. وقد ~~ساعده على ذلك أن خصمه عليا كان يعتبر الخلافة منصبا دينيا، وهو زاهد في ~~الدنيا لا مطمع له في غير الثواب والحسني. وإن رجال معاوية قد ذهبت منهم حرمة ~~الدين، ونسوا دهشة النبوة وذاقوا لذة الثروة وتعودوا السيادة فاتسعت مطامعهم، ~~فأثمرت مساعي معاوية في اصطناع الأحزاب بقاعدة ذكرها في حديث دار بينه وبين ~~عمرو بن العاص: إذ قال معاوية: «لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت»، فقال ~~عمرو: «وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟»، قال: «إن هم شدوا أرخيت، وإذا أرخوا ~~شددت». # فأول شيء فعله معاوية أنه استعان بثلاثة من كبار الصحابة يعدهم المؤرخون أدهى ~~رجال العرب - ومعاوية أدهاهم جميعا - وهم: عمرو بن العاص، وزياد بن أبيه، ~~والمغيرة بن شعبة. ولولاهم لم يستتب له الأمر؛ لأن ابن العاص احتال في نجاته من ~~واقعة صفين، بعد أن كادت الدائرة تدور عليه، إذ ظهرت جيوش علي على جيوشه، ~~فأشار عليه عمرو بن العاص أن يرفع المصاحف لإيقاف الحرب، ms0675 ثم أشار بالتحكيم وخدع ~~أبا موسى الأشعري نائب علي في ذلك التحكيم فخلع عليا وبايع معاوية. ونال عمرو ~~في مقابل ذلك ولاية مصر طعمة له طول العمر. # 2 # وزياد بن أبيه رجل لا يعرف له أب، فلما رأى معاوية دهاءه قربه منه ~~وادعى أنه أخوه، واستلحقه بنسبه وسماه زياد بن أبي سفيان، في حديث طويل ذكرنا ~~خلاصته فيما تقدم. واستلحاق زياد أول عمل ردت به أعلام الشريعة الإسلامية علانية # 3 # وكان زياد عونا كبيرا لمعاوية في حفظ العراق وفارس. أما المغيرة ~~بن شعبة فهو أول من ضرب الزيوف في الإسلام وأول من رشى # 4 # وهو الذي حرض معاوية على مبايعة ابنه يزيد، وجعل الخلافة وراثية في ~~نسله وساعده على ذلك. # فهؤلاء وغيرهم من كبار القواد اكتسب معاوية مساعدتهم بالدهاء والأطماع، فأطعم ~~ابن العاص مصر، وأطعم المغيرة فارس، وجعل زيادا أخاه، وكان يتساهل في محاسبة ~~عماله ويغضي عن سيئاتهم # 5 # ويبالغ في إكرامهم. ولو رأوا من علي بعض ذلك لكانوا معه، ولكن ~~عليا كان دقيقا في محاسبتهم، متصلبا في رأيه لا يحيد عما يقتضيه ضميره - ~~كذلك كان يفعل أبو بكر وعمر، ولكن المسلمين كانوا في أيامهما لا يزالون في إبان ~~الحمية الدينية والأريحية العربية، ينصاعون لأوامر خليفتهم بكلمة؛ ولذلك عدوا ~~تصرف علي ضعفا منه. فلما رأوا ضعفه انحازوا إلى معاوية بعد أن كانوا معه، ~~وأولهم المغيرة بن شعبة، فهذا جاء عليا يوم بويع ومعاوية واقف له بالمرصاد، ~~فأشار عليه أن يحاسن معاوية ولا يعزله عن عمله في الشام، ريثما يستتب له الأمر ~~فيعزله إذا شاء، فلم يطعه علي، فعاد إليه في اليوم التالي وخادعه، وأشار عليه ~~أن يعزل معاوية ويفعل كما يشاء، ثم انحاز المغيرة إلى معاوية وصار من أكبر ~~أنصاره. # وقس على ذلك تصرف علي مع ابن عمه عبد الله بن عباس، وكيف كدره وأخرجه من ~~حوزته بتدقيقه كما تقدم. ولما قتل علي خلفه ابنه الحسن، فرأى نفسه عاجزا عن ~~منازلة معاوية، فتنازل له عن الخلافة سنة 41ه، فرسخت قدم ms0676 معاوية فيها. وسار بنو ~~أمية بعده على خطته، وسار العلويون على خطة علي، وكان الفوز دائما لأهل ~~الدهاء، فقضى العلويون معظم أيامهم خائفين شاردين، ومات أكثرهم قتلا مع أنهم ~~أهل تقوى ودين وحق، وأولئك على الضد من ذلك - مما يدلك على أن السياسة والدين ~~لا يلتحمان إلا نادرا، وما التحامهما أيام الراشدين إلا فلتة قلما يتفق مثلها. ~~على أننا لا نعد دولة الراشدين حكومة سياسية، وإنما هي خلافة دينية. ~~(2) رغبة بني أمية في السيادة # إن المحور الذي كانت تدور عليه سياسة بني أمية، والغرض الذي كانوا يرمون إليه، ~~إنما هو إحراز الخلافة والرجوع إلى السيادة التي كانت لهم في الجاهلية، بقطع النظر ~~عن وعورة المسالك المؤدية إلى ذلك، أو وخامة الأسباب التي تمسكوا بها. وقد فازوا ~~بغايتهم، فاتسعت المملكة الإسلامية في أيامهم واشتدت شوكتها، ما لم تبلغ إليه دولة ~~العباسيين بعدها. # 6 # وكانوا يطلبون السلطة على أن لا يشاركهم فيها أحد، وكان أشدهم فتكا ~~عبد الملك بن مروان يقول: «لا يجتمع فحلان في أجمة». # 7 # فرغبة بني أمية في السلطة على هذه الصورة، مع وجود من هو أحق منهم بها، جرهم إلى ~~ارتكاب أمور آلت إلى توجيه المطاعن إليهم. وقد ظهرت هذه الدولة وتغلبت على سائر ~~طلاب الخلافة في أيامهم بشيئين: العصبية القرشية، واصطناع العصبيات أو الأحزاب ~~الأخرى، وهما أساس كل ما ظهر من سياسة بني أمية كما سترى. ~~(3) العصبية العربية في عصر الأمويين ~~(3-1) العرب وقريش # كانت العصبية العربية في الجاهلية بين القبائل بحسب الأنساب، فلما جاء ~~الإسلام تنوسيت تلك العصبية، واجتمع العرب كافة باسم الإسلام أو الجامعة ~~الإسلامية، وما زالت الجامعة الإسلامية تشمل العرب على اختلاف قبائلهم وبطونهم ~~طول أيام الخلفاء الراشدين. حتى إذا طمع بنو أمية في الملك، وقبضوا على أزمة ~~الخلافة، استبدوا وتعصبوا للعرب، وحافظوا على مقتضيات البداوة وتمسكوا ~~بعاداتها، فظلت خشونة البادية غالبة على حكومتهم وظاهرة في سياستهم، مع ذهاب ~~مناقب البدو التي ذكرناها. وإنما حفظوا من أحوال جاهليتهم تعصبهم لقبيلتهم ~~«قريش»، وإيثار أهلهم على ms0677 سواهم. فجاشت عوامل الحسد في نفوس القبائل التي كان ~~لها شأن في الجاهلية وضاع فضلها في الإسلام، وخصوصا أهل البصرة والكوفة ~~والشام؛ لأن أكثر العرب الذين نزلوا هذه الأمصار جفاة لم يستكثروا من صحبة ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ولا هذبتهم سيرته ولا ارتاضوا بخلقه، مع ما كان فيهم من جفاء ~~الجاهلية وعصبيتها، فلما استفحلت الدولة إذا هم في قبضة المهاجرين والأنصار، من ~~قريش وكنانة وثقيف وهذيل وأهل الحجاز ويثرب، فاستنكفوا من ذلك وغصوا به لما ~~يرون لأنفسهم من التقدم بأنسابهم وكثرتهم، ومصادمة فارس والروم، مثل قبائل بكر ~~بن وائل وعبد القيس من ربيعة وكندة، والأزد من اليمن، وتميم وقيس من مضر، ~~فصاروا إلى الغض من قريش والأنفة عليهم، فعادت العصبية إلى نحو ما كانت عليه في ~~الجاهلية. # بدأت هذه العصبية بتعصب العرب كافة على قريش، حسدا لهم كما ذكرنا، ~~ولاستبدادهم بالسلطة دون سائر الصحابة أو التابعين مع استئثارهم بالفيء - إلا ~~الذين تألفهم معاوية من القبائل اليمنية أو العدنانية. وأول خلاف وقع بين ~~المسلمين من هذا القبيل حدث في أيام عثمان، ذلك أن سعيد بن العاص لما ولاه ~~عثمان الكوفة اختار وجوه الناس وأهل القادسية وقراء أهل الكوفة لمجالسته، ~~فكانوا يسمرون عنده وفيهم جماعات من كل القبائل. وكان بنو أمية وغيرهم من ~~الصحابة قد أخذوا في امتلاك العقار وبناء المنازل، وبنو أمية أطول باعا يومئذ ~~في ذلك لقرابتهم من الخليفة. فاتفق في إحدى مسامراتهم عند سعيد بن العاص أن ~~بعضهم ذكر جود طلحة بن عبيد الله أحد كبار الصحابة، فقال سعيد: «إن من له مثل ~~النشاستج لحقيق أن يكون جوادا، ولو كان لي مثله لأعاشكم الله به عيشا رغدا». ~~والنشاستج ضيعة في الكوفة كانت لطلحة، وهي عظيمة كثيرة الدخل اشتراها من أهل ~~الكوفة المقيمين بالحجاز بمال كان له بخيبر وعمرها فعظم دخلها. # 8 # فلما قال سعيد ذلك قام غلام من الحضور فقال له: «لوددت أن هذا الملطاط لك». ~~والملطاط ما كان للأكاسرة على جانبي الفرات مما يلي الكوفة. فنهض بعض ms0678 الحاضرين ~~من غير قريش وانتهر الغلام فاعتذر أبوه عنه وقال: «غلام فلا تجاوزه». فقال: ~~«كيف يتمنى له سوادنا؟» أي: سواد العراق فقال سعيد: «السواد بستان قريش». وكان ~~الأشتر النخعي حاضرا، وهو من اليمنية، وكان شديد التعصب لعلي بن أبي طالب، ~~فغضب وقال لسعيد: «أتزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ~~ولقومك؟» فقال عبد الرحمن الأسدي صاحب شرطة سعيد فقال للأشتر: «أتردون على ~~الأمير مقالته؟» وأغلظ لهم، فأشار الأشتر إلى رفاقه فوثبوا على الرجال فوطئوه ~~وطأ شديدا حتى غشي عليه، ثم جروا برجله ونضحوه بالماء فأفاق، فنظر إلى سعيد ~~وقال: «إن الذين انتخبتهم لمسامرتك قتلوني». فقال سعيد: «والله لا يسمر عندي ~~أحد أبدا». # 9 # فوقعت الوحشة بين قريش وسائر القبائل من ذلك الحين، وخصوصا بينهم وبين ~~اليمنية، ومنهم الأنصار. وثبت الأنصار في نصرة أهل البيت ضد أهلهم من قريش ~~مثلما فعلوا في أول الإسلام، إذ جاءهم النبي مهاجرا فرارا من أهله. ولما جرت ~~واقعة صفين سنة 37ه بين علي ومعاوية عدوها بين اليمنية «الأنصار» وقريش. فلما ~~احتدم القتال في تلك الواقعة قال رجل يمني من أنصار علي: «أيها الناس هل من ~~رائح إلى الله تحت العوالي (أي: السيوف)؟ والذي نفسي بيده لنقاتلنكم على تأويله ~~(القرآن) كما قاتلناكم على تنزيله»، وتقدم وهو يقول: # نحن ضربناكم على تنزيله # واليوم نضربكم على تأويله # ضربا يزيل المهاب عن مقيله # ويذهل الخليل عن خليله # أو يرجع الحق إلى سبيله # 10 ~~(3-2) القبائل اليمنية والمضرية # ثم صار أكثر اليمنية شيعة علي وأنصاره، إلا الذين تألفهم معاوية بالعطاء؛ ~~لعلمه أن اكتفاءه بقريش ونحوهم لا يجديه نفعا، فقرب منه قبيلة كلب وتزوج ~~منها بجدل أم يزيد ابنه، واستنصرهم على قتلة عثمان؛ لأن امرأة عثمان كانت ~~كلبية، واستغواهم بالمال فحاربوا معه، ولما فاز في حروبه ورسخت قدمه في الخلافة ~~تقربت منه قبائل كثيرة من مضر واليمن، وظلت كلب على نصرة يزيد ابنه بعده؛ لأنهم ~~أخواله. # فلما مات يزيد وابن الزبير في مكة يطالب بالخلافة، واختلف بنو أمية ms0679 على ~~اختيار خالد بن يزيد أو مروان بن الحكم (وكلاهما من أمية)، ووقع الخصام بين ~~دعاة ابن الزبير ودعاة بني أمية، كان أنصار ابن الزبير من قيس (مضرية) يدعون ~~لابن الزبير، وأنصار بني أمية بنو كلب (يمنية) يدعون لخالد بن يزيد؛ لأنه ابن ~~أختهم. ونهض أناس من بني أمية فاعترضوا على صغر سن خالد، فأجمعوا على بيعة ~~مروان لشيخوخته على أن تكون الخلافة بعده لخالد. ثم جرت واقعة مرج راهط بين ~~أصحاب مروان وأصحاب ابن الزبير، أي: بين كلب وقيس، وفاز مروان وثبتت قدمه في ~~الخلافة. ثم توفي مروان ولم يف لخالد، فخلفه ابنه عبد الملك بن مروان الشديد ~~الوطأة، وظلت كلب معه وقيس مضطغنة عليه، وانقسم العرب في سائر أنحاء المملكة ~~الإسلامية بين هذين الحزبين: قيسية وكلبية، أو مضرية ويمنية، أو نزارية ~~وقحطانية. وقامت المنازعات بينهما في الشام والعراق ومصر وفارس وخراسان ~~وإفريقية والأندلس. وفي كل بلد من هذه البلاد وغيرها حزبان: مضري ويمني، تختلف ~~قوة أحدهما أو الآخر باختلاف الخلفاء أو الأمراء أو العمال. فالعامل المضري ~~يقدم المضرية، والعامل اليمني يقدم اليمنية، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال، وله ~~تأثير في كل شيء من تصاريف أحوالهم، حتى في تولية الخلفاء والأمراء وعزلهم، ~~وكثيرا ما كانت الولاية والعزل موقوفين على الانحياز إلى أحد هذين ~~الحزبين. # فقد رأيت أن قبيلة قيس كانت على عبد الملك بن مروان، ولكنها كانت أول نصير ~~لابنه هشام، فنصرته فقربها وألحقها بالديوان أي: فرض لأهلها الرواتب والجرايات. ~~وفي أيامه نقل كثير من بطونها وأفخاذها إلى بلاد الإسلام وخصوصا مصر والشام. ~~وفي أيام هشام ارتفع شأن القيسية، وصارت سائر المضرية أنصارا لبني أمية، ولا ~~سيما لما قتل الوليد بن يزيد وأمه قيسية # 11 # فقام مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية يطالب بدمه رغبة في نصرتهم ~~ليشتد أزره بهم، فأجمع المضرية على نصرة مروان، وما زالوا كذلك إلى آخر أيامه، ~~فلما قامت شيعة بني العباس كانت اليمنية من أنصارها. # وكانت تحت هذين الحزبين الكبيرين أحزاب فرعية تتخاصم وتتحارب. ms0680 على أن مقام ~~قريش ما زال في كل حال محفوظا ومفضلا على مقام سائر القبائل شرفا ونفوذا، ~~فكانوا إذا خافوا عصيان بعض الولايات على عاملها ولوا عليها عاملا من قريش، ~~فيذعنون له ويجمعون على طاعته. # 12 # على أن قريشا كانوا منقسمين فيما بينهم، وأهم انقساماتهم بين بني أمية وبني ~~هاشم، فكان الناس يتعصبون لأحدهما على الآخر تبعا لغرضه أو وطنه، وكثيرا ما ~~كانوا يتشاجرون في هذا السبيل فيشغلون أوقاتهم بالمناظر والمفاخرة، حتى تحتدم ~~نار الخصام وتتحول إلى حرب يطير شرارها وتسفك فيها الدماء. وكانت قوة بني هاشم ~~في الحجاز والعراق، وقوة بني أمية في الشام، ويختلف هذا التحديد باختلاف ~~العصور. وكثيرا ما كان الخصام يبدأ بين الشعراء، واشتهر بعضهم على الخصوص في ~~هذه المطاعنات، وأشهر مناظراتهم في هذا السبيل ما كان بين سديف الشاعر، الذي ~~ينتسب بولائه إلى بني هاشم، فقد كان يتعصب لهم، وسياب الشاعر وكان يتعصب لبني ~~أمية، فكان هذان الشاعران يخرجان إلى ظاهر مكة يذكران المثالب والمعائب، والناس ~~ينقسمون في التعصب لهما، حتى تولد من ذلك عصبتان كبيرتان عرفتا بالسديفية ~~والسيابية، وتواصل ذلك إلى أيام الدولة العباسية، وتغير اسمهما إلى الحناطين والجزارين # 13 # وسديف هذا هو الذي قال شعرا بين يدي السفاح قتل به سليمان بن هشام ~~الأموي. ~~(4) عصبية العرب على العجم # وكما كان القرشيون في أيام بني أمية مقدمين على سائر قبائل العرب، فإن العرب على ~~الإجمال كانوا مقدمين على سائر الأمم الذين دانوا بالإسلام. ولم يكن هؤلاء يستنكفون ~~من ذلك، بل كانوا يعتقدون فضل العرب في إقامة هذا الدين، وأنهم مادته وأصله، ولا ~~كانوا يأنفون من أن يسموا العرب أسيادهم ويعدوا أنفسهم من مواليهم، بل كانوا ~~يعدون طاعتهم وحبهم فرضا واجبا عليهم، عملا بالحديث المأثور: «من أبغض العرب ~~أبغضه الله» # 14 # وكثيرا ما كانوا يعترفون بفضلهم عليهم في العقل والحزم وسائر المناقب، ~~فإن عبد الله بن المقفع المنشئ الشهير - وكان عريقا في النسب الفارسي - ضمه مجلس ~~في بيت بعض كبراء الفرس بالبصرة، وفيه جماعة من ms0681 أشراف العرب، فتصدى هو للكلام ~~فسأل بعض الحضور: «أي الأمم أعقل؟» فظنوه يريد أمته فقالوا: «فارس» فقال: «كلا ... ~~لأنهم وإن ملكوا الأرض وضمت دولتهم الخلق، لكنهم لم يستنبطوا شيئا بعقولهم»، ~~فقالوا: «الروم» فقال: «لا» حتى سئموا فقالوا: «قل أنت»، قال: «العرب. وإذا فاتني ~~حظي من النسبة إليهم فلا يفوتني حظي من معرفتهم. إن العرب حكمت على غير مثال مثل ~~لها ولا آثار أثرت عليها، أصحاب إبل وغنم وسكان شعره وأدم، يجود أحدهم بقوته ويتفضل ~~بمجهوده، ويشارك ميسوره ومعسوره، ويصف الشيء بعقله فيكون قدوة، ويفعله فيصير حجة، ~~ويحسن ما شاء فيحسن ويقبح ما شاء فيحسن فيقبح، أدبتهم أنفسهم ورفعتهم هممهم، ~~وأعلتهم قلوبهم وألسنتهم، فلم يزل حباء الله فيهم وحباؤهم في أنفسهم، حتى رفع لهم ~~الفخر وبلغ بهم أشرف الذكر، وختم لهم بملكهم الدنيا على الدهر، وافتتح دينه وخلافته ~~بهم إلى الحشر على الخير فيهم ولهم». ~~(4-1) العرب والموالي # فكان العرب يزدادون بأمثال هذه الأقوال افتخارا على سائر الأمم، وخصوصا على ~~المسلمين منهم، فكانوا يترفعون عنهم ويسمونهم الموالي كما تقدم. ومن أقوال ~~أهل العصبية للعرب على العجم: «لو لم يكن منا على المولى عتاقة ولا إحسان إلا ~~استنقاذنا له من الكفر، وإخراجنا له من دار الشرك إلى دار الإيمان، كما في ~~الأثر - أن قوما يقادون إلى حظوظهم بالسواحير. وكما قال: عجب ربنا من قوم ~~يقادون إلى الجنة بالسلاسل. على أننا تعرضنا للقتل فيهم، فمن أعظم عليك نعمة ~~ممن قتل نفسه لحياتك؟ فالله أمرنا بقتالكم وفرض علينا جهادكم ورغبنا في ~~مكاتبتكم». # وكانوا يكرهون أن يصلوا خلف الموالي، وإذا صلوا خلفهم قالوا: إننا نفعل ذلك ~~تواضعا لله. وكان نافع بن جبير التابعي الشهير إذا مرت به جنازة قال: «من ~~هذا؟»، فإذا قالوا: «قرشي» قال: «وا قوماه!»وإذا قالوا: «عربي» قال: «وا ~~بلوتاه!» وإذا قالوا: «مولى» قال: «هو مال الله يأخذ ما شاء ويدع ما شاء». # 15 # وكانوا يقولون: «لا يقطع الصلاة إلا ثلاثة: حمار، أو كلب، أو ~~مولى». وكانوا لا يكنونهم بالكنى، ولا يدعونهم إلا ms0682 بالأسماء والألقاب، ولا ~~يمشون في الصف معهم، ولا يدعونهم يتقدمونهم في المواكب، وإن حضروا طعاما قاموا ~~على رؤوسهم، وإن أطمعوا المولى لسنه وفضله وعلمه أجلسوه في طريق الخباز؛ لئلا ~~يخفى على الناظر أنه ليس من العرب، ولا يدعونهم يصلون على الجنائز إذا حضر أحد ~~من العرب - وسيأتي الكلام على أحكام الموالي في هذا العصر. # وكان العرب في أيام هذه الدولة يترفعون عن سائر الأمم من الموالي وأهل الذمة، ~~ويعدون أنفسهم فوقهم جبلة وخلقة وفضلا، وكانوا يسمونهم «الحمراء» كما تقدم، ~~وربما أرادوا بالحمراء الموالي على الخصوص. فكان العربي يعد نفسه سيدا على غير ~~العربي، ويرى أنه خلق للسيادة وذاك للخدمة؛ ولذلك لم يكن العرب يشتغلون في صدر ~~الإسلام إلا بالسياسة والحكومة، وتركوا سائر الأعمال لسواهم وخصوصا المهن ~~والصناعات. ومن أمثالهم «أن الحمق في الحاكة والمعلمين والغزالين»؛ لأنها ~~صناعات أهل الذمة # 16 # وتخاصم عربي ومولى بين يدي عبد الله بن عامر صاحب العراق فقال ~~المولى: «لأكثر الله فينا مثلك»، فقال العربي: «بل كثر الله فينا مثلك»، فقيل ~~له: «أيدعو عليك وتدعو له؟»، قال: «نعم، يكسحون طرقنا ويخرزون خفافنا ويحوكون ثيابنا». # 17 # ولم يكن العرب يعتنون بشيء من العلم غير الشعر والتاريخ؛ لأنه لازم للسيادة ~~والفتح، وأما الحساب والكتابة فقد كانت من صناعات الموالي وأهل الذمة؛ ولذلك ~~كان العمال في أيام بني أمية مع تعصبهم للعرب، قلما يولونهم الدواوين؛ لأنهم ~~كانوا لا يكتبون ولا يحسبون. # 18 # وكان الأمويون في أيام معاوية يعدون الموالي أتباعا وأرقاء. فلما تكاثر ~~الموالي أدرك معاوية الخطر من تكاثرهم على دولة العرب، فهم أن يأمر بقتلهم كلهم ~~أو بعضهم. وقبل مباشرة ذلك استشار بعض كبار الأمراء من رجال بطانته، وفيهم ~~الأحنف بن قيس وسمرة بن جندب، فقال لهما: «إني رأيت هذه الحمراء (يعني: ~~الموالي) وأراها قد قطعت على السلف، وكأني أنظر إلى وثبة منهم على العرب ~~والسلطان، فرأيت أن أقتل شطرا وأدع شطرا لإقامة السوق وعمارة الطريق، فما ~~ترون؟». فقال الأحنف: «أرى أن نفسي لا تطيب ... أخي لأمي وخالي ms0683 ومولاي وقد ~~شاركناهم وشاركونا في النسب»، وأما سمرة فأشار بقتلهم وطلب أن يتولى ذلك هو ~~بنفسه، فرأى معاوية أن الحزم في رأي الأحنف فكف عنهم. فاعتبر مقدار استخفاف ~~العرب بسواهم، وكيف يخطر للخليفة أن يقتل شطرا منهم بغير ذنب اقترفوه كأنهم من ~~الأغنام. # وكأن العرب سكروا بخمرة السيادة والنصر، بارتقائهم من رعاية الإبل إلى ~~سياسة الممالك في بضعة عشر عاما، فتوهموا في فطرتهم ما ليس في سواهم من ~~المناقب والسجايا كما توهم الرومان قبلهم، وكما يتوهم أهل هذا العصر في بعض ~~الأمم السائدة، فيعتقدون امتيازها بأصل فطرتها عن سائر الأمم، فتوهم العرب في ~~أنفسهم الفضل على سائر الأمم ... حتى في ~~أبدانهم وأمزجتهم فكانوا يعتقدون أنه لا تحمل في سن الستين إلا قرشية، ولا تحمل ~~لخمسين إلا عربية كما تقدم، وأن الفالج لا يصيب أبدانهم، ولا يضرب أحدا من ~~أبنائهم، إلا أن يبذروا بذورهم في الروميات والصقلبيات وما أشبههن فيعرض الفالج ~~لمن يلدنه؛ # 19 # ولذلك كانوا في أيام بني أمية شديدي العناية في حفظ أنسابهم من ~~شوائب العجمة، ومنعوا غير العرب من المناصب الدينية المهمة كالقضاء، فقالوا: ~~«لا يصلح للقضاء إلا عربي» # 20 # وحرموا منصب الخلافة على ابن الأمة ولو كان أبوه قرشيا، وكان ذلك ~~من جملة ما احتج به هشام على يزيد بن علي بن الحسين، إذ قام يطلب الخلافة لنفسه ~~فقال له هشام بن عبد الملك: «بلغني أنك تخطب الخلافة ولا تصلح لها؛ لأنك ابن أمة» # 21 # مع أن أمه من بنات ملوك فارس. وأول من ولي الخلافة من أبناء الإماء ~~يزيد بن الوليد الأموي سنة 101ه، وكانوا يسمون العربي من أم أعجمية «الهجين»، ~~ولا يزوجون الأعجمي عربية ولو كان أميرا، وإن كانت هي من أحقر القبائل. فإن ~~بعض دهاقين الفرس أراد أن يتزوج امرأة من باهلة كانت في بعض قصور الترك فأبت، ~~مع أن باهلة من أحقر قبائل العرب. ولم يكن أثقل على طباعهم من استرقاق العربي. # 22 # وكان فضل العرب على سواهم قضية مسلمة في صدر الإسلام ms0684 لا تحتاج إلى دليل، فلما ~~بالغ بنو أمية في الاستخفاف بغير العرب وقد ذهبت دهشة النبوة، أخذ هؤلاء في ~~التذمر ونصروا آل علي والخوارج وغيرهم من أعداء الأمويين، وهان عليهم الرد ~~على العرب في مفاخراتهم، فنشأ من ذلك طائفة يعرفون بالشعوبية، لا يعترفون بفضل ~~العرب على سواهم، وتصدوا لدفع حجج القائلين: بفضل العرب على سائر الشعوب. ولم ~~يكن الشعوبية يستطيعون الظهور في أيام بني أمية # 23 # فلما أفضت الخلافة إلى بني العباس وانحط شأن العرب بعد قتال ~~الأمين والمأمون، ظهروا وألفوا الكتب في مثالب العرب، كما سيأتي. ~~(4-2) آثار بني أمية في الإسلام # فالدولة الأموية كانت شديدة الحرص على منزلة العرب، كثيرة العناية في حفظ ~~الأنساب، فجعلت في كل ديوان من دواوينها سجلا يقيدون فيه من يولد من أبناء ~~العرب المقيمين في البلاد المفتوحة # 24 # وهي التي جعلت الإسلام دولة، وقد كان في أيام الراشدين دينا، فصار ~~على عهد الأمويين عصبية وسيفا، ثم صار دولة أيدوها بنشر اللغة العربية في ~~المملكة الإسلامية، بنقل الدواوين من القبطية والرومية والفارسية إلى العربية. ~~وبعد أن كانت مصر قبطية والشام رومية والعراق كلدانية أو نبطية، أصبحت هذه ~~البلاد بتوالي الأجيال عربية النزعة وتنوسيت لغاتها الأصلية، وهي تعد الآن من ~~البلاد العربية، وإذا نزلها التركي أو الإفرنجي أو غيرهما من أي أمة كانت ~~وتوالد فيها عد نسله عربيا. # وظل العرب في أيام بني أمية على بداوتهم وجفائهم. وكان خلفاؤهم يرسلون ~~أولادهم إلى البادية لإتقان اللغة واكتساب أساليب البدو وآدابهم ، # 25 # وظل كثير من عادات الجاهلية شائعا في أيامهم، كالمفاخرة والمباهلة ~~ومناشدة الأشعار في الأندية العامة، فكان أشراف أهل الكوفة يخرجون إلى ظاهرها ~~يتناشدون الأشعار ويتحادثون ويتذاكرون أيام الناس. وكان خارج البصرة بقعة يقال ~~لها: المربد، يجتمع إليها الناس من البصرة وغيرها يتناشدون الأشعار ويتحادثون # 26 # كما كانوا يفعلون في عكاظ. وكان في المربد حلقات للعلماء أو ~~الشعراء يجتمع عليهم الطلبة أو المريدون، في جملتها حلقة كانت لراعي الإبل. ~~والفرزدق وجلساتهما بأعلى المربد # 27 # وقس على ms0685 ذلك ما كان يقع هناك من المفاخرة والمناضلة، كأنهم ~~بعصبيتهم إلى ما كانوا عليه قبل الإسلام. ولم يبلغ العرب من العز والسؤدد ما ~~بلغوا إليه في أيام هذه الدولة، وقد تكاثروا على عهدها وانتشروا في ممالك ~~الأرض. ~~(5) العصبية الوطنية في عصر الأمويين # لم يكن للعرب قبل الإسلام جامعة وطنية يجتمعون بها أو يدافعون عنها؛ لأنهم كانوا ~~لا يستقرون في وطن؛ لتغلب البداوة على طباعهم وتنقلهم بالغزو والرحلة. فلما أسلموا ~~وفتحوا البلاد ومصروا الأمصار وابتنوا المدن وأقاموا فيها، تحضروا ونشأت فيهم ~~الغيرة على تلك المواطن والدفاع عنها والتعصب لها، وهي ما عبرنا عنه بالعصبية ~~الوطنية. ~~(5-1) تحضر العرب بعد الفتح # وقد تدرج العرب إلى الحضارة تدريجا، ولم يكن ذلك مقصودا في بادئ الرأي ~~وإنما سيقوا إليه بطبيعة العمران؛ لأنهم كانوا في صدر الإسلام لا يزالون على ~~بداوتهم، وإذا ساروا للفتح ساقوا معهم أولادهم ونساءهم وإبلهم وسائمتهم كما ~~كانوا يتغازون في أيام جاهليتهم، وإذا فتحوا بلدا نصبوا خيامهم في ضواحيه ~~والتمسوا المراعي لإبلهم وخيلهم. وقد نهاهم عمر عن الزرع، فكأنه نهاهم عن ~~التحضر رغبة منه في استبقائهم جندا محاربا، لا يمنعهم عن الجهاد عقار ولا ~~بناء، ولا يقعدهم عن القتال ترف ولا قصف. فكانوا يقيمون في معسكراتهم بضواحي ~~المدن كما تقيم جيوش الاحتلال في هذه الأيام، وكانوا يعبرون عن ذلك بالحامية أو ~~الرابطة. فكان المسلمون في عصر الراشدين فرقا تقيم كل فرقة في ضاحية مدينة من ~~المدن الكبرى وتسمى جندا. وكانت عساكر الشام أربعة أجناد، تقيم في ضواحي دمشق ~~وحمص والأردن وفلسطين ومنها تسمية هذه الأقاليم بالأجناد. وعساكر العراق كانت ~~تقيم على ضفاف الفرات مما يلي جزيرة العرب، في معسكرين صارا بعدئذ مدينتين هما: ~~البصرة والكوفة. وكانت جنود مصر تقيم في معسكر على ضفاف النيل في سفح المقطم ~~مما يلي بلاد العرب، حيث بنيت الفسطاط بعد ذلك. # وكان العرب (أو المسلمون) يقيمون في تلك المعسكرات بأولادهم ونسائهم، لا ~~يختلطون بأهل القرى، حتى إذا جاء الربيع يسرحون خيولهم للمرعى في القرى، يسوقها ~~الأتباع ms0686 من الخدم أو العبيد ومعهم طوائف من السادات. فإذا فرغوا من رعاية الخيل ~~عادوا إلى خيامهم، وهم إلى ذلك الحين أهل بداوة وغزو، ومركز دولتهم في المدينة ~~وفيها مقر الخليفة وإليها مرجع المسلمين عند الحاجة. # فلما طال مقامهم في تلك المعسكرات، وأفضت الخلافة إلى بني أمية ورغبوا في ~~الشام عن الحجاز، هان على المسلمين إغفال أمر المدينة وسائر الحجاز وطاب لهم ~~المقام في الشام وسائر الأمصار، وأغفلوا وصية عمر فاقتنوا الأرض والضياع وغرسوا ~~المغارس، فتحولت تلك المعسكرات بتوالي الأجيال إلى مدن عامرة، أشهرها البصرة ~~والكوفة والفسطاط والقيروان من المدن التي بناها المسلمون، غير المدن القديمة ~~التي استوطنوها في الشام ومصر والعراق وفارس وغيرها. وما زالوا حتى اقتنوا ~~المغارس والضياع، وابتنوا المنازل والقصور، واشتغلوا بالزرع وتعلموا أشغال أهل ~~المدن من تجارة وصناعة. # تدرجوا إلى ذلك في أعوام متطاولة، لاستغنائهم عن الريع لمعاشهم؛ لأنهم كانوا ~~في صدر الإسلام شركاء فيما يرد على بيت المال من الفيء أو الغنائم من العراق ~~وغيره من البلاد المفتوحة، ولكل مسلم الحق في ذلك الفيء حيثما كان مقامه. فأهل ~~المدينة مثلا يتمتعون بفيء العراق، وكذلك أهل الشام. # فلما بدأوا بالاستيطان في أواخر عصر الراشدين، وأراد أهل كل مصر أن يستقلوا ~~بمصرهم، كان ذلك مجحفا بأهل المدينة؛ لأن معاشهم من فيء البلاد المفتوحة، ~~فشكوا ذلك إلى الخليفة إذ ذاك عثمان بن عفان، وطالبوه بفيئهم من الأرض بالعراق، ~~فاستبدله لهم من أهل العراق بأرض كانت لهؤلاء في الحجاز أو اليمن أو غيرهما من ~~بلاد العرب. # 28 ~~(5-2) تعصب المدن الإسلامية بعضها على بعض # ومما زاد المسلمين إيغالا في العصبية الوطنية انقسام الأحزاب السياسية يومئذ ~~باعتبار المدن. وأول خلاف وقع بين بلدين إسلاميين الخلاف الذي وقع بين الشام ~~والكوفة في أيام عثمان بن عفان، # 29 # ثم حدث الانقسام الوطني السياسي بعد مقتله، وكان أساسه الميل إلى ~~أحد طلاب الخلافة يومئذ، وهم علي ومعاوية وطلحة والزبير، فكان أهل الشام مع ~~معاوية؛ لأنه أميرهم ومعظمهم من قريش، وكان أهل المدينة مع علي ms0687 وهم الأنصار ~~وتبعتهم مصر، وكان أهل الكوفة مع الزبير، وأهل البصرة مع طلحة. فلما كانت واقعة ~~الجمل سنة 36ه وقتل طلحة والزبير انحاز أهل العراق إلى علي فضلا عن أهل ~~المدينة ومصر، وظل أهل الشام مع معاوية. ولما كانت واقعة صفين ومسألة التحكيم ~~سنة 37ه، وغلب عمرو بن العاص بمكره، بويع معاوية وتركت مصر لعمرو بن العاص ~~عندما صارت مصر في حوزة معاوية. ولما قتل علي سنة 40ه ومات الحسن ثم قام الحسين ~~يطالب بالخلافة بعد موت معاوية وخلافة يزيد، استعان الحسين بأهل العراق وانتقل ~~إليهم، فبايع أهل الحجاز لابن الزبير. فأصبح الحجاز مع ابن الزبير والعراق مع ~~الحسين والشام ومصر مع معاوية. # وقس على ذلك انحياز تلك البلاد إلى الخلفاء باختلاف الأحوال، فأصبح لكل بلد ~~بتوالي الأعوام استقلال خاص وعوائد خاصة تميزه عن سواه، على أنها كانت تمتاز ~~بعضها عن بعض في ذلك من أيام معاوية، فقد سأل معاوية ابن الكواء عن أهل الأمصار ~~فقال: «أهل المدينة أحرص الأمة على الشر وأعجزهم عنه، وأهل الكوفة يردون جميعا ~~ويصدرون شتى، وأهل مصر أوفى الناس بشر وأسرعهم إلى ندامة، وأهل الشام أطوع ~~الناس لمرشدهم وأعصاهم لمغويهم». # وكان لأهل كل بلد غرض خاص في السياسة عبرنا عنه بالعصبية الوطنية، وهي غير ~~عصبية النسب، إذ قد يجتمع أهل البلد الواحد على غرض واحد ويعرفون بجامعة واحدة، ~~كأهل البصرة والكوفة والشام والفسطاط، وهم أخلاط من قبائل شتى. فكان لكل بلد في ~~عصر بني أمية جامعة خاصة يجتمع بها ويحارب باسمها. وهو مؤلف من قبائل تختلف ~~نسبا وعصبية، وفيهم قبائل اليمن ومضر وربيعة وغيرها، يقيم كل منها في حي خاص ~~بها يعرف باسمها، فكانت البصرة مثلا مؤلفة من خمسة أقسام تعرف بالأخماس، كل ~~خمس لقبيلة، وهي الأزد وتميم وبكر وعبد القيس وأهل العالية. والمراد بأهل ~~العالية بطون قريش وكنانة والأزد وبجيلة وخثعم وقيس عيلان كلها ومزينة # 30 # وقس على ذلك سائر البلاد. # فإذا تحارب بلدان وقفت كل قبيلة من أهل البلد الواحد أمام ما يقابلها ms0688 من ~~قبيلتها في البلد الآخر. ففي واقعة الجمل كانت الحرب بين البصرة والكوفة، فلما ~~انتشب القتال تصدت قبائل اليمن البصرية لقبائل اليمن الكوفية، ونزلت قبائل مضر ~~إلى مضر، وربيعة إلى ربيعة. وكذلك في واقعة صفين، وهي بين أهل الشام وقائدهم ~~معاوية، وأهل العراق وقائدهم علي. فلما التحم القتال سأل علي عن أهل الشام فعرف ~~مواقفهم، فأخذ يستحث من معه من القبائل على إخوانهم في معسكر عدوه، فقال لأزد: ~~«اكفونا الأزد»، وقال لخثعم: «اكفونا خثعم»، وأمر كل قبيلة معه أن تكفيه أختها ~~في عسكر الشام. إلا أن تكون قبيلة ليس لها بالشام أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى ~~في الشام ليس بالعراق منها أحد # 31 ~~- فتأمل كيف غلبت الجامعة الوطنية على جامعة النسب؛ وإنما غلبت لأن ~~الأحوال اقتضتها فرأى الناس يها ما يسد مطامعهم. # على أن أهل البلد الواحد كانوا يختلفون عددا ونسبا باختلاف عصبية الأمير أو ~~الخليفة، كما تقدم في كلامنا عن عصبية النسب. ويختلف غرض البلد الواحد باختلاف ~~تلك الأحوال مما لا ضابط له، فتنشب الحروب بين البلدين كما تنشب بين القبيلتين. ~~ومن أشهر حوادث الخلاف بين البلاد في صدر الإسلام خلاف أهل الكوفة والبصرة ~~ومفاخرتهما. ففي أيام علي والخوارج كانت البصرة عثمانية، والكوفة علوية، والشام ~~أموية، والجزيرة خارجية، والحجاز سنية # 32 # وتقلبت هذه الأحوال كثيرا، واختلفت باختلاف الدول والعصور. فحدث ~~بتوالي التقلبات السياسية تعدد الجامعات: أولها الجامعة العصبية أو جامعة النسب ~~بين مضر واليمن، والثانية جامعة الوطن بين العراق ومصر والشام، والثالثة جامعة ~~المذهب بين الفرق الإسلامية كالسنة والشيعة والمعتزلة، وربما اجتمعت كل هذه ~~الفرق في رجلين. # 33 # ومما ساعد على نشوء الجامعة الوطنية أن أهل الحجاز كانوا يجتمعون بالحرمين ~~ويفاخرون المسلمين بهما؛ لأن الإسلام لا يستغني عنهما وفيهما شيعة علي ولا سيما ~~المدينة. فكان الأمويون - مع عداوتهم للعلويين - لا يرون بدا من زيارة ~~الحرمين ورعاية أهلهما، فيقف ذلك حجر عثرة في سبيل سلطانهم، وخصوصا بعد أن ~~احتمى ابن الزبير بالكعبة وأخرج بني أمية وأحزابهم من الحجاز، فلم يستطع ms0689 ~~الأمويون التغلب عليه إلا بضرب الكعبة بالمنجنيق؛ ولهذا السبب خطر للأمويين أن ~~ينقلوا منبر النبي من المدينة إلى الشام؛ ليجمعوا عندهم الدين والسياسة. ولعل ~~الحجاج بنى القبة الخضراء في واسط لمثل هذه الغاية، كما بنى المنصور في بغداد ~~بعد ذلك قبة خضراء على مسجد بغداد تصغيرا للكعبة. # 34 # والغرض من ذلك كله تحويل القلوب عن الحجاز وتصغير أمر العلويين، ~~فلم يجدهم ذلك نفعا. ~~(6) اصطناع الأحزاب في عصر الأمويين ~~(6-1) سياسة معاوية # ومما احتاج إليه بنو أمية في سبيل التغلب لنيل الخلافة اصطناع الرجال واجتذاب ~~الأحزاب، كما فعل معاوية بن أبي سفيان في اكتساب نصرة عمرو بن العاص وزياد بن ~~أبيه والمغيرة بن شعبة، اكتسبهم بالدهاء والعطاء، ثم صار بعد ذلك قاعدة سار ~~عليها بنو أمية في تثبيت دعائم ملكهم، والعلويون أبناء بنت النبي وأحفادها ~~ينازعونهم عليه. على أنه لم يقم في بني أمية رجل مثل معاوية في الدهاء ~~والتعقل، مما يعبر عنه أهل هذا الزمان بالسياسة. # وإذا قسنا أعمال هذا الرجل بأعمال أعاظم رجال السياسة من أهل هذا العصر ~~وغيره، لرأيناه يفوق أكثرهم تعقلا وحكمة ودهاء، وخصوصا إذا اعتبرنا موقفه ~~بإزاء طلاب الخلافة من أهل بيت النبي # صلى الله عليه وسلم # وأبناء عمه وأبناء بنته، ~~والمسلمون يعتقدون حقهم فيها وأن معاوية طليق لا تحل له الخلافة. # 35 # وأنه لم يعتنق الإسلام إلا مكرها، ومع هذا غلب عليهم جميعا فقبض ~~على أزمة الملك وجعله إرثا في نسله، ولم يسفك في سبيل ذلك دما كثيرا، وإنما ~~كانت عمدته سعة الصدر والدهاء وبذل الأموال. # أما سعة الصدر فإنه كان يغضى عن مطاعن أهل البيت عليه، ولو فعلوا ذلك بين ~~يديه، وبدلا من أن ينتقم منهم كان يبذل لهم الأموال ويقربهم. فربما دخل عليه ~~الرجل منهم وهو في مجلسه وبين أمرائه، فيطعن فيه ويعرض باختلاسه الملك ويفضل ~~عليا عليه، فيلين له الجواب ويهبه الأموال فينقلب معه ولو كان من أقرباء علي. ~~ذكروا أن عقيلا أخا علي بن أبي طالب وفد على معاوية وعلي لا ms0690 يزال حيا، فرحب ~~به معاوية وسر بوروده لاختياره إياه على أخيه، وأوسعه حلما واحتمالا، فقال له ~~معاوية: «كيف تركت عليا؟» فقال: «تركته على ما يحب الله ورسوله، وألفيتك على ~~ما يكره الله ورسوله»، فقال معاوية: «لولا أنك زائر منتجع جنابنا لرددت عليك ~~جوابا تألم منه». ثم أحب معاوية أن يقطع الحديث مخافة أن يأتي بشيء يسوءه، ~~فوثب من مجلسه وأمر له أن ينزل وأوصل إليه مالا عظيما. فلما كان من غد جلس ~~معاوية وبعث إلى عقيل، وقال له: «كيف تركت عليا أخاك؟». قال: «تركته خيرا ~~لنفسه منك، وأنت خير لي منه». # 36 # وأخبار معاوية مع صعصعة بن صوحان العبدي، وغيرها من رجال علي ومريديه كثيرة، ~~تدل على سعة صدر وحلم. فإن لم يكفه الحلم عمد إلى المخادعة أو البذل، فلا يلتقي ~~به واحد ممن يخاف بطشهم إلا رجع راضيا. وقد يأتيه الرجل مستجديا وهو يتعمد ~~خداعه، فينخدع له ويطاوعه ويجيزه. ذكروا أن ابن الزبير - قبل قيامه بالدعوة ~~لنفسه - هرب من عبد الرحمن بن أم الحكم إلى معاوية، وقد أحرق عبد الرحمن داره ~~بالكوفة، فجاء معاوية متظلما، وقال له: «إن عبد الرحمن أحرق داري»، فقال ~~معاوية: «وكم تساوي دارك؟» قال: «100000»، فطلب منه شاهدا فأتاه بشاهد من ~~أصدقائه، فأمر له معاوية بالمال. فلما انصرف الرجلان قال معاوية لجلسائه: «أي ~~الشيخين عندكم أكذب؟ والله إني لأعرف داره، وما هي إلا خصائص قصب، لكنهم يقولون ~~فنسمع ويخادعوننا فننخدع»، # 37 # وكان ذلك وأمثاله مما أسكت ابن الزبير وغيره عن القيام لطلب ~~الخلافة في أيامه. # فأين هذا من تدقيق علي في محاسبة عماله، حتى أغضب أكثرهم وخسر نصرتهم، وفي ~~جملتهم ابن عمه عبد الله بن عباس بعد أن كان أكبر نصير له، فأغضبه من أجل وشاية ~~لا طائل تحتها كما تقدم؟ على حين أن معاوية كان يهب لعماله الولاية طعمة لهم، ~~وإذا وفد أحدهم عليه بالغ في إكرامه والترحيب به، فكان معاوية بن حديج إذا قدم ~~على معاوية في الشام زينت له الطرق بقباب الريحان تعظيما ms0691 لشأنه. # 38 # وكان معاوية يحتمل الطعن والنقد على الخصوص من رؤساء القبائل وأهل البيوتات، ~~وزعماء الأحزاب ولو أطلقوا ألسنتهم عليه. فالأحنف بن قيس التميمي، أحد السادة ~~التابعين وأهل النفوذ، كان على رأي علي وقد نصره في واقعة صفين. فاتفق أنه وفد ~~على معاوية بعد أن استقر له الأمر بالخلافة فلما دخل عليه قال له معاوية: ~~«والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حزازة في قلبي إلى يوم القيامة»، ~~فقال له الأحنف: «والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا، وإن ~~السيوف التي قاتلناك بها لفي أغمادها، وإن تدن من الحرب فترا ندن منها شبرا، ~~وإن تمش إليها نهرول لها» ثم قام وخرج ولم يكلمه معاوية. وكانت أخت معاوية من ~~وراء حجاب تسمع كلامه، فقالت: «يا أمير المؤمنين من هذا الذي يهدد ~~ويتوعد؟». قال: «هذا الذي إذا غضب، غضب لغضبه مائة ألف من تميم لا يدرون فيم غضب». # 39 # على أن معاوية كان إذا خاف عدوا لا يقدر عليه بالسيف ولا يستطيع اصطناعه ~~بالمال احتال على قتله غيلة بالسم، كما فعل بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ~~وكان قد عظم شأنه عند أهل الشام ومالوا إليه بما عندهم من آثار أبيه، ولغنائه ~~في بلاد الروم وشدة بأسه، فخافه معاوية فأمر ابن الأثال الطبيب أن يحتال في ~~قتله، وضمن له أن يضع عنه خراجه ما عاش وأن يوليه خراج حمص. فدس ابن الأثال ~~إليه شربة عسل مسمومة مع بعض مماليكه فشربها ومات # 40 # ونجا معاوية منه. وفعل نحو ذلك بالأشتر النخعي مالك بن الحارث، ~~وكان من أشد رجال علي بطشا أو هو أشدهم جميعا ، وقد أبلى معه في صفين ~~بلاء حسنا. فلما اضطربت أحوال مصر بدسائس معاوية، وكانت لا تزال في حوزة علي، ~~بعث الأشتر واليا عليها، فعلم معاوية أنه إن وليها امتنعت عليه، فبعث إلى ~~المقدم على أهل الخراج في القلزم - وهي في طريق الأشتر لا بد من مروره بها عند ~~قدومه إلى مصر - وقال له: «إن ms0692 الأشتر قد ولي مصر، فإن كفيتنيه لم آخذ منك ~~خراجا ما بقيت وبقيت». فخرج حتى أتى القلزم وأقام به، فلما جاء الأشتر استبقاه ~~ذلك الرجل فعرض عليه النزول فنزل عنده، فأتاه بطعام فلما أكل أتاه بشربة من عسل ~~قد جعل فيه سما فسقاه إياها، فلما شربها مات. وأخذ معاوية يقول لأهل الشام: ~~«إن عليا قد وجه الأشتر إلى مصر فادعوا الله عليه» فكانوا يدعون عليه كل يوم، ~~وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر، فقام معاوية خطيبا وقال: ~~«أما بعد فإنه كان لعلي يمينان فقطعت إحداهما بصفين (يعني عمار بن ياسر) وقطعت ~~الأخرى اليوم (يعني الأشتر)» # 41 # فلما بلغ خبر الأشتر إلى عمرو بن العاص قال: «إن لله جنودا من العسل». # 42 ~~(6-2) عمرو بن العاص # فكان معاوية وأصحابه لا يضيعون فرصة، ولا يبالون في إنفاذ أغراضهم ما يرتكبون ~~من القتل أو نحوه. أما علي وأصحابه فكانوا لا يحيدون عن مناهج الدين ومقتضى ~~الأريحية، وكانت أريحيتهم هذه مساعدا كبيرا لفوز معاوية عليهم. ففي واقعة ~~صفين كانت كفة النصر راجحة لعلي، ولو تم له ذلك لقضي على معاوية وأغراضه، وذهبت ~~مساعيه أدراج الرياح، ولذهب أمر بني أمية بذهابه واستتب الأمر لعلي وأهل بيته. ~~وإنما منع من فوز علي دهاء عمرو بن العاص؛ لأن معاوية لما احتدمت المعركة، ورأى ~~الضعف في عسكره وأيقن الخذلان، لجأ إلى عمرو بن العاص وكان محاربا معه وقال ~~له: «هلم مخبآتك يا ابن العاص فقد هلكنا، وتذكر ولاية مصر». فأشار عليه عمرو ~~يومئذ برفع المصاحف، وأن ينادوا: «كتاب الله بيننا وبينكم! من لثغور الشام بعد ~~أهل الشام؟ ومن لثغور العراق بعد أهل العراق؟ ومن لجهاد الروم والترك ومن ~~للكفار؟» فخدع رجال علي بهذه الحيلة وأوقفوا القتال، ثم اتفقوا على التحكيم وبه ~~أتم ابن العاص حيلته، فخلع عليا وبايع معاوية. فلولا عمرو بن العاص لفشل ~~معاوية وذهب أمره، ولولا أريحية أبداها علي في تلك المعركة لقتل عمرو قبل تدبير ~~تلك الحيلة، وذلك أن عمروا كان قد برز ms0693 للنزال، فبرز له علي فلما التقيا عرفه ~~علي، فشال السيف ليضربه ويتخلص منه، فلما أيقن عمرو بالموت كشف عن عورته وقال: ~~«مكره أخوك لا بطل»، فثارت الأريحية في نفس علي فحول وجهه عنه وقال: «قبحت!» ~~ونجا عمرو بتلك الحيلة # 43 # وذهب عمل عمرو هذا مثلا وفيه يقول الشاعر: # ولا خير في صون الحياة بذلة # كما صانها يوما بذلته عمرو # وكذلك كان أصحاب علي من حيث الأريحية والتقوى وصدق اللهجة، تلك كانت طبيعة ~~الإسلام والمسلمين في ذلك العصر الذهبي، إلا من طمع في الدنيا وانحاز إلى ~~معاوية. وكانت هذه المناقب في علي على أقوى أحوالها، ولو تساهل فيها أو أغضى عن ~~شيء منها لنجا من شرور كثيرة؛ ولذلك قالت قريش: «إن ابن أبي طالب رجل شجاع ~~ولكنه لا رأي له في الحرب». # 44 # فبالدهاء ونحوه تمكن معاوية من نيل الخلافة وتوريثها لابنه، ثم صارت في بني ~~مروان من أمية، ولكنه لم يستطع قطع شأفة المقاومين من طلاب الخلافة، وهم كثيرون ~~أهمهم أولاد علي. على أنه كان يسكتهم بالمسالمة والبذل، وكانوا يهابونه ويسكنون ~~إلى سياسته ويتوقعون من الجهة الأخرى رجوع الخلافة إليهم بعد موته. # فلما رأوه نقلها إلى ابنه يزيد، ثار المطالبون بالخلافة في الحجاز والعراق ~~وغيرهما، وكل منهم يزعم أنه صاحب الحق فيها. فاجتمع سنة 68ه أربعة ألوية في ~~عرفات، كل منها لزعيم يطلب الخلافة لنفسه، أحدها لبني أمية، والآخر للعلويين ~~باسم محمد بن الحنفية، والثالث لعبد الله بن الزبير، والرابع لنجدة الحروري من ~~الخوارج. ثم قام غيرهم ولم يفز بالملك إلا بنو أمية، للعصبية العربية واصطناع ~~الأحزاب. وإليك الأسباب التي ساعدتهم على اصطناع الأحزاب، غير ما تقدم ذكره من ~~دهاء معاوية وضعف رأي علي في السياسة. ~~(7) بذل المال في عصر الأمويين ~~(7-1) العطاء من بيت المال # العطاء من أكبر العوامل التي ساعدت بني أمية في اصطناع الرجال وكسر شوكة ~~أعدائهم؛ لأن العطاء رواتب الجند أو رواتب المسلمين، وكانوا في صدر الإسلام ~~كلهم جندا، ولكل منهم رواتب يختلف باختلاف نسبه من ms0694 النبي، أو سابقته في ~~الإسلام، أو غير ذلك مما تراه مفصلا في كلامنا عن الديوان في أيام عمر # 45 # وترى الرواتب فيه للمسلمين على اختلاف طبقاتهم حتى النساء ~~والأولاد. وأصل هذا العطاء من أموال الفيء، وهناك طبقة أخرى من المسلمين الذين ~~لا يستطيعون الحرب، فهم من الفقراء ويأخذون أعطيتهم من أموال الصدقة وهي ~~الزكاة، ولكل من الصدقة والفيء ديوان خاص وحساب خاص. # فمن قبض على بيت المال قبض على رقاب المسلمين، فيجدر بهم أن يتقربوا منه أو ~~يتزلفوا إليه. فإذا قبض عليه رجل حكيم مثل معاوية يعرف كيف يعطي ولمن يعطي، ~~أغناه ذلك عما سواه. فكان معاوية يزيد العطاء أو ينقصه أو يقطعه على حسب ~~الاقتضاء، والغالب أن يبذل الأموال ويضاعف الأعطية حيث يتوسم نفعا، وأخوف ما ~~كان يخافه في خلافته قيام العلويين أو غيرهم من أهل بيت النبي ينازعونه ~~الخلافة، فبذل لهم العطاء بسخاء. # فبعد أن كان عطاء الحسن والحسين بحسب ديوان عمر 5000 درهم في السنة جعلها ~~معاوية مليون درهم، أي إنه ضاعفها 200 مرة، وأعطى مثل هذا المبلغ أيضا إلى عبد ~~الله بن عباس؛ لأنه ابن عم النبي ويخشى منه. وكذلك عبد الله بن جعفر بن أبي ~~طالب، وغيرهم من كبار أبناء الصحابة أهل النفوذ في الإسلام ممن يقيمون في ~~المدينة. فكان من جهة يتألفهم بالأموال ويشغلهم بالرخاء عن النهوض للمطالبة، ~~ومن جهة أخرى يتألف بهم أهل المدينة؛ لأنهم كانوا ينفقون تلك الأموال في أهلها ~~للتمتع بملاذ الحياة، ومنهم من كان ينفق عطاءه على المغنين والشعراء. وأكثرهم ~~سخاء وبذلا من هذا القبيل عبد الله بن جعفر، وهو ابن عم الحسن والحسين، فإنه ~~كان يفد على معاوية في الشام فيدفع إليه عطاءه فيعود إلى المدينة فيفرقه في ~~أهلها. وكان معاوية يعلم ذلك فيقربه ويحسن إليه ليستألف أهل المدينة به. # ويقال: إنه قدم على يزيد بن معاوية بعد توليه الخلافة، فقال له يزيد: «كم كان ~~عطاؤك؟» فقال: «ألف ألف درهم»، قال: «قد أضعفناها لك»، قال: «فداك أبي وأمي، ما ms0695 ~~قلتها لأحد قبلك»، قال: «قد أضعفناها لك ثانية» فقيل ليزيد: «أتعطي رجلا ~~واحدا 4000000 درهم؟» فقال: «ويحكم إني أعطيتها أهل المدينة أجمعين، فما يده ~~فيها إلا عارية». # 46 # وقس على ذلك بذل معاوية في تألف القبائل، فقد كان يفرض للقبائل التي تحارب ~~معه، ولو بعدت عن نسبه كاليمن مثلا، فإنه كان يتألفها بالأموال خوفا من ~~بطشها، وكان يفرض لها ولا يفرض لقيس وهي أقرب إليه؛ لأنه لم يكن يخاف بأسها، ~~حتى إن أحد رجالها كان يأتي معاوية يطلب منه أن يفرض له فيأبى، كما فعل بمسكين ~~الدارمي، فإنه طلب من معاوية أن يفرض له فأبى، فقال شعرا يعاتبه فيه ويذكره ~~بما بينهما من النسب، ومن ذلك قوله: # أخاك أخاك إن من لا أخا له # كساع إلى الهيجا بغير سلاح # وإن ابن عم المرء - فاعلم - جناحه # وهل يقنص البازي بغير جناح؟ # وما طالب الحاجات إلا مغرر # وما نال شيئا طالب كجناح # فلم يعبأ به لأنه إنما كان ينظر إلى مصلحة نفسه. فاعتزت اليمن واشتد بأسها ~~واستطالت على الدولة، وتضعضعت قيس وسائر عدنان. فبلغ معاوية أن رجلا من اليمن ~~قال يوما: «لهممت أن لا أدع بالشام أحدا من مضر، بل هممت أن لا أحل حبوتي حتى ~~أخرج كل نزاري بالشام» فخاف معاوية بأس اليمنية، ورأى أن يضربهم بالمضرية، ففرض ~~من وقته لأربعة آلاف من قيس وغيرها من عدنان، وبعث إلى مسكين يقول له: «لقد ~~فرضنا لك وأنت في بلدك، فإذا شئت أن تقيم بها أو عندنا فافعل، فإن عطاءك ~~سيأتيك». وصار معاوية يغزي اليمن في البحر وقيسا في البر # 47 # ولولا دهاؤه وحسن أسلوبه لما استطاع التوفيق بينهما. # ويقال نحو ذلك في زيادة العطاء للذين شهدوا الوقائع الهامة ونصروا الأمويين، ~~كواقعة صفين فإن معاوية زاد عطاء أصحابها # 48 # كما فعل عمر فيمن شهد القادسية. وسار خلفاء بني أمية على خطوات ~~معاوية، فأعطوا أحزابهم حتى فرضوا الأعطية للشعراء، التماسا لقطع ألسنتهم أو ~~ليتقربوا إلى قلوب الناس. وكان أهل التقوى يرون ذلك مجحفا بحقوق ms0696 بيت المال، ~~ويعترضون على إعطاء الناس من مال الفيء فإنه مال الله أو مال المسلمين. وكان ~~ذلك من جملة ما غير أصحاب علي على معاوية يوم صفين # 49 # فلما تولى عمر بن عبد العزيز، وسار على نهج الخلفاء الراشدين منع ~~العطاء عن الشعراء، فلما مات عادوا إلى ما كانوا عليه. # وكانوا يفرضون لأي من جاءهم، ولو كان أعرابيا، حتى كان أهل البادية كثيرا ~~ما يبيعون إبلهم ويأوون إلى المدن يطلبون الفرض لهم. ومع ذلك فأهل الأنفة منهم ~~كانوا يدركون ما وراء ذلك من استعباد النفوس، لغرض يعتقدون أنه ضد الحق، وأنه ~~تأييد لدعوة القائمين على أهل البيت فتعافه نفوسهم. يحكى أن امرأة جيها الأشجعي ~~من أهل البادية حرضت زوجها على الذهاب إلى المدينة ليبيع إبله ويفترض في ~~العطاء، فأطاعها وساق إبله حتى إذا دنا من المدينة شرعها بحوض ليسقيها، فحنت ~~ناقة منها ثم نزعت، وتبعها الإبل، وطلبها ففاتته، فقال لزوجته: «هذه الإبل لا ~~تعقل وتحن إلى أوطانها». ثم قال شعرا: # قالت أنيسة: دع بلادك والتمس # دارا بطيبة ربة الآطام # تكتب عيالك في العطاء وتفترض # وكذاك يفعل حازم الأقوام # فهممت ثم ذكرت ليل لقاحنا # بذوي عنيزة أو بقف بشام # إذ هن عن حسبي مداود كلما # نزل الظلام بعصبة أغنام # إن المدينة لا مدينة فالزمي # حقف السناد وقبة الأرحام # يجلب لك اللبن القريض وينتزع # بالعيس عن يمن إليك وشام # وتجاوري النفر الذين بنبلهم # أرمي العدو وإذا نهضت مرام # الباذلين إذا طلبت بلادهم # والمانعي ظهري من الغرام # 50 # ومن أقوال عبد الملك بن مروان: «أنعم الناس عيشا من له ما يكفيه، وزوجة ~~ترضيه، ولا يعرف أبوابنا الخبيثة فنؤذيه». # 51 # وكان هم بنو أمية أهل المدينة؛ لأنهم شيعة علي وفيهم الأنصار ونخبة ~~القرشيين، فكان عامل بني أمية فيها إذا اجتمع إليه مال الصدقة من الأطراف أقرض ~~من أراد من قريش منه، وكتب بذلك صكا عليه فيستعبدهم به ويختلفون إليه ~~ويدارونه. فإذا غضب على أحد منهم استخرج المال منه، وما زال هذا شأنهم إلى أيام ms0697 ~~الرشيد، فكلمه عبد الله بن مصعب في صكوك بقيت من ذلك فحرقت. # 52 # وكانوا إذا عصاهم أحد من المسلمين قطعوا عطاءه، ولو كان العاصون بلدا ~~برمتها، كما فعل الوليد لما ثار عليه زيد بن علي، فقطع عطاء أهل الحرمين جميعا # 53 # وحرم الوليد آل حزم من العطاء؛ لأن قتلة عثمان دخلوا إليه من دارهم ~~في المدينة، وقبض أموالهم وضياعهم، وظلوا كذلك إلى أيام المنصور فأفرج عنهم # 54 # وكثيرا ما كان الأنصار يمكثون بلا عطاء # 55 # ولا ذنب لهم إلا أنهم ينصرون أهل البيت. وقطع عبد الملك بن مروان ~~أعطية آل سفيان، مع أنهم أمويون مثله، وإنما فعل ذلك لموجدة وجدها على خالد بن ~~يزيد بن معاوية. # 56 # فلا غرو إذا اضطر الناس إلى مسايرتهم والإذعان لهم، وهم يعلمون أنهم يخالفون ~~الحق بإذعانهم، وقد يصرحون بذلك فيما بينهم. كما حدث لما نصب معاوية ابنه ~~يزيد لولاية العهد، فأقعده في قبة حمراء وأقبل الناس يسلمون على معاوية ~~بالخلافة، ثم على ابنه يزيد بولاية العهد، حتى جاء رجل منهم فسلم على الاثنين، ~~ثم رجع إلى معاوية فقال: «يا أمير المؤمنين، أعلم أنك لو لم تول هذا أمور ~~المسلمين لأضعتها». وكان الأحنف بن قيس ~~التميمي حاضرا، فقال له معاوية: «ما بالك لا تقول يا أبا بحر؟» فقال: «أخاف ~~الله إذا كذبت، وأخافكم إذا صدقت»، فقال معاوية: «جزاك الله على الطاعة خيرا»، ~~وأمر له بمال. فلما خرج لقيه ذلك الرجل فقال له: «يا أبا بحر، إني لأعلم أن شر ~~من خلق الله هذا وابنه، ولكنهم استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال، ~~فليس يطمع في استخراجها إلا بما سمعت». # 57 ~~(7-2) تدقيق علي وبخل ابن الزبير # ومما ساعد الأمويين على اصطناع الرجال بالأموال، أن مناظريهم أهل البيت وعبد ~~الله بن الزبير كانوا قليلي العطاء، إما عن إمساك أو عن ورع، حتى قالوا: «وما ~~رؤي في الناس أبخل من أهل البيت، ولا من عبد الله بن الزبير» # 58 # وكثيرا ما كان إمساكهم سببا في فشلهم وانحياز الناس ms0698 إلى بني ~~أمية، فمن أمثلة ذلك أن مصقلة بن هبيرة الشيباني كان عاملا لعلي على ~~أزدشيرخره، فرأى أسرى كان بعض رجال لعلي قد أسرهم، فاشتراهم منه شفقة عليهم، ~~وهم 500 إنسان بخمسمائة ألف، وأطلق سراحهم. # فطالبه علي بالمال، فأدى نحو النصف وطمع في الباقي، فألح عليه أصحاب علي فقال ~~مصقلة: «أما والله لو كان ابن هند (يعني معاوية) ما طالبني بها، ولو كان ابن ~~عفان لوهبها لي»، فقالوا: «إن عليا لا يترك شيئا»، فهرب مصقلة من ليلته ولحق بمعاوية. # 59 # ومن أمثلة بخل ابن الزبير الذي أفسد عليه الأمر، أن أخاه مصعبا لما قتل ~~المختار بن أبي عبيد في العراق، وأخضع العراق لأخيه، وقد ساعده على ذلك وجوه ~~أهل العراق، فجاء بهم حتى أتى أخاه في مكة وكان لائذا بالكعبة وقال له: «يا ~~أمير المؤمنين، جئتك بوجوه أهل العراق لم أدع لهم بها نظيرا لتعطيهم من هذا ~~المال»، فقال عبد الله: «جئتني بعبيد أهل العراق لأعطيهم مال الله؟ والله لا ~~فعلت». فلما علموا ذلك وسمعوا منه جفاء انصرفوا من عنده، وكاتبوا عبد الملك بن ~~مروان وغدروا بمصعب # 60 # وكان ذلك سببا في ذهاب دولة ابن الزبير. # وقس على ذلك بخل العلويين في فرض العطاء، إلا لأهل التقوى أو من في معناهم. ~~على حين أن بني أمية كانوا يفرضون للرجل ولأهله وأولاده، فقد فرض عبد الملك ~~لعامر الشعبي (وما هو من رجال الحرب) ألفين في العطاء، وجعل عشرين من ولده، ~~وأهل بيته في ألفين ألفين من أجل حديث حدثه إياه # 61 # وكانوا يفرضون للشعراء أعطية معينة يقبضونها في أوقاتها غير ~~الجوائز، فمنهم من عطاؤه ألفان أو أكثر أو أقل. وإذا مدحوهم زادوا أعطيتهم ~~ترغيبا لهم في مدحهم، وكذلك كان يفعل عمالهم في سائر أنحاء المملكة الأموية. ~~وأهل التقى من الخلفاء لا يرون للشعراء حقا في بيت المال # 62 # فعمر بن عبد العزيز كان إذا أحرجه شاعر، ولم ير مناصا منه أعطاه ~~من ماله الخاص. # 63 # على أن غير الأتقياء منهم كانوا ms0699 يقطعون عطاء الشاعر إذا حاد عما يريدونه، كما ~~فعل عبد الملك بن مروان بابن قيس الرقيات لما مدحه، فقال له عبد الملك: «والله ~~لا تأخذ مع المسلمين عطاء» # 64 # وكان عمر بن الخطاب يحرض القراء على التماس الرزق من عند أنفسهم، ~~وألا يكونوا عالة على الناس # 65 # فكيف بالشعراء! ~~(8) الاستكثار من الأموال في عصر الأمويين # وبذل الأموال لاصطناع الأحزاب جر بني أمية إلى خرق كثير من القواعد التي وضعها ~~الخلفاء الراشدون لاقتضاء الأموال وإنفاقها. فقد كانت الأموال التي ترد على بيت ~~المال تعد ملكا للمسلمين، وليس الخليفة أو عامله إلا حافظا لها؛ لينفقها في ~~مصالحهم وتدبير شؤونهم، وله منها راتب معين يتناوله مثل سائر المسلمين، وقد رأيت أن ~~أبا بكر توفي وليس في بيت ماله غير دينار، وأن عمر كان إذا احتاج إلى المال فوق ~~راتبه استقرضه من بيت المال حتى يؤديه من عطائه. وكان عمر يرى أنه لا ينبغي أن يبقى ~~في بيت المال شيء، ونهى عن اختزان المال، وقد أشرنا إلى غرابة هذا الرأي في الجزء ~~الثاني من هذا الكتاب. ونهى عمر أيضا عن الزرع، وحرم على المسلمين اقتناء الضياع؛ ~~لأن أرزاقهم وأرزاق عيالهم تدفع من بيت المال. أراد بذلك أن يبقوا جندا على أهبة ~~الرحيل، وأن تبقى البلاد التي فتحوها فيئا يؤخذ من خراجها وجزية أهلها للإنفاق على ~~المسلمين. ووضعوا لكل من الخراج والجزية والصدقة أحكاما لجمعها وتفريقها على مقتضى الشرع. # 66 ~~(8-1) عمال بني أمية # فلم اضطر بنو أمية إلى اصطناع الرجال وجمع الأحزاب واسترضاء القبائل وبناء ~~المدن، أغضوا عن كثير من تلك الأحكام، وتوفقوا إلى عمال أشداء لا يبالون بالدين ~~ولا أحكامه في سبيل أغراضهم، مثل زياد بن أبيه عامل معاوية، وعبيد الله بن زياد ~~عامل ابنه يزيد، والحجاج بن يوسف عامل عبد الملك بن مروان، وخالد القسري عامل ~~هشام بن عبد الملك وغيرهم. فكان الخلفاء يكتبون إلى عمالهم بجمع الأموال ~~وحشدها، والعمال لا يبالون كيف يجمعونها. فقد كتب معاوية إلى زياد يقول: ~~«اصطف لي ms0700 الصفراء والبيضاء»، فكتب زياد إلى عماله بذلك وأوصاهم أن يوافوه ~~بالمال ولا يقسموا بين المسلمين ذهبا ولا فضة # 67 # وكان العمال من الجهة الأخرى يختصون أنفسهم بجانب من تلك الأموال ~~وليس ثمة من يحاسبهم، وقد أطلق الخلفاء أيديهم في الأعمال ترغيبا لهم في ~~البقاء على ولائهم، فكان العمال يختزنون لأنفسهم الأموال الطائلة، حتى بلغت غلة ~~أحدهم عشرة ملايين درهم في السنة وزادت ثروته على مائة مليون درهم # 68 # وزادت نفقاتهم زيادة فاحشة، ولم يعد عندهم لراتب العمالة قيمة، حتى ~~كتب أمية بن عبد الله إلى عبد الملك بن مروان يقول: «إن خراج خراسان لا يفي بمطبخي»، # 69 # فلما رأى الخلفاء استئثار العمال بالأموال عمدوا إلى مصادرتهم، ~~فكانوا إذا علموا بمال عند أحدهم أنفذوا إليه من يقبض أمواله ويتولى العمل ~~مكانه، والكل طامعون في الكسب لأنفسهم. # وكان العمال لا يرون حرجا في ابتزاز الأموال من أهل البلاد التي فتحوها ~~عنوة، لاعتقادهم أنها فيء لهم كما تقدم. وكقول عامل بني أمية في العراق: ~~«السواد بستان قريش، ما شئنا أخذنا منه، وما شئنا تركناه». وقد سأل صاحب إخنا ~~بمصر عمرو بن العاص أن يخبره بما عليه من الجزية فأجابه: «لو أعطيتني من الأرض ~~إلى السقف ما أخبرتك بما عليك، إنما أنتم خزانة لنا، إن كثر علينا كثرنا عليكم، ~~وإن خفف عنا خففنا عنكم». # 70 # ومن قال ذلك يعد مصر فتحت عنوة، وقال غيره: «الصغد بستان أمير ~~المؤمنين». ~~(8-2) الإسلام والجزية # فكان العمال يبذلون الجهد في جمع الأموال بأية وسيلة كانت، ومصادرها الجزية ~~والخراج والزكاة والصدقة والعشور. وأهمها في أول الإسلام الجزية لكثرة أهل ~~الذمة، فكان عمال بني أمية يشددون في تحصيلها، فأخذ أهل الذمة يدخلون في ~~الإسلام، فلم يكن ذلك لينجيهم منها؛ لأن العمال عدوا إسلامهم حيلة للفرار من ~~الجزية وليس رغبة في الإسلام، فطالبوهم بالجزية بعد إسلامهم. وأول من فعل ذلك ~~الحجاج بن يوسف # 71 # واقتدى به غيره من عمال بني أمية في أفريقية وخراسان وما وراء ~~النهر، فارتد الناس عن الإسلام ms0701 وهم يودون البقاء فيه، وخصوصا أهل خراسان وما ~~وراء النهر، فإنهم ظلوا إلى أواخر أيام بني أمية لا يمنعهم عن الإسلام إلا ظلم ~~العمال بطلب الجزية منهم بعد إسلامهم، فبعث إليهم رجلا اسمه أبو الصيداء فقال ~~الرجل: «أخرج إليهم على شريطة أن من أسلم لا تؤخذ منه الجزية»، فقال أشرس: ~~«نعم» فشخص إلى سمرقند ودعا أهلها إلى الإسلام على أن توضع الجزية عنهم. فسارع ~~الناس إلى الإسلام وقل الخراج، فكتب عاملها إلى أشرس: «إن الخراج قد انكسر»، ~~فأجابه: «إن في الخراج قوة للمسلمين، وقد بلغني أن أهل الصغد وأشباههم لم ~~يسلموا رغبة في الإسلام، وإنما أسلموا تعوذا من الجزية، فانظر من اختتن وأقام ~~الفرائض وقرأ سورة من القرآن فارفع خراجه»، ففعل الناس ذلك وبنوا المساجد، وكتب ~~العمال بذلك إلى أشرس فأجابهم: «خذوا الخراج ممن كنتم تأخذونه» فأعادوا الجزية ~~على من أسلم، فامتنعوا واعتزلوا في سبعة آلاف على عدة فراسخ من سمرقند، وكانت ~~بسبب ذلك فتنة ارتد عن الإسلام بسببها أهل الصغد وبخارا واستجاش الترك. وما ~~زالوا كذلك حتى تولى خراسان نصر بن سيار وقد عرف موضع الخطأ، فأعلن سنة 121ه ~~أنه وضع الجزية عمن أسلم، وجعلها على من كان يخفف عنه من المشركين، فلم يمض ~~أسبوع حتى أتاه 30000 مسلم كانوا يؤدون الجزية. # 72 # ناهيك بما كان يرتكبه بنو أمية من زيادة الخراج وضرب الضرائب # 73 # والاستئثار بالفيء. ولم يقم من خلفائهم من نهي عن ذلك إلا عمر بن ~~عبد العزيز، فإنه لم ينفق من بيت المال درهما على نفسه ولا أخذ منه شيئا # 74 # وأمر أهله بذلك فلم يلق سامعا. وهو الذي كتب إلى عماله لما ولي ~~الخلافة: «ضعوا الجزية عمن أسلم، إن الله بعث محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا»، ~~ولم تطل مدة حكمه # 75 # وأراد يزيد بن الوليد أن يتشبه به فتبعه. وكان في جملة ضرائبهم أن ~~يأخذ الخليفة لنفسه نصف دية المعاهد، فأبطلها عمر بن عبد العزيز. # 76 ~~(8-3) الصدقة والرشوة # واضطر الأمويون للاستكثار من الأموال أن ms0702 يمدوا أيديهم إلى أموال الصدقة، وهي ~~الزكاة تؤخذ من أغنياء المسلمين وتنفق في فقرائهم، خلافا لسائر أموال الدولة ~~كالفيء والغنيمة والجزية فإنها تفرق في المقاتلة والجند. فكان بنو أمية كثيرا ~~ما يعطون جوائز الشعراء ونحوهم من أموال الصدقة # 77 # وحقها أن تعطى من مال الخليفة الخاص، أو من مال الفيء ونحوه ~~باعتبار أن تلك الجائزة مما ينفع المسلمين في تأييد دولتهم. أو لعل الخليفة ~~اعتبر الشعراء من فقراء المسلمين فأعطاهم من الصدقة، وهو خلاف المألوف؛ لأنه ~~إنما أجازهم؛ لأنهم مدحوه فعليه أن يجيزهم من ماله الخاص. وكانوا أيضا كثيرا ~~ما يعطون أرزاق المسلمين من مال الصدقة، والمحاربون يستنكفون من ذلك ويعدونه ~~حطة في مقامهم، كما اتفق لأهل المدينة وقد جاءهم الخليفة عبد الملك حاجا وأمر ~~للناس بالعطاء، فخرجت البدر مكتوب عليها «الصدقة» فأبى أهل المدينة قبولها، ~~وعدوا ذلك إهانة لهم تعمدها عبد الملك؛ لأن أهل المدينة من أنصار أهل البيت ~~وقالوا: «إنما عطاؤنا من الفيء» فضرب عبد الملك مثلا كشف لهم به عما بينه ~~وبينهم من التضاغن من عهد مقتل عثمان ويوم الحرة. # وكانوا كثيرا ما يعمدون إذا أعوزهم المال إلى بيع الولايات بالرشوة، وخصوصا ~~في أيام ضعفهم وفساد دولتهم. فإن الوليد بن يزيد لما تولى الخلافة زاد أعطيات ~~الناس ترغيبا لهم في طاعته، فلم يجد مالا يكفيه، ولم يكن عنده من العمال ~~الأشداء من يوافيه بالأموال حالا، فكان من جملة ما استعان به على جمع الأموال ~~أنه باع ولاية خراسان وأعمالها ليوسف بن عمر، وصارت الولايات في أيامه بالرشى ~~للخليفة وأصحابه # 78 # وكانت الولايات تعطى في أيام أسلافه جزاء على خدمة، كما أعطى ~~معاوية عمرو بن العاص مصر مكافأة لنصرته على علي، فاقتدى به خلفاؤه. فكانوا إذا ~~التمس أحدهم الأحزاب أطمع رؤساءها بالولايات، وصار ذلك مشهورا حتى أصبح الأمير ~~إذا دعي لنصرة أحد الخلفاء اشترط مالا أو ولاية معينة. ومما يحكى أن عبد الملك ~~بن مروان، في أثناء محاربته مصعب بن الزبير في العراق، بعث إلى أهل الكوفة ~~والبصرة ms0703 يدعوهم إلى نفسه ويمنيهم، فأجابوه وشرطوا عليه شروطا وسألوه الولايات. ~~ومن غريب الاتفاق أن أربعين رجلا منهم سألوه ولاية أصبهان، فقال عبد الملك لمن ~~حضره: «ويحكم! ما أصبهان هذه؟» تعجبا ممن يطلبها. # 79 ~~(9) الاستخفاف بالدين وأهله # لما طلب الأمويون الخلافة لأنفسهم، وهم يعلمون أن أهل البيت أحق بها منهم، وأن ~~حجة أهل البيت في طلبها مبنية على أساس صحيح، كان أكثير الفقهاء والعلماء وسائر ~~رجال الدين يرون رأيهم ويؤيدون دعوتهم، ولكن العصبية كانت مع الأمويين، والقوة ~~غالبة. أما الفقهاء وسائر أهل التقوى فكانوا لا ينفكون عند سنوح الفرصة عن تفضيل ~~أهل البيت، وتذكير الأمويين بما يرتكبونه في سبيل التغلب من الظلم والقسوة ~~والتعدي، ويعظونهم ويذكرونهم بتقوى الله. وكان معاوية لحلمه ودهائه يغضي عن ~~أقوالهم، ويقطع ألسنتهم بالعطاء والمحاسنة والحلم. فتعودوا ذلك وبالغوا فيه، حتى ~~إذا أفضت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان عمد إلى الشدة والعنف، فحج سنة 75ه بعد ~~مقتل ابن الزبير، ولما جاء المدينة وفيها أنصار أهل البيت خطب فيها خطابا قال فيه: # أما بعد فإني لست بالخليفة المستضعف (يعني عثمان) ولا بالخليفة المداهن ~~(يعني معاوية) ولا بالخليفة المأفون (يعني يزيد). ألا وأني لا أداوي هذه ~~الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم. وإنكم تحفظون أعمال المهاجرين ~~الأولين ولا تعملون مثل أعمالهم. وإنكم تأمروننا بتقوى الله وتنسون ذلك من ~~أنفسكم. والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت ~~عنقه. # فهو أول من نهى عن المعروف # 80 # فعظم ذلك على أعداء بني أمية حتى تحسروا على أيام معاوية، وقالوا قول ~~ابن الزبير فيه لما جاءه نعيه: «رحم الله معاوية، إنا كنا لنخدعه فيتخادع ~~لنا». ~~(9-1) استهانة بعض الأمويين بالمقدسات # أما عبد الملك فكان يرى الشدة ويجاهر بطلب التغلب بالقوة والعنف، ولو خالف ~~أحكام الدين. وقد يتبادر إلى الذهن أنه فعل ذلك اقتداء بعامله ونصيره ومؤيد ~~دولته الحجاج بن يوسف، ولا نظنه مقتديا بذلك؛ لأنه صرح باستهانة الدين منذ ولي ~~الخلافة، وكان قبلها يتظاهر بالتدين فلما تولاها ms0704 استهوته الدنيا. ذكروا أنه لما ~~جاءوه بخبر الخلافة كان قاعدا والمصحف في حجره فأطبقه وقال: «هذا آخر العهد ~~بك» أو «هذا فراق بيني وبينك» # 81 # فلا غرو بعد ذلك إذا أباح لعامله الحجاج أن يضرب الكعبة بالمنجنيق، ~~وأن يقتل ابن الزبير ويحتز رأسه بيده داخل مسجد الكعبة، # 82 # والكعبة حرم لا يجوز القتال فيها ولا في جوارها، فأحلوه وظلوا ~~يقتلون الناس فيها ثلاثا، وهدموا الكعبة، وأوقدوا النيران بين أحجارها وأستارها # 83 # مما لم يحدث مثله في الإسلام، ودخلوا المدينة وهي أحد الحرمين ~~وقاتلوا أهلها وسفكوا دماءهم، لم يغلق لها باب إلا أحرق ما فيه، حتى إن الأقباط ~~والأنباط كانوا يدخلون على نساء قريش فينزعون خمرهن من رؤوسهن وخلاخلهن من ~~أرجلهن، بسيوفهم على عواتقهم والقرآن تحت أرجلهن. # 84 # ناهيك بمن قتلوه من الصحابة والتابعين وأهل التقوى صبرا، وإنما أرادوا بذلك ~~تحقير أمر علي وشيعته تأييدا لسلطانهم؛ ولهذا السبب أيضا لعنوه على المنابر، ~~وأمروا الناس بلعنه وقتلوا من لم يلعنه. وأول من قتل صبرا في هذا السبيل حجر ~~بن عدي الكندي في أيام معاوية # 85 # وظلوا يلعنون عليا على المنابر إلى أيام عمر بن عبد العزيز فأبطل ~~ذلك. ~~(9-2) الخلافة والنبوة في رأي بعض العمال # وفق بنو أمية إلى عمال أشداء زادوهم استبدادا وشدة، بما توخوه من تمليقهم ~~بالتعظيم والتغرير مما يخالف أحكام الدين. وأول من تجرأ على ذلك الحجاج بن يوسف ~~عامل عبد الملك، فإنه سمى الخليفة «خليفة الله»، وعظم أمر الخلافة حتى فضلها ~~على النبوة فكان يقول: «ما قامت السموات والأرض إلا بالخلافة، وإن الخليفة عند ~~الله أفضل من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين؛ لأن الله خلق آدم بيده، ~~وأسجد له الملائكة وأسكنه جنته ثم أهبطه إلى الأرض وجعله خليفة، وجعل الملائكة ~~رسلا». وإذا حاجه أحد في ذلك قال: «أخليفة أحدكم في أهله أكرم عليه أم رسوله ~~في حاجته؟». وكان عبد الملك إذا سمع ذلك أعجب به # 86 # واقتدى بالحجاج من جاء بعده من العمال الأشداء كخالد القسري عامل ~~هشام بن ms0705 عبد الملك فقد كان يقول قول الحجاج، وخطب الناس في مكة مرة فقال: «أيها ~~الناس، أيهما أعظم، أخليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟» يعرض أن هشاما خير ~~من النبي # 87 # واقتدى بالعمال سائر المملقين من وجوه الدولة، وفيهم جماعة كبيرة ~~إنما أسلموا رغبة في الدنيا فزادوا الأمور فسادا. وكانوا يملقون العمال من هذا ~~القبيل ويجرئونهم على خرق حرمة الدين: ذكروا أن خالد القسري كان قليل العناية ~~في حفظ القرآن، فإذا تلا آية أخطأ فيها وألحن في نطقها، فوقف مرة للخطابة فقال ~~وأخطأ، ثم ارتج عليه وفشل، فنهض صديق له من تغلب فقال: «خفض عليك أيها الأمير ~~ولا يهولنك، فما رأيت قط عاقلا حفظ القرآن، وإنما يحفظه الحمقى من الرجال» ~~فقال خالد: «صدقت، يرحمك الله!». # 88 # فلا غرو بعد ذلك إذا قيل لنا: أن الوليد بن يزيد، سكير بني مروان، رمى القرآن ~~بالنشاب وهو في مجونه وسكره. فقد ذكروا أنه عاد ذات ليلة بمصحف فلما فتحه وافق ~~ورقة فيها # واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ~~* من ورائه جهنم ويسقى من ماء ~~صديد # فأمر بالمصحف فعلقوه وأخذ القوس والنبل وجعل يرميه حتى ~~مزقه ثم قال: # أتوعد كل جبار عنيد؟ # فها أنا ذاك جبار عنيد! # إذا لاقيت ربك يوم حشر # فقل لله: مزقني الوليد! # 89 # فلم يكن يهم بني أمية نشر الإسلام، وإنما كان همهم الفتح والتغلب وحشد ~~الأموال، فتوقف نشر الإسلام على عهدهم في الأطراف البعيدة كالسند وتركستان مع ~~رغبة أهلهما فيه، وإنما نفرهم منه شدة بني أمية وجشعهم، فكانوا يسلمون ثم ~~يرتدون تبعا لما يرونه من المعاملة الحسنة أو السيئة. فلما تولى عمر بن عبد ~~العزيز التقى الورع، وسار على خطوات سميه ابن الخطاب، كتب إلى ملوك السند ~~وغيرهم يدعوهم إلى الإسلام على أن يملكهم بلادهم، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما ~~عليهم، وكانت سيرته قد بلغتهم فأسلموا أو تسموا بأسماء العرب. فلما قتل عمر ~~المذكور سنة 101ه، وعاد بنو أمية إلى سابق سيرتهم ارتد أولئك عن الإسلام. # 90 # وقس على ذلك ms0706 ما ارتكبه الأمويون من قتل أبناء علي وصلبهم والمثلة بهم، غير من ~~قتلوه من التابعين وأهل الصلاح صبرا، وأكثرهم إقداما على ذلك عاملهم الحجاج ~~بن يوسف. ~~(10) الفتك والبطش في عصر الأمويين # كان المسلمون في أيام الراشدين يرون الطاعة للإمام واجبة، لا يحتاجون في سياسة ~~شؤونهم إلى حيلة أو عنف، ولا يحيدون عن الحق في أعمالهم أو أقوالهم. إذا أذنب أحدهم ~~اعترف بذنبه وأذعن لما يفرضه الخليفة عليه من القصاص ونحوه، فلم تكن الأحكام تحتاج ~~إلى بحث أو نقض أو حيلة، ولا تنفيذها يفتقر إلى شدة أو عنف. وربما اقتصر القصاص على ~~التوبيخ أو اللوم، وإذا أخطأ الخليفة حكم على نفسه كما يحكم على رعيته. ولم يكن ~~عندهم سجن يحبس فيه الناس، وأول من وضع السجن معاوية، وهو أيضا وضع الحرس # 91 # لقلة الحاجة إلى ذلك في عصر الراشدين، فكان عمر بن الخطاب يأمر القائد ~~من كبار الصحابة أن يأتيه فيأتي صاغرا، مع علمه أنه لو امتنع عن المجيء لعجز ~~الخليفة عن استقدامه. وقد يأمر بجلد الرجل منهم فيذعن مطيعا. وكان عمر لا يتغاضى ~~عن الذنب الصغير خوفا من الذنب الكبير؛ ولذلك اشتهر بالحزم والصرامة. # فلما تولى الخلافة معاوية، وسلم الأعمال إلى دهاته في العراق، وفارس ومصر وغيرها، ~~والمسلمون لا يزالون في أريحيتهم وأنفتهم، وقد أطلق معاوية ألسنتهم بحلمه وسعة ~~صدره، خاف العمال أن يجر ذلك إلى استفحال الأمر فعمدوا إلى الشدة. وأول من توخى ~~الشدة والعنف زياد بن أبيه عامل معاوية على العراق، زعم أنه يفعل ذلك اقتداء بعمر ~~بن الخطاب في إقامة السياسات بالصرامة والحزم، ولكنه أسرف وتجاوز الحد. وهو أول من ~~شدد أمر السلطة وأكد الملك لمعاوية، فجرد سيفه وأخذ بالظنة وعاقب على الشبهة # 92 # وتولى العراق بعده ابنه عبيد الله بن زياد في خلافة يزيد بن معاوية، ~~وفي أيامه قام الحسين بن علي يطالب بالخلافة، وقد نقض بيعة يزيد وحمل على العراق، ~~فكتب يزيد إلى ابن زياد: «احبس على التهمة، وخذ بالظنة، غير أن لا تقتل إلا ms0707 من قاتلك». # 93 # ولما أفضت ولاية العراق إلى الحجاج بن يوسف في خلافة عبد الملك بن مروان ~~(65-86ه)، وقد كثر المطالبون بالخلافة، أراد الحجاج أن يتشبه بزياد وابنه في الشدة ~~والعنف، فبالغ في ذلك حتى أهلك ودمر # 94 # ولم يكن الحجاج أشد وطأة من زياد أو ابنه، ولكن زيادا كان يزجره حلم ~~معاوية، وابن زياد يزجره أمر يزيد أن لا يقاتل إلا من قاتله. وأما الحجاج فقد ~~أعانته شدة عبد الملك على المبالغة في الشدة، فأكبر المسلمون ذلك ونقموا على تلك ~~الدولة، وكثر الخارجون عليها واتهموا خلفاءها بالمروق من الدين. ومن أقوال الخوارج ~~فيهم: «أن بني أمية فرقة بطشهم بطش جبارين: يأخذون بالظنة، ويقضون بالهوى، ويقتلون ~~على الغضب». # 95 ~~(10-1) بسر بن أرطاة وقتل الأطفال # على أن سياسة بني أمية كانت من أول أمرها مبنية على الشدة والحزم، على ما ~~تقتضيه سياسة الممالك في ذلك العصر، ثم تجاوزوا الحدود ولم يبالوا بالفتك ~~والقتل في سبيل تأييد دعوتهم والتغلب على أعدائهم. فكانوا يطلقون أيدي عمالهم ~~في الأحكام، يقتلون ويصلبون على ما يتراءى لهم بدون مشورة الخليفة، مع أن ذلك ~~لم يكن جائزا في أيام الراشدين؛ لأن الخليفة منهم كان وهو مقيم في المدينة ~~يدير شؤون الرعايا في أطراف المملكة، وهذا الذي أراد عمر بن عبد العزيز أن يرجع ~~إليه في أيام خلافته فلم يفسح له الأجل. # 96 # فلما مات كتب خليفته يزيد بن عبد الملك إلى عماله أن يعودوا إلى ما ~~كانوا عليه قبلا من الشدة والبطش. # 97 # فكان الخلفاء من بني أمية يرون في إطلاق أيدي عمالهم أو قوادهم تشجيعا لهم ~~وتنفيذا لأغراضهم. وربما حرضهم الخليفة على الفتك عند الحاجة، حتى في أيام ~~معاوية، فإنه أرسل بسر بن أرطاة بعد تحكيم الحكمين وعلى بن أبي طالب يومئذ حي، ~~وأرسل معه جيشا. ويقال: إنه أوصاهم أن يسيروا في الأرض ويقتلوا كل من وجدوه من ~~شيعة علي، ولا يكفوا أيديهم عن النساء والصبيان. فسار بسر على وجهه حتى انتهى ~~إلى المدينة، فقتل ms0708 فيها أناسا من أصحاب علي وهدم دورهم، ومضى إلى مكة وغيرها ~~يقتل ويهدم، حتى أتى اليمن وعليها عبيد الله بن عباس عامل علي وابن عمه، وكان ~~غائبا فرارا من القتل، فوجد بسر ابنين له صبيين أسماهما عبد الرحمن وقثم، ~~فأخذهما وذبحهما بيده بمدية كانت معه. # 98 # وذكروا أن الغلامين كانا عند رجل من كنانة بالبادية، فلما أراد بسر ~~قتلهما قال الكناني: «تقتل هذين ولا ذنب لهما؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما» ~~فقتله وقتلهما معه، فصاحت امرأة من كنانة: «يا هذا قتلت الرجال فعلام تقتل ~~هذين؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية ولا الإسلام، والله يا ابن أرطاة إن ~~سلطانا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ونزع الرحمة وعقوق ~~الأرحام لسلطان سوء». وقالت أم الصبيين شعرا في رثائهما كانت تنشده في المواسم ~~مطلعه: # يا من أحس بابني اللذين هما # كالدرتين تشظى عنهما الصدف # على أننا لا نظن معاوية كان راضيا عن ذلك العمل الفظيع؛ لأنه يخالف دهاءه ~~وحلمه، ونظنه أطلق يد بسر ولم يعين له حدودا، وكان بسر سفاكا للدماء فلم ~~يستثن طفلا ولا شيخا. ويؤيد ذلك ما أراد فعله بأولاد زياد بن أبيه بعد موت ~~علي، إذ خاف معاوية زيادا وكان عامله على فارس فأمر بسر أن يستقدمه إليه، ~~فأمسك بسر أولاد زياد وكتب إليه: «أما تأتي حالا أو أقتل أولادك»، فلما بلغ ~~معاوية ذلك منع بسرا من قتلهم. # 99 # فإذا كان هذا حال العمال في أيام معاوية مع حلمه وطول أناته، فكيف في أيام ~~عبد الملك مع شدته وفتكه. فهل يستغرب ما يقال عن فتك الحجاج وكثرة من قتلهم ~~صبرا ولو كانوا 120000، وهل يستبعد أن يكون في حبسه عند موته 50000 رجل و30000 امرأة؟ # 100 # وكان عبد الملك أشد وطأة منه وأجرأ على الغدر والفتك، بل هو أول من ~~غدر في الإسلام بعد أن أعطى الأمان - وذلك أن عمرو بن سعيد الأشدق أحد أمراء ~~عبد الملك طمع في الملك لنفسه، فاغتنم خروج عبد الملك من دمشق سنة ms0709 69ه لحرب ~~مصعب بن الزبير في العراق، وجاء إلى الشام ووضع يده عليها. فبلغ عبد الملك ذلك ~~وهو في الطريق، فرجع حالا إلى دمشق وقاتل عمرا أياما فلم يقدر عليه، فخاف ~~على سلطانه فاحتال في عقد الصلح فرضي عمرو وكتبا بينهما كتابا فيه أمان عبد ~~الملك له. فاطمأن خاطر عمرو المذكور، وخرج إلى الخليفة حتى أوطأ فرسه أطناب عبد ~~الملك، ثم دخل عليه فاجتمعا ودخل عبد الملك دمشق. # وبعد دخوله بأربعة أيام أرسل إلى عمرو فأجابه أنه آت العشية، وأتاه في مئة من ~~مواليه، ودخل على عبد الملك وعنده جماعة من بني مروان، وقد بقي مواليه خارجا. ~~فاستقبله عبد الملك حتى أجلسه معه على السرير وجعل يحادثه، ثم أمر أحد الغلمان ~~أن يأخذ سيفه وقال له: «أتطمع أن تجلس معي متقلدا سيفك؟» فأعطاه السيف. ثم قال ~~عبد الملك: «يا أبا أمية (عمرو) إنك حينما خلعتني آليت بيمين إن أنا ملأت عيني ~~منك وأنا مالك لك أن أجعلك في جامعة»، فقال له الحضور من بني مروان: «ثم تطلقه ~~يا أمير المؤمنين؟»، قال: «نعم، وما عسيت أن أصنع بأبي أمية؟». فقال بنو مروان ~~لعمرو: «أبر قسم أمير المؤمنين»، فقال: «قد أبر الله قسمك يا أمير المؤمنين». ~~فأخرج عبد الملك من تحت فراشه جامعة وقال: «يا غلام قم فاجمعه فيها»، فقام ~~الغلام فجمعه فيها فقال عمرو: «أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على ~~رؤوس الناس»، فقال: «أمكر يا أبا أمية عند الموت؟ لا والله ما كنا لنخرجك في ~~جامعة على رؤوس الناس». ثم جذبه جذبة فوقع وأصاب فمه السرير فكسر ثنيته، فقال ~~عمرو: «اذكر الله يا أمير المؤمنين، كسر عظم مني فلا تركب ما هو أعظم من ذلك»، ~~فقال عبد الملك: «والله لو أعلم أنك تبقي علي لو أبقيت عليك وتصلح قريش ~~لأطلقتك، ولكن ما اجتمع رجلان في بلدة قط على ما نحن عليه إلا أخرج أحدهما ~~صاحبه». فلما رأى أنه يريد قتله قال: «أغدر يا ابن الزرقاء؟» ثم قتله عبد ms0710 الملك. # 101 # وترى مما دار بينهما أن الذي جر عبد الملك إلى هذا الغدر كثرة الطامعين في ~~السلطة، ولا رادع لهم من عند أنفسهم كما كانوا في عصر الدين والتقوى، فأصبح ~~القوي يأكل الضعيف ومن سبق إلى قتل صاحبة ملك، وهي سياسة الفتك. وقد نفعتهم هذه ~~السياسة في تأييد سلطانهم، ثم صارت سنة فيمن ملك بعدهم من بني العباس وغيرهم. ~~وآخر حادثة جرت من هذا القبيل فتك محمد علي باشا بالمماليك، وقد عمد بنو أمية ~~إلى ذلك استعجالا للنصر وتخلصا من أسباب النزاع، فإذا خرج عليهم خارج جعلوا ~~همهم قتله، لعلمهم أنه إذا قتل تفرق أصحابه، وإذا لم يتفرقوا استرضوهم بالأموال ~~أو نحوها. ~~(10-2) خزانة الرؤوس # وكانوا يقتلون الخارجين عليهم ويمثلون بقتلاهم إرهابا لأحزابهم، فيقطعون رأس ~~الرجل ويطوفون به من بلد إلى بلد أو يصلبون الجثة حيث تزدحم الأقدام - كانوا ~~يفعلون ذلك على الخصوص برؤساء الأحزاب ولا سيما العلويين، فكان العامل الأموي ~~يقتل الخارج على الدولة ويبعث برأسه إلى الخليفة في الشام ليطاف به في الأسواق. ~~وأول رأس حمل من بلد إلى بلد رأس عمر بن الحمق الخزاعي # 102 # أحد قتلة عثمان، وأول رأس طيف به في الأسواق رأس محمد بن أبي بكر # 103 # وأول رأس حمل إلى الخلفاء رأسا هانئ وابن عقيل من أشياع الحسين في ~~الكوفة، ثم رأس الحسين بن علي، أرسله ابن زياد من الكوفة إلى يزيد بن معاوية في ~~الشام، وكذلك فعل المختار برؤوس قتلة الحسين، فإنه أرسلها إلى محمد بن الحنفية. # 104 # وهكذا فعل الحجاج برأس عبد الله بن الزبير ورؤوس أصحابه، فإنه ~~أرسلها من مكة إلى عبد الملك بن مروان في الشام، وكذلك فعل عبد الملك برأس مصعب ~~بن الزبير، فإنه سيره من الكوفة إلى الشام فنصب فيها. # 105 # ومن غريب ما يحكى أنهم لما جاءوا إلى عبد الملك برأس مصعب بن الزبير، وهو ~~جالس في طاق بالكوفة، كان ابن عمير اللخمي حاضرا عنده، فلما رأى الرأس بين يدي ~~عبد الملك ارتعد. فقال له ms0711 عبد الملك: «ما لك؟»، قال: «أعيذ بالله أمير ~~المؤمنين! كنت في هذا الطاق بهذا الموضع مع عبيد الله بن زياد فرأيت رأس الحسين ~~بن علي بين يديه في هذا المكان، ثم كنت مع المختار بن أبي عبيد الثقفي، فرأيت ~~رأس عبيد الله بن زياد بين يديه، ثم كنت فيه مع مصعب بن الزبير هذا فرأيت فيه ~~رأس المختار بين يديه، ثم هذا رأس مصعب بن الزبير بين يديك!» فتشاءم عبد الملك ~~من ذلك، وقام فأمر بهدم ذلك الطاق. # 106 # وصار قطع الرؤوس على هذه الصورة سنة في عصر بني أمية ومن جاء بعدهم من بني ~~العباس، وصار للرؤوس في دار الخلافة خزانة يحفظونها فيها: كل رأس في سقط خاص # 107 # وجرت العادة أيضا بصلب الجثث أو الرؤوس. لكنهم لم يكونوا ينصبون ~~إلا رؤوس الخوارج # 108 # ويطوفون بها على رمح، وكان بنو أمية يعدون العلويين خوارج، فكانوا ~~إذا قتلوا أحدهم صلبوه. # ومن هذا القبيل تشديدهم في العذاب قبل القتل، ولعل ذلك من مخترعات الحجاج ~~لإرهاب أعدائه وإخضاعهم بالعنف. فمن ضروب التعذيب أنه كان يأتي بالقصب الفارسي، ~~فيشقه ويشده على الرجل وهو عار، ثم يسله قصبة قصبة حتى يقطع جسده، ثم يصب عليه ~~الخل والملح حتى يموت # 109 # فعل ذلك ببعض الذين حاربوه مع ابن الأشعث إرهابا لسواهم. وكان ~~الخوارج أيضا يفعلون نحو ذلك بمن ظفروا به من أعدائهم، حتى لقد يضعون الأطفال ~~في القدور وهي تفور # 110 # إما اشتفاء أو انتقاما أو إرهابا. ~~(11) الموالي وأحكامهم في عصر الأمويين ~~(11-1) تكاثر الموالي # أفضت الخلافة إلى الأمويين في أواسط القرن الأول للهجرة، وعدد الموالي آخذ في ~~الزيادة بموالاة الفتح وتكاثر الرقيق بالأسر أو الإهداء؛ لأن العمال كثيرا ما ~~كانوا يبعثون بمئات أو ألوف من الرقيق الأبيض والأسود إلى بلاط الخليفة هدية أو ~~بدلا من الخراج أو نحوه # 111 # والخليفة يفرق ذلك في أهل بطانته أو قواده، وهؤلاء يفرقونه فيمن ~~حولهم أو يبيعونه فينتقل إلى الناس على اختلاف طبقاتهم، فمن أنجب من أولئك ~~الأرقاء ms0712 أو أعتق لسبب من الأسباب صار مولى، وذلك كثير وعادى يومئذ - غير الذين ~~كانوا يدخلون في الولاء بالعقد وغيره. فتزايد عدد الموالي في عصر الأمويين ~~زيادة عظيمة، وصاروا يتقربون من مواليهم بما يحتاجون إليه من شؤونهم، فاستخدمهم ~~العرب في مصالحهم الصناعية أو الزراعية أو الدينية أو العلمية، واشتغلوا هم ~~بالرياسة والسياسة؛ ولذلك كان أكثر القراء والشعراء والمغنين والكتاب والحجاب ~~من الموالي. # وقد يثري المولى فيبتاع العبيد ويعتقهم فيصيرون من مواليه، وهؤلاء إذا استطاع ~~أحدهم أو بعض أولاده اقتناء العبيد وإعتاقهم صاروا مواليه، وهكذا حتى يتفق ~~أحيانا أن يكون الرجل مولى مولى، أو مولى مولى مولى أو أكثر - فعبد الله بن ~~وهب الفقيه المالكي الشهير كان مولى يزيد بن زمانة، وهذا مولى يزيد بن أنس ~~الفهري. وكذلك حماد بن سامة، والليث بن سعد، وأبو أسامة وغيرهم. وكان ابن مناذر ~~الشاعر مولى سليمان القهرمان، وسليمان مولى عبيد الله بن أبي بكرة، وعبيد الله ~~من موالي النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # 112 # وأغرب من ذلك أن عبيد الله هذا ادعى أنه عربي من ثقيف، وادعى ~~سليمان القهرمان أنه عربي من تميم، وادعى ابن مناذر أنه عربي من بني جبير بن ~~يربوع، فيكون ابن مناذر مولى مولى مولى، ودعيا لمولى لمولى دعي مولى دعي. ~~وقد بلغت نسبة الولاء عندهم إلى خمس درجات، فداود بن خالد بن دينار وإخوته من ~~أهل الحديث، وكلهم من موالي آل حنين، وآل حنين موالي مثقب، ومثقب مولى مسحل، ~~ومسحل مولى شماس، وشماس مولى العباس بن عبد المطلب # 113 # فهو مولى مولى مولى مولى مولى. وقس على ذلك، مما يدل على تكاثر ~~الموالي في ذلك العصر، وفيهم الفارسي والفرغاني والتركي والديلمي والخراساني ~~والرومي والبربري والسندي وغيرهم، يشتغلون بما يحتاج إليه العرب من المهن ~~والصناعات والآداب. # ناهيك بالموالي المحاربين، فقد كان في كل قبيلة من العرب عدد كبير منهم، ربما ~~زاد على عددها، فإذا خرجت للحرب خرجوا معها، وحاربوا في سبيل نصرتها. واختلف ~~عدد الموالي بالنسبة إلى مواليهم باختلاف الأعصر، ففي ms0713 أيام على كانت نسبة ~~الموالي الأحرار ممن يخرجون إلى الحرب كنسبة واحد إلى خمسة، # 114 # ثم تكاثر الموالي في عصر الأمويين حتى زاد عددهم على عدد الأحرار. ~~وبنو أمية مع ذلك يحتقرونهم ويضطهدونهم، وهم يصبرون على ذلك أو يفرون من ~~سلطانهم إلى أطراف المملكة . وممن فر من جور بني أمية ميمون جد إبراهيم الموصلي ~~المغني المشهور. # 115 ~~(11-2) نقمة الموالي على العرب # فلما تكاثر الموالي ورأوا ما كان فيه الأمويون من التعصب للعرب على سواهم - ~~ولا سيما الموالي، حتى كانوا يستخدمونهم في الحروب مشاة ولا يعطونهم عطاء ولا ~~شيئا من الغنائم أو الفيء - عظم ذلك عليهم، ورأوا في نفوسهم قوة فنفرت قلوبهم ~~من بني أمية، وأصبحوا عونا لكل من خلع الطاعة أو طلب الخلافة من العلويين أو ~~الخوارج. فكل من قام لمحاربة الأمويين استعان عليهم بالموالي والعبيد، وهم ~~الفئة المظلومة، وأشهر من حاربهم بالموالي والعبيد المختار بن أبي عبيد الذي ~~قام في العراق للمطالبة بدم الحسين سنة 66ه، ثم طلب الخلافة لمحمد بن الحنفية - ~~فالمختار المذكور أطمع موالي العراق في الغنيمة وأركبهم على الدواب، وكانوا ~~ناقمين على أسيادهم ومواليهم لسوء معاملتهم، فجاءوه متطوعين وجاءه عدد كبير من ~~أباق العبيد، وفيهم من ترك الإسلام غيظا من بني أمية. فكان عدد الموالي في جند ~~المختار أضعاف عدد الأحرار # 116 # وقد أبلوا في الحرب معه أكثر من بلاء الأحرار، لنقمتهم على ~~أسيادهم؛ ولذلك كان أكثر القتلى في تلك الحرب من الموالي، فقد بلغ عدد قتلاهم ~~في معركة سنة 67ه 6000، ليس فيهم من العرب الأحرار إلا 700، وسائرهم من الموالي # 117 # وفاز المختار بالانتقام للحسين فوزا حسنا وقتل قتلته. ولما رأي ~~وجهاء الكوفة انتصار المختار بمواليهم وعبيدهم بعثوا إليه يقولون: «إنك آذيتنا ~~بموالينا. فحملتهم على الدواب وأعطيتهم فيئنا» فأجابهم: «إن أنا تركت مواليكم، ~~وجعلت فيئكم لكم، تقاتلون معي بني أمية وابن الزبير، وتعطونني على الوفاء عهد ~~الله وميثاقه، وما أطمئن إليه من الإيمان؟» فلم يرضوا. والمختار أول من جند ~~الموالي وفاز بهم، فجرأهم ذلك على ms0714 الدولة واستخفوا بها ونصروا أعداءها، وأصبح ~~الخلفاء العقلاء يسترضونهم بالعطاء ونحوه وأول من فرض لهم العطاء من بني أمية ~~معاوية، فإنه جعل لكل واحد 15 درهما، فعبد الملك جعلها 20، ثم أبلغها سليمان ~~إلى 25، وجعلها هشام 30 # 118 # على أن ذلك الفرض قلما كان يعطى لهم؛ لأن العمال كانوا يستخدمونهم ~~غالبا بلا عطاء ولا رزق. # 119 # والمولى إذا آنس من مولاه رضاء ومحاسنة استهلك في نصرته، وكان لسيده ثقة فيه، ~~حتى خلفاء بني أمية فقد كانوا يقربون جماعة من مواليهم، يعهدون إليهم بمهامهم ~~ويرفعون منزلتهم ويستشيرونهم في أمورهم، والموالي يخلصون لهم ويستميتون في ~~الدفاع عنهم، كما كان موالي بني هاشم يستميتون في نصرة مواليهم، وكانت تقوم ~~المفاخرات بين الحزبين، وأشهرها مفاخرات سديف وسياب وقد تقدم ذكرها. # وقد يكون المولى من أصل رفيع، أو يرتقي إلى أعلى المراتب، حتى في أيام بني ~~أمية رغم اضطهادهم وتعصبهم عليهم، وأعظم موالي العراق وأشهرهم فيروز مولى أهل ~~الخشخاش، فإنه ولي الولايات وخرج مع ابن الأشعث على الحجاج، فقال الحجاج: «من ~~جاءني برأس فيروز فله عشرة آلاف درهم»، فقال فيروز: «من جاءني برأس بالحجاج فله ~~100000 درهم». فلما غلب ابن الأشعث هرب فيروز إلى خراسان، فقبض عليه ابن المهلب ~~هناك وبعث به إلى الحجاج، فقتله بعد أن عذبه بسل القصب المشقوق على جسمه. # 120 ~~(11-3) زواج الموالي بالعربيات # على أن الموالي في أيام بني أمية كانوا على الإجمال أعداء الدولة، يقومون ~~عليها مع القائمين انتقاما لما كانوا يقاسونه من الاحتقار والجور من عصبية ~~العرب على العجم، فازداد الأمويون تحقيرا لهم. فبعد أن قال النبي: «مولى القوم ~~منهم» منعوا زواجهم بالعربيات، كما كان الفرس يمنعون زواج العرب ببناتهم قبل الإسلام # 121 # فإذا تجرأ مولى على الزواج بعربية وبلغ أمره إلى الوالي طلقها منه، ~~كما حدث لأعراب بني سليم في الروحاء، فإنهم جاءوا الروحاء فخطب إليهم بعض ~~مواليها إحدى بناتهم فزوجوه، فوشى بعضهم إلى والي المدينة بذلك، ففرق الوالي ~~بين الزوجين وضرب المولى مائتي سوط وحلق رأسه ولحيته ms0715 وحاجبيه، فقال محمد بن ~~بشير الخارجي في ذلك بعد مدح عمل الوالي واسمه أبو الوليد: # حمى حدبا لحوم بنات قوم # وهم تحت التراب أبو الوليد # وفي المئتين للمولى نكال # وفي سلب الحواجب والخدود # إذا كافأتهم ببنات كسرى # فهل يجد الموالي من مزيد؟ # فأي الحق أنصف للموالي # من أصهار العبيد إلى العبيد # 122 # وكثيرا ما كانوا يفعلون مثل ذلك بالموالي ، ولو كانوا من أهل المنزلة الرفيعة ~~أو أهل العلم والتقوى، فإن عبد الله بن عون من كرام التابعين ولكنه كان مولى، ~~فتزوج عربية فضربه بلال بن أبي بردة بالسياط. # 123 # على أن ذلك المنع كان شائعا قبل الإسلام، وظل العرب يستنكفون منه رغم ما كان ~~من نص الحديث المذكور وغيره. فسلمان الفارسي نصر المسلمين في حروبهم من أيام ~~النبي، وله فضل كبير في الإسلام، فخطب إلى عمر بن الخطاب ابنته فوعده بها؛ لأنه ~~لم ير في زواجه بها بأسا، أما ابنه عبد الله فلما بلغه ذلك غضب وشكاه إلى عمرو ~~بن العاص فقال له: «هنيئا لك يا أبا عبد الله، أن أمير المؤمنين يتواضع لله - ~~عز وجل - في تزويجك بابنته»، فغضب سلمان وقال: «لا والله لا تزوجت إليه أبدا». # 124 # فتزويج المولى بالعربية بالغ الأمويون في تقبيحه تعصبا للعرب على سواهم، وهو ~~عندهم أقبح من زواج العربي بغير العربية. ولكن ذلك لم يكن محرما في الدين ولا ~~اعتبره أهل التقوى، فعلي بن الحسين بن علي المعروف بزين العابدين - وهو أحد ~~الأئمة الاثني عشر ومن سادات التابعين - كانت أمه سلامة بنت يزدجرد آخر ملوك ~~الفرس، فلما توفي أبوه زوجها بثريد مولى أبيه وأعتق جارية له وتزوجها، فكتب ~~إليه عبد الملك بن مروان يعيره بذلك. فكتب إليه زين العابدين: «لقد كان لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة، وقد أعتق رسول الله صفية بنت حيي بن أخطب وتزوجها، وأعتق ~~زيد بن حارثة وزوجه بنت عمته زينب بنت جحش». # فالإسلام يرفع منزلة المولى، وأما الأمويون فرأوا تحقيره باعتبار أنه غير ~~عربي، وشاع ذلك في أيامهم ms0716 وأصبح الناس يعيرون بمصاهرة الموالي. ومن أشعارهم في ~~رجل من بني عبد القيس بالبحرين زوج ابنته من أحد الموالي قول أبي بجير يؤنب آل ~~عبد القيس لتزويجهم الموالي ومنهم الزارع والتاجر قال: # أمن قلة صرتم إلى أن قبلتم # دعارة زراع وآخر تاجر؟ # وأصهب رومي وأسود فاحم # وأبيض جعد من سراة الأحامر؟ # شكولهم شتى وكل نسيبكم # لقد جئتم في الناس إحدى المناكر # متى قال: إني منكم فمصدق # وإن كان زنجيا غليظ المشافر # أكلهم وافى النساء جدوده # وكلهم أوفى بصدق المعاذر # وكلهم قد كان في أولية # له نسبة معروفة في العشائر # على علمكم أن سوف ينكح فيكم # فجدعا ورغما للأنوف الصواغر # فهلا أتيتم عفة وتكرما # وهلا وجلتم من مقالة شاعر؟ # تعيبون أمرا ظاهرا في بناتكم # وفخركم قد جاز كل مفاخر # متى شاء منكم مغرم كان جده # عمارة عبس خير تلك العمائر # وحصن بن بدر أو زرارة دارم # وزبان زبان الرئيس بن جابر # فقد صرت لا أدري وإن كنت ناسيا # لعل تجارا من هلال بن عامر # وعل رجال الترك من آل مذحج # وعل تميما عصبة من يحامر # وعل رجال العجم من آل عالج # وعل البوادي بدلت بالحواضر # زعمتم بأن الهند أولاد خندف # وبينكم قربى وبين البرابر # وديلم من نسل ابن ضبة باسل # وبرجان من أولاد عمرو بن عامر # بنو الأصفر الأملاك أكرم منكم # وأولى بقربان ملوك الأكاسر # أأطمع في صهري دعيا مجاهرا # ولم تر شرا من دعي مجاهر؟ # ويشتم لؤما عرضه وعشيره # ويمدح جهلا طاهرا وابن طاهر # 125 # وغرس هذا الاعتقاد في أذهان الناس حتى إن الموالي أنفسهم كانوا يستنكفون من ~~تزويج المولى بالعربية. ذكروا أن ابنا لنصيب المغني الشهير - وهو مولى - أحب ~~بنت مولاه وكان مولاه قد مات، فخطبها من أخيه فأجابه إلى طلبه، فعرف نصيب بذلك ~~فجمع وجوه الحي فلما حضروا أقبل نصيب إلى أخي مولاه وقال له: «أزوجت ابني هذا ~~من ابنة أخيك؟» قال: «نعم»، فقال نصيب لعبيد له سود: «خذوا برجل ابني هذا فجروه ~~فاضربوه ضربا مبرحا» ففعلوا، ثم ms0717 قال لأخي مولاه: «لولا أني أكره أذاك لألحقتك ~~به». ثم نظر إلى شاب من أشراف الحي فزوجه الفتاة، وأنفق على العقد من جيبه. # 126 # ومع ذلك فالمولى لم يكن يخطب امرأة لنفسه ولا يزوج ابنته لرجل ما لم يستشر ~~مولاه، فإذا أحب رجل أن يخطب فتاة من بنات الموالي لا يذهب إلى أبيها ولا إلى ~~أخيها، وإنما يخطبها من مواليها، فإن رضي مولاها زوجت وإلا فلا. وإن زوجها الأب ~~أو الأخ بغير رأي مواليه فسخ النكاح، وإن كان قد دخل بها عد ذلك سفاحا. # 127 # وجملة القول: أن تعصب بني أمية للعرب جرهم إلى تحقير غير العرب وخصوصا ~~الموالي، فنقم هؤلاء عليهم وكانوا أكبر المساعدين في إخراج الدولة من ~~أيديهم. ~~(12) أهل الذمة وأحكامهم في عصر الأمويين ~~(12-1) عهود أهل الذمة في أول الإسلام # الذمة في اللغة العهد والأمان والضمان، وأهل الذمة هم المستوطنون في بلاد ~~الإسلام من غير المسلمين. قيل لهم ذلك؛ لأنهم دفعوا الجزية فأمنوا على أرواحهم ~~وأعراضهم وأموالهم، وأكثرهم من النصارى واليهود، وقد دعاهم القرآن «أهل الكتاب» ~~نسبة إلى الكتاب المقدس التوراة والإنجيل، وقد أثنى عليهم وأوصى بهم خيرا. وفي ~~الحديث النبوي أقوال كثيرة بمحاسنة أهل الذمة، وخصوصا قبط مصر، فقد رووا عن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم ذمة ~~ورحما» إشارة إلى أن أم إسماعيل أبي العرب منهم، وقال: «الله الله في أهل ~~الذمة، أهل المدرة السوداء، السحم الجعاد، فإن لهم نسبا وصهرا». # وكان الخفاء الراشدون إذا أنفذوا جيشا للفتح أوصوا قوادهم بأهل الذمة خيرا، ~~ولا سيما النصارى ورهبانهم. وإذا جاءهم أهل المدن بالصلح صالحوهم وعاهدوهم على ~~الحماية، في مقابل ما يؤدونه من الجزية عن رؤوسهم. ويختلف مقدار الجزية ونوعها ~~باختلاف الأحوال، وعلى مقتضى التراضي بين المسلمين وأهل الكتاب، ولكل صلح شروط ~~تختلف باختلاف البلاد، ولكنها في كل حال تقضي على المسلمين بحماية أهل الذمة ~~والدفاع عنهم. فإذا امتنعوا عن أداء الجزية امتنع المسلمون عن حمايتهم، وإذا ~~عرض ms0718 للمسلمين ما يمنع حمايتهم جاز لأهل الذمة الإمساك عن الدفع. # 128 # وفي تاريخ الفتوح عهود كثيرة كتبت لأهل الذمة، عاهدهم المسلمون فيها بحمايتهم ~~وتسهيل أعمالهم، في مقابل ما يؤدونه من الجزية، ككتاب النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى صاحب ~~أيلة (في العقبة)، وإلى أهل أذرح في أثناء ~~غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة. وهاك كتاب النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى صاحب أيلة: # بسم الله الرحمن الرحيم. هذه أمنة من الله ومحمد رسول الله ليحيى بن رؤبة ~~وأهل أيلة: سفنهم وسياراتهم في البر والبحر لهم ذمة الله وذمة محمد النبي، ~~ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا، ~~فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن ~~يمنعوا ما يردونه، ولا طريقا يردونه من بر أو بحر. # 129 # وهاك كتابه إلى أهل أذرح وأهل مقنا: # بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى بني حبيبة وأهل مقنا: سلم ~~أنتم، فإنه أنزل على أنكم راجعون إلى قربتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا فإنكم ~~آمنون، ولكم ذمة الله وذمة رسوله، وأن رسول الله قد غفر لكم ذنوبكم وكل دم ~~اتبعتم به. لا شريك لكم في قريتكم إلا رسول الله أو رسول رسول الله، وأنه ~~لا ظلم عليكم ولا عدوان، وأن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يجيركم مما يجير منه نفسه، ~~فإن لرسول الله بزتكم ورقيقكم والكراع والحلقة، إلا ما عفا عنه رسول الله ~~أو رسول رسول الله، وأن عليكم بعد ذلك ربع ما أخرجت نخيلكم وربع ما صادت ~~عرككم وربع ما اغتزلت نساؤكم، وإنكم قد ثريتم بعد ذلك ورفعكم رسول الله عن ~~كل جزية وسخرة، فإن سمعتم وأطعتم فعلى رسول الله أن يكرم كريمكم ويعفو عن ~~مسيئكم، ومن ائتمر في بني حبيبة وأهل مقنا من المسلمين خيرا فهو خير له، ~~ومن أطلعهم بشر فهو شر له، وليس عليكم أمير إلا من أنفسكم أو أهل بيت رسول ~~الله # صلى ms0719 الله عليه وسلم ~~. وكتب علي بن أبي طالب في السنة التاسعة. # 130 # واقتدى بالنبي # صلى الله عليه وسلم # قواده في أثناء الفتح بالشام ومصر والعراق وفارس، ~~وكتبوا العهود لأهل الذمة على نحو ما تقدم في مقابل الجزية - منها عهد خالد بن ~~الوليد الذي كتبه لأهل الشام، وهذا نصه: # بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق: إذا دخلها ~~أعطاهم أمانا على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم ، وسور مدينتهم لا يهدم، ولا ~~يسكن شيء من دورهم. لهم بذلك عهد الله وذمة رسوله والخلفاء والمؤمنين، لا ~~يعرض لهم إلا بخير إلا إذا أعطوا الجزية. # 131 # وإليك صورة عهد أبي عبيدة إلى أهل بعلبك: # بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب أمان لفلان بن فلان وأهل بعلبك، رومها ~~وفرسها وعربها، على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم ودورهم، وأهل المدينة وخارجها ~~وعلى أرحائهم، وللروم أن يرعوا سرحهم ما بينهم وبين خمسة عشر ميلا، ولا ~~ينزلوا قرية عامرة، فإن مضى شهر ربيع وجمادى الأولى ساروا إلى حيث شاءوا، ~~ومن أسلم منهم فله ما لنا وعليه ما علينا، ولتجارهم أن يسافروا إلى حيث ~~أرادوا من البلاد التي صالحنا عليها، وعلى من أقام منهم الجزية، والخراج، ~~شهد الله وكفى بالله شهيدا. # 132 # وقس عليه عهود سائر الفاتحين، مثل عمرو بن العاص وسعد بن أبي وقاص وغيرهما، ~~في مصر والعراق وفلسطين وفارس وأفريقية والأندلس وغيرها، على أنهم كانوا ~~يشترطون في الجزية أن يؤديها أهل الذمة عن يد وهم صاغرون. # أما شروط الصلح فكانت تختلف شدة ورفقا باختلاف البلاد والأحوال التي فتحت ~~بها، فصلح مصر يختلف عن صلح الشام، وصلح الشام غير صلح العراق. ~~(13) العهدة النبوية # وبين أيدي الناس نسخ من عهد يقولون: أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كتبه إلى النصارى ورهبانهم ~~يسمونه «العهدة النبوية»، والنسخ المذكورة تختلف نصا وتتفق مغزى. ويقولون: أن ~~العهد المذكور كتب بخط علي بن أبي طالب، ووضع في مسجد النبي في السنة الثانية ~~للهجرة، وحملت منه نسخ إلى الأديار، ومن ذلك نسخة كانت محفوظة ms0720 في دير طور سينا، ~~فنقلها السلطان سليم الفاتح العثماني إلى الأستانة في أوائل القرن السادس عشر ~~للميلاد، بعد أن عرضها على مجلس شرعي، فنقلوها إلى اللغة التركية، وأبقوا النسخة ~~التركية في الدير وصورة الأصل العربي مع عهود برعاية حقوقهم الواردة في نص في ذلك ~~العهد، وحملوا النسخة العربية الأصلية إلى الآستانة # 133 ~~- وإليك نص العهدة النبوية نقلا عن كتاب «منشآت سلاطين» لأفريدون بك ~~بعد البسملة: # 134 # هذا كتاب كتبه محمد بن عبد الله إلى كافة الناس أجمعين، رسوله مبشرا ونذيرا ~~ومؤتمنا على وديعة الله في خلقه؛ لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل وكان الله ~~عزيزا حكيما، كتبه لأهل ملة النصارى ولمن تنحل دين النصرانية، من مشارق الأرض ~~ومغاربها قريبها وبعيدها فصيحها وعجمها معروفها ومجهولها، جعل لهم عهدا فمن ~~نكث العهد الذي فيه وخالفه إلى غيره وتعدى ما أمره، كان لعهد الله ناكثا ~~ولميثاقه ناقضا وبدينه مستهزئا وللعنته مستوجبا، سلطانا كان أم غيره من ~~المسلمين - وإن احتمى راهب أو سائح في جبل أو واد أو مغارة أو عمران أو سهل أو ~~رمل أو بيعة، فأنا أكون من ورائهم أذب عنهم من كل غيرة لهم بنفسي وأعواني ~~وأهلي وملتي وأتباعي؛ لأنهم رعيتي وأهل ذمتي وأنا أعزل عنهم الأذى في المؤن ~~التي يحمل أهل العهد من القيام بالخراج، إلا ما طابت له نفوسهم، وليس عليهم جبر ~~ولا إكراه على شيء من ذلك، ولا يغير أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا ~~حبيس من صومعته ولا سائح من سياحته، ولا يهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم، ولا ~~يدخل شيء من مال كنائسهم في بناء مساجد المسلمين ولا في بناء منازلهم، فمن فعل ~~شيئا من ذلك فقد نكث عهد الله وعهد رسوله. ولا يحمل على الرهبان والأساقفة ولا ~~من يتعبد جزية ولا غرامة، وأنا أحفظ ذمتهم أينما كانوا من بر أو بحر في المشرق ~~أو المغرب والجنوب والشمال، وهم في ذمتي وميثاقي وأماني من كل مكروه، وكذلك من ~~ينفرد بالعبادة في الجبال والمواضع المباركة ms0721 لا يلزمهم مما يزرعونه لا خراج ولا ~~عشر، ولا يشاطرون لكونه برسم أفواههم، ولا يعاونون عند إدراك الغلة، ولا يلزمون ~~بخروج في حرب وقيام بجبربة، ولا من أصحاب الخراج وذوي الأموال والعقارات ~~والتجارات مما هو أكثر من اثني عشر درهما بالجملة في كل عام، ولا يكلف أحد منهم ~~شططا ولا يجادلون إلا بالتي هي أحسن، ويحفظونهم تحت جناح الرحمة، يكف عنهم ~~أذية المكروه حيثما كانوا وحيثما حلوا - وإن صارت النصرانية عند المسلمين ~~فعليها برضاها ويمكنها من الصلاة في بيعها، ولا يحال بينها وبين هوى دينها، ومن ~~خان عهد الله واعتمد بالضد من ذلك فقد عصى ميثاقه ورسوله، ويعاونون على مرمة ~~بيعهم ومواضعهم، وتكون تلك مقبولة لهم على دينهم وفعالهم بالعهد، ولا يلزم أحد ~~منهم بنقل سلاح بل المسلمون يذبون عنهم، ولا يخالف هذا العهد أبدا إلى حين ~~تقوم الساعة وتنقضي الدنيا. ا.ه. # والغالب في اعتقادنا أن النبي # صلى الله عليه وسلم # إذا كان قد أعطى عهدا للنصارى والرهبان ~~عموما فهو غير هذا العهد، أو لعله كان مختصرا وطولوه، أو تنوسي وضاع أصله فكتبوه ~~من عندهم، أو أن النصارى وضعوا هذا العهد من عند أنفسهم لغرض سياسي، إذ لم يذكر خبر ~~هذا العهد أحد من مؤرخي الفتوح أو غيرهم من كتاب المسلمين في الأزمنة الأولى، ~~فضلا عما في عبارته وألفاظه مما لم يكن معروفا في صدر الإسلام، وخصوصا في السنة ~~الثانية للهجرة. ~~(14) عهد عمر # ويذكرون أيضا عهدا يعرف بعهد عمر بن الخطاب لأهل الشام، أشار إليه غير واحد من ~~مؤرخي المسلمين، وقد أورده بعضهم بنصه منهم أبو بكر محمد بن محمد بن الوليد الفهري ~~الطرطوشي المالكي المتوفى سنة 520ه، أورده في كتاب «سراج الملوك» نقلا عن عبد ~~الرحمن بن غنم الأشعري المتوفى سنة 78، وإليك صورة العهد المذكور برواية ابن غنم ~~قال: # كتبنا لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين صالح نصارى أهل الشام: (بسم الله ~~الرحمن الرحيم. هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة (كذا) ~~إنكم لما قدمتم ms0722 علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، ~~وشرطنا لكم على أنفسنا ألا نحدث في مدائننا ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا ~~قلية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها ولا ما كان مختطا منها في خطط ~~المسلمين في ليل ولا نهار. وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ننزل من ~~مر بنا من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم. ولا نؤوي في كنائسنا ولا في منازلنا ~~جاسوسا، ولا نكتم غشا للمسلمين ، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شرعنا، ~~ولا ندعو إليه أحدا، وألا نمنع أحدا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن ~~أراد، وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس، ولا نتشبه ~~بهم في شيء من لباسهم من قلنسوة ولا عمامة، ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا نتكلم ~~بكلامهم ولا نكتني بكناهم ولا نركب بالسروج، ولا نتقلد السيوف ولا نتخذ شيئا ~~من السلاح ولا نحمله معنا، ولا ننقش على خواتمنا بالعربية ولا نبيع الخمور. وأن ~~نجز مقادم رؤوسنا ونلزم زينا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا ولا نظهر ~~صلباننا وكتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في ~~كنائسنا إلا ضربا خفيفا، ولا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من ~~حضرة المسلمين، ولا نخرج شعانيننا ولا باعوثنا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا ~~نظهر النيران في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا، ولا ~~نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين ولا نتطلع إلى منازلهم)، فلما أتيت ~~عمر - رضي الله عنه - بالكتاب زاد فيه (ولا نضرب أحدا من المسلمين، شرطنا ذلك ~~على أنفسنا وأهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه ~~لكم وضمنا على أنفسنا فلا ذمة لنا، وقد حل منا ما يحل من أهل المعاندة ~~والشقاق)، فكتب إليه عمر (أمض ما سألوه وألحق فيه حرفين اشترطهما عليهم مع ما ~~شرطوه على أنفسهم: أن لا يشتروا شيئا من سبايا المسلمين، ومن ضرب مسلما عمدا ms0723 ~~فقد خلع عهده. ا.ه. # 135 # ويلحق بالعهد المذكور أحكام تتعلق بالكنائس وضعها عمر أيضا، وذلك أنه أمر فهدم ~~كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام، ومنع من أن تحدث كنيسة بعد الإسلام، وأمر أن لا تظهر ~~عليه خارجة من كنيسة ولا يظهر صليب خارج من كنيسة إلا كسر على رأس صاحبه. # 136 # وترى في نص هذا العهد ضغطا على النصارى وتصغيرا لهم، خلافا لما جاء في سائر ~~عهود الأمان أو كتب الصلح في صدر الإسلام، وخلافا لما هو معروف من عدل عمر بن ~~الخطاب ورفقه بأهل الذمة، كما يستدل من سيرة حياته فإنها تدل على صدق لهجته في ~~الفكر والقول والعمل، فكان إذا أساء مسلم إلى مسيحي اقتص له منه ولو كان المسلم من ~~كبار الصحابة، كما اقتص لذلك القبطي من عمرو بن العاص وابنه وقال لعمر: «يا عمرو ~~مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟». # 137 # فنرى لأول وهلة تناقضا بين هذه المناقب ونص هذا العهد، فيتبادر إلى الذهن أنه ~~موضوع بعد عصر عمر بأزمان، كما قلنا عن نص العهدة النبوية، ولكن حاله يختلف عن ~~حالها بما يرجح صحته. فلننظر أولا في صحة نسبته إلى عمر، ثم في سبب التناقض الظاهر ~~بينه وبين مناقبه. ~~(15) نسبة هذا العهد إلى عمر # الأرجح في اعتقادنا أن عمر كتب عهدا لنصارى الشام، إن لم يكن هذا هو بنصه فهو ~~بمعناه على الأقل، وسبب هذا الترجيح: ~~(1) # أن العهد المذكور وارد في كتب المسلمين بنصه الأصلي بطريق الإسناد، ~~فالطرطوشي وإن كان من أهل القرن السادس للهجرة، فإنه أورد نص العهد ~~بطريق الإسناد إلى الراوي الأصلي، على عادة المؤرخين المحققين في أوائل ~~الإسلام، مما يدل على أنه نقله من كتاب قديم. ~~(2) # أن «سراج الملوك» الذي أورد نص هذا العهد هو من كتب الأدب والسياسة ~~المهمة، وليس من كتب الفكاهة، ومؤلفة من أكبر علماء الأندلس، صحب أبا ~~الوليد الباجي وأخذ عنه مسائل الخلاف وأجاز له، وقرأ الفرائض والحساب ~~والأدب، وجاء بغداد ومصر وتفقه على أبي بكر الشاشي ms0724 وعلي أبي أحمد ~~الجرجاني، وأتى الشام وسكنها ودرس بها وكان إماما فقيها عالما ~~زاهدا ورعا. وكان مع ذلك متعصبا على النصارى يرى تحقيرهم، واتفق أنه ~~دخل على الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بمصر وبجانب الأفضل رجل نصراني ~~فوعظ الأفضل حتى بكى ثم أنشد: # يا ذا الذي طاعته قربة # وحقه مفترض واجب # إن الذي شرفت من أجله # يزعم هذا أنه كاذب # وأشار إلى النصراني فأقامه الفضل من موضعه # 138 # ولعل تعصبه هذا حمله على إثبات هذا العهد في كتابه، مع ~~رغبة أكثر الذين سبقوه في إغفاله لما توهموا فيه من المغايرة لمناقب ~~الخلفاء الراشدين. ولا يقال: أن الطرطوشي وضع هذا العهد من عند نفسه؛ ~~لأن من كان في منزلته من الزهد والتقوى ينزه نفسه عن الكذب. ~~(3) # إن أكثر مواد هذا العهد واردة في كتب الفقه من أحكام أهل الذمة، كما ~~وردت في هذا العهد بمعناها الحرفي تقريبا # 139 # وأكثر هذه الأحكام كتب قبل زمن الطرطوشي. ناهيك بما جاء من ~~ذلك في كتب السياسة والإدارة، وبعضها أشار إلى هذا العهد إشارة صريحة ~~وأورد بعض نصه. فقد جاء في كتاب الأحكام السلطانية للماوردي المتوفى ~~سنة 450ه (أي: قبل الطرطوشي بخمس وسبعين سنة) بباب الجزية والخراج ~~قوله: «وإذا صولحوا - النصارى - على ضيافة من مر بهم من المسلمين ثلاثة ~~أيام مما يأكلون، ولا يكلفهم ذبح شاة ولا دجاجة، وتبيت دوابهم من غير ~~شعير، وجعل ذلك على أهل السواد دون المدن - إلى أن قال - ويشترط عليهم ~~في عقد الجزية شرطان: مستحق ومستحب، أما المستحق فستة شروط: ~~(1) # أن لا يذكروا كتاب الله تعالى بطعن فيه ولا تحريف ~~له. ~~(2) # أن لا يذكروا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بتكذيب له ولا ~~ازدراء. ~~(3) # أن لا يذكروا دين الإسلام بذم له ولا قدح فيه. ~~(4) # أن لا يصيبوا مسلمة بزنا ولا باسم نكاح. ~~(5) # أن لا يفتنوا مسلما عن دينه ولا يتعرضوا لماله ولا ~~دمه. ~~(6) # أن لا يعينوا أهل الحرب ولا يؤووا أغنياءهم. # فهذه الستة الحقوق ملتزمة فتلزم بغير شرط، وإنما تشترط ms0725 إشعارا لهم ~~وتأكيدا لتغليظ العهد عليهم، ويكون ارتكابها بعد الشرط نقضا لعهدهم. ~~وأما المستحب فستة أشياء: ~~(1) # تغيير هيئاتهم بلبس الغيار وشد الزنار. ~~(2) # أن لا يعلوا على المسلمين في الأبنية. ~~(3) # أن لا يسمعوهم أصوات نواقيسهم. ~~(4) # أن لا يجاهروهم بشرب الخمر ولا بإظهار صلبانهم. ~~(5) # أن يخفوا دفن موتاهم. ~~(6) # أن يمنعوا من ركوب الخيل عتاقا وهجانا إلخ. # 140 # فقول الماوردي هذا يكاد يكون نص عهد عمر حرفيا بعد ~~الترتيب والتبويب. # فالعهد المذكور كان معروفا قبل كتاب سراج الملوك. ويؤيد ~~ذلك أن ابن الأثير أشار إليه إشارة تدل على اعترافه بفحواه ~~وبنسبه إلى عمر، كقوله في ~~حوادث سنة 484ه: «وأخرج ~~توقيع الخليفة بإلزام أهل الذمة بالغيار، ولبس ما شرطه ~~عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب». # 141 ~~(4) # أن الخلفاء الأولين في القرون الأولى للإسلام كانوا إذا أرادوا تجديد ~~عهود أهل الذمة، ولا سيما النصارى، فرضوا عليهم مثل فحوى هذا العهد من ~~تغيير الزي ونحوه. مما يدل على اتصال هذا العهد بالقرن الأول، وأقدمهم ~~عمر بن عبد العزيز الخليفة التقي المشهور باقتفائه آثار سميه وجده لامه ~~عمر بن الخطاب، وهو أول خليفة أموي أراد رد النصارى إلى ما شرطه عليهم ~~عمر، وكانوا قد أغفلوا أكثر شروطه وخصوصا من حيث اللباس، وتشبهوا ~~بالمسلمين بلبس العمامة، فأمرهم أن يضعوا العمائم ويلبسوا الأكسية ولا ~~يتشبهوا بشيء من الإسلام. وقس على ذلك سائر الخلفاء الذين اضطهدوا ~~النصارى، فإنهم كانوا يرجعون إلى فحوى عهد عمر كما سترى. ~~(16) عهد عمر ومناقبه # أما ما يظهر من التناقض بين هذا العهد ومناقب عمر ففيه نظر، ولا بد في بيانه من ~~المقابلة بين مناقب عمر وفحوى ذلك العهد: ~~(16-1) مناقب عمر بن الخطاب # أظهر مناقب عمر العدل مع الصراحة وحرية الضمير والشدة، والتقوى مع الغيرة ~~الشديدة على الإسلام والرغبة في تأييده ونشره، فقد كان عادلا حتى لا يبالي أن ~~يحكم على ابنه أو على نفسه، فهو مثال للعدل مجسم لا يزال المسلمون إلى اليوم ~~يتمثلون بأحكامه ويحاولون الاقتداء به، ولم يستطع أحد منهم أن يدرك ms0726 شأوه. وكانت ~~غيرته على الإسلام لا مثيل لها، فلا يعمل عملا أو يقول قولا إلا وهو ينظر من ~~ورائه إلى نشر الإسلام ورفع مناره وجمع كلمة العرب في نصرته. فالعدل يقضي عليه ~~أن ينصف أهل الذمة ويحاسنهم، ولكن رغبته في نشر الإسلام كانت تظهر من خلال ذلك ~~الإنصاف. فقد أطلق حرية الدين في مملكته، وأبقى أهل الذمة على ما كانوا عليه من ~~أمر دينهم وطقوسهم وقسسهم وكنائسهم، ولكنه منعهم من إحداث كنائس جديدة لكي ~~تنحصر النصرانية فيتغلب الإسلام عليها ثم يمحوها . والعدل قضى عليه أن يحسن إلى ~~نصارى العرب مكافأة لنصرتهم المسلمين في العراق، ففرض عليهم الصدقة بدلا من ~~الجزية، ولكن رغبته في جمع كلمة العرب تحت لواء الإسلام قضت بالاشتراط عليهم أن ~~لا ينصروا أولادهم. # 142 ~~(16-2) فحوى عهد عمر # وفحوى العهد المذكور يرجع إلى أربعة شروط أولية وهي: ~~(1) # ألا يحدث النصارى معبدا. ~~(2) # أن ينزلوا من يمر بهم من المسلمين ثلاثة أيام. ~~(3) # ألا يؤووا في كنائسهم جاسوسا ولا يكتموا غشا للمسلمين. ~~(4) # ألا يقلدوا المسلمين بشيء من اللباس أو الركوب أو تعلم القرآن، أو ~~نقش اسمهم بالعربية على أختامهم. # وأنه بغير هذه الشروط لا يكون لهم أمان على أنفسهم وذراريهم وأموالهم، فالشرط ~~الأول ينطبق على رغبة عمر في تأييد الإسلام ونشره كما تقدم. # والشرط الثاني تستلزمه حال المسلمين في بلاد الفتح، فقد كانوا غرباء بين أهل ~~الذمة، والعرب أهل ضيافة ولم يكن أهل تلك البلاد يألفون تلك العادة، فجعلها عمر ~~شرطا واجبا عليهم رحمة بالمسلمين في أسفارهم للحرب وغيرها. # أما الشرطان الثالث والرابع فلا بد في ~~تطبيقهما على أخلاق عمر من مقدمة صغيرة ... ~~(17) نصارى الشام وقيصر الروم # أول ما يلاحظ في هذا العهد أن عمر أخذه على نصارى الشام دون سائر أهل الذمة في ~~الشام ودون نصارى سائر الأمصار. فهو لا يسري على قبط مصر أو نبط العراق، ولا على ~~صابئة حران ولا مجوس فارس، ولا على اليهود في بلد من البلاد. فلا بد لذلك من سبب ~~متصل بما حواه ms0727 ذلك العهد من الشدة، وإلا فلماذا لم يجعله عاما على سائر بلاد ~~الإسلام؟ ولماذا لم يدخل فيه اليهود والصابئة وغيرهم من أهل الذمة؟ وزد على ذلك ~~أنهم ينسبون إلى عمر عهدا # 143 # آخر لأهل الذمة كافة، وليس فيه ضغط ولا تضييق وإنما مرجعه إلى التسامح ~~والرعاية والحماية، ويشبه العهدة النبوية في أكثر نصوصه، ورأينا فيه مثل رأينا في ~~تلك العهدة؛ لأن عبارته تخالف عبارة صدر الإسلام، ولم يذكره أحد من كتاب المسلمين ~~القدماء، ولكنه يوافق روح ذلك العصر بفحواه لمشابهته أكثر عهود الصلح التي كتبت ~~يومئذ وذكرنا بعضها فيما تقدم. فمن المعقول أن يعطي عمر لأهل الذمة عهدا بهذا ~~المعنى؛ لأنه ينطبق على عدله ورفقه في معاملتهم، وهو عام لهم يشمل كل ~~طوائفهم. # أما العهد الذي نحن بصدده فقد أعطى لنصارى الشام على الخصوص، وكأنه اختصهم ~~بالتضييق. فهو لم يفعل ذلك إلا لسبب دعاه إليه. والغالب في اعتقادنا أنه اشترط هذه ~~الشروط صيانة لبلاد الشام من رجوع الروم إليها بمساعي أهلها النصارى، إذ يكونون ~~عيونا للروم على المسلمين، لما بينهم وبين الروم من الرابطة الدينية، وهي أقوى ~~الجامعات في الشرق من أقدم أزمانه إلى هذا اليوم. فكل طائفة من الطوائف الشرقية ~~تفضل أن يحكمها حاكم من مذهبها ولو كان ظالما، على أن تخضع لحاكم من غير دينها ولو ~~كان عادلا. وفي التواريخ شواهد كثيرة تؤيد هذا القول حتى في عصرنا الحاضر، مع ما ~~دخل نفوس المشارقة من التسامح الديني. فإن كل طائفة من أهله تفضل أن يحكمها ابن ~~دينها، لا تبالي بعدله أو ظلمه. النصراني يفضل حاكما مسيحيا، والمسلم يفضل ~~حاكما مسلما، فكيف بتلك العصور والدين مرتبط بالسياسة؟ # ونصارى الشام أذعنوا للجزية، ودخلوا في سلطان المسلمين، وظلوا على ما كانوا فيه ~~من حيث الدين وطقوسه، يقيمون الصلاة في كنائسهم كما كانوا يقيمونها قبل الإسلام، ~~يأتيهم القسس والأساقفة من القسطنطينية أو أنطاكية، ولسانهم لسان دولة الروم، ~~ومعتقدهم مثل معتقدها. وقد بينا في غير هذا المكان أن الفتح الإسلامي كان في صدر ms0728 ~~الإسلام احتلالا عسكريا، ولم يكن المسلمون يتعرضون للمسيحيين في شيء من طقوسهم ~~الدينية ولا أحوالهم الشخصية ولا أحكامهم القضائية، وكانوا يعترفون لصاحب ~~القسطنطينية بسيادته في ذلك على نصارى الشام. فإذا حدث ما يمس هذه السيادة احتج ملك ~~الروم على الخليفة، وخصوصا من حيث الكنائس. وكان الخلفاء يراعون عهودهم في هذا ~~الشأن، حتى إذا استفحل أمر بني أمية خرقوا حرمة تلك العهود كما خرقوا سواها مما ~~أقره الراشدون. # ذكروا أن الوليد بن عبد الملك سمع صوت ناقوس، فقال: «ما هذا؟» قيل: «بيعة» فأمر ~~بهدمها وتولى بعض ذلك بيده فتسابق الناس يهدمون فرفع النصارى أمرهم إلى قيصر ~~القسطنطينية فكتب إلى الوليد: «أن هذه البيعة قد أقرها من كان قبلك، فإن يكونوا ~~أصابوا فقد أخطأت، وإن تكن أصبت فقد أخطأوا». # 144 # ولم يجد اعتراضه نفعا. ولكن ذلك يدل على أن نصارى الشام كانوا في صدر ~~الإسلام تحت حماية الروم، أو هم يعدون قيصر الروم حاميا لكنائسهم، كما يعتقدون ~~الآن في بعض دول أوروبا. فضلا عما غرس في قلوبهم من حب دولة الروم بواسطة كهنتهم ~~وتعاليمهم. وهب أنهم كانوا ناقمين على تلك الدولة من بعض الوجوه الدينية، فأصبحوا ~~بعد دخولهم في سلطة العرب يفضلون بقاء القديم على قدمه، وذلك عادي في الأمم التي ~~تعودت الرضوخ لسواها، فإنها لا تستقر على حال ولا يهون إخضاعها إلا بطريق الدين. ~~ناهيك بما كان يجدده الكهنة والأساقفة من أسباب الميل إلى قيصر القسطنطينية، والفتح ~~يومئذ حديث والقيصر يرجو استرجاع تلك البلاد إلى سلطانه، على أن يستعين على ذلك ~~بأهل مذهبه المقيمين بجوار المسلمين فيتخذهم عيونا له عليهم. # وكان بعض نصارى الشام لا يدخرون وسعا في هذا السبيل، فينقلون أخبار المسلمين إلى ~~الروم، وإذا جاء جواسيس الروم آووهم في منازلهم وأعانوهم في استطلاع الأخبار. فربما ~~دخل النصراني بين المسلمين وهو في مثل لباسهم، وقد نقش اسمه بالعربية على خاتمه ~~مثلهم، وحفظ شيئا من القرآن ليوهم المسلمين أنه منهم. والشام لم يتم فتحها بعد، ~~وعمر لا يزال يخاف انتقاضها لبعدها ms0729 عن مركز الخلافة. فخوفا من مثل ذلك اشترط على ~~أهلها أن لا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من اللباس أو الركوب وغيره، وأن لا يؤووا ~~أحدا من جواسيس الروم، ولا يكتموا غشا للمسلمين. # ولنحو هذا السبب أيضا أوصى عمر أن لا يستعملوا أهل الكتاب؛ لأنهم أهل رشى ولأن ~~بعضهم أولياء بعض. ويقال: أن أصل هذا المنع منقول عن النبي في حديث جرى له يوم ~~خروجه إلى بدر # 145 # على أن هذه الوصية لم يمكن العمل بها لاضطرار المسلمين إلى من يعرف ~~الحساب والكتابة، وخصوصا في أول الإسلام إذ كانت الدواوين لا تزال بلغاتها ~~الأصلية. # فالأرجح عندنا أن عمر كتب عهدا لنصارى الشام (أو استكتبهم عهدا) إن لم يكن هذا ~~نصه فهو فحواه، ولا يستبعد وقوع بعض التغيير في نصه بعد ذلك. أن السبب فيما حواه من ~~الشدة خوفه من نصارى الشام؛ لأنهم أقرب نصارى الشرق إلى كنيسة القسطنطينية. أما ~~القبط فقد كانوا أعداء تلك الكنيسة، وهم الذين واطأوا المسلمين على الروم وسهلوا ~~لهم الفتح. وأنه لم يفعل ذلك للتضييق على النصارى تعصبا للدين أو كرها للنصرانية. ~~ثم أطلق المسلمون هذا العهد على سائر أهل الذمة. ~~(18) الأمويون وأهل الذمة # كذلك كانت أحكام أهل الذمة لما أفضت الخلافة إلى بني أمية، وكانوا لا يخافون ~~الروم على الشام؛ لأن مقر خلافتهم فيها وقد احتلوا الشواطئ وتغلبوا على أهلها، ~~وصاروا يغزون الروم في البحر. أي أنهم ضيقوا على أهل الذمة من جهة الجزية في جملة ~~مساعيهم في حشد الأموال لاصطناع الأحزاب والتمتع بأسباب الدنيا، فزادوا الجزية ~~والخراج وشددوا في تحصيلهما، وضيقوا على الناس حتى أخذوا الجزية ممن أسلم. وأما من ~~بقي على دينه من أهل الكتاب فكانوا يسومونهم سوء العذاب؛ ويحتقرونهم لأنهم ليسوا ~~عربا ولا مسلمين. ولا غرابة في ذلك بعدما علمت من احتقار بني أمية لغير العرب من ~~المسلمين. وكانوا يعدون الناس ثلاث درجات أولها العرب، ثم الموالي، ثم أهل الذمة. ~~ويؤيد ذلك رأي معاوية في أهل مصر، قال: «وجدت أهل مصر ثلاثة أصناف: ms0730 فثلث ناس، وثلث ~~يشبه الناس، وثلث لا ناس. فأما الثلث الذين هم ناس فالعرب، والثلث الذين يشبهون ~~الناس فالموالي، والثلث الذين هم لا ناس فالمسالمة» يعني القبط. # 146 # ولما رأى القبط أن الإسلام لا ينجيهم من الجزية أو العنف في تحصيلها، عمد بعضهم ~~إلى التلبس بثوب الرهبنة، والرهبان لا جزية عليهم، فأدرك عمال بني أمية غرضهم ~~فوضعوا الجزية على الرهبان، وازدادوا غيظا منهم حتى أراد بعضهم اقتضاءها من ~~الأموات فضلا عن الأحياء، بأن يجعلوا جزية الموتى على أحيائهم # 147 # وأمثال هذه الحوادث كثيرة في عهد بني أمية، ذكرنا كثيرا منها في الجزء ~~الثاني من هذا الكتاب، مع الطرق التي كان يتخذها عمال بني أمية لابتزاز الأموال من ~~أهل الذمة. # فعل الأمويون ذلك وأغضوا عن شروط عمر، حتى إذا أفضت الخلافة إلى حفيده ومريده عمر ~~بن عبد العزيز كان من جملة ما قلده فيه أنه كتب إلى عماله بإحياء ذلك العهد كقوله: ~~«وأمروا من كان على غير الإسلام أن يضعوا العمائم ويلبسوا الأكسية، ولا يتشبهوا ~~بشيء من الإسلام، ولا تتركوا أحدا من الكفار يستخدم أحدا من المسلمين، ولا ~~تستخدموا أحدا من أهل الذمة» # 148 # ونهى النصارى عن ضرب النواقيس وقت الأذان. # ونظرا لاهتمام بني أمية بجمع الأموال للأسباب التي قدمناها، وأهل الذمة أقدر على ~~مساعدتهم في جمعها من سواهم، لاقتدارهم في الحساب والكتابة وأعمال الخراج، ~~استخدموهم في هذا السبيل رغم إرادتهم، ولم يكن يهمهم ذلك من وجه ديني لنشر الإسلام ~~أو حصر النصرانية، ولولا ذلك ما ولوا خالدا القسري العراقيين، وأمه نصرانية ~~رومية كان يراعي جانبها ويكرم النصارى من أجلها، فاعتز النصارى في أيامه. وأراد ~~خالد أمه على الإسلام فلم تسلم، فابتنى لها بيعة في ظهر القبلة بالمسجد الجامع في ~~الكوفة، فكان المؤذن إذا أراد أن يؤذن ضرب لها بالناقوس # 149 # وكان خالد يولي النصارى والمجوس على المسلمين عكس وصية عمر بن عبد ~~العزيز، ويطلق أيديهم في الحكومة فيستبدون بالمسلمين. وعمر بن أبي ربيعة الشاعر ~~المشهور كانت أمه نصرانية ماتت والصليب ms0731 في عنقها، # 150 # وكان النصارى في أيام بني أمية يدخلون المساجد ويمرون فيها فلا يعترضهم ~~أحد. وكان الأخطل الشاعر النصراني يدخل على عبد الملك بن مروان بغير إذن، وهو سكران ~~وفي صدره صليب ولا يعترضه أحد، ولا يستنكفون من ذلك؛ لأنهم كانوا يستعينون به في ~~هجو الأنصار. # 151 # على أن الخلفاء من بني أمية كانوا إذا قربوا نصرانيا أو يهوديا طلبوا إليه أن ~~يدخل في الإسلام، فلا يمنعه من الرفض مانع، إلا من يغضب الخليفة عليه ولم يكن يحتاج ~~إليه فينتقم منه، كما أصاب شمعلة وكان من رهط الفرس نصرانيا، فدخل على بعض خلفاء ~~بني أمية فقال له: «أسلم يا شمعلة» قال: «لا والله لا أسلم أبدا، ولا أسلم إلا ~~طائعا إذا شئت» فغضب وأمر فقطعت بضعة من فخذه وشويت بالنار وأطعمها. أما الأخطل ~~فإن عبد الملك قال له مرة: «ألا تسلم فنفرض لك في الفيء ونعطيك عشرة آلاف؟» قال: ~~«كيف بالخمر؟» قال: «وما نصنع بها؟ وإن أولها لمر وآخرها لسكر» فقال: «أما إذا قلت ~~ذلك فإن بين هاتين لمنزلة ما ملكك فيها إلا كلعقة من الفرات بالإصبع» فضحك. # أما عمال بني أمية فكانوا يضايقون النصارى في استخراج الأموال، فمن سهل لهم ~~استخراجها أكرموه، وفي خطط المقريزي فصول في انتقاض القبط فلتراجع هناك. # 152 ~~(19) الخلاصة # وجملة القول: أن الدولة الأموية دولة عربية أساس سياستها طلب السلطة والتغلب، ~~فاستعان أصحابها على ذلك بالعصبية القرشية واصطناع الأحزاب. فجرتهم تلك العصبية إلى ~~انقسام العرب إلى قبائلها كما كانت في الجاهلية وانقسمت أيضا إلى عصبيات وطنية. ~~وبالغوا في التعصب للعرب وامتهان غير العرب من الموالي وأهل الذمة. وأعوزهم اصطناع ~~الأحزاب إلى الاستكثار من الأموال لإنفاقها في اجتذاب قلوب الرجال. والاستكثار منها ~~بعثهم على الظلم في تحصيلها والخروج بذلك عما يقتضيه العدل، ومدوا أيديهم إلى أموال ~~الصدقة وغيرها، واستأثروا بالفيء، ورأوا أعداءهم العلويين يطلبون الخلافة بالحق، ~~وسلاحهم الدين والتقوى وإذا جادلوهم غلبوهم، فاستخفوا بالدين تحقيرا لأهله وعمدوا ~~إلى الدهاء والحيلة والإغضاء عن الأريحية، وبالغوا في ms0732 الشدة والعنف واشتهر ذلك عنهم ~~ولم ينكره أحد من المؤرخين حتى أهلهم من أعقابهم. فأبو الفرج صاحب الأغاني أموي # 153 # وأكثر ما يعرف من مساوئ بني أمية مقتبس من كتابه. # والفضل في ثبات دولتهم لثلاثة من خلفائهم ~~اشتهروا بالدهاء والسياسة والتدبير، حكم كل منهم نحو عشرين سنة وهم: معاوية بن أبي ~~سفيان (حكم من سنة 41-60ه) وعبد الملك بن مروان (من 65-86ه) وهشام بن عبد الملك (من ~~سنة 105-125ه) وكان المنصور العباسي لما أفضت الخلافة إليه يتتبع هشام في سياسته # 154 # وأما عمر بن عبد العزيز فقد كان أحسنهم تدينا، ولكنه جاء في غير أوانه ~~فلم يطل مقامه . ولولا هؤلاء السواس لذهبت الدولة من أيديهم عاجلا، لما تداول ~~الخلافة بينهم من الخلفاء الضعفاء أهل الترف واللهو والقصف. وأولهم يزيد بن معاوية ~~المتوفى سنة 64ه، فقد كان مغرما بالصيد كثير العناية باقتناء الجوارح والكلاب ~~والقرود والفهود، وكان يحب الطرب والمنادمة على الشراب، فجرى عماله على مثاله ~~وأظهروا الشراب، وفي أيامه ظهر الغناء في مكة والمدينة واستعملت الملاهي، ولم يكن ~~المسلمون يعرفونها من قبل ذلك. # 155 # ومنهم يزيد ابن عبد الملك المتوفى سنة 105ه ويسمونه خليع بني أمية، فقد تولى ~~الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز وسار في طريق غير طريقه، فشغف بجاريتين اسم إحداهما ~~سلامة والأخرى حبابة فقطع معهما زمانه وغنت يوما حبابة: # بين التراقي واللهاة حرارة # ما تطمئن ولا تسوغ فتبرد # فطرب يزيد ثم قال: «أريد أن أطير» وأهوى ليطير فقالت: «يا أمير المؤمنين لنا فيك ~~حاجة» فقال: «والله ل أطيرن» فقالت: «على من تدع الأمة؟» قال: «عليك» وقبل يدها، ~~فخرج بعض خدمه وهو يقول: «سخنت عينك فما أسخفك!». وخرج يوما ليتنزه في ناحية ~~الأردن ومعه حبابة، وبينما هما في الشراب رماها بحبة عنب فدخلت حلقها فشرقت ومرضت ~~وماتت. فتركها ثلاثة أيام لم يدفنها، حتى أنتنت وهو يشمها ويقبلها وينظر إليها ~~ويبكي، فكلموه في أمرها حتى أذن بدفنها، وعاد إلى قصره كئيبا حزينا وسمع جارية له ~~تتمثل بعدها: # كفى حزنا ms0733 بالهائم الصب أن يرى # منازل من يهوى معطلة قفرا # فبكى، وبقي بعد موتها سبعة أيام لا يظهر للناس، أشار عليه أخوه مسلمة بذلك مخافة ~~أن يظهر منه ما يسفهه عند الناس # 156 # ولم يحكم إلا أربع سنوات. # ومنهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك المتوفى سنة 126ه كان خليعا سكيرا همه الصيد ~~وشرب الخمر، حتى جعل الخمر في برك يغوص فيها ويشرب # 157 # وأول شيء فعله لما ولي الخلافة أنه بعث إلى المغنين في المدينة ومكة ~~وأشخصهم إليه، واستقدم أهل المجون والخلاعة ونادمهم، وبالغ في التهتك والمكر ولكنه ~~لم يحكم إلا سنة واحدة. # على أن العرب أعظموا تهتك بني أمية من أيام يزيد بن معاوية، واستغربوا البيعة له، ~~فكيف بعد الذي شاهدوه من يزيد والوليد وغيرهما، حتى قال بعض الشعراء ~~يخاطبهم: # إن البرية قد ملت سياستكم # فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا # لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم # إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا # لا تبقرن بأيديكم بطونكم # فثم لا حسرة تغني ولا جزع # فأين هؤلاء من دهاة بني أمية الذين ذكرناهم، ولم يكن فيهم من يمس الخمر أو يتماجن ~~أو يتخالع؟ حتى هشام بن عبد الملك، مع أنه جاء في أواخر الدولة، فكان لا يشرب الخمر ~~ولا يسقي أحدا في حضرته مسكرا، وكان ينكر ذلك ويعيبه ويعاقب عليه. # 158 # فلما انغمس بنو أمية في الترف والقصف، مع ما كان من تعصبهم على غير العرب ~~واحتقارهم الموالي وإساءتهم إلى أهل الذمة وسائر أهل القرى، بما كانوا يسومونهم ~~إياه من نهب غلتهم في أثناء السفر - إذ كان جند المسلمين في أواخر أيام بني أمية ~~إذا مروا بقرية غصبوا من يمرون بهم أموالهم # 159 ~~- فأصبح الناس يتحدثون بقرب زوال دولتهم، ولم يمض إلا سنوات قليلة حتى ~~ذهبت وقامت الدولة العباسية مقامها. # | العصر الفارسي الأول # من خلافة السفاح سنة 132ه إلى خلافة المتوكل سنة 232ه # | تمهيد # دعونا هذا العصر فارسيا مع أنه داخل في عصر الدولة العباسية؛ لأن تلك الدولة على ~~كونها عربية من حيث خلفاؤها ms0734 ولغتها وديانتها، فهي فارسية من حيث سياستها وإدارتها؛ لأن ~~الفرس نصروها وأيدوها، ثم هم نظموا حكومتها وأداروا شؤونها، ومنهم وزراؤها وكتابها ~~وحجابها. وقد حملهم على القيام بنصرتها ما علمته من عصبية بني أمية على غير العرب، ~~واحتقار الموالي وأكثرهم من الفرس، فكانوا ينصرون كل ناقم على تلك الدولة من الشيعة ~~والخوارج. على أنهم كانوا أكثر رغبة في نصرة الشيعة، لما رأوه في دعوتهم من قوة الحجة ~~يومئذ؛ لأنهم يدعون إلى بيعة صهر النبي أو أبناء بنت النبي. فكان العلويون يبثون ~~دعايتهم في العراق وفارس وخراسان وغيرها من البلاد البعيدة عن مركز الخلافة الأموية، ~~والفرس يبايعونهم وينصرونهم على أمل التخلص من ظلم بني أمية. # ثم قام بنو العباس لطلب الخلافة، وفازوا بها على أيد أبي مسلم الخراساني، واستعانوا ~~بانقسام العرب يومئذ ونقمة اليمنية على بني أمية، ولم يبق من العرب من ينصر الأمويين ~~إلا مضر، فاستعان أبو مسلم باليمنية على الأمويين، حتى فاز بمشروعه. وإليك ~~البيان. ~~(1) انتقال الخلافة إلى العباسيين ~~(1-1) الشيعة العلوية # ظهر بنو أمية وتسلطوا واستبدوا وآل علي بن أبي طالب يطالبون بالخلافة ويسعون ~~في إدراكها. وأول من طلبها بعد علي ابنه الحسن، ثم تنازل عنها لمعاوية سنة 41ه، ~~فغضب أشياع العلويين في الكوفة من تنازله وهاجوا - وأمير الكوفة يومئذ زياد بن ~~أبيه الداهية الشهير، فشدد في إخماد الثورة وقتل جماعة من أشياع علي، فيهم حجر ~~بن عدي وأصحابه. فتربص العلويون ينتظرون موت معاوية، لعل انتخاب الأمة يقع على ~~واحد من أبناء علي فترجع الخلافة إلى أهل البيت، ولم يخطر لهم أن يبايع معاوية ~~لابنه. فلما علموا ببيعته نقموا عليه، وزادهم نقمة ما علموه من تهتكه وقصفه ~~واشتغاله بالصيد عن أمور الخلافة - ومن قول عبد الله بن هشام السلولي في ~~ذلك: # خشينا الغيظ حتى لو شربنا # دماء بني أمية ما روينا # لقد ضاعت رعيتكم وأنتم # تصيدون الأرانب غافلينا # 1 # وكان أوجه العلويين يومئذ الحسين بن علي، فلما مات معاوية سنة 60ه وتولى ~~ابنه يزيد أبى الحسين أن يبايعه. على ms0735 أن أكثر الذين بايعوه من أهل التقوى عدوا ~~بيعتهم خرقا لحرمة الدين. # 2 # وكان الحسين في المدينة، فلما طلبوا منه أن يبايع يزيد فر إلى مكة، ~~وأكثر شيعته في الكوفة، فكتبوا إليه وحرضوه على القدوم إليهم لينصروه فأطاعهم، ~~ولما اقترب من الكوفة قعدوا عن نصرته ... وبعث إليه أمير الكوفة يومئذ عبد الله ~~بن زياد جندا حاربه، فدافع عن نفسه وأهله حتى قتل قتلته المشهورة في كربلاء، ~~يوم عاشوراء من سنة 61ه. # ثم ندم الشيعة على قعودهم عن مناصرته، فخرجوا بعد وفاة يزيد وبيعة مروان بن ~~الحكم سنة 64ه يطالبون بدمه وسموا أنفسهم «التوابين»، وأمير الكوفة لا يزال ~~عبيد الله بن زياد، فأخرجوه منها وولوا عليهم رجلا منهم. فتغلب ابن زياد عليه. ~~فنهض المختار بن أبي عبيد الثقفي، وهو من جملة الذين طمعوا في السيادة لابتزاز ~~الأموال في أثناء تلك الفوضى واختلال الأحوال. وكان المختار عالي الهمة فجاء ~~الكوفة يطالب بدم الحسين، ويدعو إلى بيعة محمد بن الحنفية أخي الحسين من أبيه. ~~فتبعه على ذلك جماعة من الشيعة سماهم «شرطة الله»، وزحف على ابن زياد فهزمه ~~وقتله وقتل أكثر قتلة الحسين. ولكن محمد بن الحنفية لم يكن راضيا عن تلك ~~الدعوة، فبعث إلى المختار يتبرأ منه. فحول المختار دعوته إلى عبد الله بن ~~الزبير، وكان عبد الله قد نهض عند نهوض الحسين، لأن أباه الزبير بن العوام كان ~~من جملة الطامعين في الخلافة بعد مقتل عثمان كما تقدم، وأقام عبد الله في مكة ~~يدعو إلى نفسه. على أن المختار لم يخلص النية في دعوته لأحد؛ لأنه إنما كان ~~يريدها لنفسه. فلما علم ابن الزبير بغرضه، بعث أخاه مصعبا على العراق فحارب ~~المختار وقتله سنة 67ه. # أما الشيعة العلوية فانقسمت بعد مقتل الحسين إلى فرقتين، إحداهما تقول: إن ~~الحق في الخلافة لولد علي من فاطمة بنت النبي، والأخرى تقول: بتحولها بعد الحسن ~~والحسين إلى أخيهما محمد بن الحنفية، وهي الفرقة الكيسانية. وأكثرهما ظهورا ~~وتصديا الفرقة الأولى، فبايعوا بعد الحسين ابنه عليا المعروف ms0736 بزين العابدين، ~~وتسلسلت الخلافة بعده في أعقابه حتى صار الأئمة 12 إماما وهم: علي، والحسن، ~~والحسين، وزين العابدين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي ~~الرضا، ومحمد التقي، وعلي النقي، وحسن العسكري، ومحمد المهدي. وتفرع من الشيعة ~~العلوية أيضا فرق أخر، بايعت غير واحد من أعقاب علي، كالزيدية نسبة إلى زيد بن ~~علي بن الحسين، والإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وفرق أخر لا محل ~~لذكرها. # وكان بنو أمية إذا سمعوا بظهور أحد دعاة العلوية بذلوا جهدهم في قتله، فقتلوا ~~بعضهم وسموا البعض الآخر وصلبوا آخرين، فأصبح دعاة الشيعة يتسترون خوف الفتك ~~بهم. فلاقى العلويون في أيام بني أمية ضنكا شديدا، وكادوا يهلكون جوعا وأصبح ~~هم أحدهم قوت عياله، حتى تولى خالد القسري عامل بني أمية المتوفى سنة 126ه ~~فأعطاهم الأموال ورفق بهم، فعادوا إلى طلب الخلافة # 3 # وخالد هذا غريب الأخلاق، فمع كونه من عمال بني أمية فقد كان ينصر ~~العلويين ويستعمل أهل الذمة كما تقدم. ~~(1-2) الشيعة العباسية # وكان من جملة المطالبين بالخلافة من أهل البيت بنو العباس عم النبي، لكنهم ~~كانوا لا يتصدون لطلبها والأمويون في إبان دولتهم، وإنما كانوا يدعون إلى ~~أنفسهم سرا. وكان العلويون والعباسيون في أيام ضيقهم واضطهادهم يتقاربون؛ ~~لأنهم من بني هاشم، وكلا الرهطين أعداء بني أمية من قبل الإسلام - والمضطهدون ~~يتقاربون على أي حال. # وظل العباسيون يتسترون في دعوتهم، وهم مقيمون في الحميمة من أعمال البلقاء ~~بالشام، حتى ضعف شأن بني أمية فهموا بالنهوض. واتفق في أثناء ذلك أن الفرقة ~~الكيسانية دعاة ابن الحنفية صارت دعوتها بعده إلى ابنه أبي هاشم، وكان أبو هاشم ~~هذا يفد على خلفاء بني أمية من المدينة إلى الشام، فيمر في أثناء الطريق ~~بالحميمة. ففي بعض وفداته على هشام بن عبد الملك، آنس هشام منه فصاحة وقوة ~~ورياسة، مع علمه بطمعه في الخلافة، فدس إليه في أثناء رجوعه إلى المدينة رجلا ~~سمه في لبن. فشعر أبو هاشم بالسم وهو في بعض الطريق، فعرج إلى الحميمة، وصاحب ms0737 ~~الدعوة العباسية يومئذ محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فنزل عنده. ولما أحس ~~بدنو الأجل خاف ضياع البيعة وهو بعيد عن أهله، فأوصى إلى محمد المذكور بالخلافة ~~بعده. وكان معه جماعة من شيعته، سلمهم إليه وأوصاه بهم. فلما مات أبو هاشم، ~~تهوس محمد بالخلافة وأيقن بالنجاح؛ لأنه اكتسب حزب الكيسانية جميعا، فأخذ في ~~بث الدعاة سرا. ثم توفي وقد أوصى بالخلافة بعده إلى ابنه إبراهيم، وعرف ~~بالإمام. # فأخذ إبراهيم الإمام في بث دعاته، وبدأ بخراسان لوثوقه بأهلها أكثر من سائر ~~أهل الأمصار؛ ولأن الشيعة الكيسانية أكثرهم من خراسان والعراق، وقد نصروا ~~العلويين مرارا. فبعث إليهم دعاة الكيسانية الذين كانوا مع أبي هاشم، وأوصاهم ~~أن يطلبوا بيعة الناس باسم «آل محمد» أي: أهل النبي، ولم يعين العلويين ولا ~~العباسيين . وكان الخراسانيون قد ملوا الدولة الأموية، فهان عليهم أن يبايعوا ~~لآل محمد، وهم يحسبون الأمر يكون مشتركا بين العباسيين والعلويين. وتوفق ~~إبراهيم الإمام في أثناء ذلك إلى أبي مسلم الخراساني القائد العجيب، فأتم أمرهم ~~وسلم لهم الدولة كما هو مشهور. ~~(1-3) بيعة المنصور للعلويين ونكثه # وكان بنو هاشم - العلويون والعباسيون - لما رأوا اختلال أمر بني أمية، ~~اجتمعوا بمكة وفيهم أعيان بني هاشم، علويهم وعباسيهم، وتداولوا في قرب انحلال ~~دولة الأمويين، وفيمن يخلفهم من أهل البيت. وكان في جملة الحضور أبو العباس ~~المعروف بالسفاح، وأخوه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو أبو ~~جعفر المنصور، وغيرهما من آل العباس. فأجمع رأيهم على مبايعة أوجه العلويين ~~يومئذ، وهو محمد بن عبد الله بن حسن المثنى بن الحسن بن علي، الملقب بالنفس ~~الزكية. فبايعوه لتقدمه فيهم، ولما علموه له من الفضل عليهم، وبايعه أبو جعفر ~~المنصور في جملتهم # 4 # ولعل هذه المبايعة هي التي أسكتت العلويين عن طلب الخلافة، في ~~أثناء انتشار دعاة العباسيين في طلبها، كأنهم اتفقوا أن تكون الخلافة مشتركة في ~~أهل البيت؛ لأن العباسيين كانوا يطلبون بيعة الناس باسم «آل محمد»، وليس باسم ~~الإمام إبراهيم ms0738 أو غيره من بني العباس. # أما دعاة الشيعة العلوية، الذين كانوا يدعون للعلويين في العراق وفارس ~~وخراسان قبل انتقال البيعة إلى العباسيين، فقد رضوا بذلك الانتقال غير مخيرين. ~~وفي جملتهم أبو سلمة الخلال المثري الفارسي الشهير، وكان قيم في حمام أعين ~~بضواحي الكوفة، وكان شديد التمسك بدعوة العلويين، وقد بذل ماله وجاهه في سبيل ~~نشرها. فلما سمع بانتقال البيعة إلى بني العباس، كظم غضبه وتربص ليرى ما يقول ~~الناس. ثم علم أن إبراهيم الإمام عين أبا مسلم وأرسله إلى خراسان ومعه الوصية ~~المشهورة (من اتهمته فاقتله)، وقد أطاعه النقباء فأطاعه أبو سلمة في جملتهم، ~~وهو يتوقع أن تكون البيعة شورى بين الشيعيين # 5 # ولما بلغه أن مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية قتل إبراهيم ~~الإمام، أضمر الرجوع إلى الدعوة العلوية # 6 # ثم جاءه أخوة الإمام، وفيهم أبو العباس السفاح وإخوته وسائر أهل ~~بيته وقد انتقلت البيعة إلى أبي العباس المذكور، فأنزلهم أبو سلمة عنده ورأى ~~نفسه عاجزا عن نقل البيعة، فسكت فبقيت لآل العباس. وكان أبو مسلم وسائر ~~النقباء والقواد يحاربون عساكر الأمويين في خراسان وفارس والعراق، فلما غلبوهم ~~وملكوا خراسان وما يليها جاءوا العراق وبايعوا أبا العباس، فسكت العلويون خوفا ~~على أنفسهم من ذلك التيار العظيم، وهم يتوقعون مع ذلك أن تكون الخلافة شورى بين ~~الرهطين. # وعلم العباسيون بما كان يضمره أبو سلمة من نقل الخلافة إلى العلويين، فشكوه ~~إلى أبي مسلم سرا. فدس إليه رجلا قتله بالكوفة غيلة، وأشاعوا أن بعض الخوارج ~~قتله، وقد قتلوا كثيرين غيره ممن شكوا في إخلاصهم، حتى تم الأمر لهم. # أما آل الحسن بن علي، الذين كانوا قد بايعوا أحدهم محمد بن عبد الله في ~~المدينة وبايعه معهم سائر بني هاشم ومنهم أبو جعفر المنصور، فلما علموا بذهاب ~~دولة بني أمية ومبايعة أبي العباس السفاح سنة 132ه، جاءوا إليه في الكوفة ~~يطالبونه ببيعتهم، فاسترضاهم أبو العباس بالأموال وقطع لهم القطائع. وكان في ~~جملة القادمين إليه عبد الله بن الحسن والد صاحب البيعة ms0739 فأكرم السفاح وفادته ~~وعرض عليه ما يرضاه من المال وقال له: «احتكم علي» فقال عبد الله: «بألف ألف ~~درهم، فإني لم أرها قط ...»، ولم يكن هذا المال موجودا عند السفاح، فاستقرضه له ~~من رجل صيرفي اسمه ابن أبي مقرن ودفعه إليه. واتفق - وعبد الله المذكور عند ~~السفاح - أن بعض الناس جاءه بالجواهر التي كانت عساكر العباسيين قد اغتنمتها من ~~مروان بن محمد، فجعل السفاح يقلب الجواهر بين يديه وعبد الله ينظر إليها ويبكي، ~~فسأله عن السبب فقال: «هذا عند بنات مروان، وما رأت بنات عمك مثله قط ...» فحباه ~~به، ثم أمر الصيرفي أن يبتاعه منه فابتاعه بثمانين ألف دينار (نحو مليون درهم) ~~وأمر أبو العباس بإكرام عبد الله وإنزاله على الرحب والسعة، وهو يتوجس مما في ~~ضميره، فبث عليه العيون فآنس عنده طمعا فزاده عطاء ، فعاد عبد الله إلى ~~المدينة مثقلا بالأموال ففرقها في أهله، وكانوا أهل فاقة فلما رأوا تلك ~~الأموال سروا. # وأما عبد الله فما زال مضمرا المطالبة بالخلافة لابنه # 7 # على ما تمت المبايعة عليه، والعباسيون يخافون ذلك والسفاح يسترضيه ~~وسائر أهله بالأموال كما رأيت. فلما توفي السفاح سنة 126ه خلفه أخوه أبو جعفر ~~المنصور، وكان رجلا شديد البطش لا يبالي بما يرتكبه في سبيل تأييد سلطانه. ~~فكان همه قبل كل شيء أن يتحقق ما في نفس بني الحسن في المدينة؛ لأن لهم في عنقه ~~بيعة، فبث عليهم العيون وأراد اختبارهم، فبعث بعطاء أهل المدينة على جاري ~~العادة من قبل، وكتب إلى عامله فيها: «أعط الناس في أيديهم ولا تبعث إلى أحد ~~بعطائه، وتفقد بني هاشم ومن تخلف منهم عن الحضور، وتحفظ بمحمد وإبراهيم ابني ~~عبد الله بن الحسن» ففعل العامل ذلك، فلم يتخلف عن العطاء إلا محمد وإبراهيم ~~المذكوران، فكتب إليه بذلك، فتحقق المنصور أنهما ينويان القيام عليه، وقد سكتا ~~في أثناء خلافة أخيه؛ لأنه كان يكرمهما ويغدق عليهما والمنصور لا يرى ذلك، فلما ~~رأوا تضييقه عزموا على الخروج، فبثوا الدعاة في خراسان وغيرها يدعون شيعتهم ms0740 إلى ~~بيعتهم. فعلم أبو جعفر بذلك، فبعث من يقبض على كتبهم في الطريق، واحتال في ~~استطلاع أسرارهم، وأراد استقدام ابني عبد الله وكتب إليه يستقدمه بهما، فأنكر ~~عبد الله أنه يعرف مقرهما، فأصبح هم المنصور التخلص منهما ومن سائر طلاب ~~الخلافة من العلويين، وخصوصا بني الحسن وهم يقيمون في المدينة، فبعث إلى عامله ~~فيها أن يقبض عليهما جميعا، ثم أمره أن ينقلهم إلى العراق، فنقلهم وهم مثقلون ~~بالقيود والأغلال في أرجلهم وأعناقهم، وقد حملهم على محامل بغير وطاء، ولكن ليس ~~فيهم محمد ولا إبراهيم ابنا عبد الله لاستتارهما، فجاءوا ببني الحسن وعدتهم ~~بضعة عشر رجلا، فأمر المنصور بقتلهم فقتلوا إلا بضعة قليلة. # أما محمد بن عبد الله صاحب البيعة فلم يقع في الفخ، فبعث المنصور إلى عامله ~~في المدينة يشدد في طلبه، فلم ير محمد بدا من القيام. فظهر بالدعوة، فبايعه ~~أهل المدينة بعد أن استفتوا إمامهم مالك بن أنس، فأفتاهم بالخروج معه فقالوا: ~~«إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر»، فقال: «إنكم بايعتموه مكرهين، وأن بيعة محمد ~~بن عبد الله أصح منها؛ لأنها انعقدت قبلها» # 8 # وكان أبو حنيفة أيضا على هذا الرأي، يقول بفضل محمد هذا ويحتج إلى ~~حقه، فحفظ لهما المنصور هذا القول فتأدت إليهما المحنة بسبب ذلك. فلما تمكن من ~~محمد وقتله سنة 145ه أصبح من أكبر المضطهدين لهما فضرب مالكا على الفتيا في ~~طلاق المكره، وحبس أبا حنيفة على القضاء كما هو مشهور. # وكان لنكث المنصور بيعة محمد بن عبد الله تأثير عظيم في أذهان العلويين؛ ~~لأنها جاءتهم بغتة، وكانوا يظنون أن ذلك لا يصدر من أهل البيت كما صدر من بني ~~أمية، فتحسروا على أيام بني أمية وتمنوا رجوعها - ذكروا عن محمد بن عبد الله، ~~في أثناء قيامه على المنصور، أنه سمع شاعرا يرثي بني أمية فبكى، فقال له عمه: ~~«أتبكي على بني أمية وأنت تريد ببني العباس ما تريد؟» فقال له: «يا عم، لقد كنا ~~نقمنا على بني أمية ما نقمنا، فما بنو العباس ms0741 إلا أقل خوفا لله منهم، وإن ~~الحجة على بني العباس أوجب منها عليهم. ولقد كان للقوم أخلاق ومكارم وفواضل ~~ليست لأبي جعفر». # 9 # | سياسة العباسيين في تأييد سلطتهم # (1) القتل على التهمة # قد رأيت فيما تقدم أن بني العباس قاموا يدعون إلى أنفسهم وهم بين خطرين عظيمين: ~~الأول أن يحاربوا بني أمية ويتغلبوا على أحزابهم، والثاني أن يأمنوا جانب العلويين ~~في مسابقتهم إلى الخلافة. وكانت الحوادث قد علمتهم أن الدولة لا تقوم بالدين ~~والتقوى فقط، كما قامت في عصر الراشدين وكما أرادها بنو علي، وأن العلويين إنما ~~عجزوا عن نيلها لاعتمادهم في دعوتهم على شرف نسبهم وصدق تدينهم، وأن معاوية لم يغلب ~~إلا بالدهاء والحيلة، وأن عبد الملك لم يستطع استبقاءها إلا بالفتك وشدة البطش. ~~فلما انتقلت البيعة من العلويين إلى العباسيين، بمبايعة أبي هاشم بن محمد بن ~~الحنفية لمحمد بن علي العباسي كما تقدم، ثم أفضت بعده إلى ابنه إبراهيم الإمام، ~~وتوفق هذا إلى أبي مسلم الخراساني ورأى فيه الشدة والدهاء، جعله قائدا على نقبائه ~~ودعاته وأوصاه وصية هي محور سياسة العباسيين في تأييد دولتهم هذا نصها: # إنك رجل منا أهل بيت، أحفظ وصيتي: أنظر إلى هذا الحي من اليمن فالزمهم ~~واسكن بين أظهرهم، فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم. واتهم ربيعة في ~~أمرهم، وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار. واقتل من شككت فيه. وإن استطعت ~~أن لا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل. وأيما غلام بلغ خمسة أشبار ~~واتهمته فاقتله # 1 ~~... # فخرج أبو مسلم من عند الإمام إبراهيم بهذه الوصية، وقد عمل بها وعول عليها، فكان ~~يقتل كل من اتهمه أو شك فيه، فبلغ عدد الذين قتلهم في سبيل هذه الدعوة 600000 نفس ~~قتلوا صبرا # 2 # بدون حرب في بضع سنين، وفي جملتهم جماعة من كبار الشيعة، وفيهم غير ~~واحد من جلة النقباء وكبار الدعاة، كأبي سلمة الخلال الذي نصر الدعوة العباسية ~~بماله كما نصرها أبو مسلم بسيفه، وكان يقال له: وزير آل محمد كما يقال لأبي ms0742 مسلم: ~~أمير آل محمد. فحالما استشار السفاح أبا مسلم في شأنه واتهمه بنقل الخلافة إلى ~~العلويين، أشار أبو مسلم بقتله فقتلوه وقتلوا عماله على الأطراف. وفعل نحو ذلك ~~أيضا بسليمان بن كثر، وهو من أكبر دعاة الدولة العباسية قبله، وكان شيخا جليلا ~~لم يدخر وسعا في نصرة تلك الدعوة. فبعد قتل أبي سلمة بلغ أبا مسلم عنه مثل ما بلغه ~~عن أبي سلمة، فأحضره إليه وقال له: «أتحفظ قول الإمام لي: من اتهمته فاقتله؟» قال: ~~«نعم» قال: «فإني قد اتهمتك!» فخاف سليمان وقال: «أناشدك الله ...» قال: «لا تناشدني، ~~فأنت منطو على غش الإمام»، وأمر بضرب عنقه # 3 # ناهيك بمن قتلهم من غير الشيعة، وفيهم الأمراء والقواد. وقتل بعضهم ~~بالحيلة والبعض الآخر بالغدر، ومنهم الكرماني وأولاده وكبار رجاله # 4 # وغيرهم بشر كثير، حتى سئم الناس فعله وملوا سفك الدماء، وأصبح المسلمون ~~- حتى رجاله - لا يدعى أحدهم إلى مقابلته إلا أوصى وتكفن وتحنط. وثار من ذلك بعض ~~الأمراء من شيعة بني العباس وصاح في رجاله: «ما على هذا اتبعنا آل محمد: أن سفك ~~الدماء وأن يعمل بغير الحق ...»، فتبعه على رأيه أكثر من 30000 رجل، فوجه إليهم أبو ~~مسلم جندا قاتلهم وقتلهم. ~~(2) المنصور والدولة العباسية # فبهذا وأمثاله مهد أبو مسلم الخلافة لبني العباس، فساعدهم أولا على إخراجها من ~~بني أمية إلى أهل البيت، ولم يكتف ببيعة أبي العباس وقتل مروان بن محمد آخر خلفاء ~~بني أمية، ولكنه حرضهم على قتل من بقي من بني أمية بالإغراء أو التخويف على ألسنة ~~الشعراء. ويقال: إنه هو الذي أوعز إلى سديف الشاعر مولى بني هاشم أن يقول ذلك الشعر ~~في مجلس السفاح، وفيه سليمان بن هشام بن عبد الملك، وكان السفاح قد أمنه وأكرمه ~~وأمن سائر بني أمية - فيقال: أن سديفا دخل يوما على السفاح وعنده سليمان بن هشام ~~فأنشد سديف قوله: # لا يغرنك ما ترى من رجال # إن تحت الضلوع داء دويا # فضع السيف وارفع السوط حتى # لا ترى فوق ظهرها أمويا # فتأثر السفاح ms0743 وأمر بسليمان فقتل. ودخل شاعر آخر فقال شعرا آخر، وكان عند السفاح ~~نحو سبعين من رجال بني أمية، فقتلهم وبسطت له النطوع على جثثهم فأكل الطعام وهو ~~يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا # 5 # وقل في كيفية قتلهم غير ذلك، وأن الذي قتلهم عبد الله بن علي عم ~~السفاح، وهو مشهور بكرهه لبني أمية وشدة نقمته عليهم، ولكن لا خلاف في أنهم قتلوا ~~غدرا سنة 132ه وهم آمنون كما قتل الأمراء المماليك بمصر في أوائل القرن ~~الماضي. # والغالب أن أبا مسلم أوعز إلى العباسيين بقتلهم؛ لئلا يقفوا في سبيل دولتهم، ~~فأشار إلى سديف أن يحرضهم على ذلك بشعره. ولم يقل سديف ذلك حبا ببني العباس بل ~~كرها لبني أمية وانتقاما لآل علي؛ لأنه من الشيعة العلوية وهو يظن الخلافة شورى ~~بين الشيعتين. فلما رأى المنصور استقل بها بعد ذلك، نقم على العباسيين وهجاهم ~~بأشعار بلغ خبرها المنصور، فكتب إلى عامله أن يأخذ سديفا فيدفنه حيا ففعل. # 6 # وبعد أن قتل العباسيون من كان في قبضتهم من الأمويين، عمدوا إلى استئصال شأفتهم ~~من سائر البلاد. ولم ينج منهم إلا قليلون، أهمهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، ففر ~~إلى المغرب وأسس دولة بني أمية بالأندلس كما سيأتي. وتولى استئصال شأفة الأمويين من ~~بني العباس عبد الله بن علي، فبالغ في ذلك حتى نبش قبورهم ومثل بجثثهم، انتقاما ~~لما فعلوه قبلا بالأئمة من آل علي، وخصوصا زيد بن زين العابدين. فاستخرج جثة هشام ~~بن عبد الملك من قبره وهو لم يبل، فضربه ثمانين سوطا ثم أحرقه. # 7 # وبعد أن تخلص المنصور من الأمويين، لم يدخر أبو مسلم وسعا في تخليص الدولة من ~~أقربائه آل العباس أنفسهم، وفي جملتهم عبد الله بن علي المتقدم ذكره، وقد طمع في ~~الخلافة فحاربه بأمر المنصور وغلبه، واستولى على ما في عسكره من الغنائم والأسلحة. ~~فأراد المنصور أن يوجه همه إلى بني الحسن منافسيه في الخلافة، فاشتغل خاطره بأبي ~~مسلم وأصبح خائفا منه على سلطانه، بعد ما ms0744 بلغ إليه من النفوذ والشهرة والدالة. ولم ~~يكن همه إلا قتله ليفرغ للعلويين، فاتهمه بأنه ينوي إخراج الملك منهم فاستحق القتل ~~عملا بوصية الإمام. # وكان المنصور قد خاف أبا مسلم وعزم على قتله، من عهد خلافة أخيه أبي العباس، ولكن ~~أبا العباس لم يرد الإقدام على ذلك. فلما مات السفاح وخلفه المنصور صمم على قتله، ~~ولكنه استخدمه في حرب عمه عبد الله بن علي، فضرب عدويه أحدهما بالآخر، فأيهما قتل ~~صاحبه انفرد فيسهل على المنصور قتله. فلما فرغ أبو مسلم من حرب عبد الله بن علي، ~~احتال المنصور في استقدامه إليه من خراسان في حديث طويل، وأدخله عليه دخول الزائر ~~الأمين، وقد أكمن له أناسا بالسلاح وراء الستر، فأخذ سيفه منه وحادثه، وتدرج من ~~العتاب إلى التوبيخ، حتى إذا أزفت الساعة صفق المنصور، فخرج الكامنون بأسلحتهم ~~وقتلوه سنة 137ه فأمر به فلفوه بالبساط، ثم دعا بعض رجال خاصته وشاورهم في قتله - ~~ولم يقل: أنه قتله - فقال له أحدهم: «إن كنت قد أخذت من رأسه شعرة فاقتله ثم ~~اقتله»، فأشار المنصور إلى البساط، فلما رأى أبا مسلم فيه وتحقق موته قال: «عد هذا ~~اليوم أول يوم خلافتك ...». # 8 # ولما فرغ المنصور من أبي مسلم، لبث يتوقع ما يبدو من رجاله الخراسانية؛ لعلمه أنه ~~ركب بقتله خطرا عظيما، فما عتم أن ثار عليه جماعة منهم يعرفون بالراوندية، وكادوا ~~يفتكون به لو لم يدافع عنه معن بن زائدة. فقتل الراوندية جميعا، ولكنه أصبح لا ~~يأمن على نفسه من مثل هذه الثورة، فبنى مدينة بغداد بشكل حصين يقيه غائلة ذلك عند ~~الحاجة، ثم عمد إلى تخليص الخلافة من آل علي، فحارب محمد بن عبد الله وقتله. ثم رأى ~~من آل العباس من ينازعه عليها، منهم عمه عبد الله، وكان أبو مسلم قد غلبه ولكنه لم ~~يتمكن من قتله، فاحتال المنصور في استقدامه بأمان بعثه إليه مع ولديه، فجاء فحبسه ~~عنده. ثم علم سرا أن ابن عمه عيسى بن موسى ينوي الخروج عن طاعته، وكان ms0745 واليا على ~~الكوفة، فتجاهل وبعث إليه وقد دبر أمرا كتمه عن رجال بطانته، فلما جاء عيسى ~~استقبله المنصور بالترحاب والإكرام، ثم أخرج من كان في حضرته من الحاشية واستبقاه ~~وحده، وأقبل عليه وقال: «يا ابن العم ... إني مطلعك على أمر لا أجد غيرك من أهله، ولا ~~أرى سواك مساعدا لي على حمل ثقله، فهل أنت في موضع ظني بك، وعامل ما فيه، بقاء ~~نعمتك التي هي منوطة ببقاء ملكي؟» فقال له عيسى: «أنا عبد أمير المؤمنين، ونفسي طوع ~~أمره ونهيه ...»، فقال المنصور: «إن عمي وعمك عبد الله قد فسدت بطانته، واعتمد على ما ~~بعضه يبيح دمه، وفي قتله صلاح ملكنا، فخذه إليك واقتله سرا ~~...» فأطاعه عيسى، فسلم إليه عمه فمضى به إلى ~~الكوفة. وأضمر المنصور أن ابن عمه عيسى إذا قتل عمه عبد الله ألزمه القصاص. وسلمه ~~إلى أعمامه إخوة عبد الله ليقتلوه به، فيكون قد استراح من الاثنين معا. أما عيسى ~~فكأنه شك في نية المنصور، والناس يومئذ يتهمون بعضهم بعضا خوفا من وصية الإمام، ~~فاستشار بعض ذوي مشورته فحذروه من عاقبة ذلك، فحبس عمه ولم يقتله. ولما طلبه ~~المنصور منه دفعه إليه حيا، فقتله في بيت جعل أساسه على الملح. # 9 # وأمثلة ما أتاه المنصور من الدهاء والفتك في تأسيس دولته كثيرة. وكان يعطي الأمان ~~ثم ينكث، كما رأيت فعله بعمه عبد الله، وكما فعل بابن هبيرة عامل بني أمية على ~~واسط، لما بويع السفاح وأرسل أخاه المنصور لمحاربته، فجرت السفراء بينهما واتفقا ~~على أن يدخل ابن هبيرة في أمان بني العباس، فكتب له المنصور أمانا ظل ابن هبيرة ~~أربعين ليلة وهو يشاور فيه العلماء حتى تحقق صحته ورضي به. فبعثه إلى أبي جعفر، ~~فأنفذه أبو جعفر إلى أبي العباس فأمره بإمضائه. وكان رأي أبي جعفر في بادئ الأمر أن ~~يفي بما أعطاه، ولكن أبا مسلم (وكان لا يزال حيا) أشار على السفاح أن يقتله ~~قائلا: «إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد. لا والله لا يصلح ms0746 طريق فيه ~~ابن هبيرة ...»، فبعد أن جاء ابن هبيرة إلى أبي ~~جعفر مستأمنا غدر به وقتله # 10 # لأنه اتهمه. ثم اتهم أبا مسلم وقتله بعد أن أمنه كما رأيت. وشاع نكث ~~الأمان والغدر عن المنصور وتحدث به الناس. فلما قام محمد بن عبد الله العلوي في ~~المدينة، خافه المنصور كما تقدم، فبعث إليه يعرض عليه الأمان ويعده خيرا، فأجابه ~~محمد: «أي أمان تعطيني؟ أمان ابن هبيرة، أم أمان عمك عبد الله، أم أمان أبي مسلم؟». # 11 # وظل المنصور وأبو مسلم قدوة لمن جاء بعدهما في الدهاء والفتك. على أنهم لم يكونوا ~~يبطشون أو يفتكون إلا بمن نازعهم على الخلافة، فهذا يقتلونه على الشك. أما أحكامهم ~~فيما خلا ذلك ففي نهاية العدل والرفق، كما سيأتي أما من كان في نفسه مطمع في ~~الخلافة أو ما يتعلق بها فحكمه حكم المجرمين، فكل من يطلب الخلافة لنفسه أو يسعى ~~فيها لأحد كانت حياته في خطر، فإذا دعي للمثول بين يدي الخليفة اغتسل وتحنط ~~استعدادا للموت. # وكان المنصور أيضا قدوة لعبد الرحمن بن معاوية، مؤسس دولة بني أمية في الأندلس، ~~وقد فر من العراق فالشام إلى المغرب خوفا من القتل، فنصره رجاله وخصوصا مولى له ~~اسمه بدر، سعي في تأييد سلطانه مثل سعي أبي مسلم في الدولة العباسية، فلما استتب له ~~الأمر سلبه كل نعمة وسبحنه ثم أقصاه حتى مات، وفعل نحو ذلك في رؤساء الأحزاب الذين ~~نصروه، وسيأتي الكلام على ذلك. # واشتهر فتك العباسيين بالذين ينصرونهم في تأييد دولتهم، حتى صار الخلفاء أنفسهم ~~يشيرون إلى ذلك إذا أعوزهم الاستدلال به. فالأمين لما رأى طاهر بن الحسين يتفانى في ~~نصرة أخيه المأمون، وقد تولى قيادة جند الخراسانيين وغلب على جند الأمين وكاد يذهب ~~بدولته، كتب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، اعلم أنه ما قام لنا منذ قمنا قائم ~~بحقنا وكان جزاؤه إلا السيف، فانظر لنفسك أو دع ...». # 12 # وفي الواقع أن المأمون لما استتب له الأمر في الخلافة بسيف طاهر ~~المذكور عمل على قتله ms0747 بحجة مثل حجة المنصور بقتل أبي مسلم، فأهدى له خادما كان ~~رباه وأمره أن يسمه ففعل. # 13 ~~(3) سياسة الدولة العباسية في معاملة الرعية ~~(3-1) الموالي الفرس # قد رأيت أن الدولة العباسية قامت بالفرس وغيرهم من الرعايا، وفيهم الموالي ~~وأهل الذمة وكانوا ناقمين على دولة بني أمية، فنصروا أهل البيت انتقاما منها، ~~والجمهور الأهم منهم الفرس. ~~(3-2) الفرس والعرب قبل الإسلام # الفرس أهل سياسة وسلطان، وقد أنشأوا الدول وساسوا الناس ووضعوا الأحكام من ~~قديم الزمان. وضخمت دولتهم وقويت شوكتهم حتى حاربوا اليونان والرومان، ونبغ ~~فيهم القواد والعلماء والحكماء، وترجموا العلم والفلسفة، وكان لهم شأن كبير في ~~التاريخ القديم، واشتهر فيهم فضلا عن الأسر المالكة والداهقين والأساورة ~~بيوتات شريفة، أشهرها سبعة كان الشرف فيها. وعلى إطلال اصطخر عاصمة الفرس ~~القدماء، وغيرها من بقايا مدنهم القديمة، نقوش كتابية، مثل التي خلفها الفراعنة ~~واليونان والرومان وغيرهم. # وكان في مملكة فارس قبائل كثيرة من العرب، يقيمون على حدودها بين النهرين في ~~العراق والجزيرة، وكانت لهم دولة عربية تحت رعاية الفرس. وهم المناذرة في ~~الحيرة، وكثيرا ما كان الفرس يتعلمون لغة العرب وينظمون الشعر العربي، حتى ~~ملوكهم فإنهم لم يكونوا يستنكفون من ذلك - حكي أن بهرام بن يزدجرد بن سابور نشأ ~~بين العرب بالحيرة وتعلم العربية ونظم فيها شعرا، # 14 # وكانوا يستخدمون العرب في دواوينهم، للكتابة أو الترجمة بينهم وبين ~~من يفد على ملك الفرس من عرب الحجاز أو اليمن أو نجد، وخصوصا بعد أن دخلت ~~اليمن في حوزتهم على عهد كسرى أنو شروان. # وأشهر كتاب العرب في دواوين الفرس آل عدي بن زيد من المضرية، وكان عدي وأبوه ~~وجده من مهرة الكتاب، على قلة من يحسن الكتابة من العرب في ذلك العهد، وكانوا ~~يخدمون الفرس في دواوينهم. فجده حماز بن زيد بن أيوب كان كاتبا عند النعمان في ~~الحيرة، وتقرب من الفرس وولد له زيد، فأوصى به إلى دهقان كان صديقا له وهو من ~~أهل الدولة، فرباه الدهقان وعلمه الفارسية فنبغ في اللسانين، فتقدم الدهقان ms0748 إلى ~~كسرى أن يوليه البريد. ولم يكن ينال هذا المنصب إلا أبناء المرازبة، فتقدم يزيد ~~في الدولة حتى صار كسرى يستشيره في مهامه، وولد لزيد ابنه عدي وتثقف وتعلم مثل ~~أبناء الأساورة، وأتقن ألعاب الفرس على الخيل بالصوالجة، فقربه كسرى وجعله ~~كاتبا في ديوانه بالمدائن، وصار من أصحاب السطوة والكلمة النافذة وكسرى يأذن ~~له مع الخاصة ويبعث به في المهمات الكبرى إلى ملك الروم وغيره. وإذا فسد العرب ~~على الفرس وتمردوا توسط عدي في إصلاحهم، وإذا مات ملك العرب في الحيرة لا يولي ~~كسرى من يخلفه إلا بمشورة عدي. فشق ذلك على ملوك الحيرة حسدا له؛ لأنهم يمنية ~~وعدي مضري، فوشى به بعضهم إلى كسرى حتى قتل، وتولى بعده ابنه زيد بن عدي في ~~المكاتبة عن كسرى إلى ملوك العرب في أمورها وفي خواص أمور الملك. وكانت لكسرى ~~وظائف يؤديها إليه العرب كل عام، فكان زيد يتولى ذلك وغيره. # 15 # وجملة القول: أن العرب كانوا يخدمون الفرس في أيام دولتهم قبل الإسلام، كما ~~خدم الفرس العرب في أيام دولتهم بعد الإسلام، على أن الفرس بلغ من ضخامة ~~سلطانهم وسعة ملكهم قبل الإسلام أن كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأسياد ويعدون ~~سائر الناس عبيدا لهم، أي: أنهم أصيبوا بما أصاب العرب بعد ذلك، وبما يصاب به ~~غيرهم من الأمم التي توفق إلى السيادة فيغلب عليها الغرور وتترفع عن ~~سواها. # فلما ظهر الإسلام وقامت دولة الخلفاء مقام دولة الأكاسرة، كان ذلك شديدا على ~~الفرس، وخصوصا بعد ما لا قوة من ضغط بني أمية، واحتقارهم، فكانوا ينتقضون ~~فيحاربهم الأمويون، ويبالغون في إهانتهم وظلمهم ويضربن مدائنهم بالمجانيق ~~ويقتلون أهاليها، حتى أفنوا أكثر البيوتات القديمة ووجوه الأساورة الذين كانوا ~~يأوون إلى أصخر # 16 # فلا لوم عليهم بعد ذلك إذا نصروا كل قائمة على الدولة الأموية. على ~~أنهم لم يفوزوا إلا بطلبها للعباسيين كما رأيت، وكانوا يعدون ذلك فوزا ~~لأنفسهم، تخلصا من عصبية العرب عليهم، وطمعا في الرجوع إلى ما كانوا عليه من ~~السلطة والشوكة. ~~(3-3) استخدام ms0749 الموالي الفرس # فلما قبض العباسيون على أزمة الملك، جعلوا عاصمة مملكتهم بين شيعتهم في ~~العراق، فأقاموا أولا في الكوفة ثم في الهاشمية، حتى بنى المنصور مدينة بغداد ~~على دجلة فجعلوها دار الخلافة. وقربوا الموالي الفرس، وخصوصا أهل خراسان، ~~فجعلوهم بطانتهم ورجال دولتهم، ولاسيما الذين حاربوا مع أبي مسلم في طلب ~~الخلافة لهم. وأشهرهم خالد بن برمك جد الوزراء البرامكة، فإنه كان من قواد جند ~~أبي مسلم، وشهد معه الوقائع وأبلى بلاء حسنا في نصرة أهل البيت، وكان أبوه ~~برمك من مجوس بلخ، وكان يخدم بيتا من بيوت النار هناك اسمه النوبهار، اشتهر هو ~~وبنوه بسدانته، وكان برمك عظيم المقدار عند الفرس. فأسلم خالد ودخل في جند أبي ~~مسلم، وكان عاقلا حازما فلم يجعل للعباسيين محلا للشك في صداقته، كما فعل ~~أبو مسلم. فقدمه أبو العباس وولاء الوزارة، ثم تولاها للمنصور وخدمه بعد مقتل ~~أبي مسلم في محاربة الأكراد، وكانوا قد تغلبوا على فارس # 17 # وتوالت الوزارة في أعقابه إلى يحيى ابنه، فجعفر ابن ابنه ، وهو الذي ~~نكب البرامكة على عهده لسبب سنذكره. # وكذلك فعل العباسيون في استخدام الموالي في مهماتهم. وأول من استخدمهم لذلك ~~المنصور، فإنه استعمل مواليه وغلمانه وصرفهم في مهماته وقدمهم على العرب، ~~فاقتدى به الخلفاء بعده حتى سقطت دولة العرب، كما سيجيء. ولما حضرته الوفاة ~~أوصى بثلث ماله لمواليه # 18 # وأوصى بإكرامهم. ومن أقواله في وصيته لابنه المهدي: «وانظر إلى ~~مواليك فأحسن إليهم وقربهم واستكثر منهم، فإنهم مادتك لشدتك إن نزلت بك ... ~~وأوصيك بأهل خراسان، فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ودماءهم في ~~دولتك، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم، أن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم ~~عما كان منهم، وتخلف من مات منهم في أهله وولده». # 19 # ولا غرو إذا أكرم العباسيون أهل خراسان، بعد أن آثروهم على أهلهم وأبنائهم ~~وقتلوا من خالفهم. ولكن العرب كانوا يستغربون ذلك لأول وهلة، فكانوا إذا جاءوا ~~مجلس الخليفة رأوا الخراسانيين يذهبون ويجيئون ويدخلون على الخليفة كأنهم من ~~أهله، والعرب ms0750 يقفون ببابه لا يؤذن لهم إلا بمشقة - ذكروا أن أبا نخيلة الشاعر ~~العربي وفد على أبي جعفر المنصور، ووقف ببابه واستأذن فلم يؤذن له، وهو يرى ~~الخراسانية تدخل وتخرج وتهزأ به، فيرون شيخا أعرابيا جلفا فيعبثون به، ~~فسأله صديق له رآه في تلك الحال: «كيف ترى ما أنت فيه من هذه الدولة؟»، ~~فقال: # أكثر خلق الله من لا يدري # من أي خلق الله حين يلقى # وحلة تنشر ثم تطوى # وطيلسان يشترى فيغلى # لعبد عبد أو لمولى مولى # يا ويح بيت المال ماذا يلقى # 20 # وكان المهدي بن المنصور إذا أراد الشورى جمع خاصته للمداولة، وأول من يتكلم ~~منهم الموالي # 21 # وقس على ذلك في سائر الأحوال. فأصبحت بطانة الخليفة ورجال دولته ~~وخاصة حكومته من الموالي الفرس، وهم نظموا الحكومة ودواوينها، ورتبوا أحوالها ~~ومنهم الوزراء والقواد والعمال والكتاب والحجاب كأنها دولتهم؛ لأن الغالب في ~~هذه المناصب أن تنتقل من الرجل إلى بعض أولاده، مثل منصب الخلافة، فاشتهر بعض ~~البيوتات بالوزارة أو الولاية، كآل برمك وآل وهب وآل قحطبة وآل سهل وآل طاهر ~~وغيرهم. # وكانت أمور الدولة ترجع إلى الوزراء: يولون ويعزلون، وإذا تولاها أحدهم ولى ~~الأعمال رجالا من أصحابه أو مريديه، ومن ناحية أخرى تغيرت الأحوال على أهل ~~البلاد، واطمأنت خواطرهم وتفرغوا للعمل في التجارة أو الصناعة أو الزراعة، ~~ونسوا ما كانوا فيه من ضغط بني أمية واستبدادهم، وأطلقت حرية العمل وحرية ~~الدين، وذهبت عصبية العرب، ورتع الناس في بحبوحة الأمن. # ولما استبد الأتراك في الدولة وضعفت شوكة الفرس، بعد المأمون كما سيأتي، ظل ~~الموالي من أصحاب النفوذ في دولة الخلفاء، يعتمد عليهم الخليفة في أموره الخاصة ~~والعامة من الكتابة إلى القيادة، ولم يعد التقدم فيهم للفرس بنوع خاص، ولكنهم ~~أصبحوا أخلاطا منهم ومن سواهم، وإنما تجمعهم كلمة الموالي ويتفانون في خدمة ~~الخليفة أو الأمير. ~~(4) أهل الذمة في الدولة العباسية # لما أخذ الموالي الفرس في تنظيم الحكومة وترتيب دواوينها، أحسوا بافتقارهم إلى من ~~يعينهم على ذلك من أهل الذمة في العراق ms0751 والشام، وكانوا أهل معرفة في الحساب ~~والكتابة والخراج فضلا عن العلوم، فأطمعوهم بالرواتب والجوائز وسهلوا لهم أسباب ~~المعيشة وقربوهم وأكرموهم. فاطمأنوا لتلك الدولة وتقاطروا إلى بغداد، وخدموا ~~العباسيين بعقولهم وأقلامهم، بما آنسوه من تسامحهم وإطلاق حرية الدين لهم، ~~فاستخدمهم العباسيون في دواوينهم وولوهم خزائنهم وضياعهم. # فالجهابذة (الصيارف) كان أكثرهم من اليهود، والكتاب كان فيهم جماعة كبيرة من ~~النصارى. وكثيرا ما كان النصارى يتقلدون ديوان الجيش، وربما عظمت منزلة صاحب هذا ~~الديوان - وهو نصراني - حتى يتسابق أكابر رجال الدولة من المسلمين إلى تقبيل يده. ~~وممن تقلدوا ديوان الجيش من النصارى في الدولة العباسية ملك بن الوليد، قلده إياه ~~المعتضد بالله، وإسرائيل النصراني، قلده إياه الناصر لدين الله. وقد أدرك بعضهم ~~رتبة الوزارة، فتقلد أمرها أبو العلاء صاعد بن ثابت في أيام المتقي بالله. # 22 # وسرى ذلك الاعتدال والتسامح في الدين إلى الدولة الفاطمية بمصر، وكان لأهل الذمة ~~فيها شأن عظيم، فتقلد الوزارة أو الكتابة (وهي كالوزارة في مصر) غير واحد منهم، ~~وقويت شوكتهم في الدولة، فاستوزر العزيز بالله الفاطمي رجلا نصرانيا اسمه عيسى ~~بن نسطوروس، وآخر يهوديا اسمه منشا، فعز النصارى واليهود في أيامهما # 23 # ومن نافذي الكلمة في الدولة الفاطمية من أهل الذمة، فهد بن إبراهيم ~~النصراني كاتب برجوان، صاحب النفوذ الأعظم في أيام الحاكم بأمر الله. فكان فهد هذا ~~يوقع عن برجوان، ويخاطب بالرئيس. وله نفوذ عظيم. وارتفع شأن النصارى في أيامه، حتى ~~كادت الدولة تكون في أيديهم # 24 # على أن الكتابيين - أهل الذمة - كانوا في أيام الحاكم هم أهل الدولة، ~~وكذلك في أيام الحافظ # 25 # وكتاب الجيش في أكثر الأحايين من اليهود. # ناهيك بمن كان الخلفاء والأمراء يستخدمونهم من أطباء أهل الذمة وحكمائهم ~~وتراجمتهم وكتابهم، وخصوصا نصارى الشام، فإنهم خدموا التمدن الإسلامي في نقل ~~العلوم من اليونانية والفارسية والسريانية وغيرها إلى اللغة العربية، على ما فصلناه ~~في الجزء الثالث من هذا الكتاب، وبينا ما كان من محاسنة الخلفاء لهم تقديمهم ورعاية ~~جانبهم وإكرامهم، وفيهم النصراني واليهودي والمجوسي والسامري ms0752 والصابي وغيرهم، والكل ~~راتعون في بحبوحة السكينة والطمأنينة يتكسبون من خزائن الخلفاء والأمراء. # وكان الخلفاء في صدر الدولة العباسية يكرمون الأساقفة ويجالسونهم، فالهادي كان ~~يستدعي إليه الأسقف تيموثاوس في أكثر الأيام ويحاوره في الدين، ويبحث معه ويناظره، ~~ويطرح عليه كثيرا من المشكلات، وله معه مباحث طويلة ضمنها كتابا ألفه الأسقف ~~المذكور في هذا الموضوع. وكذلك كان يفعل معه هرون الرشيد # 26 # وغيره، وأغضوا عن بعض ما في عهد عمر بن الخطاب من التضييق على النصارى، ~~كمنعهم من أحداث الكنائس # 27 # أو الاحتفال بالأعياد، أو منعهم من خدمة الدولة، وسهلوا لهم الاختلاط ~~بهم وأظهروا احترام مذهبهم، حتى أصبح النصارى يهدون الخلفاء أيقونات بعض القديسين ~~فيقبلونها منهم، وكثيرا ما كان الأساقفة يطلبون من الخلفاء أن يثبتوهم في مناصبهم ~~للاعتزاز بذلك على أخصامهم أو منازعيهم. ~~(4-1) اضطهاد أهل الذمة في العصر العباسي # على أن ذلك لم يمنع تضييق بعض الخلفاء على النصارى، بمقتضى عهد عمر، وهدم ~~كنائسهم - فإن الملوك المستبدين تختلف سياستهم باختلاف أخلاقهم وأطوارهم، فقد ~~يتراءى لبعضهم التضييق على النصارى لسبب أو لغير سبب، كما فعل هرون الرشيد ~~والمتوكل من خلفاء بني العباس، فالمتوكل المتوفى سنة 247ه كان شديد الوطأة على ~~النصارى، ولعله أشد الخلفاء العباسيين وطأة عليهم؛ لأنه أمر بهدم الكنائس ~~المحدثة بعد الإسلام، ونهى أن يستعان بهم في الأعمال، أو أن يظهروا الصلبان في ~~شعانينهم، وأمر أن يجعل على أبوابهم صور شياطين من الخشب، وأن يلبسوا الطيالسة ~~العسلية، ويشدوا الزنار، ويركبوا السروج بالركب الخشب بكرتين في مؤخر السرج، ~~وأن يرقعوا لباس رجالهم برقعتين تخالفان لون الثوب، قدر كل واحدة أربع أصابع ~~ولون كل واحدة غير لون الأخرى، ومن خرج من نسائهم تلبس إزارا عسليا، ومنعهم ~~عن لبس المناطق وغير ذلك. # 28 # ولا يستغرب هذا التضييق من المتوكل، فإنه نقم مثل هذه النقمة على سائر أهل ~~الدولة وغيرهم، وشدد النكير على الشيعة وأهلك العلماء والكتاب، وكان شديد ~~التعصب على الشيعة، فاضطهدهم وعذبهم، ولاقى أهل الذمة منه الشدائد # 29 # على أنه لم ms0753 يرتكب هذا الشطط بغير سبب دعا إليه، فقد حمله عليه ~~انتصار النصارى لأعداء الدولة - وذلك أن أهل حمص المسلمين وثبوا بعاملهم سنة ~~241ه فأعانهم النصارى عليه، فكتب العامل إلى المتوكل فأمره بإخراج النصارى وهدم ~~كنائسهم، وكان هذا من أسباب نقمته عليهم. # 30 # ويقال نحو ذلك فيما صدر في أيام الرشيد من الأوامر بهدم الكنائس في الثغور، ~~وأخذ أهل الذمة بمخالفة هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم # 31 ~~- فعل الرشيد ذلك على أثر رجوعه من حرب الروم في هرقلة، فالظاهر أن ~~نصارى الثغور (الحدود بين مملكة الروم ومملكة الإسلام) ساعدوا أبناء طائفتهم ~~الروم في التجسس على أحوال المسلمين واستخدموا الكنائس لهذه الغاية، فأمر ~~الرشيد بالتضييق عليهم انتقاما منهم، وخصص أمره هذا بأهل الثغور على الحدود، ~~وشدد على الخصوص في مخالفتهم هيئة المسلمين في لباسهم، دفعا لتنكرهم وتجسس ~~أحوال المسلمين - وإلا فالرشيد من أحسن خلفاء بني العباس عدلا ورفقا بأهل ~~الذمة، وكان أحد عمال أخيه الهادي قد هدم بعض الكنائس بمصر، فلما أفضت الخلافة ~~إليه أمر بإعادة بنيانها. # 32 # وهكذا يقال في اضطهاد النصارى بمصر على عهد الدولة الفاطمية، مع ما تقدم من ~~منزلتهم وحرية الدين عندهم، وأقدم ما قاسوه من تضييق الحكام في طقوسهم وكنائسهم ~~في أيام الحاكم بأمر الله سنة 395ه، وسبب ذلك ما ذكرناه من تقدم النصارى في ~~مصالح الدولة في أيامه حتى صاروا كالوزراء، وتعاظموا لاتساع أحوالهم وكثرة ~~أموالهم، فتزايدت مكايدتهم للمسلمين على عهد عيسى بن نسطوروس وفهد بن إبراهيم ~~النصرانيين، فغضب الحاكم بأمر الله - وكان إذا غضب لا يملك نفسه فيبلغ غضبه إلى ~~حد الجنون. فأمر بقتل هذين الرجلين وشدد على النصارى فأمرهم بلبس ثياب الغيار ~~وشد الزنار في أوساطهم، ومنعهم من عمل الشعانين والتظاهر بما كانت عادتهم فيه، ~~وقبض على ما في الكنائس وأدخله في الديوان، ومنع النصارى من شراء العبيد، وهدم ~~كنائسهم وأجبرهم على الإسلام، وغير ذلك من التشديد والعنف # 33 # مما لا يقاس النصارى مثله من قبل، ولعله أعظم ما أصابهم من ~~الاضطهاد في إبان ms0754 التمدن الإسلامي. ولا جناح على التمدن الإسلامي منه؛ لأن ~~مرتكبه أتاه عن حمق أو جنون. # وقد سوغ للحاكم المبالغة في اضطهاد النصارى حرب كانت بين الروم والمسلمين ~~يومئذ، فخرب الروم بعض جوامع المسلمين ومنها جامع كان في القسطنطينية، فانتقم ~~الحاكم منهم بالتضييق على أهل مذهبهم في بلاده، وكان في جملة ما هدمه من ~~الكنائس كيسة القيامة بالقدس. فلما تولى الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله بعد ~~الحاكم، عقدت الهدنة بينه وبين ملك الروم سنة 418ه واتفقا على إعادة بناء جامع ~~القسطنطينية، وأن يعاد بناء كنيسة القيامة، وأن يؤذن لمن أظهر الإسلام في أيام ~~الحاكم أن يعود إلى النصرانية إذا شاء، فرجع إليها كثيرون. # 34 # وربما كان السبب الذي حمل الحاكم على ذلك التضييق طفيفا، فعظمه تعصبه وحمقه ~~فأمر بالهدم والقتل. على أنه كثيرا ما كلف رعاياه من المسلمين وغيرهم أمورا ~~مضحكة تشبه الجنون الصريح، كإصداره المنشورات بمنعهم من أكل الملوخيا أو من ~~البقلة المسماة بالجرجير، أو منعهم من عمل الفقاع، ومنع النساء من التبرج أو ~~المسير في الطرق، والأمر بسبب السلف ولعنهم، ونقش ذلك على المساجد وأبواب ~~الحوانيت على المقابر، ونحو ذلك من الأوامر التي تدل على اختلال في عقله. على ~~أننا قلما نراه أتى أمرا إلا لسبب، وإن كان ضعيفا - فالسبب في منعه الناس من ~~أكل الملوخيا مثلا أن معاوية بن أبي سفيان عدو الشيعة كان يحبها، والدولة ~~الفاطمية شيعية. ومنعهم من أكل بقلة الجرجير؛ لأنها منسوبة إلى عائشة أم ~~المؤمنين، ومنعهم من أكل المتوكلية؛ لأنها تنسب إلى المتوكل وهو من أعداء ~~الشيعة. ومنع الناس من شرب الفقاع لأن علي بن أبي طاب كان يكرهه # 35 # وقس على ذلك سائر ضروب الحماقة والغرابة، ومن هذا القبيل اضطهاد ~~النصارى وتخريب كنائسهم. على أنه عاد، لسبب طفيف أو بلا سبب، فأمر ببناء تلك الكنائس # 36 # وخير النصارى في الرجوع إلى دينهم فارتد كثير منهم - وقد تقدم أن ~~ذلك كان في أيام ابنه الظاهر. ومن أعماله الغريبة أنه ابتنى المدارس، وجعل فيها ~~الفقهاء ms0755 والمشايخ ثم قتلهم وخربها، وألزم الناس بإغلاق الأسواق نهارا وفتحها ~~ليلا، فظل الناس على ذلك دهرا طويلا # 37 # فمن كانت هذه أعماله لا يستغرب منه اضطهاد، ولا يعد اضطهاده عارا ~~على الدولة أو الأمة. # على أن أفظع ما قاساه النصارى واليهود من الاضطهاد، إنما كان في دور ~~الاضمحلال أو التقهقر في العصور الإسلامية الوسطى، وخصوصا بعد الحروب ~~الصليبية؛ لأنها كانت سببا كبيرا في إثارة التعصب بين الأمتين. فالنصارى ~~تذكروا تقدم المسلمين عليهم واضطهاد حكامهم لدينهم، وزاد حقد المسلمين على ~~رعاياهم النصارى لما كان من نصرتهم الإفرنج سرا، فبالغ أمراء المسلمين في ~~الفتك بهم. فنصارى «قارا» مثلا - بين دمشق ~~وحمص - كانوا يسرقون المسلمين في أثناء تلك الحرب، ويبيعونهم خفية للإفرنج، ~~فلما مر بها السلطان الملك الظاهر في أثناء عودته من بعض غزواته سنة 664ه أمر ~~بنهب أهلها وقتل كبارهم، واتخذ صبيانهم مماليك فتربوا بين الأتراك في الديار ~~المصرية، فصار منهم أجناد وأمراء # 38 # كما فعل العثمانيون بتجنيد الإنكشارية بعد ذلك بزمن غير ~~بعيد. # وتزايدت الضغائن بعد تلك الحروب بين المسلمين وأهل الذمة في بلادهم، حتى ~~أصبحت كل من الطائفتين تبذل جهدها في أذى الأخرى، ولما كانت الحكومة إسلامية ~~فالنصارى هم المغلوبون. فإذا احترقت حارة للمسلمين اتهموا النصارى واليهود ~~بإحراقها، فتأمر الحكومة بإحراقهم أو إحراق كنائسهم # 39 # وهذا التعصب من مقتضيات تلك العصور المظلمة؛ لأن الدول النصرانية ~~كانت تعامل المسلمين في بلادهم مثل هذه المعاملة أو أشد منها. وكثيرا ما كانوا ~~يهددون أسرى المسلمين بالقتل أو يتنصروا # 40 # وإذا دخلوا بلدا إسلاميا بالحرب عنوة ضربوا نواقيسهم في الجوامع، # 41 # ولما تغلب نصارى الأندلس على المسلمين أجبروهم على حمل علامة كان ~~يحملها اليهود وأهل الدجن، ولما غلبوهم في آخر الدولة خيروهم بين النصرانية ~~والموت فتنصروا عن آخرهم. # 42 ~~(4-2) تعصب العامة على النصارى # قلنا: إن الخلفاء والأمراء قدموا النصارى في مصالح الدولة، وأغدقوا عليهم ~~الأموال وأكرموهم ورفعوا منزلتهم، وإنهم فعلوا ذلك لاحتياجهم إليهم في إبان ذلك ~~التمدن؛ لنقل العلوم أو الطب أو الحساب ms0756 أو الكتابة أو غيرها مما تحتاج إليه ~~الدولة في تنظيم شؤونها، لاشتغال المسلمين يومئذ بالرياسة. وكان أولو الأمر من ~~الجهة الأخرى يقدمون المسلمين في المعاملات الرسمية على سواهم من أهل الذمة، ~~كما كان الأمويون يقدمون العرب على غير العرب، فنشأ التحاسد بين عامة المسلمين ~~وعامة المسيحيين. وذلك طبيعي في كل مملكة يتنازع العمل فيها ملتان أو طائفتان، ~~ولا يزال ذلك جاريا على نحو هذا الشكل إلى يومنا هذا. # نشأ هذا التحاسد أولا بين العامة ونحوهم من أهل المهن العلمية أو الحرف ~~الصناعية، الذين يحومون حول الخلفاء والأمراء للارتزاق بما يعوزهم من أسباب ~~المدنية، أو يرضيهم من عوامل الرخاء والترف كالشعر والغناء والكتابة والحساب ~~وغيرها. وأما أهل الطبقة العليا (الشرفاء) والأغنياء ورجال الدولة، فقلما كانوا ~~يتعصبون أو يتباغضون، وإنما كانوا ينظرون إلى الرجال من حيث هم بقطع النظر عن ~~مذاهبهم، فالشريف الرضي الذي كتب إلى الخليفة القادر بالله: # عطفا أمير المؤمنين فإننا # في دوحة العلياء لا نتفرق # ما بيننا يوم الفخار تفاوت # أبدا، كلانا في المعالي معرق # إلا الخلافة ميزتك فإنني # أنا عاطل منها وأنت مطوق # رثى أبا إسحق الصابي بقصيدته المشهورة التي مطلعها: # أرأيت من حملوا على الأعواد؟ # أرأيت كيف خبا ضياء النادي؟ # فلم يقع ذلك موقع الاستحسان عند العامة، فعابه بعضهم لكونه شريفا يرثي ~~صابئا فقال له: «إنما رثيت فضله». # 43 # وأما العامة ومن جرى مجراهم، أو استعان بهم على بعض المصالح أو المناصب، ~~فكانوا يظهرون التعصب على النصارى، ويسعون في أذيتهم لدى ولاة الأمور، فإذا ~~كان صاحب الأمر حازما لا يصغي للوشاية - ذكروا أن رجلا نصرانيا من أهل ~~بغداد اتهمه بعض المسلمين سنة 284ه أنه شتم النبي # صلى الله عليه وسلم # فاجتمع أهل بغداد ~~وصاحوا بالقاسم بن عبيد الله وزير المعتضد بالله يومئذ وطالبوه بإقامة الحد ~~عليه، وكأنه اعتقد براءة الرجل فلم يجب طلبهم، # 44 # واتصل الأمر بالخليفة وكان له شأن كبير. والحكم صاحب الأندلس في ~~أوائل القرن الثالث للهجرة صلب أحد عماله؛ لأنه ظلم أبناء أهل الذمة. ms0757 # 45 # فلما اقتربت الدولة من الشيخوخة أخذ هذا التعصب يسري من العامة إلى الخاصة، ~~لرغبة الناس يومئذ في التقرب من رجال الدولة بالتزلف والتملق التماسا للكسب، ~~فينتحلون الأسباب المساعدة على ذلك، ويتسابقون إلى دس الدسائس واختلاق ~~الوشايات. وأسهل وسائل التزلف في الدولة الإسلامية التدين، لاشتراك الدين ~~والسياسة في مصالحها، فكان بعضهم يستعينون في إظهار التدين والغيرة على الإسلام ~~بالطعن في الأديان الأخرى، فإذا كان صاحب الأمر ضعيفا انطلى عليه ذلك، واضطهد ~~أهل تلك الأديان؛ ولذلك كان التعصب على أهل الذمة، ولا سيما النصارى، يزداد ~~بتقدم الدولة الإسلامية نحو الشيخوخة. وقد اشتد في الأجيال الإسلامية الوسطى ~~على أثر الحروب الصليبية، فأصبح الحكام وأرباب المناصب العلمية وغيرها يجاهرون ~~باحتقار غير المسلمين، ويبالغون في اضطهادهم ويعاملونهم معاملة الأعداء. وتمكنت ~~العداوة بين الفئتين، وكل منهما تحاول أذية الأخرى، حتى أصبح النصارى يودون ~~التخلص من دولتهم بأية وسيلة كانت. فلما جاء التتر لفتح بغداد سنة 656ه كان هوى ~~أهل الذمة معهم. وتعاظم هذا التباغض على الخصوص قبيل النهضة الأخيرة، أي: منذ ~~قرن وبعض القرن، حتى في المعاملات الرسمية ولا سيما في البلاد البعيدة عن ~~المدنية - فقد اطلعنا صديق عالم على صورة رخصة من جانب الشرع الشريف في ديار ~~بكر، بدفن رجل مسيحي توفي فيها ننشرها لغرابة عبارتها وهي: # من جانب الشرع الشريف في ديار بكر إلى مطران طائفة كفرة ~~السريان ~~«أيها المكروه بالنظر والمعتقد، أن يعقوب الكافر من طائفتكم المكروهة ~~حيث إن الملعون قد فطس وهلك؛ فلأجل إدخال جثته الكريهة ضمن الأرض، قد ~~صدر الاسترحام من مرشد محلته وجرى أخذ الخراج، وإن تكن الأرض لا تقبل ~~جثته الخبيثة؛ ولكي لا تكون سببا لفساد الهواء، قد أعطيناه الرخصة ~~بعنوان الشرع الشريف أن تدفن، ضمن مدينتكم المخصوصة بموجب مذهبكم ~~الباطل إلى زمرة جهنم. اقتضى إعطاء هذه الرخصة لكي لا يكون مانع من طرف ~~أحد في 26 جمادى الأولى سنة 1203». انتهى. # فأي مسلم أو مسيحي من أهل هذا العصر يطلع على هذا ولا ينكره أو يستغربه؟ ~~ولولا ثقتنا ms0758 بصدق الناقل لأنكرناه نحن أيضا. وقد هون علينا تصديقه أن صديقا ~~آخر مقيما في القاهرة أكد لنا وجود رخص كثيرة في بعض البطركخانات بمصر في مثل ~~هذه العبارة. وقد أخذ هذا التعصب في الزوال من بدء هذه النهضة، ومتى نضجت نرجو ~~أن يزول تماما بإذن الله. ~~(4-3) تحاسد النصارى # على أنك لو تدبرت ما كان يلحق النصارى من الأذى في إبان التمدن الإسلامي ~~لرأيت سببه في كثير من الأحوال وشاية بعض طوائف النصرانية بالبعض الآخر، ~~كالنساطرة واليعاقبة في العراق. وكثيرا ما كان أهل النفوذ من النصارى أنفسهم ~~أشد وطأة على أهل دينهم من حكامهم المسلمين، كما كان عيسى بن شهلا الطبيب لما ~~تولى الطبابة. ونال منصبا في دار الخلافة، فاغتنم تلك الفرصة وبسط يده على ~~المطارنة والأساقفة يأخذ أموالهم لنفسه، حتى إنه كتب إلى مطران نصيبين كتابا ~~يلتمس منه فيه من آلات البيعة أشياء عظيمة المقدار ويهدده، ومن أقواله له: ~~«ألست تعلم أن أمر الملك بيدي، إن شئت أمرضته وإن شئت عافيته؟»، فبعث المطران ~~بالكتاب إلى الربيع حاجب الخليفة فانتقم الخليفة منه. # واعتبر ما أجراه بختيشوع بن خبرائيل الطبيب مع حنين بن إسحق المترجم الشهير، ~~لما رأى من منزلته عند الخليفة المتوكل، فحسده عليها وعمل على الكيد له من طريق ~~الدين، وذلك أنه اصطنع أيقونة (صورة) للسيدة العذراء وفي حجرها السيد المسيح. ~~وأوعز إلى بعض خاصته أن يحملها هدية إلى الخليفة في وقت عينه له، وذهب إلى مجلس ~~الخليفة في الميعاد المضروب، وكان هو المستقبل للأيقونة من يد الخادم والحامل ~~لها، وهو الذي وضعها بين يدي المتوكل، فاستحسنها المتوكل جدا، وجعل بختيشوع ~~يقبلها بين يديه مرارا كثيرة، فقال له المتوكل: «لم تقبلها؟» فقال له: «يا ~~مولانا إذا لم أقبل صورة سيدة العالمين فمن أقبل؟» فقال له المتوكل: «وكل ~~النصارى يفعلون كذلك؟» فقال: «نعم يا أمير المؤمنين وأفضل مني؛ لأني أنا قصرى ~~حيث أنا بين يديك. ومع تفضيلنا معشر النصارى، فإني أعرف رجلا من النصارى في ~~خدمتك، وأفضالك وأرزاقك جارية عليه، ms0759 يتهاون بها ويبصق عليها، وهو زنديق ملحد لا ~~يقر بالوحدانية ولا يعرف آخرة، يستتر بالنصرانية وهو معطل مكذب بالرسل»، فقال ~~له المتوكل: «من هذا الذي هذه صفته؟» فقال له: «حنين المترجم» فقال المتوكل: ~~«أوجه أحضره، فإن كان الأمر على ما وصفت نكلت به وخلدته في المطبق، مع ما أتقدم ~~به في أمره من التضييق عليه وتجديد العذاب» فقال: «أنا أحب أن يؤخر مولاي أمير ~~المؤمنين أمره إلى أن أخرج وأقيم ساعة، ثم تأمر بإحضاره»، فقال: «إني أفعل ~~ذلك». وخرج بختيشوع توا إلى حنين وأخبره: «أن الخليفة أهديت إليه أيقونة كذا، ~~وقد استحسنها. وإن نحن تركناها عنده ومدحناها بين يديه، احتقرنا وقال لنا: هذا ~~ربكم وأمه مصوران. وقد سألني أمير المؤمنين عن رأيي فيها، فقلت له: مثلها يكون ~~في الحمامات والكنائس وغيرها مما لا نبالي به. فطلب إلي أن أبصق عليها فبصقت، ~~فإذا دعا بك أفعل مثل فعلي»، فصدقه حنين. ولما دعاه الخليفة فعل كما قال له ~~بختيشوع، فحالما بصق على الأيقونة أمر الخليفة بحبسه، ووجه إلى ثيودوسيوس ~~الجاثليق يومئذ فأحضره، فلما رأى الأيقونة وقع عليها وقبلها، ولم يزل يقبلها ~~ويبكي طويلا، ثم أخذها بيده وقام قائما فدعا لأمير المؤمنين وأطنب في دعائه، ~~فدعاه إلى الجلوس والأيقونة في حجره، فطلب الجاثليق إليه أن يتركها له. ثم سأله ~~الخليفة عما يستحق الذي يبصق عليها، فقال: «إذا كان مسيحيا عارفا فإني أحرمه ~~دخول الكنيسة ومن القربان، وأمنع النصارى من ملامسته وكلامه وأضيق عليه»، فأعطى ~~الخليفة الأيقونة للجاثليق مع جائزة، وأمر بحنين فجلد بالسياط والحبال، وأمر ~~بنقض منازله وحبسه، ولم ينج من ذلك حتى اعتل المتوكل واحتاج إلى مشورته فأفرج عنه. # 46 # فإذا كان هذا فعل المتوكل في هذه الحال، ~~وهو كما وصفناه من شدة وطأته على النصارى وغيرهم من أهل الذمة، فكيف في غيره من ~~الخلفاء المعتدلين؟ وقد رأيت من حديث حنين هذا أن الخلفاء كانوا يفرضون على ~~النصارى صدق التدين في النصرانية، فضلا عن إعفائهم من الإسلام، إلا من أراده ~~باختياره. وكانوا ms0760 أيضا يشاركون النصارى في احتفالاتهم بالأعياد الكبرى، ~~كالميلاد والشعانين، ويخرجون معهم إلى أماكن النزهة كأنهم أمة واحدة # 47 # ولم يكن ذلك مقصورا على العراق والشام، فإن المصريين كانوا ~~يحتفلون بأعياد النصارى السنوية كما يحتفل بها النصارى أنفسهم، وكان الخليفة ~~يفرق في الناس الهدايا في عيد الميلاد والغطاس، ويفرح المصريون جميعهم معا. # 48 # وكانت الحكومة إذا أنشأت معهدا خيريا كان حظ أهل الذمة منه مثل حظ ~~المسلمين، وخصوصا المستشفيات ودور المرضى، فإنها كانت تبنى لمعالجة المسلم ~~والذمي، فإذا لم يكن فيها ما يكفي الاثنين قدموا المسلم. # 49 # على أن المسلمين في إبان تمدنهم أطلقوا حرية الدين لرعاياهم، على اختلاف ~~طوائفهم ونحلهم، فلم يسمع أنهم أكرهوا طائفة من الطوائف على الإسلام تعصبا ~~للدين، حتى في أيام بني أمية مع ضغطهم على غير العرب في طلب المال، فقد رأيت ما ~~كان من خالد القسري وغيره. وأما بنو العباس فكانوا أقرب إلى الاعتدال وحرية ~~الدين؛ ولذلك تعددت البدع الدينية في أيامهم من المجوس وغيرهم، ناهيك بالفرق ~~الإسلامية وتعددها. وكان أكثر الخلفاء تسامحا في الدين المأمون، فكان هو نفسه ~~شيعيا، وكان وزيره يحيي بن أكثم سنيا، ووزيره أحمد بن أبي داود معتزليا # 50 # يكفيك من تسامحه في الدين انتصاره للمعتزلة في القول بخلق القرآن - ~~وأول من قال بذلك رجل يهودي اسمه لبيد الأعصم ، الذي يقال: إنه سحر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. فكان لبيد يقول: إن التوراة مخلوقة، ثم قال: بخلق القرآن، وعنه أخذ ~~طالوت ابن أخته، وأخذه إبان بن سمعان عن طالوت، وأخذه الجعد بن درهم عن إبان في ~~أيام هشام بن عبد الملك الأموي، وأظهر مقالته في خلق القرآن وإنكار ما فيه، وإن ~~فصاحته لا تعجز الناس بل يقدرون على مثلها وأحسن منها # 51 # فغضب عليه هشام وبعث به إلى خالد القسري أمير العراقيين وأمره ~~بقتله، فحبسه ولم يقتله. فالح عليه، فأخرجه يوم الأضحى، وبعد أن صلى قال: «أريد ~~أن أضحي اليوم بالجعد بن درهم، فإنه يقول: ما كلم الله موسى ولا اتخذ ms0761 إبراهيم ~~خليلا، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا» ثم ذبحه. # 52 # ولما تولى مروان بن محمد كان يقول بخلق القرآن مثل الجعد # 53 # حتى إذا تولى المأمون نصر المعتزلة - ولعله أخذ الاعتزال من يحيي ~~بن المبارك مؤدبه - وتبعه الواثق بالله فقال مثل قوله، فعظم ذلك على عامة ~~المسلمين وأنكروه وسموا الواثق كافرا # 54 # كما سموا المأمون أمير الكافرين # 55 # وكان ما كان من المحنة في ذلك أيام المتوكل. وانقسم المسلمون إلى ~~حزبين، والخلفاء ضد المعتزلة وقد شددوا النكير على القائلين: بخلق القرآن، ~~وتناشدت الشعراء ذلك طعنا فيهم وتكفيرا لهم، كقول أبي خلف المعافري: # لا والذي رفع السما # ء بلا عماد للنظر # ما قال خلق في القرآ # ن بخلقه إلا كفر # لكن كلام منزل # من عند خلاق البشر # 56 # وبالجملة فقد كانت الأفكار من حيث الدين مطلقة الحرية في تلك العصور، لا يكره ~~الرجل على معتقده أو مذهبه، فربما اجتمع عدة إخوة في بيت واحد وكل منهم على ~~مذهب. فأولاد أبي الجعد ستة، كان منهم اثنان يتشيعان واثنان مرجئين واثنان خارجيين. # 57 # فسياسة الدولة العباسية في معاملة الرعايا من المسلمين وأهل الذمة إنما هي ~~المحاسنة والعدل والرفق. وقد أتينا بأمثلة من عدل الخلفاء الأولين من بني ~~العباس ورفقهم في الجزء الثاني من هذا الكتاب. وكانوا يحاسنون الفرس وسائر أهل ~~النفوذ من الموالي على الخصوص، ولاسيما بعد أن صارت الحكومة إليهم وقبضوا على ~~جندها ومالها، فكان الخلفاء يقدمونهم ويكرمونهم ويطلقون أيديهم في شؤون الدولة، ~~فإذا داخلهم شك في إخلاصهم ولو على سبيل الوشاية فتكوا بهم فتكا ذريعا، كما ~~اتفق للبرامكة وغيرهم من وزراء العصر العباسي الأول. ~~(5) العصبية العربية في العصر العباسي ~~(5-1) سياسة التقسيم # على أن المنصور كان همه منصرفا إلى العرب؛ لأنهم أهل عصبية إذا اجتمعوا ~~تغلبوا على الدولة وفعلوا ما أرادوه، لما يعلمه من جرأتهم في طلب الحق وتقبيح ~~الظلم جهارا ولا يحملون ضيما، وهو كما علمت بما ارتكبه في تأسيس دولته من ~~الغدر والفتك، مما لا تصبر عليه ms0762 النفوس الأبية. وقد زاده حذرا منهم ما كان ~~يسمعه من أقوالهم الدالة على إباء الضيم ولو كان فيه ما يسوءه، كما اتفق له وهو ~~في بعض حجاته، وكان يطوف بالكعبة ليلا، إذ سمع قائلا يقول: «اللهم أشكو إليك ~~ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع»، فخرج المنصور ~~إلى ناحية من المسجد ودعا القائل وسأله عن قوله، فطلب أن يؤمنه حتى يقول الحق ~~فأمنه. فقال له: «إن الذي حال بين الحق وأهله هو أنت يا أمير المؤمنين». قال ~~المنصور: «ويحك! وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي، والحلو والحامض ~~عندي؟». فقال الرجل: «لأن الله تعالى استرعاك المسلمين وأموالهم، فجعلت بينك ~~وبينهم حجابا من الجص والآجر، وأبوابا من الحديد وحجابا معهم الأسلحة ~~وأمرتهم ألا يدخل عليك إلا فلان وفلان، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف ولا ~~الجائع والعاري ولا الضعيف والفقير، وما أحد إلا وله من هذا المال حق ... إلخ». # فهذا وأمثاله نبه المنصور لجرأة العرب، فجعل يفكر في إذلالهم ويستنبط له ~~الحيل، وكان للعرب ديوان خاص لهم فيه الرواتب على أنسابهم ومراتبهم، وفيهم ~~اليمنية والمضرية. فلما فرغ المنصور من تأييد دولته بمقاتلة العلويين والخوارج ~~وغيرهم، وقد بنى بغداد وحصنها وأنشأ فيها منازل الجند، نظر إلى من حوله منهم ~~على الإجمال، فإذا هم ثلاث فرق كبرى: اليمنية والمضرية والخراسانية، فاتفق سنة ~~151ه أن بعض الجند شغبوا عليه وحاربوه على باب الذهب، وهو قصره في بغداد، فأوجس ~~خيفة من تكرار ذلك؛ لعلمه أن دولته إنما قامت بالجند، فإذا اجتمعوا عليه ~~أخرجوها من يده، وهو يعلم أيضا أن لكل من هذه الفرق هوى مع بعض دعاة الخلافة ~~العلويين أو غيرهم، فليس أهون عليهم من ردها إلى دولة جديدة. # وكان كبير بني العباس يومئذ قثم بن العباس بن عبيد الله بن عباس، وهو شيخهم ~~وله الحرمة والتقدم عندهم، فاستشاره المنصور في ذلك قائلا: «أما ترى ما نحن ~~فيه من التياث الجند علينا؟ وقد خفت أن تجتمع كلمة هؤلاء فيخرج هذا الأمر ms0763 من ~~أيدينا، فماذا ترى؟». قال: «يا أمير المؤمنين عندي رأي إن أظهرته لك فسد، وإن ~~تركته أمضيته وصلحت خلافتك وهابك جندك». قال له: «أفتمضي في خلافتي شيئا لا ~~أعلمه؟» قال له: «إن كنت عندك متهما فلا تشاورني، فإن كنت مأمونا عليها فدعني ~~أفعل رأيي». فقال له المنصور: «فأمضه». فانصرف قثم إلى منزله فدعا غلاما له ~~فقال: «إذا كان الغد فتقدمني واجلس في دار أمير المؤمنين، فإذا رأيتني قد دخلت ~~وتوسطت أصحاب المراتب، فانهض وخذ بعنان بغلتي، واستحلفني بحق رسول الله وبحق ~~العباس وبحق أمير المؤمنين إلا ما وقفت لك وسمعت مسألتك وأجبتك عنها، فإني ~~سأنتهرك عند ذلك وأغلظ لك فلا تخف وعاود المسألة، فإني سأضربك فعاود وقل لي: أي ~~الحيين أشرف، اليمن أم مضر؟ فإذا أجبتك فاترك البغلة وأنت حر». ففعل الغلام كما ~~أمره، وفعل قثم به ما قاله، إلى أن قال: «مضر أشرف؛ لأن منها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وفيها كتاب الله، وفيها بيت الله، ومنها خليفة الله». فامتعضت اليمن ~~من قوله؛ لأنه لم يذكر لهم شيئا، وقال بعض قوادهم: «ليس الأمر كذلك مطلقا ~~بغير فضيلة لليمن». ثم قال لغلام له: «قم إلى بغلة الشيخ فاكبحها» ففعل حتى كاد ~~يعقبها، فامتعضت مضر وقالوا: «يفعل هذا بشيخنا؟» فأمر بعضهم غلامه فضرب يد ذلك ~~الغلام فقطعها، فنفر الحيان ودخل قثم على المنصور، وافترق الجند العربي من ذلك ~~الحين، فصارت مضر فرقة واليمن فرقة والخراسانية فرقة، وقال قثم للمنصور: «قد ~~فرقت بين جندك وجعلتهم أحزابا كل حزب منهم يخاف أن يحدث حدثا فتضربه بالآخر». # 58 # وكان المهدي بن المنصور قد جاء من خراسان، فقدم عليه أهل بيته من الشام ~~والكوفة والبصرة وغيرها، فهنأوه بمقدمه فأجازها وكساهم، وفعل المنصور بهم مثل ~~ذلك، فقال قثم للمنصور: «قد بقي عليك بالتدبير بقية، وهي أن تعبر بابنك ~~«المهدي» فتنزله في ذلك الجانب من بغداد، وتحول معه قطعة من جيشك، فيصير ذلك ~~بلدا وهذا بلدا، فإن فسد عليك أولئك ضربتهم بهؤلاء، وإن فسد عليك هؤلاء ms0764 ~~ضربتهم بأولئك، وإن فسد عليك بعض القبائل ضربتهم بالقبائل الأخرى» فقبل رأيه ~~واستقام ملكه، وبنى المهدي بلدا سماه الرصافة - فاستعان المهدي في استبقاء ~~دولته بسياسة التقسيم. # وما زال شأن العرب يضعف في الدولة العباسية تدريجا، وحزب الفرس يقوى حتى ~~أصبحت الدولة في أيام الرشيد بين عاملين كبيرين: أحدهما فارسي والآخر عربي كل ~~منهما يحاول الاستئثار بالسلطة. وكانت بطانة الخليفة أيضا حزبين، أحدهما ينتمي ~~إلى الفرس والآخر إلى العرب، مرجعهما إلى ابني الرشيد الأمين والمأمون؛ لأن ~~الأول أمه عربية هاشمية (زبيدة) وأم الثاني أمة فارسية يقال: إن الرشيد اشتراها ~~لتلد له؛ لأن امرأته زبيدة أبطأت الحمل، فولدت له عبد الله المأمون، ثم حملت ~~زبيدة فولدت محمدا الأمين # 59 # فوقع بين الوالدتين من التحاسد مثل الذي وقع بين سارة وهاجر امرأتي ~~إبراهيم الخليل. وسرى هذا التحاسد في البطانة ومنه إلى سائر رجال الدولة، وهو ~~بني هاشم وسائر العرب مع الأمين، وهوي سائر رجال الدولة من الفرس وغيرهم مع ~~المأمون، وكان زعيم الحزب العربي الربيع بن يونس وأبناؤه من بعده. # والربيع يتصل نسبه بكيسان مولى الحرث مولى عثمان بن عفان، فجده مولى مولى. ~~ودخل الربيع في جملة موالي المنصور، فولاه حجابته ثم جعله وزيره، وكان المنصور ~~شديد الميل إليه حسن الاعتماد عليه، فسأله يوما عما يتمناه منه فقال: «أن تحب ~~ابني الفضل». فقال المنصور: «كيف اخترت له المحبة دون كل شيء؟». فقال : «لأنك ~~إذا أحببته كبر عندك صغير إحسانه وصغر عندك كبير إساءته». ومات الربيع في أيام ~~الهادي سنة 170ه. ولما تولى الرشيد الخلافة واستوزر البرامكة، سقط في يد الفضل ~~بن الربيع لخروج الوزارة من يده، فرام التشبه بهم ومعارضتهم، ولم يكن له من ~~القدرة ما يدرك به اللحاق بهم، فكان في نفسه منهم إحن وشحناء، فسعى بهم عند ~~الرشيد، وكان سعيه من جملة أسباب نكبتهم. ~~(5-2) ذهاب عصبية العرب بذهاب دولة الأمين # وكان المأمون، فضلا عن نسبه الفارسي من أمه، قد ربى في حجر جعفر بن يحيي ~~البرمكي، وهو الذي سعى له ms0765 في ولاية العهد # 60 # ورباه على حب الفرس. والفضل بين الربيع سعى في تأييد بيعة الأمين. ~~ولما توفى الرشيد بعد مقتل البرامكة، كان الفضل بن الربيع هو الذي حمل الأمين ~~على نقض بيعة المأمون # 61 # واختلف الإخوان على البيعة، وكان المأمون عند أخواله بخراسان، ~~والأمين في أهله ببغداد، وانتشب القتال بين الفريقين - وهو قتال بين الفرس ~~والعرب؛ لأن العرب في معظم المملكة العباسية كانوا من حزب الأمين. # 62 # وقد نصر الخراسانيون ابن أختهم المأمون، بتدبير الفضل بن سهل. وكان ~~الأمين يحرض جنده في بغداد بمشورة الفضل بن الربيع. وكان العرب من الجند ~~العباسي قد أنهكتهم الحضارة والترف، وتبددوا بسياسة التقسيم، فلم يستطيعوا ~~دفاعا. فلما ضاق الحال بالأمين، ولم يبق عنده مال للتجنيد، استنجد رعاع أهل ~~بغداد، وفيهم العيارون والشطار وكانوا طوائف كبيرة. وأمر بعض قواده أن يتتبعوا ~~أصحاب الأموال والودائع والذخائر من أهل الملة وغيرهم، فلم يزده ذلك إلا ضعفا. ~~وانقضت تلك الحروب بفوز المأمون، وسيأتي تفصيل ذلك. فأخرج الخراسانيون الخلافة ~~من العرب وسلموها إلى المأمون، كما أخرجوها قبلا من بني أمية وسلموها إلى ~~أجداده. # فاستفحل أمر الفرس في أيام المأمون وازداد العرب ضعفا، حتى كثيرا ما كانوا ~~يتعرضون له في الشوارع يشكون إغضاءه عنهم، ومن أقوالهم: «يا أمير المؤمنين، ~~انظر إلى عرب الشام كما نظرت إلى عجم خراسان ...». # 63 # فلما أفضت الخلافة إلى المعتصم سنة 218ه، وقد جمع ما جمعه من الأتراك ~~والفراغنة، كانت الضربة القاضية على العرب في الدولة العباسية؛ لأنه كتب إلى ~~عماله في الأطراف بإسقاط من في دواوينهم من العرب وقطع العطاء عنهم، ففعلوا وهم ~~يستعيذون بالله من ذلك، وانحط شأن العرب من ذلك الحين. # 64 # ومنعوا من الولايات. وآخر من ولي مصر منهم عنبسة بن إسحق، صرف عنها ~~سنة 242ه # 65 # فتمكن الفرس من الدولة وزادت رغبتهم في نزعها من العرب على ~~الإطلاق، فقام مرداويج في أصفهان سنة 322ه يريد أن يأخذ بغداد وينقل الدولة إلى ~~الفرس، ويبطل دولة العرب # 66 # فلم يفلح، على أن ms0766 النفوذ تحول بالتدريج إلى الخدم، كما ~~سترى. ~~(5-3) الشعوبية والعرب # وفي أيام المأمون ومن جاء بعده تظاهر ~~الشعوبية بالطعن على العرب، وكان المأمون يقربهم ويجعلهم من بطانته ويجيزهم، ~~ومنهم سهل بن هارون قيم بيت الحكمة، وكان شديد التعصب على العرب - وأبو عبيدة ~~الراوية الشهير، وعلان الشعوبي. وألف الشعوبية الكتب في ذكر مثالب العرب والرد ~~على القائلين بتفضيلهم على سواهم من الأمم. # والشعوبية يقولون: بالمساواة بين بني الإنسان؛ ولذلك سموهم أيضا: «أهل ~~التسوية»، ومن أقوالهم في الرد على العرب: أن النبي # صلى الله عليه وسلم # نفسه ساوى بين ~~المسلمين على اختلاف جنسياتهم بقوله: «المسلمون إخوة، تتكافأ دماؤهم، ويسعى ~~بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم». وقوله في خطبة حجة الوداع: «ليس لعربي ~~على عجمي فضل إلا بالتقوى». وما جاء في القرآن: # إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم ~~. والشعوبية ينوبون بدفاعهم ~~عن كل أمم الأرض في ذلك العهد، إلا العرب، فإذا افتخروا (أي: الشعوبية) بملوكهم ~~ذكروا الفراعنة والنماردة والعمالقة والأكاسرة والقياصرة، وافتخروا بسليمان ~~الحكيم والإسكندر الكبير وبملوك الهند. وإذا فاخروهم بالأنبياء والمرسلين ذكروا ~~الأنبياء من آدم إلى أيامهم، وإنهم جميعا من غير العرب، إلا أربعة هم: هود، ~~وصالح، وإسماعيل، ومحمد # صلى الله عليه وسلم ~~. وإذا فاخروهم بالعلم والصناعة والفلسفة، ~~ذكروا اختراع لعبة الشطرنج ورمانة القبان والاسطرلاب، وفخروا بفلسفة اليونان ~~وأشعارهم وسائر علومهم وعلوم الهند والفرس وغيرهم. وبلغ من جسارة بعض الشعوبية ~~في بعض ردوده أن قال: «فما الذي تفخر به العرب على العجم؟ فإنما هي كالذئاب ~~العادية والوحوش النافرة، يأكل بعضها بعضا ويغير بعضها على بعض، فرجالها ~~موثقون في حلق الأسر، ونساؤها سبايا مردفات على حقائب الإبل». # 67 # واستشهدوا على ذلك بأبيات من أقوال العرب تدل على ضعف غيرتهم على ~~العرض وقالوا: «لا يفلح العربي إن لم يكن معه نبي ينصره». # 68 # وعيروهم باستلحاق الأدعياء ونظموا الأشعار طعنا فيهم. وممن نظم ~~المطاعن عليهم الحسن بن هانئ وبشار بن برد وغيرهما، على أن بشارا كان تارة مع ~~هؤلاء وتارة مع هؤلاء. # وقام المتعصبون للعرب ms0767 فألفوا الكتب في الرد على الشعوبية. ومن أشهر ما ألف في ~~ذلك كتاب «تفضيل العرب» لابن قتيبة، وقد رد الشعوبية عليه في مناظرات يطول ~~شرحها. وعلى أي حال فإن السياسة وطبيعة العمران قضت بذهاب دولة العرب. ~~(6) نكبة الوزراء الفرس ~~(6-1) الوزراء الفرس قبل البرامكة # قد رأيت أن الخلفاء العباسيين قربوا الموالي الفرس وولوهم المناصب الكبرى، ~~فاتخذوا منهم الوزراء والعمال، فاعتز الفرس وتاقت نفوسهم إلى الاستبداد بالدولة ~~والرجوع إلى ما كانوا فيه على عهد الأكاسرة. وهم يعلمون أن ذلك لا يتيسر لهم في ~~إسلام إلا بصبغة دينية تحت راية الخلافة الإسلامية. وربما كان ذلك الأمل في ~~جملة ما حملهم على التشيع لأهل البيت في أيام بني أمية ونصرتهم في طلب ~~الخلافة. # فلما انتقلت البيعة من العلويين إلى العباسيين وبويع هؤلاء بالخلافة، ثم ~~جعلها المنصور محصورة فيهم دون العلويين، وقاتل آل الحسن وقتلهم بعد أن قتل أبا ~~مسلم وغيره من شيعته، لم ير الفرس بدا من الرضوخ لسلطانه خوفا من بأسه. على ~~أنهم ظلوا على مذهب الشيعة، وتربصوا يتوقعون فرصة يثبون فيها على الدولة أو ~~ينشؤون لأنفسهم دولة شيعية. # وكان الخلفاء يلاحظون ذلك ويحاذرون الوقوع فيه، فيستخدمون الفرس في أكبر ~~مصالح الدولة على حذر. فإذا رأوا من أحدهم ميلا إلى التشيع عزلوه أو قتلوه؛ ~~ولذلك كان الوزراء يكتمون تشيعهم، والخلفاء يبثون عليهم العيون في منازلهم، كما ~~فعل المهدي بوزيره يعقوب بن داود، وأصله من موالي العرب، وكان في بادئ أمره ~~كاتبا عند إبراهيم بن عبد الله العلوي الحسني أخي محمد بن عبد الله الذي قام ~~في المدينة وقتله المنصور. وكان يعقوب قد خرج مع محمد هذا على المنصور، ثم رجع ~~في جملة الراجعين، وكتم ميله واتصل بالمهدي فاستخدمه وأحبه كثرا ووثق به، حتى ~~آخاه وأعلن ذلك في الدواوين، فقال سلم الخاسر في ذلك: # قل للإمام الذي جاءت خلافته # تهدي إليه بحق غير مردود # نعم القرين على التقوى أعنت به # أخوك في الله يعقوب بن داود # وأحرز يعقوب المذكور نفوذا عظيما، حتى غلب ms0768 على أمور المهدي وسهل له الإسراف ~~والاشتغال عن مصالح الدولة، وتفرغ هو للعمل، والعرب لا يعجبهم ذلك، فجعلوا ~~يعرضون به بالأشعار ونحوها، والمهدي يسمع أقوالهم ولا يبالي بها - روي أن ~~المهدي حج مرة فمر بمكان عليه كتابة قرأها فإذا هي: # لله درك يا مهدي من رجل # لولا اتخاذك يعقوب بن داود # فقال المهدي لمن معه اكتبوا تحته: «على رغم أنف الكاتب لهذا وتعسا ~~لجده». # فلما لم يجد أعداؤه حيلة في تغيير قلب المهدي عليه تحولوا إلى الوشاية من جهة ~~لا بد للخليفة أن يتنبه لها، فقالوا له: «إن يعقوب يميل إلى العلوية، وأنه كان ~~معهم عند قيامهم على أبيه» فاشتغل خاطره، وكان يعقوب يكتم ذلك عنه، فأراد أن ~~يمتحنه. فدعا به يوما وهو في مجلس فرشه موردة وعليه ثياب موردة وعلى رأسه ~~جارية جميلة، ثم أظهر المهدي أنه مسرور منه فأهداه المجلس بما فيه والجارية ~~أيضا، ثم تقدم إليه بمهمة طلب قضاءها - وهي أن رجلا من العلوية يريد المهدي ~~أن يتخلص منه، فأوصى يعقوب أن يقتله، فوعده بذلك بعد أن أقسم الإيمان. وذهب إلى ~~منزله واستقدم ذلك العلوي وكلمه فرآه لبيبا، وتوسل الرجل إليه أن يحقن دمه، فحن ~~له يعقوب وعفا عنه وأوصاه بالفرار وساعده بالمال. وكانت الجارية في بعض جوانب ~~البيت تسمع ما جرى، فنقلت الحكاية كما جرت. فبعث المهدي حتى قبض على الرجل ~~وخبأه، وأتى بيعقوب فاعترف له بما فعله فحبسه بالمطبق عدة سنين، ولم يخرج إلا ~~في السنة السادسة من خلافة الرشيد ، شفع له يحيي بن خالد البرمكي؛ لأنهما من ~~طينة واحدة ومذهب واحد، وكان يعقوب قد عجز فخيره الرشيد في الإقامة حيث يشاء، ~~فاختار مكة فسيروه إليها وتوفي فيها سنة 187ه وهي السنة التي نكب فيها ~~البرامكة. ~~(7) الوزراء البرامكة ~~(7-1) مرتبتهم في الدولة # لما توفي المهدي والهادي وأفضت الخلافة إلى الرشيد استوزر البرامكة؛ لأن ~~خالدا جدهم من قواد أبي مسلم، وقد جاهد في نصرة العباسيين جهادا حسنا، ~~فأستوزره أبو العباس واستعمله المنصور في الحروب كما تقدم. ms0769 وكان خالد كبير ~~العقل واسع الصدر، لم يبلغ أحد من ولده مبلغه في الجود والرأي والبأس والعلم، ~~واشتهر ابنه يحيى بموفور العقل وسداد الرأي، وكان مقربا من المهدي يعول على ~~رأيه. وولد ليحيى سنة 148ه غلامه الفضل، قبل ولادة الخيزران للرشيد بسبعة أيام، ~~وربى الطفلان معا فأرضعت الخيزران الفضل من لبن ابنها، فكان الفضل بن يحيي أخا ~~الرشيد من الرضاعة، وفي ذلك يقول سلم الخاسر: # 69 # أصبح الفضل والخليفة هرو # ن رضيعي لبان خير النساء # ولما ترعرع هرون عهد المهدي إلى يحيى بتربيته، فشب الرشيد في حجره وكان ~~يدعوه: «يا أبت»، فلما مات المهدي سنة 169ه في جرجان كان أكبر رجال الدولة ~~المقربين يومئذ يحيى بن خالد والربيع بن يونس. وخاف الرشيد اختلال الأمر إذا ~~علم الناس بموت أبيه وهم في تلك الحال، فاستشار يحيى فأشار عليه برأي كان فيه ~~الصواب، حتى رجعوا إلى بغداد وقد هاج الناس، وفيها الخيزران أم الهادي والرشيد، ~~فبعثت إلى الربيع ويحيى لتشاورهما، فأجابها الربيع ولم يجبها يحيى، وأوصاه أن ~~يقوم بأمر الرشيد كما كان في أيام أبيه ووبخ الربيع. # وأول شيء خطر للهادي بعد قبضه على أزمة الخلافة أن يخلع أخاه الرشيد من ولاية ~~العهد، ويحول الإرث إلى ابنه لتبقى الخلافة في نسله، كما كان يفعل معظم الخلفاء ~~في مثل هذه الحال. فأعلن الهادي عزمه لبعض خاصته فوافقوه، وخلعوا هرون وبايعوا ~~جعفر بن الهادي، وتنقصوا من الرشيد في مجلس الجماعة. فأمر الهادي ألا يسار بين ~~يديه بالحربة، على جاري العادة في المسير بين يدي ولي العهد، فاجتنبه الناس ~~وتركوا السلام عليه، ورضي هو بذلك. ولكن يحيى لم يرض، بل حرضه على التمسك بحقه ~~في ذلك، فوشى بعضهم إلى الهادي أن يحيى يفسد الرشيد عليه، فبعث الهادي إلى يحيى ~~فقال له: «يا يحيى، ما لي ولك؟». قال: «ما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته». ~~فقال: «لم تدخل بيني وبين أخي وتفسده علي؟» فقال: «من أنا حتى أدخل بينكما؟ ~~إنما صيرني المهدي معه، ثم أمرتني ms0770 أنت بالقيام بأمره فانتهيت إلى أمرك». فطابت ~~نفس الهادي بهذا القول. فاغتنم يحيى رضاءه وقال: «يا أمير المؤمنين إنك إن حملت ~~الناس على نكث الإيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت ~~لجعفر بعده كان ذلك أوكد للبيعة»، قال: «صدقت» وصرفه. # فلما لقي الهادي القواد الذين خلعوا ~~الرشيد حملوه على معاودة الخلع، فبعث إلى يحيى فحبسه، فكتب إليه يحيى وهو في ~~الحبس: «إن عندي نصيحة»، فأحضره وسأله عما عنده فقال يحيى: «يا أمير المؤمنين، ~~أرأيت إن كان الأمر الذي لا نبلغه ونسأل الله أن يعدمنا قبله؟ (يعني موت ~~الهادي) أتظن الناس يسلمون الخلافة لجعفر وهو لم يبلغ الرشد، أو يرضون به ~~لصلاتهم وحجهم وغزوهم؟». وقال: «ما أظن ذلك». قال: «يا أمير المؤمنين، أفتأمن ~~أن يسمو إليها أكابر أهلك مثل فلان، ويطمع فيها غيرهم فتخرج من ولد أبيك؟ والله ~~إن هذا الأمر لو لم يعقده المهدي لأخيك لقد كان ينبغي أن تعقده أنت له، فكيف ~~بأن تحله عنه وقد عقده المهدي؟ ولكني أرى أن تقر الأمر على أخيك، فإذا بلغ ~~(جعفر) أشده أتيت بالرشيد فخلع نفسه له وبايعه». فقبل الهادي قوله وعمل به. # 70 # وتوفي الهادي ولم يملك إلا سنة، وأفضت الخلافة إلى الرشيد، ويحيى أول من بشره ~~بها وأتاه بالخاتم وهو نائم، فعرف الرشيد فضله في ذلك وقال له: «يا أبت أنت ~~أجلستني في هذا المجلس ببركتك ويمنك وحسن تدبيرك، وقد قلدتك الأمر». ودفع إليه ~~خاتمه وجعل إصدار الأمور وإيرادها إليه. وكان يعظمه، فإذا ذكره قال: «أبي» وفي ~~هذه الوزارة يقول الشاعر: # ألم تر أن الشمس كانت سقيمة # فلما ولي هرون أشرق نورها؟ # بيمن أمين الله هرون ذي الندى # فهرون واليها ويحيى وزيرها # وخلف يحيى أولادا أحسنهم الفضل في جوده ونزاهته، وجعفر في كتابته وفصاحة ~~لسانه، ومحمد في بعد همته، وموسى في شجاعته وبأسه. وقد تولوا أرفع المناصب ~~وتصرفوا في الدولة، وخصوصا جعفر والفضل، فضلا عما اشتهروا به من الجود ~~والسخاء، وكان أبوهم يحيى جوادا مثلهم، فاشتق ms0771 الناس من اسمهم فعلا للسخاء ~~فقالوا: «تبرمك الرجل» أي: جاد وسخا. # وأراد الرشيد إكرام يحيى، فولى ابنيه الفضل وجعفر أعظم الأعمال، فقسم المملكة ~~بينهما، فجعل جعفر عاملا على الغرب كله من الأنبار إلى إفريقية، وقلد الفضل ~~الشرق كله من شيروان إلى أقصى بلاد الترك. فشخص الفضل إلى خراسان سنة 176ه ~~فجعلها مركز عمله، وأزال سيرة الجور منها وبنى المساجد والحياض والربط وأحرق ~~دفاتر البقايا، وزاد الجند ووصل الزوار والقواد والكتاب، لكنه لم يقم فيها إلا ~~قليلا، فاستخلف على عمله وشخص إلى العراق سنة 179ه، فأكرمه الرشيد ثم ولاه ~~الوزارة، ورأى بعد قليل أن ينقلها إلى جعفر فخاطب أباهما قائلا: «قد أحببت أن ~~أنقل ديوان الخاتم من الفضل إلى جعفر، وقد استحييت من مكاتبته في هذا المعنى ~~فاكتب أنت إليه». فكتب يحيى إلى الفضل: «قد أمر أمير المؤمنين - أعلى الله أمره ~~- أن تحول الخاتم من يمينك إلى شمالك»، فأجابه الفضل: «قد سمعت ما أمر به أمير ~~المؤمنين في أخي، وما انتقلت عني نعمة صارت إليه، ولا غربت عني رتبة طلعت عليه». # 71 # وتمكن جعفر عند الرشيد وغلب على أمره، وبلغ من علو المرتبة عنده ما لم يبلغه ~~سواه، حتى اتخذ الرشيد ثوبا له زيقان، فكان يلبسه هو وجعفر جملة. وتصرف جعفر ~~في المملكة تصرفا مطلقا، لم يكن يمضي أمرا إلا أمضاه الرشيد، ولو كان فيه ~~هبة نصف مملكته أو تزويج بعض بناته. وفي حكايته مع عبد الملك بن صالح الهاشمي ~~ما يمثل ذلك الإطلاق أحسن تمثيل: كان الرشيد متغيرا على عبد الملك؛ لأنه من ~~بني عمه وله طمع في الخلافة، فاتفق أن عبد الملك المذكور كان مرة في مجلس شراب ~~بمنزل جعفر، فلما أراد الانصراف قال له جعفر: «اذكر حوائجك» فشكا إليه أن ~~الرشيد متغير عليه، فقال له: «قد رضي عنك أمير المؤمنين وزال ما عنده منك»، ~~فقال: «وعلي 4000000 درهم دينا»، قال: «تقضى عنك وإنها لحاضرة، ولكن كونها من ~~أمير المؤمنين أشرف بك وأدل على حسن ما عنده لك». قال: ms0772 «وإبراهيم ابني أحب أن ~~أرفع قدره بصهر من ولد الخلافة». قال: «قد زوجه أمير المؤمنين العالية ابنته». ~~قال: «وأوثر التنبيه على موضع برفع لواء على رأسه». قال: «قد ولاه أمير ~~المؤمنين مصر». وخرج عبد الملك والحضور يعجبون من إقدام جعفر على ذلك من عند ~~نفسه، وخافوا أن يغضب الرشيد من هذه الجسارة، فما عتم أن علموا بإمضاء الرشيد ~~كل ذلك وهو يقول: «أحسن أحسن». # 72 # ناهيك بما كان من إطلاق يده في خزائن الدولة وفي رقاب الناس. ومع ذلك فإن ~~الرشيد حالما أوجس منه على سلطانه نكبه ونكب سائر أهله نكبتهم المشهورة، واختلف ~~المؤرخون في سببها وهو ما نذكره. ~~(8) نكبة البرامكة ~~(8-1) الرشيد والشيعة # كان البرامكة من الشيعة، وكان جدهم خالد قد بايع للعلويين قبل العباسيين مثل ~~سائر أهل خراسان وفارس. فلما غلب العباسيون وشاهد فتكهم بأبي سلمة ثم بأبي مسلم ~~وسواه ممن يريد الخلافة للعلويين، رأى من الحكمة وسداد الرأي أن يغضي عن ذلك ~~الأمر، وأخلص الخدمة للسفاح ثم للمنصور. وسار ابنه يحيى وأولاده على نحو ذلك، ~~وهواهم لا يزال مع الشيعة العلوية من إيثار آل علي، لكنهم كانوا يكتمون ميلهم ~~وخصوصا في خلافة الرشيد؛ لأنه كان شديد الوطأة على العلويين وشيعتهم يتتبع ~~خطواتهم ويقتلهم # 73 # وكان يكره الشيعة منذ صباه، وهم يخافونه من قبل الخلافة. فلما تولى ~~الخلافة أمر بإخراج الطالبيين جميعا من بغداد إلى المدينة. # 74 # واشتهر بذلك حتى أصبح الشعراء يتقربون إليه بهجائهم، وكان شعراء العلويين ~~يهجونه لهذا السبب، وهم لا يجسرون على الظهور في حياته. فلما مات ودفن في طوس، ~~قال دعبل بن علي يعرض بما ارتكبه العباسيون جميعا بقتل العلويين، من قصيدة مدح ~~بها أهل البيت وهجا الرشيد، وأشار إلى اجتماع القبرين في طوس - قبر الرشيد وقبر ~~الرضا - قال: # وليس حي من الأحياء نعلمه # من ذي يمان ومن بكر ومن مضر # إلا وهم شركاء في دمائهم # كما تشارك أيسار على جزر # قتل وأسر وتحريق ومنهبة # فعل الغزاة بأرض الروم والخزر # أرى أمية معذروين أن ms0773 قتلوا # ولا أرى لبني العباس من عذر # أربع بطوس على القبر الزكي إذا # ما كنت تربع من دير إلى وطر # قبران في طوس: خير الناس كلهم # وقبر شرهم، هذا من العبر! # ما ينفع الرجس من قرب الزكي ولا # على الزكي بقرب الرجس من ضرر # هيهات كل امرئ رهن بما كسبت # له يداه فخذ ما شئت أو فذر # 75 # وكان البرامكة يكرهون تعصب الرشيد على العلوية، ويعدون عمله حراما # 76 # ويكظمون. على أنهم كانوا يساعدون الشيعة سرا بما يبلغ إليه ~~إمكانهم، وكان كبارهم يجتمعون إلى جعفر، وجيه البرامكة يومئذ وصاحب الصوت ~~الأعلى عند الرشيد، ويذكرون أعمال الرشيد، وجعفر يحاذر أن يبلغ ذلك إليه، ولكن ~~حساده في بلاط الخليفة - وأكثرهم من العرب أو من ينتمي إليهم - كانوا يسعون به ~~إلى الرشيد، وأشدهم غيظا منه وأقدرهم على الكيد به زبيدة أم الأمين؛ لأنه فضل ~~ابن ضرتها المأمون على ابنها. وقد اضطغنت عليه منذ كانوا في الكعبة، وقد جاءها ~~لتعليق كتابي العهد للأمين والمأمون، فلما حلف الأمين اليمين على جاري العادة ~~وهم بالخروج من الكعبة، رده جعفر وقال له: «إن غدرت بأخيك خذلك الله»، وطلب ~~إليه أن يحلف على ذلك ثلاثا، فشق طلبه على أمه زبيدة فحقدتها عليه، وكانت من ~~جملة من حرض الرشيد على الإيقاع به # 77 # فضلا عما بينهما من العداوة العنصرية، وناهيك بمن كان يحسد ~~البرامكة من أمراء العرب، وخصوصا آل الربيع وآل مزيد الشيباني، فإن البرامكة ~~أضعفوا نفوذهم في الدولة وأغروا الرشيد بهم # 78 # غير حسادهم من الفرس، حتى عمهم محمد بن خالد، فإنه كان من جملة ~~حسادهم والساعين في أذاهم. # 79 # هؤلاء جميعا كانوا يوغرون صدر الرشيد على جعفر، تارة من حيث تشيعه وطورا من ~~حيث استبداده بالدولة، وآونة من حيث استئثاره هو وأهله بالأموال، والرشيد يحفظ ~~ذلك ويتدبره، وقد غلب عليه ما غرس في نفسه من أفضال يحيى عليه، وآثار أبنائه في ~~تنظيم دولته وإحياء معالمها، وإن يكن ساءه ما يبديه جعفر أحيانا من نصرة ~~العلويين أو استنصارهم، ms0774 فإن جعفر لما ولاه الرشيد المغرب استخلف على مصر رجلا شيعيا # 80 # فكان الرشيد صابرا على ذلك يترقب الفرص. ~~(8-2) الشيعة العلوية بخراسان # وكان الخراسانيون ومن والاهم من أهل طبرستان والديلم - قبل قيام العباسيين - ~~من شيعة علي، وإنما بايعوا للعباسيين مجاراة لأبى مسلم أو خوفا منه. فلما رأوا ~~ما حل به من القتل غدرا، غضبوا وتعاقدوا على الأخذ بثأره، ثم رأوا المنصور فتك ~~بالراوندية إخوانهم وهم من أصحاب أبي مسلم، ثم بنى بغداد وتحصن فيها، فتربصوا ~~وإذا هو قد حارب العلويين وبطش فيهم، وفر من بقي من ولد علي إلى أطراف المملكة ~~الإسلامية في خراسان والمغرب، وأخذوا يبثون دعاتهم وينشرون دعوتهم سرا، فكان ~~الخراسانيون من أقوى أنصارهم انتقاما من المنصور، لقتله أبي مسلم وعملا ~~بتعاقدهم عليه. # فكان العباسيون إنما يخافون على دولتهم من خراسان؛ لأنها شيعة العلويين ~~وأهلها أشداء ولهم رهبة في قلوب الناس، منذ نقلوا الخلافة من بني أمية إلى بني ~~العباس. وكان داعية الشيعة هناك في أيام الرشيد يحيى أخا محمد بن عبد الله الذي ~~حاربه المنصور وقتله. فظهر يحيى هذا في الديلم سنة 176ه وقويت شوكته حتى خافه ~~الرشيد، فسرح إليه الفضل بن يحيى، فاستنزله الفضل من بلاد الديلم بالحسنى، على ~~أن يشترط ما أحب ويكتب له الرشيد بذلك خطه، فكتب له أمانا أمضاه الرشيد وجلة ~~بني هاشم، وجاء الفضل ومعه يحيى إلى بغداد، فوفى له الرشيد بكل ما أحب وأجرى له ~~أرزاقا سنية. # ثم خطر له أن يحبسه خوفا منه، ولعل بعض الأعداء الشيعة حرضوه على حبسه، لكنه ~~لم يكن يستطيع ذلك لعهد الأمان الذي بيده. فاستشار الفقهاء في الأمان فقال ~~بعضهم: الأمان صحيح، فحاجه الرشيد فقال الآخر - وهو أبو البختري القاضي: هذا ~~أمان منتقض من وجه كذا، فمزقه الرشيد وصمم على حبس الرجل، فدفعه إلى جعفر فحبسه ~~وهو يرى أنه مظلوم؛ لأنه جاء على الأمان وقد نكث الرشيد الأمان، فحدثته نفسه أن ~~يطلقه بما له من النفوذ والدالة، ولم يكن يظن الرشيد يسأل عنه. فبعث ms0775 إلى يحيى ~~المذكور من الحبس فخاطبه، فتوسل الرجل إليه وقال: «اتق الله في أمري ولا تتعرض ~~أن يكون غدا خصمك محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، فوالله ما أحدثت حدثا ولا آويت محدثا» فرق ~~له جعفر وقال: «اذهب حيث شئت من بلاد الله». قال: «وكيف أذهب ولا آمن أن أؤخذ؟» ~~فوجه معه من أداه إلى مأمنه. # 81 ~~(8-3) الرشيد وجعفر # وكان حساد جعفر يراقبون حركاته، وخصوصا الفضل بن الربيع؛ لأنه كان يرشح نفسه ~~للوزارة بعد أبيه فسبقه إليها أولئك العجم، وكانت له عيون على جعفر فأخبروه بما ~~فعله، فرفع الخبر إلى الرشيد فأنكره، ولكنه انتهر الفضل وأظهر أن جعفر إنما ~~فعله بأمره. ثم بعث إلى جعفر فدعاه إلى الطعام معه، وجعل يلقمه ويحادثه ثم سأل ~~عن يحيى فقال: «هو بحاله في الحبس» فقال: «بحياتي؟» ففطن جعفر فقال: «لا وحياتك ~~...»، وقص عليه أمره وقال: «قد علمت أنه لا ~~مكروه عنده»، فقال الرشيد: «نعم ما فعلت، ما عدوت ما في نفسي». وقد كظم غيظه ~~وعزم على الإيقاع به من ذلك الحين، ولما قام جعفر عنه قال في نفسه: «قتلني الله ~~إن لم أقتلك!» ولكنه مكث يترقب الفرص ويدبر الحيل، لما يعلمه من نفوذ البرامكة ~~بما يبذلونه من الأموال للناس على اختلاف طبقاتهم، حتى بني هاشم أنفسهم. # وأراد أن يغالطه لئلا ينتبه جعفر لما في نفس الرشيد عليه، فأظهر أنه يريد أن ~~يوليه خراسان، فأخذ الخاتم ودفعه إلى أبيه يحيى، وعقد له على خراسان وسجستان ثم ~~عزله عنها بعد عشرين يوما # 82 # فهو إما ولاه إياها تمويها أو ولاه ثم خافه. # وكان في جملة حساد البرامكة علي بن عيسى بن ماهان، فسعى بموسى بن يحيى أخي ~~جعفر واتهمه في أمر خراسان، وأعلم الرشيد أنه يكاتبهم ليسير إليهم ويحرضهم على ~~خلع الطاعة، فصدق الرشيد الوشاية فحبسه ثم أطلقه، ولكنه تغير على البرامكة ~~جميعا وظهر ذلك في بعض معاملاته. فكان يحيى بن خالد مثلا يدخل على الرشيد ~~بغير إذن، فعرض الرشيد في بعض حديثه استهجانه ذلك ms0776 فكف يحيى عنه. وكان يحيى إذا ~~دخل على الرشيد قام له الغلمان، فأوصى الرشيد مسرورا خادمه ألا يقوموا له، ~~فشعر يحيى بهذا التغير وتناقل الناس خبر ذلك، ولبثوا يتوقعون شرا يصيب ~~البرامكة وليس من يجرؤ على إخبارهم به. على أنهم كانوا يعرضون في أثناء الغناء ~~بما يخافون عليهم - ومن ذلك ما كان يغنيه ابن ~~بكار أحيانا: # ما يريد الناس منا؟ # ما تنام الناس عنا؟ # إنما همهم أن # يظهروا ما قد دفنا # وكان الرشيد يستعظم الإقدام على ذلك الأمر، ويخاف أنصار البرامكة إذا هو فتك ~~بهم، فأراد أن يستطلع أفكار خاصته في هذا الشأن ليرى وقعه في قلوبهم، والمغنون ~~أحسن وسيلة لذلك لمخالطتهم الناس في حال سكرهم وطربهم، والسكر يبعث صاحبه على ~~الإفشاء بما في ضميره والتصريح بما يجول في خاطره، فسأل الرشيد مغنية إسحق ~~الموصلى مرة: «بأي شيء يتحدث الناس؟» فقال: «يتحدثون بأنك تقبض على البرامكة ~~وتولى الفضل ابن الربيع الوزارة» فأظهر الرشيد الغضب وصاح به: «ما أنت وذاك؟ ~~ويلك!» فأمسك. # 83 # وكان للرشيد عيون على البرامكة في منازلهم ودواوينهم، يحصون عليهم أنفاسهم ~~فلا يخلو أن تبدر منهم بادرة تلميحا أو تصريحا، والوشاة يعظمونها له. # وكان في جملة جواسيس الرشيد خادمان خزريان رباهما وأهداهما إلى جعفر، فكانا ~~ينقلان إليه كل ما يدور في مجالس جعفر يوميا. وكان لجعفر مجلس أنس يعقده في ~~منزله مرة في الأسبوع، يحضره أرباب الدولة وأهل الوجاهة من الفرس، يلبسون ~~أثوابا لونها واحد يخلعها عليهم جعفر ويلبس هو مثلهم. ففي أحد هذه المجالس دار ~~الكلام على أبي مسلم وبطشه، وكيف استطاع وحده أن ينقل الدولة الإسلامية من ~~عائلة إلى عائلة. فقال جعفر: «لا يستغرب ذلك منه ولا فضل له به؛ لأنه لم يدركه ~~إلا بقتل 600000 نفس سفك دماءهم صبرا، وإنما الرجل من ينقل الدولة من قوم إلى ~~قوم بغير سفك دم» # 84 # وكان الغلامان الخزريان يسمعان قوله فنقلاه إلى الرشيد، وأفهماه ~~أنه يعرض بنقل الدولة من العباسيين إلى الفرس أو العلويين، فازداد خوف الرشيد ~~منه. ms0777 # فلما كانت السنة التي نكبوا فيها (سنة 187ه) كان الرشيد قادما من الحج وقد ~~صمم على الفتك بجعفر، فأظهر رضاءه عنه وولاه كورة خراسان، أراد بذلك أن يطمئنه ~~ليأخذ الخاتم منه بحجة الولاية، وخلع عليه وعقد له لواء وعسكرا بالنهروان، ~~فضرب الناس مضاربهم هناك ومكثوا يتأهبون للسفر، وفيهم نخبة من أصحاب جعفر، وبقي ~~هو ببغداد يتأهب للحاق بهم. # وكان له صديق من الهاشميين غيور عليه اسمه إسماعيل بن يحيى، قد علم ما في نفس ~~الرشيد على جعفر وأهله، فأراد أن يتوسط في إصلاح ما بينهما، فجاء جعفر في أثناء ~~تأهبه للخروج إلى خراسان، وخلا به وحادثه في شؤون شتى حتى تطرق إلى الموضوع ~~الذي جاء من أجله، فقال له: «يا سيدي أنت عازم على الخروج إلى بلدة كثيرة الخير ~~واسعة الأقطار عظيمة المملكة، فلو صيرت بعض ضياعك لولد أمير المؤمنين لكان أحظى ~~لمنزلتك عنده». فلما سمع جعفر قوله غضب كان ما يجول في نفس الرشيد لم يخطر ~~بباله وقال: «والله يا إسماعيل ما أكل الخبز ابن عمك إلا بفضلي، ولا قامت هذه ~~الدولة إلا بنا. أما كفى أني تركته لا يهتم بشيء من أمر نفسه وولده وحاشيته ~~ورعيته، وقد ملأت بيوت أمواله مالا، وما زلت للأمور الجليلة أدبرها حتى يمد ~~عينه إلى ما ادخرته واخترته لولدي وعقبي بعدي، وداخله حسد بني هاشم وبغيهم ودب ~~فيه الطمع؟» والله لئن سألني شيئا من ذلك ليكونن وبالا عليه!» كأنه يهدده ~~بذهاب خراسان. فلما سمع إسماعيل تهديده ورأى غضبه، خرج من عنده واحتجب عنه وعن ~~الرشيد؛ لأنه صار متهما عندهما. # فسمع ذلك الحديث أحد جواسيس الرشيد ونقله إليه، فصمم على الفتك به. ولعله كان ~~ينوي القبض عليه وحبسه فقط، فلما بلغه هذا التهديد عزم على قتله. وأكبر الإقدام ~~على ذلك، فاستشار زبيدة امرأته وصرح بما يجول في خاطره قائلا: «إني خائف إن ~~تمكن هؤلاء من خراسان أن يخرج الأمر من يدي» فحرضته على سرعة الفتك به، ويقال: ~~إنها ذكرت له أمورا ارتكبها جعفر في ms0778 بيت الرشيد # 85 # تتعلق بالعباسية أخته. فاغتنم الرشيد بعد جعفر عن رجاله ومريديه، ~~وهم في عسكره بالنهروان وهو في بغداد، وبعث خادمه مسرورا ليأتيه برأسه، فذهب ~~إليه وقتله كما هو مشهور. ووجه الرشيد من أحاط بأبيه يحيي وسائر أولاده وبأخيه ~~الفضل ليلا، فحبسهم وقبض ما وجده لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك، وأرسل إلى ~~سائر البلاد يقبض على أموالهم ووكلائهم ورقيقهم وأسبابهم، ولم يتعرض لمحمد بن ~~خالد؛ لأنه كان من جملة الساعين بهم، وأسند الوزارة بعدهم إلى الفضل بن الربيع ~~عدوهم. ثم ندم الرشيد على قتل البرامكة وكان إذا ذكرهم بكى # 86 # وقد أصاب جعفر من الرشيد، كما أصاب بزرجمهر وزير كسري أبرويز، إذ ~~اتهمه كسرى بالزندقة فقبض عليه وقتله ثم ندم على قتله. # 87 # فالرشيد فتك بالبرامكة؛ لأنه خافهم على سلطانه، عملا بسياسة العباسيين في ~~تأييد دولتهم، إذ اتهم جعفر وشك فيه فقتله، وهي غير سياستهم في معاملة رعاياهم، ~~فإنها كانت مؤسسة غالبا على ما تقتضيه الشريعة الإسلامية ويستدعيه الحق، مع ~~رفق وحلم وبذلك ومحاسنه. ولاسيما الرشيد فقد كان إذا وعظته بكى، وإذا استعطفته ~~عفا وإذا استجديته سخا، حتى جرى خبره مجرى الأمثال. أما العلويون فكان لا يخاف ~~الله فيهم # 88 # ولا فيمن يدعو إليهم أو ينصرهم. ~~(9) الأمين والمأمون أو العرب والفرس # لما قتل البرامكة على هذه الصورة غضب أهل خراسان، وتضاعفت نقمتهم على الدولة ~~العباسية، وتعاقدوا على الأخذ بثأر أبي مسلم والبرامكة، وتربصوا يترقبون الفرص. ~~وتوجهت آمالهم إلى المأمون؛ لأن أمه فارسية، وقد شب في حجر جعفر البرمكي على الميل ~~إلى الشيعة العلوية - ولم تكن الشيعة يومئذ مذهبا دينيا كما هي اليوم، وإنما ~~كانت حزبا سياسيا يراد به جماعة الفرس أو غيرهم من أنصار العلويين . فتمكن حب ~~الفرس ومذهبهم من نفس المأمون منذ نعومة أظفاره، وكان يحيى بن خالد قد اختار الفضل ~~بن سهل السرخسي لخدمة المأمون. والفضل أصل من مجوس خراسان، أسلم على يد المأمون # 89 # سنة 190ه وتشيع طمعا في نصرة الفرس في خراسان، وكان ms0779 هماما فقدمه يحيي ~~في الدولة حتى صار من خاصته، ثم جعله قهرمانا له. وتوسم الفضل في المأمون نجابة ~~وتعقلا، فتوقع أن تصير الخلافة إليه فلزمه وخدمه وتقرب منه. وكان المأمون يجله ~~ويقدمه، ولم يكن الفضل طامعا في أقل من الوزارة - يحكى أن مؤدب المأمون قبل ~~الخلافة لما رأى جميل رأيه في الفضل وإكرامه إياه، نقل ذلك للفضل وقال له: «لا ~~أستبعد أن يحصل لك منه 1000000 درهم»، فاغتاظ الفضل وقال: «والله ما صحبته لأكتسب ~~منه مالا قل أو جل، ولكني صحبته ليمضي حكم خاتمي هذا في الشرق والغرب». # 90 # وكان الرشيد لما بايع لأولاده بولاية العهد جعل للأمين العراق والشام إلى آخر ~~المغرب وهو الخليفة بعده، وجعل للمأمون خراسان وسائر المشرق # 91 # على أن يتولى الخلافة بعد أخيه الأمين. وكل ذلك بتدبير جعفر وغيره من ~~أحزاب الشيعة، وفي جملتهم الفضل بن سهل، وأراد الرشيد سنة 192ه أن يسير إلى خراسان، ~~فأمر ابنه المأمون أن يبقى في بغداد حتى يرجع وكان الرشيد مريضا، فخاف الفضل أن ~~يموت الرشيد في الطريق فيذهب سعيه هدرا، فجاء إلى المأمون وقال له: «لست تدري ما ~~يحدث بالرشيد، وخراسان ولايتك ومحمد الأمين المقدم عليك، وأن أحسن ما يصنعه بك أن ~~يخلعك، وهو ابن زبيدة وأخواله بنو هاشم، وزبيدة وأموالها كما تعلم، فاطلب إلى أمير ~~المؤمنين أن تسير معه». فطلب المأمون ذلك من أبيه فامتنع أولا، ثم أجاب - ولا بد ~~لامتناعه من سبب كان يجول في خاطره، وهو يتوقع قرب أجله ويرى لأولاده عليه رقباء # 92 # يحصون أنفاسه ويستطيلون بقاءه. # فسار المأمون مع أبيه والفضل معهما، واهتم الفضل في أثناء الطريق بتأييد أمر ~~المأمون، فأخذ له البيعة على كل من في عسكر الرشيد من القواد وغيرهم، وأقر له ~~الرشيد وهو في طوس والأمين في بغداد، وله عيون مع الرشيد أشدهم غيرة عليه الفضل بن ~~الربيع، وزير الرشيد بعد البرامكة. فلما بلغ الأمين اشتداد المرض على أبيه بعث إلى ~~ابن الربيع وغيره يستحثهم على بيعته. فلما مات الرشيد ms0780 هناك سنة 193ه احتال ابن ~~الربيع على من كان في ذلك العسكر، والمأمون غائب في مرو وحرضهم على اللحاق بالأمين، ~~فأطاعوه رغبة منهم في الرجوع إلى أهلهم وأولادهم في بغداد، وأغفلوا العهود التي ~~أخذت عليهم للمأمون، وحملوا ما كان في عسكر الرشيد إلى الأمين، وتمت البيعة له. ثم ~~حسن الفضل بن الربيع للأمين أن يخلع أخاه المأمون من ولاية العهد، ففعل. ~~(9-1) الفضل بن سهل وعلي الرضا # فلما بلغ المأمون موت أبيه، ورجوع رجاله إلى أخيه بالأموال والأحمال، وقد ~~نكثوا عهده، خاف على نفسه فجمع خاصته بمرو وشاورهم في الأمر، وأظهر لهم ضعفه ~~وأنه لا يقوى على أخيه، فنشطوه ووعدوه خيرا. وقال له الفضل بن سهل: «أنت نازل ~~في أخوالك وبيعتك في أعناقهم، اصبر وأنا أضمن لك الخلافة»، فاطمأن خاطر المأمون ~~بهذا الوعد الصريح، وقال له: «قد صبرت وجعلت الأمر إليك فقم به» وسماه ذا ~~الرياستين، أي: رياسة السيف ورياسة القلم. # فبذل الفضل جهده في نصرة المأمون؛ لأنه إنما يعمل لنفسه ووطنه وأمته، واستمال ~~الناس وضبط الثغور، وتعاظمت العداوة بين الأخوين، وقطعت الدروب بينهما من بغداد ~~إلى خراسان، وأبطل كل منهما اسم أخيه من الخطبة، وتجردت الجيوش وحدثت معارك ~~هائلة فاز فيها جند المأمون، وهم الفرس بقيادة طاهر بن الحسين، وانتهت الحرب ~~بفتح بغداد وقتل الأمين سنة 198ه، وقد حملوا رأسه إلى المأمون في خراسان. فلما ~~تحقق المأمون صدق ما عاهده الفضل عليه، أصبح آلة بيده لا يخالفه في شيء. فاستبد ~~الفضل في الدولة، وولى أخاه الحسن بن سهل كور الجبال والعراق وفارس والأهوار ~~والحجاز واليمن، على أن يكون مقامه في بغداد، ثم اغتنم هذه الفرصة لنقل الخلافة ~~إلى العلويين. وكان داعيتهم يومئذ في خراسان علي بن موسى الرضا بن جعفر بن محمد ~~بن علي بن الحسين، المعروف بعلي الرضا. فبذل الفضل جهده في تحريض المأمون على ~~بيعة علي الرضا بولاية العهد بعده، أي: أن يخرج الخلافة من بني العباس إلى ~~العلويين. وربما جعل تلك البيعة شرطا لمساعدته في استرجاع ms0781 الخلافة له، أو أنه ~~حسن له ذلك ولم يشترطه، فأجابه المأمون إلى طلبه، أما وفاء لوعده، أو مجاراة له ~~للمكر به، أو أنه فعله عن حسن ظن في العلويين؛ لأنه رضع حب الشيعة من طفولته ~~وكان يظهر التشيع # 93 # فبايع لعلي الرضا سنة 201ه وجعله الخليفة بعده، ولقبه «الرضا من آل ~~محمد»، وأمر جنده بطرح السواد لباس العباسيين ولبس الخضرة، وكتب بذلك إلى ~~الآفاق. # فلما بلغ ذلك الخبر إلى بغداد ضج الهاشميون وأتباعهم، وأعظموا الأمر وامتنعوا ~~عن البيعة لعلي المذكور، وقالوا: لا تخرج الخلافة من ولد العباس، وقد تحققوا أن ~~تلك البيعة إنما هي دسيسة من الفضل بن سهل، فأنكروا ولاية أخيه الحسن بن سهل ~~على بغداد. وأقروا أخيرا على خلع المأمون وبيعة عمه إبراهيم بن المهدي، ~~فبايعوه ولقبوه «المبارك»، وبعث الهاشميون إلى المأمون يهددونه بالقتل إذا بقي ~~على عزمه. # وكان الفضل بن سهل يخفي هذه الأخبار عن المأمون؛ لئلا يخاف فيندم وينكث ~~البيعة فيخلع عليا فيذهب سعيه عبثا. وكان علي الرضا مطلعا على ما حدث في ~~بغداد، وأبت نفسه أن يحدث ذلك بسببه، ولا يطلع المأمون عليه فجاءه بنفسه وأخبره ~~بما صار إليه حال بغداد، وأنهم بايعوا إبراهيم بن المهدي. فاستغرب المأمون ~~الخبر ولم يصدقه، وقال: «بل هم ولوه عليهم في أثناء غيابي، كذلك أخبرني الفضل». ~~فقال له: «إن الفضل قد كذبك» فأدرك المأمون دسيسة الفضل، وأنه إنما نصره لهذا ~~الغرض، وشك فيه فحل قتله عنده، فدس إليه أناسا قتلوه في الحمام بسرخس مغافصة، ~~ثم حاكمهم على قتله وقتلهم به. # 94 # وفكر في بيعة علي الرضا، فأعظم أن يرجع عنها وخاف إذا رجع أن يثور عليه أهل ~~خراسان ويقتلوه، فعمد إلى سياسة الفتك فدس إليه من أطعمه عنبا مسموما فمات # 95 # فذهبت الأسباب التي أغضبت أهل بغداد، فخلعوا إبراهيم بن المهدي ~~وعادوا إلى بيعة المأمون. فهرب إبراهيم والفضل بن الربيع وسائر الذين كانوا مع ~~الأمين في تلك الثورة، وجاء المأمون بغداد سنة 204ه واستقر بها. ودفعا للشبهة ~~فيما اشتهر ms0782 به من حب آل أبي طالب، اضطهدهم ومنعهم من الدخول عليه وأمرهم بلبس السواد. # 96 # فاضطرب أمر الشيعة في بغداد، مع بقاء النفوذ للفرس وهم يكتمون تشيعهم إلى آخر ~~خلافة الواثق، فلما تولى المتوكل سنة 232ه اضطهد الشيعة وشدد النكير عليهم؛ ~~لأنه كان قد ربي من حداثته بين جماعة أهل عصبية عربية يكرهون الفرس أو الشيعة، ~~منهم علي بن الجهم الشاعر الشامي من بني شامة، وعمرو بن فرخ الرخجي، وأبو السمط ~~من ولد مروان بن أبي حفصة، الذي كان يت قرب إلى الرشيد يهجو العلويين وهو من ~~موالي بني أمية. وكانوا يخوفون المتوكل من الشيعة على الإجمال، ويشيرون عليه ~~بإبعادهم والإعراض عنهم والإساءة إليهم، ثم حسنوا له الوقيعة في أسلافهم الذين ~~يعتقد الناس علو منزلتهم في الدين. فأثرت أقوالهم فيه، وشب على كره الشيعة وكره ~~الخلفاء الذين كانوا ينصرون الشيعة قبله، وهم المأمون والمعتصم والواثق # 97 # كما أثرت تربية البرامكة في المأمون وحببوا إليه الشيعة ~~وأهلها. # فلما تولى المتوكل أمر بهدم قبر الحسين بن علي، وهدم ما حوله من المباني ومنع ~~الناس من إتيانه، وبالغ في بغضه عليا وأهل بيته حتى جعله سخرية - ذكروا أنه ~~كان في جملة ندمائه مخنث اسمه عبادة، كان يشد على بطنه تحت ثيابه مخدة ويكشف ~~رأسه وهو أصلع تشبها بالإمام علي، ويرقص ويقول: «قد أقبل الأصلع البطين خليفة ~~المسلمين» (يعني عليا)، والمتوكل يشرب ويضحك # 98 # وغلبت السنة في الدولة من ذلك الحين وقوامها الأتراك، كما سيأتي. ~~وبذهاب أمر الشيعة من بغداد ذهب نفوذ الفرس منها، وبخلافة المتوكل ينقضي العصر ~~الفارسي الأول. ~~(10) الأسرار في الدولة العباسية # واشتهر بنو العباس على الخصوص بحفظ الأسرار والتكتم فيما ينوونه، وكانوا يفرضون ~~ذلك على مواليهم ورجال بطانتهم، ولا سيما فيما يحتاجون إليه لتثبيت دعائم دولتهم، ~~كما رأيت من تصرف الخلفاء مع قوادهم ووزرائهم من أول دولتهم، وخصوصا المنصور مع ~~أعمامه وأبي مسلم وغيرهم، وتصرف الرشيد مع البرامكة، والمأمون مع الفضل بن سهل وعلي ~~الرضا وطاهر بن الحسين. وكانوا يرون كتمان ms0783 مشروعاتهم شرطا من شروط نجاحها، كما فعل ~~قثم بن العباس في التفريق بين فرق الجند بحيلة لم يشأ أن يطلع المنصور عليها. ~~وكانوا يستعينون على ذلك بالعيون والأرصاد، وكل منهم يتجسس على صاحبه، فيبث الخليفة ~~العيون على قواده ووزرائه، ووزراؤه يقيمون الأرصاد عليه. فربما كان خادم الرجل ~~وجاريته عينا عليه، وقد يقيم الخليفة الجواسيس والرقباء على أولاده أو إخوته، أو ~~يقيم ولاة العهد الرقباء على آبائهم، كما فعل الأمين والمأمون بأبيهم الرشيد، فقد ~~كان رقيب المأمون على أبيه مسرورا الخادم، ورقيب الأمين جبرائيل بن بختيشوع ~~الطبيب، وكانوا يحصون أنفاسه # 99 # كما تقدم. # ولما تولى المأمون الخلافة وأتى بغداد كان يتجسس على إبراهيم بن المهدي، فألزمه ~~رجلا ينقل إليه كل ما يسمعه من لفظه جدا أو هزلا # 100 # وهكذا كان سائر الخلفاء، وخصوصا في أواخر الدولة؛ لأن التجسس يكثر إذا ~~مالت الدولة إلى السقوط وتدانت من الهرم، كما سيجيء. وكان للوزراء عيون على ~~الخلفاء، وللخلفاء عيون على العمال، هم أصحاب البريد أو أصحاب الأخبار، غير ما ~~كانوا يبثونه من الخدم والجواري والمغنيات لهذه الأغراض - كانوا يفعلون ذلك خوفا ~~على سلطانهم، فبالغوا في التكتم إلى ما يفوق الوصف. فكان للمأمون على كل واحد صاحب ~~خبر، وكان يغتفر كل شيء إلا الفدح في الملك وإفشاء السر والتعريض بالحريم. # 101 # وبمحافظتهم على الأسرار والتكتم في أعمالهم، أشكل على الناس كثير من الحوادث التي ~~جرت في أيامهم ولم يفهموا أسبابها، فنكبة البرامكة مثلا تكهن المؤرخون في تدوينها ~~رجما بالغيب، وذهبوا في أسبابها كل مذهب. وكم من قتيل لم يعرف قاتله فحسبوه مات من ~~أكلة عنب أو تمر أو غير ذلك، وإنما قتل مسموما بدسيسة بعض الخلفاء أو القواد أو ~~ولاة العهد إلى طبيبه أو صاحب داره. # 102 ~~(11) اختلاط الأنساب بعد الإسلام # قد رأيت ما كان للعرب من العناية في حفظ أنسابهم حتى كانوا يحتقرون من لم يكن ~~مولودا من أبوين عربيين، فإذا كان أبوه غير عربي سموه المذرع، وإن كانت أمه أعجمية ~~سموه الهجين. وإذا ms0784 كانت أمه أمة استعبدوه، فإذا أنجب اعترفوا به، وإلا ظل عبدا، ~~والعرب لا تورث الهجين، وهو من قبيل احتقارهم غير العرب كما تقدم. ~~(11-1) أبناء الإماء # ولما جاء الإسلام وغلب العرب على أمم الشرق من فارس والترك وغيرهما، وكثرت ~~السبايا في أثناء الفتوح، اتخذوا من النساء أظئارا ودايات ومراضع، واقتنوا ~~الجواري للفراش، وكانوا في بادئ الرأي يكرهون التزوج بهن ويحتقرون أبناءهن، ~~وخصوصا في الحجاز مركز الجامعة العربية، حتى نشأ في المدينة ثلاثة من كرام ~~الرجال أمهاتهم من الإماء، وهم علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد ~~الله، وفاقوا أهل المدينة فقها وعلما وورعا فرغب الناس في السراري. # 103 # على أن بني أمية ظلوا يحتقرون أبناء الإماء، تعصبا للعرب على العجم، فبلغ ~~عبد الملك يوما أن علي بن الحسن تزوج جارية له وأعتقها، فكتب إليه يؤنبه ~~فأجابه علي: «إن الله رفع بالإسلام الخسيسة وأتم النقيصة وأكرم به من اللؤم، ~~فلا عار على مسلم، وهذا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد تزوج أمته وامرأة عبده»، فلما ~~تلا عبد الملك جوابه قال: «إن علي بن الحسين يشرف من حيث يتضع الناس». على أن ~~العرب أصبحوا بعد الإسلام يرفعون من شأن الهجناء، اعتمادا على أن النسب ليس من ~~قبيل الأم، وإنما النسب للآباء عملا بقول الشاعر: # لا تشتمن امرأ من أن تكون له # أم من الروم أو سوداء عجماء # فإنما أمهات القوم أوعية # مستودعات، وللأحساب آباء # أم بنو أمية فظلوا على احتقارهم بني الإماء إلى أواخر دولتهم، وكانوا لا ~~يستخلفونهم، وقالوا: لا تصلح لهم العرب؛ ولذلك لما قام زيد بن علي بن الحسين ~~يطالب بالخلافة في أيام هشام بن عبد الملك عيره هشام بقوله: «أنت الذي تنازعك ~~نفسك في الخلافة وأنت ابن أمة؟» قال: «يا أمير المؤمنين، إن الأمهات لا يقعدن ~~بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمة لأم إسحق، فلم يمنعه ذلك أن بعثه ~~الله نبيا وجعله للعرب أبا، فأخرج من صلبة خير البشر محمدا»، # 104 # فالعلويون كانوا أقرب ms0785 للاختلاط بغير العرب، استنكافا من شدة تعصب ~~بني أمية للعرب؛ ولذلك كان الموالي أكثرهم شيعة العلويين. # وكان العرب في صدر الإسلام بهذا الاعتبار طائفتين، فيهم من يحقر أبناء الإماء ~~وفيهم من لا يجعل لنسب الأم قيمة - ذكروا أن عبد الملك بن مروان سابق ولديه ~~سليمان ومسلمة، فسبق سليمان فقال عبد الملك: # ألم أنهكم أن تحملوا هجناءكم # على خيلكم يوم الرهان فتدرك # وما يستوي المرآن: هذا ابن حرة # وهذا ابن أخرى ظهرها مشترك # وتضعف عضداه ويقصر سوطه # وتقصر رجلاه فلا يتحرك # وأدركنه خالاته فنزعنه # إلا إن عرق السوء لا بد يدرك # وهاك ما قاله حاتم الطائي: # وما أنكحونا طائعين بناتهم # ولكن خطبناها بأسيافنا قسرا # فما زادها فينا السباء مذلة # ولا كلفت خبزا ولا طبخت قدرا # ولكن خلطناها بخير نسائنا # فجاءت بهم بيضا وجوههم زهرا # وكائن ترى فينا من ابن سبية # إذا لقي الأبطال يطعنهم شزرا # ويأخذ رايات الطعان بكفه # فيوردها بيضا ويصدرها حمرا # كريم إذا اعتز اللئيم تخاله # إذا ما سرى ليل الدجى قمرا بدرا # 105 # على أن طبيعة العمران غلبت على ما أراده الأمويون من حفظ النسب العربي، وقضى ~~الاختلاط بالأعاجم باختلاط الأنساب، حتى في الخلفاء من بني أمية، فبايعوا في ~~أواخر دولتهم لأبناء الإماء. وأول من تولى الخلافة من الخلفاء الهجناء يزيد بن ~~الوليد بن عبد الملك سنة 126ه، ولكن أمه كانت من نسل يزدجرد بن كسرى، سباها ~~قتيبة ببلاد الصغد وأرسلها إلى الحجاج فقدمها الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك ~~فأولدها يزيد، # 106 # ويقال: أن بني أمية حظروا مبايعة بني الإماء، ليس لاستهانة بهم ~~ولكنهم كانوا يرون زوال دولتهم على يد ابن أمة، فلما تولى يزيد المذكور ظنوه ~~الذي يذهب ملكهم على يده، فلم يلبث سبعة أشهر حتى مات، ووثب مكانه مروان بن ~~محمد وأمه أمة كردية، فذهب ملكهم على يده. ~~(11-2) الخلفاء الهجناء # أما بنو العباس فقامت دولتهم بالموالي، وقد ضعفت في أيامهم العصبية العربية ~~لكثرة الاختلاط، فأصبحوا لا يعتدون بالأم على الإطلاق، وكان أكثر خلفائهم من ms0786 ~~بني الإماء من إبراهيم الإمام فما بعده، وفيهم الإماء من الفرس والترك والروم ~~والأكراد والبربر والأحباش والزنج وغيرهم، وإليك أسماء بعض خلفاء بني العباس من ~~أبناء الإماء: # اسم الخليفة # جنس أمه # اسم الخليفة # جنس أمه # إبراهيم الإمام # بربرية # المأمون # فارسية # المنصور # بربرية # المنتصر بالله # حبشية رومية # الرشيد # حرشية # المستعين بالله # صقلية # إبراهيم بن المهدي # زنجية # المعتز # جارية؟ # المهتدي # رومية # المستضيء # أرمنية # المقتدر # تركية # الناصر # تركية # المكتفي # تركية # وقس على ذلك الخلفاء من الدول الأخرى. فإن المستنصر بالله الفاطمي أمه أمة ~~سودانية، وعبد الرحمن الداخل الأموي أمه بربرية. ناهيك بأبناء الخلفاء الذين لم ~~يتولوا الخلافة حتى في صدر الإسلام، فإن محمد بن الحنفية أمه جارية سندية ~~سوداء. # فإذا كان هذا حال اختلاط النسب في الخلفاء، فكيف في سائر طبقات الناس؟ فالنسب ~~العربي لم يكن خالصا إلا في الجاهلية وصدر الإسلام إلى أواسط الدولة الأموية، ~~وظل بعد ذلك محفوظا من حيث الآباء فقط، أما من حيث الأمهات فإنه اختلط ~~اختلاطا عظيما. ونحن نعلم الآن أن الولد يرث من أمه كما يرث من أبيه، وربما ~~كان من حيث الأخلاق أقرب إلى أمه مما إلى أبيه. فالعرب بعد القرن الثاني للهجرة ~~قل فيهم الدم العربي الخالص، إلا في البادية أو حيث لم يكثر اختلاطهم بالأعاجم. ~~فضلا عما أثر فيهم من طبائع الأقاليم التي نزلوها وعادات أهلها. # فالعرب الحضر في القرن الثالث للهجرة هم غير العرب في صدر الإسلام، فكيف في ~~حضر هذه الأيام وقد توالى فيهم الاختلاط والتزاوج؟ ناهيك بمن يتعرب وينتسب إلى ~~البلاد، فأهل الشام ومصر والعراق والمغرب مثلا يعدون من العرب، وهم في الحقيقة ~~أخلاط من العرب والترك والديلم والجركس والروم والفرس والأرمن والكرج وغيرهم، ~~ولكن الرجل إذا نزل بعض هذه البلاد عد في بادئ الرأي غريبا، فإذا قطنها وتناسل ~~فيها كان أولاده مولدين، فإذا توالت عليهم الأجيال سموا عربا. # | العصر التركي الأول # من خلافة المتوكل سنة 232 إلى تسلط الديلم سنة 234ه # | تمهيد # نريد بهذا العصر المدة التي استبد فيها الأتراك ms0787 بالدولة العباسية، وهم الأجناد، ~~تمييزا له عن العصر العباسي الفارسي الذي استبد فيه الفرس، وهم الوزراء. وليس بين ~~العصرين حد فاصل ينتهي إليه الواحد ويبتدئ منه الآخر، بل هما تعاصرا مدة كان الأول في ~~أواخره، والآخر في أوائله. ~~(1) الأتراك القدماء # الترك أمة قديمة جدا مؤلفة من قبائل وبطون وأفخاذ، كانت مواطنهم على جبال ~~الألطاي أو جبال الذهب في أواسط آسيا بين الهند والصين وسيبريا. وهم يذهبون في أصل ~~اجتماعهم مثل مذهب الرومانيين في مؤسس دولتهم «روملس»، فيعتقدون أن برتزينا أول ~~قوادهم رضع من ثديي الذئبة، فلما شب قادهم في الحروب والغزو بخيامهم وأنعامهم؛ ~~لأنهم أهل بادية، فحاربوا الأمم المجاورة لهم وخصوصا سكان الصين. وخلف برتزينا غير ~~واحد من أبنائه، وكانوا قد شاهدوا مدن الصين وعمراتها فأحب بعضهم أن يبني المدن ~~فمنعه بعض أمرائه، ومن نصائحه في هذا الشأن قوله: «نحن يا مولاي أقل من عشر أهل ~~الصين عددا وقوتنا إنما هي بإطلاق حريتنا، إذا رأينا في أنفسنا قوة على الحرب ~~هجمنا وإلا رجعنا إلى البادية، وأهل المدن محبوسون داخل الأسوار كأنهم في قفص»، ~~فأعجبه رأي الرجل وعدل عن التحضر. وتلك كانت حال العرب في صدر الإسلام، فإن بداوتهم ~~كانت من أهم أسباب تغلبهم. # وما زال الأتراك أهل بادية وغزو وخيام، يزدادون قوة وعددا حتى اجتمع منهم نحو ~~400000 رجل حاربوا أهل الصين والفرس والرومان خمسين سنة، وظفروا في معظم حروبهم، ~~وقد عقدوا مع الرومان في أيام جوستنيان صلحا، وظلت العلائق حسنة بينهم وبين ~~خلفائه، وتبودلت السفارات بين الأمتين غير مرة. وفي أيام خاقان ديزابول أرسل إليه ~~الرومانيون في جبال الذهب وفدا عقدوا معه محالفة على محاربة الفرس في زمن كسرى ~~أنوشروان فلم يقووا عليه، وكانوا قد انتشروا في بلاد تركستان، وأقام بعضهم في ~~المدن. ~~(2) الأتراك بعد الإسلام # ولما ظهر الإسلام وانتشر العرب في أنحاء العالم، وطئت حوافر خيولهم بلاد الترك، ~~وهم يعبرون عنها بما وراء النهر، ففتحوا بخارا وسمرقند وفرغانة وأشروسنة وغيرها من ~~تركستان في أيام بني أمية. ولما تولى ms0788 العباسيون كانت تلك المدن خاضعة للمسلمين ~~يؤدون عنها الجزية والخراج، وكانوا يحملون في جملة الجزية، أولادا من أهل بادية ~~تركستان يبيعونهم بيع الرقيق، وهم في الغالب من السبي أو الأسرى على جاري العادة في ~~تلك الأعصر. فضلا عمن كان يقع منهم في أيدي المسلمين في أثناء الحروب بالأسر أو ~~السبي ويعبرون عنهم بالمماليك، ويفرقونهم في بلاط الخلفاء ومنازل الأمراء. فأخذوا ~~يدينون بالإسلام مثل سواهم من الأمم التي خضعت للعرب في ذلك العهد، ومنهم العبيد ~~والموالي كما تقدم. # وكان الأتراك يومئذ يمتازون عن سائر الشعوب التي دانت للمسلمين بقوة البدن ~~والشجاعة والمهارة في رمي النشاب والصبر على الأسفار الشاقة فوق ظهور الخيل، ~~والثبات في ساحة الوغى مع قلة العناية بالعلوم ولا سيما الفلسفة والعلم الطبيعي، ~~وقلما اشتغل أحد منهم بدرسها في إبان التمدن الإسلامي. واشتهر ذلك عنهم حتى أصبحوا ~~إذا سمعوا بتركي يشتغل بالعلم الطبيعي ذكروه مع الاستغراب، كما فعل ابن الأثير لما ~~أشار إلى معرفة قتلمش علم النجوم فقال: «ومن العجب أن قتلمش هذا كان يعلم علم ~~النجوم، وقد أتقنه مع أنه تركي ويعلم غيره من علوم القوم». ويعرف الأتراك في تاريخ ~~الإسلام بأسماء كثيرة تختلف باختلاف أصولهم، وفروعهم، وقبائلهم كثيرة مثل قبائل ~~العرب. ~~(3) الجند التركي في الدولة العباسية ~~(3-1) المعتصم والأتراك # أول من استخدم الأتراك في الجندية من الخلفاء المنصور العباسي، ولكنهم كانوا ~~شرذمة صغيرة لا شأن لها في الدولة، وإنما كان الشأن الأكبر يومئذ للخراسانيين ~~«الفرس» والعرب. ولما اشتد التنافس بين العرب والفرس في أيام الرشيد، وذهبت ~~سطوة العرب بذهاب دولة الأمين وتسلط الفرس أنصار المأمون وأخواله، واستبدوا في ~~الدولة، كانت الحضارة قد أضرت بالمسلمين وأذهبت منهم قوة التغلب والفتح. ففكر ~~المعتصم أخو المأمون في ذلك قبل أن تفضي الخلافة إليه، وكانت أمه تركية وفيه ~~كثير من طبائع الأتراك التي ذكرناها مع الميل إليهم؛ لأنهم أخواله، كما كان ~~يميل المأمون إلى الفرس. وشاهد المعتصم من جرأة الفرس وتطاولهم بعد قتل أخيه ~~الأمين، حتى أصبح يخافهم على نفسه. ولم ms0789 يكن له ثقة بالعرب، وقد ذهبت عصبيتهم ~~وأخلدوا إلى الحضارة والترف وانكسرت شوكتهم، فرأى أن يتقوى بالأتراك وهم لا ~~يزالون إلى ذلك العهد أهل بداوة وبطش، مع الجرأة على الحرب والصبر على شظف ~~العيش. فجعل يتخير منهم الأشداء يبتاعهم بالمال من مواليهم في العراق، أو يبعث ~~في طلبهم من تركستان وغيرها. فاجتمع عنده عدة آلاف، وفيهم جمال وصحة، فألبسهم ~~أثواب الديباج والمناطق المذهبة والحلية المذهبة، وميزهم بالزي عن سائر الجنود. # 1 # وأكثر الأتراك الذين اجتمعوا عنده ينسبون إلى فرغانة ~~وأشروسنة. # فلما أفضت الخلافة إليه كان الأتراك عونا له، وتكاثروا حتى ضاقت بغداد عنهم، ~~وصاروا يؤذون العوام في الأسواق فينال الضعفاء والصبيان من ذلك أذى كثير، وربما ~~أردوا الواحد بعد الواحد قتيلا على قارعة الطريق. فاتفق أن المعتصم خرج بموكبه ~~يوم عيد فقام إليه شيخ فقال له: «يا أبا إسحق!» فأراد الجند ضربه فمنعهم، وقال: ~~«يا شيخ ما لك؟» قال: «لا جزاك الله عن الجوار خيرا جاورتنا وجئت بهؤلاء ~~العلوج من غلمائك الأتراك فأسكنتهم بيننا، فأيتمت بهم صبياننا وأرملت نساءنا ~~وقتلت رجالنا»، والمعتصم يسمع ذلك، فدخل منزله ولم ير راكبا إلى مثل ذلك ~~اليوم. فخرج فصلى بالناس العيد، ولم يدخل بغداد بل سار يلتمس معسكرا لأجناده، ~~حتى أتى سامرا فاتخذها معسكرا فأعجبته وسماها سر من رأى، واختط فيها الخطط ~~وأقطع أتراكه القطائع على حسب القبائل ومجاورتهم في بلادهم، وأفرد أهل كل صنعة ~~بسوق وكذلك التجار. فبنى الناس وارتفع البنيان وشيدت القصور وكثرت العمارات ~~واستنبطت المياه، وتسامع الناس إن دار الملك قد انتقلت إلى هناك فقصدوها، ~~وجهزوا إليها من أنواع الأمتعة وسائر ما ينتفع به الناس، فكثر العيش واتسع ~~الرزق. وما زالت سامرا قاعدة الدولة العباسية من سنة 221ه إلى أيام المعتمد، ~~فعاد إلى بغداد سنة 279ه، وهو أول من عاد إليها منذ بنيت سامرا. # 2 # وكان المعتصم ينظم المماليك فرقا عليهم القواد منهم، مثل نظام الجند في ذلك ~~الزمن. ولم يكتف بجمع المماليك الأتراك بالشراء أو المهاداة ، ولكنه رغب أمراء ~~الأتراك ms0790 وأولاد ملوكهم في القدوم إليه والإقامة في ظله. وممن جاء منهم على هذه ~~الصورة جف بن بلتكين من أولاد ملوك فرغانة، وكانوا قد وصفوه له بالشجاعة ~~والتقدم في الحروب، فوجه المعتصم إليه من أحضره، وأحضر غيره من أبناء الأمراء ~~فبالغ المعتصم في إكرامهم، ولما بنى سر من رأى «أو سامرا» أقطعهم فيها القطائع، ~~وظلت قطائع جف تعرف باسمه هناك عدة قرون. # 3 # وكان أكثر الأتراك لما جمعهم المعتصم إليه يدينون بالمجوسية أو الوثنية على ~~ما كانوا عليه في بلادهم، وفيهم جماعة قد دخلوا الإسلام. أما غير المسلمين فلما ~~صاروا من جند الخليفة، وتربوا في ظل المسلمين أسلموا، وفيهم من أظهر ذلك تزلفا ~~للخلفاء كالافشين، وكان مجوسيا وأظهر الإسلام طمعا في الكسب من الغنائم ~~بالحروب. # وكان المعتصم شديد الرغبة في استبقاء أتراكه على فطرتهم، ويخاف تحضرهم ~~واختلاطهم بالأمم الأخرى فتذهب عصبيتهم وتضعف نجدتهم، فابتاع لهم الجواري ~~التركيات فأزوجهم منهن ومنعهم أن يتزوجوا أو يصاهروا أحدا من المولدين، إلى أن ~~ينشأ لهم الولد فيتزوج بعضهم إلى بعض، وأجرى للجواري أرزاقا قائمة، وأثبت ~~أسماءهن في الدواوين فلم يكن يقدر أحد منهم أن يطلق امرأته أو يفارقها. # 4 ~~(3-2) الجند التركي ومصالح الدولة # فاشتد ساعد الأتراك بذلك وقويت شوكتهم وغلبوا على أمور الدولة، وخصوصا بعد ~~أن أنقذوا المملكة من بابك الخرمي، وفتحوا عمورية ونصروا الإسلام فتحول النفوذ ~~إليهم. وبعد أن كانت أمور الدولة في قبضة الوزراء الفرس أصبحت في أيدي القواد ~~الأتراك، أو صار النفوذ فوضى بين الوزراء والقواد، واشتهر من الوزراء في أثناء ~~تلك المدة جماعة من كبار الرجال، كابن وهب وابن الفرات وعلي بن عيسى وابن مقلة ~~وغيرهم. وكانوا يسابقون الأتراك إلى النفوذ وابتزاز الأموال بالمصادرات ونحوها ~~من المظالم كما سيجيء. # وكانت الدولة قد تجاوزت طور الشباب وأخذت في التقهقر، وانغمس الخلفاء في ~~الترف والقصف وعجزوا عن القيام بشؤون الحكومة، فأصبحوا لا يبلغون منصب الخلافة ~~إلا بالجند (الأتراك)، وهؤلاء لا يعملون عملا إلا بالمال، فمن استطاع استخدام ~~الجند ملك، ولا عصبية هناك ms0791 ولا جنسية ولا جامعة دينية ولا وطنية. فأصبح الأتراك ~~محور تلك الحركة وهم أهل شجاعة وحرب كما تقدم، فأصبح البطش والفتك أكبر عوامل ~~السيادة. # وكانت جنود الدولة العباسية في أوائلها العرب من مضر واليمن، والفرس - ونريد ~~بالفرس سكان ما بين العراق وأطراف خراسان شرقا إلى نهر جيحون (الأندوس)، ويدخل ~~في ذلك أهل خوزستان وفارس وكرمان ومكران وسجستان وقوهستان وخراسان وغيرها - وقد ~~قام هؤلاء بنصرة المسلمين انتقاما من بني أمية أو رغبة في الملك، ومعظمهم من ~~الجنود الأحرار بلا بيع ولا عتق، وإنما سموا الموالي إشارة إلى أنهم ليسوا ~~عربا على اصطلاح ذلك العصر. واختار الخلفاء جماعة منهم قدموهم في مصالح ~~الدولة، فنبغ منهم الوزراء والأمراء والعلماء، وولاهم الخلفاء الولايات، ~~فاستقلوا بها وأنشأوا الدول المستقلة تحت رعاية الخلافة العباسية كما ~~سيأتي. # فلما تولى المعتصم واقتنى الأتراك بالترغيب أو الشراء، أصبح الجند العباسي ~~أكثره من المماليك الأتراك وأخلد الخلفاء بعده إلى نصرتهم واختصوا بعضهم ~~بالخدمة في بلاطهم، وجعلوا من بطانتهم في جملة الخدم أو الحرس، وتقدم بعضهم في ~~مناصب الدولة حتى قادوا الجند واستبدوا بالأحكام. فانتقلت سياسة الدولة من أيدي ~~الموالي الفرس - وأكثرهم من الشيعة - إلى الجند الأتراك وأكثرهم من السنة. ~~وتمكن هذا المذهب منهم منذ جاهر الخلفاء العباسيون باضطهاد الشيعة، وأولهم ~~المتوكل على الله. ورسخ الأتراك في مذهب السنة من ذلك الحين، ولا يزالون عليه ~~إلى اليوم. # أما استبدادهم في بلاط الخلفاء فابتدأ في أيام المتوكل؛ لأنه لما تولى ~~الخلافة سنة 232ه، وكان ما كان من كرهه الشيعة واستبداده فيهم، زاد في تقديم ~~الأتراك ورعايتهم فزاد طمعهم في الدولة. ثم أغراهم ابنه المنتصر بعده، ولم تطل ~~مدة حكمه أكثر من بضعة أشهر فمات وضميره يخزه. وتولى بعده المستعين بالله سنة ~~248ه ثم المعتز بالله سنة 251ه، وقد استفحل أمر الأتراك استفحالا عظيما - ~~ومما يحكى عن استبدادهم بالخلفاء أنه لما تولى المعتز قعد خواصه وأحضروا ~~المنجمين وقالوا لهم: «انظروا كم يعيش الخليفة وكم يبقى في الخلافة ...»، وكان في ~~المجلس بعض الظرفاء فقال: ms0792 «أنا أعرف من هؤلاء بمقدار عمره وخلافته ...»، فقالوا ~~له: «فكم تقول: إنه يعيش وكم يملك؟» قال: «مهما أراد الأتراك ...»، فلم يبق في ~~المجلس إلا من ضحك. # 5 # وقد قتلوا المعتز هذا شر قتلة، فإنهم جروه برجله إلى باب الحجرة وضربوه ~~بالدبابيس وخرقوا قميصه، وأقاموه في الشمس بالدار فكان يرفع رجلا ويضع أخرى ~~لشدة الحر وبعضهم يلطمه بيده. # 6 # والمستكفي سملوا عينيه ثم حبسوه حتى مات في الحبس # 7 # وبلغ من فقر القاهر بالله أنهم حبسوه وهو ملتف بقطن جبة، وفي رجله ~~قبقاب خشب # 8 ~~- فلا غرو إذا أصبح الخلفاء آلة في أيدي الأتراك: إذا تنازعوا على ~~السلطة كان الخليفة مع الحزب الغالب، # 9 # وبعد أن كان القواد يحلفون للخليفة بالطاعة صار الخليفة يحلف لهم. # 10 # فلما تقدم الأتراك في الدولة العباسية، وعلم إخوانهم في بلادهم بذلك، تقاطروا ~~مئات وألوفا يطلبون الارتزاق بالجندية، ورغبوا في الإسلام وجعلوا يدخلون فيه ~~بالألوف وعشرات الألوف. فقد أسلم منهم سنة 350ه 200000 خركاه دفعة واحدة، ~~والخركاه الخيمة ولا يقل أهل الخيمة الواحدة عن خمسة أنفس، فعدد الذين أسلموا ~~في هذه الدفعة نحو مليون نفس. وأسلم سنة 435ه 10000 خركاه من أهل بلاساغون ~~وكاشغر دفعة واحدة، وضحوا عشرين ألف رأس غنم. # 11 # وكان الجند الأتراك يومئذ أشبه شيء بالفرق التي كانت عند الرومان، ويسمونها Praetorian # أو هم كالباشبوزق في الدولة ~~العثمانية يستخدمهم من شاء بالمال. فكل من وصلت يده إلى السلطة اقتنى الغلمان ~~الأتراك إما بالشراء أو بالأجرة. وتألفت منهم الفرق بتوالي الأعوام، وكل منها ~~تنسب إلى صاحبها كالساجية نسبة إلى أبي الساج، والصلاحية إلى صلاح الدين، وقس ~~على ذلك الأسدية والنظامية وأمثالهما. وكثيرا ما كانت الحروب تشب بين هذه ~~الفرق تنازعا على النفوذ أو على الأموال. ولما استولى الديلم على بغداد في ~~أيام بني بويه توالت الحروب بين الترك والديلم وغلمان الخلفاء أو الموالي. وما ~~من دولة قامت في ذلك العصر إلا استخدمت الأتراك في جندها، سواء كانت شيعية أو ~~سنية. فكانوا يحملون إلى بغداد ms0793 أو غيرها من المدائن الإسلامية تباعا، وقلما ~~يتوالدون فيها؛ ولذلك كانوا يتفاهمون بالتركية، وقد يتعلمون العربية ولا ~~يتكلمونها تكبرا. # وكان للأمراء والقواد عناية كبيرة في تدريب جنودهم الأتراك على الحركات ~~العسكرية، فضلا عن تعليمهم الفرائض الدينية. على أنهم كانوا يعلمونهم هذه ~~الفرائض وهم أحداث - فإذا جاء التاجر بمملوك ~~للبيع عرضه على الأمير أو السلطان، فإذا أعجبه اشتراه وأنزله في الطبقة التي ~~يماثلها من مماليكه، وسلمه إلى الطواشي برسم الكتابة. فأول ما يبدأ به تعليمه ~~ما يحتاج إليه من القرآن. وكان في دولة المماليك المصرية لكل طائفة من الغلمان ~~فقيه يحضر إليها كل يوم ويعلمها القرآن والخط وآداب الشريعة الإسلامية وملازمة ~~الصلوات. فإذا شب المملوك علمه الفقيه شيئا من الفقه، فإذا صار إلى سن البلوغ ~~أخذوا في تعليمه فنون الحرب من رمي النشاب، ولعب الرمح ونحو ذلك. وإذا ركب ~~الأتراك لرمي النشاب أو اللعب بالرمح لا يجسر جندي ولا أمير أن يحدثهم أو يدنو ~~منهم. فإذا أتقن فنون الحرب تنقل في أطوار الخدمة رتبة بعد رتبة، حتى يصير من ~~الأمراء، ولا يصل إلى هذه الرتبة إلا وقد تهذبت أخلاقه وكثرت آدابه، وقد ينبغ ~~منهم الفقهاء والأدباء والشعراء والحساب. # 12 # على أن أهل البلاد كانوا يهابون الأتراك ويخافون بطشهم، فإذا جاءوا بلدا ~~خافهم أهله، إذ كثيرا ما كانوا ينزلون في دور الناس # 13 # ويتعرضون للحرم والغلمان، فأصبح عامة بغداد يكرهونهم كرها ~~شديدا. ~~(4) الخدم ونفوذهم في الدولة العباسية # أقدم من سمعنا به من الخدم النابغين في الدولة العباسية مسرور خادم الرشيد، ولم ~~يكن له شأن كبير. وأول من قرب الخدم واستكثر منهم الأمين بن الرشيد، فإنه لما تولى ~~الخلافة طلب الخصيان وابتاعهم وغالى فيم، فصيرهم لخلوته ليله ونهاره وقوام طعامه ~~وشرابه وأمره ونهيه، وعين منهم جماعة سماهم الجرادية وجماعة من الحبشان سماهم ~~الغرابية. ولم يقرب الأمين الخدم لحمايته أو سياسة دولته، ولكنه فعل ذلك انهماكا ~~في الترف والقصف. ومن أقوال الشعراء في عصره يصفون انصرافه إلى اللهو بالغلمان ~~ويسمون بعضهم قولهم: # ألا يا ms0794 أيها المثوى بطوس # عزيبا ما تفادي بالنفوس # لقد أبقيت للخصيان هقلا # يحمل منهم شؤم البسوس # فأما نوفل فالشأن فيه # وفي بدر فيا لك من جليس # وما للمعصمي شيء لديه # إذا ذكروا بذي سهم خسيس # وما حسن الصغير أخس حالا # لديه عند مخترق الكؤوس # لهم من عمره شطر وشطر # يعاقر فيه شرب الخندريس # وما للغانيات لديه حظ # سوى التقطيب والوجه العبوس # إذا كان الرئيس كذا سقيما # فكيف صلاحنا بعد الرئيس؟ # فلو علم المقيم بدار طوس # لعز على المقيم بدار طوس # 14 # وكان لهوه من أعظم أسباب سقوطه. ~~(4-1) سبب نفوذهم # ولم يكن للخدم شأن في أيام المأمون ولا المعتصم ولا الواثق، فلما استبد ~~الأتراك وعلت كلمتهم في أيام المتوكل فما بعده، وصاروا يولون الخلفاء ويعزلونهم ~~أو يقتلونهم، كان في جملة ما استعانوا به على الاستبداد بهم أن يحجروا عليهم ~~قبل الخلافة، ويحبسوهم في القصور ليزيدوهم ضعفا. وكان الخلفاء من الجهة الأخرى ~~يميلون إلى حبس أولادهم وأقاربهم # 15 # خوفا من تواطئهم مع بعض الأتراك على خلعهم أو قتلهم. ولا عشير لهم ~~في أثناء الحجر إلا الخدم والخصيان، فألفوا أخلاقهم وتحققوا بالاختبار أن ~~حياتهم تتوقف بالأكثر على أمانة أولئك الخدم لما آنسوه من غيرتهم عليهم، ~~وخصوصا الخصيان إذ لا عصبية فيهم تمنعهم من التفاني في خدمة أسيادهم ولا مطمع ~~لهم في الملك لأولادهم وأهلهم. فأصبح ولاة العهد إذا أفضت الخلافة إليهم بالغوا ~~في تقريب الخدم بالعطايا والإكرام، التماسا لحمايتهم إذا أراد الأتراك الفتك ~~بهم. فعمدوا إلى الاستكثار من الخدم، وكانوا يقدمونهم ويكرمونهم ويستشيرونهم في ~~أمورهم، فازداد الخدم نفوذا وسطوة حتى أصبح الأتراك يخافونهم، وقد ارتقى ~~كثيرون منهم في العصر التركي من الخدمة في المنازل إلى قيادة الجند أو الإمارة ~~على الأقاليم. ~~(4-2) فرق الخدم وطبقاتهم # ولما تكاثر الخدم في دور الخلفاء جعلوهم طبقات وفرقا تعرف بأسماء خاصة، ~~وفيهم الرومي والتركي والحبشي والأرمني والسندي والبربري والصقلبي، في فرق أشبه ~~بفرق الجند ولهم الرواتب والجواري. # والمراد في الأصل بالخدم الغلمان أو العبيد أو المماليك الذين ms0795 يقيمون في دور ~~الخلفاء أو الأمراء للخدمة فيما يحتاجون إليه من مهام المنازل. فكانوا يبتاعون ~~الغلمان وفيهم الحائك والسائس والحجام والخباز وغيرهم. ثم صاروا يستكثرون منهم ~~للاستعانة بهم في حماية تلك المنازل أيام الشدة، على قدر ما يستطيعون بذله من ~~المال في ابتياعهم. وأثمانهم تتفاوت من مئة دينار إلى ألف دينار أو أقل أو ~~أكثر. وربما بلغ عدد الخدم عند بعض الأمراء إلى خمسمائة غلام أو ألف أو أكثر. ~~فغلمان بغا الشرابي أحد قواد الأتراك بلغ عددهم 500، وزاد عدد غلمان يعقوب بن ~~كلس وزير الفاطميين بمصر على 4000. # أما في دور الخلفاء فكان الغلمان فرقا تعرف بأسماء خاصة، كفرق الغلمان ~~الأصاغر، والغلمان الحجرية، والرجال المصافية والركابية وغيرها. والفرق بين فرق ~~الجند التركي وفرق الغلمان، أن الأجناد عساكر الدولة ينتظمون في خدمة المملكة، ~~ويتقاضون رواتبهم من بيت المال، وفيهم المبتاع والمأجور، وأما الغلمان فهم ~~مختصون بالأمير أو الخليفة لخدمته الشخصية أو حماية داره، وهم ملكه وينفق عليهم ~~من ماله الخاص. وقد تتحول فرق الغلمان إلى فرق من الجند، أو يعملون معا في ~~خدمة الدولة على ما تقتضيه الأحوال. وقد يبتاع الخليفة العبيد؛ ليتقوى بهم على ~~أعدائه مما لا ضابط له. وكثيرا ما تستبد بعض فرق الخدم بالخليفة أو الأمير حتى ~~تغلبه على أمره، وتفعل ما تشاؤه فيضطر الخلفاء أحيانا إلى الفتك بهم غيلة ~~بمساعدة فرق أخرى. # 16 # وكان في دور الخلفاء صنف من الخدم الخصيان يغلب استخدامهم في دور النساء، ~~وكانوا يستكثرون منهم أيضا وأكثرهم من الطواشية السود. وكان أهل بغداد يسخرون ~~بهم ويهزأون بأشكالهم ويتعرضون لهم في الطرق وينادونهم بعبارات التهكم كقولهم: ~~«يا عقيق صب ماء واطرح دقيق ... يا عاق يا طويل الساق»، وهم يشكونهم إلى الخلفاء، ~~وأصاب الناس في أيام المعتضد شدة بسبب ذلك، فإن بعض أهل بغداد تعرضوا لبعض ~~الطواشية السود سنة 284ه فاجتمعوا وكلموا المعتضد بما يلحقهم من ذلك، فأمر ~~المعتضد بجماعة من العامة ضربوا بالسياط # 17 # على أن الخصيان كثيرا ما كانوا يرتقون في الدولة إلى مصاف ms0796 ~~الأمراء. ~~(4-3) القواد والوزراء من الخدم # وأول من استكثر من الخدم وقربهم ورفع منزلتهم المقتدر بالله، فقد تولى سنة ~~295ه وعنده من الخدم والخصيان 11000 خادم من الروم والسودان # 18 # وكثير من المال والجوهر، فتمكن من الحكم 25 سنة رد فيها رسوم ~~الخلافة إلى ما كانت عليه. وكان يقدم الخدم ويستعين بهم، وقد ولاهم قيادة الجند ~~وغيرها. وفي أيام نبغ مؤنس الخادم، فقدمه وكان يستشيره في أموره، فتصرف مؤنس في ~~مصالح الدولة كما يشاء، وتولى رياسة الجيش وإمارة الأمراء وبيوت الأموال، ~~واستبد بكل شيء، لكنه على الإجمال خدم الخليفة المقتدر خدمات ذات بال فلقبه ~~الخليفة بمؤنس المظفر، ثم كانت بينهما وحشة تكررت حتى أدت إلى حروب انتهت بقتل ~~المقتدر، وحملوا رأسه إلى مؤنس فلما رأى رأس مولاه بكى ولطم وجهه. # فالخلفاء إنما لجأوا إلى تحكيم الخدم والخصيان استبقاء لحياتهم أو إحياء ~~لنفوذهم، ودفع استبداد جند الأتراك. ولم يكن ذلك خاصا بالدولة العباسية، بل ~~شمل معظم الدولة الإسلامية المعاصرة. ولا هو من مخترعات الإسلام؛ لأنه كان ~~شائعا في معظم الدول القديمة، فاسطفان المعتق (المولى) استبد بشؤون الدولة ~~الرومانية من قتل وتنصيب وعزل، وكذلك سليمان الخصي وغيرهما. # أما في الإسلام فاشتهر من الخدم في مناصب الدولة جماعة كبيرة، تولوا القيادة ~~أو الإمارة أو بيت المال أو غير ذلك من المناصب الكبرى. فبدر غلام المعتضد تولى ~~قيادة الجند ونقش اسمه على التروس والأعلام، وأبلى في خدمة مولاه بلاء حسنا ~~حتى قتل في سبيل نصرته سنة 289ه # 19 # وبجكم أصله من الغلمان، وارتقى حتى صار أمير الأمراء وهي أعلى رتب ~~الدولة العباسية في عصرها الثاني # 20 # وجوهر قائد جند الفاطميين الذي فتح لهم مصر وبنى القاهرة في أواسط ~~القرن الرابع للهجرة كان مملوكا روميا، وبلغ من تعظيمهم أمره وإكرامه أنه ~~لما أقلع عن المغرب قادما إلى مصر لفتحها ترجل أولاد الخليفة المعز وأهله، ~~ومشوا بين يديه، # 21 # وكان قبله كافور الأخشيدي، وهو خصي أسود ارتقى بمصر حتى استقل ~~بأحكامها سنة 355ه، ويانس الصقلي الخصي ms0797 أصله خادم مؤنس الخادم تقدم مع ذلك في ~~أعمال الدولة، وعظمت منزلته حتى ولي الولايات وتداخل في السياسة. وبرجوان ~~الستاذ كان خصيا أبيض ارتقى في الدولة الفاطمية إلى رتبة الوزارة، ووزر ~~للعزيز بالله والحاكم وتلقب بأمين الدولة، وهو أول من لقب بذلك في الدولة الفاطمية # 22 # وقراقوش الطوشي وزير صلاح الدين الأيوبي بلغ أرقى مناصب الحكومة في ~~الدولة الأيوبية. وعميد الملك أحد كبار القواد الأتراك كان من الخصيان، وكذلك ~~شقير الخادم صاحب البريد في مصر والشام أيام بني طولون. ومؤتمن الخلافة في ~~الدولة الفاطمية كان خادما خصيا، وقس على ذلك تقدم الصقالبة في دولة بني ~~أمية بالأندلس، وتقدم الخصيان في دولة السلاجقة وبني بويه وسائر دول الإسلام في ~~تلك العصور. ~~(5) تأثير النساء في سياسة الدولة # للمرأة تأثير كبير في أعمال الرجل، مهما يكن نوعها وفي أي عصر كان وأية أمة كانت، ~~وإن اختلف مقدار ذلك التأثير باختلاف عادات الأمم وآدابها. فإذا كانت الدولة ملكية ~~مطلقة كان للمرأة شأن كبير في سياستها، حتى في الإسلام مع شيوع الطعن في آرائهن ~~وقولهم: أن مشاورتهن في الأمور مجلبة للعجز ومدعاة إلى الفساد. وما من عظيم من ~~عظماء الإسلام إلا ونهى عن مشورتهن وإدخالهن في الأمور. قال المنصور في وصيته لابنه ~~المهدي: «إياك أن تدخل النساء في أمرك»، وقال النخعي: «من اقتراب الساعة طاعة ~~النساء»، وقال أبو بكر: «ذل من أسند أمره إلى امرأة»، ولعلي أقوال كثيرة في النهي ~~عن مشورة النساء، ومع ذلك فقد أثرت المرأة في سياسة الدولة تأثيرا عظيما. ~~(5-1) أمهات الخلفاء # وتأثير النساء في الدولة من قبيل تأثير الأم في الأبناء، وقد بينا ذلك في باب ~~الأمومة، ويعظم أثره على الخصوص في تأثير أمهات الخلفاء على أولادهن، ولا سيما ~~في أواسط الدولة عند احتجاب الخلفاء واستسلامهم إلى الخدم. # على أن العباسيين حتى في صدر الدولة كانوا يصغون إلى النساء، فأحرزت المرأة ~~نفوذا كبيرا وخصوصا أمهات الخلفاء، وأول من استبد منهن الخيزران أم الهادي ~~والرشيد، وهي قرشية وكانت ذات نفوذ وقوة ms0798 يخافها أولادها، ومن خالفها منهم أو ~~اعترضها قتلته. وكانت في أيام زوجها المهدي صاحبة الأمر والنهي وهو يطاوعها، ~~فلما تولى ابنها الهادي أرادت الاستبداد بالأمور دونه، وأن تسلك به مسلك أبيه، ~~فلم يمض أربعة أشهر حتى انثال الناس إليها، وكانت المواكب تغدو وتروح إلى بابها ~~فساءه ذلك، وكلمته يوما في أمر فلم يجد إلى إجابتها فيه سبيلا فقالت: «لا بد ~~من إجابتي إليه فإني قد ضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك» فغضب الهادي وقال: ~~«ويلي على ابن الفاعلة! قد علمت أنه صاحبها، والله لا أقضيها لك»، قالت: «إذن ~~والله لا أسألك حاجة»، قال: «لا أبالي»، وقامت مغضبة فصاح بها: «مكانك ... والله ~~إنا نفي من قرابتي من رسول الله، لئن بلغني أنه وقف بباك أحد من قوادي أو خاصتي ~~لأضربن عنقه ولأقبضن ماله. ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك؟ أما لك ~~مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك؟ إياك وإياك لا تفتحي بابك لمسلم ولا ~~ذمي!»، فانصرفت وهي لا تعقل، ولم تنطق عنده بعدها. ثم إنه قال لأصحابه: «أيما ~~خير: أنا أم أنتم، وأمي أم أمهاتكم؟»، قالوا: «بل أنت وأمك خير» قال: «فأيكم ~~يحب أن يتحدث الرجال بخير أمه فيقال: فعلت أم فلان وصنعت؟» قالوا: «لا نحب ~~ذلك»، قال: «فما بالكم تأتون أمي فتتحدثون بحديثها؟»، فلما سمعوا ذلك انقطعوا ~~عنها فحقدتها عليه، حتى إذا علمت أنه يريد خلع أخيه الرشيد والبيعة لابنه جعفر ~~أمرت بعض جواريها بقتله بالغم والجلوس على وجهه # 23 # فقتلنه. # فلما كانت أيام الرشيد استبدت الخيزران بالأحكام، واحتشدت الأموال فبلغت ~~غلتها في العام 160 مليون درهم، أي: نحو نصف خراج المملكة العباسية في ذلك ~~العهد، ولما ماتت توسع الرشيد بأموالها. وقس على ذلك ثروة سائر أمهات الخلفاء. # 24 # أما من حيث النفوذ فقد كان للسيدة أم المقتدر - وهي تركية - سطوة غريبة على ~~رجال الدولة في خلافة ابنها، وكانت تتصرف في الأحكام دونه بالاشتراك مع الحجاب ~~والخدم، وكان الوزراء يهابونها ويرتعدون خوفا من ذكرها. # 25 ms0799 # ويقال نحو ذلك في أم المستعين بالله المتوفى سنة 251ه، وكانت صقلية الأصل، ~~فأطلق المستعين في أمور الدولة يدها ويد اثنين من قواد الأتراك هما أتامش وشاهك ~~الخادم، فكانت الأموال التي ترد إلى بيت المال من النواحي يصير معظمها إلى ~~هؤلاء الثلاثة. # 26 # على أن تسلط النساء في الدولة العباسية كان على معظمه في أيام المقتدر، لتسلط ~~الخدم والحجاب، وقد اشتهر من النساء في ذلك العهد السيدة أم المقتدر والخالة ~~وأم موسى الهاشمية القهرمانة، فهؤلاء كن يرتشين بالاشتراك مع موسى الخادم ونصر ~~الحاجب والكتاب ونحوهم، ويمشين الأمور كما يردن ويريد هؤلاء، وكان لأم موسى ~~المذكور دهاء ونفوذ، حتى تكفلت مرة بالخلافة لأحد العباسيين من أصهارها، وأخذت ~~تبذل الأموال للقواد وغيرهم، فوشى بعضهم إلى المقتدر فقبض عليها وأخذ منها ~~أموالا عظيمة، وقس على ذلك نفوذ نساء القصور في الدولة العباسية، وهو من قبيل ~~نفوذ الموالي في هذه الدولة؛ لأن أكثر أولئك النساء من غير العرب. ~~(6) فساد الأحكام في الدولة العباسية ~~(6-1) التنازع على النفوذ # بلغت الدولة العباسية عصرها الذهبي في أيام خلفائها الأولين، وخصوصا الرشيد ~~والمأمون بتدبير الوزراء الفرس ولا سيما البرامكة. فاتسع سلطانها في أيامهم ~~وامتدت سطوتها على معظم العالم المعمور في ذلك العهد، فبلغت الهند شرقا ~~والمحيط الأطلسي غربا وبلاد سيبيريا وبحر قزوين شمالا وبحر فارس وبلاد النوبة ~~جنوبا. وقد بينا أقسامها وجغرافيتها في الجزء الثاني. فلما نكب البرامكة ثم ~~استبد الجند التركي بالحكومة أصبحت الأحكام فوضى، وخصوصا بعد المتوكل؛ لأنهم ~~أقدموا على قتله وكان ذلك فاتحة جرأتهم على الخلفاء بعده من عزل وتولية وقتل ~~وسمل. فعجز الخلفاء عن القيام بشؤون الدولة، وهم أصحابها المسؤولون عنها ~~والأحكام تصدر بأسمائهم، وإن كانوا مدفوعين إلى إجراءاتهم ببعض أرباب النفوذ في ~~بلاطهم، من الوزراء والقواد. فأقدرهم على إرضاء الخليفة أو أشدهم دهاء ومكرا ~~يفضي النفوذ إليه، فإذا ملك قياد الحكومة بذل جهده في حشد الأموال، إذ لا يأمن ~~أن يستبدل هذا الخليفة بآخر لا يرضاه، أو لعل بعض أعدائه يغلبه بدسائسه وسعايته ms0800 ~~فيعزله، فإذا لم يكن له مال عاش ذليلا مهانا. على أن القواد كانوا يحاولون ~~الاستئثار بالنفوذ في بلاط الخليفة بالتهديد أو بالوشاية، ويختلف ذلك باختلاف ~~الأحوال والأشخاص. # ويقال بالإجمال إن النفوذ أصبح ضائعا بين الوزراء والقواد، وكلاهما لا يرجون ~~من وراء عنايتهم وجهدهم منفعة لأنفسهم، غير ما يكتسبونه من المال في أثناء نفوذ ~~كلمتهم. فأصبح الغرض الأول من تمشية الأحكام إنما هو حشد المال. فالوزير الذي ~~يتولى أمور الدولة ولا يدري ما يكون مصيره بعد عام أو عامين من عزل أو قتل أو ~~حبس لا يهمه غير الكسب من أي طريق كان، ولا يبالي بما قدم يترتب على ذلك فيما ~~بعد، عملا بالقاعدة التي وضعها ابن الفرات كبير وزراء ذلك العصر، وهي قوله: ~~«إن تمشية أمور السلطان على الخطأ خير من وقوفها على الصواب». # 27 # وانتبه الخلفاء إلى مطامعهم، فأصبحوا إذا عزلوا وزيرا صادروه وأخذوا أمواله، ~~وقد فصلنا ذلك في باب المصادرة في الجزء الثاني من هذا الكتاب، ثم عمت المصادرة ~~سائر رجال الحكومة، حتى الرعية، وأصبحت بتوالي الأيام المصدر الرئيسي لتحصيل ~~المال. فالعامل يصادر الرعية، والوزير يصادر العمال، والخليفة يصادر الوزراء ~~ويصادر الناس على اختلاف طبقاتهم، حتى أنشأوا للمصادرة ديوانا خاصا مثل سائر ~~دواوين الحكومة # 28 # فكان المال يتداول بالمصادرة كما يتداول بالمتاجرة. ~~(6-2) أنواع المصادرة ومقاديرها # قال الوزير ابن الفرات: «تأملت ما صار إلى السلطان من مالي فوجدت 10 ملايين ~~دينار، وحسبت ما أخذته من الحسين بن عبد الله الجوهري (ابن الجصاص)، فكان مثل ~~ذلك» فكأنه لم يخسر شيئا؛ لأنهم كانوا يقبضون بالمصادرة، ويدفعون بالمصادرة. ~~وإذا صودر أحدهم على مال لم يكن في وسعه أداؤه كله معجلا أجلوه بالباقي، ~~وساعدوه على تحصيله أو جمعه برد جاهه وتغيير زيه وإنزاله في دار كبيرة فيها ~~الفرش والآلة الحسنة؛ ليستطيع التمحل في جمع الأموال من الناس. # 29 # وتعددت أسباب المصادرة وجهاتها، حتى أصبح كل صاحب مال أو منصب عرضة لها. وهاك ~~قائمة بما قبضه ابن الفرات من المصادرة على أيام الراضي ms0801 بالله، ننشرها بنصها ~~حرفيا أنموذجا لأنواع المصادرات ومقاديرها: # 30 # دينار # 7300 # من أحمد بن محمد البسطامي عن النصف مما بقي عليه من مصادرته لسنة ~~300ه. # 11000 # من علي بن الحسين الباذبيني الكاتب عما تولاه بالموصل. # 30000 # من محمد بن عبد الله الشافعي عما تصرف فيه لعلي بن عيسى. # 80000 # من محمد بن علي بن مقلة عما تصرف فيه. # 100000 # من محمد بن الحسين المعروف بأبي طاهر. # 13000 # من الحسن بن أبي عيسى الناقد عما ذكر أنه وديعة لعلي بن عيسى. # 4000 # ومنه أيضا عن نفسه. # 20000 # من إبراهيم بن أحمد المادرائي. # 36360 # من عبد الواحد بن عبد الله بقية مصادرة والده. # 10000 # من أحمد بن يحيي عن مصلحة وجبت. # 6000 # من إبراهيم بن أحمد الجهبذ عن صلحه. # 4000 # من محمد بن عبد السلام عما عنده من الوديعة لمحمد بن علي وإبراهيم ~~المادرائي. # 40000 # من عبد الوهاب بن أحمد بن ما شاء الله عن صلحه. # 10000 # من محمد بن عبد الله بن الحرث عن صلحه. # 250000 # من محمد بن أحمد عما تصرف فيه بالموصل وغيرها. # 15000 # من إبراهيم المادرائي عن الباقي عليه. # 3000 # من أبي عمر بن الصباح عن الباقي على ابن العباس أحمد. # 7000 # من علي بن محمد بن الحواري وقتل. # 7000 # من هرون بن أحمد الهمذاني. # 2000 # من عبد الله بن زيد بن إبراهيم. # 15000 # من عبد الله بن زيد صلحا عن نفسه. # 60000 # من علي بن مأمون الإسكافي وقتل. # 70000 # من يحيي بن عبد الله عما تصرف فيه مع حامد. # 1300000 # من حامد بن عباس وقتل. # 150000 # من محمد بن حمدون الواسطي. # 42000 # من علي بن عيسى. # 10000 # من إبراهيم جهبذ حامد بن عباس. # 1200000 # من الحسن المادرائي. # 1000000 # ومنه أيضا. # 1000000 # من محمد المادرائي. # 10000 # ومنه أيضا بخط آخر. # درهم # 20000 # من أبي الفضل محمد بن أحمد بن بسطام. # 500000 # من علي بن الحسن الباذبيني صلحا عما تصرف فيه بالموصل وقتل. # 100000 # من أبي عمر بن الصباح ms0802 عن ضمانة الباقي من مصادرة أبي ياسر. # 100000 # من عبد الله بن أحمد اليعقوبي. # 100000 # من الحسن بن إبراهيم الخرائطي صلحا عما اقتطعه من مال الرئيس. # 100000 # من الحسين بن علي بن نصير. # 2000 # من علي بن محمد بن أحمد السمان عن ورثة قرقر. # 10000 # من أبي بكر الجرجاني من ضياع بن عيسى. # 230000 # من الحسين بن سعد القطربلي. # 1500000 # من محمد بن أحمد ... # 3000000 # من أبي الحسن بن بسطام. # 50000 # من أحمد بن محمد بن حامد بن عباس. # 230000 # من سليمان بن الحسن بن مخلد. ~~(6-3) ابتزاز الأموال # فالوزير يتولى الوزارة عاما أو عامين، ثم يعزل أو يستقيل وله عدة ملاين من ~~الدنانير، فضلا عن الضياع والمباني، وقد اكتسب هذه الثروة بالرشوة ونحوها من ~~أسباب المظالم. وكان الوزير لا يولي عاملا على ولاية ما لم يقبض منه مالا على ~~سبيل الرشوة يسمونه «مرافق الوزراء». ومن أغرب حوادث التولية بالرشوة أن ~~الخاقاني وزير المقتدر بالله ولي في يوم واحد تسعة عشر ناظرا للكوفة وأخذ من ~~كل واحد رشوة. وإذا لم يكن للعامل أو الناظر ما يفي المبلغ المتفق عليه مع ~~الوزير، دفع بعضه معجلا وأجل البعض الآخر إلى مدة معينة أو غير معينة، ~~والخلفاء يعلمون ذلك ولا ينكرونه أو يرون فيه غرابة أو ظلما. # والعامل الذي يتولى عمله بالرشوة وهو لا يزال مدينا ببعضها يهون عليه ابتزاز ~~أموال الرعية - أو هو يطلب الولاية لهذه الغاية - فيأخذ العمال في حشد الأموال، ~~إما بالتلاعب في جباية الحكومة، فينفقون دينارا في بعض مصالحها فيقيدونها ~~عليها عشرة دنانير، أو باستخراج أموال الرعية بالرشوة، أو بضرب الضرائب الفادحة ~~على الباعة وأهل الأسواق في المدن # 31 # أو بسلب الفلاحين في القرى بعض غلاتهم، وقد يقاسمونهم إياها فإن ~~بعض العمال كان يبعث رجاله إلى البيدر فيقسمونه كما يشاءون، وإذا تكلم الأكار ~~(الفلاح) شتموه وحلقوا لحيته وضربوه # 32 # وقد لا يرضيهم ذلك فيغتصبون الضياع برمتها. # ومن أغرب طرق الاغتصاب أن يغتصب العامل أو الوزير أو غيرهما من رجال ms0803 الدولة ~~ضيعة لبعض الناس، فيأخذها بغير ثمن ويستغلها لنفسه، وإذا استحق عليها الخراج ~~أداه صاحبها الأول، مخافة أن يثبت الملك لمغتصبها إذ يدون خراجها باسمه في ~~الديوان فيبطل حق مالكها في ملكيتها، # 33 # فيضطر المالك إلى دفع الخراج أعواما ريثما يتوفق إلى من ينصفه ممن ~~يفضي النفوذ إليهم من أهل العدالة أو يهتدي إلى وساطة أو حيلة. # ناهيك بما كانوا يغتصبونه من أموال الرعية باقتضاء خراج الأرض مضاعفا أو ~~مكررا، على أنهم قد يرون لهم نفعا من ترك خراج بعض الأرضين، فيتركونه ~~لأصحابها على أن يخدموهم في مصلحة لهم، وربما بلغ مقدار الخارج المتروك مالا ~~كثيرا جدا . فقد كان لرجل يدعى أبا زنبور في وزارة ابن الفرات ضياع مساحتها ~~مئة فرسخ بمئة فرسخ لم يأخذ منه من حقوق بيت المال درهما، # 34 # وكثيرا ما كانوا يتركون أمثال هذه الضياع بلا خراج لأهل الوساطة ~~أو الدالة أو النفوذ عند الخليفة أو غيره. ~~(6-4) الجاسوسية واللصوصية # ومن وسائل ابتزاز الأموال أن يقسط الوزير أو من يقوم مقامه على أرباب ~~الدواوين والقضاة أو غيرهم مالا على وجه القرض، على أن يسبب لهم عوضه من أهل النواحي، # 35 # فتقع الخسارة على الرعية. فتضايق أهل الأسواق في المدن والفلاحون ~~في القرى والرساتيق وضاقت أبواب الرزق على الناس، وأصبحت الحقوق فوضى، من ~~استطاع حيلة في اختلاس المال سرا أو جهرا استخدمها، وكثر العيارون والشطار ~~في المدن، وتعدد اللصوص في القرى، وفيهم جماعة أصلهم من جنود الدولة، طمع ~~الوزراء أو القواد في أرزاقهم فخرجوا يتعرضون للمارة ويسلبونهم أموالهم ~~وأمتعتهم، وإذا عوتبوا أو حوكموا احتجوا بذلك. وكان قطاع الطرق يسطون على قوافل ~~التجار ويأخذون أموالها باعتبار أنها حق لهم؛ لأن أصحابها لم يؤدوا زكاتها لبيت ~~المال وقد منعوها، وتجردوا فتركت عليهم فصارت أموالهم بذلك مستهلكة، واللصوص في ~~حاجة إليها بسبب فقرهم فإذا أخذوا تلك الأموال - وإن كره التجار أخذها - كان ~~ذلك لهم مباحا؛ لأن عين المال مستهلكة بالزكاة وهم فقراء يستحقون أخذ الزكاة ~~شاء أرباب الأموال أو كرهوا؛ ms0804 # 36 # لأن الزكاة صدقة تؤخذ من أغنياء المسلمين وتفرق في فقرائهم، وكان ~~لها شأن كبير في أول الإسلام ثم أهملت في أواسط الدولة العباسية، فاتخذ اللصوص ~~ذلك حجة لسلب أموال التجار. # وزد على ذلك ما نجم عن فساد الأحكام من الضيق المالي وغلاء الأسعار في المدن، ~~وما انتشب من الفتن بين الأحزاب ولا سيما السنة والشيعة، وراجت الدسائس وتكاثرت ~~السعايات برجال الدولة، وانتشرت الجاسوسية في قصور الخلفاء ودواوين الوزراء ~~والكتاب. وأصبح لكل منهم جواسيس على الآخرين ينقلون إليه أخبارهم، فتسابق أسافل ~~الناس إلى السعاية بأفاضلهم، يرفعون إلى الخليفة أو إلى صاحب النفوذ في دولته ~~كتبا يختلقون بها المطاعن على الأبرياء للانتفاع بأذاهم. وأكثر ما تكون ~~وشايتهم بأهل الدولة في حال اعتزالهم، أو فيمن يخافونهم إذا ألقيت مقاليد ~~الأحكام إليهم، وقد يجتمع عند الخليفة أو الوزير صناديق مملوءة بتلك الكتب، ~~فإذا تكاثرت أو ذهبت الحاجة إليها أحرقوها. # 37 # فلما فسدت الأحكام في دار الخلافة، واستبد الوزراء والقواد بشؤون الدولة، رأى ~~العمال في الولايات أن يجتزئوا من ذلك الاستبداد في ولاياتهم، فأخذوا يستقلون ~~فتشعبت المملكة العباسية إلى ممالك يحكمها الأمراء من الفرس والأتراك والأكراد ~~والعرب وغيرهم. ومنها ما جاءها التغلب من الخارج ففتحها، كما أصاب مصر لما ~~فتحها الفاطميون. ~~(7) تفرق المملكة العباسية # لما أصبحت الدولة العباسية فيما تقدم من فساد الأمور، والفوضى في سلطتها وأحكامها ~~بين الفرس والأتراك، أو بين الوزراء والأجناد، أو بين الخدم والنساء، وذهبت هيبة ~~الخلفاء بما أصابهم من التضييق والاحتقار، هان على عمالهم في أطراف المملكة أن ~~ينفصلوا عنهم بأحكامهم الإدارية والسياسية، وأن يستأثروا بجباية أعمالهم وهو ~~الاستقلال. وكان أسبقهم إليه أبعدهم عن مركز الخلافة. وأسبق عمال العباسيين إلى ذلك ~~إبراهيم بن الأغلب في شمال إفريقيا استقل سنة 184ه، ولا يعد استقلاله من نتائج فساد ~~الدولة؛ لأنه حدث في عصر الرشيد والدولة العباسية في معظم سطوتها، وإنما ساعده على ~~ذلك بعده عن مركز الخلافة. وأم استقلال العمال بذهاب هيبة الخلفاء أو اختلال شؤون ~~الدولة، فالأسبق إليه الفرس ثم ms0805 الأتراك فالأكراد، مثل تواليهم في التغلب على ~~الخلفاء. وتدرج كل من هذه الأمم من العمالة إلى الإمارة إلى الملك أو السلطنة. فأول ~~من استقل من الفرس العمال، فأنشأوا الإمارات الصغرى ثم الدول الكبرى، وكذلك فعل ~~الأتراك والأكراد. فنقدم الكلام عن الفروع الفارسية، ثم نذكر الفروع التركية ~~والكردية. أما العربية فسيأتي ذكرها في الكلام على العصر العربي الثاني. # | الدول الفارسية في ظل العباسيين # (1) الدول الصغرى # لما أعاد الفرس مقاليد الخلافة إلى المأمون ازدادوا دالة عليه واستخفافا بالسلطة ~~العباسية، ثم استبد الأتراك بالخلفاء بعد المعتصم وغلوا أيديهم وكسروا شوكتهم، فكان ~~للفرس على الإجمال حظ كبير من ذلك. فلما رأوا ذهاب نفوذهم في دار الخلافة استعاضوا ~~عنه بالاستقلال بإماراتهم. # على أن الذين استقلوا من القواد أو الأمراء ما زالوا يعترفون للعباسين بالسلطة ~~الدينية، فيطلبون الاستقلال تحت رعايتهم. فتفرعت المملكة العباسية إلى إمارات ~~مستقلة عملا بسنة الارتقاء. وإليك أهم الفروع الفارسية باعتبار تاريخ استقلالها ~~وأسماء مؤسسيها: # الدولة # مقرها # مدة حكمها # مؤسسها ~~(1) الطاهرية # خراسان # 205-259ه # طاهر بن الحسين ~~(2) الصفارية # فارس # 254-290 # يعقوب بن الليث الصفار ~~(3) السامانية # ما وراء النهر # 261-389 # نصر بن أحمد الساماني ~~(4) الساجية # أذربيجان # 266-318 # يوسف بن أبي الساج ~~(5) الزيارية # جرجان # 316-434 # مرداويج بن زيار # فانظر كيف تفرعت بلاد فارس إلى إمارات فارسية، فانتعشت الشيعة، ونالوا بعض ما ~~كانوا يؤملونه من مساعيهم في نصرة العلويين من أن يعيدوا دولة الفرس الضخمة كما ~~كانت قبل الإسلام. ولكن تلك الإمارات لم تمكث طويلا - كما ترى في الجدول - حتى ~~قامت دولة آل بويه، وهي أكبر دولة فارسية شيعية ظهرت في الشرق في عهد ذلك التمدن في ~~ظل الدولة العباسية. ~~(2) دولة آل بويه # رجال هذه الدولة وأنصارها الديلم من الجيلان وراء خراسان، ولكن ملوكها آل بويه من ~~الفرس، ويرتفع نسبهم إلى ملوك الفرس القدماء، وإنما سموا ديلم؛ لأنهم سكنوا بلاد ~~الديلم. وكان العلويون يسعون في نشر دعوتهم هناك أيام الرشيد، وآخر من نجح في ذلك ~~الحسن بن علي الأطروش من نسل الحسين، فدعا الديلم إلى مذهبه في ms0806 أواخر القرن الثالث ~~فأجابوه. # وجد آل بويه الأقرب الذي أسس هذه الدولة اسمه بويه ولقبه أبو شجاع، كان له ثلاثة ~~أولاد: علي ويلقب عماد الدولة، وحسن ويلقب ركن الدولة، وأحمد ويلقب معز الدولة. ~~وكان بويه رقيق الحال، فانتظم أولاده في الجندية؛ لأنها كانت يومئذ بابا من أبواب ~~الرزق الواسعة، وكان عماد الدولة في خدمة مرداويج مؤسس الدولة الزيارية، فارتقي ~~عنده حتى ولاه الكرج، ثم اتسعت أحواله فكتب إلى الخليفة العباسي وهو يومئذ الراضي ~~بالله المتوفى سنة 329ه، أن يقاطعه على أعمال فارس بمال يحمله إلى دار الخلافة، على ~~جاري عادتهم مع الدولة العباسية في ذلك العهد، فأجابه الراضي وبعث إليه بالخلعة. ~~وأخوه حسن ركن الدولة تملك خوارزم، وجاء الإخوان واتحدا مع أخيهما الثالث معز ~~الدولة في شيراز، وساروا غربا حتى أتوا بغداد في أيام المستكفي سنة 334ه، فرحب بهم ~~وخلع عليهم ولقبهم الألقاب المذكورة، وجعل معز الدولة أمير الأمراء، واستبدوا ~~بالمملكة واستولوا على الخلافة، وعزلوا الخلفاء وولوهم، فرفعوا منار الشيعة وأحيوا ~~معالمها وأضعفوا نفوذ الأتراك والخلافة العباسية لا تزال في بغداد. ولما أقضت إمارة ~~الأمراء إلى عضد الدولة لقب الملك، وهو أول من خوطب بهذا اللقب في الإسلام. وحكم آل ~~بويه من سنة 320-447ه. # | الدول التركية في ظل العباسيين # (1) الدول الصغرى # لما قويت شوكة الأتراك في الدولة العباسية وهابهم الخلفاء كما تقدم، طمع بعضهم في ~~الولايات كما طمع الفرس، فاستقلوا بها فنبتت للدولة العباسية فروع تركية خارج بلاد ~~فارس، كما نبتت الفروع الفارسية في بلاد الفرس. وإليك الفروع التركية في العصر ~~العباسي حسب سني نشأتها وأسماء مؤسسيها وبلادها: # اسم الدولة # مقرها # مدة تأسيسها # مؤسسها ~~(1) الطولونية # مصر # 254-292ه # أحمد بن طولون ~~(2) الإيلكية # تركستان # 320-560 # عبد الكريم ستق ~~(3) الإخشيدية # مصر # 323-358 # محمد الإخشيد ~~(4) الغزنوية # أفغانستان والهند # 351-582 # البتكين # وتدرج الأتراك في الولايات الإسلامية كما تدرج الفرس قبلهم، أي: من الإمارة إلى ~~السلطنة وهم أول من سموا سلاطين في الإسلام، وأولهم سلاطين الدولة الغزنوية التي ~~منها السلطان محمود الغزنوي فاتح الهند وناشر الإسلام ms0807 فيها. ~~(2) الدولة السلجوقية وفروعها # على أن هذه الإمارات نشأت فروعا للدولة العباسية، وكان أمراؤها وسلاطينها من ~~عمال الدولة العباسية أو قوادها. # وكانت السنة قد تقوت بظهور الإمارات التركية، فلما قامت دولة آل بويه في أواسط ~~القرن الرابع للهجرة بالعراق وفارس وعاصرتها الدولة الفاطمية بمصر، عظم أمر الشيعة ~~في العالم الإسلامي وتضعضعت السنة فتشتت شمل المملكة العباسية. ثم ظهرت الدولة ~~التركية الكبرى في أواسط القرن الخامس، وتعرف بالدولة السلجوقية نسبة إلى جدها ~~سلجوق، فجاءت في حال الحاجة إليها؛ لأنها لمت شعث المملكة العباسية ونصرت مذهبها ~~(السنة) بعد أن كادت تضمحل بين يدي الشيعة في مصر والشام والعراق وفارس وخراسان. ~~وكانت الدولة الفاطمية قد نشرت سلطتها على المغرب، وأوشكت أن تستولي على المشرق ~~كله، فجاء السلجوقيون من أقاصي الشرق فاستولوا على المملكة العباسية وجمعوا شملها. ~~وبعد أن كانت ولايات مستقلة يملكها أمراء من الفرس والأتراك والأكراد والعرب، ~~جعلوها مملكة واحدة يحكمونها تحت رعاية الخليفة العباسي. # ومؤسس الدولة السلجوقية سلجوق بن تكاك، أمير تركي كان في خدمة بعض خانات تركستان، ~~فعلم باختلال المملكة العباسية فطمع فيها، وعلم أنه لا يبلغ ذلك وهو على دين غير ~~دين الإسلام، فأسلم هو وقبيلته وسائر جنده ورجال عصبيته دفعة واحدة، ونهض بجميع ~~هؤلاء من تركستان وساروا غربا، فقطعوا نهر جيحون وتدرجوا في الفتح ونشر سلطانهم ~~حتى اكتسحوا المملكة العباسية، وامتد سلطانهم من أفغانستان إلى البحر الأبيض. وأصبح ~~العالم الإسلامي تتنازعه ثلاث دول إسلامية، أكبرها دولة السلاجقة في المشرق، ثم ~~الدولة الفاطمية في مصر والمغرب، والثالثة دولة بني أمية في الأندلس. فشأن الدولة ~~السلجوقية غير شؤون الدول التركية الصغرى التي تقدمتها؛ لأن هذه إمارات نشأت في حجر ~~الدولة العباسية وتفرعت من مملكتها، وأما الدولة السلجوقية فقد نشأت مستقلة وجاءت ~~من الخارج بقوة وجند، وأنقذت الخلافة العباسية من الضياع على أيدي البويهيين وغيرهم ~~من الشيعيين. والدولة الإيلكية نشأت مستقلة أيضا، لكنها قلما أثرت في المملكة ~~الإسلامية. # وللسلاجقة منزلة عظمى في تاريخ الإسلام، وفي أيامهم تكاثر نزوح الأتراك إلى ~~المملكة ms0808 الإسلامية في فارس والعراق والشام، للسكنى والارتزاق في ظل أبناء جلدتهم، ~~والسلاجقة أول من أنشأوا المدارس في المملكة الإسلامية، بأرقى ما بلغت إليه في عهد ~~ذلك التمدن على يد نظام الملك وزير ملك شاه السلجوقي في أواسط القرن الخامس، وقد ~~فصلنا ذلك وعللناه في الجزء الثالث من هذا الكتاب. # ونظام الملك فارسي الأصل من أولاد الدهاقين، ولكنه أنشأ ما أنشأه من المدارس ~~والتكايا والرباطات والمساجد والمارستانات باسم سلطانه ملك شاه. # والسلاجقة دول تفرعت من أصل واحد وعرفت باسم واحد، ولكنها تمتاز بعضها عن بعض ~~بأماكن حكمها، وأكبر هذه الدول السلاجقة العظام، وهم أصل سائر الفروع وأقوى منها ~~جميعا. وإليك الدول السلجوقية ومقدار حكمها: ~~(1) # السلاجقة العظام: حكموا من سنة 429-552ه. ~~(2) # سلاجقة كرمان: حكموا من سنة 433-583ه. ~~(3) # سلاجقة الشام : حكموا من سنة 487-511ه. ~~(4) # سلاجقة العراق وكردستان: حكموا من سنة 511-590ه. ~~(5) # سلاجقة بلاد الروم (آسيا الصغرى): حكموا من سنة 470-700ه. # فحكمت الدولة السلجوقية على الإجمال نحوا من ثلاثة قرون، وبلغ اتساع مملكتهم من ~~حدود الصين إلى آخر حدود الشام. ~~(2-1) انتقال المملكة السلجوقية إلى الأتابكة # وكان السلاجقة في أيام سلطتهم يولون الأعمال أو الولايات قوادا من مماليكهم ~~يسمونهم الأتابكة، واحدهم أتابك، وهو لفظ تركي معناه «الأب الأمير»، واستعملوه ~~أولا بمعنى وزير ثم صار بمعنى الملك. وأخذ الأتابكة يستقلون بولاياتهم شيئا ~~فشيئا، حتى اقتسموا المملكة السلجوقية فيما بينهم، إلا الفرع الرومي في آسيا ~~الصغرى، فإنه ظل في حوزة السلاجقة، حتى أتى العثمانيون في أواخر القرن السابع - ~~وإليك تفرع المملكة السلجوقية الكبرى إلى مماليكهم الأتابكة وغيرهم وسني حكم كل ~~دولة منها: ~~(1) # الدولة البورية في دمشق من سنة 497-549ه. ~~(2) # الدولة الزنكية في الجزيرة والشام من سنة 521-648ه. ~~(3) # الدولة البكتجينية في أربلاء وغيرها من سنة 529-630ه. ~~(4) # الدولة الأرتقية في ديار بكر وماردين من سنة 495-712ه. ~~(5) # دولة الشاهات في أرمينيا من سنة 493-604ه. ~~(6) # أتابكة أذربيجان في أذربيجان من سنة 531-623ه. ~~(7) # الدولة السلغرية في فارس من سنة 543-686ه. ~~(8) # الدولة الهزارسبية في لورستان من سنة 543-740ه. ~~(9) # الدولة الخوارزمية في خوارزم ms0809 من سنة 470-628ه. ~~(10) # الدولة القطلغية في كرمان من سنة 619-703ه. # وما زالت هذه الممالك في حوزة الأتابكة وغيرهم من مماليك الدولة السلجوقية ~~وقوادها، حتى جاء المغول فاكتسحوها كلها واستولوا عليها. ~~(2-2) سلاجقة الروم # أما الفرع السلجوقي الذي ظل سائدا دون سائر الفروع، فهو سلاجقة آسيا الصغرى، ~~وهي بلاد الروم في اصطلاح تلك الأيام. على أن مملكتهم هناك تفرعت إلى عدة فروع ~~يحكم كلا منها عائلة سلجوقية صغيرة، وهاك أسماءها مع أسماء العائلات ~~السلجوقية التي كانت تتولاها: # اسم الإمارة # اسم العائلة ~~(1) ميسيا # آل كراسي ~~(2) بيسيديا # آل حميد ~~(3) فريجيا # آل كرميان ~~(4) ليسيا # آل تاكة ~~(5) ليديا # آل سروخان وأيدين ~~(6) كاريا # آل منتشا ~~(7) بفلاغونيا # آل قزل أحمدلي ~~(8) ليكونيا # آل قرمان # وما زالت هذه الإمارات في سلطة الأمراء السلاجقة، حتى أتى العثمانيون ~~فاستولوا عليها وأنشأوا الدولة العثمانية في أوائل القرن الثامن للهجرة. # | الدول الكردية في ظل العباسيين # (1) الدول الصغرى # الأكراد قوم أشداء وأكثرهم أهل بادية وخشونة وجفاء، يقيمون في الخيام وينقسمون ~~إلى قبائل وعشائر وبطون، وهم أقل قبولا للحضارة من الفرس والترك وغيرهما من الأمم ~~الشرقية التي دانت للإسلام في إبان التمدن الإسلامي، وقد ظلوا أهل ظعن ورحلة في ~~معظم ذلك التمدن. وكانت الدولة تستعين بهم في الحروب البدوية الشبيهة بالغزو كما ~~كانت تستعين بالأعراب، ومقامهم على الأكثر في كردستان وأرمينيا وجزيرة العراق ~~كالموصل وديار بكر، ولا يزال سوادهم هناك إلى الآن. # ونظرا لتمسكهم بالبداوة والخشونة لم تستخدمهم الدولة العباسية في أعمالها إلا ~~قليلا، فلم ينبغ فيهم أحد من رجال الإمارة المستقلة أو أهل السياسة والتدبير إلا ~~بعد دهر طويل من عهد ذلك التمدن. وأول من أنشأ دولة كردية مستقلة في الإسلام حسنويه ~~بن حسين البرزكاني، زعيم بعض قبائل الأكراد في كردستان، في أواسط القرن الرابع ~~للهجرة، وامتدت سلطته على معظم تلك المملكة وفيها ديناور (أو الدينور) وهمذان ~~ونهاوند وسرماج وغيرها. وقد اعترف خليفة بغداد بسلطانه ولقب ابنه بعده بناصر ~~الدولة. ولم يطل عمرها كثيرا فحكمت من سنة 348-406ه ثم استقل من الأكراد أبو علي ms0810 ~~بن مروان في ديار بكر سنة 380ه، وامتدت سلطته على آمد وآرزان وميافرقين، وبايع خلفه ~~للفاطميين حينا من الزمن وذهبت دولته سنة 489ه. ~~(2) الدولة الأيوبية # على أن الأكراد لم يكن لهم شأن يذكر في الإسلام إلا على عهد الدولة الأيوبية من ~~سنة 564-648، ومؤسسها السلطان صلاح الدين الأيوبي. وهو من أعظم رجال الإسلام تعقلا ~~وسياسة وبسالة وتدبيرا، أنشأ دولته على أنقاض الدولة الفاطمية بمصر وبايع فيها ~~للعباسيين، وحارب الصليبيين وردهم عن سوريا وأنقذ بيت المقدس من أيديهم، ومآثره ~~أشهر من أن تذكر. وارتفع شأن الأكراد في أيام دولته، وتولوا الإمارات والولايات في ~~مصر والشام وكردستان واليمن وخراسان، ولما مات اقتسم مملكته إخوته وأولاده وأولاد ~~إخوته؛ ولذلك لم يطل حكمها. فغلبهم على معظمها مماليكهم الأتراك، كما غلب الأتابكة ~~ملوكهم السلاجقة قبلهم، فكان للمماليك بمصر دولتان تعرفان بالسلاطين المماليك كما ~~سيجيء. # ومما يحسن التنبيه إليه في هذا المقام أن الإسلام قد أثر في أمم المشرق تأثيرا ~~خاصا وساقها إلى التمدن تدريجا، فتسابقت إلى إنشاء الدول وتأسيس الممالك باعتبار ~~أسبقيتها في الإسلام، وقربها من العالم الإسلامي. فأول من أسلم من تلك الأمم العرب ~~وأسسوا الدولة الإسلامية العربية، فاحتك بهم أولا الفرس وهم أقرب أمم المشرق إلى ~~جزيرة العرب فكانوا أسبق الأعاجم إلى إنشاء الدول. ثم جاء الأتراك من وراء بلاد ~~فارس، فلما انتشر الإسلام بينهم أسسوا الدول ونظموا الحكومات. ثم ظهر الأكراد وهم ~~أقرب من الأتراك إلى العالم الاسمي يومئذ، لكنهم تمدنوا بعدهم؛ لأن الأتراك أقرب ~~منهم إلى سياسة الدول. وامتد الإسلام في تركستان وما وراءها من بلاد التتر أو ~~المغول فنهض هؤلاء وأغاروا على بلاد الإسلام للنهب والقتل، لكنهم ما كادوا يحتكون ~~بالعالم الإسلامي حتى أخلدوا إلى النظام وأنشأوا الدول. ويقال نحو ذلك عن تأثير ~~الإسلام في المغرب، خصوصا قبائل البربر في شمالي أفريقيا كما تقدم. # | الخلافة والسلطة أو الدين والسياسة # لما ظهر الإسلام كان النبي رئيس المسلمين في أمور الدنيا والدين، وهو حاكمهم وقاضيهم ~~وصاحب شريعتهم وإمامهم وقائدهم. وكان إذا ولى ms0811 أحد أصحابه بعض الأطراف خوله السلطتين ~~السياسية والدينية، وأوصاه أن يحكم بالعدل وأن يعلم الناس القرآن. ولكنه ما لبث أن فصل ~~بين المنصبين فيمن كان يوليهم أمور الرعية، فبعث في السنة الثالثة للهجرة أبا زيد ~~الأنصاري وعمرو بن العاص ومعهما كتاب منه يدعو الناس إلى الإسلام، وقال لهما: «إن أجاب ~~القوم إلى شهادة الحق وأطاعوا الله ورسوله، فعمرو الأمير وأبو زيد على الصلاة وأخذ ~~الإسلام على الناس وتعليمهم القرآن والسنن». # على أن ذلك لم يكن قاعدة عامة؛ لأن الأمير كثيرا ما كان يتولى الخراج والحرب والصلاة ~~معا، كما تولاها يزيد بن المهلب في العراق من قبل سليمان بن عبد الملك # 1 # ويقال بالإجمال: إن مصالح الدولة الإسلامية بعد أن كانت محصورة في النبي # صلى الله عليه وسلم # سياسيا ودينيا تفرعت في أيام الخلفاء إلى عشرات من المناصب، إلا الخلافة ~~فإنها ما زالت حتى الآن (حوالي سنة 1910) تشمل الرياسة في أمور الدين والدنيا. # والخلافة في الأصل منصب ديني تولاه الخلفاء الراشدون؛ لإتمام العمل الذي بدأ به النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وهو نشر الإسلام والجهاد في سبيله، وكانوا يتولون أمور المسلمين السياسية ~~أيضا لما يقتضيه الجهاد من الحرب وأسبابها، كإدارة الجند وتنظيمه لحماية البلاد، ويدخل ~~في ذلك ولاية الأعمال وجباية الخراج. على أنهم كانوا يفعلون ذلك بصفة دينية، أي: أن كل ~~ما يعملونه فإلى الدين ينتهي الغرض منه، فكانوا يجندون الرجال ويفتحون البلاد في سبيل ~~الدين. فلما انتشر الإسلام وتوطدت دعائمه وذهبت الحاجة إلى الجهاد، جاز للرياسة الدينية ~~أن تستقل عن السيادة السياسية، أو تنقسم الرياسة إلى الخلافة والسلطة، كما حدث في ~~النصرانية وغيرها. # ولكن الارتباط بين الدين والسياسة في الإسلام يختلف عما في النصرانية؛ لأن النصرانية ~~انتشرت أولا في عامة الناس ثم انتقلت إلى رجال الدولة. وأما الإسلام فإنه ظهر أولا في ~~رجال الدولة، وانتقل منهم إلى العامة؛ لأن أقدم أهل الإسلام الصحابة وهم جند المسلمين ~~وأمراؤهم، نشروا الإسلام في الأرض وجاهدوا في سبيل نصرته بأنفسهم. فلما تأيد الدين ~~وقامت ms0812 دولة المسلمين ورغب الأمراء في السلطة الدنيوية، كان منصب الخلافة من أكبر أسباب ~~تغلبهم، لتأثير الدين على أذهان الناس في تلك الأيام، فقد كانوا لا يجتمعون إلا تحت ~~رايته وخصوصا في الشرق، ولا يزالون على ذلك حتى الآن. # على أن أهل التقوى من المسلمين كانوا يجعلون حدا فاصلا بين الخلافة والسلطة، فلما ~~طلب معاوية السيادة كما يطلبها أهل المطامع بالدهاء والقوة، خالفوه وأبوا مبابعته، فلما ~~قتل علي وتنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، لم ير المسلمون بدا من مبايعته على الطاعة ~~كما يبايعون الملوك، لكنهم استنكفوا من أن يسموه «خليفة» أو يعترفوا له بسلطة دينية ~~فسموه «ملكا»، وهو يأبى إلا أن يجمع الرياستين لعلمه أن الرياسة الدنيوية وحدها لا ~~تفيد شيئا - ذكروا أن سعد بن أبي وقاص دخل على معاوية بعد أن استقر الأمر له وقال: ~~«السلام عليك أيها الملك» فضحك معاوية وقال: «ما عليك لو قلت: يا أمير المؤمنين؟». ~~فقال: «تقولها جذلان ضاحكا؟ والله ما أحب أني وليتها بما وليتها به». # فيظهر من ذلك أنهم كانوا ينزهون الخلافة عن السياسة والدهاء، ويعتقدون أن بني أمية ~~نقلوا الإسلام من الدين إلى العصبية والسيف ثم إلى الملك البحت. ~~(1) الخلافة لأزمة للسلطة المطلقة # وفي اعتقادنا أن الحكم المطلق لا يتأيد ويتسع نطاقه ويطول مكثه إلا بالدين أو ما ~~يقوم مقامه. فما من دولة مطلقة طال حكمها واتسعت مملكتها إلا وفي سلطتها صبغة دينية ~~تحميها من طمع الطامعين، بأن تجعل لملوكها مزية على سائر الناس. وإذا أريد فصل ~~الدين عن السياسة فلا بد من تقييد الحكومة بالشورى، وهي أفضل الحكومات وأطولها ~~عمرا، وإلا فإنها تنحل سريعا، ويكفي لانحلالها أن يتولى شؤونها ملك قليل التدبير ~~ناقص الاختيار فيغتصب ملكه بعض وزرائه أو قواده. وإذا تدبرت تاريخ الدول الإسلامية ~~رأيت للسلطة الدينية تأثيرا كبيرا في طول بقائها واتساع نطاقها - اعتبر ذلك في ~~الدول التي نشأت في أثناء التمدن الإسلامي من الفرس والترك والكرد والجركس، ~~كالبويهيين والسلاجقة والأيوبيين وغيرهم من الدول الضخمة، فإن بين ملوكها جماعة من ms0813 ~~دهاة الرجال وقهارمة السياسة، ولم تطل أعمارها رغم استقوائها بالخلافة العباسية. ~~وانظر إلى الدول العربية التي جمعت بين الخلافة والسلطة، كالعباسيين والفاطميين ~~والأمويين في الأندلس، مع ما طرأ عليها من أسباب السقوط، فقد صبرت وطال جهادها. ~~وإذا نظرت إلى الدول الأعجمية رأيت أطولها عمرا وأوسعها ملكا الدولة التي جمعت ~~بين السلطتين وهي الدولة العثمانية. وبنو أمية في الشام لو لم يتخذوا لقب الخلافة ~~ويقبضوا على أزمة الرياسة الدينية ما استطاعوا إلى الحكم سبيلا، فإنهم إنما حكموا ~~الناس وأيدوا سلطتهم بما في الخلافة من الصبغة الدينية، وتوفقوا إلى أعوان عرفوا أن ~~العامة لا تحكم بمثل الدين، فجعلوا همهم تعظيم الخلافة حتى جعلوها فوق النبوة، ~~وسموا الخليفة «خليفة الله» وقالوا: «خليفة الرجل في أهله أفضل من رسوله في حاجته». ~~كما تقدم - والعلماء ينكرون ذلك ولا يصدقونه، وأما العامة فكانوا يساقون إلى الطاعة ~~بالإرهاب، رغم ما كان يعتور صحة خلافة بني أمية من الشكوك. # فلما أفضت الخلافة إلى بني العباس، وهم من بني هاشم ومن أولى الناس بالخلافة، كان ~~المسلمون أطوع لهم مما لبني أمية، واعتقدوا أن خلافتهم تبقى أبد الدهر حتى يأتي ~~السيد المسيح # 2 # وغرس في أذهان الناس بتوالي الأزمات أن الخليفة العباسي إذا قتل اختل ~~نظام العالم، واحتجبت الشمس وامتنع القطر وجف النبات. # 3 # وكان الخلفاء لا يأنفون من ذلك التفخيم، حتى الرشيد مع تعقله وانتشار العلم في ~~عصره، فقد ذكروا أنه كان يحتمل أن يمدح بما يمدح به الأنبياء، فلا ينكر ذلك ولا ~~يرده، حتى قال فيه بعض الشعراء: «فكأنه بعد الرسول رسول» # 4 # فكيف يكون حال الخلفاء في عصر الاضمحلال، إذ يقوم الوهم مقام الحقيقة ~~ويكثر المتزلفون والمتملقون ويكتفي أولو الأمر بالكلام دون الأعمال؟ # وإذا شاخت الدولة تمسك أهلها بالعرض وتركوا الجوهر، فلا غرو إذا سموا الخليفة في ~~أيام المتوكل «ظل الله الممدود بينه وبين خلقه»، # 5 # أو قالوا قول ابن هانئ للمعز الفاطمي: # ما شئت لا ما شاءت الأقدار # فاحكم فأنت الواحد القهار # 6 ~~(1-1) الخلفاء والفقهاء ms0814 # ويدل ذلك على ما كان للخلافة من المنزلة المقدسة عند عامة الناس، والأصل في ~~هذا التقديس إنما هو الدين، وتعظيم الخلافة فرع منه؛ ولذلك كان بين الخلفاء ~~الأوليين وعلماء الدين الإسلامي، كالحفاظ والمحدثين والفقهاء، علاقة متبادلة ~~وكل منهم يتقوى بالآخر - ومعنى ذلك أن الخليفة هو صاحب السيادة الدينية والسلطة ~~الدنيوية، فهو أمير الناس في السلم، وقائدهم في الحرب، وإمامهم في الصلاة، ~~وهو قاضيهم وفقيههم كما كان النبي # صلى الله عليه وسلم # في أول الإسلام. فلما اتسعت الفتوح ~~ومست الحاجة إلى تقسيم الأعمال بمقتضى سنة العمران، عمد الخليفة إلى إنابة من ~~يتولى تلك الأعمال عنه. فالوالي إنما هو نائب الخليفة في العمل الذي يتولاه، ~~والقاضي نائبه في القضاء، وقائد الجند يتولى قيادته بالنيابة عن الخليفة. وقس ~~على ذلك سائر المناصب الإدارية والسياسية والقضائية، وكذلك في المهن الدينية، ~~فالقراء والمفسرون والمحدثون والفقهاء يتولون أعماله بالنيابة عن الخليفة. فكما ~~يحتاج الخليفة إلى نصرة العمال والقواد والقضاة في تأييد سلطته الدنيوية، فهو ~~يفتقر أيضا إلى نصرة الفقهاء والعلماء لتأييد سيادته الدينية؛ ولذلك رأيت ~~الخلفاء يقربون أهل العلم ولا سيما في أوائل الإسلام (وهم يومئذ الحفاظ أو ~~القراء)، وكان إليهم المرجع في حل المشكلات الدينية أو القضائية أو الفقهية، ~~وهي أساس الأحكام السياسية في الدولة الإسلامية؛ ونظرا لتمسك العامة بالدين ~~على الإجمال كان للفقهاء تأثير شديد في الدولة، فلا قطع الناس بأمر هام إلا ~~باستفتائهم حتى في تنصيب الخلفاء، فإذا أنكر الفقهاء بيعة أحدهم أنكرها الناس؛ ~~ولذلك كان الخلفاء يجلون العلماء ويقربونهم ويعولون على مشورتهم في عصر ~~الراشدين والدولة على سذاجتها لم يلابسها غش ولا دهاء، فإذا نهوا الخليفة أو ~~الأمير عن عمل انتهى وأخذ بنصيحتهم. # فلما طمع بنو أمية في الخلافة والتمسوها من طريق الدهاء والبطش، كان في جملة ~~ما أهملوه من قواعد الراشدين الأخذ بأقوال أهل العلم؛ لأنهم لو أطاعوهم ما تيسر ~~لهم الملك. فقاسى العلماء في أوائل دولة الأمويين عذابا شديدا من المقاومة ~~والضغط، فاضطر بعضهم للإفتاء بما يرضي أهل الدولة وأبى ms0815 البعض الآخر إلا الحق، ~~فاضطهدوهم وضيقوا عليهم - بدءوا بذلك من أيام عثمان والعمال يومئذ من بني أمية، ~~وقد أخذوا يمهدون السبيل لسلطانهم بجمع الأموال والاستئثار بالنفوذ. وفي حكاية ~~أبي ذر الغفاري مع معاوية بن أبي سفيان دليل ناطق على ما كان من جرأة أهل العلم ~~على الخلفاء وإنكار الأمويين ذلك. وقد فصلناها في الجزء الثاني من هذا ~~الكتاب. # فلما استتب الأمر لبني أمية حبست الأفكار وتقيدت الألسنة، ولم يتقدم من ~~العلماء في مناصب الدولة إلا المتملقون. وبعد أن كان الخليفة لا يعمل عملا إلا ~~بمشورة فقهاء المدينة، أغفل بنو أمية المدينة وفقهاءها إلا عمر بن عبد العزيز، ~~فإنه عاد إلى مشورتهم. فظل الأحرار من الفقهاء في زوايا الإهمال معظم أيام بني ~~أمية. فلما تسلط العباسيون وأظهروا أنهم يريدون إحياء السنة وتقويم ما اعوج من ~~سبل الدين في عهد الأمويين، ظهر أهل الأفكار المستقلة من الفقهاء والعلماء ~~والزهاد، وقربهم الخلفاء وأكرموهم فعادوا إلى جرأتهم في خطاب من يأنسون منه ~~إصغاء، كما فعل ذلك الرجل بالمنصور وهو يطوف - وقد أشرنا إليها أيضا في الجزء ~~الثاني من هذا الكتاب - وكما فعل سفيان الثوري لما استدعاه الرشيد إلى بغداد ~~ليكرمه ويقربه، فكتب إليه سفيان كتابا قال فيه: «أما بعد، فإني كتبت إليك ~~أعلمك أني صرمت حبلك وقطعت ودك، وإنك قد جعلتني شاهدا عليك بإقرارك على نفسك ~~في كتابك أنك هجمت على بيت مال المسلمين، فأنفقته في غير حقه وأنفذته في غير ~~حكمه. ولم ترض بما فعلته وأنت ناء عن حتى كتبت إلي تشهدني على نفسك. فأما أنا ~~فإني قد شهدت عليك أنا وإخواني الذين حضروا كتابك وسنؤدي الشهادة غدا بين يدي ~~الله الحكم العدل. يا هرون! هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم ... هل رضي ~~بفعلك المؤلفة قلوبهم والعاملون عليها في أرض الله والمجاهدون في سبيل الله ~~وابن السبيل ...؟ أم رضي بذلك حملة القرآن وأهل العلم (يعني العاملين)؟ أم رضي ~~بفعلك الأيتام والأرامل، أم رضي بذلك خلق من رعيتك؟». # 7 # ودخل سفيان المذكور على ms0816 المهدي مرة ولم يسلم بالإمارة، فلم يغضب عليه المهدي ~~بل استعطفه # 8 # وكان أكثر الخلفاء الأولين من بني العباس إذا لقوا فقيها أو ~~زاهدا طلبوا إليه أن يعظهم، فإذا وعظهم بكوا حتى تخضل لحاهم. وأشهر المتعظين ~~من الخلفاء المنصور والرشيد والمعتصم والواثق، ولهم حكايات مشهورة. # فالفقهاء واسطة السيادة الدينية بين الخليفة والعامة، مثل توسط الأمراء ~~والقواد في تأييد السيادة الدنيوية، وقد يغني الفقهاء عن الواسطتين جميعا؛ لأن ~~عامة المسلمين ينقادون إلى فقهائهم ويستسلمون إليهم كما ينقاد عامة النصارى إلى ~~كهنتهم. فالخلفاء العباسيون كانوا يحتاجون إلى الفقهاء للاستعانة بهم على إخضاع ~~العامة وامتلاك قلوبهم، وكذلك كان يفعل السلاطين والأمراء لنفس هذا السبب أو ~~لسبب آخر. والنفع متبادل بين الفئتين؛ لأن الفقهاء كانوا يكتسبون بتقربهم من ~~الخلفاء مالا وجاها، ولكن ما يكتسبه الخلفاء منهم أعظم وأبقى. فرسخ احترام ~~الفقهاء في قلوب العامة وتمسكوا بهم وعظموهم باسم الدين. # وكان الخلفاء يذعنون للعامة باسم الدين أيضا. حتى إنهم كثيرا ما كانوا ~~يضطرون إلى مسايرة بعض الناس في بعض اعتقاداتهم الدينية، ولو كان ذلك الاعتقاد ~~مخالفا لما في نفوسهم أو مناقضا للواقع، كما فعل المهدي إذ جاءه رجل بنعل زعم ~~أنها نعل النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فقبلها المهدي منه وأجازه عليها مع اعتقاده كذبه، ~~وإنما خاف إن كذبه أن يحمل العامة قوله على الفتور في الدين. # 9 # ولم يكن للخلفاء بد من إظهار التقوى والقيام بالفروض الدينية؛ لئلا يفسد ~~عليهم العامة ويحتقروا سلطانهم ولو كان الخليفة لا يعتقد ذلك. ذكروا أن الوليد ~~بن يزيد الأموي مع اشتهاره بالخلاعة والتهتك، كان إذا حضرت الصلاة يطرح ما عليه ~~من الثياب المصبغة والمطيبة، ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ويؤتى بثياب بيض نظاف من ~~ثياب الخلافة، فيصلي فيها أحسن الصلاة بأحسن قراءة وأحسن سكوت وسكون وركوع ~~وسجود، فإذا فرغ عاد إلى تلك الثياب. # 10 ~~(1-2) الدول الإسلامية والخلافة # فلهذا السبب كان الأمراء الذين يستقلون عن الدولة العباسية بالإدارة والسياسة ~~لضعف الخليفة عن حربهم لا يستطيعون الاستقلال عنه بالدين، إذ ms0817 لا يستغنون عن ~~بيعته لتثبيت سلطانهم. فإذا أراد أحدهم الاستقلال بولاية أو فتح بلد أو إنشاء ~~إمارة لنفسه، بعث إلى الخليفة في بغداد يبايعه ويطلب منه أن يعطيه تقليدا أو ~~عهدا بولاية ذلك البلد، أو أن يلقبه ويخلع عليه، وإذا أبى الخليفة أن يجيبه ~~غضب وعد ذلك تحقيرا له، وقد يجرد عليه الجند ليكرهه على تثبيته. # فالإمارات أو الممالك التي استقلت عن الدولة العباسية، في فارس وخراسان ~~وتركستان وما بين النهرين والشام ومصر وبلاد المغرب وغيرها، قبل قيام الدولة ~~الفاطمية، كان أصحابها يخطبون لخليفة بغداد ويبعثون إليه بمال معين في العام، ~~مع أنهم في أمن من سطوته، وإنما يريدون أن يرضى العامة عن سلطانهم. # وكذلك كان شأن الأجناد الأتراك وأمرائهم، فقد كانوا مع استبدادهم بخلفاء ~~بغداد قتلا وخلعا لا يجسرون على استبقاء منصب الخلافة خاليا يوما واحدا، ~~لاعتقادهم أنه بدون الخليفة لا تستصلح العامة. حتى الملوك أو السلاطين الذين ~~تسلطوا على بغداد وقبضوا على كل شيء فيها وأصبح الخليفة آل في أيديهم، مثل آل ~~بويه وآل سلجوق، فقد كانوا يحاربون الخليفة ويجردون عليه الجيوش، حتى إذا ظفروا ~~به وغلبوه بايعوه وأكرموه ورفعوا مقامه وتبركوا به. فعضد الدولة البويهي ملك ~~بغداد واستبد بها، وهو شيعي على غير مذهب الخليفة. وكان يغالي في التشيع ويعتقد ~~أن العباسيين غصبوا الخلافة من مستحقيها، فلم يكن ثمة باعث ديني يدعوه إلى طاعة ~~خليفة بغداد، ومع ذلك فإنه بايعه وعظم شأنه، وأعاد من أمر الخلافة ما قد نسي، ~~وأمر بعمارة دار الخلافة والإكثار من الآلات، وعمارة ما يتعلق بالخليفة وبطانته ~~وأكرمه غاية الإكرام. # 11 # وكان الخلفاء من الجهة الأخرى يعرفون حاجة الأمراء المسلمين إلى رضاهم، فإذا ~~ساءهم أحد منهم هددوه بالخروج من بغداد، فيضطر إلى استرضائهم؛ لأن خروجهم بغضب العامة # 12 # ويجرئهم على خلع الطاعة، لتقديسهم شخص الخليفة وتنزيهه عن الخطأ - ~~ولذلك لم يكن من سبيل إلى نزع سلطته أو الاعتراض عليها إلا من وجه ديني، فكان ~~الذين يقومون على الخلفاء يجعلون سلاحهم الدين، فيلبسون الصوف ms0818 ويدعون إلى ~~المعروف أو يعلقون في أعناقهم المصاحف # 13 # أو نحو ذلك مما يحرك عواطف العامة. وإذا أراد أحد الخلفاء أن يصلح ~~ما بينه وبين العامة أصلحه بالتقوى. فلما ضمن الفضل بن سهل الخلافة للمأمون ~~أوصاه بإظهار الورع والدين؛ ليستميل القواد # 14 # ولما رأى أبو مسلم الخراساني أهل اليمن في مكة قال: «أي جند هؤلاء ~~لو لقيهم رجل ظريف اللسان غزير الدمعة» يريد تحريك عواطفهم الدينية بالوعظ ~~والبكاء. فلم يكن للممالك الإسلامية بد من خليفة تبايعه ليثبت ملكها. وقد يستاء ~~بعض الأمراء المستقلين من خليفة بغداد فيكظم ولا يخلع بيعته إلا إذا رأى خليفة ~~آخر يبايعه. فلما قامت الدولة الفاطمية بالمغرب ومصر خلعت كثير من البلاد بيعة ~~خليفة بغداد وبايعت للفاطميين في القاهرة. ولما تغلب السلطان صلاح الدين ~~الأيوبي على مصر، وذهبت الدولة الفاطمية منها، فأول شيء فعله أنه خطب بجامع ~~القاهرة للخليفة العباسي في بغداد، وطلب المنشور منه والخلع عليه. وكانت ~~الخلافة العباسية في غاية الاضمحلال والضعف، وهو في غنى عن بيعتها، ولكنه علم ~~أنه إذا لم يبايع الخليفة فلا يرضى عنه الناس. # وكذلك فعل السلاطين المماليك الذين ملكوا مصر بعد الدولة الأيوبية، فإنهم ~~بايعوا للعباسيين وكانت الخلع تأتيهم من بغداد إلى القاهرة بتثبيت سلطتهم. فلما ~~سطا التتر على بغداد وفتحوها سنة 656ه، وقتلوا الخليفة العباسي المستعصم بالله ~~توقف شأن الخلافة، فاضطربت أحوال مصر وبذل سلاطينها جهدهم في إيجاد خليفة يبايعونه، # 15 # ولو أعوزهم خليفة ولم يجدوه ربما اختلقوا واحدا ليحكموا العامة به # 16 # على أنهم ما زالوا يبحثون عن بقية الخلفاء العباسيين الذين كانوا ~~في بغداد، حتى ظفروا بالهاربين منهم فاستقدموهم إلى القاهرة، وفرضوا لهم ~~الرواتب واحتفلوا بها احتفالا عظيما، وبالغوا في احترامهم وإكرامهم # 17 # مع علمهم أن أولئك الخلفاء لا يغنون عنهم شيئا، ولكنهم خافوا ~~اختلال دولتهم بدونهم. وظل ملوك الهند وغيرهم من ملوك الإسلام بالأطراف البعيدة ~~يبايعون للخليفة العباسي بالقاهرة، ويطلبون التقليد منه أو المنشور لإثبات ~~سلطتهم على يد السلاطين المماليك، # 18 # فما الذي بعث أولئك ms0819 الملوك على طلب التقليد من خليفة لا ينفع ولا ~~يشفع لولا ما يتوقعونه من أثر ذلك في أذهان العامة؟ ولا ننكر أن بعضهم كان يطلب ~~بيعة الخليفة تدينا، ولكن الكثيرين كانوا يطلبونها لاستصلاح العامة بها. ~~(1-3) الخلافة في غير قريش # ومما يستحق النظر والاعتبار أن ملوك المسلمين غير العرب، على اختلاف مواطنهم ~~وأجناسهم ولغاتهم ودولهم، من الفرس والأتراك والأكراد والبربر والجركس وغيرهم، ~~مع ما بلغوا إليه من سعة الملك وعز السلطان، ومع حاجتهم إلى السيادة الدينية ~~لتستقيم دولتهم وتجتمع الرعية على طاعتهم، لم يخطر لأحد منهم أن يطلب الخلافة ~~لنفسه قبل انتقال الإسلام إلى طوره الثاني، بعد تضعضعه بفتوح المغول، ولا ~~ادعاها أحد من العرب غير قريش. وأول سلطان غير عربي بويع بالخلافة السلطان سليم ~~العثماني. # على أن الذين قويت شوكتهم في عهد ذلك التمدن، من الأمراء المسلمين أو القواد ~~غير العرب، كانوا إذا طمعوا في السيادة الدينية أو الخلافة انتحلوا لأنفسهم ~~نسبا في قريش، كما فعل أبو مسلم الخراساني لما رأى من نفسه القوة على إنشاء ~~الدولة ، وربما طمع في الخلافة فانتحل لنفسه نسبا في بني العباس، فقال: إنه ابن ~~سليط بن عبد الله بن عباس. # 19 # وأما الملوك أو السلاطين الأعاجم فلما ضخمت دولهم في أواخر العصر العباسي، ~~ورأوا اضمحلال الخلافة وتقهقرها تمنوا الاستغناء عنها، ولكنهم لم يروا سبيلا ~~إلى ذلك إلا أن يستبدلوها بخلافة أخرى. على أن بعضهم طمع في النفوذ الديني من ~~طريق الانتساب إلى الخليفة بالمصاهرة. وأول من فعل ذلك عضد الدولة بن بويه ~~المتوفى سنة 372ه، فإنه حمل الطائع لله الخليفة العباسي في أيامه أن يتزوج ~~بابنته، وغرضه من ذلك أن تلد ابنته ولدا ذكرا فيجعله ولي عهده، فتكون الخلافة ~~في ولد لهم فيه نسب # 20 # ولم يوفق إلى مراده. # ولما أفضت السلطة إلى السلاجقة، تقدموا في هذا الطريق خطوة أخرى، فعمدوا إلى ~~التقرب بالمصاهرة أيضا، ولكن على أن يتزوج السلطان طغرل بك السلجوقي ابنة ~~الخليفة، وهو يومئذ القائم بأمر الله، فخطبها إليه ووسط ms0820 قاضي الري في ذلك، ~~فانزعج الخليفة لهذا الطلب أيما انزعاج، إذ لم يسبق أن يتزوج بنات الخلفاء إلا ~~أكفاؤهم بالنسب. وكانت يد السلطان قوية والخليفة لا شيء في يده، فأخذ في ~~استعطافه؛ ليعفيه من إجابة طلبه، فأبى السلطان إلا أن يجاب. وحدثت أمور يطول ~~شرحها خيف منها على الدولة، فاضطر الخليفة إلى القبول - فعقد له عليها سنة ~~454ه، وهذا ما لم يجر مثله قبله؛ لأن آل بويه لم يطمعوا في ذلك ولا تجاسروا على ~~طلبه مع مخالفتهم للخليفة في المذهب # 21 # إذ يكفي من الخليفة تنازلا أن يتزوج بنات الملوك لا أن يزوجهم ~~بناته، ولم ينل هذا الشرف أحد قبل طغرك بك. ومع ذلك فإنه لما دخل إلى عروسه في ~~السنة التالية، قبل الأرض بين يديها وهي جالسه على سرير ملبس بالذهب، فلم تكشف ~~الخمار عن وجهها ولا قامت له، وظل أياما يحضر على هذه الصورة وينصرف. على أنه ~~لم يوفق لإتمام ما أراده؛ لأنه توفي في تلك السنة. أما المبايعة بالخلافة لغير ~~العرب فلم تنلها دولة إسلامية قبل العثمانيين، فلما فتح السلطان سليم مصر وجد ~~فيها آخر الخلفاء العباسيين الذين كان السلاطين المماليك قد استقدموهم، فتنازل ~~له عن الخلافة سنة 923ه. # | العصر العربي الثاني # | الإمارات العربية والعنصر العربي # نريد بالعصر العربي الثاني العصر الذي جدد فيه العرب سطوتهم، وأعادوا سلطانهم ونفوذهم ~~في الدولة، بعد أن غلب الفرس على أمورهم واستبدوا بهم. فقد رأيت أن شوكة العرب ضعفت ~~بذهاب الدولة الأموية، وتغلب الفرس في الدولة العباسية، حتى غلب الأمين فانكسرت تلك ~~الشوكة وتضعضع شأن العرب، ثم جاء المعتصم فقطع أعطيتهم ومنعهم من مصالح الدولة، فذلوا ~~ونقموا على العباسيين ولبثوا يترقبون الفرص لاسترجاع سلطانهم، وأصبحوا ينصرون كل من ~~يخرج على تلك الدولة في العراق أو الشام أو مصر، حتى الأكراد والأعراب والقرامطة، فلم ~~ينفعهم ذلك إلا قليلا لتغلب الأتراك في مصالح الحكومة. # على أن بعض القبائل العربية تمكنت بأسباب مختلفة من إنشاء إمارات صغيرة فيما بين ~~النهرين والشام تحت رعاية العباسيين، ms0821 وقد ساعدهم على ذلك ما قام من الفتن والحروب بين ~~الخلفاء العباسيين ووزرائهم الفرس وأجنادهم الأتراك في القرن الرابع للهجرة، ورأوا ~~الفرس والترك يستقلون بولاياتهم فقلدوهم، فاستقل آل حمدان من بني تغلب بالموصل وحلب ~~وغيرهما من سنة 317-394ه، وكانت دولتهم عربية أحيوا بها معالم العرب وآدابهم وعرفت ~~بالدولة الحمدانية، أشهر أمرائها سيف الدولة، وقد اشتهر بما نظمه فيه أبو الطيب ~~المتنبي. # ونشأ في حلب في ذلك القرن أيضا دولة عربية أخرى اسمها المرداسية، نسبة إلى أسد ~~الدولة صالح بن مرداس من قبيلة بني كلاب من المضرية، فحكم في حلب هو وأولاده من سنة ~~414-472ه، وخلف الحمدانية بالموصل دولة بني عقيل من كعب من المضرية، فتولوها من سنة ~~386-489ه، وظهرتعلى أن هذه الدول قلما في أثناء ذلك دولة عربية رابعة عرفت بالمزيدية ~~نسبة إلى مزيد الشيباني من قبيلة أسد، وقد أنشأوا مدينة الحلة في العراق وحكموا من سنة ~~403-545ه. # وهناك دولتان أنشأهما رجال من العرب في العصر العباسي الأول وفي بلاد غير عربية، ~~فالأولى أن تعدا من الدول الأعجمية، وهما الدولة الدلفية التي أنشأها أبو دلف العجلي في ~~كردستان ، والعلوية التي أنشأها الحسن بن زيد في طبرستان، وإذا أضفنا إلى ما تقدم دولة ~~الأغالبة التي استقلت بالمغرب قبل سائر فروع الدولة العباسية، ودولة الأدراسة الآتي ~~ذكرها، بلغ عدد الدول العربية الصغرى في النهضة العربية الثانية ثماني دول، هذا بيانها ~~مع أسماء مؤسسيها ومدة حكم كل منها، ننشرها بحسب تاريخ تأسيسها: # الدولة # مقرها # مدة حكمها # مؤسسها ~~(1) الإدريسية # مراكش # 172-375ه # إدريس بن عبد الله ~~(2) الأغلبية # تونس وغيرها # 184-289 # إبراهيم بن الأغلب ~~(3) الدلفية # كردستان # 210-285 # أبو دلف العجلي ~~(4) العلوية # طبرستان # 250-316 # الحسن بن زيد ~~(5) الحمدانية # حلب والموصل # 317-394 # بنو حمدان ~~(6) المزيدية # الحلة # 403-545 # مزيد الشيباني ~~(7) العقيلية # الموصل # 386-489 # بنو عقيل ~~(8) المرداسية # حلب # 414-472 # صالح بن مرداس # غير الإمارات العربية الصغرى التي ظهرت في بلاد اليمن، كالزيادية في زبيد، واليعفورية ~~في صنعاء، وغيرهما. # على أن هذه الدول قلما أثرت في إحياء سطوة العنصر العربي أو ms0822 إرجاع شوكة العرب؛ لأنها ~~كانت تعترف بخلافة العباسيين وتبايع لهم، إلا العلوية والأدارسة. ولا حرج عليهم، فإن ~~الفرس والترك والديلم كانوا قد استبدوا بأكثر إمارات المملكة العباسية، ورسخ في أذهان ~~الناس أن الدولة العباسية باقية إلى رجوع المسيح، فبات الشرق كله تحت سيطرة العباسيين، ~~يخطب لهم ويضرب النقود باسمهم، فاتجهت آمال العرب نحو الغرب. # وكان الأمويون أصحاب العصبية العربية، وأكبر أعداء الفرس ومن جاورهم من الأعاجم، قد ~~أنشأوا دولة عربية في الأندلس من سنة 138ه سيأتي الكلام عليها. فالعرب الذين كانوا ~~يطمعون في إحياء العنصر العربي، ويكبرون ذهاب دولة العرب في ظل العباسيين، كانوا ينزحون ~~إلى الغرب فينزلون في الأندلس أو يقيمون في إفريقيا في ظل السيادة العربية بعيدين عن ~~سلطة الدولة العباسية. # وأكثر العرب نفورا من تلك الدولة وأشدهم بغضا لها شيعة العلويين، لا سيما بعد أن ~~قضى على آمالهم في الشرق بما توخاه العباسيون من التفرد بالخلافة هناك. وكان بعض أصحاب ~~هذه الدعوة قد فروا من وجه العباسيين نحو الغرب في أوائل دولتهم، فأنشأوا هناك دولة ~~علوية عرفت بالدولة الإدريسية، نسبة إلى إدريس بن عبد الله حكمت من سنة 172-375ه، ولم ~~يطمع أمراؤها في لقب الخلافة . # وبقي في الشرق جماعة من العلويين كانوا لا يزالون يؤملون الفوز بشيعتهم الموالي ~~الفرس، فلما رأوا العباسيين غلبوهم على ما في أيديهم بعد فتنة الأمين والمأمون واستبداد ~~رجال الأتراك في الدولة ومقاومتهم العنصرين الفارسي والعربي جميعا، يئسوا من نصرة ~~الموالي فنزح بعضهم إلى المغرب تدريجا، وظل البعض الآخر في المشرق يترصدون ضعفا يبدو ~~لهم من الدولة العباسية، فيغتنمون الفرصة للوثوب بها لا يبالون بمن يستنصرون أو على من ~~يعولون. فكانوا يقومون تارة بالفرس اوالخراسانيين، وطورا بالأكراد أو الديلم أو غيرهم ~~من الأمم الناقمة على الأتراك، أو الفئات المظلومة من فساد الأحكام واستبداد الخدم، ولم ~~يفز أحد منهم بإنشاء دولة غير الحسن بن علي في طبرستان صاحب الدولة العلوية التي ~~ذكرناها، ولم يطل عمرها. وكثيرا ما كانت تلك الفئات المظلومة تنتحل الدعوة العلوية ms0823 ~~للوثوب على الدولة، كما فعل صاحب الزنج في العراق، فإن أقلق راحة الدولة العباسية ~~وأجنادها وعمالها بضعة عشر عاما، بما جمعه من أباق العبيد والزنوج الذين كانوا يكسحون ~~السباخ في ضواحي البصرة والكوفة، واستنهض سائر السودان فتركوا أسيادهم وقاموا معه فحارب ~~الدولة في وقائع كثيرة قتل فيها نحو 2500000، # 1 # وكانوا يفعلون ذلك باسم الدعوة العلوية وزعيمهم دعى اسمه علي بن محمد زعم ~~أنه من نسل الحسين، وانتهت تلك الثورة بقتل الدعي وتشتت رجاله. # على أن الشيعة العلوية لم يكن لها شأن يذكر، إلا بعد ظهور الدولة البويهية الشيعية في ~~الشرق، واستيلائها على بغداد واستبدادها بالخلافة، وكان الشيعة قد أنشأوا خلافة علوية ~~في بلاد المغرب، فاشتد أزرهم بذلك وحملوا على المشرق يلتمسون افتتاح المملكة العباسية، ~~فجاءوا مصر وفتحوها في أواسط القرن الرابع للهجرة وأقاموا فيها، وكانت دولتهم ضخمة عرفت ~~بالدولة الفاطمية وهي أكبر دول الشيعة، وسيأتي ذكرها. # وجاءت الدولة الفاطمية مزاحمة للدولة العباسية، وقد قام بنصرتها العرب والبربر، ~~وهؤلاء ينتحلون لأنفسهم نسبا في العرب. وكانت الآمال متعلقة بإحياء العنصر العربي على ~~يدها كما كان في صدر الإسلام، فبايعها معظم العالم العربي يومئذ حتى في العراق وما بين ~~النهرين، فإن أهل الكوفة والموصل بايعوها مدة مع قربهم من بغداد عاصمة العلويين # 2 # على أنهم لم يستطيعوا إحياء ذلك العنصر، لذهاب دولة آل بويه من المشرق، ~~وظهور الدولة السلجوقية التركية هناك، وانتصارها للعباسيين وانتحالها مذهبها ودفاعها ~~عنها، فظلت الموازنة محفوظة بين الشرق والغرب: الأول سني والثاني شيعي. # فلما تغلب الأكراد على الدولة الفاطمية، وأخرجوا مصر من حوزتها على يد صلاح الدين ~~الأيوبي، أعادوا البيعة العباسية إليها سنة 567ه، وكان العنصر العربي قد ضعف بمصر قبل ~~انقضاء تلك الدولة بمن استبد بالأحكام من الأتراك والأرمن وغيرهم كما سيجيء، فعاد ~~العنصر العربي إلى الضياع، إلا إمارات صغيرة ظهرت في جزيرة العرب ولا يزال بعضها باقيا ~~إلى الآن (حوالي سنة 1910). # فالعصر العربي الثاني عبارة عن إحياء العنصر العربي في المغرب بعد انحلاله في المشرق، ~~وأكبر العوامل ms0824 في إحيائه الدولتان الأموية بالأندلس والفاطمية بمصر، وكان قيامهما نهضة ~~عربية لم يطل مكثها ولا كان لها تأثير يذكر، ولم يقم للعرب قائمة في الدولة الإسلامية ~~من ذلك الحين - إلا ما أبدته بعض القبائل من النهوض في بلاد العرب أو غيرها بدعوة ~~سياسية أو دينية، كقيام الوهابية في نجد والدراويش في السودان. ولما عزم محمد علي مؤسس ~~العائلة الخديوية على إنشاء دولة إسلامية كبرى في أوائل القرن التاسع عشر، أراد أن ~~يستعين على إنشائها بعصبية إسلامية، وأقوى العصبيات بمصر يومئذ الترك والعرب، والعصبية ~~التركية للدولة العثمانية، فاختار عصبية العرب، فحامت الآمال حوله، وخصوصا بعد حربه ~~الوهابية واجتماعه بشريف مكة وغيره من رؤساء القبائل، فأحيا العنصر العربي، ونشط ~~العصبية العربية بما أنشأه من المدارس والمطابع ونشره من الكتب. فكان للعرب نهضة قلما ~~أفادته في غرضه السياسي، لما حال دون مطامعه من أغراض دول الإفرنج في المملكة ~~الإسلامية، ولكنها أفادت أهل الشرق من العرب فائدة أدبية علمية، بتمهيد السبيل للنهضة ~~التي نحن فيها الآن، أما ما تتناقله الجرائد من أخبار اليمن ونجد وتمرد بعض رؤساء ~~القبائل، فلا نتوقع له نتيجة تذكر، لأسباب عمرانية سياسية لا محل لها هنا. # فالنهضة العربية في العصر العربي الثاني الذي نحن في صدده قلما أثرت في إحياء العنصر ~~العربي. وقد تقلبت على كل من الدولتين الأموية في الأندلس والفاطمية بمصر أحوال مختلفة ~~في سياستها وشؤون حكومتها لا بأس من الإتيان على خلاصتها، وإن كانتا في الحقيقة مقلدتين ~~للدولة العباسية في أكثر أحوالهما. # | سياسة بني أمية في الأندلس # من سنة 138-422ه # اقتدت هذه الدولة في سياستها بالدولة العباسية، مثل سائر الدول التي عاصرتها أو نشأت ~~بعدها. فمؤسسها عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان كان شديدا مثل جده ~~عبد الملك، نجا من مذبحة أهله من مجلس السفاح سنة 132ه وهرب من العراق يطلب بلاد المغرب ~~بمساعدة مولى له اسمه بدر، لم يدخر وسعا في إنقاذه وحمايته في أثناء ذلك الفرار، ~~والمسافة طويلة وأهل البلاد ms0825 ناقمون على الأمويين. فلما وصل به إلى المغرب سعى له في جمع ~~الأحزاب، فقطع مضيق جبل طارق إلى الأندلس، وفيها من موالي بني أمية نحو خمسمائة رجل، ~~فأخبرهم بقدوم مولاه وحرضهم على نصرته لاستبقاء هذه الدولة هناك، فنصروه وجمعوا كلمة ~~المضرية واليمنية - وجمعها صعب في ذلك العهد. فبعد حروب كثيرة مهدوا له الدولة ~~واستقدموه إليهم، فدخل الأندلس وتولى أمورها سنة 138ه (756م)؛ ولذلك سموه ~~الداخل. # وقد حكم عبد الرحمن أولا باسم الدولة العباسية، وخطب بها للمنصور نحو سنة، ولم يجسر ~~في بادئ الرأي على إنشاء خلافة أخرى مع وجود الخلافة العباسية؛ لأن النبي # صلى الله عليه وسلم # واحد ~~وخليفته واحد. وكان لعبد الرحمن ابن عم يقال له: عبد الملك بن عمير بن مروان، شديد ~~العصبية للأمويين واسع الأمل في إرجاع خلافتهم، وكانوا يسمونه شهاب آل مروان لشجاعته ~~وسرعة فتكه، وقد حارب في نصرة ابن عمه حروبا ثبتت له بها الدولة، فحرضه على قطع الخطبة ~~العباسية، ولما آنس منه ترددا صاح فيه: «اقطعها وإلا قتلت نفسي!» فقطعها ولكنه لم يجسر ~~أن يسمي نفسه خليفة، فكانوا يسمون أمويي الأندلس في أوائل دولتهم الأمراء، ثم سموهم ~~الخلفاء. # واتفق في أثناء ذلك أن المنصور العباسي أهان ملك بن أنس إمام المدينة، لما علمه من ~~إفتائه بخلع المنصور؛ لأنه كان قد بايع للعلويين، فاغتنم الأمويون نقمة مالك عليه ~~وقربوه منهم وأكرموه، فانتفع كل منهما بصاحبه. فالأمويون رأوا فيه إماما كبيرا ينصر ~~دعوتهم أو يؤيدها من حيث الدين، ويطعن في خلافة بني العباس. ورأى مالك في الأمويين ~~ملجأ كبيرا وتعزية لما ذاقه من شدة بني العباس. فشاع مذهب مالك في الأندلس من ذلك ~~الحين، وكانوا قبلا على مذهب الأوزاعي مثل أهل الشام. وقد نقلوا الفتوى إلى رأي مالك ~~في أيام الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل. # 1 # وكان عبد الرحمن هذا يقلد سياسة المنصور العباسي في تأييد دولته، وكانا متشابهين من ~~عدة أوجه: منها أن والدة كل منهما بربرية، وكان عبد الرحمن مثل المنصور من ms0826 حيث الشدة ~~والعزم وضبط الأمور. واتفقا في أن كلا منهما قتل ابن أخيه، فقتل المنصور ابن أخيه ~~السفاح، وقتل عبد الرحمن ابن أخيه المغيرة بن الوليد بن معاوية. # 2 # وقد اقتدى عبد الرحمن بالمنصور في سياسة الفتك والغدر لتأييد سلطانه بقتل ~~الذين ساعدوه على تأييده، فسخط على بدر مولاه لفرط دلاله عليه، ولم يرع حق خدمته وصدق ~~مناصحته، فأخذ ماله وسلبه نعمته ونفاه سنة 156ه إلى مكان بقي فيه إلى أن هلك، كما قتل ~~المنصور أبا مسلم الخراساني بعد بلائه في إنشاء دولته. # 3 # وقتل عبد الرحمن أيضا أبا الصباح بن يحيى رئيس العرب اليمانية، وكان قد ~~ساعده على القيام وله فضل عليه. # 4 # ففعل به مثل ما فعل بنو العباس بأبي سلمة وابن كثير وغيرهما. وقام اليمانية ~~رجال أبي الصباح يطلبون بثأره، فأوقع عبد الرحمن بهم وأكثر القتل فيهم، واستوحش من ~~العرب قاطبة وعلم أنهم يصحبونه على غل وحقد، فانحرف عنهم إلى اتخاذ المماليك ليتقوى بهم ~~على أعدائه، فبعث إلى كبراء مملكته يبتاع مواليهم، فاقتنى موالي الناس من كل ناحية، ~~واعتضد بالبربر فوجه إليهم في بر العدوة على شواطئ أفريقية واستوفدهم، فجاءه منهم ~~كثيرون فأكرم وفادتهم وأحسن إليهم وقربهم، فرغبوا في خدمته فاستكثر منهم ومن العبيد حتى ~~بلغ جنده من هؤلاء نحو 40000 رجل، غلب بهم على أهل الأندلس من العرب، فاستقامت مملكته ~~وتوطدت دعائمها، كما تأيدت الدولة العباسية بالخراسانيين. ~~(1) الصقالبة # ثم عمد الأمويون بعده إلى استخدام الخصيان الصقالبة، وهم غلمان كان النخاسون ~~يحملونهم من شمالي أوروبا يتجرون ببيعهم في أنحاء العالم، وكان الاتجار بهم رائجا. ~~والسبب في رواجه أن قبائل السلاف (الروسيين) نزلوا في أوائل أدوارهم شمالي البحر ~~الأسود ونهر الطونة، ثم أخذوا ينزحون غربا جنوبيا نحو أواسط أوروبا، وهم قبائل ~~عديدة عرفت بعدئذ بقبائل السلاف أو (السكلاف) والسرب والبوهيم والدلمات وغيرهم. ~~فاضطروا وهم نازحون أن يحاربوا الشعوب التي في طريقهم، كالسكسون والهون وغيرهم، ~~فتكاثر الأسرى من الجانبين. وكان من عادات أهل تلك العصور أن يبيعوا أسراهم بيع ms0827 ~~الرقيق، فتألفت لذلك جماعات كبيرة من التجار يحملون الأسرى، عن طريق فرنسا فأسبانيا ~~إلى أفريقيا ومنها إلى الشام ومصر، فلما وقعت هذه البلاد في أيدي المسلمين راجت تلك ~~التجارة. فكان التجار من الإفرنج وغيرهم يبتاعون الأسرى من السلاف والجرمان، من ~~جهات ألمانيا عند ضفاف الرين والألب وغيرهما إلى ضفاف الدانوب وشواطئ البحر الأسود ~~- ولا يزال أهل جورجيا والجركس إلى اليوم يبيعون أولادهم بيع السلع (إلى ما قبل ~~الحرب العالمية الأولى) - فإذا عاد التجار من تلك الرحلة ساقوا الأرقاء أمامهم سوق ~~الأغنام، وكلهم بيض البشرة على جانب عظيم من الجمال وفيهم الذكور والإناث، إلى أن ~~يحطوا رحالهم في فرنسا ومنها ينقلونهم إلى أسبانيا (الأندلس)، فكان المسلمون ~~يبتاعون الذكور للخدمة أو الحرب، والإناث للتسري. وغلب على أولئك الأرقاء انتسابهم ~~إلى الجنس الصقلي، وكانت كلمة «سلاف» تلفظ عندهم «سكلاف»، فعربها العرب «صقلب»، ~~ومنها «صقلبي وصقالبة»، وأصبح هذا اللفظ عندهم يستعمل للرقيق الأبيض على ~~الإجمال. # على أن عبد الرحمن الداخل قلما رغب في الصقالبة، وأول من استكثر منهم حفيده الحكم ~~بن هشام (180-206ه) فإنه استكثر من اقتناء المماليك وارتبط الخيول ببابه وتشبه ~~بالجبابرة. وهو أول من جند الجند المرتزقين بالأندلس، فجعل المماليك من المرتزقة ~~فبلغت عدتهم 5000 مملوك، وكانوا يسمونهم الخرس لعجمة ألسنتهم، ثم تدرج الأمويون في ~~استخدام الصقالبة، حتى تكاثروا في أيام عبد الرحمن الناصر (300-350ه)، وجعلهم ~~بطانته وجنده كما فعل المعتصم العباسي بالأتراك قبله. واستقل بنو أمية بمملكتهم هذه ~~في أوروبا عن سائر ممالك الإسلام في آسيا وأفريقيا، ولم يكونوا يطمعون في التغلب ~~على الممالك الأخرى، فقطعوا علاقاتهم معها ومنعوا أهل دولتهم من الحج إلى الحرمين # 5 # مخافة أن يقع أحد منهم في أيدي العباسيين، فلم يحج سائر أيامهم أحد من ~~أهل دولتهم، وما أبيح لهم الحج إلا بعد فراغ شأن الأموية ورجوع مملكة الأندلس إلى ~~ملوك الطوائف غير العرب. ~~(2) ملوك الطوائف بالأندلس # وبلغت الأندلس إبان مجدها في أيام عبد الرحمن الناصر المتوفى سنة 350ه، وكان ~~عاقلا كريما توفرت الثروة في خلافته، ms0828 وكانت أيامه مثل أيام هرون الرشيد في بغداد ~~من حيث الرغد والرخاء. وخلفه ابنه الحكم المستنصر، وكان محبا للعلم والعلماء مثل ~~المأمون بن الرشيد، وبلغت مملكة الأندلس في أيام هذين الخليفتين إلى أوج مجدها سطوة ~~وأبهة وثروة، وأخذ شأن الخلافة بعدهما في الاضمحلال، فاستبد أهل الدولة وجندها ~~بالأحكام، وهم موالي الأمويين من البربر والصقالبة، كما استبد الفرس والأتراك في ~~الدولة العباسية. # وكان العرب في مقدمة رجال الدولة وأهل العصبية، ولهم المقام الرفيع والكلمة ~~النافذة؛ لأن الأمويين أهل عصبية للعرب كما تقدم، فلما استبد الصقالبة والبربر ~~بالمناصب والأعمال أخذت شوكة العرب في الضعف تدريجيا، حتى غلب ابن أبي عامر وزير ~~الحكم بن الناصر على أمور الدولة في أيام هشام بن الحكم في أواخر القرن الرابع ~~للهجرة، ومكر بأهل الدولة وضرب بين رجالها وقتل بعضا ببعض، ومنع الوزراء من الوصول ~~إلى الخليفة، وهو عربي الأصل من اليمنية، فأصبح يخاف الجند على نفسه، فعمل على ~~تفريق جموعهم فبدأ بالصقالبة الخدم بالقصر فنكبهم بدسيسة وأخرجهم من القصر، ثم فتك ~~بالجند الصقالبة وآخر رجال العرب وأسقطهم عن مراتبهم، واستقدم إليه رجالا من ~~برابرة أفريقية وزناتة وقدمهم واستعان بهم. فانكسرت شوكة العرب في الأندلس من ذلك ~~الحين. # وما زالت الدولة هناك آخذة في الانحلال حتى اقتسمها الولاة البربر وغيرهم، بأسرع ~~مما حدث في الدولة العباسية، لضعف اعتقاد المسلمين بصحة خلافة بني أمية؛ ولأن ~~العباسيين أرسخ قدما في الخلافة لقرابتهم من النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فانقسمت مملكة ~~الأندلس في أوائل القرن الخامس للهجرة إلى إمارات تولاها أصحاب الأطراف والرؤساء، ~~وفيهم العرب والبربر والموالي، فتغلب كل إنسان على ما في يده، فصاروا دولا صغيرة ~~متفرقة؛ ولذلك سموا ملوك الطوائف. وهاك أشهرهم مع أسماء إماراتهم: # اسم الدولة # اسم المملكة # مدة الحكم # بنو حمود # مالقة والجزيرة # 407-449ه # بنو عباد # إشبيلية # 414-484ه # بنو زيري # غرناطة # 403-483ه # بنو جهور # قرطبة # 422-461ه # بنو ذي النون # طليطلة # 427-478ه # العامريون # بلنسية # 412-478ه # بنو هود التجيبيون # سرقسطة # 410-536ه # ولم تطل سيادة هذه الدول كما رأيت، ms0829 فغلبت عليهم دولة المرابطين ثم الموحدين، وظل ~~الانقسام متتابعا بين تلك الممالك، والخصام متواليا والإفرنج يغتنمون ضعفهم ~~وانقسامهم، ويسترجعون إماراتهم واحدة بعد واحدة وبلدا بعد بلد، حتى غلبوا على ~~المسلمين وأخرجوهم من الأندلس. وآخر مدينة افتتحها الإفرنج من تلك المملكة غرناطة، ~~وكانت في حوزة بني نصر نسبة إلى يوسف بن نصر من سنة 629ه، توالى عليها منهم بضعة ~~وعشرون ملكا، آخرهم أبو عبد الله محمد بن علي، فاستخرجها الإفرنج من يده سنة 897ه، ~~وفر أبو عبد الله، وكان ذلك آخر عهد المسلمين بالأندلس. # | الدولة الفاطمية # من سنة 297-567ه ~~(1) الشيعة في المغرب # قد علمت حال الشيعة في أيام بني أمية بالشام وما قاسوه من القتل والصلب، ثم ما ~~كان من حالهم في الدولة العباسية، وخصوصا في أيام المنصور والرشيد والمتوكل، من ~~الاضطهاد والقتل، فحملهم ذلك على الفرار إلى أطراف المملكة الإسلامية، فهاموا على ~~وجوههم شرقا وغربا كما تقدم. وكان فيمن جاء منهم نحو الغرب إدريس بن عبد الله بن ~~الحسن المثنى، أخو محمد بن عبد الله الذي بايعه المنصور ثم نكث بيعته. فأتى إدريس ~~مصر وهي يومئذ في حوزة العباسيين، فاستخفى في مكان أتاه إليه بعض الشيعة سرا، ~~ومنهم صاحب البريد فحمله إلى المغرب في أيام الرشيد، فتلقاه الشيعة هناك وبايعوه، ~~فأنشأ دولة في مراكش عرفت بالدولة الإدريسية من سنة 172-375ه، على أن هؤلاء لم ~~يسموا أنفسهم خلفاء . # أما ظهور الشيعة وتغلبهم وارتفاع شأنهم حقيقة فالفضل فيه للدولة الفاطمية، نسبة ~~إلى فاطمة بنت النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ لأن أصحابها ينتسبون إليها، وتسمى أيضا الدولة ~~العبيدية نسبة إلى مؤسسها عبيد الله المهدي. وكان شأن الشيعة قد بدأ بالظهور في ~~المشرق على يد بني بويه في أواسط القرن الرابع للهجرة. # ولما تغلب البويهيون على بغداد كانت الدولة الفاطمية قد اشتد ساعدها في المغرب ~~وهمت بفتح مصر. وكان آل بويه يغالون في التشيع، ويعتقدون أن العباسيين قد غصبوا ~~الخلافة من مستحقيها، فأشار بعضهم على معز الدولة البويهي أن ينقل الخلافة إلى ~~العبيديين أو ms0830 لغيرهم من العلويين، فاعترض عليه بعض خاصته قائلا: «ليس هذا برأي. ~~فإنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة، لو أمرتهم بقتله ~~لقتلوه مستحلين دمه، ومتى أجست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك ~~صحة خلافته، فلو أمرهم بقتلك لقتلوك، فرجع معز الدولة عن عزمه». # 1 # على أن الشيعة اعتزت في الشرق بهذه الدولة، وأحيا البويهيون كثيرا من الاحتفالات ~~الدينية الشيعية، ومنها عاشوراء تذكار مقتل الحسين # 2 # وحملوا الخليفة على أن يخطب لعضد الدولة في بغداد، أي: أن يذكر اسمه في ~~الخطبة. فخطب له وهو أول من خطب له فيها. فوقع التحاسد بين الأتراك والديلم هناك، ~~ونشأت الفتن بين السنة والشيعة من ذلك الحين، والترك يمثلون السنة والديلم أو الفرس ~~يمثلون الشيعة. فحمل الأتراك أهل بغداد على الاحتفال ببعض الأعياد عكس احتفال الشيعة # 3 # نكاية بهم. ~~(2) الشيعة في مصر # على أن ظهور الشيعة في الشرق هون على الدولة العبيدية فتح مصر والانتقال إليها، ~~وكانت قصبتها قبلا مدينة المهدية بإفريقية وخلفاؤها ينتسبون إلى الحسين بن علي، ~~وللمؤرخين في انتسابهم إليه أقوال متناقضة، فالذين يتعصبون للعباسيين ينكرون ذلك ~~عليهم. ويغلب في اعتقادنا صحة انتسابهم إليه، وأن السبب في وقوع الشبهة طعن ~~العباسيين فيه تصغيرا لشأنهم. # 4 # والمصريون كانوا يحبون عليا من صدر الإسلام، وكانوا من حزبه يوم مقتل عثمان، ~~ولكن قلما كان لهم شأن في الشيعة العلوية ؛ لأن العلويين استنصروا أولا أهل العراق ~~وفارس كما تقدم. فلما قامت الدولة العباسية وتأثرهم المنصور بالقتل والحبس، وقتل ~~محمد بن عبد الله الحسني وبعض أهله وفر سائر العلويين من وجه الدولة العباسية، كان ~~في جملتهم علي بن محمد بن عبد الله، فجاء مصر بأمر دعوته بعض رجال الشيعة، لكنه ما ~~لبث أن حمل إلى المنصور واختفى. # 5 # وكان حال الشيعة العلوية بمصر يتقلب بين الشدة والرخاء، يتقلب أحوال الخلفاء في ~~بغداد، فإن تولى خليفة يكره العلويين ضيق على الشيعة واضطهدهم والعكس بالعكس، فلما ~~تولى المتوكل واضطهد الشيعة العلوية كتب ms0831 إلى عامله بمصر بإخراج آل أبي طالب إلى ~~العراق فأخرجهم سنة 236ه، ولما قدموا إلى العراق أرسلوهم إلى المدينة واستتر من بقي ~~في مصر على رأي العلوية؛ لأن عمال المتوكل كانوا يبالغون في إظهار الكره للشيعة ~~تزلفا للخليفة - يحكى أن رجلا من الجند اقترف ذنبا أوجب جلده. فأمر يزيد بن عبد ~~الله عامل مصر يومئذ بجلده، فأقسم الرجل عليه بحق الحسن والحسين إلا عفا عنه فزاده ~~تلاتين ضربة. ورفع صاحب البريد إلى المتوكل ذلك الخبر، فورد كتابه إلى العامل أن ~~يضرب الجندي المذكور مائة سوط فضربه، وتتبع يزيد المشار إليه آثار العلويين، فعلم ~~برجل منهم له دعاة وأنصار، فقبض عليه وأرسله إلى العراق مع أهله وضرب الذين ~~بايعوه. # ولما تولى المنتصر بن المتوكل سنة 247ه كتب إلى عامله بمصر أن لا يضمن علوي ضيعة ~~ولا يركب فرسا ولا يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطراف مصر، وأن يمنعوهم من اتخاذ ~~العبيد إلا العبد الواحد، وإذا كان بينهم وبين أحد الناس خصومة قبل قول خصمه فيه ~~بغير أن يطالب ببينة. فقاسى العلويون عذابا شديدا بسبب ذلك. # ولما استقل أحمد بن طولون بإمارة مصر سنة 254ه اضطهد الشيعة؛ لأنه تركي ولأنه على ~~رأي الخليفة العباس، فاقتص آثار العلويين وحاربهم مرارا. حتى إذا ضعف أمر بني ~~طولون بمصر واختلت أحوال الدولة العباسية في بغداد وتغلب آل بويه عليها في القرن ~~الرابع للهجرة أخذ حزب الشيعة ينتعش ويتقوى. فلما جاءهم جند المعز لدين الله ~~الفاطمي سنة 358ه بقيادة جوهر الصقلي كانت الأذهان متأهبة لقبول تلك الدعوة، ففتح ~~جوهر مصر على أهون سبيل، وخطب فيها للعلويين وأقام شعارهم وأزال شعار العباسيين، ~~وبنى مدينة القاهرة وانتقل إليها مولاه المعز لدين الله، وتوالى من دولة الفاطميين ~~بمصر عشرة خلفاء، وجملة خلفائهم منذ أنشأوا دولتهم في أفريقية إلى انقضائها بمصر 14 ~~خليفة حكموا من سنة 297-567ه، وانتقلت مصر منهم إلى الأكراد الأيوبيين. ~~(3) سياسة الدولة الفاطمية # إن الفاطميين من جملة الدول الإسلامية التي قلدت الدول العباسية في نظام حكومتها ms0832 ~~وسائر شؤونها. إلا ما يتعلق منها بالدين، فإنهم أيدوا كل ما يوافق مذهب الشيعة من ~~إيثار العلويين وتقديمهم والعمل بأقوال أئمتهم، فألف يعقوب بن كلس وزير العزيز ~~بالله الفاطمي كتابا يتضمن الفقه على ما سمعه من المعز لدين الله وابنه العزيز ~~بالله، وبوبه على أبواب الفقه فبلغ حجمه نصف حجم صحيح البخاري، وهو يشتمل على فقه ~~الطائفة الإسماعيلية. وقد بذلت الدولة الفاطمية جهدها في نشر هذا الفقه بين ~~المسلمين، حتى كان الوزير المشار إليه يجلس بنفسه لقراءة هذا الكتاب على الطلبة، ~~وبين يديه خواص الناس وعوامهم وسائر الفقهاء والقضاة والأدباء، وجعله مرجع القضاء ~~في الفتوى، وأفتى الناس به ودرسوه في الجامع العتيق (جامع عمرو)، وعمل الخلفاء على ~~ترغيب الناس في حفظه بالبذل والعطاء، فأجرى العزيز بالله على 35 رجلا من الفقهاء ~~يحضرون مجلس الوزير، ويلازمونه أرزاقا تكفيهم، فضلا عما كان يصلهم من مال العزيز ~~بالله في الصلات السنوية، وأمرهم ببناء دار إلى جانب الجامع الأزهر، وكان يخلع ~~عليهم في عيد الفطر ويحملهم على البغال ترغيبا لهم في نشر فقه الشيعة وتعاليمهم، ~~وأجلسوا أناسا في قصر الخلافة لقراءة علوم أهل البيت على الناس؛ لأنه بانتشار ذلك ~~المذهب تتأيد تلك الدولة، لارتباط السياسة بالدين كما قدمنا. وتعقبوا من يطالع غير ~~ذلك الكتاب وشددوا في عقابه، فاتفق أنهم عثروا على رجل وجدوا عنده كتاب الموطأ ~~لمالك، فضربوه وطافوا به في المدينة. وكان يعقوب الوزير المذكور يهوديا وأسلم، ~~وخدم الدولة الفاطمية خدمات جزيلة في تأييد دعوتهم كما رأيت، فلا عجب إذا عاده ~~العزيز في مرضه وقال له: «وددت لو أنك تباع فأبتاعك بملكي». # 6 # ومشى سائر الخلفاء الفاطميين على هذه الخطة في نشر مذهب الشيعة، فأنشأ العزيز ~~والحاكم دور الكتب للمطالعة والنسخ لنشر كتبهم، ولما تولى الخليفة ~~الظاهر سنة 411ه، أخرج من كان في مصر من الفقهاء ~~المالكية وغيرهم. وشددوا الأوامر على الناس أن يحفظوا كتاب «دعائم الإسلام»، ~~و«مختصر الوزير»، وجعلوا لمن حفظ ذلك مالا # 7 # ومن مقتضيات فقه الدولة الفاطمية في المواريث توريث ms0833 ذوي الأرحام، ~~فالبنت عندهم إذا انفردت استحقت المال بأجمعه # 8 # تأييدا لحقهم في وراثة الخلافة؛ لأنهم ينتسبون إلى فاطمة بنت النبي ~~وهي منفردة بالإرث. ~~(3-1) أدوار الدولة الفاطمية # مرت الدولة الفاطمية في ثلاثة أدوار تشبه الأدوار التي مرت بها الدولة ~~العباسية، فقد رأيت أن نفوذ الكلمة في الدولة العباسية كان في أوائلها مشتركا ~~بين العرب والفرس، ثم صار إلى الفرس ثم إلى الأتراك. والفاطميون عرب قامت ~~دولتهم بالعرب والبربر، فكان النفوذ في أولها مشتركا بين هذين العنصرين، ثم ~~صار إلى البربر ثم إلى الأتراك. # والبربر قوم أشداء، مساكنهم في شمال أفريقية، وقد نصروا الشيعة العلوية في ~~المغرب كما نصرها الفرس في المشرق، وهم قبائل شتى مثل قبائل العرب الرحل، وقد ~~قاسى المسلمون في إخضاعهم عذابا شديدا؛ لأنهم ارتدوا عن الإسلام اثنتي عشرة ~~مرة وثبوا فيها كلها على المسلمين، ولم يثبت إسلامهم إلا في أيام موسى بن نصير ~~في أواخر القرن الأول. ولما نقم الناس على بني أمية لتعصبهم على غير العرب كان ~~البربر في جملة الذين خرجوا عليهم وتطاولوا للفتك بهم. وقد سرهم ذهاب دولة ~~الأمويين، ولكن ساءهم انتقالها إلى الأندلس على مقربة منهم؛ لأنهم كانوا ~~يكرهونهم للعصبة فنصروا العلويين نكاية فيهم - إلا من اصطنعهم الأندلسيون ~~بالمال، وللبربر فضل كبير في نشر الإسلام في أواسط أفريقية، مثل فضل الأتراك في ~~نشره في أواسط آسيا، إلى الهند والصين؛ لأن البربر لما ثبت الإسلام فيهم نهضوا ~~لفتح ما وراء بلادهم في أفريقية الغربية فنشروا الإسلام هناك. # فلما قامت الدولة الفاطمية في المغرب كان البربر من أنصارها، لا سيما قبائل ~~كتامة وهوارة وهما من قبائل صنهاجة فأخذوا بيد الفاطميين منذ قيامهم على أيام ~~عبيد الله المهدي أول خلفائهم في أواخر القرن الثالث للهجرة. فلما تأيدت دولتهم ~~اتخذ خلفاء الفاطميين بطانتهم منهم وجعلوهم من أهل الدولة وأول من فعل ذلك أبو ~~عبد الله الشيعي، وظلوا كذلك في خلافة ابنه القائم بأمر الله «سنة 322ه»، ثم ~~المنصور بنصر الله «سنة 334ه» ثم المعز لدين الله ms0834 «سنة 341ه»، وساعدوهم في تملك ~~المغرب كله وإخراجه من البيعة العباسية. وفي أيام المعز لدين الله فتح ~~الفاطميون مصر وبنوا القاهرة ونقلوا دولتهم إليها. # فلما أفضت الخلافة إلى العزيز بالله بن المعز سنة 365ه، أراد التشبه ~~بالعباسيين فاصطنع الأتراك والديلم واستكثر منهم وقدمهم وجعلهم خاصته، كأنه خاف ~~على حياته من البربر. فقامت المنافسة بين البربر والأتراك وعظم التحاسد حتى ~~توفي العزيز بالله وخلفه الحاكم بأمر الله سنة 386، وكان يقدر فضل البربر، ~~فقدمهم وقربهم فاشترطوا أن يتولى أمورهم ابن عمار الكتامي (من البربر)، فولاه ~~الوساطة وهي كالوزارة عندهم. فاستبد في أمور الدولة وقدم البربر وأعطاهم وولاهم ~~وحط من قدر الغلمان الأتراك والديلم الذين اصطنعهم العزيز. فاجتمعوا إلى كبير ~~منهم اسمه برجوان وكان صقلبيا وقد تاقت نفسه إلى الولاية، فأغراهم بابن عمار ~~حتى وضعوا منه فاعتزل الوساطة وتولاها برجوان، فقدم الأتراك والديلم واستخدمهم ~~في القصر. ثم بدأ للحاكم أن يقتل ابن عمار فقتله وقتل كثيرا من رجال دولة أبيه ~~وجده، فتضعضع البربر وقوي الأتراك. # ولما مات الحاكم وخلفه ابنه الظاهر لإعزاز دين الله سنة 411ه أكثر من اللهو ~~والقصف ومال إلى الأتراك، والمشارقة، فانحط جانب البربر وما زال قدرهم يتناقص ~~حتى كاد يتلاشى. فلما ملك المستنصر سنة 427ه بعد الظاهر وكانت أمه أمة سوداء ~~استكثرت في جنود ابنها من العبيد أبناء جلدتها، حتى بلغوا ألف عبد أسود، وكان ~~هو يستكثر من الأتراك فأصبح الجند طائفتين كبيرتين تتنافسان وتتسابقان إلى ~~الاستئثار بالنفوذ، وآل التنافس إلى حرب شقيت بها مصر واضطر الخليفة إلى ~~استنصار رجال دولته في الشام، فأتاه أمير الجيوش بدر الجمالي من سوريا وهو ~~أرمني الأصل فقتل الكثير من أهل الدولة وأقام بمصر جندا من الأرمن، وصار من ~~حينئذ معظم الجيش منهم وذهب نفوذ البربر وصاروا من جملة الرعية، ولم يبق لهم ~~شأن في الدولة بعد أن كانوا وجوهها وأكابر أهلها. # 9 # وكان السلاجقة في أثناء ذلك قد غلبوا على العراق وفارس، وذهبت دولة آل بويه ~~وضعف أمر الشيعة هناك، وولى السلاجقة ms0835 مماليكهم وقوادهم (الأتابكة) على ~~الولايات، واستقل كل منهم بولايته كما تقدم، ومنهم نور الدين زنكي في الشام. ~~وكان في جملة قواد نور الدين جماعة من شجعان الأكراد، منهم نجم الدين أيوب ~~وأخوه أسد الدين شيركوه، وقد بلغا عنده منزلة رفيعة، وكانت خلافة مصر قد أفضت ~~سنة 555ه إلى العاضد بن يوسف، وكان ضعيف الرأي، وقد غلب وزراؤه على دولته ~~وتنافسوا على الاستئثار بالنفوذ، وطال تنافسهم حتى أخربوا البلاد والخليفة لا ~~يستطيع عملا. # وكان في جملة المنافسين وزير اسمه شاور، قد غلب على أمره فذهب إلى نور الدين ~~زنكي واستنجده على رجل آخر كان ينافسه في الوزارة وهو ضرغام، فاغتنم نور الدين ~~تلك الفرصة للاستيلاء على مصر، وأنجده بأسد الدين شيركوه في جند من المماليك، ~~فرد الوزارة إلى شاور وصار هذا يدفع ثلث خراج مصر إلى نور الدين. # وكانت الحروب الصليبية في تلك الأثناء قد احتدمت، فزاد تداخل نور الدين في ~~شؤون مصر ونائبه فيها شيركوه، ومعه ابن أخيه يوسف بن نجم الدين، وهو صلاح الدين ~~الأيوبي الشهير. ومات شيركوه بمصر سنة 564ه فخلفه صلاح الدين في منصب النيابة ~~وهي الوزارة. # وكان صلاح الدين من أهل المطامع الكبرى، فلما قبض على أزمة النيابة، وهي ~~كالوزارة، ورأى ضعف الخليفة أراد مصر لنفسه وليس لأميره نور الدين. فلما مات ~~العاضد آخر الخلفاء الفاطميين، خطب صلاح الدين بالقاهرة للخليفة العباسي ونقل ~~حكومة مصر من الشيعة إلى السنة، وقبض على أزمة الأحكام، واستفحل أمر الصليبيين ~~في تلك الأيام فتولى صلاح الدين أمر حربهم وقام بأعمال لا يزال التاريخ يردد ~~صداها إلى اليوم، أهمها استرجاع بيت المقدس ومد سلطته على الشام وغيرها. وأنشأ ~~الدولة الأيوبية، وهي كردية الجنس سنية المذهب، فعادت مصر إلى ظل الدولة ~~العباسية من حيث البيعة فقط. # وعمد صلاح الدين ومن خلفه من أهله إلى الاستكثار من المماليك الأتراك ~~والجراكسة للجندية، على جاري العادة في تلك الأعصر، حتى إذا كثروا استبدوا ~~بشؤون الحكومة وطمعوا في السلطة. فلما ضعف أمر الدولة الأيوبية قبضوا هم ms0836 على ~~أزمة الحكومة وأنشأوا بمصر دولتين، عرفتا بدولتي السلاطين المماليك وهما ~~المماليك البحرية والمماليك البرجية، حكمت الأولى من سنة 648-792ه، والثانية من ~~سنة 784-923ه وكانتا تبايعان للخليفة العباسي وهو مقيم في بغداد. فلما جاء ~~التتر وفتحوا بغداد سنة 656ه وقتلوا الخليفة (المستعصم) فر من بقي من بني ~~العباس، والتجأوا إلى سلاطين مصر على عهد الملك الظاهر بيبرس، فاختار واحدا ~~منهم قلده الخلافة وبايعه، وبهذا انتقت الخلافة العباسية إلى القاهرة، وظل ~~خلفاء العباسين والبيعة لهم حتى جاء السلطان سليم الفاتح العثماني وفتح مصر سنة ~~923، وكان الخليفة العباسي عامئذ المتوكل على الله آخر خلفائهم، فبايع للسلطان ~~سليم وسلم إليه الآثار النبوية، فانتقلت الخلافة من العباسيين إلى العثمانيين ~~من ذلك الحين. # | العصر المغولي أو التتري # | انحلال الدولة الإسلامية # من قيام جنكيزخان سنة 603ه، حتى وفاة تيمور لنك سنة 807ه # قد رأيت فيما تقدم أن الدولة العباسية، لما فسدت أحكامها وضعف شأن خلفائها واستبد بها ~~جندها وخدمها، ضعفت علاقة أطراف مملكتها بدار الخلافة، فتفرعت إلى فروع بعضها فارسي ~~وبعضها تركي أو كردي والبعض الآخر عربي، وكلها تبايع للخليفة العباسي في بغداد، حتى ~~نشأت الدولة الفاطمية في المغرب وخلافتها علوية، ففتحت مصر ونازعت الدولة العباسية على ~~الشام وغيرها، ثم أصابها ما أصاب تلك فمالت إلى الشيخوخة مثلها، ولكنها انقرضت قبلها ~~على يد صلاح الدين الأيوبي، وعادت مصر إلى مبايعة العباسيين. # على أن الخلافة العباسية كانت يومئذ قد بلغت منتهى الضعف، واستبد السلاجقة بمملكتها ~~في الشام والعراق وفارس وما وراء النهر حينا، ثم اقتسمها مماليكهم الأتابكة كما ~~تقدم. # فانقضى القرن السادس للهجرة والمملكة الإسلامية قد تولاها الضعف والانقسام، ولا سيما ~~في المشرق بمن تنازع على سلطتها من الأتراك قواد السلاجقة ومماليكهم، وأهمهم الخوارزمية ~~في خراسان وتركستان، والخلافة العباسية قد تناهت في الضعف وبلغت الهرم، حتى أشرفت على ~~الانحلال، وإنما استبقاها أصحاب الأطراف ليستعينوا بها على تأييد سلطانهم بالبيعة، ~~وأصبحت مملكتهم الواسعة تتنازعها ثلاث أمم، كأنهم اقتسموها فيما بينهم، وهم: ~~(أ) # الأتراك السلاجقة وقوادهم في المشرق. ~~(ب) ms0837 # والأكراد الأيوبية في مصر والشام. ~~(ج) # والبربر في المغرب والأندلس (الموحدون). # وقد ذهبت دولة العرب ذهابا تاما إلا إمارات صغيرة بقيت في اليمن ونحوها. وهذه ~~الدول على اختلاف أجناسها وأطوارها مجمعة على مبايعة الخليفة العباسي في بغداد على ضعفه ~~وانحلال دولته، ولكنها تختصم على الاستئثار بالسلطة في العالم الإسلامي. # فلما رأى أعداء الدولة الإسلامية المحيطون بها ضعفها وانقسامها عمدوا إلى الانتقام ~~منها، فأغاروا عليها من الشمال والغرب والشرق وكل منهم يريد اغتيالها. فهاجمها الكرج ~~والأرمن واللان من الشمال هجوم الغزاة للسلب والنهب، حتى إنهم كثيرا ما كانوا يدخلونها ~~بعشرات الألوف فيكتسحون أذربيجان وما جاورها، يقتلون وينهبون ويعودون بالأسرى والسبايا ~~والغنائم، وكانت سبايا المسلمين تزيد أحيانا عن عدة آلاف غير القتلى # 1 ~~- كما كان العرب يفعلون في أوائل دولتهم. على أنهم لم يستطيعوا فتحا ولا ~~رسخت لهم قدم في مملكة الإسلام. # وهجم عليها من الغرب أمم الإفرنج الصليبيين هجوم الفتح، وقد تكاتفوا لاكتساح المملكة ~~الإسلامية بحجة الدين؛ لأن القبر المقدس فيها، ففتحوا فلسطين وبعض سوريا وملكوا بيت ~~المقدس حينا، ولو اجتمعت كلمتهم لافتتحوا ما وراء ذلك، ولكنهم انقسموا على أنفسهم ~~وجاءهم صلاح الدين الأيوبي ببسالته ودهائه وتدبيره، فغلبهم على ما في أيديهم وأخرجهم من ~~بيت المقدس سنة 583ه، فضعف أمرهم وأخذ المسلمون يستعيدون البلاد منهم شيئا فشيئا، حتى ~~أزالوهم من الشام تماما على أيام الناصر قلاوون. # أما من الشرق فجاءها التتر أو المغول بقبائلهم وبطونهم، وهم في خشونة البداوة وقوة ~~الأبدان، وقد توفقوا إلى رجل شديد البطش وهو جنكيزخان القائد الشهير، فحمل بهم من أواسط ~~آسيا على العالم المتمدن في أوائل القرن السابع للهجرة، وليس للمسلمين يومئذ رجل مثل ~~صلاح الدين، فدوخ جنكيزخان مملكة الإسلام من أقصى أطرافها الشرقية إلى حدود العراق، غير ~~ما افتتحه من بلاد الهند والصين حتى بلغت مساحة مملكته 400000 ميل مربع. # | المغول # المغول أو المغل قبيلة من التتر كانت تقيم حوالي بحيرة بيقال (أو بيكال) في جنوبي ~~سيبيريا، وتاريخهم القديم سقيم؛ لأنهم لم يظهروا إلا بظهور ms0838 جنكيز خان في أوائل القرن ~~السابع للهجرة، وكانوا قبله مثل سائر القبائل الرحل، يعيشون بالغزو والنهب والصيد ~~والقنص في تلك البلاد البعيدة عن التمدن، وقد كفوا الناس خيرهم وشرهم ولا شأن لهم بين ~~الأمم؛ لأنهم كانوا لا يزيدون على 40000 خيمة، فإذا حسبنا في الخيمة عشر أنفس لم يزد ~~عددهم على 400000 نفس، فلما كانت أيام جنكيزخان حمل بهذا العدد القليل من بدو المغول ~~على ما يحيط ببلادهم من الممالك العامرة واكتسحوها في بضعة عشر عاما، كما خرج بدو ~~العرب في أول الإسلام وافتتحوا مملكتي الروم وفارس في نحو تلك المدة. وفي الحالين كان ~~النصر للبداوة على الحضارة؛ لأن المسلمين كانوا في أيام جنكيزخان قد تحضروا وانغمسوا في ~~الترف وانقسموا على أنفسهم، كما كان الروم والفرس عند ظهور الإسلام - والتاريخ يعيد ~~نفسه. ~~(1) جنكيزخان # كان والد جنكيزخان أميرا على 13 قبيلة من المغول، تحت رعاية الخان الأكبر ملك ~~التتر بعهود متبادلة بينهما، ولد جنكيزخان سنة 548 فسموه تموجين وهو اسمه الذي كان ~~يعرف به في نشأته الأولى. وبعد أربع عشرة سنة توفي أبوه فاستخف رؤساء القبائل ~~بتموجين وتمردوا عليه، وأصبح كل منهم يطالب بالسيادة لنفسه. وكان تموجين شديد البطش ~~من حداثته، فجمع رجاله وحارب الثائرين وتغلب عليهم. وهذه أول وقائعه فهابه الناس، ~~على أنه لم يستغن عن استنجاد الخان الأعظم، فأنجده وأكرمه وثبته في إمارة أبيه ~~وزوجه ابنته. # وكان تموجين قد شب على ظهور الخيل وتعلم رمي النشاب، وضرب السيف وأتقن الفروسية ~~بسائر فروعها، وكان قوي البدن شجاعا صبورا على التعب والجوع والعطش والبرد ~~والألم، وعود رجاله على ذلك فاجتمعت كلمتهم على نصرته وانقادوا لأمره . # ولما علت منزلة تموجين عند الخان هاجت عوامل الحسد في أعضاء أسرته وغيرهم من رجال ~~الدولة، وكان تموجين قد أغرى الخان بأولئك الأمراء فضيق الخان عليهم، فأوعرت صدورهم ~~فثاروا عليه وشقوا عصا الطاعة وحاربوه وغلبوه، فاستنجد تموجين فأنجده وأعاده إلى ~~كرسيه ومثل بأعدائه، حتى ألقى سبعين رجلا منهم في الماء الغالي وهم أحياء. # فلما ظفر تموجين ms0839 وأظهر القسوة والشدة خافه حموه وحسده، وأدرك تموجين ذلك فسعى في ~~إصلاح ما بينهما بالحسنى فلم ينجح، فعزم على محاربته فتحاربا فانتصر تموجين فخافه ~~الأمراء وحسدوه وحاربوه وكان الفوز له، فتولى عرش المغول. # وحارب تموجين بعد ذلك حروبا فاز فيها، فازداد أمراؤه تعلقا به، واحتفلوا ~~بتهنئته احتفالا عظيما في سهل على ضفاف سلنكا، فاجتمع الأمراء والخانات فوقف فيهم ~~خطيبا وكان قوي العارضة فأبدع. ثم جلس على لبادة سوداء فرشوها له هناك، وأصبحت تلك ~~اللبادة أثرا مقدسا عندهم من ذلك الحين. ثم وقف بعض الحضور وكان من أهل التقوى ~~والنفوذ فقال: «مهما بلغ من قرتك فإنها من الله، وهو سيأخذ بيدك ويشد أزرك. فإذا ~~فرطت في سلطانك صرت أسود مثل هذه اللبادة، ونبذك رجالك نبذ النواة». وفي هذا القول ~~من حرية البداوة والجرأة مثل ما يروونه عن جرأة العرب على خلفائهم وأمرائهم في صدر ~~الإسلام. ثم تقدم سبعة أمراء أنهضوه باحترام، وساروا بين يديه حتى أقعدوه على عرشه، ~~ونادوا باسمه ملكا على المغول، وكان في جملة الحضور شيخ يعتقدون فيه الكرامة ~~والقداسة، فتقدم وليس عليه كساء وقال: «يا إخوتي، قد رأيت في منامي كأن رب السماء ~~على عرشه الناري تحدق به الأرواح، وقد أخذ في محاكمة أهل الأرض، فحكم بأن يكون ~~العالم كله لمولانا تموجين، وأن يسمى جنكيزخان أي: الملك العام». ثم التفت إلى ~~تموجين وقال: «لبيك أيها الملك، فإنك تدعى منذ الآن جنكيزخان بأمر الإله». ولم يعد ~~يعرف بعد ذلك إلا بهذا الاسم. # فلما تهيأ له تأسيس دولته وتدريب جنده، عمد إلى فتح العالم فسار أولا نحو الشرق ~~إلى مملكة الصين، وكان لإمبراطور الصين جزية على المغول يؤدونها كل سنة، فلما ~~استفحل أمر جنكيزخان أبى الدفع، ومعنى ذلك الإباء إشهار الحرب. فحمل جنكيزخان بجيشه ~~على الصين واخترق سورها العظيم، وأمعن فيها قتلا ونهبا، والصينيون يومئذ أسبق ~~الأمم في الاختراعات الحربية، فاستخدموا النار اليونانية التي استعان بها اليونان ~~على دفع العرب، وقذفوا على المغول كرات فيها البارود قبل أن يعرفه أهل ms0840 الغرب ~~بأزمان، على أن ذلك لم يكن ليرد غارات تلك القبائل، فما زال جنكيزخان زاحفا حتى ~~احتل بكين عاصمة الصين وسائر بلادها الشمالية. فازداد ذلك الفاتح رغبة وقوة، ~~فتحول بجنده الجرار نحو الغرب أي: غربي بلاده وهي مملكة الإسلام. # وكانت المملكة الإسلامية بما وصفناه من الضعف والاختلال، وقد انقسمت إلى عدة ~~ممالك كردية وتركية وفارسية، وأقربها من بلاد المغول المملكة الخوارزمية من ~~السلاجقة والأتراك، وسلطانها يومئذ علاء الدين خوارزمشاه، وكانت سلطة علاء الدين قد ~~امتدت في أواخر أيامها على معظم العراق العجمي وسجستان وكرمان وطبرستان وجرجان ~~وبلاد الجبال وخراسان وفارس وما وراء النهر وقسم من أفغانستان وبعض الهند. وكانت ~~قصبة تلك الدولة مدينة خوارزم، ومنها سمي سلطانها «خوارزم شاه»، فحمل جنكيزخان نحو ~~الغرب وجنده يزيد على 700000 مقاتل، واكتسح تركستان وما وراءها، وأوغل فيها قتلا ~~ونهبا مما تقشعر له الأبدان. # ومما حمله على ارتكاب الفظائع، أنه لما وصل بجنده إلى تركستان سير جماعة من ~~التجار الأتراك ومعهم الذهب إلى سمرقند وبخارى من بلاد ما وراء النهر (تركستان)؛ ~~ليشتروا له ثيابا للكسوة، فوصلوا إلى مدينة من بلاد الترك اسمها أترار وهي آخر ~~مملكة خوارزمشاه مما يلي بلاد جنكيزخان، وكان لخوارزمشاه هناك نائب، فلما جاءته هذه ~~الطائفة من التتر أرسل إلى خوارزمشاه يعلمه بوصولهم ويذكر ما معهم من الأموال، فبعث ~~خوارزمشاه يأمر بقتلهم وأخذ ما معهم وإنفاذه إليه. فقتلهم وسير ما معهم وكان شيئا ~~كثيرا ففرقه خوارزمشاه في تجار بخارى وسمرقند وأخذ ثمنه منهم. وعذره في هذه ~~المعاملة أن المغول كانوا قد غزوا كاشغار وبلاساغون وغيرهما من تركستان، وصاروا ~~يحاربون عساكره؛ فلذلك منع الميرة عنهم. # فلما قتل نائب خوارزمشاه أصحاب جنكيزخان، حمي غضبه وجمع من الرجال فوق ما كان ~~عنده وحمل على مملكة الإسلام، وكتب إلى علاء الدين خوارزمشاه يقول: «تقتلون أصحابي ~~وتأخذون أموالهم؟ تهيأوا للحرب. فإني قادم إليكم بجمع لا قبل لكم به». فلما قرأ ~~خوارزمشاه الرسالة قتل الرسول وأمر بحلق لحى الجماعة، وأعادهم إلى جنكيزخان يخبرونه ~~بما فعل بالرسول ويقولون ms0841 له: «إن خوارزمشاه يقول لك: أنا سائر إليك ولو أنك في آخر ~~الدنيا، حتى أنتقم وأفعل بك كما فعلت بأصحابك» - فاستخف خوارزمشاه بالمغول كما ~~استخف هرقل بالعرب إذ جاءته كتبهم في أوائل الإسلام. # وقد فعل جنكيزخان كما قال تماما، فزحف بعساكره على المملكة الإسلامية، فدوخوها ~~من بلاد تركستان فما وراءها غربا، وهم ينتقلون من مدينة إلى أخرى يفتكون وينهبون ~~ويحرقون ويهدمون، لا يخلفون وراءهم إلا الأطلال البالية مما لم يسبق له مثيل في ~~تاريخ الإنسان. وهنا يفترق بدو المغول عن بدو العرب، فإن هؤلاء أبقوا على البلاد ~~التي فتحوها وأمنوا أهلها وجعلوهم في ذمتهم، واقتبسوا تمدنهم وبنوا عليه تمدنا من ~~عند أنفسهم. وأما المغول فلم يكن همهم غير القتل والنهب كالوحوش الكاسرة، وليس هنا ~~محل الإفاضة في سيرة هذا الرجل. # 1 # وإنما يقال بالإجمال: إنه تمكن في حياته من إنشاء مملكة لم يتوفق ~~لمثلها أحد من الفاتحين قبله ولا بعده، لا الإسكندر المقدوني ولا يوليوس قيصر ~~الروماني ولا نادرشاه الفارسي ولا نابليون بونابرت الفرنسي - أنشأ مملكة تمتد من ~~البحر المحيط إلى البحر الأسود، ودخل في سلطانه ملايين من الصينيين والتنكوت ~~والأفغان والهنود والفرس والأتراك غيرهم. # أنشأ جنكيزخان هذه المملكة الواسعة وهو لا ~~يعرف الكتابة ولا القراءة، وكذلك معظم رجاله، فاستعان في وضع الشرائع والنظام بمن ~~دخل في سلطانه من المسلمين ورعاياهم، كما استعان العرب في إنشاء دولتهم أول الإسلام ~~بالفرس والروم وغيرهم، وقد توفي جنكيزخان سنة 624ه وهو في السادسة والسبعين من عمره ~~بعد أن حكم 22 سنة. # وبعد وفاته اقتسم أولاده مملكته على عادة المغول في هذه الحالة، باعتبار أن ~~البلاد ملكه فيورثها لأعقابه فيقتسمونها كما يقتسمون سائر أمواله، فانقسمت مملكة ~~المغول بعده إلى أربعة فروع تفرقت في أولاده الأربعة، ثم تفرع كل منها إلى غير فرع ~~مما يطول شرحه، فنكتفي بذكر ما يهمنا منها: # إن أولاد جنكيزخان الذي أفضت الحكومة إليهم أربعة: أقطاي وطلوي وجوجي وجقطاي، ~~فانقسمت المملكة فيما بينهم على ما يأتي، ويعرف ملوكها بالخاقانات وهم: ~~(1) # دولة ms0842 أقطاي في زنقاريا وغيرها من سنة 603-1043ه. ~~(2) # دولة طلوي في بلاد المغول من سنة 654-750ه. ~~(3) # دولة جوجي في بلاد القفجاق وغيرها من سنة 621-907ه. ~~(4) # دولة جقطاي في ما وراء النهر من سنة 624-760ه. # فالدولة الأولى (أقطاي) كانت لها السيادة العظمى، وأول ملوكها جنكيزخان نفسه ولا ~~يهمنا تاريخها في هذا المقام. أما الدولة الثانية فيهمنا من فروعها فرع له شأن في ~~تاريخ الإسلام، نعني به فرع «هولاكو» وهو ابن طولوي بن جنكيزخان، تولى بعض ~~المقاطعات في مملكة أبيه واستقل بها وملك فارس سنة 654ه، وعرفت دولته فيها بدولة ~~إيلخان أو مغول الفرس، وكان في بلاد فارس بقايا مملكة خوارزمشاه فضمها إليه، وأقدم ~~على ما لم يقدم عليه أحد من أسلافه - وذلك أنه لما استقر له الملك في فارس حمل على ~~بغداد. ~~(2) هولاكو وسقوط بغداد # والسبب في ذلك أن المنافسات بين السنة والشيعة ببغداد تكررت في أواخر الدولة، فلا ~~تمضي سنة لا يقع فيها بين الطائفتين قتال تتوسط الحكومة في إصلاحه، وبما أن الحكومة ~~سنية فالضغط كان يقع غالبا على الشيعة، كانوا يقيمون معا في الكرخ ببغداد وهم ~~صابرون على ما يكابدونه من الاضطهاد، والحكومة مع ذلك توليهم مصالحها وتعهد إليهم ~~بتدبير شؤونها. وكان الخليفة في أيام هولاكو المستعصم بالله، تولى الخلافة سنة ~~640ه، وكان ضعيف الرأي ووزيره رجل من الشيعة اسمه مؤيد الدين بن العلقمي ذو دهاء ~~ومكر. فاتفق وقوع فتنة بين السنة والشيعة على جاري العادة. وكان لتخليفه ولد اسمه ~~أبو بكر شديد العصبية على الشيعة، فاستعان بقائد الجند (الدوادار)، وأمر العسكر أن ~~يفتكوا بالشيعة، فهجموا على الكرخ وهتكوا النساء وركبوا منهن الفواحش، فعظم ذلك على ~~الوزير ابن العلقمي ولم يعد يستطيع صبرا، فكتب إلى هولاكو سرا وأطمعه في ملك ~~بغداد، وأرسل إليه أخاه ليحرضه على القدوم، فزحف هولاكو على بغداد بجيش عظيم، فلما ~~علم الخليفة المستعصم بقدومهم، بعث الداودار فيمن بقي ببغداد من الجند وهم لا ~~يزيدون على 20000 مقاتل، فالتقى الجيشان على مرحلتين من بغداد فانهزم عسكر الخليفة ms0843 ~~وتشتت. # أما هولاكو فأقبل حتى نزل الجانب الشرقي من بغداد، وأرسل قائدا من قواده نزل ~~الجانب الغربي قبالة دار الخلافة، والمستعصم لا يعلم بما دبره ابن العلقمي، فأنفذه ~~لمخابرة هولاكو بشأن الصلح، فكمل مكيدته وعاد وقال للخليفة: «إن هولاكو يبقيك في ~~الخلافة كما فعل بسلطان الروم، ويريد أن يزوج ابنته من ابنك أبي بكر». وحسن له ~~الخروج إلى هولاكو، فخرج إليه في جمع من أكابر أصحابه، فأنزلهم في خيمة، ثم استدعى ~~الوزير الفقهاء والأماثل، فاجتمع هناك جميع سادات بغداد، فلما اجتمعوا أمر هولاكو ~~بقتلهم فقتلوا، ثم بذلوا السيف في بغداد، وهجموا على دار الخلافة وقتلوا كل من كان ~~فيها من الأشراف، إلا الأطفال فأخذوهم في جملة الأسرى والسبي. ودام القتل والنهب في ~~دار السلام أربعين يوما، ثم نودي بالأمان ودخلت بغداد في سلطة هولاكو سنة 656ه، ~~وذهبت الخلافة العباسية من العراق على يد الشيعة العلوية، كما كان يخاف ذهابها ~~المنصور والمهدي والرشيد، وقد نكبوا وزراءهم وقوادهم خوفا من ذلك. على أن الخلافة ~~العباسية لم تنقرض تماما، بل انتقل من بقي من العباسيين بعد مذبحة هولاكو إلى مصر، ~~وأقاموا في ظل السلاطين المماليك كما تقدم. # أما هولاكو فلما ملك عاصمة الإسلام في ذلك العهد طمع في فتح ما وراءها، فحمل على ~~الشام وكانت في حوزة السلاطين المماليك بعد الدولة الأيوبية فردوه عنها، فقنع بما ~~دخل في حوزته، وقد امتدت مملكته من الهند إلى الشام وأورثها لأولاده، فانقضت دولته ~~ولم يتم عليها القرن «654-750ه»، وانقسمت إلى ولايات صغيرة ما زالت في اضطراب ~~وتضعضع حتى أخضعها تيمور لنك. ~~(3) تيمور لنك # ينسب هذا القائد العظيم إلى دولة جنكيزخان. وليس هو من نسله ولكنه من عائلته، ~~وكان جده وزيرا جقطاي بن جنكيزخان . ولد تيمور سنة 736ه، ولما ترعرع تولى بعض ~~الأعمال في دولة أقطاي في ما وراء النهر، ثم ترقى إلى رتبة الوزارة فطمع في الملك، ~~فغلب على ملكه محمود وحمل على العالم كما حمل جنكيزخان قبله، ففتح بلاد فارس بعد ~~حروب كثيرة سفكت فيها ms0844 دماء غزيرة، ولم تمض سبع سنوات حتى دوخ خراسان وجرجان ~~ومازندران وسجستان وأفغانستان وفارس وأذربيجان وكردستان، ثم جاء العراق فاستخرج ~~بغداد من الجيلارية وكانوا قد تملكوها بعد هولاكو، ثم حول أعنة خيوله شرقا نحو ~~الهند، فغزا كشمير ودلهي، وتحول غربا لفتح آسيا الصغرى وكانت في حوزة العثمانيين ~~وسلطانهم يومئذ بايزيد، فبلغ تيمور لنك في فتوحه إلى أنقرة وحارب بايزيد وأسره سنة ~~804ه، واكتسح سائر بلاد المشرق إلى آخر حدود الشام، وبايعه سلاطين مصر على الطاعة، ~~فتحول لمحاربة الصين، فمات في الطريق سنة 807ه، قبل أن ينظم حكومته، فذهبت فتوحه ~~هدرا فعادت البلاد التي فتحها إلى ملوكها الأولين، وعادت الأحوال إلى ما كانت عليه ~~قبله. على أن الدولة التيمورية طال حكمها في ما وراء النهر إلى سنة 906ه، بوفاة ~~تيمور لنك ينقضي العصر المغولي، وبانقضائه ينقضي الدور الأول من تاريخ ~~الإسلام. # | الدور الثاني من ظهور الدولة العثمانية ولا يزال # قد رأيت أن المغول لم ينشؤوا دولة ثابتة في بلاد الإسلام، ولم يكن لهم شأن في التمدن ~~الإسلامي، وإنما علاقتهم بهذا التمدن أنهم جاءوه والدولة الإسلامية في آخر دورها الأول، ~~وفي منتهى التضعضع والضعف بمن حمل عليها من الإفرنج والكرج والأرمن واللان، فزادوها ~~ضعفا وذهبوا ببقية الخلافة العباسية في بغداد، وعادوا عنها وهي تكاد تكون في حال ~~الاحتضار، وقد تبدد شملها وليس فيها دولة حية تجمع شتاتها، على أن ذلك كان مقدورا ~~للدولة العثمانية في العصر التركي الثاني، ولدولة شاهات الفرس في العصر الفارسي الثاني، ~~ويتألف منهما الدور الثاني من تاريخ الإسلام. فعاد التتر عن المملكة الإسلامية في أوائل ~~القرن التاسع للهجرة، ومصر في حوزة السلاطين المماليك يتنازعون على السلطة، ويتخاصمون ~~على الكسب، والشام بعضها في أيدي أولئك المماليك، وبعضها في أيدي بعض أعقاب الأيوبيين، ~~حتى يكاد يكون كل بلد مستقلا بنفسه. والعراق وبلاد الفرس وما بين النهرين يتنازع ~~عليها الإيلخانية والجيلارية والمظفرية والقراقيونلية والتيمورية وغيرهم. وما وراء ~~النهر وأفغانستان في سلطة المغول التيمورية، وآسيا الصغرى يتنازعها العثمانيون وبقايا ~~السلاجقة. وسائر بلاد ms0845 المشرق يختصم عليها بقايا التتر أو بقايا الأتابكة. وشمالي ~~أفريقيا كان منقسما بين المرينية والحفصية. والأ،دلس لم يبق منها في سلطة المسلمين إلا ~~الدولة النصرية في غرناطة. وجزيرة العرب تحكمها إمارات صغيرة تتحارب وتتعادى. وهذه ~~الدول مع ضعفها واختلال أحوالها تجمعها خلافة أضعف منها، هي بقية الخلافة العباسية في ~~الديار المصرية. # تلك كانت حال العالم الإسلامي من الاضطراب والتضعضع عند تغلب الدولة العثمانية، فجاءت ~~في إبان الحاجة إليها فافتتحت القسطنطينية، وقد يئس المسلمون من فتحها بعد أن حاولوه ~~مرارا. وحارب العثمانيون أعظم ملوك أوروبا وطاردوهم إلى بلاد المجر، وحاصروا فينا ~~عاصمة النمسا وأخذوا الجزية من الأرشيدوق فردينان، واكتسحوا البحر الأبيض إلى شواطئ ~~أسبانيا، فارتعدت أوروبا خوفا منهم، وفتحوا المشرق إلى العراق، ثم ساروا جنوبا ~~غربيا حتى فتحوا الشام ومصر، وفيها بقية الدولة العباسية، فتنازل العباسيون لهم عن ~~الخلافة كما تقدم. فامتدت مملكتهم في أيام السلطان سليمان «سنة 926-974ه» من بودابست ~~على ضفاف الطونة إلى أسوان على ضفاف النيل، ومن الفرات بالعراق إلى مضيق جبل طارق، ~~فاجتمع العالم الإسلامي الغربي تحت جناح الدولة العثمانية. وكان اجتماع الخلافة والسلطة ~~فيها سببا لطول بقائها أكثر مما تقدمها من الدول الإسلامية، حتى العباسيين مع طول مدة ~~ملكهم؛ لأن سلطتهم أصبحت بعد القرن الثالث من إنشاء دولتهم اسما بلا رسم. # ونهض الصفويون من الجهة الأخرى في بلاد فارس وبين النهرين، فأنشأوا دولة شيعية كبرى، ~~ثم انتقلت إلى الدولة الفاجارية وجمعت البلاد الشيعية كما جمعت الدولة العثمانية البلاد ~~السنية. # مقدمة‏ # نظام الاجتماع في المملكة الإسلامية‏ # طبقات الناس قبل الإسلام‏ # نظام الاجتماع في العصر العباسي‏ # الآداب الاجتماعية‏ # آداب العرب في الجاهلية‏ # آداب العرب في صدر الإسلام‏ # حضارة الدولة الإسلامية‏ # عمارة المدن والقصور‏ # الثروة والرخاء ونتائجهما‏ # أبهة الدولة‏ # مقدمة ‏ # نظام الاجتماع في المملكة الإسلامية‏ # طبقات الناس قبل الإسلام‏ # نظام الاجتماع في العصر العباسي‏ # الآداب الاجتماعية‏ # آداب العرب في الجاهلية‏ # آداب العرب في صدر الإسلام‏ # حضارة الدولة الإسلامية‏ # عمارة المدن والقصور‏ # الثروة والرخاء ونتائجهما‏ # أبهة الدولة‏ # | تاريخ التمدن الإسلامي ms0846 (الجزء الخامس) # | تاريخ التمدن الإسلامي (الجزء الخامس) # تأليف # جرجي زيدان # | مقدمة # هذا الجزء الخامس من تاريخ التمدن الإسلامي هو آخر أجزاء الكتاب، فنحمد الله لأننا وفقنا ~~إلى إتمام هذا العمل الشاق، مع ما يعتوره من العقبات ويحتاج إليه من إعمال الفكرة والمراجعة ~~لما توخيناه فيه من التحقيق والتدقيق، ولا سيما بعد أن عمدنا إلى ذكر المراجع في هوامش ~~الصفحات، مع الإشارة إلى الكتاب والجزء والصفحة من كل منها، ولا يخفى ما يقتضيه ذلك من ~~التيقظ والتعب في ضبطه والتوفيق بين أجزائه، ولكنه أعاننا من الجهة الأخرى على الإيجاز في ~~بعض الأماكن، اكتفاء بالإشارة إلى خلاصة الموضوع وإحالة القارئ في استيفائه إلى المصدر ~~الأصلي لئلا يخرجنا إيراده إلى التطويل. # على أن كثرة الموضوعات وتعدد فروعها وتداخلها، قد حملنا أحيانا على إيراد بعض النصوص في ~~جزء مع ورودها في جزء آخر قبله، وإنما فعلنا ذلك رغبة في استيفاء الأدلة وإحكام البرهان، ~~وبتنسيق المقدمات ونتائجها وتفاديا من إرجاع القارئ إلى بعض الأجزاء السابقة، وإن كنا لم ~~نعمد إلى هذا التكرار إلا عند الضرورة؛ لأن وجهتنا الأولى في كتابتنا إنما هي بسط العبارة ~~وإيضاح الموضوع، حتى ينجلي للقارئ كأنه مجسم، على أننا كثيرا ما أحلنا المطالع إلى مراجعة ~~ما سبق ذكره في أماكنه. # والجزء الذي نحن بصدده أكثر سائر الأجزاء طلاوة وأقربها إلى أفهام المطالعين على اختلاف ~~طبقاتهم وتفاوت معارفهم؛ لأنه يبحث في مثل ما ألفوه من العادات والآداب مما تلذ مطالعته ~~وتتوق النفس إلى معرفته، من الأبحاث الاجتماعية والموضوعات العمرانية والأحوال العائلية، ~~مما يريده الناس عادة بقولهم «حضارة» أو «مدنية»، وهو في الحقيقة بعض ظواهرهما على ما تبين ~~لك في الأجزاء السابقة. # فموضوعات هذا الجزء سهلة على المطالع، ولكنها شاقة على المؤلف، لخلو كتب القوم من أمثالها ~~على الأسلوب الذي تطلبناه في هذا الكتاب، ولو بحثت فيما كتبه أسلافنا في التاريخ والأدب ~~والعلم وغيرها، ما رأيت لأحدهم فصلا ولا جملة ولا فقرة في نظام الاجتماع مثلا أو طبقات ~~الناس أو الآداب الاجتماعية أو ms0847 الحضارة أو الأبهة، إلا ما قد يرد عرضا في أثناء النوادر أو ~~الحكم أو التراجم أو الوقائع مما استعنا به في الاستدلال على بعض الحقائق المذكورة. # وأبحاث هذا الجزء تنتظم في أربعة أبواب كبرى: ~~(1) # نظام الاجتماع. ~~(2) # الآداب الاجتماعية. ~~(3) # حضارة المملكة. ~~(4) # أبهة الدولة. # فنظام الاجتماع أساسه طبقات الناس، ولذلك قدمنا الكلام بفصول في طبقاتهم قبل الإسلام في ~~جزيرة العرب وما يحدق بها من البلاد العامرة في الشام والعراق ومصر وفارس وإفريقية، ثم ~~طبقاتهم بعد الإسلام وما طرأ عليها من التغيير في أيام الراشدين فالأمويين فالعباسيين، ~~وبسطنا الكلام في نظام الاجتماع في العصر العباسي، فقسمنا الناس إلى طبقتين كبيرتين: الخاصة ~~والعامة، وجعلنا الخاصة أربع طبقات: الخليفة، وأهله، وأهل دولته، وأرباب البيوتات، وأضفنا ~~إلى الخاصة طوائف من الناس يصح إلحاقهم بها سميانهم «أتباع الخاصة» وهم: الجند، والأعوان، ~~والخدم، ويدخل في طائفة الخدم: العبيد، والجواري، والخصيان، وبينا ما كانت عليه كل طبقة أو ~~طائفة في عهد ذلك التمدن. # وجعلنا العامة طبقتين كبيرتين: الأولى المقربون وهم فئة من العامة سمت بهم قرائحهم أو ~~هممهم إلى اللحاق بالخاصة، كأصحاب الفنون الجميلة وأهل الأدب والشعر والغناء وأرباب ~~التجارات الثمينة والصناعات العليا ... وذكر ما كان يكتسبه هؤلاء من الأموال المتدفقة من ~~خزائن الدولة، وأما الطبقة الثانية من العامة فهم معظم الأمة، وينقسمون إلى فئتين: الأولى ~~أهل القرى وهم السواد الأعظم، والثانية عامة أهل المدن وهم أكثر سكانها، ويتعاطون الصناعات ~~اليدوية والتجارات الصغرى، وبينهم طوائف العيارين والشطار والمخنثين وغيرهم، وذكرنا تاريخ ~~كل منها. # وأما الآداب الاجتماعية فصدرناها بتمهيد في تاريخها من زمن الجاهلية، فذكرنا مناقب البدو ~~كالعصبية والأنفة والوفاء والسخاء والنجدة والأريحية والعفة، وكيف تسرب الفساد إلى هذه ~~المناقب تدريجا بتقدم القوم في معارج الحضارة، وذكرنا الأسباب التي بعثت على تبديل بعضها ~~في عصر الراشدين فالأمويين إلى العصر العباسي، وبسطنا الكلام في آداب هذا العصر بسطا ~~وافيا؛ لأنه هو المراد بهذا الباب، فقسمنا الكلام فيه إلى فصول في العائلة ونظامها وما ~~يتخلل ذلك من حال المرأة العربية، فبينا عفتها ms0848 وأنفتها في الجاهلية وأوردنا أمثلة ممن ~~اشتهرن فيها بالشجاعة والحزم والرأي، وكيف تبدلت أحوالها في عصر الترف بما أدخله عليها ~~الرجل من الجواري والسراري، حتى ذهبت الغيرة ونشأ سوء الظن فحبسها وضيق عليها، وأفردنا ~~فصلا لأسلوب الارتزاق في عهد ذلك التمدن بالسخاء المتسلسل على سنة العرب. # وجعلنا كلامنا في المعيشة العائلية فصولا في الطعام واللباس والمأوى، فأجملنا في تاريخ ~~كل منها في أيام الجاهلية وما أحدثه فيه ذلك التمدن. # ثم أتينا إلى الباب الثالث من هذا الجزء وهو حضارة المملكة، فقسمناه إلى قسمين: أولهما ~~العمارة أو العمران، وثانيهما الثروة والرخاء، والعمارة إما في المدن أو في القصور، فأتينا ~~بأمثلة من عمارة أهم المدن الإسلامية، وأشهر القصور والمباني في دمشق وبغداد والقاهرة ~~وقرطبة وغرناطة وغيرها، أما الثروة فيدور الكلام فيها على أبحاث في ثروة الخلفاء والأمراء ~~وما تقتضيه من التأنق في الطعام والتنعم باللباس والتزين بالأثاث والرياش والمجوهرات ونحوها ~~... ثم القصف وما يلابسه من التسري وعقد مجالس الغناء والشراب، ثم السخاء وقد نظرنا فيه من ~~أيام الراشدين إلى العباسيين، وكيف تدرج القوم في مقدار الصلة ونوعها، ويتخلل ذلك فصول في ~~الغناء وتاريخه من الوجهة الاجتماعية والأدبية، والمسكر وخلاصة أقوالهم في تحريمه وتحليله ~~وتاريخ انتشاره وانغماس الخاصة فيه، فضلا عن العامة وما نتج عن ذلك من التهتك والإسراف ~~والفحشاء. # أما أبهة الدولة فجعلنا مدار الكلام فيها على الخلفاء وأحوالهم، من سذاجة الراشدين ~~وتقشفهم إلى بذخ العباسيين وأبهتهم، وقسمنا البحث في هذا العصر إلى فصول عديدة في مجالس ~~الخلفاء ومواكبهم واحتفالاتهم وعلاقاتهم بالدول المعاصرة وملابسهم وألعابهم وملاهيهم، ~~ويتفرع القول في مجالسهم إلى المجالس العامة ومجالس الأدب والغناء والمناظرة وغيرها، فوصفنا ~~المجلس وفرشه ومراتب الجلاس فيه وشروط الاستئذان في الدخول والتحية وآداب المجالسة وعلامة ~~الصرف ونحو ذلك، وقسمنا ملاهيهم إلى فصول في الصيد والسباق والكرة والصولجان ورمي البندق ~~وارتباط السباع وغيرها. # وذيلنا هذا الجزء بجدول أسماء الكتب التي ذكرت في هوامش الأجزاء الخمسة مع اسم المؤلف ~~وسنة نشر الكتاب ومحل طبعه، فضلا عن فهرس ms0849 هذا الجزء. # وقد بذلنا الجهد في تحري الحقيقة وتوخينا الإنصاف والإخلاص بما يبلغ إليه الإمكان، فإن ~~أحسنا فذلك قصدنا وأقصى مرادنا، وإن أسأنا فعن غير عمد منا وما العصمة إلا لله وحده. # | نظام الاجتماع في المملكة الإسلامية # موضوع هذا الباب النظر في حال الهيئة الاجتماعية في إبان التمدن الإسلامي، وبيان ~~الجماعات التي كانت تتألف منها طبقاتهم وعلاقاتهم بعضها ببعض، ولزيادة الإيضاح نمهد ~~بالكلام عن نظام الاجتماع على عهد الروم والفرس في البلاد التي فتحها المسلمون من تينك ~~المملكتين، وما كان من تأثير الإسلام في ذلك النظام، وكيف تدرج في الارتقاء من أيام ~~الراشدين فالأمويين فالعباسيين، ثم نبسط القول في نظام الاجتماع في العصر ~~العباسي. # | طبقات الناس قبل الإسلام # ويقسم الكلام في ذلك إلى وصف طبقات الناس: ~~(1) # في الشام والعراق. ~~(2) # في مصر. ~~(3) # في إفريقيا. ~~(4) # في بلاد فارس. ~~(5) # في جزيرة العرب. ~~(1) طبقات الناس في الشام والعراق # نريد بهذين البلدين ما بين دجلة في الشمال الشرقي وآخر حدود الشام في الجنوب ~~الغربي، وسكان هذه البقعة أكثر أمم الأرض اختلاطا في أجناسهم وأديانهم وآدابهم ~~لكثرة الدول التي توالت عليها من أقدم أزمنة التاريخ، وللعلماء أبحاث طويلة وآراء ~~متضاربة في أحوالهم لا محل لها ولا فائدة منها، وخلاصة ما يستخرج من أبحاثهم أن ~~أقدم من عرف من أهل تلك البلاد بطون من الساميين، وكانت مساكن القبائل السامية تمتد ~~من دجلة عند ما بين النهرين شمالا شرقيا إلى سواحل سوريا حتى العريش فالبحر ~~الأحمر غربا، وشواطئ اليمن وحضرموت جنوبا، فخليج فارس وبحر عمان شرقا، وهي عبارة ~~عن بلاد ما بين النهرين والعراق وسوريا وفلسطين وجزيرة سينا وجزيرة العرب. # والساميون ثلاثة فروع كبرى: ~~(1) # الآراميون، وهم القبائل السامية الشمالية، كانت مواطنهم فيما بين ~~النهرين والعراق وسوريا إلا قسما من شواطئها. ~~(2) # العبرانيون، وهم القبائل السامية الوسطى، وموطنهم في فلسطين وشواطئ ~~سوريا. ~~(3) # العرب، وهم القبائل السامية الجنوبية، ومقامهم في جزيرة العرب وما ~~يليها من بادية الشام والعراق وجزيرة سينا. ~~(1-1) الآراميون # فالآراميون كانت لغتهم فرعا من اللغة السامية يعرف باللغة ms0850 الآرامية، ~~وانقسموا بتوالي الأجيال إلى أمم اشتهرت في التاريخ، أهمها أمة السريان فيما ~~بين النهرين والعراق، والكلدان في أعالي سوريا، وانقسمت اللغة بهذا الاعتبار ~~إلى الفرعين السرياني والكلداني. # والعبرانيون يراد بهم أبناء إبراهيم عليه السلام، وقد استقروا في فلسطين نحو ~~القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ويلحق بهم الفينيقيون وكانوا يتكلمون لغة تشبه ~~العبرانية. # وأما العرب فكانوا يتفاهمون بلغة من اللغات السامية هي العربية، ومن فروعها ~~أو أخواتها الحميرية والحبشية، وأقرب القبائل العربية إلى الشام الأنباط، وكان ~~لهم شأن في أثناء تسلط الرومان على الشام سيأتي ذكره. # فما بين النهرين والعراق والشام وفلسطين كانت في أقدم أزمنة التاريخ مأهولة ~~بشعوب سامية تتقارب نسبا ولغة، أما قبل نزول الساميين فكانت مقاما لأمم لا ~~يعرف أصلها، وكان الساميون أقوى منهم فغلبوهم على بلادهم واستقروا فيها، وأخذ ~~أولئك في الانقراض قبل الميلاد بعدة قرون، وهاك ترتيب مساكن الساميين هناك من ~~الشمال إلى الجنوب: السريان، فالكلدان، فالفينيقيون، فالعبرانيون، فالأنباط، ~~وخالطتهم أمم شتى غير سامية، أقامت بين أظهرهم في بقاع مختلفة من بلادهم، غير ~~بقايا الشعوب الأصلية مما يطول بيانه، ولكن الساميين تغلبوا عليهم جميعا وعاشت ~~أديانهم وآدابهم وعاداتهم. # على أن مركز هذه البلاد الجغرافي جعلها عرضة لمطامع الفاتحين من الأمم ~~القديمة، كالحثيين والآشوريين والفرس، فكانوا يتناوبون فتحها أو اكتساحها ~~وتتقاطر شعوبهم إليها، ولكن الأمر لم يستقم لدولة من هذه الدول في سوريا كما ~~استقام لليونانيين خلفاء الإسكندر، فإن هذا القائد العظيم فتح هذه البلاد في ~~القرن الرابع قبل الميلاد، وأوغل فيها وغرس في نواحيها بذور الحضارة الإغريقية، ~~وقد اختلطت هذه العناصر الإغريقية بعناصر الحضارات الأصلية في هذه البلاد ونشأ ~~عن ذلك ما يعرف بالحضارة الشبيهة بالهيلينية # Hellenistic ~~، وتوافد إليها اليونان وأقاموا ~~فيها واختلطوا بأهلها ولا سيما بعد ظهور النصرانية وهي في سلطة الرومان، ولكن ~~العنصر اليوناني ما زال متغلبا عليها، وأكثر تغلبه على سواحل بحر الروم، ويضعف ~~شأنه في الداخل تدريجا. # ومع ذلك الاختلاط ظلت الشعوب السامية محافظة على آدابها وعاداتها ولغاتها، ~~ولا سيما اليهود ms0851 فإنهم مع ما أصابهم من الاضطهاد والسبي ظلوا من حيث الآداب ~~والدين على نحو ما كانوا عليه في أيام داود وسليمان، إلا ما أصاب لغتهم من ~~التغيير في أثناء السبي ببابل، فإنها اختلطت بالسريانية والكلدانية وعرفت ~~باللغة الآرامية أو الكلدانية، وبها كتبوا التلمود وانقسموا إلى اليهود ~~والسامريين، أما من بقي من الشعوب السامية ولا سيما السريان فتنصروا وانفردوا ~~بآدابهم وعاداتهم، وأكثرهم كانوا يقيمون في العراق وما بين النهرين وأعالي ~~سوريا إلى فلسطين. ~~(1-2) الأنباط # فكانت حدود الشام الغربية على سواحل بحر الروم يغلب عليها العنصر اليوناني، ~~وحدودها الشرقية مما يلي البادية يغلب عليها العنصر العربي، وكان هناك في أوائل ~~القرن الرابع قبل الميلاد أمة عربية عرفت بالأنباط أو النبط، كان مقامهم وراء ~~فلسطين غربا جنوبيا على أنقاض الأدوميين، في بقعة تمتد من جزيرة سينا إلى ~~حوران، تعرف بالبلاد العربية الصخرية # Arabia ~~petraea ~~، ولا تزال آثار مدينة بطرا باقية إلى الآن وفيها ~~الأبنية المنقوشة والتماثيل المنحوتة ونحوها، حاربهم الروم سنة 312ق.م بقيادة ~~انتيجونوس وكان الأنباط عشرة آلاف مقاتل، وذكر ديودورس أنهم يجتنبون الزراعة ~~رغبة في الرحلة، ويعيشون على اللحوم والألبان ويحرمون الخمر تحت طائلة القتل، ~~وإنما شرابهم الماء يحلونه بالمن وهو كثير عندهم، وكانوا يتجرون بالمر والأطياب ~~يحملونها من شواطئ البحر الأحمر وبلاد العرب، وبالحمر أو القار يحملونه من ~~البحر الميت إلى مصر ليستخدمه المصريون في التحنيط، وكانت طرق التجارة بين مصر ~~وسائر المشرق لا تسلك إلا على يدهم، وإلا فإنهم يهاجمون القوافل وينهبون ~~التجار، ثم تغلب عليهم البطالسة وقهروهم، فتباعدوا عن حدود مصر ونزلوا حوران، ~~ونبغ منهم في القرن الأول قبل الميلاد ملك يسميه اليونانيون اريتاس (الحارث) ~~حارب عامل دمشق وغلبه على مدينته واستولى عليها وعلى ملحقاتها تحت رعاية ~~الرومانيين نيفا وأربعين سنة، ثم صار الأنباط حلفاء الرومان في القرن الأول ~~للميلاد، وامتدت شوكتهم في أثناء ذلك إلى جزيرة العرب مما يلي سواحل البحر ~~الأحمر. # وظلت مدينة بطرا مركزا تجاريا بين الشرق ومصر، حتى اكتشف الناس الطريق من ~~القصير إلى ms0852 قفط على النيل فأخذت بطرا في التقهقر، وكان الأنباط قد تحضروا فذهبت ~~خشونتهم وعجزوا عن الغزو والحرب وركنوا إلى الزراعة وأووا إلى المنازل وانغمسوا ~~في الترف، فجاءهم تراجان الروماني سنة 105م فحاربهم وأخضعهم وأذلهم فذهبت ~~عصبيتهم وانحلت قواهم وأخلدوا إلى الدعة، واختلطوا بأهل البلاد الأصليين من ~~السريان أو الآراميين، وانتشروا على حدود سوريا وفلسطين مما يلي البادية بين ~~جزيرة سينا والفرات، ولم تقم لهم قائمة من ذلك الحين. # ولما جاء المسلمون لفتح الشام وجدوا بقايا هذه الأمة هناك يتكلمون اللغة ~~الآرامية أو السريانية، لغة أهل العراق وما بين النهرين، فحسبوا الأنباط ~~والعراقيين أمة واحدة فأطلقوا عليهم جميعا اسم «الأنباط»، والذي اتفق عليه ~~المحققون أن أنباط بطرا وما يليها عرب، وإنما تكلموا الآرامية على أثر اختلاطهم ~~بأهل الشام والعراق بعد ذهاب دولتهم، ويظن علماء التوراة أن النبطيين ينسبون ~~إلى نباطوط من آباء التوراة. # ولما ضعف الأنباط ظهر مكانهم على حدود الشام والعراق أجيال جديدة من العرب، ~~اتخذهم الروم والفرس حلفاء يردون عنهم غارات إخوانهم أهل البادية، أو ينصرونهم ~~في الحروب التي كانت تنشب بين تينك الدولتين قبيل الإسلام، فأقام حلفاء الروم ~~في جهات حوران وهم الغساسنة، وأقام حلفاء الفرس على شاطئ الفرات في الحيرة وهم ~~المناذرة، فإذا انتشبت حرب بين الروم والفرس تجند الغساسنة للروم والمناذرة ~~للفرس، ودافع كل منهما عن أصحابه، فكانوا مع بداوتهم وسذاجتهم عونا قويا ~~لهاتين الدولتين الضخمتين ينصرون إحداهما على الأخرى، ولنحو هذا السبب أقام ~~العرب على الحدود بين الفرس والروم فيما بين النهرين والعراق، وفيهم بطون من ~~إياد وربيعة ولخم وتنوخ. # فسكان الشام والعراق عند ظهور الإسلام كان معظمهم من بقايا الآراميين ~~الأصليين، وهم السريان في الشمال والشرق، واليهود والسامريون في الجنوب، وبقايا ~~الأنباط في الغرب، يليهم العرب الغساسنة والمناذرة ثم قبائل إياد وربيعة بين ~~النهرين، ويتخلل هذا المجموع شتات من أمم أخرى كالجراجمة في جبل ~~اللكام # 1 # والجرامقة في الموصل # 2 # وأخلاط من مولدي اليونان والرومان على الشواطئ، ومولدي الفرس ~~والأكراد في الشمال، وكانت جامعة ms0853 الدين قد غلبت على جامعة النسب أو الجنس أو ~~اللغة، فأصبحت الطوائف تنتسب إلى مذاهبها الدينية، كالنصارى واليهود ~~والسامريين، وينقسم النصارى إلى ملكيين ويعاقبة ونساطرة وموارنة وغيرهم، وكانت ~~الديانة والسياسة مرتبطتين إحداهما بالأخرى، والحزب الديني عبارة عن حزب سياسي ~~يستخدم في تأييد الدولة، فالكنيسة القسطنطينية كانت أم كنائس المشرق، وشعوب هذه ~~الكنائس تنقاد إلى تلك الكنيسة لتأييد سلطة القيصر صاحب العرش فيها، والكلام في ~~تفصيل ذلك يطول. ~~(1-3) نظام الاجتماع في الشام والعراق # أما موقف الأهالي من الحكومة فكان على غير المألوف بيننا، لبعد النسبة بين ~~الحاكم والمحكوم في تلك الأيام، ولا سيما في البلاد التي يحكمها الغرباء ~~البعيدون عن أهلها لغة أو دينا أو جنسا. فالرومان كانوا يعدون البلاد وأهلها ~~ملكا لهم يتصرفون فيهم كيف شاءوا، وكان الفلاحون في كثير من البلاد يعدون من ~~توابع العقار، فينتقل العقار من مالك إلى آخر، وفلاحوه معه يسمونهم # serfs # أي الأقنان (جمع قن)، إلا الذين تسمو ~~بهم هممهم إلى التقرب من رجال الدولة بالصناعة أو الأدب أو التجارة وهم قليلون. ~~فكان الناس طبقتين: طبقة الخاصة وهم الملك وأهله وأعوانه ورجال الدين ومن جرى ~~مجراهم، والعامة أهل البلاد الأصليون وأكثرهم الفلاحون أو الأكرة. # فخاصة أهل الشام في العصر الروماني حكامها وهم البطارقة، والبطريق غير ~~البطريرك. وكان البطارقة عند الرومانيين جماعة من أشراف المملكة الرومانية، ~~نشأوا مع مدينة روما وكان لهم نفوذ عظيم في الدولة الرومانية، وانحط شأنهم بعد ~~انقسامها ولم يبق لهم عمل، فلما امتدت سطوة الروم إلى المشرق رأوا تلك البلاد ~~البعيدة لا يستطيع الحكم فيها وإخضاع أهلها إلا أهل السطوة والهيبة، فعهدوا ~~بذلك إلى البطارقة وولوهم المستعمرات الشرقية وفي جملتها الشام ومصر، وكانت ~~الشام ولاية واحدة تقسم إلى 11 إقليما، على كل إقليم بطريق معه الجند كأنه ~~حاكم مستقل، # 3 # وكانت حدود الشام بالنظر إلى الحكومة تنتهي من الشمال الشرقي إلى ~~الفرات، ولا يدخل العراق وما بين النهرين فيها، وإنما جعلناهما في كلامنا عن ~~الأهالي؛ لأنهم وأهل الشام من أصل واحد ms0854 كما رأيت. ~~(2) طبقات الناس في مصر # إن سكان مصر أقل اختلاطا بغيرهم من سكان الشام والعراق، ومع ذلك فقد توالت ~~الهجرة إلى مصر من أقدم أزمنة التاريخ قبل زمن الفراعنة. # والفراعنة أكثرهم من الفاتحين الغرباء، فكانوا إذا فتحوا مصر واستقام الأمر فيها ~~هاجر إليها أهل عصبيتهم لاستثمار ذلك الفتح، فيأتون على أن تكون إقامتهم وقتية ~~ريثما يجتمع لهم المال، ولكن أكثرهم لا يرجعون ولا تمضي بضعة أجيال حتى يختلطوا ~~بالسكان ويصيروا جزءا منهم، كما حدث في زمن الرعاة والفرس واليونان والرومان ~~وغيرهم ممن فتحوا مصر قبل الإسلام، والغالب في الفاتحين أنهم لا يزالون يميزون ~~عصبيتهم على عصبية سائر رعاياهم، حتى ينتقل الأمر من أيديهم إلى فاتح آخر فتتناسى ~~عصبيتهم ويندمجون في جملة الوطنيين، ناهيك بمن يأتي مصر للاتجار أو الاستثمار ~~لاشتهارها بالخصب والرخاء. # وكان الفاتحون يترفعون غالبا عن الاختلاط بسائر أفراد الأمة، فيكون منهم الجند ~~ورجال الدولة والكهنة ونحوهم من أهل السيادة، ويجعلون مقامهم في المدن الكبرى ويبقى ~~الشعب للفلاحة والصناعة والخدمة، فالبطالسة حكموا مصر نحو 300 سنة، وتقاطر اليونان ~~في أيامهم بكثرة، وكانوا يقيمون في الإسكندرية أو غيرها من العواصم، وأكثرهم من ~~الجند أو التجار أو رجال الدولة لإدارة الحكومة، وكذلك كان شأن الرومان، فإنهم ~~تولوا وادي النيل ستة قرون، والروماني يجتهد في أن يميز نفسه عن المصري لغة ومذهبا ~~وخلقا، وكانوا يقيمون في المعاقل والحصون أو المدن الكبرى كما كان حالهم في ~~الشام. # فلما ظهر الإسلام كان سكان مصر طبقتين: ~~(1) # الرومان أو الروم، وعاصمتهم الإسكندرية ومنهم رجال الدولة والأجناد ~~وبعض رجال الدين. ~~(2) # الأهالي وهم الأقباط الأصليون، يخالطهم بعض المولدين من اليونان ~~والرومان وغيرهم من النازحين للتجارة أو الخدمة أو غيرهما، من أهل ~~الشام واليمن والعراق والنوبة وإفريقية، وكان بين الحكومة والأهالي ~~فاصل آخر مذهبي، فكان الروم على مذهب الملك وهم الملكيون، والأقباط على ~~مذهب يعقوب البردعي وهم يعاقبه. ~~(3) طبقات الناس في إفريقية # يريد العرب بإفريقية البلاد الواقعة في شمال إفريقيا، حيث الآن تونس وطرابلس ~~والجزائر ومراكش، وهي في ms0855 الأصل مستعمرة سامية لبعض النازحين من فينيقية قبل الميلاد ~~بعدة قرون، بنوا فيها مدينة قرطاجة أو قرطجنة وأنشأوا دولة تعتبر شرقية باعتبار ~~أصلها وإن كانت غربية في موقعها؛ لأن أهلها ساميون ولغتها من أخوات اللغة العربية، ~~وقد حارب القرطجنيون الرومانيين ونازعوهم على السيادة، فقطعوا إليهم البحار وجبال ~~الألب حتى حاصروا روما وكادوا يذهبون بدولتها، ولو فعلوا ذلك لتغير وجه الأرض عما ~~نعرفه، ولكنهم أخفقوا فرجعوا ثم ارتد عليهم الرومان وحاربوهم في بلادهم حتى أفنوهم ~~وخربوا مدينتهم، وتوالى على قرطاجة بعدهم أمم شتى كالرومان والوندال وغيرهم. # أما أهل البلاد الأصليون فقد كان معظمهم قبل القرطجنيين أقواما من الجنس البربري ~~يعتصمون بالجبال دأبهم النهب والغزو، ولما ذهب القرطجنيون وخلفهم الرومان وجدوا أهل ~~تلك البلاد طبقتين؛ إحداهما: حضرية تتوطن السواحل فيما هو الآن مراكش والجزائر ~~وتونس يتعاطون التجارة والصناعة، والأخرى: تسكن الجبال والبادية، فسموا الأولى ~~الموريتانيين والثانية النوميديين، وكان النوميديون من القبائل الرحل الأشداء فلم ~~تقو الدولة الرومانية على إذلالهم، بل كانوا كثيرا ما يهاجمون حاميتها في المدن ~~ويعودون إلى جبالهم، ذلك كان شأنهم مع من فتح إفريقية بعد الرومان، وما زالوا على ~~ذلك حتى جاء المسلمون وفتحوا إفريقية وأهلها طبقتان: الأولى أهل المدن وهم ~~الموريتانيون ومن اختلط بهم من الأمم الفاتحة كالروم والوندال وقد اعتنقوا ~~النصرانية وتحضروا، والثانية النوميديون وهم لا يزالون على بداوتهم وظلوا ممتنعين ~~في جبالهم إلى أواخر القرن الأول للهجرة، وهم الذين يسميهم العرب قبائل البربر على ~~ما هو مدون في كتبهم، ولهم شأن كبير في تاريخ الإسلام. ~~(4) طبقات الناس في بلاد فارس # نريد ببلاد فارس ما بين دجلة في الغرب الجنوبي ونهر جيحون في الشرق الشمالي، ~~ويدخل فيها خوزستان وكرمان ومكران وبلاد الجبال وخراسان وأذربيجان وأرمينيا وغيرها، ~~وهي تحوي شعوبا شتى من أمم مختلفة لا يمكن حصرها وتمييزها بعد أن طال العهد عليها، ~~ولكنها تمتاز على أي حال عما يجاورها من سكان العراق والشام وامتيازا كليا في ~~الجنس واللغة والدين: أما الجنس فسكان بلاد فارس أكثرهم من الجنس ms0856 الآري وهو غير ~~الجنس السامي الذي عمر الشام وما وراءها كما تقدم، أما اللغة فالفارسية من اللغات ~~الآرية أخوات لغات أوربا وهي غير اللغات السامية، وأما الدين فالمذهب الذي كان ~~شائعا في تلك البلاد قبل الإسلام هو الزردشتية أو المجوسية في حين أن ديانة أهل ~~العراق والشام كانت النصرانية واليهودية. # وتوالى على بلاد فارس دول كثيرة حتى فتحها الإسكندر في القرن الرابع قبل الميلاد، ~~فلما مات واقتسم المملكة قواده لم يستطيعوا استبقاء تلك البلاد في حوزتهم، فاقتسمها ~~أمراؤها وهم المعروفون بملوك الطوائف، حتى قام أردشير بن ساسان سنة 224م فجمع ~~كلمتها بالسيف وتوالى عليها أهله إلى ظهور الإسلام، وهي الدولة الساسانية. # فلما ظهر الإسلام كان سكان تلك المملكة طبقتين: العامة والخاصة، أما العامة فأهل ~~البلاد الأصليون ومنهم الفلاحون والصناع والخدم وغيرهم من نتاج الاختلاط قرونا بين ~~القبائل الآرية وبعض القبائل الطورانية من الأتراك والديلم، وكانوا يسمون عند ظهور ~~الإسلام «الطاجية»، ولا يعرف أصل هذه اللفظة تماما، # 4 # ولكنهم يريدون بها طبقة العامة، والطاجية ضخام الأجسام أقوياء ~~الأبدان. # وأما الخاصة فالملك وأهله ورجال دولته ورجال الدين والأشراف من بقايا الدول ~~السالفة، فبعد الملك وأهله تأتي طبقة الشهارجة «شهريجان» أو السهارجة، # 5 # وهم أشراف السواد وأرباب الدولة كالبطارقة عند الروم، تليهم طبقة ~~الدهاقين - وأحدهم دهقان - وينتسبون إلى الملوك القدماء من الدول السالفة، وهم ~~أصحاب الأرض وفي أيديهم أكثر البقاع التي يستغلونها على رقاب الطاجية، والدهاقين ~~خمس مراتب، وقد يتولون الإمارات ويتعاطون الحكومة كأمراء بخارا (بخارا خدا) فقد ~~كانوا عند ظهور الإسلام من الدهاقين، وكذلك هرات، وقد يكون الدهقان مثل بعض ~~العامة. # وكانت مملكة فارس - عند ظهور الإسلام - في حوزة الدولة الساسانية، تقسم إلى ~~عمالات يتولى كل عمالة أمير يسمونه «مرزبان» وأصل معنى هذه اللفظة قائد الحدود، على ~~أن بعض العمال كانوا يتمتعون بشيء من الاستقلال في أحكامهم، ولا سيما في الإمارات ~~البعيدة، وكان بعضها مستقلا استقلالا تاما ويتخذ كل أمير لقبا خاصا به، مثل ~~«رتبيل» لقب أمير سجستان، و«رنجان» لأمير سمندجان، و«جيغويه» ms0857 لصاحب طخارستان، ~~و«اصبهبذ» لصاحب بلخ، و«باذان» لمرو الروذ، «شهرك» للطالقان، و«أخشيد» لصاحب ~~فرغانة، وقس عليه، على أن بعض الولايات، كمرو وسرخس وطوس، كان يتولاها ~~المرازبة. # وأكبر نفوذا وسطوة من أشراف المملكة وملوكها رجال الدين وهم كهنة الزردشتية، ~~ويسميهم المسيحيون المجوس، واسمهم عند الفرس الموبذان وأحدهم «موبذ»، وهم كالأساقفة ~~عند النصارى، رئيسهم يسمونه «موبذ موبذان» مثل رئيس الأساقفة، وكان نفوذهم في ~~الدولة يفوق نفوذ الملك، # 6 # ومنهم القضاة أو من يقوم مقامهم في الحكومة بين الناس. # وكان في بلاد الفرس جماعات تجمعهم نسبة أو صفة يقيمون في بلد أو يتنقلون في ~~البلاد، كالأساورة والسيابجة والزلط والأحامرة ونحوهم. # 7 ~~(5) طبقات الناس عند العرب الجاهلية # قد علمت أن سكان جزيرة العرب من الشعوب السامية إخوان الآراميين والعبرانيين، ~~ولكنهم لم يصبهم ما أصاب إخوانهم في العراق والشام من الاختلاط، لامتناع جزيرتهم ~~على الفاتحين بما يحدق بها من البوادي التي يعسر سلوكها على الجيوش، وقد هم بها ~~الآشوريون واليونان والروم وغيرهم ورجعوا عنها بلا طائل، حتى إذا كان القرن الخامس ~~للميلاد فتح الأحباش قسمها الجنوبي (اليمن) وعجزوا عن الحجاز، فاستنصر اليمنيون ~~الفرس فنصروهم وأخرجوا الأحباش وحلوا محلهم واختلطوا بأهل اليمن وعرفوا بالأبناء ~~الأحرار. # على أن بلاد العرب كانت ملجأ النازحين من الشام أو مصر أو العراق، فرارا من ظلم ~~أو ضغط أو امتناعا على الحكومة لسبب من الأسباب، وأكثر الأمم نزوحا إليها اليهود، ~~لكثرة ما قاسوه من الاضطهاد منذ خروجهم من مصر إلى أن اضطهدهم الروم في عهد طيطس ~~وغيره، وهاجر إليها كثيرون من اليونان والرومان والفرس والهنود والأحباش وغيرهم بلا ~~حرب ولا اضطهاد، ومع ذلك فإن العرب ظلوا مستقلين بأنسابهم وعاداتهم وآدابهم، ~~ويقسمون باعتبار النسب أو الوطن إلى: قحطانية أو يمنية، وعدنانية أو حجازية، ~~وانقسمت لغتهم بهذا الاعتبار إلى حميرية ومضرية، وقد فصلنا طبقات العرب وقبائلهم ~~وحلفاءهم ومواليهم وعبيدهم في الجزء الرابع من هذا الكتاب. ~~(6) نظام الاجتماع في عصر الراشدين # بينا في الجزء الرابع ما أحدثه الإسلام من التغيير في العصبية العربية، وما تولد ms0858 ~~به من الطبقات الجديدة التي لم تكن قبل الإسلام، كالمهاجرين والأنصار وأهل بدر وأهل ~~القادسية، وما اقتضاه النسب الهاشمي أو القرشي من العصبيات الجديدة، ومنهم طبقات ~~الأشراف من العلويين أو العباسيين وأبناء الأنصار والمهاجرين، على ما وضعه عمر في ~~ديوانه من مراتب العطاء باعتبار تلك الطبقات # 8 # وما يلحق بذلك من طبقات التابعين وتابعي التابعين والانتساب إلى مشاهير ~~الصحابة كآل الزبير وآل أبي بكر وغير ذلك مما اقتضاه الإسلام والفتوح، فتولد من ذلك ~~بيوتات إسلامية غير البيوتات العربية التي كانت قبل الإسلام. # وعندما سار العرب لفتح الشام والعراق كان أول من لقيهم على حدودها العرب أبناء ~~لغتهم وأهل عصبيتهم، ولما أوغلوا في هذين البلدين استأنس أهلوها باللسان العربي ~~لقربه من لسانهم الآرامي أو السرياني، مع بعد لسان حكامهم يومئذ الرومي أو الفارسي ~~عنهم - فكان ذلك من جملة ما مهد لهم أسباب الفتح - أما طبقات الناس الأصلية في هذين ~~القطرين فقلما أصابها تغير في عصر الراشدين؛ لأن المسلمين لم يكونوا يخالطونهم ولا ~~يدخلون في شيء من أحوالهم الإدارية أو الدينية أو السياسية، وإنما كان همهم اقتضاء ~~الجزية والخراج وحماية من دخل في ذمتهم من أهل الكتاب، فكانوا يقيمون في مضاربهم أو ~~معاقلهم بضاحية البلد المفتوح بما يشبه الاحتلال العسكري - إلا من دخل في حوزتهم من ~~الأرقاء بالأسر أو السبي ومن أعتقوه فصار من الموالي - وهناك طبقة جديدة نشأت ~~بانتشار الإسلام خارج جزيرة العرب، وهم المسلمون من غير العرب، ولهم شروط وأحوال ~~تخالف ما للعرب على ما بيناه في الجزء الرابع. ~~(7) نظام الاجتماع في عصر الأمويين # كانت قصبة الإسلام على عهد الراشدين في المدينة بجوار قبر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فنقلها ~~الأمويون إلى الشام قرب البلاد المفتوحة، وعملوا على توسيع دائرة مملكتهم، فجردوا ~~الجيوش وفتحوا المدن حتى وطئت حوافر خيولهم ما وراء النهر في أقصى الشرق ... وركبوا ~~بحر المجاز (مضيق جبل طارق)، إلى إسبانيا ففتحوها وما وراءها من بلاد الإفرنج إلى ~~منتصف غالة وهي ما يعرف الآن بفرنسا، ونصبوا أعلامهم على ms0859 أعظم مدائن الفرس والترك ~~والروم والإسبان والإفرنج، وهددوا القسطنطينية، وحولوا الاحتلال المؤقت إلى السيادة ~~الدائمة، وأقاموا دولة الإسلام في هذه الأقطار وأيدوها بنقل دواوين الحكومة في ~~الشام ومصر والعراق من اليونانية والقبطية والفارسية إلى العربية، وبعد أن كانت تلك ~~الدواوين يتولاها أهل البلاد غير المسلمين جعلوها في أيدي المسلمين، وضربوا النقود ~~العربية فاستعاضوا بها عن نقود الروم والفرس، ونقشوا عليها الآيات القرآنية بدلا ~~من الصور والرموز، ونقلوا طراز الدولة من اليونانية أو الفارسية إلى العربية، فآل ~~ذلك كله إلى انتشار العرب في الأرض وسيادة العنصر العربي ونشر اللغة ~~العربية. # وقد استمسك العرب بعصبيتهم خلال العصر الأول الذي تلا الفتح، وفرقوا بين أنفسهم ~~وبين الموالي تفرقة واضحة، وانقسموا هم أنفسهم إلى قحطانيين وعدنانيين، وظل العرب ~~في أيامهم على بداوتهم بما كانوا يتوخونه من المحافظة على خشونة الجاهلية وسذاجتها ~~وآدابها. # فطبقات الناس في العصر الأموي تقدمت خطوة عما كانت عليه في زمن الراشدين، فكان ~~الناس طبقتين كبيرتين: المسلمين وغير المسلمين، والمسلمون طبقتان: العرب وغير العرب ~~وهم الموالي، وظل غير المسلمين، وهم أهل الذمة من القبط والأنباط والروم والفرس ~~وغيرهم، على ما كانوا عليه قبل الإسلام، إلا من دخل منهم في خدمة المسلمين من ~~الأطباء والكتاب والمترجمين؛ فقد نشأت منهم طبقة جديدة من أهل الذمة لم تكن قبل ~~الإسلام، هذا إلى ما حدث في أثناء الفتوح الأموية والحروب الأهلية من انتقال بعض ~~الطوائف والجماعات من بلد إلى آخر، كانتقال السيابجة والزط إلى سواحل الشام في أيام ~~معاوية، ونقل الحجاج لجماعة من زط السند إلى العراق وإسكانه إياهم بأسافل كسكر، ~~وسبى عبيد الله بن زياد خلقا من أهل بخارا وإنزاله إياهم البصرة، ولما بنى الحجاج ~~مدينة واسط نقل كثيرا منهم إليها فأقاموا فيها وتناسلوا # 9 # فضلا عمن كانوا يصطحبونهم أحيانا في حملاتهم البعيدة للفتح أو الغزو، ~~فقد يكون في الحملة جماعات من البرابرة والأنباط والأقباط والجرامقة ~~والجراجمة # 10 # فهؤلاء إذا فتحوا بلدا أقاموا فيه وتناسلوا واختلطوا بأهله. # وبالجملة فإن الهيئة الاجتماعية في أيام الأمويين ms0860 كانت في بدء انتقالها من حالها ~~القديمة في عصر الروم والفرس إلى حالها الجديد الذي ستكون عليه في العصر الإسلامي، ~~ولم يتم ذلك الانتقال وتتكيف هذه الهيئة الاجتماعية بشكلها الخاص بالإسلام والتمدن ~~الإسلامي إلا في العصر العباسي، لترفع الأمويين عن الاختلاط بغير العرب ورغبتهم في ~~البقاء على البداوة، ومع إيغال جنودهم في بلاد فارس وخراسان وتركستان ومصر والمغرب ~~والأندلس، فإنهم قلما اختلطوا بأهلها أو اقتبسوا منهم أو قلدوهم في شيء من عاداتهم ~~وأخلاقهم، إلا ما اتخذوه من الحرس والبريد والسرير على ما يأتي بيانه، أما ~~العباسيون فنظرا لتغلبهم بالموالي على الأمويين فقد جعلوا مقامهم بين أشياعهم ~~الفرس، فبنوا بغداد على الحدود بين الفرس والسريان، أو بين الآريين والساميين، أو ~~بين المجوس والنصارى، وقربوا الفرس واتخذوا منهم الوزراء والعمال ورجال الدولة، ~~فنظموا لهم الدواوين على نحو ما كانت عليه في الدولة الساسانية. # | هوامش # | نظام الاجتماع في العصر العباسي # كل ما قدمناه من الكلام على طبقات الناس في العصور السالفة إنما هو تمهيد للكلام عن ~~العصر العباسي، عندما نضج التمدن الإسلامي وتكيفت طبقاته على شكل خاص بهذا التمدن، وكان ~~على أتم أشكاله في مدينة بغداد قصبة العالم الإسلامي، فهي أوضح أنموذج يمثل به نظام ~~الاجتماع في ذلك العصر. # كان الناس في العصر العباسي طبقتين: الخاصة والعامة، تحت كل منهما طبقات وأتباع وفروع ~~سيأتي تفصيلها: ~~(1) طبقات الخاصة # كان الخاصة خمس طبقات: ~~(1) # الخليفة. ~~(2) # أهله. ~~(3) # رجال دولته. ~~(4) # أرباب البيوتات. ~~(5) # توابع الخاصة. # فالخليفة صاحب السلطتين الدينية والسياسية # 1 # فأحر بمن كان هذا منصبه أن يعظم الناس شأنه، ويتقربوا إليه بالطاعة ~~وبذل الخدمة والتزلف بالمدح والإطراء، وسيأتي الكلام على الخلفاء ومجالسهم ومواكبهم ~~والآداب المتبعة في مخاطبتهم وغير ذلك في باب أبهة الدولة من هذا الجزء. # وأهل الخليفة هم بنو هاشم، وكانوا أرفع الناس قدرا بعده ويسمونهم الأشراف وأبناء ~~الملوك، # 2 # فإذا دخلوا على الخليفة جلسوا على الكرسي، وسائر الناس دونهم على ~~الوسائد أو البسط، إلا هو فإنه يجلس على السرير، وكانوا يرتزقون على الغالب برواتب ~~يقتضونها من ms0861 بيت المال، فضلا عما ينالونه من النعم والهدايا بحسب ما يتراءى ~~للخليفة في أمرهم، فإذا خاف تطاول أحدهم للملك أثقل يديه بالهدايا وقطع لسانه ~~بالعطاء؛ تلك كانت سياسة العباسيين منذ تأسيس دولتهم، وكان الهاشميون في أوائلها ~~عونا كبيرا في تأييدها، يتولون الأعمال ويقودون الجند ويعينون الخليفة بالرأي ~~والسياسة، فلما تأيدت أصبح الخلفاء يخافون مطامع أهلهم، فأخذوا يبذلون لهم الأموال، ~~فمن أعجزهم كف أذاه بالمال عمدوا إلى الفتك به، باشر ذلك أبو جعفر المنصور وسار ~~الخلفاء على خطته، فكانوا يعطون أهلهم الرواتب الباهظة والهدايا الفاخرة ويسهلون ~~عليهم أسباب القصف واللهو ليشتغلوا بذلك عن طلب الملك وتعجز هممهم عن ~~النهوض. # فكان الهاشميون في الغالب من أهل السعة ~~والرخاء، يتمتعون بشرف الملك ولا يحملون أوزاره وأعباء تبعته، فانغمس أكثرهم في ~~الترف وانهمكوا في الشراب والغناء وابتنوا القصور الشماء والحدائق الغناء، ~~واستكثروا من الجواري وجمعوا إليهم المغنين والقيان وقربوا الشعراء والأدباء، وأكثر ~~مقامهم في البصرة، بعيدين عن دور الخلفاء ودسائسها إلا من ولاه الخليفة عملا أو ~~جندا، واشتهر بعضهم بالثروة الطائلة كمحمد بن سليمان، فقد بلغت أمواله نيفا ~~وخمسين مليون درهم غير الضياع والدور، وكانت غلته 100000 درهم في اليوم، # 3 # وبلغت ثروة خمنة بنت عبد الرحمن الهاشمي ما لا يسعه الديوان، # 4 # ومع ذلك فقد كانوا يؤخذون بغير ذنبهم ويخافون الدسائس على ~~حياتهم. # وأما رجال الدولة فنريد بهم الوزراء والكتاب والقواد ومن جرى مجراهم من أرباب ~~المناصب العالية، وكان أكثرهم في إبان الدولة العباسية من الموالي وخصوصا الفرس، ~~كالبرامكة وآل سهل وآل وهب وآل الفرات وآل الخصيب وآل طاهر وغيرهم، وكانوا يختلفون ~~نفوذا وسطوة باختلاف الخلفاء وتفاوت أدوار التمدن، ولكن الوزارة كانت على الإجمال ~~من أوسع أبواب الكسب على ما بيناه في الجزء الثاني من هذا الكتاب. # أما أهل البيوتات فهم الأشراف من غير الهاشميين، ومرجع شرفهم إلى اتصال حبل ~~قرباهم بالنسب النبوي أو بقريش ، وكان الخلفاء يراعون جانبهم ~~ويفرضون لهم الأعطية والرواتب ويقدمونهم في ~~مجالسهم، على أن هذه الأنساب كانت أكثر نفعا ms0862 لأصحابها في عهد بني أمية منها في ~~أيام بني العباس، ولا سيما بعد ضعف العنصر العربي بقتل الأمين، فلما أفضى الأمر إلى ~~المعتصم قطع رواتب الأشراف في جملة ما قطعه من أعطيات سائر العرب، وربما أعيد بعضها ~~بعد ذلك على غير قياس. ~~(2) أتباع الخاصة # وللخاصة أتباع أخرجوهم من طبقات العامة بما خصوهم به من أسباب القربى والخدمة وهم ~~أربع طبقات: ~~(1) # الجند ~~(2) # الأعوان ~~(3) # الموالي ~~(4) # الخدم ~~(2-1) الجند # فالجند فرق كثيرة تختلف أصلا ونظاما على ما فصلناه في الجزء الأول من هذا ~~الكتاب، وقد يتبادر إلى الذهن قياسا على المألوف عندنا أن الجند رجال الخليفة ~~يأتمرون بأمره، وقد يكون بعضهم كذلك، لكنهم كانوا يختلفون في ذلك العصر عما هم ~~عليه الآن؛ لأن بعض الخاصة من الوزراء والعمال كانوا يجندون رجالا ينفقون ~~عليهم من أموالهم، وقد يبتاعون غلمانا ويربونهم للاستعانة بهم على أعدائهم وقت ~~الحاجة ويسمونهم بأسمائهم، وقد يذهب الوزير أو العامل وينتقل جنده إلى غيره ~~ويبقى معروفا باسمه، فاجتمع في بغداد من الأجناد طوائف كثيرة تنتسب إلى ~~أصحابها، كالساجية والنازوركية والبيلغية والهارونية، وفيهم الأتراك والفرس ~~والبرابرة والأحباش والأكراد. ومن هذا القبيل الفرق العزيزية والأخشيدية ~~والكافورية في مصر مما لا يحصى، ومن تلك الفرق ما هو من قبيل الضابطة أو نحوها ~~كالشاكرية، أو لمجرد حماية القصور أو غير ذلك. ~~(2-2) الأعوان # أما الأعوان فهم خاصة الرجل ورفاقه، ولا يراد بهم ما يراد بالرفاق أو ~~الأصدقاء اليوم، فقد كان للخلفاء وسائر الخاصة من رجال الدولة والأشراف رفاق ~~يصطحبونهم ويجالسونهم ويعيشون في منازلهم ويكون لهم رواتب يقتضونها، ومنهم ~~طائفة الجلساء الذين يجالسون الخليفة أو الأمير، وهم غير الندماء أو الشعراء، ~~وإنما هم رجال من أهل التعقل والثقة يختصهم الخليفة أو الأمير أو الشريف ~~بمجالسته، فيفاوضهم في شئونه ويركن إليهم في مهامه وتكون لهم الدالة عليه، ~~وربما كان بعضهم من مشايخ أهله أو بعض ذوي قرابته. ~~(2-3) الموالي # وأما الموالي فقد فصلنا الكلام عنهم في الجزء الرابع من هذا الكتاب، وبينا ~~أحوالهم وشروطهم وتاريخهم ولا حاجة ms0863 إلى المزيد. ~~(2-4) الخدم # أما الخدم فأكثرهم في ذلك العهد الأرقاء السود والبيض من الذكور والإناث، وقد ~~اصطلحوا أن يسموا الأرقاء البيض مماليك والسود عبيدا، ويقسم الكلام في الخدم ~~إلى ثلاثة أقسام: الأرقاء والخصيان والجواري. ~~(أ) الأرقاء # في الجزء الرابع من هذا الكتاب فصل عن الرق في الإسلام ومصادره وأحكامه، ~~وفصل آخر عن الخدم وطبقاتهم ونفوذهم في الدولة حتى نبغ منهم القواد ~~والوزراء، فنأتي في هذا المقام بما يختص من هذا الموضوع بنظام ~~الاجتماع. # قلنا فيما تقدم عن طبقات الناس قبل الإسلام: إن العامة من أهل البلاد ~~الأصليين بالشام والعراق ومصر وفارس كانوا يئنون تحت نير الاستعباد، وبعضهم ~~أرقاء فعلا ولا سيما الأقنان خدمة المزارع الذين كانوا ينتقلون مع ~~العقار من مالك إلى مالك، فهؤلاء العامة جاءهم الإسلام رحمة؛ لأنهم تحولوا ~~من الرق إلى الحرية أو إلى العهد، فمن أسلم صار حرا له ما للمسلمين وعليه ~~ما عليهم، ومن ظل على دينه دخل في ذمة المسلمين يدافعون عنه ما أدى الجزية، ~~إلا من حاربهم وأسروه فهو ملك لهم يتصرفون به كيف شاءوا، ولكن أكثر الذين ~~حاربوا المسلمين في صدر الإسلام من حامية البلاد وهم الجنود من الروم أو ~~الفرس لم يكونوا من عامة أهل البلاد المظلومين، فمن دخل من الحامية في أسر ~~المسلمين صار ملكا لهم، وكان للمسلمين بعد ذلك أن يطلقوا سراحهم أو ~~يعتقوهم، ولكن الغالب أنهم كانوا يدخلون الإسلام ويصبحون في جملة الموالي، ~~وقد زعم بعض أمراء بني أمية استعباد أهل البلاد المفتوحة عنوة أو اعتبار ~~المسلمين غير العرب من الموالي، ولكن الشريعة الإسلامية لم تجز لهم ذلك، ~~فأنكره العلماء وذوو الرأي فلم يلبث أن رجع عنه من أراده من القواد ورجال ~~الدولة، وقد كانت تصرفات أولئك القواد والأمراء من بين الأسباب التي دفعت ~~إلى الثورة على بني أمية، فلما قامت الدولة العباسية تلاشت هذه النزعات ~~نهائيا. # كثرة الأسرى والأرقاء # وتكاثر الأسرى في أثناء الفتوح حتى كانوا يعدون بالألوف ويباعون ~~بالعشرات، اعتبر ما كان من ذلك في الصدر ms0864 الأول وما تبعه من الفتوح البعيدة ~~في أيام بني أمية، فقد بلغت غنائم موسى بن نصير سنة 91ه في إفريقية 300000 ~~رأس من السبي، فبعث خمسها إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك 60000 رأس، ولم ~~يسمع بسبي أعظم من هذا، # 5 # وذكروا أن موسى هذا لما عاد من الأندلس كان معه 30000 بكر من ~~بنات شرفاء القوط وأعيانهم، # 6 # وقس على ذلك غنائم قتيبة في بلاد الترك وغيرها. # وبلغت غنائم إبراهيم صاحب غزنة سنة 472ه من قلعة في الهند 100000 ~~نفس، # 7 # وفي وقعة ببلاد الروم سنة 440ه بقيادة إبراهيم بن أينال سبى ~~المسلمون 100000 رأس غير الدواب، # 8 # وفي جملة غنائم الحرب، فضلا عن الأسرى من الرجال، جماعات من ~~النساء والغلمان مما يثقل نقله، فكثيرا ما كانوا يبيعونهم بالعشرات رغبة ~~في السرعة، كما فعلوا في واقعة عمورية سنة 223ه؛ إذ نادوا على الرقيق خمسة ~~خمسة أو عشرة عشرة، وربما بلغ ثمن الإنسان بضعة دراهم، ذكروا أنه بلغ من ~~كثرة غنائم المسلمين في واقعة الأرك بالأندلس أن بيع الأسير فيها بدرهم ~~والسيف بنصف درهم، # 9 # والبعير بخمسة دراهم، وقد يقضون عدة أشهر وهم يبيعون الأسرى ~~والغنائم. # تلك أمثلة من أسباب تكاثر الرقيق عند المسلمين، غير ما كان يرسله بعض ~~العمال إلى بلاط الخلفاء من الرقيق وظيفة كل سنة من تركستان # 10 # وبلاد البربر وغيرهما. # معاملة الأسرى # كانوا في صدر الإسلام إذا ظفروا بغنيمة تولى الأمير قسمتها على القواد، ~~بعد إرسال الخمس إلى بيت المال، ثم اختلف ذلك مع الزمان باختلاف الدول، ففي ~~الدولة الفاطمية بمصر كانوا إذا عاد الجند من حرب ومعهم الأسرى يصل الأسطول ~~بالنيل إلى شاطئ القاهرة فينزلون الأسرى ويطوفون بهم القاهرة، ثم ينزلونهم ~~في مكان كانوا يسمونه المناخ (في جهة الإسماعيلية اليوم) كان مستودعا ~~للأسرى الذكور، فينظرون فيهم فإذا استرابوا في أحد قتلوه، ومن كان شيخا لا ~~ينفع ضربوا عنقه وألقوا جثته في بئر كانت في خرائب مصر تعرف ببئر المنامة، ~~ومن بقي يضاف الرجال منهم إلى ms0865 من في المناخ، ويمضى بالنساء والأطفال إلى ~~قصر الخليفة، بعد ما يعطى الوزير منهم طائفة ويفرق الباقي لخدمة المنازل، ~~ويدفع الصغار من الأسرى إلى الأستاذين فيربونهم ويعلمونهم الكتابة ~~والرماية ويسمونهم إذ ذاك «الترابي»، وقد يرتقي أولئك الصبيان إلى رتب ~~الأمراء. # 11 # ولم يكن استخدام الأسرى على هذه الصورة خاصا بالمسلمين، بل هي عادة ~~كانت مرعية في تلك الأعصر، فمن يقع من المسلمين في أيدي أعدائهم كان حظهم ~~الاسترقاق حتى يفتديهم المسلمون، وكان للخلفاء عناية في فكاك الأسرى يبذلون ~~في سبيله المال أو يعطون أسرى عندهم على سبيل المبادلة، ومن هنا نشأ ما ~~يعرف «بالفداء» في تاريخ العلاقات بين المسلمين والروم؛ لأن الحرب كانت ~~سجالا بينهما في البر والبحر يأسرون بعضهم بعضا، فاحتاج الجانبان إلى ~~تنظيم عملية فداء الأسرى، فكانوا يتفقون على اللقاء في موضع معين لتبادل ~~الأسرى، فيتبادلونهم واحدا بواحد، حتى إذا زاد عند أحدهم عدد من الأسرى ~~افتداه الجانب الآخر بالمال، وكان الأمويون يفتدون أسراهم أحيانا وعلى ~~قلة، النفر بعد النفر، في سواحل الشام والإسكندرية وملطية وسائر الثغور على ~~الحدود، وأول فداء منظم وقع في أيام بني العباس على يد الرشيد كان سنة ~~189ه، وتوالى الفداء بعده بضع عشرة مرة في أثناء 150 سنة، وتزايدت عناية ~~المسلمين في فكاك أسراهم حتى أصبح أهل الورع من الأغنياء يقفون المال على ~~فكاكهم. # 12 # أما الروم فقلما كانوا يفتدون أسراهم بالمال، ولعل السبب في ذلك أن أولئك ~~الأسرى يكونون في الغالب لفيفا من رعاياهم أو أجنادا من الغرباء ~~المأجورين وليس من الروم أنفسهم، أما المسلمون فهم غالبا المهاجمون، فإذا ~~ظفروا كانت غنائمهم من ذلك اللفيف، وإذا غلبوا فمن وقع في الأسر منهم كان ~~من المحاربين الذين يستحقون الفداء، والرابطة القومية بين المسلمين يومئذ ~~أشد وثوقا منها بين الروم ورعاياهم وأجنادهم، على أن المسلمين كثيرا ما ~~كانوا يأبون المال بدل الأسرى ولا سيما في الدولة الفاطمية، ولا يعرف عن ~~هذه الدولة أنها فادت أسيرا من الإفرنج بمال ولا بأسير مثله، فكان ذلك من ms0866 ~~جملة البواعث على زيادة الأرقاء عند المسلمين. # فهل يستغرب بعد ذلك إذا استكثر المسلمون من العبيد والمماليك فيبلغ عددهم ~~عند بعضهم عشرة أو مائة أو ألفا؟ حتى الفقراء من عامة الجند كان أحدهم لا ~~يخلو من عبد أو بضعة عبيد يخدمونه، # 13 # وكان للفارس في عصر الأيوبيين عشرة أتباع يخدمونه أو بضع عشرات ~~إلى مائة؛ # 14 # فكيف بالأمراء والقواد؟ حتى في صدر الإسلام، فإن الخليفة عثمان ~~كان له ألف مملوك مع علمك بزهد الراشدين قبله، # 15 # فاعتبر كم يكون عددهم في أيام الثروة والترف، فقد كان الأمير ~~في الدولة الأموية إذا سار مشى في ركابه مائة عبد أو بضع مئات أو ألف ~~عبد، # 16 # وبلغ عدد غلمان رافع بن هرثمة والي خراسان سنة 289ه 4000 عبد ~~ولم يملك أحد من ولاة خراسان قبله مثله. # أصناف الأرقاء # وكانوا إذا تكاثر الأرقاء عند أحدهم وأراد استخدامهم في منزله جعل عليهم ~~نقيبا يتولى النظر في شئونهم يسمونه الأستاذ، على أن الغالب في الغلمان ~~إذا كثروا عند أمير أن يتخذهم جندا يحرسونه فيعلمهم الحرب والقتال، فقد ~~كان عند الأخشيد صاحب مصر 8000 مملوك يحرسه في كل ليلة ألفان، وأكثر فرق ~~الجند عند الأمراء من غلمانهم، وأصلهم من السبي والأسرى أو يبتاعونهم ~~بالمال لهذه الغاية كما تقدم في كلامنا عن فرق الجند، وربما بلغ ثمن ~~المملوك ألف دينار. # أما الباقون من الأرقاء للخدمة في البيوت فيعلمونهم الصنائع اللازمة ~~لتدبير المنزل، فمنهم الفراش والطباخ والخازن والوكيل أو النقيب والبواب ~~والملاح والركابي وغيرهم، # 17 # ومنهم الوصيف والمملوك، وفيهم التركي والفارسي والبربري ~~والزنجي والصقلبي بين مجلوب ومولد من الذكور والإناث مما لا يحصى. # وإذا زادوا عما يحتاجون إليه في الخدمة أو الحراسة أو الحماية اتخذوا ~~الغلمان منهم زينة لمجالسهم، وكان يفعل ذلك أهل السعة واليسار ولا سيما ~~الخلفاء، فإنهم تأنقوا في تزيينهم بأنواع اللباس المزخرفة مما لم يسبق له ~~مثيل، وأول من أقدم على ذلك الأمين بن الرشيد فإنه بالغ في طلب الغلمان ولا ~~سيما الخصيان، وابتاعهم وغالى ms0867 فيهم وصيرهم لخلوته وزينهم زينة الجواري، ثم ~~صار الاستكثار من الغلمان سنة عند الخلفاء فكان عند المقتدر بالله 11000 ~~غلام أو مملوك، وفيهم البيض والسود، فالبيض من الفرس والديلم والترك ~~والطبرية وغيرهم، والسود من النوبة والزغاوة يجلبونهم من مصر ومكة ~~وإفريقية، والزنج أصلهم من رجال صاحب الزنج الذي ثار بالبصرة، وهم غتم قح ~~يأكلون لحوم الناس والبهائم الميتة، وقد عوقبوا على ذلك فلم يرجعوا وكانوا ~~منفردين لا يختلطون بالبيض، ولكل طائفة نوبة في خدمة الخليفة بين حراسة ~~وغيرها. # 18 ~~(ب) الخصيان # الخصاء عادة شرقية كانت شائعة قديما بين الآشوريين والبابليين والمصريين ~~القدماء، وأخذها عنهم اليونانيون ثم انتقلت إلى الرومان فالإفرنج، ويقال: ~~إن أول من استنبطها سميراميس ملكة آشور نحو سنة 2000 قبل الميلاد، وكان ~~المظنون أن الخصاء يذهب بقوة الرجولية، وفي التاريخ جماعة من الخصيان ~~اشتهروا بالشجاعة والسياسة، وتولوا مناصب مهمة في أزمنة مختلفة، منهم نارسس ~~القائد الروماني الشهير في عهد جوستنيان في القرن السادس للميلاد، وهرمياس ~~حاكم أتارنية في ميسيا الشهير الذي قدم الفيلسوف أرسطو ذبيحة عن روحه غير ~~ما ذكره فيه من القصائد، وممن اشتهر من الخصيان في الإسلام كافور الإخشيدي ~~صاحب مصر، واشتهر منهم في الهند وفارس والصين جماعات كبيرة، واستبد الخصيان ~~في أواخر الدولة الرومانية استبدادا كبيرا. # وللخصاء أغراض أشهرها استخدام الخصيان في دور النساء غيرة عليهن، فلما ~~ظهر الإسلام وغلب الحجاب على أهله استخدموا الخصيان في دورهم، وأول من فعل ~~ذلك يزيد بن معاوية، فاتخذ منهم حاجبا لديوانه اسمه فتح، واقتدى به غيره ~~فشاع استخدامهم عند المسلمين، مع أن الشريعة الإسلامية أميل إلى تحريمه، ~~على ما يؤخذ من حديث رواه ابن مظعون. # وكانت تجارة الرقيق شائعة في أوربا قبل الإسلام، ومن أسباب رواجها أن ~~قبائل الصقالبة (الروسيين) نزلوا في أوائل أدوارهم شمالي البحر الأسود ونهر ~~الطونة، ثم أخذوا ينزحون غربا جنوبيا نحو أواسط أوربا وهم قبائل عديدة ~~عرفت بعدئذ بقبائل السلاف (الصقالية أو السكلاف) والصرب والبوهيم ~~والدلماشيين وغيرهم، فاضطروا وهم نازحون أن يحاربوا الشعوب الذين ms0868 في طريقهم ~~كالسكسون والهون وغيرهم، وكان من عادات أهل تلك العصور أن يبيعوا أسراهم ~~بيع الرقيق كما تقدم، فتألف لذلك جماعات كبيرة من التجار يحملون الأسرى عن ~~طريق فرنسا فإسبانيا، وقد يحملونهم إلى إفريقية والشام ومصر، فلما وقعت هذه ~~البلاد في أيدي المسلمين راجت تلك التجارة. # فكان التجار من الإفرنج وغيرهم يبتاعون الأسرى من الصقالبة والجرمان من ~~جهات ألمانيا عند ضفاف الرين والألب وغيرهما إلى ضفاف الدانوب وشواطئ البحر ~~الأسود - ولا يزال أهل جورجيا والجركس إلى اليوم (حوالي 1910) يبيعون ~~أولادهم بيع السلع - فإذا عاد التجار من تلك الرحلة ساقوا الأرقاء أمامهم ~~سوق الأغنام، وكلهم بيض البشرة على جانب عظيم من الجمال، وفيهم الذكور ~~والإناث حتى يحطوا رحالهم في فرنسا ومنها ينقلونهم إلى إسبانيا (الأندلس) ~~فكان المسلمون يبتاعون الذكور للخدمة أو الحرب والإناث للتسري، وغلب على ~~أولئك الأرقاء انتسابهم إلى قبيلة السلاف، وكانت تلفظ عندهم «سكلاف» فعربها ~~العرب «صقلبي»، وأصبح هذا اللفظ عندهم يدل على الرقيق الأبيض بالإجمال، ~~وكثيرا ما يرد لفظ الصقالبة في تاريخ الإسلام ويراد به الأرقاء من قبائل ~~السلاف والجرمان، وفعل الإفرنج نحو ذلك أيضا فاستخدموا هذا اللفظة لنفس ~~هذا المعنى ومنها # esclave # في الفرنسية ~~و # sklave # في الجرمانية ~~و # slave # في الإنجليزية. # ولما شاع الحجاب بين المسلمين إبان ~~سلطانهم واستخدموا الخصيان في دورهم، عمد تجار الرقيق - وأكثرهم من اليهود ~~- إلى خصاء بعض الأرقاء وبيعهم بأثمان غالية، فراجت تلك البضاعة وكثر ~~المشتغلون بها وأنشأوا «لاصطناع» الخصيان معامل عديدة أشهرها «معمل» ~~الخصيان في فردان بمقاطعة اللورين في فرنسا، وكان اليهود يخصون أولئك ~~المساكين وهم أطفال فيموت كثيرون منهم على أثر العملية، فمن بقي حيا ~~أرسلوه إلى إسبانيا فيشتريه الكبراء بثمن كبير، وأصبحوا بتوالي الأزمان ~~يتهادون الخصيان كما يتهادون الخيل أو الإناث أو الآنية، فكان ملوك الإفرنج ~~إذا أرادوا التقرب من خليفة المسلمين في الأندلس أو غيرها أهدوه التحف ومن ~~جملتها الخصيان، كما فعل أمير برشلونة وطركونة لما طلبا تجديد الصلح من ~~المستنصر خليفة الأندلس فإنهما أهدياه 20 خصيا من ms0869 الصبيان الصقالبة و20 ~~قنطارا من صوف السمور ... إلخ، فتكاثر الخصيان في بلاط الخلفاء حتى تألفت ~~منهم فرق الحراسة الخاصة، كما تألفت الفرق من سائر المماليك والعبيد، فإذا ~~احتفل الخليفة ببيعة أو نحوها كان المماليك والخصيان زينة ذلك ~~الاحتفال. # وراجت تجارة الصقالبة في إبان التمدن الإسلامي، وكل ما كان يفد على ~~المملكة الإسلامية منهم يستجلب من الأندلس؛ لأنهم كانوا يخصون بالقرب منها، ~~غير ما يحملونه من الصقالبة من جهات خراسان مما يسبيه الخراسانيون ويحملونه ~~للبيع؛ لأن بلد الصقالبة طويل يسبيه الإفرنج من الغرب والخراسانيون من ~~الشرق. # 19 ~~(ج) الجواري # تكاثرهن # للجواري شأن كبير في تاريخ التمدن الإسلامي لا يقل عن شأن العبيد ~~والموالي، وأصل الجواري ما يسبيه الفاتحون في الحرب من النساء والبنات، فهن ~~ملك الفاتحين ولو كن من بنات الملوك أو الدهاقين، يستخدمونهن أو يستولدونهن ~~أو يتصرفون في بيعهن تصرف المالك بملكه، # 20 # ولما أفضت أحوال المسلمين إلى الترف والقصف وتدفقت الأموال من ~~خزائن الخلفاء والأمراء جعلوا يتهادونهن كما يتهادون الحلي والجواهر، فمن ~~أحب التقرب من كبير أهدى إليه جارية أتقنت صناعة يعلم أنه راغب فيها؛ فإذا ~~علم مثلا أنه يحب الجمال أهداه وصيفة جميلة، أو علم منه ميلا إلى الغناء ~~أهدى إليه قينة رخيمة الصوت، وقد يهديه عدة جوار أتقن عدة صناعات، وربما ~~صارت إحداهن بعد حين أم ذلك المنزل وصاحبة الأمر فيه إذا استولدها سيدها، ~~وإذا كانت في دار خليفة لا يبعد أن تصير من أمهات الخلفاء، كما اتفق لأكثر ~~خلفاء بني العباس، ذكروا أن جارية اسمها دنانير صفراء صادقة الملاحة كانت ~~أروى الناس للغناء القديم، وقد خرجها رجل من أهل المدينة فاشتراها جعفر ~~البرمكي، وسمع الرشيد صوتها فألفها وصار يسير إلى جعفر لسماع غنائها ووهب ~~لها هبات سنية، وعلمت امرأته زبيدة بخبرها فشكته إلى عمومته فلم ينجحوا في ~~إرجاعه، فرأت أن تشغله عنها بالجواري، فأهدت إليه عشر جوار منهن مارية أم ~~المعتصم ومراجل أم المأمون وفاردة أم صالح. # 21 # وكثيرا ما كان العمال والأمراء يتقربون إلى الخلفاء ms0870 بأمثال هذه الهدايا، ~~فأهدى ابن طاهر إلى الخليفة المتوكل هدية فيها 200 وصيفة ووصيف، # 22 # فلا غرو إذا تكاثرن في قصور الخلفاء والأمراء وأهل الوجاهة، ~~وليس الاستكثار منهن حادثا في الإسلام، وإنما هو من بقايا التمدن القديم، ~~فقد كان ملوك الفرس والروم يتهادون وبلغت ~~عدتهن عند بعض الأكاسرة 6000 ~~جارية، # 23 # وكان لجماعة من بني العباس ألف جارية، وسيأتي بسط ذلك في مكان ~~آخر. # أصناف الجواري # فلما تعود الناس اقتناء الجواري اشتغل النخاسون في استجلابهن من أقصى ~~بلاد الترك والهند والكرج والخطا وأرمينيا والروم والبربر والنوبة والزنج ~~والحبشة صغارا وكبارا، يربونهن على ما تقتضيه مواهبهن أو جمالهن، فينبغ ~~منهن الخدم والحواضن والمواشط والولائد والمغنيات والعوادات والعالمات ~~وأمهات الدهاء والسياسة وغير ذلك، وفيهن البيضاء والسمراء والحمراء ~~والبربرية والزنجية، بين مولدة في البصرة أو الكوفة أو بغداد ممن يفصحن ~~العربية، ومجلوبة من أرضها أو سبية أخيذة على حالها تتكلم التركية أو ~~الفارسية أو الرومية أو الهندية أو البربرية، ولا تزال، ولو تعربت، أعجمية ~~اللسان، والمولدة أثمن من الجليبة، وتختلف أثمانهن باختلاف الصناعة أو ~~الجمال وباختلاف الغرض من ابتياعهن للتوليد أو الغناء أو الخدمة، وفي ~~الجليبات النصرانية واليهودية والمجوسية، لكل منهن شأنها في دينها حتى ~~يعيدن أعيادهن بما يستلزمه العيد من الزينة الدينية كالصلبان والأحجبة ~~ونحوها؛ ذكر أحمد بن صدقة أنه دخل على المأمون في يوم الشعانين وبين يديه ~~عشرون وصيفة جلبا روميات مزنرات قد تزين بالديباج الرومي وعلقن في أعناقهن ~~صلبان الذهب وفي أيديهن الخوص والزيتون. # 24 # على أنهم كانوا يختصون كل صنف من الجواري بصفات خاصة، وقد صنفوا كتبا في ~~هذا الموضوع بينوا فيها الصفات المستحسنة في كل صنف منهن، وخلاصة ذلك ~~قولهم: من أراد النجابة فبنات فارس، ومن أراد الخدمة فبنات قيصر، ومن أراد ~~غير ذلك فبنات بربر، والمولدات والزنجيات للزمر، والحبشيات للحفظ وخزن ~~المال، والنوبة للطبخ، والأرمن للتربية والرضاع، ومن أقوالهم: الوجوه في ~~الترك، والأجسام في الروم، والشعور في الخطا وفارس، والعيون في الحجاز، ~~والخصور في اليمن، # 25 # وقالوا ms0871 في وصف المولدات بالبصرة والكوفة: إنهن ذوات الألسن ~~العذبة، والقدود المهفهفة، والأوساط المخصرة، والأصداغ المزرفنة، والعيون ~~المكحلة # 26 # مما يطول شرحه، وكانت تجارة الجواري على أروجها في بغداد، ~~فكانوا يحملون إليها أجملهن خلقا وأذكاهن عقلا، لما يتوقعونه من بيعهن ~~بالأثمان الباهظة. # تعليم الجواري # وكان تعليم الجواري وتربيتهن من أبواب الكسب الواسعة في ذلك العصر، فيذهب ~~أحدهم إلى دار الرقيق يبتاع جارية يتوسم فيها الذكاء، فيثقفها ويرويها ~~الأشعار أو يلقنها الغناء أو يحفظها القرآن أو يعلمها الأدب أو النحو أو ~~العروض أو فنا من فنون المنازل ثم يبيعها، وكان يفعل ذلك على الخصوص ~~المغنون المشهورون بدقة الصناعة كإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق، فربما ابتاع ~~أحدهم الجارية بمائة دينار فإذا علمها وثقفها باعها بخمسمائة أو ألف ~~دينارا، # 27 # وأشهر المغنيات في المدينة والبصرة وبغداد تعلمن على هذه ~~الصورة، وقد يربي بعضهم الجارية ويهديها إلى الخليفة أو الوزير لتكون وسيلة ~~له في نفوذ الكلمة عنده، وقد تنبغ إحداهن في فن من الفنون الجميلة كالغناء ~~أو الشعر أو الأدب فتبتاع بألوف الدنانير، # 28 # فكيف إذا أتقنت غير فن منها؟ وربما نبغت منهن من تجيد الشعر ~~والغناء أو فنون الأدب والأخبار، فيقصدها أهل الأدب وذوو المروءة للمذاكرة ~~والمساجلة في الشعر وغيره، وقد ينبغن في حفظ القرآن حتى كان منهن عند أم ~~جعفر مائة جارية لكل واحدة ورد عشر القرآن، وكان يسمع في قصرها كدوي النحل ~~من القراءة. # 29 # فتعدد الجواري في دور الكبراء وتسابق أهل الترف إلى التفنن في تزيينهن، ~~وأشهر من فعل ذلك أم جعفر المذكورة، فإنها لما رأت ابنها يغالي في تخنيث ~~الغلمان وإلباسهم ملابس النساء اتخذت طائفة من الجواري سمتهن المقدودات، ~~عممت رءوسهن وجعلت لهن الطرر والأصداغ والأقفية وألبستهن الأقبية والقراطق ~~والمناطق كأنهن من الغلمان، واقتدى بها وجيهات قومها فاتخذن الجواري ~~الغلاميات أو المطمومات وألبسنهن الأقبية والمناطق الذهب. # 30 # نفوذ الجواري # وطبيعي في ربات الحسن أن يكن نافذات الكلمة؛ لأن الجمال قوة والحب سلاح، ~~ولذلك كان أرباب الدهاء من الخلفاء والأمراء يتباعدون عن ms0872 الجواري، إذا ~~أهدي إلى أحدهم جارية لم يلتفت إليها، ولا سيما مؤسسي الدول كمعاوية ~~والمنصور وعبد الرحمن الداخل، فاشتهر المنصور بكرهه للهو، وكان عبد الرحمن ~~إذا أهداه أحد جارية ردها، # 31 # وعكس ذلك خلفاء أواسط الدولة إبان الترف والقصف والرخاء، فإنهم ~~كانوا يتمادون في حب الجواري حتى يتسلطن على عقولهم، كما فعلت حبابة بيزيد ~~بن عبد الملك الأموي حتى كادت تذهب بعقله وشغلته عن مهام الخلافة، وكما ~~فعلت ذات الخال بالرشيد، فإنها ملكت قياده حتى حلف يوما أنها لا تسأل ~~شيئا في ذلك اليوم إلا قضاه لها، فسألته أن يولي حمويه الحرب والخراج ~~بفارس سبع سنين، ففعل وكتب له عهده به وشرط على ولي عهده بعده أن يتمها له ~~إن لم تتم في حياته، # 32 # وكثيرا ما كان الخلفاء والأمراء يشتغلون بالجواري عن رعاية ~~الملك ولا سيما المغنيات، ولذلك كان رجال الحيلة يستخدمونهن للجاسوسية أو ~~نيل رتبة أو منصب، وكان المأمون يدس الوصائف هدية ليطلعنه على أخبار من ~~شاء. # 33 # ويزداد الجواري نفوذا وسطوة إذا صرن أمهات كما صارت الخيزران ~~وغيرها من أمهات الخلفاء، راجع الجزأين الثاني والرابع من هذا الكتاب، ~~وسيأتي الكلام على المغنيات في باب المغنين. ~~(3) طبقات العامة # فرغنا من طبقات الخاصة وأتباعهم، ونحن متكلمون عن العامة وهم أكثر عددا وأبعد عن ~~الحصر؛ لأنهم لفيف من أمم شتى ولا سيما في بغداد في إبان عمارتها، وقد تقاطر إليها ~~المرتزقون والمحترفون والمستجدون من أطراف المملكة الإسلامية، بين صانع وبائع وفيهم ~~العربي والنبطي والفارسي والخراساني والتركي والسندي والرومي والكرجي والأرمني ~~والكردي والقبطي والبربري والنوبي والزنجي والأندلسي وغيرهم، وفيهم أهل الحرف ~~الراقية، وتجار السلع والأقمشة والجواهر والرقيق وباعة الطعام والشراب، فضلا عن ~~الأدباء والشعراء والحكماء والمغنين والندماء مما يطول شرحه ويعسر حصره، على أننا ~~تسهيلا للبحث نقسم العامة على الإجمال إلى طبقتين كبيرتين: الأولى طبقة المقربين ~~من الخاصة، والثانية طبقة الباعة وأهل الحرف والرعاع وغيرهم. ~~(3-1) الطبقة الأولى: المقربون من الخاصة # نريد بهذه الطبقة نخبة العامة الذين تسمو بهم نفوسهم أو ms0873 عقولهم إلى التقرب من ~~الخاصة بما يعجبهم أو يطربهم، فيستظلون بهم ويعيشون من عطاياهم أو رواتبهم أو ~~يرتزقون من بيع سلعهم لهم، وهم أربع فئات: أهل الفنون الجميلة والأدباء والتجار ~~والصناع. ~~(أ) أهل الفنون الجميلة # المصورون # الفنون الجميلة - ويسميها العرب «الآداب الرفيعة» - ثلاثة: التصوير، ~~والشعر، والموسيقى، فالتصوير لم يكن له شأن كبير في التمدن الإسلامي لورود ~~القول بتحريمه، وإنما كانوا يصورون ما يصورونه في الدولة الأموية والعباسية ~~يقلدون به ما بين أيديهم من تصوير الروم والفرس، أو ما جاء به السلاجقة من ~~صناعة المغول من أواسط تركستان، على أن التصوير أزهر، وارتقى في بلاد فارس ~~بعد اجتماع كلمة الفرس تحت سيطرة المغول على أثر فتح هولاكو بغداد سنة 656ه ~~فإن تلك الصناعة أخذت في الارتقاء من ذلك الحين؛ لأن المغول المشار إليهم ~~أتوا معهم بمهندسين من أهل الصين تولوا هندسة حصار بغداد، ومعهم جماعة من ~~أرباب الفنون الجميلة والرياضيات والصناعات الدقيقة، فاستفاد الفرس منهم ~~وأتقنوا هذه الفنون وفي جملتها التصوير ونشروه في سائر ممالك المسلمين، ~~وزينوا به كتبهم وجدران قصورهم ومنسوجاتهم في بلاد فارس ومصر وتركستان ~~وغيرها، # 34 # وفي دور الكتب الكبرى في مدائن العالم المتمدن اليوم أمثلة من ~~هذه الصور، ملونة تلوينا بديعا أكثرها تمثل حوادث بعض كتب التاريخ أو ~~الأدب أو العلم، وبعضها تمثل رسوما خيالية كصورة المعراج ونحوها، ففي دار ~~الكتب بالقاهرة صور ملونة هي عبارة عن أشكال زينوا بها كتابي الشاهنامة ~~للفردوسي وعجائب المخلوقات للقزويني وغيرهما، أما في إبان التمدن الإسلامي ~~فلم يكن لأهل هذه الصناعة سوق عند الخاصة، إلا من اشتغل منهم بهندسة ~~الأبنية ولا سيما في الأندلس. # الشعر والموسيقى # أما الشعر والموسيقى فقد راجا وتقرب أصحابهما من الخلفاء وسائر طبقات ~~الخاصة واكتسبوا بهما الأموال الطائلة، وقد بينا في الجزء الثالث من هذا ~~الكتاب ما هو الشعر العربي وما أصله، وما كان شأنه في الجاهلية وما آل إليه ~~بعد الإسلام، من عصر الراشدين فالأمويين فالعباسيين وسائر دول الإسلام، ~~وتحدثنا عن جمع الشعر ورواته وطبقات الشعراء ms0874 في الإسلام وأشعارهم، والشعر ~~وتأثيره في الدولة والشعر والخلفاء والأمراء وغير ذلك - وسيأتي الكلام عما ~~كان الشعراء يصيبونه من الأموال - بقي علينا النظر في الموسيقى وأهلها وهم ~~المغنون. ~~(ب) المغنون # الغناء قبل الإسلام # الغناء طبيعي في الأمم؛ لأنه لغة النفوس وترجمان العواطف، وكل أمة غناؤها ~~يناسب طبائعها وعاداتها، فالعرب في الجاهلية كانوا أهل ماشية وأنعام وخيام، ~~فلم ينتبهوا إلى شيء من الفنون الجميلة غير الشعر، وكانوا يلهجون به ~~ويطربون بتلاوته بلا ترنيم ولا غناء، وتلك أول خطوة نحو الموسيقى؛ لأنها ~~بنت الشعر أو أخته. # ثم ظهر فيهم «الحداء» وهو غناء يتغناه الحداة في سوق إبلهم والفتيان في ~~قضاء خلواتهم، ثم عمدوا إلى «الترنيم»، وكان ترنيمهم على نوعين: «الغناء» ~~وهو ترنيم الشعر، و«التغبير» (بالغين والباء) وهو ترنيم القراءة لغير ~~الشعر. # ثم تنوع الغناء عندهم حتى صار على ثلاثة أوجه، أو ثلاثة ألحان أو أصوات ~~وهي: النصب والسناد والهزج، «فالنصب» يريدون به غناء الركبان وغناء ~~الفتيان، وهو الذي يقال في المراثي، ويسمى «الغناء الجنابي» نسبة إلى رجل ~~من قبيلة كلب اسمه جناب بن عبد الله يزعمون أن أصل الحداء منه، وهو يخرج من ~~الطويل في العروض، و«السناد» اللحن الثقيل ذو الترجيع الكثير النغمات ~~والنبرات، وهو على ستة طرق، منها الثقيل الأول وخفيفه والثقيل الثاني ~~وخفيفه، وأما «الهزج» فهو الخفيف الذي يرقص عليه ويمشي بالدف والمزمار ~~فيطرب ويستخف الحلوم، وشاع الغناء قبل الإسلام في أمهات المدن من بلاد ~~العرب وهي المدينة والطائف وخيبر.» # 35 # أما آلات الموسيقى عندهم فأشهرها الدف، وهو أشكال منها المستدير والمربع ~~والكبير والصغير، والمزمار على أبسط أنواعه، ولا يظهر أنهم كانوا يعرفون ~~غير الدف والمزمار وما يتفرع عنهما من آلات النفخ والقرع، وأما آلات ~~الأوتار كالعيدان والطنابير والمعازف ونحوها فهي من صناعة الفرس والروم، لم ~~يعرفها العرب إلا بعد الإسلام. # الغناء في الإسلام # فلما جاء الإسلام واستولى العرب على ممالك الدنيا وحازوا سلطان العجم ~~والروم، كانوا في عصر الراشدين لا يزالون على بداوتهم مع غضارة الدين ~~وشدته، مما يدعو ms0875 إلى ترك أحوال الفراغ وما ليس نافعا في دين ولا معاش، حتى ~~تركوا ما كان عندهم من أنغام الجاهلية، ولم يكن الملذوذ عندهم إلا ترجيع ~~القراءة والترنم بالشعر، فلما جاءهم الترف في أيام بني أمية ومن بعدهم وغلب ~~عليهم الرفه بما حصل لهم من غنائم الأمم صاروا إلى نضارة العيش ورقة ~~الحاشية واستحلاء الفراغ، وكان المغنون من الروم والفرس قد دخلوا في سلطان ~~العرب، وحمل بعضهم إلى الحجاز في جملة الأسرى أو السبايا فأصبحوا من موالي ~~العرب، وقد حملوا معهم العيدان والطنابير والمعازف والمزامير، فغنوا بها ~~فأعجبوا بألحانهم فاشتغل المغنون وأكثرهم من الموالي في تلحين أشعار العرب ~~على الألحان الفارسية أو الرومية، فنبغ في المدينة في أيام بني أمية طائفة ~~من المغنين، والمشهور أن أول من أدخل غناء الفرس إلى العربية سعيد بن مسحج، ~~وهو مكي أسود كان في مكة لما حاصرها الأمويون، وفيها ابن الزبير في أواخر ~~القرن الأول للهجرة، فاستقدم ابن الزبير بعض البنائين من الفرس لترميم ~~الكعبة، فسمعهم سعيد بن مسحج يغنون بالفارسية فالتقط النغم وغناه بالعربية، ~~فأعجب الناس كثيرا فسافر إلى الشام وفارس فأتقن فن الغناء، وعنه أخذ من ~~جاء بعده من مغني المدينة وغيرها، وشاع الغناء في المملكة الإسلامية وراجت ~~بضاعته باتساع أسباب الحضارة والرخاء، وتكاثر المغنون لما شاهدوه من رغبة ~~الخاصة في الغناء، فنبغ جماعة من مهرة الموسيقيين أتقنوا هذه الصناعة ~~وآلاتها إتقانا حسنا، على ما بيناه في الجزء الثالث من هذا الكتاب، وإنما ~~يهمنا الآن النظر في تاريخ انتشار المغنين في الإسلام وما كان من منزلته ~~ومنزلتهم. # الغناء والدين # كان الغناء في صدر الإسلام مكروها إن لم نقل محرما، واختلف الأئمة في ~~تحريمه وتحليله كله أو بعضه، ويقال بالإجمال إن أهل الحجاز أجازوه وأهل ~~العراق كرهوه، وحجة من أحله أن أصله الشعر الذي استحسنه النبي # صلى الله عليه وسلم # وحض ~~عليه وندب أصحابه إليه، واستنصر به على المشركين، فقال لحسان شاعره: «شن ~~الغارة على بني عبد مناف، فوالله لشعرك أشد عليهم من وقع ms0876 السهام في غلس ~~الظلام.» وأكثر شعر حسان يغنى به، وحجة من حرمه أنه يسعر القلوب ويستفز ~~العقول ويستخف الحليم ويبعث على اللهو ويحض على الطرب، وهو باطل من ~~أصله، # 36 # وحلل آخرون بعض الغناء وحرموا بعضه، ولكن أهل التعقل والتقوى ~~كانوا يكرهونه في كل حال، ولذلك لم يظهر إلا بعد عصر الراشدين، وكان معاوية ~~بن أبي سفيان يعيب على الراغبين في الغناء، ولا سيما أهل الوجاهة والشرف، ~~وله مع عبد الله بن جعفر حكاية تدل على أنه كان يعيب عليه استماع ~~الغناء، # 37 # وإن سره اشتغال هذا وسواه من أهل النبي باللهو والطرب عن ~~مقاومته في طلب الخلافة، بل هو كان يبذل لهم الأموال في هذا السبيل. # ولما تولى الخلافة أصحاب اللهو والقصف أخذ الغناء في الانتشار، وأول من ~~أباحه ونشط أهله يزيد بن معاوية، ففي أيام هذا (سنة 60-64ه) ظهر الغناء في ~~مكة واستعملت الملاهي؛ لأنه كان صاحب لهو وطرب، # 38 # وتفشى الغناء الجديد في الحجاز ولا سيما المدينة، وما زال ~~محصورا فيها تقريبا حتى أفضت الخلافة إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك ~~(سنة 125-126ه) وكان صاحب شراب ولهو مع تهتك وخلاعة، فبعث إلى المدينة في ~~استقدام المغنين إليه في دمشق # 39 # فأخذ الغناء في الانتشار في بلاد الإسلام من ذلك الحين. # مقاومة الخلفاء للغناء # على أن أهل التعقل من الخلفاء والأمراء كانوا لا ينفكون عن منعه جهد ~~طاقتهم، وكان العقلاء من غير الحكام يحرضون الولاة على منعه حتى في المدينة ~~معدن الغناء في ذلك العصر، # 40 # وكثيرا ما كان أمير مكة يخرج المغنين من الحرم خوفا من ~~افتتان الناس بغنائهم # 41 # وصرفهم عن أمور دينهم، ولم يكن أهل الغيرة على العرض يصبرون ~~على سماعه، ومن أقوالهم: «المغنون رسل الغرام». # ذكروا أن سليمان بن عبد الملك كان يكره الغناء، فسمع مغنيا في عسكره ~~فطلبه فجاءوه به فقال: «أعد ما غنيت.» فتغنى واحتفل فقال سليمان: «والله ~~لكأنها جرجرة الفحل في الشول، وما أحسب أنثى تسمع هذا إلا صبت إليه.» ms0877 ثم ~~أمر به فخصي! # 42 # وسليمان هو الذي أمر بخصي المخنثين في المدينة لمثل هذا السبب، قيل: إنه ~~كان في بادية له يسمر ليلة على ظهر سطح وقد تفرق عنه جلساؤه، فدعا بوضوء ~~فجاءت به جارية فبينما هي تصب عليه لحظ أن ذهنها مشتغل عنه بغناء تسمعه ~~فتجاهل، وفي الصباح ذكر الغناء ولين فيه حتى ظن القوم أنه يشتهيه، فأفاضوا ~~فيه وذكروا من كان يسمعه ومن يغنيه حتى توصل إلى الرجل الذي شغلت الجارية ~~بغنائه في الأمس، فلما تحقق ذلك أقبل على القوم وقال: «هدر الجمل فضبعت ~~الناقة، ونب التيس فشكرت الشاة، وهدل الحمام فزافت الحمامة، وغنى الرجل ~~فطربت المرأة!» ثم أمر به فخصي. وسأل عن الغناء أين أصله فقيل: «في ~~المدينة بجماعة المخنثين وهم أئمته والحذاق فيه.» فكتب إلى عامله هناك: ~~«أخص من قبلك من المخنثين المغنين.» فخصاهم. # 43 # على أن المتهتكين من الخلفاء والأمراء لم ينكروا ما يجر إليه الغناء من ~~أسباب اللهو، قال الوليد بن يزيد الذي ذكرنا أنه أول من استقدم المغنين ~~إليه: «إياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة ~~ويثور على الخمر ويفعل ما يفعل المسكر، فإن كنتم فاعلين فجنبوه النساء فإن ~~الغناء رقية الزنا، وإني لأقول ذلك فيه على أنه أحب إلي من كل لذة وأشهى ~~إلي من الماء البارد إلى ذي الغلة، ولكن الحق أحق أن يقال!» # 44 # فكيف بالعقلاء وأهل الحزم ومؤسسي الدول أو معيديها مثل معاوية وهشام ~~والمنصور وأبي مسلم، أو أهل التقوى مثل عمر بن عبد العزيز الأموي والمهتدي ~~العباسي؟ فقد تقدم ما عابه معاوية على عبد الله بن جعفر، أما هشام فسمع عن ~~أشعب المضحك في المدينة فأمر كاتبه أن يكتب باستقدامه، فلما ختم الكتاب ~~أطرق هشام طويلا ثم قال: «هشام يكتب إلى بلد رسول الله ليحمل إليه مضحك؟!» ~~وتمثل: # إذا أنت طاوعت الهوى قادك الهوى # إلى بعض ما فيه عليك مقال # وأوقف الكتاب، # 45 # وأما المنصور فقد كان يعير آل الزبير بحبهم الغناء. # 46 # وسمع ms0878 ذات يوم ضرب طنبور في داره فكسره على صاحبه، أما عمر بن ~~عبد العزيز فبلغه أن قاضيا من قضاته استخفه الطرب من الغناء فأمر ~~بعزله. # 47 # والمهتدي العباسي كان يتشبه بعمر المذكور، فلما تولى الخلافة ~~سنة 255ه كانت الملاهي قد انتشرت في الدولة العباسية فأمر بمنع ~~الغناء # 48 # وربما امتنعوا عنه إلى أجل ريثما يصفو لهم الزمان، كما فعل ~~المأمون لما عاد من خراسان وقد أهمه تأييد خلافته، فبقي عشرين شهرا لا ~~يسمع غناء، # 49 # وكذلك الأمراء العقلاء مثل خالد القسري، فإنه أمر صاحب شرطته ~~بمنع الغناء من العراق. # 50 # اشتغال الخلفاء بالغناء # ولكن ذلك لم يكن ليمنع تيار الترف من مجراه الطبيعي، على ما اقتضته ~~الحضارة في ذلك العهد، فالمسلمون لما تحضروا وأخلدوا إلى السكينة والراحة ~~عمدوا إلى أسباب الرخاء وفي جملتها الغناء، والمرجع في ذلك إلى الخلفاء ~~والأمراء؛ لأن الناس على دين ملوكهم ولا سيما في الحكم المطلق، فإذا أحب ~~الخليفة الغناء أحبه رجال دولته، فراجت بضاعته وكثر المغنون والمغنيات حتى ~~اشتغل الخلفاء وأهلهم به وتعلموا الضرب على آلاته، وأول من دونت صنعته به ~~عمر بن عبد العزيز في أيام إمارته على الحجاز، ثم الوليد بن يزيد وله أصوات ~~اشتهرت عندهم، واشتغل جماعة من خلفاء بني العباس بصناعة الألحان والتلحين، ~~أشهرهم الواثق والمنتصر والمعتز والمعتمد والمعتضد، أما أبناء الخلفاء فأول ~~من دونت صنعته فيه إبراهيم بن المهدي وأبو عيسى بن الرشيد وعبد الله بن ~~موسى الهادي وعبد الله بن محمد الأمين وأبو عيسى بن المتوكل وعبد الله بن ~~المعتز وغيرهم، فقس على ذلك ما كان في زمن بني أمية، ولا سيما في عصر ~~الاضمحلال، حتى كانوا يحملون المغنين وآلاتهم في أسفارهم ولو إلى القتال، ~~فقد وجدوا في معسكرهم لما ظفر به العباسيون بنواحي أصبهان سنة 131ه ما لا ~~يحصى من البرابط والطنابير والمزامير. # 51 # فالغناء المطرب من جملة ما اقتبسه المسلمون من البلاد التي فتحوها، ~~فاشتغلوا بنقل كتب الموسيقى من الفارسية والهندية، # 52 # وحملهم الترف على سماعه والولوع ms0879 به، فتقرب به إليهم جماعة من ~~العامة صار لهم مقام رفيع بين الجلساء، وسنعود إلى ذكرهم. ~~(ج) العلماء والفقهاء والأدباء # هم طائفة من العامة تقربوا إلى الخلفاء بما يلذ لهم من سماع الأخبار ~~والنوادر، أو النظر في علوم تلك الأيام الدينية أو اللسانية أو الأدبية أو ~~التاريخية، ويدخل في ذلك الفقهاء والمحدثون والنحاة والأدباء من أصحاب ~~الأخبار، كالأصمعي وأبي عبيدة والكسائي والفراء وغيرهم، وكان للخلفاء رغبة ~~في مجالستهم وسماع أبحاثهم، فكانوا يقربونهم ويعظمون شأنهم ويجيزونهم ~~ويفرضون لهم الأعطية والرواتب، على ما سنبينه في باب أبهة الدولة، وقد ~~تكلمنا عن الفقهاء ومنزلتهم في أماكن كثيرة من هذا الكتاب. # واقتدى بالخلفاء وزراؤهم وأمراؤهم، كالبرامكة وآل الفرات فإنهم أغدقوا ~~الأموال على هؤلاء فنشطوا العلم وأهله حتى صار العلم صناعة يرتزق بها ~~أصحابها من الناس، ويدخل فيما تقدم المترجمون من غير المسلمين، وفيهم ~~السريان والروم والفرس وغيرهم ممن نقل العلوم القديمة إلى اللغة العربية في ~~العصر العباسي، فإنهم فئة من أهل الذمة قربهم الخلفاء وأكرموهم من أجل ~~علمهم على ما فصلناه في الجزء الثالث من هذا الكتاب. ~~(د) التجار # نريد بالتجار باعة السلع الثمينة التي تقتضيها الحضارة، كالمجوهرات ~~والمصوغات والرياش الثمين والثياب الفاخرة والآنية والرقيق، وأكثر ارتزاقهم ~~من الخليفة وأهله وأهل دولته وسائر الخاصة من جلسائه وأعوانه، وكانوا ~~يقيمون في بغداد والبصرة وغيرهما من المدن الإسلامية، وأكثرهم من جالية ~~الفرس والروم وغيرهم من الأمم التي اشتهر أهلها بالعناية بهذه الطرف، كانوا ~~يحملون إلى دار السلام أصناف التجارة للارتزاق مما يتدفق من خزائن الدولة ~~في عصر الثروة. # فكانوا يحملون الياقوت والماس من بلاد الهند، واللؤلؤ من البحرين، ~~والعقيق والعاج من الحبشة، والأدهان والزيوت العطرية من نيسابور، ونسيج ~~الكتان من شيراز، وطراز الوشي والأقمشة المنسوجة من الشعر التي تصنع منها ~~ثياب مثقالية يلبسها الخليفة ورجال الدولة، والكلل المرتفعة والستور ~~المعلمة من القز، هذه كلها من فسا، والبسط والنخناخ والمصليات والزلالي من ~~جهرم، والستور والمقاعد من دشت، وأحسن أصناف البسط والتكك الرفيعة والوسائد ~~والأنماط والمقاعد من أرمينية، ms0880 وكان لهم صبغ من القرمز يصبغون به الصوف لا ~~مثيل له، والعتابي والوشي وسائر ثياب الحرير من أصفهان، والثياب المنيرة من ~~الري، والأبريسم ومطارف القز، وطبقات الخشب من طبرستان ونيسابور، والسمور ~~الأسود وجلود الخز وجلود الثعالب السود من بلاد الروس، والبز من بلخ، ~~والكاغد والنوشادر والأوبار والسمور والسنجاب والثعالب من وراء النهر وكذلك ~~المسك، ولكن أصله من بلاد التبت، والبسط والمصليات وثياب الصوف من بخارا، ~~والديبقي من تنيس ودمياط، والستور والبسط المصرية من البهنسا، والطيالسة ~~المقورة الرفيعة من كرمان، والحصر والقباطي والقراطيس من مصر، والمناديل ~~الديلمية البيضاء المعلمة من قومس؛ ربما بلغ ثمن المنديل منها 2000 درهم، ~~والمقانع القزيات من جرجان والسوس، والبرود المنيرة والصاع والأمشاط من ~~الري، والأكسية والجوارب من قزوين، والخفآف والسمور من همدان، والزجاج ~~والخزف من البصرة، والحصر من عبادان، والديباج والأنماط من تستر، والجلود ~~المدبوغة من الحبشة بطريق اليمن، والمسك والكافور والعود من الصين. # أما الرقيق فأبيضه كان يحمل مما وراء النهر، وأصله من الصقالبة أو من ~~الخزر الأتراك من بادية تركستان، وأحسنهم يربى في سمرقند وخوارزم ثم يحمل ~~إلى بلاد الإسلام، ويحمل الرقيق الأبيض أيضا من الأندلس وفيه الجواري ~~والغلمان، وأصلهم من سبي الإفرنج وجليقية أو من الصقالبة كما تقدم، ومن ~~الرقيق الأبيض صنف كان يرد من خراسان غال جدا، ربما بيع الغلام منه ~~بخمسة آلاف دينار، أما الرقيق الأسود فكل ما يحمل منه إلى بلاد الإسلام من ~~السودان بطريق مصر أو بلاد المغرب. # وكان لهذه التجارات قوافل أو سفن تنقلها من الشرق والغرب والشمال ~~والجنوب، وتبيعها في أسواق بغداد وغيرها من المدن الإسلامية، وأكثر الناس ~~اشتغالا بنقلها في البر طائفة من التجار اليهود الراذانية كانوا يتقنون ~~اللغات الرائجة في ذلك العصر، وهي العربية والفارسية والرومية والإفرنجية ~~والأندلسية والصقلبية، ويسافرون بين الأقاليم العامرة يحملون التجارات من ~~إقليم إلى آخر # 53 # كما كان الفينيقيون في إبان دولتهم. # أما التجارة البحرية فأشهر أصحابها السيرافيون، فقد كانوا يحملون الجواهر ~~والعاج والأبنوس والفلفل والصندل والعود والعنبر والكافور وسائر الأطياب ms0881 ~~والعقاقير والتوابل من الهند والصين وشواطئ إفريقيا وجزائر الهند واليمن ~~وغيرها إلى البصرة فبغداد. # 54 # فكان التجار يفدون على دار السلام بهذه التجارات فيبيعونها بالأثمان ~~الفاحشة، ويدخل في هذه الطبقة من الناس الصيارفة وأكثرهم من اليهود، وكانوا ~~يقرضون رجال الدولة المال بالربا الفاحش، اشتهر منهم في بغداد صيارف كانت ~~مكاسبهم موقوفة على الدولة ورجالها كآل فنخاس وآل عمران وغيرهم. # تجار المسلمين # فلما نضج التمدن الإسلامي واشتغل المسلمون أنفسهم بالتجارة لم يقصروا في ~~شيء من شروطها، وأتقنوها علما وعملا حتى ألفوا الكتب فيها وفي الاقتصاد ~~السياسي، وبين يدينا نسخة من كتاب «الإشارة إلى محاسن التجارة» للشيخ أبي ~~الفضل جعفر بن علي الدمشقي من أهل القرن الخامس للهجرة، فيه فوائد اقتصادية ~~لم يسبقه أحد إليها وأبحاث في معنى النقود والسلع والمال الصامت والأعراض ~~وتحقيق أثمان الأشياء، ما لا تقل قيمته عما بلغ إليه علماء الاقتصاد في ~~هذا العصر؛ يدل ذلك على ما بلغ إليه المسلمون من الرقي في علم التجارة، ~~ناهيك بأهل الرحلة منهم إلى أطراف المعمورة في ذلك العصر، فقد طافوا العالم ~~برا وبحرا من القرن الرابع للهجرة، ودونوا رحلاتهم تسهيلا لأسباب ~~التجارة، واكتشفوا طرقا تجارية في البحر المحيط والبحر الهندي والأحمر، ~~وفي أواسط إفريقيا وآسيا لم يسبقهم إليها أحد. # أما الأسفار التجارية فقد كانوا فيها سلاطين البحار، فمخرت سفنهم البحر ~~الأبيض على كل شواطئه، والبحر الأحمر إلى آخره، والبحر المحيط إلى سومطرا ~~فزنجبار إلى بلاد الكفرة، وشرقا إلى كلكتة وجزائر الهند والصين، وجنوبا ~~إلى مدغشقر وسائر شواطئ إفريقيا الشرقية، واجتازوا بحر قزوين إلى بلاد ~~الخزر والروس، أما برا فاخترقوا بلاد الهند وتركستان والتبت حتى نزلوا ~~بلاد الصين، وأوغلوا في إفريقيا إلى خط الاستواء، فقربوا الأبعاد بين تلك ~~الأصقاع المتباعدة. # فكان التجار المسلمون حوالي القرن الرابع للهجرة يجوبون الأقطار برا ~~وبحرا، ينقلون التجارة من بلد إلى بلد، بين شواطئ فارس وسواحل إفريقيا ~~والحبشة واليمن وسواحل الهند والصين وسائر المشرق، ويقطعون صحارى خراسان ~~وتركستان وأرمينية وأفغانستان والهند والشام ومصر والسودان وإفريقية ~~والأندلس ms0882 في نقل أصناف التجارة، كأنهم هم وحدهم تجار الأرض، ومركز تجارة ~~الشرق البصرة بحرا وبغداد برا، واشتهر من تجار المسلمين ممن كانوا ~~يخترقون البحار في القرن الرابع للهجرة السيرافيون الذين تقدم ذكرهم، ~~والعمانيون وكانت سفنهم التجارية تجوب بحار الصين والهند والزنج واليمن ~~والقلزم، وقد عرفهم المسعودي وذكرهم في تاريخه. # 55 # ثروة التجار # وقد استغرقنا في الكلام على التجارة، وجملة القول أن التجارة العليا كانت ~~من أبواب الرزق الواسعة في ذلك العصر لأصحاب المواهب التجارية ولمن يخدمهم ~~التوفيق ويتقربون من البلاط أو بعض أهله، فظهر في عهد ذلك التمدن بيوتات ~~تجارية جمعت الأموال حتى تجازت ثروتها الملايين من الدنانير، وفيهم جماعة ~~من عامة الناس يوصفون بالغفلة، فخدمهم حظهم حتى ارتقوا إلى طبقة الخاصة ~~وجمعوا الأموال الطائلة، كآل الجصاص تجار الجواهر وقد اشتهروا في العصر ~~العباسي مثل شهرة آل روتشيلد في القرن الماضي وروكفلر الأميركي في هذا ~~القرن، وأول من أثرى منهم الحسن بن عبد الله، وقد قص هو نفسه توصله إلى ~~الثروة فقال: «كان بدء يساري أني كنت في دهليز أبي الجيش خمارويه بن أحمد ~~بن طولون بمصر، وكنت وكيله في ابتياع الجوهر وغيره مما يحتاجون إليه، وما ~~كنت أفارق الدهليز لاختصاصي به، فخرجت إلى قهرمانة لهم في بعض الأيام ومعها ~~عقد جوهر فيه مائة حبة، لم أر قبله ولا بعده أفخر ولا أحسن منه، كل حبة منه ~~تساوي مائة ألف دينار، وقالت: يحتاج أن تخرط هذا حتى تصغر فتجعل في آذان ~~اللعب وفي قلائدها، فكدت أطير وأخذتها وقلت: السمع والطاعة، وخرجت في الحال ~~مسرورا وجمعت التجار، ولم أزل أشتري كل ما قدرت عليه إلى أن جمعت مائة حبة ~~أشكالا من النوع الذي طلبته وأرادته، وجئت عشيا وقلت: إن خرط هذا يحتاج ~~إلى انتظار وزمان، وقد خرطت اليوم ما قدرنا عليه وهو هذا، ودفعت إليها ~~المجتمع وقلت: الباقي يخرط في أيام، فقنعت بذلك وأعجبها الحب، فخرجت وما ~~زلت أياما في طلب الباقي حتى اجتمع، فحملته إليها، وقامت على المائة حبة ~~بدون ms0883 المائة ألف درهم، وأخذت منهم جوهرا بمائتي ألف ألف دينار، ثم لزمت ~~دهليزهم وأخذت لي غرفة كانت فيه فجعلتها مسكني، وكان يلحقني من هذا أكثر ~~مما يحصى، حتى كثرت النعمة وانتهيت إلى ما استفاض خبره.» # 56 # وكان لابن الجصاص بيت كبير في بغداد لبيع المجوهرات، فلما كانت النكبات ~~والمصادرات على عهد المقتدر بالله العباسي في أوائل القرن الرابع للهجرة، ~~كان ابن الجصاص في جملة الذين صودروا ، وسبب ذلك أن عبد الله بن المعتز لما ~~بويع بالخلافة ثم انحل أمره وتفرق رجاله وطلبه المقتدر اختفى عند ابن ~~الجصاص المذكور، فوشى به خادم فصادره المقتدر بالله على 16000000 دينار، ~~وبقي له بعد مصادرته شيء كثير من الدور والقماش والأموال والضياع وغيرها، ~~ويقال مع ذلك إنه كان أحمق أبله، فاعتبر مقدار ما كان يصل إليه التجار أهل ~~النباهة والدهاء. # وقس على ذلك ثروة تجار الفرش والأثاث، ولا سيما في البصرة، فقد اشتهر ~~فيها جماعة من أهل اليسار وأكثر غناهم من تجارة البحر، فقد كانت سفن بعضهم ~~تعد بالمئات وتحمل بها التجارة إلى أنحاء العالم؛ ذكروا واحدا منهم اسمه ~~الشريف عمر كان دخله 2500000 درهم في السنة، # 57 # وبلغت ثروة صاحب مراكب في البصرة 20000000 دينار. # 58 # ومنهم رجل اسمه أحمد بن عمار كان طحانا بالبصرة، فأصعد إلى ~~بغداد في أيام المعتصم فاتسعت حاله حتى صار يخرج من الصدقة كل يوم مائة ~~دينار، فإذا اعتبرتها عشر ماله كان دخله ألف دينار في اليوم، واستوزره ~~المعتصم لأمانته ولكنه كان جاهلا. # 59 ~~(ه) الصناع # أما الصناعة فقد أخذوا منها بنصيب كبير؛ لأنهم كما برعوا بالاتجار في ~~السلع برعوا أيضا في صناعتها، وارتقت الصناعة عندهم بتوالي الأجيال، حتى ~~فاقوا في بعضها البلاد الأخرى وامتازوا بصناعات خاصة بهم، فهم الذين نشروا ~~السكر في العالم، نقلوه من مواطنه في الهند إلى بلاد فارس وأنشأوا له ~~المعامل واستخرجوا منه أصنافا لم يكن لها مثيل، # 60 # وهم أتقنوا صناعة الورق ونشروها في العالم، وعنهم أخذها أهل ~~أوربا بطريق الأندلس، # 61 # وقد ms0884 امتازت بعض مدن الأندلس بصناعات كانت تفاخر بها صناعات ~~المشرق، فكانوا يصنعون في مرسية وشيا مذهبا في غاية الإتقان، وفيها أيضا ~~معمل للبسط لم يكن له نظير وآخر للأسرة المرصعة، وكان في مالقة معامل ~~للزجاج الغريب وفخار مزيج مذهب ونوع من الفسيفساء المفضضة على شكل خاص، ~~ولهم اختراع في صناعة الزجاج يؤثرونه لهم، فذكروا أن أول من استنبط صناعة ~~الزجاج من الحجارة عباس بن فرناس حكيم الأندلس، # 62 # واخترعوا البارود للبنادق على ما بيناه في الجزء الأول من هذا ~~الكتاب. # ولهم في الميكانيكيات صناعات حسنة كالساعة التي اشتهرت في جامع دمشق ~~وذكرها ابن جبير في رحلته في القرن السادس للهجرة، وهاك ما قاله في وصفها ~~على ما شاهده بعينه: # وعن يمين الخارج من باب جيرون جدار البلاط الذي أمامه غرفة لها ~~هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفر (أي: نحاس) وقد فتحت أبوابا ~~صغارا على عدد ساعات النهار ودبرت تدبيرا هندسيا، فعند انقضاء ~~ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فمي بازين مصورين من صفر ~~قائمين على طاستين من صفر تحت كل واحد منهما، أحدهما تحت أول باب ~~من تلك الأبواب والثاني تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان، فعند وقوع ~~البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار إلى الغرفة، وتبصر البازيين ~~يمدان أعناقهما بالبندقتين إلى الطاستين ويقذفانهما بسرعة بتدبير ~~عجيب تتخيله الأوهام سحرا، وعند وقوع البندقتين في الطاستين يسمع ~~لهما دوي، وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلوح من الصفر، ~~لا يزال كذلك عند كل انقضاء ساعة من النهار، حتى تنغلق الأبواب ~~كلها وتنقضي الساعات ثم تعود إلى حالها الأول، ولها بالليل تدبير ~~آخر، وذلك أن في القوس المنعطفة على الطيقان المذكورة اثنتي عشرة ~~دائرة من النحاس مخرمة تعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في ~~الغرفة، يدير ذلك كله منها خلف الطيقان المذكورة، وخلف الزجاجة ~~مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عم ~~الزجاجة ضوء المصباح وفاض على الدائرة أمامها شعاع فلاحت للأبصار ~~دائرة محمرة، ثم انتقل ms0885 ذلك إلى الأخرى حتى ينقضي الليل وتحمر ~~الدوائر كلها، وقد وكل بها في الغرفة متفقد لحالها درب بشأنها يعيد ~~فتح الأبواب وصرف الصنج إلى مواضعها. ا.ه. # 63 # وقس على ذلك كثيرا من الآلات المائية وغير المائية المركبة من البكر ~~والأكر والأنابيب والأمخال وغيرها للرفع والجر والنقل، ولهم فيها مؤلفات ~~طوى الزمان بعضها وأكثرها مأخوذ في أصله عن اليونانية، ككتاب «الحيل ~~الروحانية ومخانيقا الماء» لفيلون البيزنطي، وكتاب «رفع الأشياء الثقيلة» ~~لهيرون الإسكندري نقله إلى العربية قسطا بن لوقا البعلبكي، وغيرها مما نقله ~~الإفرنج إلى اللاتينية في نهضتهم الأخيرة، وفقدت ترجمته العربية كما فقد ~~أصله اليوناني قبله، وفي هذه الكتب كثير من الرسوم الموضحة لحركة تلك ~~الآلات. # 64 # واشتغل المسلمون في هذه الفنون وألفوا فيها الكتب من عند أنفسهم، وقد ~~وقفنا على مؤلف خطي في الآلات الروحانية أطلعنا عليه صديقنا الشيخ شبلي ~~النعماني العالم الهندي الشهير، وهو تأليف «رئيس الأعمال بديع الزمان أبو ~~العز بن إسماعيل بن الرزاز الجزري» في أسباب الحيل والحركات الروحانية ~~والآلات المتخذة للساعات المستوية والزمانية ونقل الأجسام بالأجسام من ~~المقدمات الطبيعية - ألفه لأبي الفتح محمود بن محمد بن قزل أرسلان من آل ~~ارتق في أواخر القرن السادس للهجرة، فيه رسوم ملونة تمثل الآلات الضاغطة ~~والرافعة والناقلة والمتحركة حركات خفية، وبينها رسم يشبه ما وصفه ابن جبير ~~عن ساعة دمشق - فيدل هذا وغيره على ما بلغ إليه المسلمون من إتقان فن ~~الميكانيكيات مما يحتاج في وصفه إلى كتاب بأسره. ~~(3-2) الطبقة الثانية من العامة # نريد بهذه الطبقة سائر من بقي من الأمة وهم السواد الأعظم، وفيهم الزارع ~~والصانع والعيار والشاطر واللص والمخنث والصعلوك وغيرهم مما لا يحصى، ولسهولة ~~الإحاطة بهم نقسمهم إلى قسمين: أهل القرى وهم المزارعون، وأهل المدن وهم الصناع ~~والباعة والرعاع. ~~(أ) المزارعون أهل القرى # فالمزارعون أو الأكرة يتألف منهم معظم سكان المملكة وهم أصل ثروتها، ~~وأكثرهم من أهل الذمة يقيمون في القرى، إلا من أسلم منهم فينزل في المدن، ~~وكانوا يتكلمون لغات البلاد الأصلية: السريانية والآرامية ms0886 واليونانية في ~~العراق والشام، والقبطية بمصر، والفارسية في بلاد فارس، والتركية في ~~تركستان بما وراء النهر، وأخذ العنصر العربي يتغلب على عناصرهم، واللغة ~~العربية تتغلب على ألسنتهم، والإسلام يتغلب على أديانهم، حتى ساد الإسلام ~~عليهم جميعا، وعمت العربية البلاد الواقعة غربي دجلة وهي العراق والشام ~~ومصر وإفريقية والسودان، وصارت تعد بلادا عربية وأكثر أهلها مسلمون، ~~وانقرضت اللغات التي كانت منتشرة فيها إلا بقايا قليلة من السريانية في بعض ~~القرى المتباعدة من الشام والعراق، أما شرقي دجلة بفارس وتركستان والهند ~~فقد ساد الإسلام أيضا، وانتشرت اللغة العربية بين أهل العلم، ولكن ألسنة ~~أهل البلاد ظلت حية يتفاهمون بها إلى الآن. ~~(ب) العامة سكان المدن # هم نفر ممن يؤمون المدن من أهل المطامع وطلاب المكاسب، بالتجارة أو ~~الجندية أو الأدب أو الشعر، وتقعد بهم نفوسهم عن اللحاق بأهل الهمم وأصحاب ~~القرائح فيضطرون إلى احتراف ما يعيشون به مما لا يحتاج لهمة أو رأي، ولو ~~أردنا الرجوع إلى أصول عامة بغداد مثلا لرأيناهم أخلاطا من مولدي العرب ~~والفرس والترك والديلم والروم والنبط والأرمن والجركس والأكراد والكرج ~~والبربر وغيرهم، ولكنهم يعدون عربا لتغلب اللغة العربية على ~~ألسنتهم. # وعامة المدن طبقتان: الطبقة الأولى المرتزقون بالصناعة والتجارة، وهم ~~طائفتان: ~~(1) # الصناع أصحاب الصناعات اليدوية كالحدادين والحياكين ~~والخياطين والحلاقين والنجارين والصيادين والخبازين والطحانين ~~ومن جرى مجراهم. ~~(2) # الباعة الذين يبيعون البقل واللحم وغيرهما من أصناف ~~المأكولات على أنواعها وبعض المنسوجات والسلع الصغيرة، وهم ~~طوائف كثيرة كالزياتين والبقالين والجزارين وباعة الأقمشة ~~والطحين والخضر ونحوها. # والطبقة الثانية رعاع يرتزقون من النهب واللصوصية، وهم أصناف كثيرة نشأت ~~في بلاد الإسلام على أثر الفتن والانشقاق بين أهل الدولة لا يستطيع أهل هذا ~~الجيل تصور أمثالهم لبعد ذلك عن مألوفهم، إلا الذين أدركوا متشردي بيروت ~~المعروفين بالزعران، وهم طائفة من أهل البطالة كانوا يحترفون السرقة ~~والتحرش بأبناء السبيل، والزعران مثال صغير لرعاع ذلك العصر، فقد كان في ~~بغداد وغيرها من مدن الإسلام طوائف كثيرة تعرف بالعيارين والشطار ~~والصعاليك والزواقيل ونحوهم، كثيرا ما استفحل أمر ms0887 بعضهم حتى تعجز الحكومة ~~عنهم وقد تستنجدهم في بعض حروبها. # والسبب في ظهورهم اضطراب الدولة العباسية بعد عصرها الأول، بمن دخل فيها ~~من المفسدين منذ حجر على الخلفاء واستولى الأجناد على مصالح الدولة وجعلوا ~~همهم جمع المال لأنفسهم والتنازع على السلطة كما بيناه في الأجزاء الماضية، ~~ولا سيما الجزء الرابع، ولا يخفى ما تجر إليه الفتن من وقوف الأعمال وغلاء ~~الأسعار، غير ما كان يرتكبه الحكام أنفسهم من خزن الأقوات، فتقل أرزاق ~~العامة فيعمدون إلى التعدي ويؤلفون عصابات لمناوأة أصحاب الأموال من التجار ~~وغيرهم في المدن، ولا سيما بغداد أم المدائن الإسلامية في ذلك العهد، فكان ~~الرعاع يتكاثرون ويزدادون تعديا، والحكام في شغل عنهم والخسارة معظمها على ~~الأهالي، وتوالى ذلك أعواما حتى خربت مدينة السلام وأم حضارة الإسلام، ولا ~~يمكن الإلمام بكل طوائف الرعاع فنذكر أشهرها: # العيارون # ظهور العيارين ببغداد في أواخر القرن الثاني للهجرة، وكان لهم في الفتنة ~~بين الأمين والمأمون شأن كبير؛ لأن الأمين لما حوصر في تلك المدينة وعجز ~~جنده عن الدفاع استنجد العيارين، وكانوا يقاتلون عراة في أوساطهم المآزر ~~وقد اتخذوا لرءوسهم دواخل من الخوص سموها الخود ودرقا من الخوص والبواري قد ~~قرنت وحشيت بالحصى والرمل، ونظموهم نظام الجند على كل عشرة عريف، وعلى كل ~~عشرة عرفاء نقيب، وعلى كل عشرة نقباء قائد، وعلى كل عشرة قواد أمير، ولكل ~~ذي مرتبة من المركوب على مقدار ما تحت يده، ومعهم أناس عراة قد جعل في ~~أعناقهم الجلاجل والصدف والأحمر والأصفر ومقاود ولجما من مكانس ومذاب، وبلغ ~~عددهم يومئذ خمسين ألف عيار # 65 # وساروا للحرب يضربون الأعداء بالمقلاع والحصى، وكانوا أهل ~~مهارة في ذلك فأبلوا بلاء حسنا، لكنهم لم يثبتوا أمام المجانيق والجنود ~~المنظمة، فعادت العائدة عليهم وقتل منهم خلق كثير، وفيهم يقول ~~الشاعر: # خرجت هذه الحروب رجالا # لا لقحطان ولا لنزار # معشر في جواشن الحصر يعدو # ن إلى الحرب كالليوث الضواري # ليس يدرون ما الفرار إذا الأب # طال عاروا في القنا للفرار # واحد منهم يشد على الفي ms0888 # ن عريان ما له من إزار # ويقول الفتى إذا طعن الطع # نة خذها من الفتى العيار # وحدث نحو ذلك من العيارين في حرب المستعين والمعتز سنة 251ه إذ حصر ~~المستعين بالله ببغداد نحو حصار الأمين فيها، فاستعان بالعيارين وفرض لهم ~~الأموال وجعل عليهم عريفا اسمه يبنونه وعمل لهم تراسا من البواري المقيرة ~~وأعطاهم المخالي ليجعلوا فيها الأحجار، على أنهم كانوا كلما حدثت فتنة ~~أهلية اغتنموا اشتغال الدولة بها وهموا بالمنازل والحوانيت وأخذوا الأموال، ~~وكثيرا ما كانت تحدث أمثال هذه الفتن في بغداد من القرن الثالث للهجرة وما ~~بعده. # 66 # وكانوا يزدادون قوة كلما ازدادت الدولة ضعفا، وتكاثرت تعدياتهم على ~~بغداد كلما تكاثرت الفتن فيها، إما بين الحكام في التنازع على السلطة أو ~~الأموال، وإما بين العامة تعصبا لبعض المذاهب ولا سيما بين السنة والشيعة ~~أو الحنفية، فلم ينقض النصف الأول من القرن الخامس للهجرة حتى تسلط ~~العيارون على بغداد، وجبوا الأسواق وأخذوا ما كان يأخذه رجال الدولة ~~وانتظموا انتظام الشرطة أو الجند، واشتهر من رؤسائهم في ذلك العصر رجل اسمه ~~الطقطقي وآخر اسمه الزيبق # 67 # بطل القصة المشهورة. # وظهر العيارون في سائر المدن الإسلامية وعظم شأنهم وكثيرا ما كان ~~الوزراء وغيرهم من أرباب الحل والعقد يقاسمونهم ويسكتون عنهم. # 68 # الشطار # هم طائفة أخرى من الرعاع كانوا يمتازون بملابس خاصة بهم ولهم مئزر ~~يأتزرون به على صدورهم يعرف بأزرة الشطار # 69 # وكانوا أكثر انتشارا في المملكة الإسلامية من العيارين وأطول ~~بقاء منهم، وظهروا في الأندلس ولهم فيها نوادر وتنكيتات وتركيبات وأخبار ~~مضحكة تملأ الصحف لكثرتها وتضحك الثكلى، # 70 # على أن اسمهم كان يختلف باختلاف البلاد، فهم يعرفون في العراق ~~بالشطار، وفي خراسان يسمونهم سرا بداران، وفي المغرب الصقورة، وسماهم ابن ~~بطوطة «الفتاك»، وذكر تفشيهم في أيامه (القرن الثامن للهجرة) وأشار إلى ~~اجتماعهم على الفساد وقطع الطرق وتكاثرهم في نواحي سبزوار، حتى هجموا على ~~مدينة بيهق وملكوها وملكوا غيرها وجندوا الجنود وركبوا الخيل وولوا أحدهم ~~سلطانا عليهم، وانحاز إليه العبيد يفرون من ms0889 مواليهم فكل من جاء من هؤلاء ~~أعطاه ذلك السلطان مالا وفرسا، وإذا ظهرت منه شجاعة أمره، إلى آخر ما ~~ذكره. # 71 # ولم يكن الشطار وغيرهم من أهل الشرور يعدون اللصوصية جريمة، وإنما كانوا ~~يعدونها صناعة ويحللونها باعتبار أن ما يستولون عليه من أموال التجار ~~الأغنياء زكاة تلك الأموال التي أوصي بإعطائها للفقراء، # 72 # وكان أولئك اللصوص إذا شاخ أحدهم ربما تاب فتستخدمه الحكومة في ~~مساعدتها على كشف السرقات، وكان في خدمة الدولة العباسية جماعة من هؤلاء ~~الشيوخ يقال لهم: «التوابون»، على أنهم كثيرا ما كانوا يقاسمون اللصوص ما ~~يسرقونه ويكتمون أمرهم. # 73 # طوائف أخرى من الرعاع # وهناك طوائف أخرى من رعاع العامة أو من في معناهم، تكاثروا في عصر ~~الاضمحلال بالمملكة العباسية، كالصعاليك والزواقيل والحرافيش وغيرهم، كان ~~طلاب السلطة يستعينون بهم في حروبهم بعضهم على بعض ويعدون بالآلاف، فقد كان ~~مع أبي دلف عشرون ألفا من الصعاليك. # 74 # ويدخل في معنى هذه الطوائف ممن تجمهروا للارتزاق بالتعدي على أصحاب ~~الأموال العبيد، وكانوا كثيرين لا يخلو منهم منزل كما رأيت، فلما اختلت ~~الأحوال وضعف أسيادهم ذهبت الهيبة من قلوبهم حتى إذا سنحت لهم فرصة نهضوا ~~مع الناهضين، وربما انتحلوا لنهوضهم دعوة دينية يقومون بها، كما فعل صاحب ~~الزنج في أواسط القرن الثالث للهجرة، فإنه قام قرب البصرة باسم الشيعة ~~العلوية، وكان في ضواحيها جماعة من العبيد يكسحون السباخ، فدعاهم إلى ~~النهوض معه على أن يحررهم من الرق ويريحهم من التعب، وكانوا قد شاهدوا ~~رفاقهم الأرقاء البيض (المماليك الأتراك) يتمردون على الخلفاء فاقتدوا بهم، ~~فكل عبد سمع بهذه الدعوة تبعها، حتى استفحل أمرهم وضربوا أسيادهم ~~بالسياط، # 75 # واجتمع منهم مئات الألوف، وحاربوا الدولة العباسية بضع عشرة ~~سنة قتلوا في أثنائها 2500000 نفس من الرجال والنساء والأطفال مما تقشعر له ~~الأبدان، وانتهت تلك الدعوة بقتل زعيمها وتفرق أصحابه، وأراد البجة بمصر أن ~~يفعلوا مثل الزنج بالعراق فلم يفلحوا، وقد يعد من هذا القبيل أيضا ~~الحشاشون، وهم طائفة من الفوضويين ظهروا في القرن الخامس ms0890 للهجرة، وجعلوا ~~دأبهم الفتك بأهل السلطة غدرا، وكان لهم شأن كبير في تاريخ ~~الإسلام. # 76 # ومن طبقات العامة «المخنثون»، وكانوا في الحجاز قبل الإسلام، وهم جماعة ~~من أهل الخلاعة انتشروا بالمدينة بعد الإسلام على إثر ظهور اللهو والقصف ~~وكثرة الأموال، وكثيرا ما كانوا يفسدون النساء يتوسطون بينهن وبين الرجال، ~~وكان أحسن المغنين منهم، وقد تقدم خبر سليمان بن عبد الملك وما فعله بهم، ~~وربما أشبهوا ما كان في القاهرة من «الخول» من عهد غير بعيد، ولما انتشر ~~الغناء في المملكة الإسلامية انتشر المخنثون معه، وتكاثروا في بغداد والشام ~~ومصر والأندلس وسائر المغرب، والأندلسيون إذا قالوا المخانيث قد يريدون ~~المماليك الصقالبة. # وفيما خلا ذلك فقد كان في المدن من طبقات العامة ما لا يحصيه عد، من أهل ~~الاحتيال للمعايش بأساليب الخداع والشعوذة أو نحوهما، ولكل صنف من هذه ~~الأصناف اسم خاص، وربما زاد عددها جميعا على عشرين نوعا، كقولهم ~~المخطراني والكاغاني والبانوان والقرسي والعواء والمشعبذ والفلور والأسطيل ~~والمزيدي # 77 # وغيرهم. ~~(ج) أخلاق العامة # فالعامة في المدن أخلاط من غوغاء ولفيف من أمم شتى وصناعات شتى، وهم جهال ~~أتباع من سبق إليهم من غير تمييز بين الفاضل والمفضول، وسئل الإمام علي عن ~~العامة فقال: «همج رعاع أتباع كل ناعق.» وقال الفضل بن يحيي: «الناس أربع ~~طبقات: ملوك قدمهم الاستحقاق، ووزراء فضلتهم الفطنة والرأي، وعلية أنهضهم ~~اليسار، وأوساط ألحقهم بهم التأدب، والناس بعدهم زبد جفاء وسيل غثاء، لكع ~~لكاع وربيطة اتضاع، هم أحدهم طعامه ونومه.» وقال معاوية للأحنف: صف لي ~~الناس، فقال: «رءوس رفعهم الحظ، وأكتاف عظمهم التدبير، وأعجاز أشهرهم ~~المال، وأدباء ألحقهم بهم التأدب، والناس بعدهم أشباه البهائم؛ إن جاعوا ~~ساموا وإن شبعوا ناموا.» هذه هي آراء خاصة تلك الأيام في عامتهم. # ومع ذلك فطلاب السلطة كانوا يراعون جانبهم ويقربونهم بما يرضيهم ولا سيما ~~الدين وهو جامعتهم الكبرى، ولا غرو فإنه أكبر أسباب سعادتهم، ولهذا السبب ~~رأيتهم شديدي التعلق بالخليفة إذا أظهر التقوى، لما في منصبه من الصبغة ~~الدينية، وهو رئيسهم وإمامهم، ms0891 فكانوا له عضدا قويا، ولولاهم لذهبت ~~الخلافة العباسية من بغداد قبل الزمن الذي ذهبت فيه؛ لأنهم كانوا كثيرا ما ~~ينهضون لنصرته على القواد والوزراء إذا أرادوا خلعه، وأكثرهم مع ذلك لا ~~يعرفون من الدين غير اسمه، ولو سئل أحدهم عن اعتقاده لما أحسن الجواب، ~~فضلا عن بساطتهم وسذاجة أفكارهم وجهلهم سائر الأمور. # ذكروا من دهاء معاوية في مداراة الناس واجتذاب قلوب العامة أن رجلا من ~~أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حال منصرفهم عن واقعة صفين، فتعلق ~~به رجل من أهل دمشق فقال: هذه ناقتي أخذت مني في صفين ! فارتفع أمرهم إلى ~~معاوية، وأقام الدمشقي خمسين رجلا بينة يشهدون أنها ناقته فقضى معاوية على ~~الكوفي وأمره بتسليم البعير إليه، فقال الكوفي: «أصلحك الله، إنه جمل وليس ~~بناقة.» فقال معاوية: «هذا حكم قد مضى.» ودس إلى الكوفي بعد تفرقهم فأحضره ~~وسأله عن ثمن بعيره ودفع إليه ضعفيه وبره وأحسن إليه وقال له: «أبلغ عليا ~~أني أقابله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل.» # وبلغ من أمرهم في طاعته أنه صلى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم ~~الأربعاء، وأعاروه رءوسهم عند القتال وحملوه بها، وركنوا إلى قول عمرو بن ~~العاص أن عليا هو الذي قتل عمار بن ياسر حين أخرجه لنصرته، ثم ارتقى بهم ~~الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سنة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها ~~الكبير. # وذكروا عن عامة بغداد في إبان التمدن الإسلامي أن رجلا منهم رفع إلى بعض ~~الولاة وشاية برجل من علماء الكلام زعم أنه يتزندق، فسأله الوالي عن مذهب ~~الرجل فقال: «إنه مرجئ قدري إباضي رافضي، يبغض معاوية بن الخطاب الذي قاتل ~~علي بن العاص!» فقال له الوالي: «ما أدري على أي شيء أحسدك، على علمك ~~بالمقالات أو على بصرك بالأنساب ...» # وكان جماعة من علماء ذلك العصر يجتمعون في بغداد للمناظرة في أبي بكر ~~وعمر وعلي ومعاوية، وكان بعض العامة يأتون فيستمعون، فتصدى أكبرهم لحية ذات ~~يوم لبعض ms0892 الباحثين وقال له: «كم تطنبون في علي ومعاوية وفلان ~~وفلان!» # فقال له الرجل: «فما تقول أنت في علي؟» # قال: «أليس هو أبا فاطمة؟» # قال: «ومن هي فاطمة؟» # قال: «امرأة النبي عليه السلام ... بنت عائشة أخت معاوية!» # قال: «فما كانت قصة علي؟» # قال: «قتل في غزاة حنين مع النبي، وقد كان عبد الله بن علي حين خرج في ~~طلب مروان إلى الشام، وكان من قصة مروان ومقتله ما قد ذكر، ونزل عبد الله ~~بن علي الشام، ووجه إلى أبي العباس السفاح أشياخا من أهل الشام من أرباب ~~النعم والرياسة، فحلفوا لأبي العباس السفاح أنهم ما علموا لرسول الله قرابة ~~ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية حتى وليتم الخلافة.» # 78 # أولئك هم العامة في كل زمان ومكان، وطلاب السلطة المطلقة لا يستغنون ~~عنهم؛ لأنهم معظم الرعية وبهم تجبى الأموال ومنهم تتألف الجنود، فمن ~~استطاع كسب ثقتهم واجتذاب قلوبهم ملكوه، ولا يجتذب قلوب العامة مثل الدين، ~~فإذا اجتمعت السياسة والدين تمت وسائط السلطة المطلقة وتولى أمور الناس ~~أكثرهم دهاء وأقدرهم على استرضاء العامة بالتقوى. # | هوامش # | الآداب الاجتماعية # | آداب العرب في الجاهلية # نريد بالآداب الاجتماعية ما يدور بين الناس من المعاملات الأدبية والأمور الاعتبارية ~~في هيئتهم الاجتماعية، وما يتبادلونه من العلائق العائلية على ما تقتضيه عاداتهم ~~وأخلاقهم وطبائع إقليمهم، وأساس تلك الآداب في التمدن الإسلامي ما كان عند العرب قبل ~~الإسلام من المناقب والعادات وحال المرأة عندهم، فنقدم الكلام بتمهيد في هذا ~~الشأن. ~~(1) مناقب العرب الجاهلية # تختلف مناقب الناس وآدابهم باختلاف ضروب معايشهم وأطوار تمدنهم وطبائع إقليمهم، ~~فللبدو مناقب غير مناقب الحضر، ولأهل القرى آداب تختلف عما لأهل المدن، وأهل ~~الأقاليم الحارة آدابهم تخالف آداب أهل الأقاليم الباردة، جريا على ما يقتضيه ~~ناموس الارتقاء من التناسب بين طبائع القوم وطبائع إقليمهم، لئلا يتولاهم الضعف ~~ويدركهم الفناء. # فأهل البادية يحتاجون إلى الشجاعة مثلا أكثر مما يحتاج إليها المتمدنون، لتفرد ~~البدوي عن المجتمع وتوحشه في الخلاء وبعده عن الحامية وانتباذه عن الأسوار، ويقوم ~~بالدفاع عن ms0893 نفسه بيده فهو دائما يحمل السلام وينفرد في القفر واثقا بنفسه، فصارت ~~الشجاعة سجية له، بخلاف أهل المدن الذين ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة وانغمسوا في ~~الترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أعراضهم وأموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحامية ~~التي تولت حراستهم، واستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم فهم آمنون قد ألقوا السلاح، ~~وتوالت على ذلك منهم الأجيال وتنزلوا منزلة النساء والولدان الذين هم عيال على ~~سواهم، فأصبح الجبن طبيعة فيهم، اعتبر ذلك بسائر ما يغلب في طباع أهل البدو ~~كالعصبية والكرم والوفاء والأنفة والنجدة وغيرها مما تستلزمه البداوة ولا تستقيم ~~إلا به على ما سنبينه: ~~(1) # العصبية: # هي أظهر طبائع البدو ~~وأعمها، وقد فصلنا أسبابها وشروطها وسائر أطوارها في الجزء ~~الرابع. ~~(2) # الشجاعة: # البدو يعيشون غالبا ~~بالغزو، وهم دائما في قتال أو يتأهبون لقتال، فالشجاعة شرط من شروط ~~بقائهم، وقد كانت غالبة فيهم، يكرمون الشجاع ويتفاخرون بالشجعان، ~~واشتهر فيهم جماعة كبيرة من أهل البسالة في الجاهلية والإسلام، كعمرو ~~بن معد يكرب، وربيعة بن المكدم، ودريد بن الصمة، وعروة بن الورد، ~~وعنترة العبسي، وملاعب الأسنة، وعامر بن الطفيل، وعلي بن أبي طالب، ~~وخالد بن الوليد، والمقداد بن الأسود، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن ~~الزبير وأخيه مصعب وغيرهم، واشتهرت نساؤهم بالشجاعة أيضا، كما سيجيء ~~في كلامنا عن المرأة. ~~(3) # الكرم: # وهو من مناقب أهل البادية، ~~اقتضته طبيعة إقليمهم لما قدمناه من مسير البدوي في أسفاره منفردا، ~~وقد يبتعد عن مضربه أياما في بادية لا طعام فيها ولا ماء، فإذا لم يجد ~~من يقريه ويسقيه مات، فنشأ عن ذلك الضيافة وقرى الضيفان، وأصبح الكرم ~~من أفضل المناقب عندهم، شأن سائر أجيال البدو غير العرب كالجرمان قبل ~~تمدنهم، فكان البدو يتفاخرون بالضيافة ويتسابقون إلى المغالاة فيها، ~~حتى أوقدوا نارا بجانب مضاربهم يهتدي بها المارة ليلا يسمونها نار ~~القرى، وبالغوا في احترام الكرماء ترغيبا للناس في هذه الفضيلة ~~لافتقارهم إليها، فأصبح الأسخياء يبالغون في ذلك ويكثرون من النيران، ~~فإذا اشتد البرد أو هبت الرياح فعجزوا عن إيقادها، ms0894 فرقوا الكلاب حوالي ~~الحي وربطوها إلى العمد لتستوحش فتنبح، فيهتدي الأضياف على نباحها، ~~ولذلك كان من أسماء الكلاب عندهم «داعي الضمير، ومتمم النعم، ومشيد ~~الذكر»، وكانوا يتفاخرون بعظم جفانهم وارتفاعها، ومن أكبر تلك الجفان ~~جفنة عبد الله بن جدعان، كان الرجل يستظل في ظلها. # 1 # وأشهر الكرماء في الجاهلية حاتم الطائي ويضرب المثل بكرمه، فيقال ~~للمبالغة في مدح كريم: «إنه أكرم من حاتم طي»، ومنهم كعب بن مامة ~~الإيادي، وهرم بن سنان، وخالد بن عبد الله وغيرهم، وكان جودهم قاصرا ~~على الضروري من حاجات الإنسان، كالطعام والشراب واللباس لبساطة ~~أحوالهم، وربما جادوا بالإبل أو الماشية، فلما ظهر الإسلام وكثرت ~~أموالهم من الغنائم والعطايا صاروا يجودون بالنقود والجواهر والضياع ~~والرقيق وغيرها كما سنرى. ~~(4) # الوفاء: # لما كان الغدر سهلا على ~~البدوي، لإمكانه الفرار من القصاص والإيغال في البادية، حيث لا يستطيع ~~خصمه الوصول إليه وليس ثمة وازع يخيفه أو جند يقبضون عليه، ولا هناك ~~دين يزجره مما يفضي إلى ضياع الحقوق وفساد الأحوال، جعلوا يرغبون الناس ~~في الوفاء ويعظمون أمره ويمتدحون أهله، فرغب الناس فيه وأصبح بتوالي ~~الأجيال خلقا لهم، وصاروا يأنفون من إخلاف الوعد ويشهرون بمرتكبه ~~ويبالغون في الثناء على أهل الوفاء. ~~(5) # الاستقلال: # لا شيء أحب إلى أهل ~~البادية من الاستقلال، ولا سيما الرحل فإنهم طبعوا على الحرية ~~وكرهوا التقيد بشيء، حتى المكان فهم لا يتوطنون صقعا، بل يجعلون ~~منازلهم على ظهورهم ينتقلون بها إلى حيث يطيب لهم المقام، وهم لا ~~يحملون ضيما ولا يصبرون على ظلم، وتمكنت الحرية من طباعهم حتى ظهرت في ~~أقوالهم وأفكارهم، ونشئوا على الأنفة وعزة النفس وإباء الضيم، ألا ترى ~~كيف ظهر ذلك منهم في صدر الإسلام، إذ كانوا يخاطبون الخلفاء كما ~~يخاطبون عامة الناس، والخلفاء لا يرون بأسا بذلك؛ لأنه كان طبعا ~~مألوفا فيهم؟ ~~(6) # النجدة: # هي من طبائع البدو ولازمة ~~لزوم الضيافة، وبينهما تناسب من حيث إغاثة الضعيف، فإذا استنجدت البدوي ~~على أمر أنجدك ولو بذل نفسه في هذا السبيل، وتظهر نجدتهم على الخصوص في ms0895 ~~الجوار وحمى الذمار، وقد فصلنا ذلك في الجزء الرابع. ~~(7) # الأريحية: # وقد وصفنا هذه المنقبة ~~وصفا مختصرا في الجزء المذكور، وهي من مناقب أهل النجدة والفروسية ~~التي يعبر عنها الإفرنج بقولهم # Chevalerie # ومرجعها إلى الافتخار ~~بحسن الأحدوثة، ولما كان العرب أهل خيال وذوي نفوس حساسة كان للأريحية ~~عندهم شأن كبير، فالرجل منهم تقيمه كلمة وتقعده، وربما تجردوا للحرب ~~نقمة على عبارة تطعن في شجاعتهم أو كرمهم أو وفائهم، وكانوا يتأثرون ~~على الخصوص من أقوال النساء مدحا أو طعنا فيبذلون ما في وسعهم ~~التماسا لثنائهن، وكثيرا ما كان ذلك سببا في ابتعادهم عن الرذائل، ~~وربما تعرض بعضهم للقتل خوفا من استخفافهن، وفي أخبار الجاهلية شواهد ~~كثيرة على ذلك. ~~(8) # الثأر: # وكما ينجدك البدوي إذا ~~استنجدته فهو لا يصبر عن الأخذ بثأره إذا أسأت إليه، وإذا قتل رجل من ~~قبيلة رجلا من قبيلة أخرى نشأت العداوة بين القبيلتين، فتقوم الموتورة ~~منهما للأخذ بثأرها ولا تنفك حتى تقتل من الأخرى من هو كفء لقتيلها أو ~~يتصالحوا على الدية، ومن أشهر حوادث الثأر في الجاهلية الحرب التي ~~أثارها المهلهل بن ربيعة للأخذ بثأر أخيه كليب، فأصبح المهلهل مثلا في ~~ذلك فيقولون: «فلان آخذ للثأر من المهلهل» لأنه حلف منذ طلب الثأر أنه ~~لا ينزع درعه ولا يشرب الخمر ولا يدهن رأسه بالطيب ولا يقرب النساء إلا ~~بعد نيل مرامه. ~~(9) # الشيخوخة: # كان للشيخوخة عند العرب ~~مقام رفيع، ولفظ الشيخ يدل عندهم على الشيخوخة والرئاسة معا، وكانوا ~~إذا تساوت المناقب فيمن يرشحونه للإمارة فضلوا أكبرهم سنا، كما فعلت ~~قريش في حرب الفجار الثانية. # 2 # ولما جاء الإسلام وأحدث ما أحدثه من المناقب الدينية، كانت ~~هذه المناقب في جملة ما فضلوه على السن، فإذا تساوت كلها في المترشح ~~للإمارة فضلوا أكبرهم سنا، عملا بالحديث النبوي بشأن الإمامة: «يؤم ~~القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم ~~بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة ~~سواء فأقدمهم سنا». # 3 ~~(2) المرأة في الجاهلية # اختلفت ms0896 الآراء في حال المرأة العربية في العصر الجاهلي، ولا مشاحة أنها كانت على ~~الإجمال عظيمة الشأن عفيفة النفس، وعفتها من ثمار حب الاستقلال والأنفة؛ لأن المرأة ~~التي تشب على استقلال الفكر وإباء الضيم تترفع عن ارتكاب ما يهون على المرأة ~~الناشئة في مهاد الذل المغلولة بأغلال الحجاب، ويقال نحو ذلك في غيرة رجالهم على ~~العرض، فإنه من مستلزمات العفة والأنفة والاستقلال؛ لأن الرجل الأنوف إذا تعود ~~العفة من امرأته يعظم على طباعه احتمال ما يمس عرضها من قول أو فعل، وتزداد غيرته ~~عليها إذا كانت وحيدة لم يحب سواها، كما كان حال العرب في الجاهلية لقلة الجواري ~~يومئذ ومشقة الحصول على النساء، مع حاجة البدوي إلى امرأته في تدبير شئونه وإعانته ~~في أسفاره وأعماله. ~~(2-1) الوأد # وبلغ من غيرة بعضهم في الجاهلية أن يقتلوا بناتهم أو يئدوهن، لئلا يرتكبن ما ~~يجر عليهم العار، ولم يكن الوأد عاما في قبائل العرب، ولا كان قديما عندهم، ~~وإنما حدث قبيل الإسلام، وكان منحصرا في بعض بني تميم بن مر، ظهر فيهم لسبب ~~طرأ عليهم؛ ذكروا أنهم كانوا يؤدون الإتاوة (الجزية) إلى النعمان ملك الحيرة، ~~فمنعوها سنة من السنين فجرد عليهم النعمان كتائبه وساق أنعامهم وسبى ذراريهم، ~~فعظم ذلك على التميميين فوفدوا عليه يطلبون أهلهم وأموالهم فأبى، فقالوا: ~~«أعطنا النساء.» فقال: «إننا نخيرهن في الذهاب أو البقاء.» وأعلن «أن كل امرأة ~~اختارت أباها ردت إليه، وإن اختارت صاحبها تركت عليه» فكلهن اختارت أباها إلا ~~ابنة قيس بن عاصم كانت قد أحبت عمرو بن المشمرج فاختارت البقاء عنده، فغضب قيس ~~ونذر لا تولد له ابنة إلا قتلها، # 4 # وربما اقتدى به بعض أهله أو أهل قبيلته، وكان بعض الغيورين من ~~العرب لا يزوج بناته غيرة عليهن، وأشهرهم ذو الإصبع العدواني فكانت له أربع ~~بنات منعهن الزواج وهن يردنه في حديث طويل ذكره المبرد، # 5 # ولم يطل زمن الوأد عند العرب؛ لأنه مخالف لأحكام العقل ومباين ~~لعواطف الوالدين، فما لبث أن ظهر صعصعة بن ناجية وأخذ ms0897 على نفسه فداء البنات ~~الموءودات # 6 # حتى بطل الوأد. ~~(2-2) شهيرات الجاهلية # وكان للمرأة في الجاهلية شأن وإرادة، وكانت صاحبة أنفة ورأي وحزم، فنبغ غير ~~واحدة منهن في السياسة والحرب والأدب والشعر والتجارة والصناعة ولا سيما في ~~أوائل الإسلام على أثر ما حصل من النهضة في النفوس والعقول، فاشتهرت جماعة منهن ~~بمناقب رفيعة تضرب بها الأمثال، وأكثرهن في المدينة مقر الخلافة الإسلامية في ~~ذلك العهد. # فاللواتي اشتهرن في الجاهلية بالشجاعة وشدة البطش أو كبر النفس، منهن سلمى ~~بنت عمر إحدى نساء بني عدي بن النجار، فإنها كانت امرأة شريفة لا تتزوج الرجال ~~إلا وأمرها بيدها، إذا رأت من الرجل شيئا تركته، على أن الغالب في نساء ~~الجاهلية أن يخيرن قبيل الزواج، فلا يزوج الرجل ابنته إلا بعد أن ~~يشاورها، # 7 # واشتهرت التميميات من نساء قريش بحظوتهن عند رجالهن وكبريائهن ~~وقسوتهن عليهم، # 8 # ناهيك بمن اشتهرت منهن بالبسالة في أثناء الغزوات، ففي معركة أحد ~~وقع لواء قريش في ساحة القتال، فلم يزل صريعا حتى أخذته امرأة منهم اسمها عمرة ~~بنت علقمة الحارثية فرفعته لهم فلاذوا بها. # 9 # وفعلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان في تلك المعركة ما لم تفعله ~~الرجال، فجمعت إليها نسوة أخذن في أيديهن الدفوف يضربن خلف الرجال وهي تنشد في ~~تحريضهم على الثبات، ولما انتهت الواقعة خرجت مع النسوة تنظر جثث القتلى حتى ~~وجدت بينها جثة حمزة عم النبي، فبقرت بطنه وأخرجت كبده فلاكتها من غيظها فلم ~~تستطع أن تسيغها فلفظتها، ثم علت صخرة وأنشدت أشعارا تفخر بالفوز على ~~المسلمين. # 10 # ونساء الجاهلية كن يصحبن الرجال إلى ساحة القتال فيداوين الجرحى ويحملن قرب ~~الماء، وممن اشتهرن بالشجاعة أم عمارة بنت كعب الأنصارية، وأم حكيم بنت الحارث، ~~والخنساء الشاعرة أخت صخر وغيرهن. # 11 # ونبغ بالرأي والحزم غير واحدة، أشهرهن أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، وكانت ~~عاقلة حازمة لبيبة ذات شرف ومال، تنتقي من اشتهر من الرجال بالأمانة والحزم ~~فتستأجرهم بمالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، ولما سمعت بشهرة ms0898 النبي قبل ~~الدعوة بالأمانة وكرم الأخلاق، بعثت إليه أن يخرج في مالها تاجرا إلى الشام ~~وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من الرجال، فلما أفلح في تجارته عرضت عليه أن ~~يتزوج بها فأجابها، وهي أول من أسلم، وقد نشطته للقيام بالدعوة، فكان لا يسمع ~~شيئا مما يكرهه من رد عليه أو تكذيب له فيحزنه ويخبرها به إلا ثبتته وخففت عنه ~~وهونت عليه، وما زالت على ذلك حتى ماتت. # | هوامش # | آداب العرب في صدر الإسلام # الآداب الاجتماعية في العصر الإسلامي العربي # ينقضي هذا العصر بانقضاء دولة الأمويين في الشام سنة 132ه، وقد علمت مما ذكرناه عن ~~سياسة هذا العصر في الجزء الرابع أنها كانت عربية النزعة وقوادها عرب وعمالها عرب ~~والسيادة فيها للعنصر العربي، وكذلك الآداب الاجتماعية، فقد كانت لا تزال عربية بدوية، ~~أو هو دور الانتقال من البداوة إلى الحضارة، حاول العرب فيه البقاء على ما ألفوه في ~~جاهليتهم من المناقب التي تقدم ذكرها، كالوفاء والجوار والكرم والنجدة والشجاعة والعفة، ~~وكانت الحضارة وما تقتضيه من الترف والرخاء تغالب تلك المناقب، حتى غلبت على معظمها في ~~أواسط العصر العباسي. # ويقسم العصر الإسلامي العربي إلى: أيام الراشدين، وأيام الأمويين، فنذكر الآداب ~~الاجتماعية في كل منهما على حدة. ~~(1) الآداب الاجتماعية في عصر الراشدين # قلما أصاب المناقب البدوية تغيير في عصر الراشدين، إلا ما اقتضاه الدين من جمع ~~كلمة العرب تحت لوائه، فضعفت بذلك العصبية بين القبائل والبطون، واجتمع العرب من ~~قحطان وعدنان في ظل الإسلام، وأصاب الكرم في ذلك العصر تغيير اقتضاه عدل الراشدين ~~ولا سيما عمر بن الخطاب، فإنه كان من الصرامة وحب العدل حتى يطالب العامل بالدرهم ~~والدانق، وإذا علم أنه كسب مالا من غير راتبه شاطره إياه، وكذلك كان علي بتدقيقه ~~في محاسبة عماله وسائر رجاله، فكانوا لا يبذلون المال إلا لمن استحقه من أهل ~~العطاء، فلم يكن لأصحاب الاستجداء عيش في أيامهم، وكان الصحابة يومئذ يقلدون ~~الخلفاء في هذا التدقيق، وهو مخالف للسخاء والبذل، حتى اتهموهم بالبخل وما هو ms0899 بخل، ~~ولكنهم كانوا يرون إعطاء كل ذي حق حقه. # أما ما بقي من مناقب العرب فظلت على نحو ما كانت عليه، وبعضها زاد تمكنا في ~~نفوسهم، كالوفاء والنجدة والعفة والأنفة؛ لأن الإسلام زادها رونقا وقوة بالعدل ~~والتقوى، فكان الخليفة أو أميره إذا وعد وفى، وإذا عاهد أنجز، لا يثنيه عن ذلك طمع ~~أو خوف؛ اعتبر ما كان من وفائهم لأهل الذمة، إذ عاهدوهم على أن يحموهم ما أدوا ~~الجزية، فكانوا إذا شغلهم عن حمايتهم شاغل ردوا الجزية إلى أصحابها ~~واعتذروا # 1 # ولو لم يردوها ما طالبهم بها أحد، وإنما كانوا يفعلون ذلك من عند ~~أنفسهم، والشجاعة كانت سائدة في ذلك العصر، لما كانوا فيه من الحاجة إليها في الفتح ~~والجهاد، وقس على ذلك سائر المناقب، ولا سيما الاستقلال والحرية فإنهما زادا قوة في ~~صدر الإسلام، لما توخاه الراشدون من التسوية بين المسلمين على اختلاف طبقاتهم، حتى ~~أصبحوا يخاطبون الخليفة أو الأمير بجسارة وأنفة كما يخاطبون بعض أقرانهم، وإذا رأوا ~~فيه اعوجاجا هددوه أو عنفوه وأصلحوه، فإذا لم يطعهم قتلوه كما فعلوا بالخليفة ~~عثمان، وكثيرا ما كان المسلمون يحصبون أميرهم وهو يخطب فيهم، إذا أنكروا شيئا من ~~أقواله أو أعماله. ~~(1-1) المرأة في عصر الراشدين # أما المرأة فاتجهت قواها في صدر الإسلام إلى سداد الرأي ومزاولة الأدب والشعر ~~مع بقاء العفة والأنفة، فاشتهر منهن غير واحدة جرت بذكرهن الأمثال منهن عائشة ~~أم المؤمنين، فقد كان لها عقل راجح وفيها دهاء وقوة، حتى رأست حزبا كبيرا من ~~الصحابة وروت أحاديث كثيرة هامة. # وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله الصحابي الشهير، كانت مفرطة الجمال تقيم في ~~المدينة ولها عقل ورأي وعلم واسع بأخبار العرب وأيامها وفي مطالع الكواكب ~~وأحوالها، وكانت مع جمالها لا تستر وجهها عن الرجال لعظم قدرها وكبر نفسها، ~~وكثيرا ما كانت تجلس في قصرها فيتناضل بين يديها الرماة ويتفاخرون بما ينالون ~~من إعجابها، وكانت إذا حجت يجيئها النساء الشواعر وغيرهن ويدخل الشعراء فتجيزهم ~~الجوائز الكبيرة، وكان لها موكب لم يسمع ms0900 بمثله في عصرها مؤلف من عدة مواكب، ~~واحد لماشطتها وآخر لخازنتها وآخر لكل من كبار أتباعها، أما موكبها الخاص فهو ~~كوكبة فيها 300 راحلة عليها القباب والهوادج. # 2 # وسكينة بنت الحسين بن علي، وكانت معاصرة لعائشة بنت طلحة في المدينة وتسميان ~~عقيلتي قريش، # 3 # وكانت عفيفة برزة تجالس الأجلة من قريش ويجتمع إليها الشعراء، ~~وتأذن للناس إذنا عاما حتى تغص الدار بهم فتأمر لهم بالأطعمة، ثم تطرح على ~~الشعراء الأسئلة في الشعر والأدب وتنتقد أقوالهم وتجيزهم، وخبرها في ذلك ~~مشهور. # 4 # وأسماء بنت أبي بكر، المعروفة بذات النطاقين وهي أم عبد الله بن الزبير، وفي ~~مراجعة قولها لابنها هذا لما يئس من الفوز وهو محصور بمكة وجاء يستفتيها ~~وتحريضها إياه على استقبال الموت بشرف دليل كاف على كبر نفسها وحزمها. # 5 # ونبغ بالشعر في ذلك العصر عدة نساء، كليلى الأخيلية والخنساء المتقدم ذكرها ~~والفارعة المرية، واشتهر في البادية غير واحدة ممن كان يجتمع الرجال عندها ~~للمناشدة أو المذاكرة على غير ريبة، فإذا توسمت في أحدهم انحرافا منعته ~~واحتجبت عنه، كما اتفق لأبي دهبل الجمحي مع عمرة الجمحية، وكانت امرأة جزلة ~~يجتمع إليها الرجال لإنشاد الشعر، وكان أبو دهبل من أشراف بني جمح وكان لا ~~يفارق مجلسها، وكانت تحبه وتتقدم إليه في كتمان حبها، فجاء نسوة كن يتحدثن ~~إليها فذكرن لها شيئا عن أبي دهبل وأنه يقول: إنها عاشقة له، فرفعت مجلسها ~~وتركت مجالسة الرجال ظاهرة وضربت حجابا بينها وبينهم. # 6 # ولما نضج التمدن الإسلامي اشتهر عدة نساء بالسياسة والصلاح والدهاء وغير ذلك ~~مما ذكرناه في الأجزاء الماضية. ~~(2) الآداب الاجتماعية في عصر الأمويين # أصاب المناقب العربية في الدولة الأموية تغيير يختلف عما أصابها في عصر الراشدين ~~باختلاف أحوال الدولتين، فالأمويون لما جعلوا همهم الرجوع إلى ما كان لهم من ~~السيادة في الجاهلية أغفلوا كل ما يخافون حيلولته بينهم وبين ذلك المرمى، واستبقوا ~~ما يتوسمون منه نفعا لغرضهم؛ فالكرم رأوا فيه وسيلة لجمع الأحزاب فنشطوه وتسابقوا ~~إليه، فزادوا الأعطية وفرضوا الجوائز وأقاموا ms0901 بيوت الضيافة، وأكثروا من السخاء على ~~رؤساء الأحزاب والشعراء ومن يخافون سطوتهم ولا يقوون على قتلهم على ما بيناه في باب ~~السخاء. # والشجاعة لم يكن لهم بد منها فقربوا أصحابها، والعصبية كانت ملجأهم الأكبر في ~~مناوأة أعدائهم من شيعة علي وغيرهم، فبعد أن ضعفت في عصر الراشدين وقامت جامعة ~~الدين مكانها أعادها الأمويون إلى نحو ما كانت عليه قبل الإسلام. # أما الوفاء فكان عثرة في طريق أغراضهم، لما كانوا يعلمونه من حق مناظريهم في ~~الخلافة وقوتهم فلجأوا إلى الغدر والفتك، وكان معاوية زعيمهم ومؤسس دولتهم يفعل ذلك ~~سرا ويموه غدره بالحلم والكرم والدهاء وحسن الأسلوب، فتدرج الخلفاء بعده من بني ~~مروان إلى الغدر جهارا، وأول من فعل ذلك عبد الملك بن مروان، # 7 # وجرى عمالهم على هذه الخطة وأفرطوا فيها، فاشتهر بها منهم زياد بن أبيه ~~وابنه عبيد الله بن زياد والحجاج بن يوسف وغيرهم. ~~(2-1) تقييد الأفكار في أيام بني أمية # أما الاستقلال وحرية القول فجاهد الأمويون في مقاومتهما وقيدوا الألسنة ~~بإرادتهم تقييدا شديدا، فكان ذلك عظيما على الذين عاصروا الراشدين وتعودوا ~~الحق والحرية، فعاقبهم الأمويون جزاء حريتهم واستقلال أفكارهم بالعذاب الشديد، ~~ومن لم يستطيعوا مقاومته جهارا قتلوه سرا؛ بدأوا بذلك من أيام عثمان قبل ~~قبضهم على مقاليد الدولة في الشام، وقد جرأهم عليه ضعف هذا الخليفة ورغبته في ~~إرضاء أهله ونصرتهم، ولولا ذلك ما استطاع معاوية اضطهاد أبي ذر الغفاري ونفيه؛ ~~لأنه جاهر باستبداد أهل الدولة بأموال المسلمين. # 8 # فلما أفضت الخلافة إلى معاوية لم ير بدا من الضغط على أفكار أهل الاستقلال ~~والحرية، واستعمل الشدة في ذلك فقتل حجر بن عدي وعمرو بن الحمق وأصحابهما؛ ~~لأنهم قالوا بحرية ضمير أن عليا لا يجوز لعنه على المنابر، # 9 # فأصبح الناس يخافون على أرواحهم وأخذوا يتعودون السكوت عن الحق، ثم ~~لجأوا إلى التمويه والرياء حتى في المشهور الثابت، كما فعل ذلك الرجل لما نصب ~~معاوية ابنه يزيد لولاية العهد فأطرى عمل معاوية حتى قال: «إنك لو لم تول هذا ms0902 ~~أمور المسلمين لأضعتها.» ولكن الحرية كانت لا تزال حية في نفوس أهل الرئاسة ممن ~~لم يكن يهمهم التزلف إلى أهل الدولة، وربما كانت الدولة أحوج إلى نصرتهم، ~~كالأحنف بن قيس التميمي فإنه كان يقول الحق ولا يبالي، وكان ممن شهد الاحتفال ~~بتولية يزيد وسمع ما قاله ذلك المنافق فاكتفى بالسكوت عن المدح، وأدرك معاوية ~~فكره فاستفهمه عن سبب سكوته فلم يبال أن قال: «أخاف الله إذا كذبت وأخافكم إذا ~~صدقت ...» # 10 # واقتدى بمعاوية من عاصره من الأمراء أو جاء بعده من الخلفاء، فنشأ جيل من ~~العرب يهون عليهم السكوت عن الحق، وكثر أهل الزلفى والرياء وذهبت حرية القول ~~بتوالي الأعوام. ~~(2-2) النجدة والأريحية في أيام بني أمية # أما النجدة والأريحية فظلتا في العصر الإسلامي العربي متأصلتين في العرب، وإن ~~اضطر الأمويون إلى الإغضاء عنهما في بعض الأحيان، أما على العموم فقد كانتا ~~مرعيتين حتى عند أشد بني أمية استبدادا وظلما، وفي أخبارهم كثير من أمثلة ~~ذلك، منها أنه جيء إلى معاوية في يوم صفين بأسير من أهل العراق فقال معاوية: ~~«الحمد لله الذي أمكنني منك.» # فقال الرجل: «لا تقل ذلك يا معاوية.» # قال: «وأي نعمة أعظم من أن يمكنني الله من رجل قتل جماعة من أصحابي في ساعة ~~واحدة؟ اضرب عنقه يا غلام.» # فقال الأسير: «اللهم اشهد أن معاوية لم يقتلني فيك وأنك لا ترضى بقتلي، وإنما ~~يقتلني في الغلبة على حطام الدنيا، فإن فعل فافعل به ما هو أهله وإن لم يفعل ~~فافعل به ما أنت أهله.» # فقال له: «ويحك! لقد سببت فأبلغت ودعوت فأحسنت ... خليا عنه.» # وكان معن بن زائدة قد أمر بقتل جماعة من الأسرى، فقام أصغر القوم فقال له: ~~«يا معن، أتقتل الأسرى عطاشا؟» فأمر لهم بالماء، فلما سقوا قال: «يا معن، ~~أتقتل ضيفانك؟» فأمر معن بإطلاقهم. # وأتى الحجاج بأسرى من الخوارج فأمر بضرب أعناقهم، فقام فيهم شاب فقال: «والله ~~يا حجاج لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت بالعفو.» فقال الحجاج: «أف لهذه ~~الجيف! أما ms0903 كان فيهم من يقول مثل هذا؟» وأمسك عن القتل، وقس على ذلك. # 11 # وكثيرا ما كانوا يعرضون أنفسهم للقتل رغبة في حسن الأحدوثة، ولا سيما عند ~~النساء كما فعل عيسي بن مصعب بن الزبير وهو مع أبيه في مقاتلة محمد بن مروان ~~بالعراق سنة 71ه، إذ تحقق مصعب أنه مقتول فأوعز إلى ابنه عيسى أن يطلب النجاة ~~فقال: «والله لا تتحدث نساء قريش أني خذلتك ورغبت في نفسي عنك.» فقال: «فاذهب ~~أنت ومن معك إلى عمك في مكة فأخبره بما صنع أهل العراق ودعني فإني مقتول.» قال: ~~«لا أخبر عنك قريشا أبدا، ولكن يا أبتي، الحق بالبصرة فإنهم على الطاعة أو ~~الحق بأمير المؤمنين.» فقال مصعب: «لا تتحدث قريش أني فررت.» وحاربوا حتى ~~قتلوا. # 12 # وظلت الأريحية مرعية في أوائل الدولة العباسية، فإن الرشيد رفع القتل عن ~~ربيعة بقصيدة رفعها إليه أحدهم استنهض بها أريحيته في العفو عنهم. # 13 # ولما عزم المأمون على قتل إبراهيم بن المهدي - وكان مصمما على ~~قتله - شاور فيه أحمد بن أبي خالد الوزير فقال: «يا أمير المؤمنين، إن قتلته ~~فلك نظراء وإن عفوت عنه فما لك نظير.» # 14 # فعفا عنه. # فلما ضعف العنصر العربي في الدولة العباسية بعد تسلط الأجناد الأتراك، وتحولت ~~الأغراض في أهل الدولة إلى كسب الأموال بأية وسيلة كانت، ذهبت الأريحية ~~والنجدة، على أن ذهابهما بدأ من أيام أبي مسلم الخراساني ... فكم استنجدوه ~~واستحثوه ولم يفعل إلا ما يوصله إلى غرضه. # والشيخوخة ظلت مرعية ومحترمة إلى عصر العباسيين وما بعده، ولا تزال حتى ~~الآن. ~~(2-3) المرأة في عصر الأمويين # بدأت المرأة بتبديل طباعها من أيام الأمويين؛ لأن العفة والغيرة أصابهما في ~~ذلك العصر صدمة قوية بتكاثر الجواري والغلمان، وانغماس بعض الخلفاء في الترف ~~والقصف وانتشار الغناء والمسكر، فتجرأ الشعراء على التشبيب والتغزل وتكاثر ~~المخنثون في المدن، وتوسطوا بين الرجال والنساء بالباطل، فأخذ الفساد يفشو بين ~~الناس وضعفت غيرة الرجال وقلت عفة الناس. # فقد رأيت أن المرأة كانت في الجاهلية وأوائل الإسلام تجالس ms0904 الرجال وتخاطبهم ~~وتذاكرهم والعرب لا يرون ذلك منكرا، # 15 # ولا تخامرهم فيه ريبة، وإذا توسم رجل من رجل نظرة إلى امرأته أو ~~أخته بريبة طلبه للمبارزة أو المجالدة أو المصارعة # 16 ~~(الدويلو # Duello ~~) فيتصارعان حتى ~~يصرع أحدهما صاحبه وربما انتشب القتال بين القبائل غيرة على نظرة كما حدث يوم ~~الفجار الثاني، # 17 # حتى الشعراء، فقد كانوا لا ينظمون النسيب أو الغزل إلا قليلا، ~~ويقال: إن امرأ القيس أول من شبب بالنساء # 18 # ومهما يكن من ضعف هذا القول فهو يدل على بعد العرب الجاهلية عن ~~الغزل لفرط غيرتهم، على أنهم قلما شببوا بعد ذلك إلا بحبيب أو خطيبة، وكانت ~~مغازلة النساء نادرة فيهم، فإذا اتفق لأحدهم شيء من ذلك اشتهر أمره وذاع خبره، ~~كما اشتهر العشاق والمجانين في صدر الإسلام، وربما تعشق بعضهم رغبة في شحذ ~~قرائحهم الشعرية، على أن تشبيبهم في كل حال لم يكن عن ريبة أو فاحشة. # 19 # وكانوا يتفاخرون بالعفة وإمساك هوى النفس، وقد يجتمع الحبيبان بعد طول البعد ~~واحتدام الشوق فيجلسان ويتعاتبان ويتحادثان ثم ينصرفان، وأشهر الناس في ذلك بنو ~~عذرة، وأكثر عشاق العرب منهم. ~~(2-4) التشبيب # فكان العرب الجاهلية قلما يشببون بغير خطيباتهم، فإذا شبب أحدهم بفتاة قبل أن ~~يخطبها منعوه منها، # 20 # وكان الخلفاء الراشدون حريصين على آداب القوم، فجعلوا التشبيب ~~ذنبا يستوجب القصاص، وكان عمر بن الخطاب لا يسمع بشاعر شبب بامرأة إلا ~~جلده، # 21 # ونظرا لقلة من يجسر على وصف النساء في شعره كان الشاعر إذا شبب ~~بامرأة اشتهرت فتتزوج، ولذلك كان بعض الآباء يطلب من الشاعر أن يشبب ببناته ~~ليتزوجن. # فالعرب على فطرتهم وطبيعة إقليمهم وطرق معايشهم أهل عفة، والنساء يجتمعن ~~بالرجال في المجالس والأندية على غير ريبة، حتى في الكعبة، فكانوا يطوفون معا ~~لا يرون بذلك بأسا؛ لأن العفة كانت غالبة على طباعهم، فلما جاءهم الترف وأخذوا ~~بأطراف الحضارة وعمدوا إلى التسري والاستكثار من الجواري تغيرت تلك الطباع، ~~فلما كانت إمارة خالد القسري على مكة في خلافة سليمان بن ms0905 عبد الملك الأموي بلغه ~~قول بعض الشعراء: # يا حبذا الموسم من موقف # وحبذا الكعبة من مسجد # وحبذا اللاتي يزاحمننا # عند استلام الحجر الأسود # فأمر بالتفريق بين الرجال والنساء في الطواف. # 22 # وفي أيام بني أمية تجرأ الشعراء على التشبيب بالنساء، لا سيما في المدينة بعد ~~انتشار الغناء فيها وإقبال أهلها على القصف واللهو، ومما زاد إنكارهم للتشبيب ~~أن الشاعر إذا نظم أبياتا تغنى بها المغنون في مجالس الشراب، وأول من تجرأ على ~~التشبيب من الشعراء القرشيون، وأسبقهم إلى ذلك ابن أبي عتيق حفيد أبي بكر ~~الصديق، وكان من أهل الطهارة والعفاف وإنما كان يتشبب عن غير ريبة، واقتدى به ~~عمر بن أبي ربيعة وهو قرشي أيضا، وكان كثير النسيب والغزل ومن سمع كلامه ظنه ~~من أجرأ الناس على فاحشة، وهو لم يحل إزاره على حرام، # 23 # واقتدى به العرجي وهو من قريش أيضا، # 24 # ونبغ شعراء آخرون من غير قريش وأخذوا يشببون بالنساء رويدا ~~رويدا. # ولم يكن الخلفاء في أول الأمر راضين عن ذلك لتغلب البداوة على أخلاقهم، ~~فأخذوا يقاومون تيار الترف بكل قواهم، ولكنهم كانوا يدارون الشعراء رغبة في ~~اكتساب الأحزاب على أيديهم، فلا يمنعونهم من التشبيب إلا إذا مس عرضهم، ومع ذلك ~~فالدهاة منهم كانوا يتلطفون في دفعهم، ومن لطيف ما يحكى من هذا القبيل أن عبد ~~الرحمن بن حسان بن ثابت شبب بابنة معاوية وهو خليفة في إبان مجده، وبلغ ذلك ~~ابنه يزيد فغضب ودخل على أبيه وقال: «يا أمير المؤمنين اقتل عبد الرحمن بن ~~حسان.» # قال: «ولم؟» # قال: «شبب بأختي.» # قال: «وما قال؟» # قال: «قال: # طال ليلي وبت كالمحزون # ومللت الثواء في جيرون» # 25 # قال معاوية: «يا بني، وما علينا من طول ليله وحزنه؟ أبعده الله!» # قال: «صدق يا أبي.» # فلذلك اغتربت بالشام حتى # ظن أهلي مرجمات الظنون # قال: «يا بني، وما علينا من أهله؟» # قال: «إنه يقول: # هي زهراء مثل لؤلؤة الغوا # ص ميزت من جوهر مكنون» # قال: «صدق يا بني.» # قال: «إنه يقول: # وإذا ms0906 ما نسبتها لم تجدها # في سناء من المكارم دون» # قال: «صدق يا بني، هي هكذا!» # قال: «إنه يقول: # ثم خاصرتها إلى القبة الخض # راء تمشي في مرمر مسنون» # قال: «ولا كل هذا يا بني!» # وما زال يزيد يذكر له ما قاله فيها من التشبيب وهو يدافعه ويظهر أنه لا يرى ~~فيه ما يستحق العقاب عليه، ثم كلمه بعض خاصته بشأنه وأكبروا جسارته وقالوا: «لو ~~جعلته نكالا.» فقال: «لا، ولكن أداويه بغير ذلك.» واتفق أن عبد الرحمن المذكور ~~وفد على معاوية، وكان يدخل في أخريات الناس، فاستقبله أحسن استقبال وأجلسه على ~~سريره معه وأقبل عليه بوجهه وحديثه ثم قال: «إن ابنتي الأخرى عاتبة عليك.» قال: ~~«في أي شيء؟» قال: «في مدحك أختها وتركك إياها.» قال: «فلها العتبى وكرامة، أنا ~~ذاكرها وممدها.» فلما فعل وبلغ ذلك الناس قالوا: «قد كنا نرى أن تشبيب ابن حسان ~~بابنة معاوية لشيء، فإذا هو على رأي معاوية وأمره.» وعلم من كان يعرف أنه ليس ~~له بنت أخرى، وأنه إنما خدعه ليشبب بها ولا أصل لها، فعلم الناس أنه كذب على ~~الأولى لما ذكر الثانية. وشبب أبو دهبل الجمحي أيضا بابنة معاوية فعامله ~~باللين وقطع لسانه بالعطاء. # 26 # فقس على ذلك سائر خلفاء بني أمية وأمرائهم، مما يدل على غلبة طبائع البدو في ~~الأمويين، مع أخذهم بأطراف المدنية واختلاطهم بالأمم الأخرى وقربهم من أسباب ~~القصف، وكأن تلك الأسباب أخذت بعقول الشعراء فلم يكونوا يقعدون عن التشبيب مع ~~تعرضهم للخطر، وقلما كان يجسر على ذلك غير القرشيين، وأكثرهم جسارة عمر بن أبي ~~ربيعة المتقدم ذكره، فإنه كان يصطحب ابن سريج المغني فيركبان على نجيبين ~~ويلقيان الحاج فيعرضان للنساء وينشدان الأشعار لا يبالون أن تكون فيهن بنت ~~الخليفة أو امرأته. # والظاهر أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك إلا لما يرون من ارتياح النساء إليه؛ لأن ~~المرأة تفتخر بأن يثني الشعراء على جمالها وإن لم يرض أهلها، فقد كان لعبد ~~الملك بن مروان بنت أرادت الحج فخاف أن يشبب بها ابن ms0907 أبي ربيعة، فاستكتب الحجاج ~~إليه إن هو فعل ذلك أصابه بكل مكروه، فلما قضت حجها خرجت فمر بها رجل فقالت له: ~~«من أنت؟» فقال: «من أهل مكة.» قالت: «عليك وعلى أهل بلدك لعنة الله!» قال: ~~«ولم ذاك؟» قالت: «حججت فدخلت مكة ومعي من الجواري ما لم تر الأعين مثلهن فلم ~~يستطع الفاسق ابن أبي ربيعة أن يزودنا من شعره أبياتا نلهو بها في الطريق من ~~سفرنا.» قال: «إني لا أراه إلا قد فعل.» قالت: «فأتنا بشيء إن كان قاله، ولك ~~بكل بيت عشرة دنانير.» فمضى إليه فأخبره فقال: «لقد فعلت ولكن أحب أن تكتم ~~علي.» وأنشده قصيدة قالها فيها. # 27 # وممن اشتهر بتعرضه للنساء والتشبيب بهن في ذلك العصر الأحوص، كان يشبب بنساء ~~ذوات أخطار من أهل المدينة فشكوه إلى سليمان بن عبد الملك فأمر بالقبض عليه ~~وجلده ثم نفاه. # 28 # ووضاح اليمن، كان يشبب بأم البنين امرأة الوليد بن عبد الملك، وهم ~~الوليد بقتله فمنعه ابنه عبد العزيز وقال: «إن قتلته فضحتني وحققت قوله وتوهم ~~الناس أن بينه وبين أمي ريبة.» فأمسك عنه على غيظ وحنق، حتى بلغه أنه تعدى أم ~~البنين إلى أخته فاطمة بنت عبد الملك، وكانت زوجة عمر بن عبد العزيز وقال ~~فيها: # بنت الخليفة والخليفة جدها # أخت الخليفة والخليفة بعلها # فرحت قوابلها بها وتباشرت # وكذاك كانوا في المسرة أهلها # فاحتنق واشتد غيظه وقال: «أما لهذا الكلب مزدجر عن ذكر نسائنا وأخواتنا ولا ~~له عنا مذهب؟» ثم دعا به فأحضر وأمر ببئر فحفرت ودفنه فيها حيا. # 29 # فكانت أيام بني أمية من حيث العفة والغيرة عصر انتقال من البداوة إلى ~~الحضارة، فلما انقضى عصر الأمويين ذهب ما بقي من سذاجة البداوة في طبائع العرب، ~~واستسلم الناس للترف والرخاء وضعفت الغيرة وأبيح التشبيب وشاع على ألسنة ~~الشعراء، حتى صاروا يصدرون به قصائد المدح والفخر، وكان الخلفاء الأولون من بني ~~العباس لا يزالون على مقربة من البداوة فأنكروا ذلك ونهوا عنه، ومن أشدهم غيرة ~~المهدي بن المنصور فإن ms0908 بشارا أنشده مديحا فيه تشبيب فنهاه عن التشبيب ~~البتة، # 30 # فظل التشبيب مستقبحا حتى أباحه الرشيد وألح في نظمه، # 31 # فآل ذلك طبعا إلى ضعف الغيرة. ~~(3) الآداب الاجتماعية في العصر العباسي # قد رأيت ما أصاب المناقب العربية الفطرية من التغير بعد الإسلام، بما طرأ عليها ~~من عوامل الحضارة والانغماس في الرخاء والقصف والاختلاط بأهل المدن، فغلبت عليهم ~~الضعة وركنوا إلى بسطة العيش والتنعم بمطالب الحياة المادية، وزادهم العلم والفلسفة ~~والطب تباعدا عن البداوة وخشونتها وسذاجتها، وقضت سياسة العباسيين بمراعاة الفرس ~~وغيرهم ممن نصروهم في قيام دولتهم وتشتيت شمل العرب، فذهبت العصبية العربية، ~~واستلزمت رغبتهم في بقاء دولتهم العدول إلى الفتك والغدر على ما فصلناه في الجزء ~~الرابع، فذهبت مناقب العرب ولم يبق من الوفاء والشجاعة والاستقلال والأنفة والعصبية ~~والنجدة إلا آثار ضعيفة. ~~(3-1) المرأة في العصر العباسي # وآل تكاثر الجواري وشيوع التسري إلى ذهاب الغيرة من قلوب الرجال، حتى صاروا ~~يتهادون الجواري الروميات والتركيات والفارسيات وهن أجمل صورة وأشرق وجها من ~~نساء العرب، فبعد أن كان الرجل لا يعرف غير امرأته والمرأة لا تفكر في غير ~~زوجها وهي واثقة بأمانته، إذا هو قد تشتتت عواطفه بين عدة نساء فقلت غيرته ~~عليها، ولما رأته مشغولا عنها قلت ثقتها به إلا من عصمها عقلها وشرفها، فلم ~~ينضج التمدن في العصر العباسي حتى تنوسيت المرأة العربية في المدن، وذهبت ~~حريتها وغيرتها وصارت هي نفسها تهدي زوجها الجارية وتحبب إليه القرب منها، لا ~~يهمها ذلك ولا تغار منه، # 32 # وبعد أن كان العرب في الجاهلية وصدر الإسلام إذا علموا بحب رجل ~~فتاة منعوه من زواجها صاروا يساعدونه في الحصول عليها. # 33 # فأفضى ذلك إلى انحطاط المرأة وذهاب عزة نفسها واستقلال فكرها، فاحتقرها الرجل ~~وأساء الظن بها وصار يعدها عدوة له، ويوصي بعدم الإركان إليها، فيعاشرها على غل ~~وسوء رأي، يقفل عليها الأبواب والنوافذ، ويسد في وجهها الطرق والمسالك، ويمنعها ~~من الخروج أو الكلام، وهو صاحب الذنب في انحطاطها، فأصبح الطعن في طباع المرأة ~~وسوء ms0909 سريرتها شائعا على ألسنة الناس، حتى ألفوا فيه الروايات والأقاصيص ونظموا ~~الشعر، وتفننوا في وضع الجمل الحكمية والعبارات البليغة في تحذير الناس من ~~المرأة وعدم الوثوق بها، وهذه هي قصة ألف ليلة وليلة تمثل حال المرأة في الأعصر ~~الإسلامية الوسطى، بعد شيوع التسري وانغماس المسلمين في الترف، وأما الأشعار ~~فإليك ما قاله أبو العلاء المعري: # إذا بلغ الوليد لديك عشرا # فلا يدخل على الحرم الوليد # وإن خالفتني وأضعت نصحي # فأنت، وإن رزقت حجي، بليد # ألا إن النساء حبال غي # بهن يضيع الشرف التليد # 34 # وأصبح الكاتب إذا أراد تعزية صديق على فقد بنت له قال ما قاله أبو بكر ~~الخوارزمي، إذ كتب إلى رئيس بهراه يعزيه في بنته وهو قوله: # ولولا ما ذكرته من سترها ووقفت عليه من غرائب أمرها، لكنت إلى ~~التهنئة أقرب من التعزية، فإن ستر العورات من الحسنات، ودفن البنات من ~~المكرمات، ونحن في زمان إذا قدم أحدنا فيه الحرمة فقد استكمل النعمة، ~~وإذا زف كريمة إلى القبر ، فقد بلغ أمنيته من الصهر، قال الشاعر: # ولم أر نعمة شملت كريما # كنعمة عورة سترت بقبر # وقال آخر: # تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا # والموت أكرم نزال على الحرم # وقال آخر: # وددت بنيتي وودت أني # وضعت بنيتي في لحد قبر # وقال آخر: # ومن غاية المجد والمكرمات # بقاء البنين وموت البنات # وقال آخر: # سميتها إذ ولدت تموت # والقبر صهر ضامن وبيت # 35 # هذا مثال من آراء أدباء المسلمين وشعرائهم في المرأة بين القرنين الرابع ~~والخامس للهجرة. # فلم يبق من المناقب العربية في العصر العباسي إلا السخاء؛ لأنه كان لازما ~~لقوام الدولة وسلامتها وتأييدها، بل هو كان من أهم قواعد الارتزاق في ذلك ~~العصر. ~~(3-2) الارتزاق بالسخاء # إن الارتزاق في التمدن الحديث مبني على قواعد اقتصادية عمرانية تحفظ توازن ~~القوى ونتائجها، فينال الإنسان من رزقه على مقدار كده وجده مع اعتبار درجة عقله ~~وذكائه، سواء كان ذلك بالتجارة أو الزراعة أو الصناعة أو غيرها، وقد وضعوا لكل ~~من أبواب الرزق قواعد في ms0910 تقدير الأرباح لا تتعداها إلا في أحوال خاصة ترتفع ~~فيها الأسعار فجأة كما حدث بمصر لهذا العهد (حوالي 1910)، وعلى أي حال فالصانع ~~تقدر أجرته بمقدار عمله، والتاجر يقدر ربحه بنسبة رأس ماله. # أما في التمدن الإسلامي فقد كان الارتزاق يقرب من ذلك في طبقة العامة من ~~المزارعين والباعة وأهل الصناعات، وأما في الخاصة وأتباعهم فكان على أسلوب آخر ~~لا مثيل له بين المتمدنين في هذا العصر، ومداره «السخاء» المتسلسل من الخلفاء ~~فالوزراء فمن بعدهم ممن يعيشون حول البلاط ويرتزقون من رجال الدولة، ومصدر هذه ~~الأرزاق بيت المال، وهو في قبضة الخليفة أو من يقوم مقامه من الوزراء أو القواد ~~أو الأمراء على حسب أطوار النفوذ، والأموال تأتي بيت المال من جباية الخراج ~~والجزية، وقد رأيت في الجزء الثاني من هذا الكتاب أن متوسط جباية الدولة في ~~العصر العباسي الأول بلغ نحو 360 مليون درهم في العام، لا ينفق منها على مصالح ~~الدولة أكثر من 50 مليونا، فالباقي 300000000 درهم تبقى في بيت المال تحت تصرف ~~الخليفة ، وأكثرها من جباية الخراج، وكان الخراج في العصر المذكور ثقيلا؛ لأنهم ~~كانوا يقاسمون الناس غلاتهم بالنصف أو الثلث، وذلك في نظر أهل هذا الزمان ظلم، ~~ولكن أهل ذلك العصر لم يشعروا بثقله بل كانوا يعدونه رفقا؛ لأن العباسيين ~~نقلوا الخراج من المساحة إلى المقاسمة، فبعد أن كان الحكام قبلهم يقتضون خراج ~~الأرض زرعت أم لم تزرع، حصروا الخارج في الأرض المزروعة وجعلوه شطرا من ~~غلتها. # 36 # سنة العرب في الارتزاق # والأموال التي تبقى في خزانة الدولة يعطى بعضها رواتب لموظفيها، ويفرق ~~سائرها فيمن بقي من الخاصة بين جوائز ورواتب، فتتسع أحوالهم بالجاه أكثر ~~منها بالمال، فيضطرون إلى الإنفاق لحفظ مقامهم، فينفقون على من يتعلق بهم، ~~فينتقل المال على هذه الصورة من الخليفة ووزرائه وعماله إلى حواشيهم ~~وأتباعهم، ومن هؤلاء إلى الباعة وأهل الأسواق فيعود إلى العامة كأنه لم ~~يؤخذ منهم، وهي سنة في الارتزاق تظهر لأول وهلة أنها من خصائص التمدن ~~الإسلامي، ولكنها كانت ms0911 على نحو ذلك في التمدن القديم، فأهل أثينا وهم خاصة ~~اليونانيين كانوا لا يعملون عملا ولا يحترفون حرفة في سبيل الرزق، وإنما ~~كانت أرزاقهم من خزانة الدولة يتناولونها رواتب في أوقات معينة، أو هبات في ~~أوقات غير معينة، على مقتضيات الأحوال أو على ما يلحقهم من الغنائم ونحوها، ~~ولم يكن لهم شغل غير سماع الخطب السياسية أو العلمية والتمشي في حدائق ~~المدينة وحضور الاحتفالات الرسمية ونحوها، # 37 # ولكن ذلك كان محصورا في أثينا أو غيرها من العواصم الكبرى، ~~أما المسلمون فتوسعوا فيه حتى شمل كل مدينة وكل طبقة، لتمكن السخاء في نفس ~~العربي، ولأن هذه السنة كانت شائعة عند العرب من أيام الجاهلية، فأمير ~~القبيلة كان يغزو بقبيلته، فما وقع له من مال وماشية فرقه في كبار رجاله، ~~وهؤلاء يفرقونه في أهلهم وأتباعهم، ولذلك ذكروا من سنن العرب في الارتزاق ~~أنهم «نهابون وهابون» وكان العرب يكرهون اختزان الأموال ويعدونه ~~قبيحا. # 38 # والسبب في بقاء هذه السنة مع ذهاب غيرها من المناقب، أنها لازمة لبقاء ~~الدول في تلك العصور، وخصوصا في الإسلام منذ طمع بنو أمية في الخلافة ~~واستخدموا الأموال في ابتياع الأحزاب واسترضاء كبار الرجال، فعودوا الناس ~~العطاء، فلما قام العباسيون لم يستطيعوا الرجوع عنه، بل تجاوزوه من بعض ~~الوجوه، فصار السخاء ضروريا لقيام الدولة وإلا فسد عليها حماتها وتمرد ~~أهلها. # وكان الصحابة في عصر الراشدين لا يرون اختزان المال، جريا على سنة العرب ~~أو عملا بحديث رواه قيس بن عاصم بهذا المعنى وهو قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «نعم ~~المال الأربعون، والأكثر الستون، وويل لأصحاب المئين.» # 39 # ولذلك كان الخلفاء الراشدون لا يبقون في بيت المال شيئا، على ~~أن المسلمين في أيامهم كانوا مشتغلين بما بين أيديهم من الغنائم، وكانوا لا ~~يزالون في دهشة النبوة والإخلاص في الجهاد والخراج في أيامهم معتدل، فلم ~~يكن يفيض منه شيء كثير، فلما طمع الأمويون في الملك اتخذوا كل وسيلة لجمع ~~المال والاستكثار منه، وزادوا أعطيات الجند ووهبوا وأجازوا، وضاعفوا رواتب ~~أبناء ms0912 الصحابة وغيرهم من القرشيين أصحاب النفوذ، فكان هؤلاء يتوسعون في ~~الإنفاق ببناء القصور واقتناء الخدم والجواري، ويهبون الشعراء والندماء ~~والحاشية والأتباع فيذهب ذلك المال كما أتى. # كذلك كان يفعل عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وسعيد بن ~~العاص # 40 # فيفد أحدهم على معاوية أو يزيد فيؤدي له عطاءه، وربما أهداه ~~هدية سنية، فيعود إلى بلده ويفرق المال جميعه في أهله وأعوانه، # 41 # وكان الخلفاء يعرفون ذلك، ويعدون عطاءهم لهؤلاء عطاء لأهل ~~المدينة، # 42 # وليس ذلك خاصا بفئة منهم، بل كان شاملا الأكثرين، حتى ~~النساء من بنات الصحابة كسكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة وغيرهما، فكانت ~~عائشة هذه تفد على الخليفة وربما كانت في ضيق، فتشكوا إليه فراغ يدها فيأمر ~~لها بمائة ألف درهم مثلا، فلما تعود إلى الحجاز يأتيها الشاعر أو الفارس ~~فتعطيه الألف بعد الألف حتى تستنفد ما جاءت به، # 43 # حتى الشعراء كانوا يبذلون بعض جوائزهم فيمن حولهم، ولذلك كانوا ~~مع كثرة ما يصل إلى أيديهم من المال لا يزالون مدينين ويموت أكثرهم ~~فقراء. # 44 # ولما أفضى الأمر إلى العباسيين ساروا على هذه السنة في الأعطيات ~~والجوائز، وزادوا مقاديرها لتوفر الثروة في أيامهم، وكان أصحابهم يفرقونها ~~في الناس، فموسى الكاظم كان يقيم في المدينة ويفد على بغداد فيرده المهدي ~~مثقلا بالأموال، فلما يصل إلى المدينة يجعلها صررا يفرقها في ~~أهلها، # 45 # وكانوا يفعلون ذلك مع العمال والكتاب والشعراء والمغنين، ~~وهؤلاء ينفقون المال بالسخاء على تفاوت في درجاته وسائر أحواله، وربما ~~أنفقوا بعضه في حاشية الخليفة أو غلمانه، # 46 # ليسهلوا لهم الدخول عليه. # استرضاء العامة بالطعام # فكان الخلفاء أو الأمراء يعدون السخاء على العامة والخاصة فرضا يؤيدون ~~به سلطتهم، أما العامة فكانوا يسترضونهم بأبسط أساليب السخاء وهو الضيافة، ~~فكانوا ينصبون لهم الموائد يدعونهم إلى الطعام، فيجتمع على مائدة الأمير ~~ألوف من العامة يأكلون معا صباحا ومساء، ذلك كان دأبهم من عصر الراشدين، ~~جروا به على سنة العرب ثم احتاجوا إليه بعد الإسلام في استرضاء القبائل ~~المختلفة، فبالغوا ms0913 فيه حتى نصبوا الموائد على الطرق، وأول من فعل ذلك عبيد ~~الله بن عباس، # 47 # واشتهر في صدر الإسلام غير واحد من الأجواد ممن كانوا يقبضون ~~الأعطية الكبيرة من خلفاء بني أمية فينفقونها في البذل والسخاء، وقد تقدم ~~ذكر بعضهم. # وجرى الدهاة من عمال الأمويين على هذه السنة، فنصبوا الموائد على الطرق، ~~فكان الحجاج يضع في كل يوم من أيام رمضان ألف خوان، وفي سائر الأيام ~~خمسمائة خوان، على خوان عشرة أنفس وعشرة ألوان وسمكة مشوية طرية وأرزة ~~بسكر، وكان يدور هو بنفسه على الموائد يتفقدها، يحملونه إليها في محفة ~~وينتقلون به من خوان إلى خوان، فإذا رأى أرزة ليس عليها سكر أمر الخباز أن ~~يجيء بسكرها، فإذا أبطأ حتى أكلت الأرزة بلا سكر أمر به فضرب 200 سوط، ~~وكذلك كان يفعل عمال الحجاج في سائر المدن، فكان بعضهم ينصب الموائد مرتين ~~في اليوم للغداء والعشاء. # 48 # وكان يوسف بن عمر عامل هشام بن عبد الملك ينصب خمسمائة ~~خوان، # 49 # وكان يزيد بن هبيرة يضع ألف خوان يطعم الناس # 50 # وقس على ذلك سائر العمال وغيرهم، كابن طولون بمصر، فقد كانت له ~~موائد يحضرها الخاص والعام، # 51 # وربما فرقوا الطعام بلا موائد كما كان يفعل لؤلؤ الحاجب في ~~أيام الفاطميين بمصر، فإنه كان يفرق 1200 رغيف مع قدر الطعام كل يوم، وإذا ~~دخل رمضان أضعف ذلك ويقف هو بنفسه ليفرقه، # 52 # هذا غير ما كانوا يبذلونه في استرضاء العامة من الأموال على ~~سبيل الصدقة، فكان لكل من الخلفاء والأمراء والوزراء مال ينفقه صدقة كل ~~يوم، على ما قدمناه في الجزء الثاني من الكتاب، وربما فعل بعضهم ذلك لمجرد ~~الرغبة في الأجر أو عملا بمقتضى الأريحية. # وإطعام العامة على هذه الصورة لم يكن خاصا بالمسلمين، وإنما هو أيضا ~~من سنن الأعصر الغابرة، فقد كان العامة في رومية يعيشون من أطعمة يفرقها ~~فيهم أهل الدولة من الدقيق واللحم، وكان بعض ملوك الفرس ينصب 500 مائدة ~~يجعل على كل واحدة نصف شاة وجام ms0914 حلوى أو عسل وعشرة أرغفة وآنية شراب أو لبن ~~وسمكة مصنوعة، # 53 # والمسلمون جروا على هذا الترتيب اقتداء بالفرس، مثل اقتدائهم ~~بهم في كثير من آدابهم الاجتماعية. # وأما الخاصة أو من جرى مجراهم من المقربين غير الموظفين، فكان الخلفاء ~~يهبونهم الهبات أو يعينون لهم الرواتب لتقييد إرادتهم # 54 # كما تقدم، ولذلك كان أهل الأنفة يكرهون صلات الخلفاء ويبعدون ~~عن جوائزهم رغبة في الاستقلال، وأكثر ما يقع ذلك لأهل البادية الذين لم ~~تذلهم الحضارة، ولا سيما بعد نكبة البرامكة، فقد طال حديث الناس يومئذ ~~بأمرهم وغلب على اعتقادهم أن من يثري من هبات الخلفاء تكون حياته في خطر؛ ~~ذكروا بدويا عيرته امرأته بفقره لبعده عن جوائز الخلفاء إلى أن قالت: ~~«هذا فلان قد أخذ الأموال فحلى نساءه وبنى داره واشترى ضياعا، وأنت ههنا ~~كما ترى ...» وكانت امرأته باهلية فأنشأ يقول: # تلوم على ترك الغنى باهلية # ذوى الفقر عنها كل طرف وتالد # رأت حولها النسوان يرفلن في الثرا # مقلدة أعناقها بالقلائد # أسرك أني نلت ما نال جعفر # من العيش أو ما نال يحيى بن خالد؟ # وأن أمير المؤمنين أغصني # بغصهما بالمشرفات النوارد؟ # رأيت رفيعات الأمور مشوبة # بمستودعات في بطون الأساود # دعيني تجيء منيتي مطمئنة # ولم أتجشم هول تلك الموارد # 55 # الهبات والدين # على أن الفقهاء وأهل التقوى كانوا في صدر الإسلام وأوائل دولة بني أمية ~~يعدون صلات الخلفاء رشوة ويترددون في قبولها، فما لبثوا أن ذاقوا حلاوتها ~~حتى صاروا يتفاخرون بنيلها، قال ذو الرمة: # وما كان مالي من تراث ورثته # ولا دية كانت ولا كسب مأتم # ولكن عطاء الله من كل رحلة # إلى كل محجوب السرادق خضرم # 56 # ثم صاروا يتزلفون إلى أصحاب الأموال ويستنجدونهم رغبة في الارتزاق، ~~فبعضهم ينال رزقه صلة أو جائزة، وآخرون يقبضونه راتبا معينا، وهؤلاء على ~~الغالب من أهل البأساء وأيتامهم وأراملهم، # 57 # أو زعماء القبائل ورؤساء الأحزاب على ما يوافق مصلحة الخليفة ~~والأمير أو يتوسم فيه الأجر والثواب، فكان بعضهم ~~يفرض الفروض لأولاد الأنصار والمهاجرين، ~~وغيره يعطي ms0915 العلويين أو الطالبيين، وغيره يعطي قريشا أو اليمن، وقس عليه، ~~فكان ابن عيسى وزير المقتدر يعطي الطالبيين والعباسيين وأبناء ~~الأنصار، # 58 # وكان ابن الفرات يعطي الفقهاء والعلماء والفقراء وأهل ~~البيوتات، أكثرهم مائة دينار في الشهر وأقلهم خمسة دراهم وما بين ~~ذلك، # 59 # وكان لكافور الإخشيدي بمصر مال خاص يجري منه الأرزاق على من ~~يأتيه ناقما على الخليفة ببغداد أو غيره. # 60 # ولهذه الأسباب كان الخلفاء يستحلون إجازة الشعراء وغيرهم من بيت المال؛ ~~لأنهم يعدون ذلك في سبيل مصلحة الدولة وإن لم يصرحوا به دفاعا عن أنفسهم، ~~بل كانوا إذا سمعوا الانتقاد عليهم من أهل النفوذ الديني سكتوا واسترضوهم ~~ودافعوا عن أنفسهم، كما فعل الرشيد والمهدي بسفيان الثوري. # 61 # ارتزاق الكبير من الصغير # ذلك ما يقال في ارتزاق الصغير من الكبير في التمدن الإسلامي، أما ارتزاق ~~الكبير من الصغير فقد كان بعضه بالسخاء أيضا، ولكن على سبيل الهدية، ~~فيعدون عطية الأمير إلى الصغير جائزة أو صلة، ويسمونه ما يقدمه الأصاغر إلى ~~الأمير والوزير هدية، وكانت الهدايا شائعة على الخصوص في العصر العباسي، ~~فإذا تولى الأمير على بلد فأول ما يدخلها يبعث أهلها إليه بالهدايا من ~~الأموال والجواري والدواب والثياب، # 62 # وهو يبعث إلى الوزير الذي ولاه أو الخليفة بالأموال بسبيل ~~الهدية أيضا، وإذا طال مقامه أصبحت تلك الهدايا فرضا واجبا يبعث بها كل ~~سنة، فإذا أمسكها سنة عدوا إمساكه تمردا. # 63 # فالسخاء كان سنة عامة في عهد ذلك التمدن، لا يستثنى عنه عصر أو طائفة، ~~وإن تفاوتت مقاديره واختلفت صوره وأشكاله باختلاف العصور، فكانت العطايا في ~~أول عهد الأمويين الإبل والخيل والماشية، فيأمر الخليفة أو الأمير لمن ~~يستجديه بلقحة وفحلها وراعيها، أو جارية وفرس، غير ما فرضوه من الأعطيات ~~فإنها كانت تعطى عينا أو ورقا، ثم صارت في أواسط الدولة تخوت الثياب من ~~الوشي ونحوه والوصائف فضلا عن النقود، وصارت في بني العباس البدر من ~~الدنانير وعقود الجوهر وتخوت الديبقي والقصور والضياع وغيرها. ~~(3-3) المجاملة في المعاملة # المجاملة من الطباع الراسخة ms0916 في نفوس العرب، وذهب بعض الباحثين إلى أنها فطرية ~~في أصل أرومتهم، وما هي كذلك وإنما تولدت فيهم بتوالي الأجيال وتقلب الأحوال؛ ~~لأن العرب كانوا مفطورين على استقلال الفكر وحرية الرأي كما رأيت، وظلوا على ~~ذلك إلى انقضاء عصر الراشدين، ثم أخذت أفكارهم في الانحباس وعقولهم في التقيد ~~من عصر الأمويين، لما اقتضاه طمع بني أمية في الملك من الشدة والحيلة، فاضطر ~~الناس للمداجاة والتمويه، وكان الخلفاء من الجهة الأخرى يداجون الناس ~~ويجاملونهم، رغبة في نصرتهم أو قطع ألسنتهم ويعدون ذلك «حلما». # وأشهر الحلماء وأقدمهم معاوية بن أبي سفيان، فقد ذكرنا في الجزء الرابع أنه ~~كان يسمع طعن أهل البيت وغيرهم من رؤساء الأحزاب فيه وفي دولته ويغضي، وربما ~~أحسن إلى الطاعنين أو تظاهر بالاستخفاف، كما فعل بشعبة بن غريض، وكان في الكعبة ~~ومعاوية هناك، فبعث يدعوه فأتاه رسوله فقال: «أجب أمير المؤمنين.» # قال: «أوليس قد مات أمير المؤمنين؟» (يعني عليا) فقال له: «أجب معاوية.» ~~فأتاه ولم يسلم عليه بالخلافة، فقال له معاوية: «ما فعلت أرضك التي بتيماء؟» ~~قال: «يكسى منها العاري ويرد فضلها على الجار.» قال: «أتبيعها؟» قال: «نعم.» ~~قال: «بكم؟» قال: «بستين ألف دينار، ولولا خلة أصابت الحي لم أبعها.» قال: «لقد ~~أغليت.» قال: «أما لو كانت لبعض أصحابك لأخذتها بستمائة ألف دينار ثم لم تبال.» ~~قال: «أجل وإذ بخلت بأرضك فأنشدني شعر أبيك يرثي نفسه.» # فأنشده تلك الأبيات فأعجب بها معاوية وقال: «أنا كنت بهذا الشعر أولى من ~~أبيك.» قال: «كذبت ولؤمت!» قال: «أما كذبت فنعم، وأما لؤمت فلم؟» قال: «لأنك ~~كنت ميت الحق في الجاهلية وميته في الإسلام، أما في الجاهلية فقاتلت النبي # صلى الله عليه وسلم # والوحي حتى جعل الله كيدك المردود، وأما في الإسلام فمنعت ولد رسول ~~الله الخلافة، وما أنت وهي أنت طليق ابن طليق؟» فقال معاوية: «قد خرف الشيخ ~~فأقيموه.» فأخذ بيده فأقيم. # وكان معاوية إذا أعجزه اصطناع الأحزاب بالعطاء أو بالحلم أو بالسيف جهارا ~~عمد إلى قتلهم غيلة، وكان أنصاره يعرفون ms0917 ذلك فيه وأنه يصانعهم ليغلب بهم، ~~فكانوا يصانعونه طمعا في مال أو منصب، فكانت المصانعة والمداجاة أساس سياسة ~~معاوية، وقد قواهما واستثمرهما بدهائه وحزمه ففاز، وتحدث المسلمون بحلمه وسعة ~~صدره وجعلوه قدوتهم، والناس على دين ملوكهم، فكثر الميل إلى المصانعة في ذلك ~~العصر، وهي على الغالب بين الدولة ورجالها، على أن الأريحية كانت تحول دون ~~تمكنها. # فلما قام الفرس لمناهضة الأمويين ونصرة العباسيين أغضى أبو مسلم عن الوفاء ~~والأريحية وقتل على التهمة، فأصبح الناس يخافون على حياتهم وإن لم يقترفوا ~~ذنبا، فزادت حاجتهم إلى المصانعة، ولما فاز أبو مسلم بحزبه وسلم مقاليد الدولة ~~إلى العباسيين، كانت فوضى بينهم وبين العلويين، فلما تقلدها المنصور وطمع في ~~استخلاصها للعباسيين فتك بأبي مسلم ثم قتل من قتله من العلويين، وهم لا يستغنون ~~عن الفرس لنظام حكومتهم وحماية دولتهم، فاستخدموهم على غل ولجئوا في الاحتراس ~~منهم واتقاء أذاهم إلى الجاسوسية، فبثوا الأرصاد على وزرائهم وعمالهم، يستطلعون ~~أخبارهم ويبعثون بها إليهم سرا، والأرصاد نوعان؛ الأول: أصحاب البريد في ~~الأطراف والعمال يعلمون أنهم رقباء على أعمالهم، والثاني: العيون الخفية ~~يتخذونهم من الجواري والغلمان مما يقدمه الخليفة هدية إلى وزيره أو عامله، ~~فيوليهم الوزير بعض شئون منزله فيدخلون في جملة الندماء أو المغنين أو القيان ~~أو أصحاب الشراب، ويكونون رقباء عليه ينقلون أخباره سرا إلى الخليفة، وكان ~~الوزراء يفعلون نحو ذلك بالخلفاء. # فشيوع الجاسوسية على هذه الصورة مع ~~المضاغنة والتحاسد بعث على المصانعة والمجاملة، وازداد ذلك على الخصوص بعد ذهاب ~~الأريحية وزوال الأنفة وعزة النفس من العرب، على أثر تضعضع العنصر العربي وتغلب ~~العناصر الأعجمية مع تنافس أصحاب المطامع من هؤلاء في أواسط الدولة العباسية ~~بابتزاز الأموال، واعتبر ما عقب ذلك من الاستبداد والظلم بعد أن فسدت الأحكام ~~في الدولة الإسلامية واستبد السلاطين والأمراء غير العرب بمن أقام في ممالكهم ~~من أهل اللسان العربي، ويسمونهم عربا وهم أخلاط من مولدي الأمم الأخرى، فلجأ ~~هؤلاء بطبيعة العمران إلى المجاملة والمصانعة على نحو ما هو حالهم اليوم، إلا ~~الذين ms0918 أوتوا السيادة وتوفرت لهم السطوة ونفوذ الكلمة أجيالا متوالية. ~~(3-4) العائلة في التمدن الإسلامي # كانت العائلة في أواسط التمدن الإسلامي نحو ما هي عليه اليوم، وقوامها المرأة ~~وقد تقدم الكلام عليها، فلا نطيل القول في ذلك الآن، وإنما نقول كلمة في بعض ~~خصائص العائلة الإسلامية، كالحجاب وتعدد الزوجات والطلاق. # الحجاب # إذا كان المراد بالحجاب ستر العورة كالخمار ونحوه، فهو ليس من محدثات ~~الإسلام، بل هو قديم كان شائعا قبل النصرانية، ولم تغير النصرانية شيئا ~~منه، وظل معروفا في أوربا إلى العصور الوسطى وما بعدها، ولا تزال آثاره ~~باقية في أوربا إلى الآن. # وإذا أريد به حبس المرأة في بيتها ومنعها من مخالطة الناس، فهو من ثمار ~~التمدن الإسلامي؛ لأنه لم يكن شائعا قبله، على أنه لم يبلغ الحد الذي بلغ ~~إليه من الشدة والدقة، إلا بعد نضج المدنية وتمكن الحضارة من نفوس المسلمين ~~وإركانهم إلى الترف والرخاء، وقد رأيت في كلامنا عن المرأة البدوية أنها ~~كانت مساوية للرجل حتى نبغ من مضارب البادية نساء اشتهرن بالشجاعة والإقدام ~~والحزم والرأي والتجارة والأدب والشعر وغيرها، فلما انتشر الإسلام وكثرت ~~الجواري وشاع التسري في المسلمين اختلفت الظنون بين الرجل والمرأة، فقلت ~~غيرته عليها وأساء كل منهما الظن في صاحبه، والرجل صاحب العصمة ورب ~~العائلة، فضيق على المرأة الدروب وأقام عليها الأرصاد والعيون من أوائل ~~الدولة الأموية، إذ اتخذوا الخصيان من العبيد ثم استقدموا الصقالبة ~~البيض. # فالحجاب الضيق على نحو ما شاع بين العائلات الإسلامية في الشرق سببه سوء ~~ظن الرجل واستبداده بأهل بيته واستئثاره بالملذات لنفسه، وليس هو من ~~مقتضيات الإسلام كما يتبادر إلى الأذهان، ولو راجعت ما جاء في القرآن ~~الكريم من هذا القبيل لرأيت تفسير أقرب إلى ما يراد من رفع الحجاب، ولكن ~~الناس تعودوا أن يفسروا الآيات القرآنية بما يوافق عاداتهم أو أغراضهم أو ~~أميالهم، اعتبر ذلك في كل دين تمدن أهله وعمدوا إلى تفسير كتبه، فكتب ~~النصارى مثلا ليس فيها نص صريح يمنع عامتهم من التزوج بامرأتين فأكثر، ~~ولكن ms0919 الكنيسة رأت أن الاقتصار على امرأة أقرب إلى سعادة العائلة ونظام ~~الاجتماع، فاستخرج رؤساء الدين ذلك من بعض القرائن بالتفسير والتأويل، ~~والمسلمون لما استكثروا من الجواري وساءت الظنون بينهم وبين نسائهم أرادوا ~~الحجر عليهن، ولم يعدموا تفسيرا يساعدهم على ما أرادوا فحبسوهن وضيقوا ~~عليهن، واعتقدت المرأة بتوالي الأجيال أنه يحل للرجل ما لا يحل لها، فصبرت ~~عليه وخافته ولكنها لم تحبه، فخافها وحبسها وجعل بينه وبينها حاجزا، ~~وغادرها تجالس الخدم والعبيد، وأصبح لا يؤاكلها ولا يجالسها ولا يحادثها ~~إلا نادرا، وأعلن ارتيابه في أمانتها وأصبح يفتخر بأنها لا تخرج من منزلها ~~إلا إلى القبر. # على أن ظلم المرأة على هذه الصورة واحتقارها مخالف لتعاليم القرآن؛ لأنه ~~يأمر بالمودة والرحمة بين الزوجين، وهذا نص الآية # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ~~ورحمة ~~، وقوله: # ولهن مثل ~~الذي عليهن بالمعروف ~~، وقوله: # وعاشروهن بالمعروف ~~، ولكن الرجل أبى ~~إلا الاستبداد والاستئثار ولا سيما بعد انقضاء عصر العلم، إذ اقتصر الفقهاء ~~على النظر في الأبحاث الدينية الجديدة، وخيم الجهل على العقول كما أصاب ~~النصرانية في الأجيال المظلمة، فأخذوا يفسرون الآيات والأحاديث على ما ~~يوافق ميولهم وأهواءهم، وكانت الأحكام قد فسدت واستبد الحكام في الناس ~~فعادت عاقبة ذلك على المرأة المسكينة. # لأن الرجل في طور الظلم يتحمل بطش الحاكم وعسفه ويكظم ما في نفسه، حتى ~~إذا جاء منزله عامل أهله مثل معاملة الحاكم له انتقاما لنفسه ... تلك سنة من ~~سنن العمران على اختلاف أطوار التمدن، فالبلاد التي يتولاها حاكم ظالم ~~يقتدي به أرباب العائلات بظلم نسائهم وأولادهم، وأما في الحكم العادل ~~فالمرأة تنال حقوقها والرجل يعدل في حكومته، فالبيت دولة صغيرة تمثل دولة ~~الأمة. # وما زالت المرأة المسلمة في نحو ما تقدم إلى أوائل هذه النهضة والمسلمون ~~سكوت، حتى تصدى بعض أرباب الأقلام من المسلمين في أواسط القرن الماضي ~~ونددوا بالحجاب وعواقبه وحرضوا إخوانهم على تركه، وأقدم من فعل ذلك على ما ~~نعلم المرحوم الشيخ أحمد فارس الشدياق فكتب الفصول ms0920 الضافية في «الجوائب» ~~بالأستانة، ثم كتب غيره فصولا لا تشفي غليلا، حتى ظهر كتاب تحرير المرأة ~~في آخر القرن المذكور لصاحبه قاسم بك أمين فوفى الموضوع حقه، ولم يترك ~~مجالا لسائل. # تعدد الزوجات # ومن آفات العائلة الإسلامية تعدد الزوجات، وهي أن يتخذ الرجل زوجتين إلى ~~أربع، والشرع الإسلامي يجيز له ذلك بشرط إذا روعي حق مراعاته لم يتخذ الرجل ~~إلا زوجة واحدة؛ لأن الآية التي تجيز تعدد الزوجات تشترط أن يعدل الرجل ~~بينهن، فإذا خاف ألا يعدل فيقتصر على واحدة، وهذا نص الآية: # فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ~~وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة ~~، وفي محل آخر: # ولن ~~تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ~~فلا تميلوا كل الميل فتذروها ~~كالمعلقة ~~، فإذا جمعت بين الآيتين رأيت فحواهما أقرب ~~إلى النهي عن تعدد الزوجات منه إلى الأمر به، ولذلك رأيت الغالب في العقلاء ~~وأهل المروءة أن يكتفوا بزوجة واحدة، وكان ذلك سهلا في عصر التسري، إذ قد ~~يأتي النسل من بعض الجواري فلا يجد الرجل ضرورة إلى الزواج ثانية أو ثالثة ~~اكتفاء بجواريه، ومن يأتينه بما يشتهيه من النسل، على أن تعدد الزوجات ظل ~~متبعا حتى في أهل الفضيلة والعقل إلى اليوم، ولكن على قلة، وإذا أحصي ~~المتزوجون بأكثر من امرأة لا نظنهم يزيدون على خمسة في المائة أو عشرة من ~~مجموع المتزوجين، وهم في الغالب من العامة، وإذا كانوا من الخاصة فإنما ~~فعلوا ذلك لأسباب قهرية. # ومن أجاز تعدد الزوجات ذهب إلى تفسير «العدل» بالعدل في النفقة لا في ~~المحبة، على أن كثيرين من أهل الوجاهة والشرف في العصور الإسلامية الوسطى ~~كانوا يجمعون بين التسري وتعدد الأزواج، والغالب أن تكون السيادة للمرأة ~~الأولى وإن اختلف ذلك باختلاف الأحوال، ولكن المرأة العاقلة التقية كانت ~~تعد إهداء زوجها ما يرضاه من الجواري الحسان فضيلة، كما فعلت أم جعفر ~~بالرشيد لتشغله عن الجارية دنانير. # وقد تساعد المرأة التقية زوجها على الزواج بامرأة أخرى تتوقع من مسعاها ~~في ذلك ثوابا؛ روى ms0921 الشيخ الجبرتي المؤرخ المصري عن إحدى أزواج أبيه قال: ~~إنها كانت من الصالحات المصونات وكانت بارة بزوجها ومطيعة له، ومن جملة ~~برها له أنها كانت تشتري له من السراري الحسان من مالها وتنظمهن بالحلي ~~والملابس وتقدمهن إليه، وتعتقد حصول الأجر والثواب لها بذلك، وكان يتزوج ~~عليها كثيرا من الحرائر فلا يسوءها فعله، ولا يحصل عندها ما يحصل عند ~~النساء من الغيرة. # 64 # الطلاق # ويقال عن الطلاق ما يقال عن تعدد الزوجات، فالعقلاء يذهبون إلى كره ~~الطلاق بناء على بعض الآيات الواردة في هذا الشأن كقوله تعالى: # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما ~~من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا ~~يوفق الله بينهما ~~، وقوله: # فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل ~~الله فيه خيرا كثيرا ~~، وفي الحديث «أبغض الحلال عند ~~الله الطلاق»، ومع ذلك كان بعض كبار الصحابة يكثرون منه إكثارا مدهشا، ~~كما فعل الحسن بن علي بن أبي طالب فإنه تزوج 250 امرأة وقيل: 300، وكان ~~أبوه يضجر من ذلك ويكرهه حياء من أهليهن، وكان يقول في خطبه: «إن حسنا ~~مطلاق فلا تزوجوه.» ويليه المغيرة بن شعبة فقد تزوج نحو هذا ~~العدد. # 65 # على أن الطلاق ما زال مكروها كما رأيت من كلام الإمام علي، ~~وأهل الأنفة والفضل لا يطلقون إلا لعلة كبيرة أو عذر شرعي، ولو أحصيت حوادث ~~الطلاق لرأيت أكثرها في طبقات العامة. # ومما ساعد على تكاثر حوادث الطلاق المبالغة في الحجاب، فيتزوج الشاب ~~الفتاة وهو لم ير وجهها، فإذا لم توافقه هان عليه طلاقها؛ لأنه لم يرض ~~الزواج على هذا الشرط إلا لعلمه بسهولة التخلص من زوجته إذا لم تعجبه، وهذا ~~التضييق ليس من الدين في شيء، لورود عدة أحاديث تجيز للرجل أن يرى خطيبته ~~قبل الزواج، وأحاديث تأمر برؤيتها صريحا، # 66 # فلو عملوا بذلك لقلت البواعث على الطلاق، على أن للطلاق في بعض ~~الأحوال فوائد اجتماعية حرمت منها الطوائف التي لا طلاق عندها. ~~(3-5) المعيشة العائلية # الطعام: # كان طعام العرب قبل الإسلام قاصرا على الألبان، وما ms0922 يستخرج منها كالسمن ~~والزبد والجبن، ومن التمر والحبوب واللحوم يأكلونها على أبسط ما يكون من ~~أحوالها، كما يفعل أهل البادية اليوم، وأكثر ألبانهم ولحومهم من الإبل، وقد ~~يصنعون منها أطعمة تتركب على نسب معينة، كالثريد فإنه يصنع من اللحم واللبن ~~والخبز، ومنها ما يصنع من اللبن والدقيق فقط، كالرغيدة والرهيدة والعصيدة، ~~أو يصنع من السمن والدقيق كالبكالة أو من الدقيق والعسل والسمن كالوضيعة، ~~ولهم من أمثال هذه الأطعمة نحو أربعين لونا. # ذلك هو طعام أهل اليسار منهم وأصحاب الضيافة، وأما الفقراء فقلما يأكلون ~~لحم الإبل أو الضأن، وإنما كانوا يقتاتون بلحم الضب أو بالجراد، وإذا جاعوا ~~أكلوا العلهز وهو وبر الإبل يمهونه بالحجارة في الدم فيطحنونه، وكان حال ~~القرشيين قريبا من ذلك، # 67 # وربما أكلوا القرامة ونحاتة القرون والأظلاف والمناسب من ~~برادتها، أو القرة وهي الدقيق المختلط بالشعر، وكانوا إذا عطشوا ولم يجدوا ~~ماء، شربوا الفظ وهو عصارة الفرث أو المجدوح وهو مصل دم الإبل. # 68 # فلما جاء الإسلام وافتتحوا العراق وفارس ومصر دهشوا لما شاهدوه من حضارة ~~الروم والفرس، ووقعوا على ألوان من الأطعمة لم يعرفوها، فأشكل عليهم أمرها ~~وظفر بعضهم بجراب فيه كافور فأحضره إلى أصحابه فظنوه ملحا، فطبخوا طعاما ~~ووضعوه فيه فلم يجدوا له طعما ولم يعلموا ما هو، فرآه رجل عرف ما فيه ~~فاشتراه منهم بقميص خلق يساوي ~~درهمين، # 69 # ورأى بعضهم الخبز الرقاق فظنه رقاعا يكتب عليها، # 70 # وشاهدوا الأرز فظنوه طعاما مسموما، # 71 # ثم ما لبثوا أن أقاموا بين أولئك الأقوام حتى عرفوا مآكلهم ولا ~~سيما الفرس، فأخذوها عنهم كما أخذوا أكثر مبادئ الحضارة وكثيرا من العادات ~~والآداب، وليس في الشرع الإسلامي ما يمنع تمتعهم بالطيبات من الأطعمة إلا ~~ما جاء النص بتحريمه. # فأخذوا بأطراف الحضارة من أيام بني أمية، وأول من قلد الأعاجم بأسباب ~~الترف معاوية، فتنعم بمأكله ومشربه، # 72 # واقتدى به خلفاؤه وسائر الناس، ولا سيما بعد أن كثرت الأموال ~~بين أيديهم فأكلوا السكباج، وهو نوع من المرق كانوا يصنعونه من مرق ms0923 اللحم ~~والخل، ويضعون فيه اللحوم المطبوخة كالدراج ونحوه، وكانوا يسمونه سيد ~~المرق، والفالوذج وهو نوع من الحلوى، وكذلك اللوزينج يحشى باللوز والسكر، ~~والجوزاب والخشاف والجلاب وغيرها، وتفننوا في معالجة اللحوم بالألبان ~~والخضار والتوابل على أساليب شتى. # اللباس: # لباس العرب الجاهلية # ولباس العرب كان بسيطا مثل طعامهم وسائر طرق معايشهم، ولا يزال حتى الآن ~~في عرب البادية نحو ما كان عليه قبل الإسلام، وهو عبارة عن القميص والحلة ~~والإزار والشملة والعباءة والعمامة، ولم يكن العرب في جاهليتهم يعرفون ~~السراويل ولا الأقبية، # 73 # وإنما هي فارسية، وكذلك النعال والخفاف، ولكن بعض الخاصة كان ~~يلبسها، وكانوا يعلقون سيوفهم على عواتقهم، وثيابهم على الإجمال قصيرة إلى ~~أسفل الركب. # 74 # وأفضل مثال للباس العرب لباس النبي # صلى الله عليه وسلم # فقد ذكروا أن أحب اللباس ~~إليه البرود والبياض والحبرة، وهي ضرب من البرود فيه حمرة، وكان كمه قصيرا ~~إلى الرسغ، يلبس أحيانا حلة حمراء وإزارا ورداء، والإزار قصير إلى أسفل ~~الركبة، ولبس الخف والنعل، # 75 # وقد نهى عن الثوب الطويل الذي يجر على الأرض من الخيلاء، ومن ~~أقواله: «فضل الإزار في النار.» # 76 # ولم يكن العرب يعرفون من الأنسجة غير القطن ~~والصوف. # على أن الذين كانوا يفدون على الشام والعراق من أغنيائهم لتجارة أو زيارة ~~كانوا يقلدون أهلها بملابسهم الفاخرة، فمن فعل ذلك اشتهر ذكره بين القبائل ~~ولا سيما في أوائل الإسلام، ومن المأثور عندهم أن أول من لبس الخز الأدكن ~~من العرب عبد الله بن عامر، وأول من لبس الدراريع السود المختار بن أبي ~~عبيد، وأول من لبس الطيلسان في المدينة جبير بن مطعم، # 77 # وقس عليه سائر ما اتخذوه من لباس الأعاجم بعد الإسلام، والعادة ~~أن يبدأ الأمراء بذلك ثم يقلدهم سائر الناس، وأول من أقدم على تقليد ~~الأعاجم بأسباب البذخ معاوية وعماله، فزياد بن أبيه أمير العراق أول من قلد ~~الفرس بلبس القباء الديباج، # 78 # وهو أول من لبس الخفاف الساذجة بالبصرة. # ولما أترف بنو أمية لبسوا الحرير على أنواعه، وتفننوا بأنواع ms0924 الأنسجة، ~~وأحبوا الوشي وأكثروا من لبسه، فقلدهم الناس في ذلك فراجت المنسوجات ~~الموشاة في أيامهم، واتخذوا كثيرا من ألبسة الروم، ولكنهم لرغبتهم في ~~المحافظة على البداوة ظلوا يلبسون العمائم ويعلقون السيوف على العواتق، ~~وكان الأحنف يقول: «لا تزال العرب عربا ما لبست العمائم وتقلدت ~~السيوف.» # 79 # اللباس في عصر الحضارة # فلما أفضت الخلافة إلى العباسيين، واستسلموا للفرس وأخذوا نظامهم ~~وآدابهم، قلدوهم بالألبسة وجعلوا ذلك بأمر رسمي من أوائل دولتهم، فأمر ~~المنصور رجاله سنة 153ه أن يلبسوا القلانس الفارسية الطويلة تدعم بعيدان من ~~داخلها، بدل العمائم، أو يعتموا فوقها بعمامة صغيرة، وأن يعلقوا السيوف في ~~أوساطهم، وأن يكون اللباس الأسود عاما فيهم، وهو شعار العباسيين كما كان ~~البياض شعار الأمويين، فلا بد للداخل على الخليفة العباسي من لباس جبة ~~سوداء يسمونها «السواد» تغطي سائر الثياب، وألبسهم المنصور دراريع كتب على ~~ظهورها # فسيكفيكهم الله وهو السميع ~~العليم ~~، # 80 # وبعث إلى عماله في سائر الأقطار أن يأمروا رجالهم بمثل ~~ذلك. # 81 # فأقبل العرب من ذلك الحين على تقليد الفرس في الملابس، ولا سيما أهل ~~الدولة ورجال الحكومة، فلبسوا الأقبية والسراويلات والطيالسة والخفاف ~~والجوارب وغيرها، مع بقاء ألبسة العرب عند عامتهم، ثم اختصت كل طائفة أو ~~طبقة بلبس خاص يميزها عن سواها، فالفقهاء والعلماء كانوا يلبسون عمامة ~~سوداء بشكل خاص ومبطنة وطيلسان أسود، # 82 # وأول من غير لباس العلماء على هذه الصورة أبو يوسف قاضي ~~الرشيد، # 83 # وأما لبس القضاة فهو القلانس الطوال والطيالسة الرقاق، ويختلف ~~ذلك باختلاف الدول والأعصر مما لا محل لاستيفائه. # أما عامة الناس فتختلف أشكال ألبستهم باختلاف صناعاتهم وأحوالهم ~~وطبقاتهم، وباختلاف الأصقاع والأطوار مما لا يمكن حصره، وإنما يقال ~~بالإجمال أن لباس الرجال العمامة والدراعة والسراويل والقميص والقباء ~~والجبة والجوارب والنعال، على نحو لباس المصريين والسوريين في أوائل القرن ~~الماضي وهو ما يلبسه جماعة المشايخ الآن. # ثياب المنادمة والتطيب والخضاب # على أن رجال الدولة ومن جرى مجراهم من الخاصة كانت لهم ألبسة لمجالس ~~الأنس والشراب يسمونها «ثياب المنادمة»، وهي أثواب ms0925 مصبغة بالألوان الزاهية: ~~الأحمر أو الأصفر أو الأخضر، يصقلونها حتى تلمع وتشرق، ويتضمخون بالخلوق ~~ويتطيبون، ولهم ألبسة يتخففون بها في منازلهم وأخرى يلبسونها في الأسفار ~~وغير ذلك. # أما التطيب فقد كان من دلائل الغنى والنبل عندهم، ومن أمثالهم: «ثلاثة ~~يحكم لهم بالنبل حتى يدرى من هم: رجل رأيته راكبا، أو سمعته يعرب كلامه، ~~أو شممت منه طيبا.» # والخضاب كان مستحسنا عندهم، وأصله هندي أخذه الفرس عن الهنود، # 84 # ومنه انتقل إلى بلاد العرب قبل الإسلام، ويقال: إن أول من خضب ~~بالسواد من أهل مكة عبد المطلب، # 85 # وقالوا: بل المغيرة بن شعبة، ولما ظهر الإسلام وانتشر العرب في ~~الأرض تعلموا فنون الخضاب، فصاروا يخضبون بالحناء للحمرة وبالزعفران للصفرة ~~فضلا عن الخضاب الأسود، وكانوا يبيضون شعورهم بالكبريت، # 86 # وأول من خضب لحيته بالزعفران جرير الشاعر، # 87 # وكان حسان بن ثابت يخضب لحيته على أسلوب خاص، فيلون شاربيه ~~وعنفقته بالحناء دون سائر لحيته، فيبدو لأول وهلة كأنه أسد والغ في ~~الدم، # 88 # وقس على ذلك تفننهم في الخضاب للرجال والنساء، ولا يزال ذلك ~~شائعا في الشرق إلى الآن، والأكثرون يخضبون بالسواد وبعضهم بالحناء، ويندر ~~الخضاب بالزعفران، ولا نعرف أحدا يبيض شعره ~~بالكبريت. # المأوى: # مساكن العرب # كان العرب قبل الإسلام أهل خيام وأنعام، يحملون منازلهم على ظهورهم، إلا ~~من أقام منهم في مكة أو المدينة أو الطائف أو غيرها من مدن الجاهلية، ولما ~~نهضوا للفتح كانت البداوة من جملة أسباب تغلبهم، فلما فتحوا الأمصار تحاشوا ~~سكنى المدن، ونصبوا مضاربهم في ضواحيها أو بنوا بيوتا من القصب معسكرا ~~لهم، لا يفصل بينها وبين مقر الخلافة (المدينة) ماء، كأنهم محتلون إلى أجل، ~~وكانوا إذا فسد ما بنوه من القصب أو احترق، استأذنوا الخليفة عمر في بنائها ~~بالحجارة، مثل المدن التي فتحوها بمصر والشام والعراق، ولكنه لم يكن يرى ~~تحضرهم خوفا عليهم من الترف والرخاء، ولهذا السبب أيضا منعهم من الزرع، ~~ثم أذن لهم بالبناء، ولكنه اشترط الاقتصاد فيه، فلما استشاروه في بناء ~~الكوفة بالحجارة قال ms0926 لهم: «افعلوا، ولا يزيدن أحد على ثلاثة أبيات، ولا ~~تطاولوا في البنيان، والزموا السنة تلزمكم الدولة.» # 89 # على أن ناموس العمران غلب على ما أراده عمر من بقاء المسلمين يقيمون في ~~المعسكرات، فما لبثوا أن تحضروا وتحولت تلك المعسكرات إلى مدن عامرة، ~~ونزلوا المدن القديمة التي فتحوها، وبنوا المنازل والقصور يقلدون بها أبنية ~~الدول السالفة. # أساليب البناء في الإسلام # وكانت أساليب البناء يومئذ تختلف باختلاف الأمم، ولكل منها نمط تولد ~~عندها بتوالي الأجيال، إما رأسا أو اقتباسا، وأهمها النمط البيزنطي في ~~الشام ومصر، والفارسي في فارس وخراسان، والقوطي في الأندلس وما يليها، فلما ~~تحضر العرب وعمدوا إلى تشييد المباني؛ استخدموا في بنائها مهندسين من الروم ~~والفرس، فكانوا يخططونها على ما عرفوه من الأساليب التي ذكرناها، ثم أخذ ~~العرب تلك الصناعة وأدخلوا فيها تغييرا يوافق الذوق الشرقي ويلائم ~~الإسلام، فتولد نمط إسلامي خاص يعرف بالنمط العربي أو الشرقي يختلف باختلاف ~~الأصقاع واختلاف العصور والدول، وترجع تنوعاته إلى ثلاثة أعصر كبرى: # أولا: العصر العربي الرومي: # هو أقدم أعصر البناء في الإسلام، وأساسه النمط البيزنطي، ~~وتنوع في أثناء التمدن الإسلامي وتفرع إلى خمسة أشكال: ~~(1) # النمط السوري ومثاله الجامع الأقصى في القدس، ~~والجامع الأموي في الشام. ~~(2) # النمط المصري ومثاله جامع عمرو ~~بالفسطاط. ~~(3) # النمط الإفريقي ومنه جامع القيروان. ~~(4) # النمط الصقلي في صقلية بإيطاليا ومن أمثلته ~~قلاع سرقوسة وغيرها. ~~(5) # النمط الأندلسي ومنه جامع قرطبة وبعض الآثار ~~العربية في طليطلة مما بني قبل انقضاء القرن العاشر ~~للميلاد. # ثانيا: العصر العربي البحت: # وهو يشمل الأشكال التي تكيفت بين يدي العرب حتى بعدت عن ~~الأصول التي نقلت عنها وهي قسمان: ~~(1) # النمط المصري ومنه الأبنية التي أقيمت في مصر ~~بين القرن العاشر والخامس عشر وفي جملتها الجوامع ~~التي بناها السلاطين المماليك، كجامع الظاهر وجامع ~~السلطان حسن. ~~(2) # النمط الأندلسي وهو ما بني في الأندلس بعد ~~القرن العاشر ومن أمثلته أبنية إشبيلية وغرناطة ولا ~~تزال آثارها باقية إلى الآن. # ثالثا: العصر المختلط: # ويدخل فيها: ~~(1) # النمط الإسباني العربي ويراد به ما بناه ~~المسيحيون ms0927 بعد استيلائهم على الأندلس وخروج المسلمين ~~منها. ~~(2) # النمط الإسرائيلي العربي ومن أمثلته الآثار ~~الباقية لليهود في طليطلة من أنقاض الكنائس. ~~(3) # النمط الفارسي العربي كالجوامع التي بناها ~~الفرس بعد الإسلام ولا سيما في أصبهان. ~~(4) # النمط الهندي العربي وهو خليط من النمطين ~~الهندي والعربي كبرج كتاب وهيكل بندرابند وباب علاء ~~الدين. ~~(5) # النمط المغولي العربي كالأبنية التي أقيمت في ~~الهند أثناء سلطة المغول وأشهرها تاج محل وقصر الشاه ~~وكثير من المساجد ونحوها. # 90 # فمساكن الناس في عهد التمدن الإسلامي كانت تختلف شكلا باختلاف البلاد ~~والعصور، وتتفاوت سعة وقدرا بتفاوت طبقات الناس: من الأكواخ الحقيرة إلى ~~القصور الفخيمة، وسنأتي بأمثلة من القصور وسائر الأبنية الإسلامية عند ~~الكلام على الحضارة. # | هوامش # | حضارة الدولة الإسلامية # نريد بالحضارة ما تبلغ إليه الدولة من الثروة وبسطة العيش والتوسع في أسباب الترف ~~والرغد في أرقى درجات عمرانها، والدولة الإسلامية أدركت تلك الدرجات أولا في العصر ~~العباسي ببغداد من أواسط القرن الثاني للهجرة (الثامن الميلادي) إلى أواسط الرابع ~~(العاشر الميلادي)، وفي العصر الأموي بالأندلس في القرن الرابع، وفي العصر الفاطمي بمصر ~~من أواسط الرابع إلى أواسط السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي). # وأسباب الحضارة فيما نحن فيه تقسم إلى قسمين كبيرين؛ الأول: العمارة أي إنشاء المدن ~~وبناء المصانع والقصور، والثاني: الثروة وبها يتم ما يقتضيه الترف من الانغماس في ~~النعيم والرخاء وبسطة العيش، فنتكلم أولا عن المدن، فالمباني، ثم نبين ما بلغت إليه ~~الأمة من الثروة وأسباب الترف والرفاهية. # | عمارة المدن والقصور # إن المدن التي سكنها المسلمون وحواها التمدن الإسلامي تعد بالمئات، وهي منتشرة في ~~آسيا وإفريقيا وأوربا، ومنها ما كان عامرا قبل الإسلام، ومنها ما بناه المسلمون ~~لأنفسهم، وقد نشرنا في الجزء الثاني من هذا الكتاب فصلا في المدن الإسلامية، وما بلغت ~~إليه من الحضارة والثروة في عهد التمدن الإسلامي واقتصرنا على أعظم تلك المدن: البصرة، ~~والكوفة، والفسطاط، وبغداد، وأجلنا الكلام فيما بقي إلى هذا الجزء فنقول: ~~(1) القطر المصري ~~(1-1) مساحة الأرض الزراعية فيه # القطر المصري اليوم (حوالي سنة 1910) في ms0928 نهضة مالية تضاعفت فيها الثروة إلى ~~حد استغربه الناس وخافوا رد الفعل؛ # 1 # لأنهم رأوا غلاء في الأسعار، مفاجئا لم يعهدوا مثله، وزادت مساحة ~~الأرض الزراعية ستة أضعافها في قرن واحد، فبعد أن كانت مساحتها في أيام ~~المماليك نحو مليون فدان وبعض المليون صارت ثمانية ملايين فدان، وبعد أن كان ~~الفدان يباع ببضعة عشر جنيها بيع بمائة جنيه، أو مائة وخمسين جنيها أو أكثر، ~~فكيف لو علموا أن مساحة الأرض الزراعية في إبان التمدن الإسلامي زادت على ~~25000000 فدان؟ وقد ذكرنا ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب نقلا عن ثقات ~~مؤرخي العرب، فاستغربه بعض الفضلاء وعدوه من قبيل الخرافة أو الأكذوبة على ~~عادتهم في الاستخفاف بأقوال مؤرخي المسلمين، ولا نرى باعثا على هذا الاستخلاف، ~~والمسلمون أو العرب من أكثر الأمم تحقيقا في حوادث التاريخ، لما تعودوه من ~~التحقيق في المسائل الدينية بالإسناد ونحوه. # على أننا لا نلومهم إذا استغربوا تلك الرواية؛ لأن الناس يقيسون الأشياء بما ~~علموه من أشباهها، فثروة القطر المصري إذا قيست بما ألفناه من أحوال عمرانه في ~~القرنين الماضيين لا نرى ما يسهل علينا تصديق قول العرب بمساحته الزراعية إلى ~~ثلاثة أضعاف ما بلغت إليه اليوم، ولكن لو قيل لأهل هذا الجيل إن مساحة الأرض ~~الزراعية بمصر ستبلغ بعد عشر سنين عشرة ملايين أو 12 مليون فدان لهان عليهم ~~التصديق؛ لأنهم شاهدوا تزايد هذه المساحة من مليون فدان إلى ثمانية ملايين، أما ~~لو قيل ذلك لأهل أواسط القرن الماضي لعدوه مستحيلا؛ لأن مساحة أرض مصر التي ~~تقبل الزراعة لم تكن تقدر يومئذ بأكثر من 7000000 فدان، وهاك تقدير الدكتور ~~كلوت بك لسنة 1840 # 2 # باعتبار الفدان: # أرض مزروعة # غير مزروعة # الجملة # 3856226 # 3157774 # 7014000 # مصر السفلي # 2249000 # 1551000 # 3800000 # مصر الوسطى # 856826 # 763174 # 1620000 # مصر العليا # 750400 # 843600 # 1594000 # فتكون مساحة الأرض التي يمكن زرعها بمصر 7014000 فدان، فمن كان هذا اعتقاده ~~في أطيان مصر لا يصدق إذا قيل له: إن مساحة هذه الأطيان ستزيد على ms0929 عشرة ملايين ~~فدان، أو 12 مليونا بعد بضع عشرة سنة. ~~(1-2) عدد السكان # ويقال نحو ذلك في عدد السكان، فلو قيل في ~~أواسط القرن الماضي: إن القطر المصري سيبلغ عدد سكانه إلى عشرة ملايين أو 12 ~~مليونا لعدوا قولنا من الخرافات، أو كما قال الدكتور كلوت بك: «من عادات ~~الشرقيين في المبالغة.» لأن عددهم في أيامه لم يكن يزيد على 3000000 نفس، فكيف ~~يصدق زيادته إلى أربعة أضعافه؟ لا نقول ذلك تحكما أو افتراضا، ولكننا ننقل ~~للقارئ قول الدكتور كلوت بك مؤرخ ذلك العصر في هذا الشأن؛ فقد بحث في كتابه عن ~~سكان القطر المصري سنة 1840 فبلغ عددهم ثلاثة ملايين نفس، فصدر بحثه بمقدمة عن ~~إحصائهم في الزمن القديم قال فيها ما معناه: «يؤخذ من إحصاء مؤرخي اليونان أن ~~سكان هذا القطر بلغ عددهم في زمن سيزوستريس والبطالسة نحو سبعة ملايين نفس إلى ~~ثمانية، وأما مؤرخو العرب فزعموا أن عددهم في زمن عمرو بن العاص بلغ عشرين ~~مليونا، وهو قول يدل على عادة الشرقيين في المبالغة في كتاباتهم ... لأننا لو ~~قسنا مصر بما نعلمه في سواها من نسبة عدد الناس إلى مساحة ما يتوطنونه من الأرض ~~لوصلنا إلى نتيجة تنفي كل شك، فمصر مساحتها سدس مساحة فرنسا، ومهما قلنا في خصب ~~وادي النيل وما يمكن الوصول إليه من امتداد الزراعة وزيادة العمارة، ولو سلمنا ~~بإمكان استثمار البقاع الرملية، فمع كل هذه الوسائل لا يرجى زيادة عدد السكان ~~على ثلث الإحصاء الذي ذكره العرب.» (أي: نحو 6333000 نفس) هذا هو رأيه، وأنت ~~ترى أن سكان مصر زاد عددهم اليوم على عشرة ملايين. # ولن تمضي بضع سنين حتى يناهز 15 مليونا، أو ضعفي ما ظنه الدكتور كلوت بك ~~غاية ما يمكن الوصول إليه. # وقياسا على ما تقدم لا نرى مانعا من بلوغ سكان القطر المصري إلى 20000000 ~~نفس، فلا غرابة إذا بلغوا هذا العدد في إبان التمدن الإسلامي، وإنما أنكر أبناء ~~هذا الجيل ذلك استخفافا برواية العرب، مع أنها مبنية على ms0930 إحصاءات رسمية واقعية ~~في أزمنة معينة لأجل تعديل الجزية أو الخراج، وليست من قبيل الحدس أو الرجم ~~بالغيب، الإحصاء الأول وقع في زمن الفتح على أيام عمر، ذكر المقريزي أنهم أحصوا ~~الرجال الذين تؤخذ عليهم الجزية فبلغ عددهم 8000000 نفس، فإذا اعتبرناهم ثلث ~~الأمة كان مجموعها 24000000 نفس، والإحصاء الثاني في ولاية الوليد بن رفاعة سنة ~~110ه، ذكروا أنه خرج ليحصي أهلها وينظر في تعديل الخراج، فأقام في ذلك ستة أشهر ~~بالصعيد حتى بلغ أسوان، ومعه جماعة من الكتاب والأعوان يكفونه ذلك بجد وتشمير، ~~وثلاثة أشهر في الوجه البحري، فأحصوا من القرى عشرة آلاف قرية، في أصغر قرية ~~منها 500 جمجمة من الرجال الذين تفرض عليهم الجزية، فتكون جملة ذلك على الأقل ~~5000000 رجل، وعلى متوسط ما يلحق ذلك من النساء والأطفال والشيوخ يكون المجموع ~~نحو 20000000 نفس. ~~(1-3) مساحة الأرض الزراعية # ويقال نحو ذلك في الأرض الزراعية، فإنهم استخرجوا مساحتها بالإحصاءات الرسمية ~~لأجل تعديل الخراج، منها إحصاء لعبيد الله بن الحبحاب سنة 107ه فبلغت مساحة ~~الأرض الزراعية مما يركبه النيل 30000000 فدان، أي نحو أربعة أضعاف ما بلغت ~~إليه مساحتها اليوم، مع اجتهاد حكومتنا في تعميم وسائل الري ببناء الجسور ~~والخزانات، وما لدينا من آلات الحرث والزرع، فإذا سبق إلى أذهاننا الاستخفاف ~~برواية العرب حكمنا لأول وهلة وبلا تردد أنها مكذوبة، أما إذا نظرنا فيها نظر ~~الناقد المحقق فلا نعدم الوصول إلى الحقيقة. # فالمقريزي وغيره من رواة الإحصاء لم يقولوه عرضا ولا تركوا في قولهم ~~التباسا، وذكروا في أمكنة أخرى أن الأرض الزراعية نقصت في أيام ابن المدبر، أي ~~بعد قرن ونصف قرن، إلى 24000000 فدان، ولم يكتفوا بذكر المساحة ولكنهم ذكروا ~~عدد العمال الذين كانوا يشتغلون بالحرث والزرع، واشترطوا عددا معلوما منهم، ~~فإذا نقص نقصت غلة الأرض. # 3 # ولا يتجلى لنا وجه الصواب إلا بعد معرفة البقاع التي كانت عامرة في ذلك ~~العصر، فلو كانت حدود مصر الزراعية يومئذ مثل حدودها الآن، أي يحدها من الشرق ~~والغرب الجبلان ms0931 والصحراء الشرقية والغربية، لحكمنا باستحالة زعمهم؛ لأن مساحة ~~مصر الجغرافية اليوم، وفيها الواحات والبادية الواقعة بين النيل والبحر الأحمر ~~والعريش، نحو 400000 ميل مربع، معظمها صحراء قاحلة، أما الأرض الزراعية ~~فمساحتها 17826 ميلا مربعا، يخرج منها 4850 ميلا مسطحات النيل والترع ~~والمستنقعات والبحيرات ونحوها، فالباقي 12976 ميلا مربعا، أي نحو 8000000 ~~فدان، وهي الأرض المزروعة الآن فلا سبيل إلى المزيد. # ولكن يؤخذ مما نقله العرب عن أحوال مصر في إبان تمدنهم، ومما جاء من أخبارها ~~القديمة، أن حدودها الزراعية كانت أوسع من ذلك كثيرا، ذكروا أنها كانت تمتد من ~~الغرب وراء صحراء الإسكندرية إلى برقة، # 4 # وتتصل من الشرق بحدود السويس إلى العريش، ومعظم المسافة هناك اليوم ~~رمال قاحلة ولكنها كانت تزرع قديما الزعفران والعصفر وقصب السكر وكان ماؤها ~~غزيرا، ولا تزال آثار العمارة باقية في تلك البقاع، فإن تحت الرمال تربة سوداء ~~زراعية يعرفها من اختبر الأرض ~~بالمسبار. # وكان الصعيد عامرا ويمتد من جهته الشرقية إلى البحر الأحمر وأراضي ~~البجة، # 5 # وكانت أطيان الفيوم ممتدة إلى ما وراء العمارة المعروفة مسافة ~~بعيدة، فإذا اعتبرنا ما ذكروه من هذا القبيل، وأن النيل كان أكثر فروعا وأغزر ~~ماء وأوسع فيضانا مما هو عليه اليوم، هان علينا قبول أقوالهم وإن كنا لا نزال ~~نستغربها لبعدها عن مألوفنا، ولعلنا متى رأينا الشركات تعمل على إحياء الصحاري ~~المحيطة بوادي النيل شرقا وغربا، بنزع ما يغطيها من الرمال وأروائها بالترع ~~المتصلة إليها من النيل أو الآبار الأرتوازية، نرى أقوالهم معقولة، ولا نظن ذلك ~~بعيدا، ورجال الأعمال يدرسون أمثال هذه المشروعات. ~~(1-4) مدينة القاهرة # وأشهر مدن القطر المصري في الإسلام الفسطاط والقاهرة، وقد ذكرنا عمارة ~~الفسطاط في الجزء الثاني، وأما القاهرة فقد بناها القائد جوهر في أواسط القرن ~~الرابع للهجرة معقلا لمولاه المعز لدين الله الفاطمي وجنده، فظلت في أثناء ~~دولة الفاطميين لم تتسع عمارتها وإنما كانت العمارة للفسطاط والقطائع، وذكر ~~المقريزي أنه كان في هاتين المدينتين - غير القاهرة - 100000 بيت، في بعضها ~~مائة إنسان ومئتان، ms0932 إذ يكون البيت مؤلفا من خمس طبقات أو ست أو سبع، # 6 # ومع ذلك فهي في تقديره لا تزيد على ثلث بغداد، فكم تكون عمارة هذه؟ ~~ولما أفضت الدولة إلى السلطان صلاح الدين أذن للناس بسكنى القاهرة، فاتصلت ~~بمدينة الفسطاط، وكانت الفسطاط تسمى «مصر»، فلما صارتا مدينة واحدة أطلقوا ~~عليها اسم «مصر والقاهرة»، ثم قالوا «مصر القاهرة»، ولما خربت الفسطاط ظل الاسم ~~للقاهرة وحدها كما هو مشهور. ~~(2) الأندلس # لما فتح المسلمون الأندلس كانت عامرة آهلة، فأقاموا في مدنها وزادوها عمرانا، ~~وأشهر تلك المدن قرطبة وقد زادها المسلمون عظمة بما بنوه في ضواحيها من القصور ~~الكبيرة أشباه المدن الضخمة مما سنذكره. ~~(2-1) قرطبة # هي من أعمال الأندلس، واقعة على الوادي الكبير تستقي ماءها منه، وكانت عامرة ~~قبل الإسلام ويظن أنها من بناء القرطجنيين ودخلت في حوزة الرومانيين سنة 152 ~~قبل الميلاد، وتوالت عليها أحوال شتى حتى فتح المسلمون الأندلس واستولوا على ~~طليطلة، ثم جعلوا مقر الإمارة في قرطبة، وزاد الأمويون عمارتها بما أنشأوا من ~~القصور والمساجد والجسور وغيرها، فاتسعت مساحتها، وكان محيط المدينة الأصلية ~~33000 ذراع عليها سبعة أبواب، فنشأ حولها 21 ربضا في كل ربض من المساجد ~~والأسواق والحمامات ما يقوم بأهله، فصار طولها 24 ميلا وعرضها ستة أميال أو ~~144 ميلا مربعا (ومساحة لندن 117 ميلا)، وكل ذلك ديار وقصور ومساجد وبساتين ~~على طول ضفة الوادي المذكور. # وقد أحصوا مباني هذه المدينة وأرباضها في إبان عمرانها إحصاءات مختلفة ~~خلاصتها أن عدد الأبنية فيها كما يأتي: # عدد # 124503 # 113000 # دور الرعايا # 430 # دور القصر الكبير # 6300 # دور أهل الدولة # 3873 # المساجد # 900 # الحمامات # وذكروا أن عدد الأبنية بلغ في أيام ابن أبي عامر 200000 دار للرعية، و60300 ~~دار لأهل الدولة، و80455 حانوتا غير الحمامات والخانات، # 7 # ولا يخلو هذا التقدير من مبالغة، والأول أقرب إلى الصواب، وإذا ~~اعتبرنا ما يلحقه من الحوانيت والخانات زاد المجموع على ضعفي عدد أبنية القاهرة ~~اليوم. # على أنك ترى في هذا التقسيم تمييزا بين الخاصة ms0933 والعامة في المساكن، وأن دور ~~الخاصة نحو 6 في المائة من دور العامة، على حين أن دور الأشراف في رومية لم يزد ~~عددها في إبان عمرانها على 2000 دار، # 8 # فعمارة قرطبة بهذا الاعتبار فائقة الحد، وأما سكانها فكانوا ~~يناهزون المليونين، وسيأتي الكلام على قصورها. ~~(2-2) غرناطة # وأما غرناطة فكانوا يسمونها دمشق الأندلس، لكثرة أثمارها وأعنابها وفاكهتها، ~~وتمتاز عن سائر مدائن الأندلس بنهر يتوزع على دورها وأسواقها وحماماتها ~~وأرجائها الداخلة والخارجة وبساتينها، كما يتوزع نهر بردى في دمشق، وبلغت ~~غرناطة قمة مجدها في الدولة النصرية، وأشهر ملوكها ابن الأحمر، في أواسط القرن ~~الثامن للهجرة، وهو الذي بنى قصر الحمراء فيها كما بنى عبد الرحمن الناصر قصر ~~الزهراء في قرطبة، ونتقدم إلى ذكر القصور والمباني. ~~(3) القصور والمباني # قال ابن خلدون: «إن المباني والمصانع في الملة الإسلامية قليلة، بالنسبة إلى ~~قدرتها وبالقياس على من كان من الدول قبلها.» ولكننا إذا اعتبرنا ما انتاب المدائن ~~الإسلامية من أسباب الخراب بما توالى عليها من الإحن والفتن، ونظرنا إلى ما بقي من ~~أبنيتها في مصر والشام والعراق وفارس والهند والأندلس، رأيناها أكثر مما خيل ~~لمؤرخنا الفيلسوف، ولعل الذي بعثه على هذا القول أن كثيرا من هذه المباني شيد بعد ~~عصره على عهد السلاطين المماليك في مصر، وبعضها لم يتصل علمه به مما في بلاد فارس ~~والهند وغيرها، فقد كان للخلفاء والأمراء، على اختلاف الدول والممالك، عناية في ~~بناء المساجد والمصانع والقصور يتأنقون في هندامها وإتقانها، فضلا عن المتنزهات ~~والحدائق مما ينفقون فيه الأموال الطائلة، فيجلبون إليه الأغراس من أطراف المعمور، ~~ويتفننون في تزيين مجالسهم بالأشعار والتصاوير المموهة بالذهب، وبينها رسوم ~~الحيوانات والآدميين والأزهار وغيرها مما ستراه. ~~(3-1) مباني الأمويين في الشام # لم يصلنا من أخبار مباني الأمويين في الشام ما يستحق الذكر إلا «الجامع ~~الأموي»، الذي جدد بناءه الوليد بن عبد الملك بدمشق، وكان قبل الإسلام كنيسة ~~على اسم القديس يوحنا، فلما فتح المسلمون دمشق صالحوا أهلها على أن تقسم ~~الكنيسة مناصفة: المسيحيون يصلون في ms0934 نصفها الغربي، والمسلمون في النصف الشرقي، ~~فلما أفضت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك أخذ النصفين جميعا وجدد بناء ~~الجامع، فاستقدم نحو 12000 صانع من بلاد الروم، تأنقوا في بنائه فغطوا جدرانه ~~كلها بفصوص من الفسيفساء صبغت بأنواع الأصبغة الغريبة فمثلت أشجارا، وفرعت ~~أغصانا منظومة بالفصوص ببدائع الصنعة الأنيقة، فأنفق في ذلك نحو 11200000 ~~دينار، وكان طول الجامع من الشرق إلى الغرب 300 ذراع، وعرضه 200 ذراع، قائم على ~~68 عمودا، وأعظم ما فيه قبة مصنوعة من الرصاص متصلة بالمحراب عظيمة الاستدارة ~~والارتفاع، وقد زاره ابن جبير الرحالة الأندلسي في القرن السادس للهجرة، ووصفه ~~وصفا مطولا وذكر تاريخه إلى أيامه مما يضيق عنه المقام، # 9 # ولا يزال هذا الجامع قائما إلى الآن، ويعد من أفخر أبنية ~~المسلمين. # وبنى الحجاج بن يوسف قبة الإسلام في واسط، وكانت من أفخم الأبنية وفيها يقول ~~الشاعر: # بنى قبة الإسلام حتى كأنما # أتى الناس من بعد الضلال رسول # 10 ~~(3-2) مباني العباسيين بالعراق # أول من شاد الأبنية منهم المنصور، فبنى القبة الخضراء ليحول أذهان الناس عن ~~الكعبة إليها، وبنى الجامع والحصون والقصور في بغداد، كقصر الخلد وقصر باب ~~الذهب وغيرهما، وأخذ الخلفاء بعده في تشييد المصانع، واقتدى بهم وزراؤهم ~~وأمراؤهم، فأقاموا قصورا فخيمة تعرف غالبا بأسماء بانيها، كقصور البرامكة في ~~الشماسية، وقصر ابن الخصيب، وقصر أم حبيب بالجانب الشرقي من بغداد، وقصر بني ~~خلف بالبصرة، وقصر عيسي بن علي وهو أول قصر بناه الهاشميون في أيام المنصور، ~~وقصر وضاح بناه رجل اسمه وضاح للمهدي العباسي، وقصر الرشيد، وقصر الأمين، وقصر ~~ابن الفرات، وقصر ابن مقلة، غير ما أطلقوا عليه لفظ الدار كدار الشجرة الآتي ~~ذكرها، ودار القرار وهي قصر زبيدة زوج الرشيد وغير ذلك، وأخذت رغبتهم في بناء ~~القصور تتزايد كلما تقدموا في المدنية وأغرقوا في الترف والرخاء، على أن بعض ~~خلفائهم كانوا يحبون العمارة وينشطونها وأولهم المعتصم بالله، فقد كان كلفا ~~بالبناء فبنى سامرا لأتراكه وأقطعهم فيها القطائع، والمتوكل على الله كان ~~مغرما بالعمارة، ms0935 فبذل فيها الأموال الطائلة، فأحدث أساليب من الأبنية لم تكن ~~معروفة قبله، منها النمط الحيري والكمين ذات الأروقة، وبنى ثلاثة أبنية تعرف ~~بالهاروني والجوسق والجعفري، بذل في بنائها جميعا أكثر من 100000000 ~~درهم، # 11 # أنفق منها على القصر الجعفري أكثر من 2000000 دينار، # 12 # أو نحو 40000000 درهم، ثم صار تشييد المباني عادة جرى عليها ~~الخلفاء والأغنياء، فضلا عن المتنزهات، فبنى إسماعيل بن علي متنزها أنفق فيه ~~50000000 درهم. # 13 # قصر التاج وقصر الثريا # وكان المعتضد بالله محبا للعمارة أيضا، فبنى قصرا في الجانب الشرقي ~~من بغداد سماه «قصر التاج» لم يتم في أيامه فأتمه ابنه المكتفي، وكان في ~~مكانه قصر بناه جعفر البرمكي ثم سكنه الحسن بن سهل فسمي القصر الحسني، فلما ~~تولى المعتضد سنة 289ه أضاف إليه ما جاوره، فوسعه وكبره وأدار عليه سورا ~~واتخذ حوله منازل كثيرة ودورا، واقتطع من البرية قطعة عملها ميدانا، وأخذ ~~في بناء قصر التاج، فاتفق خروجه إلى آمد، فلما عاد رأى الدخان يرتفع إلى ~~الدار، فكرهه وابتنى على ميلين منه قصرا سماه «قصر الثريا»، طوله ثلاثة ~~فراسخ أنفق فيه 4000000 دينار، # 14 # وصله بالقصر الحسني وابتنى بين القصرين على مسافة ميلين ~~سردابا تمشي فيه جواريه وحرمه وسراريه، وما زال باقيا إلى الغرق الأول ~~الذي صار ببغداد، وفي قصر الثريا يقول ابن المعتز: # سلمت أمير المؤمنين على الدهر # فلا زلت فينا باقيا واسع العمر # حللت الثريا خير دار ومنزل # فلا زال معمورا وبورك من قصر # جنان وأشجار تلاقت غصونها # وأورقن بالأثمار والورق الخضر # ترى الطير في أغصانهن هواتفا # تنقل من وكر لهن إلى وكر # وبنيان قصر قد علت شرفاته # كمثل نساء قد تربعن في أزر # وأنهار ماء كالسلاسل فجرت # لترضع أولاد الرياحين والزهر # عطايا إله منعم كان عالما # بأنك أوفى الناس فيهن بالشكر # ولما توفي المعتضد قام ابنه المكتفي سنة 289ه، فأتم بناء قصر التاج، وكان ~~وجهه مبنيا على خمسة عقود كل عقد على عشرة أساطين في خمسة أذرع. # 15 # دار الشجرة # وبنى ms0936 المقتدر بالله في أول القرن الرابع دارا فسيحة ذات بساتين مونقة ~~عرفت بدار الشجرة، لشجرة كانت فيها مصنوعة من الذهب والفضة في وسط بركة ~~كبيرة أمام إيوانها وبين شجر بساتينها، لها ثمانية عشر غصنا من الذهب ~~والفضة لكل غصن منها فروع كثيرة مكللة بأنواع الجوهر على شكل الثمار، وعلى ~~أغصانها أنواع الطيور من الذهب والفضة، إذا مر الهواء عليها أبانت عن عجائب ~~من ضروب الصفير والهدير، وفي جانب الدار من يمين البركة قد ألبسوا أنواع ~~الحرير المدبج، مقلدين بالسيوف وفي أيديهم المطارد، يتحركون على خط واحد ~~فيظن الناظر إليهم أن كل واحد منهم يقصد صاحبه. # 16 # وفي دولة آل بويه بنى معز الدولة قصره المعروف بالدار المعزية، أنفق في ~~بنائه 1000000 دينار وموه سقفه بالذهب، ذكروا أنهم لما أرادوا هدمه بذلوا ~~في حك الذهب من سقفه 8000 دينار ولم يبق لهذه القصور أو الدور أثر ~~الآن. ~~(3-3) مباني الأمويين بالأندلس # أما الأندلس فقد بنى بها آل مروان قصورا سارت بذكرها الركبان، ولا يزال بعض ~~آثارها باقيا إلى اليوم، وأكثرها في قرطبة وغرناطة؛ فمنها في قرطبة: # القصر الكبير # وهو آية من آيات الزمان، شرع في بنائه عبد الرحمن الداخل في أواسط القرن ~~الثاني للهجرة، وأتمه من جاء بعده وبنوا القصور في داخله، وقد رأيت عند ذكر ~~أبنية قرطبة أن القصر المذكور مؤلف من 430 دارا، بينها قصور فخيمة لكل ~~منها اسم خاص، كالكامل والمجدد والحائر والروضة والمعشوق والمبارك والرشيق ~~وقصر السرور والبديع، وقد غالوا في زخرفها وإتقانها، وأنشأوا فيها البرك ~~والبحيرات والصهاريج والأحواض، جلبوا إليها الماء في قنوات الرصاص على ~~المسافات البعيدة من الجبال، حتى أوصلوه إليها ووزعوه فيها، وفي ساحاتها ~~ونواحيها بواسطة تلك القنوات التي تؤديها إلى المصانع (أي: المنشآت)، هذا ~~إلى صور مختلفة الأشكال من الذهب الإبريز والفضة الخالصة والنحاس المموه، ~~إلى البحيرات الهائلة والبرك البديعة والصهاريج الغريبة في أحواض الرخام ~~الرومية المنقوشة، ينصب فيها الماء من أنابيب من الذهب أو الفضة بصور ~~الحيوانات الكاسرة أو الصور الجميلة على ms0937 أشكال بديعة. # 17 # مسجد قرطبة # ومن عجائب قرطبة مسجدها الشهير، ذكروا أنه لم يكن في بلاد الإسلام أعظم ~~منه ولا أعجب بناء، وكان في مكانه كنيسة للنصارى شاطرهم عليها المسلمون عند ~~الفتح كما فعلوا بالجامع الأموي في دمشق، ثم أخذوا في توسيعه والزيادة فيه ~~بأنقاض الكنائس على توالي الأجيال، وأعجب ما فيه صومعته أو المئذنة، قالوا: ~~لم يكن في مساجد المسلمين صومعة تعدلها، بنيت بضخام الحجارة فبلغ طولها إلى ~~مكان موقف المؤذن 54 ذراعا، وإلى أعلى الرمانة الأخيرة 73 ذراعا، وعرضها ~~في كل تربيع 18 ذراعا. # وتدرج الجامع في الاتساع بتوالي التجديد فيه، حتى بلغت مساحته في أيام ~~الخليفة الناصر 225 ذراعا في 205 أذرع، وزاد الحكم في طوله مائة ذراع ~~وخمسة أذرع فصار طوله 330 ذراعا، وزاد ابن أبي عامر في عرضه ثمانين ذراعا ~~فصار 285، وأرضه مرصفة بإحدى عشرة بلاطة، الوسطى عرضها 16 ذراعا، وعرض كل ~~واحدة من الست الباقية 11 ذراعا، وزاد ابن أبي عامر ثماني بلاطات عرض كل ~~واحدة عشرة أذرع، وكان سقفه قائما على 1293 سارية من الرخام، وعدد ثرياته ~~280 ثريا، منها ثريات المقصورة من الفضة الخالصة، وكان في وسط الجامع تنور ~~نحاس يحمل ألف مصباح. # وكان للجامع تسعة أبواب مصفحة بالنحاس الأصفر، إلا باب المقصورة فإنه من ~~الذهب، وكذلك جدار المحراب وما يليه وقد أجرى فيه الذهب على الفسيفساء، وفي ~~رأس الصومعة ثلاثة تفافيح، دور كل تفاحة ثلاثة أشبار ونصف، اثنتان من الذهب ~~الإبريز وواحدة من الفضة، وتحت كل تفاحة وفوقها سوسنة قد هندست بأبدع صنعة، ~~ورمانة ذهب صغيرة على رأس الزج، وكان في بيت المنبر مصحف الخليفة عثمان، ~~وعليه حلية الذهب مكللة بالدر والياقوت، وفوقه أغشية الديباج، وهو موضوع ~~على كرسي من العود الرطب بمسامير الذهب، وقد أفاض صاحب نفح الطيب في وصف ~~هذا الجامع وما كان ينفق فيه من الزيت والشمع فليراجع هناك، # 18 # وتحول الجامع المذكور بعد دخول قرطبة في حوزة الإفرنج إلى ~~كنيسة، ولا يزال على بنائه الإسلامي وعليه النقوش ms0938 الشرقية والكتابة ~~العربية. # قصر الزهراء # ومن قصورهم في قرطبة «الزهراء»، بدأ بإنشائها الخليفة الناصر سنة 325ه ~~على أربعة أميال من المدينة، وأتمها ابنه الحكم فاستغرق البناء أربعين سنة ، ~~وهي عبارة عن بلد كبير طوله من الشرق إلى الغرب 2700 ذراع وعرضه 1500، وعدد ~~أعمدته أو سوارية 4300 سارية، بعضها حمل إلى قرطبة من روما وإفريقية وتونس، ~~وبعضها أهداه صاحب القسطنطينية، وفيها الرخام الأبيض والأخضر والوردي ~~والمجزع، وكان في الزهراء مسجد فخيم وعدة قصور وحدائق، على نحو ما تقدم في ~~وصف القصر الكبير، وفيها البحيرات تسبح فيها الأسماك بألوانها وأنواعها، ~~وأحواض الرخام المنقوش على أشكال شتى بين مذهب وغير مذهب، في جملتها حوض ~~منقوش بتماثيل الإنسان، جيء به من القسطنطينية ونصبه الناصر في بيت المنام ~~بالمجلس الشرقي المعروف بالمؤنس، وجعل عليه 12 تمثالا من الذهب الأحمر، ~~مرصعة بالدر النفيس الغالي مما صنع بدار الصناعة في قرطبة، بصورة أسد ~~بجانبه غزال إلى جانبه تمساح يقابله ثعبان وعقاب وفيل، وفي المجنبتين حمامة ~~وشاهين وطاووس ودجاجة وديك وحداة ونسر، وكلها من ذهب مرصع بالجوهر يجري ~~الماء من أفواهها. # 19 # ووكل الناصر النظر في بناء هذه القصور إلى ابنه الحكم بعده، وذكروا أن ~~الناصر كان ينفق عليها ثلث جباية الدولة، وكانت 6000000 دينار فينفق منها ~~2000000 دينار كل سنة على ذلك البناء، وقد تقدم أنهم واصلوا العمل فيه 40 ~~سنة، فلو فرضنا أنهم كانوا ينفقون هذا القدر في نصف هذه المدة فقط لبلغ ~~مجموع ما أنفق على الزهراء أكثر من 50000000 دينار، ولكن يظهر أن الإنفاق ~~السنوي لم يكن يبلغ ثلث جباية المملكة إلا في بضع سنين، وأما في سائر مدة ~~البناء فكانت النفقة أقل من ذلك كثيرا. # وقد ورد في مكان آخر أن الناصر كان ينفق على بنائها في أيامه 300000 ~~دينار في السنة، فإذا حسبنا ما أنفقه ابنه الحكم فيما بقي من الأربعين سنة ~~على هذه النسبة مع ما أنفقه هو بالإضافة إلى المقدار السنوي المذكور؛ كان ~~مجموع ما دخل في بناء هذه المدينة ms0939 نحو 20000000 دينار على الأقل، ولا غرابة ~~في ذلك؛ لأننا إذا أعدنا النظر في تفاصيلها رأينا فيها ما يفوق الحصر من ~~المرصعات والمذهبات، وقد أدخلوا فيها شيئا كثيرا من الذهب حتى جعلوا بعض ~~قرميدها منه، وقد كان يتصرف في بنائها من الخدم والفعلة عشرة آلاف رجل ~~و1500 دابة، وأغرب من كل ذلك أن الناصر إنما عمد إلى بناء الزهراء مرضاة ~~لمحظية له كان اسمها «زهراء» طلبت إليه أن يبني مدينة باسمها وتكون خاصة ~~بها. # 20 # الزاهرة # واقتدى بالخليفة الناصر المنصور بن أبي عامر، فابتنى سنة 368ه قصرا، ~~لإقامته سماه «الزاهرة» ليكون معقلا له يحميه من أعدائه، فأقامه في طرف ~~البلد على نهر قرطبة الأعظم، وحشد له الصناع والفعلة وبالغ في رفع أسواره ~~وجعل فيه أبنية كثيرة من جملتها أهراء ودواوين، وأقطع ما حولها لوزرائه ~~وكتابه وقواده، فابتنوا الدور والقصور وغرسوا الحدائق، فقامت الأسواق ~~وتنافس الناس في النزول في أكنافها تقربا من صاحب الدولة، حتى اتصلت ~~أرباضها بأرباض قرطبة، واتصلت بهما الزهراء من الجهة الأخرى، فأصبح الناس ~~يمشون بين هذه المدن عشرة أميال على ضوء السرج. # قنطرة قرطبة # ويجدر بنا في هذا المقام الإشارة إلى القنطرة الفخيمة التي أقامها ~~المسلمون على نهر قرطبة، وكانت مبنية قبل الإسلام ثم سقطت فأعاد المسلمون ~~بناءها على يد عبد الرحمن الغافقي، وطولها 800 ذراع، وعرضها عشرون ذراعا، ~~وارتفاعها 60 ذراعا، وعدد حناياها 18 حنية، وأبراجها 19 برجا. # 21 # قصر الحمراء وأمثاله # الحمراء قصر شهير في غرناطة لا يزال شكله محفوظا إلى الآن يقصده السياح ~~من كل مكان، بناه ابن الأحمر في أواسط القرن الثامن للهجرة كما تقدم في أرض ~~مساحتها 35 فدانا على مرتفع فسيح، ويقال إنها سميت «الحمراء» نسبة إلى لون ~~قرميدها، وفي هذا القصر كانت بركة السباع، وفي وسطها تماثيل أسود تقذف ~~المياه من أفواهها على شكل جميل. # وبنى المنصور بن الأعلى قصرا فخيما في بجاية، أنشأ فيه بركة على ~~حافاتها أسود يجري الماء من أفواهها، وعلى البركة أشجار من ذهب وفضة ترمي ms0940 ~~فروعها في الماء، وعلى أغصانها أطيار من أشكال شتى بألوان بديعة وصنع عجيب، ~~على مثال الشجرة التي ذكرنا أنها نصبت في قصر المقتدر العباسي عند كلامنا ~~عن أبنية العباسيين، وقد نظم محمد بن حمديس الشاعر الأندلسي قصيدة يصف بها ~~بركة هذا القصر وخروج الماء من أفواه الأسود قال منها: # وضراغم سكنت عرين رياسة # تركت خرير الماء فيه زئيرا # فكأنما غشي النضار جسومها # وأذاب في أفواهها البلورا # أسد كأن سكونها متحرك # في النفس لو وجدت هناك مثيرا # وتذكرت فتكاتها فكأنما # أقعت على أدبارها لتثورا # وتخالها والشمس تجلو لونها # نارا وألسنها اللواحس نورا # فكأنما سلت سيوف جداول # ذابت بلا نار فعدن غديرا # وكأنما نسج النسيم لمائه # درعا فقدر سردها تقديرا # 22 # وقس على ذلك قصر المأمون بن ذي النون الأندلسي، فإنه أنفق في بنائه بيوت ~~الأموال، وكان من عجائبه أنه صنع فيه بركة ماء كأنها بحيرة، وبنى في وسطها ~~قبة من زجاج وساق الماء من تحت الأرض حتى علا فوق رأس القبة بتدبير أحكمه ~~المهندسون، فكان الماء ينزل من أعلى القبة وحواليها محيطا بها متصلا بعضه ~~ببعض، فكانت القبة في غلالة من ماء سكبا لا يفتر والمأمون قاعد ~~فيها. # 23 ~~(3-4) مباني مصر # مباني آل طولون # أنشأ بنو طولون في مصر أبنية أشهرها الجامع الذي بناه أحمد بن طولون، لا ~~تزال آثاره إلى الآن بالقاهرة، والقصر الذي بناه في القطائع وجعل له ~~ميدانا كبيرا، ولما توفي أحمد زاد فيه ابنه خمارويه وجعل الميدان كله ~~بستانا زرع فيه أنواع الرياحين وأصناف الشجر، ونقل إليه الشجر اللطيف الذي ~~ينال ثمره القائم (أي الرجل الواقف) ومنه ما يتناوله الجالس من أصناف خيار ~~النخل، وحمل إليه كل صنف من الشجر المطعم العجيب وأنواع الورد، وزرع فيه ~~الزعفران وكسا أجسام النخل نحاسا مذهبا حسن الصنعة، وجعل بين النحاس ~~وأجساد النخل مزاريب الرصاص وأجرى فيها الماء المدبر، فكان يخرج من تضاعيف ~~قائم النخل عيون الماء فتنحدر إلى فساق معمولة، ويفيض منها الماء إلى مجار ~~تسقي سائر البستان، وغرس ms0941 فيه من الريحان المزروع على نقوش معمولة وكتابات ~~مكتوبة يتعهدها البستاني بالمقراض حتى لا تزيد ورقة على ورقة، وزرع فيه ~~النيلوفر الأحمر والأزرق والأصفر الجنوي العجيب، وأهدى إليه من خراسان ~~وغيرها كل أصل عجيب، وطعموا له شجر المشمش باللوز وأشباه ذلك من كل ما ~~يستظرف ويستحسن، وبنى فيه برجا من خشب الساج المنقوش بالنقر النافذ ليقوم ~~مقام الأقفاص، وزوقه بأصناف الإصباغ وبلط أرضه وجعل في تضاعيفه أنهارا ~~لطافا جدا ولها يجري الماء مدبرا من السواقي التي تدور على الآبار ~~العذبة ويسقي منها الأشجار وغيرها، وسرح في هذا البرج من أصناف القماري ~~والدباسي والنونيات وكل طائر جميل الشكل حسن الصوت، فكانت الطير تشرب ~~وتغتسل من تلك الأنهار الجارية في البرج، وجعل فيه أوكارا في قواديس لطيفة ~~ممكنة في جوف الحيطان لتفرخ الطيور فيها، وعارض لها فيه عيدانا ممكنة في ~~جوانبه لتقف عليها إذا تطايرت حتى يجاوب بعضها بعضا بالصياح، وسرح في ~~البستان من الطير العجيب كالطواويس ودجاج الحبش ونحوها شيئا ~~كثيرا. # وعمل في داره مجلسا برواقه سماه بيت الذهب، طلى حيطانه كلها بالذهب ~~المحلى باللازورد المعمول في أحسن نقش وأظرف تفصيل، وجعل فيه على مقدار ~~قامة ونصف صورا في حيطانه بارزة من خشب معمول على صورته وصور حظاياه ~~والمغنيات اللاتي تغنينه بأحسن تصوير وأبهج تزويق، وجعل على رءوسهن ~~الأكاليل من الذهب الخالص الإبريز الرزين، والكوادن المرصعة بأصناف الجواهر ~~وفي آذانها الأجراس الثقال الوزن المحكمة الصنعة، وهي مسمرة في الحيطان ~~ولونت أجسامها أشباه الثياب من الأصباغ العجيبة، فكان هذا البيت من أعجب ~~مباني الدنيا. # وجعل بين يدي هذا البناء فسقية ملأها زئبقا، وذلك أنه شكا طبيبه كثرة ~~السهر فأشار عليه بالتدليك فأنف من ذلك وقال: «لا أقدر على وضع يد أحد ~~علي.» فقال له: «تأمر بعمل بركة من زئبق.» فعمل بركة يقال إنها خمسون ~~ذراعا طولا في خمسين ذراعا عرضا وملأها من الزئبق فأنفق في ذلك أموالا ~~عظيمة، وجعل في أركان البركة سككا من الفضة الخالصة، وجعل في السكك زنانير ~~من حرير ms0942 محكمة الصنعة في حلق من الفضة، وعمل فرشا من أدم (أي: جلد) يحشى ~~بالريح حتى ينتفخ فيحكم حينئذ شده ويلقى على تلك البركة وتشد زنانير ~~الحرير التي في حلقة الفضة بسكك الفضة، وينام على هذا الفرش فلا يزال الفرش ~~يرتج ويتحرك بحركة الزئبق ما دام عليه، وكانت هذه البركة من أعظم ما سمع به ~~من الهمم الملوكية يرى لها في الليالي المقمرة منظر بهيج إذا تألف نور ~~القمر بنور الزئبق. # 24 # مباني الفاطميين # ولما أفضى الأمر إلى الفاطميين بنوا في القاهرة الجامع الأزهر، وهو عامر ~~إلى اليوم، وقصورا أشهرها القصران الشرقي والغربي، وأنفقوا على الأخير ~~منهما 2000000 دينار، # 25 # فقس على ذلك ما أنفقوه في سائر القصور والدور، كدار الفطرة ~~ودار الديباج وغيرهما، ولما استبحر عمرانهم تفننوا في بناء المقاصير ~~والمناظر على ضفة الخليج وشاطئ النيل، كمنظرة الجامع الأزهر، ومنظرة ~~اللؤلؤة على الخليج، ومنظرة الغزالة بجانبها، ومنظرة السكرة، ومنظرة الدكة، ~~ومنظرة المقس، ومنظرة التاج، ومنظرة باب الفتوح، ومنظرة البعل، ومنظرة دار ~~الملك، غير المتنزهات العظيمة والقصور الفخيمة في الجزيرة والروضة، كالقصر ~~الذي بناه الآمر بأحكام الله لمحبوبته البدوية وسماه الهودج. # وكانوا يتأنقون في زخرفة تلك المناظر والقصور تأنقا عظيما يدل على مبلغ ~~حضارتهم وتفننهم، فمنظرة بركة الحبش كانت مصنوعة من خشب مدهون صور فيها ~~الشعراء، كل شاعر وبلده وعند رأس الشاعر أبيات نظمها في ذكر المنظرة، ~~وبجانب كل صورة رف لطيف مذهب، فإذا دخل الخليفة وقرأ الأشعار أمر أن يحط ~~على كل رف صرة مختومة فيها خمسون دينارا، فيدخل الشاعر ويأخذ ~~صرته. # 26 # مباني الأيوبيين والمماليك # ولما انتقلت الدولة إلى الأكراد كان أعظم آثارهم البنائية قلعة القاهرة، ~~بناها السلطان صلاح الدين ليعتصم بها من الشيعة، ولا تزال قائمة إلى ~~اليوم. # ومعظم ما في مصر الآن من الآثار البنائية إنما هو من أعمال السلاطين ~~المماليك ولا سيما المساجد، كجامع السلطان حسن وجامع المؤيد وقايتباي ~~وقلاوون وغيرها، ومن آثارهم قبور الخلفاء خارج القاهرة فإنها لهم، وإن نسبت ~~إلى الخلفاء بالاسم، غير ما ms0943 اندثر من قصورهم، وكانوا يقلدون الفاطميين في ~~زخرفها كالرفرف الذي بناه الأشرف خليل بن قلاوون عاليا يشرف على الجيزة ~~كلها، وصور فيه أمراء الدولة وخواصها وعقد عليه قبة على عمد وزخرفها وكان ~~السلطان يجلس فيه، وقصر يلبغا، بناه الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة 738ه، ~~لسكنى الأمير يلبغا حيث مدرسة السلطان حسن تجاه القلعة، وغيرها . # | هوامش # | الثروة والرخاء ونتائجهما # واشتغال الخلفاء والأمراء بإنشاء المدن وبناء القصور والمتنزهات إنما هو من ثمار ~~الثروة وتكاثر النقود في بيوت الأموال، فتنتقل إلى رجال الدولة وغيرهم على ما بيناه في ~~نظام الاجتماع، ولذلك كان الخليفة أكثر الناس مالا؛ لأنه قابض على بيت المال، يليه ~~الوزراء والكتاب والعمال فبنو هاشم فالأتباع والتجار وغيرهم، وإليك أمثلة من ~~ذلك. ~~(1) ثروة الخلفاء وأهليهم # لما كان الخلفاء يتولون شئون الدولة بأيديهم كانوا أكثر الناس ثروة، فلما عهدوا ~~بها إلى الوزراء تحولت الثروة إليهم، وأصبح الخلفاء أحيانا مثل سائر ~~الفقراء، # 1 # والأصل في ثروة بيت المال أن تكون للدولة تنفق في مصالحها، وللخليفة ~~بيت مال خاص به، ولكن الخلفاء تصرفوا في أموال الدولة أولا لاعتبارهم إنفاقها ~~مساعدا على تأييدها، ثم أنفقوها في الجوائز والهدايا لمثل هذه الغاية، وتدرجوا إلى ~~بذلها في ملذاتهم وسائر أسباب تنعمهم، وكان يبقى مع ذلك في بيوت الأموال شيء كثير، ~~وقد بينا في الجزء الثاني من هذا الكتاب مقدار ما بقي منها في خزائن الخلفاء ~~الأولين من بني العباس: المنصور والمهدي والمعتصم والمستعين والمكتفي وغيرهم، وما ~~صار إليهم من الضياع الكثيرة، وذكرنا ما بلغت إليه ثروة أمهات الخلفاء ولا سيما ~~الخيزران أم الرشيد وقبيحة أم المعتز وغيرهما، فلا حاجة إلى التكرار، وإنما نأتي ~~ببعض التفاصيل على سبيل المثال، ذكروا أن المكتفي خلف 100000000 دينار هذا ~~تفصيلها: # 2 # دينار # 20000000 # من العين والورق (أي: الفضة) والأواني المعمولة. # 20000000 # من الفرش. # 20000000 # من الكراع والسلاح والغلمان. # 20000000 # من الضياع والعقار والأملاك. # 20000000 # من الجوهر والطيب وما يجري مجراهما. ~~(2) ثروة رجال الدولة وغيرهم # وذكرنا في الجزء الثاني أيضا سبب ms0944 ثروة الوزراء ومقادير الأموال التي حصلها الحسن ~~بن الفرات والمادرائي وابن كلس والأفضل وابن شهيد الأندلسي وإليك أمثلة ~~أخرى: # أول من أثرى من الوزراء البرامكة في عهد الرشيد، فكثرت ضياعهم (الأبعديات ~~والجفالك)، حتى بلغت غلة يحيى وابنه جعفر فقط 20000000 دينار في السنة، ولما نكبوا ~~وقبضت أموالهم بلغ مقدار ما قبض منها 30676000 دينار غير الضياع والدور ~~والرياش، # 3 # ويشبه الوزراء ببغداد الكتاب بمصر، وقد أثرى منهم جماعة كبيرة كآل ~~المادرائي، في أواسط القرن الثالث للهجرة، فملك أحدهم محمد بن علي المادرائي ما ~~قيمته 3000000 دينار من الضياع بالشام ومصر والأمتعة مع كثرة ما كانوا ينفقونه على ~~الناس من الرواتب، وكانت غلته 400000 دينار في السنة، # 4 # وهو مع ذلك لا يعد شيئا بالنظر إلى البرامكة، ومثلهم آل المغربي وآل ~~الكتامي بمصر أيضا. # أما العمال والأمراء فقد كانوا يحشدون الأموال الكثيرة، ولا سيما المفوضين منهم، ~~ويسهل ذلك عليهم لإطلاق أيديهم في مصادر الجباية فيجمعون ما شاءوا وكيف شاءوا، وقد ~~أثروا وكثرت أموالهم من أيام بني أمية قبل زمن الوزراء، فخلف عمرو بن العاص سبعين ~~بهارا من الدنانير - والبهار أردبان بالمصري - ذهبا، # 5 # وبلغت غلة خالد القسري 13000000 درهم، # 6 # وصاروا في عهد بني العباس أوفر ثروة، ولا سيما بعد أن طمعوا في ~~الاستقلال، فخلف يعقوب بن الليث الصفار في بيت ماله 50000000 درهم و400000 ~~دينار، # 7 # وقس على ذلك أموال السلاطين المماليك بمصر ورجالهم، وكانت مخلفاتهم من ~~الجواهر والحلي تقدر بالأرطال والقناطير والصناديق، مثال ذلك ما خلفه الأمير سيف ~~الدين تنكز التستري منها 19 رطلا من الزمرد والياقوت، وستة صناديق جواهر، وفصوص ~~الماس، و1250 حبة لؤلؤ كبار مدورة مما زنته درهم إلى مثقال، و240000 مثقال ذهب، ~~و10000000 درهم فضة، وأربعة قناطير مصرية من المصاغ والعقود ونحوها كالحلق ~~والأساور، وستة قناطير فضيات، و1200000 دينار، فقس عليه ثروة الخلفاء الفاطميين ~~والسلاطين والمماليك وغيرهم من سلاطين المسلمين وملوكهم. # غير ثروة الحواشي والأتباع، ممن أثري بالصناعة والأدب أو التجارة، فقد ذكرنا ~~ثروة بعض التجار ms0945 فيما تقدم، فاعتبر ذلك في سواهم من الأطباء والمغنين والشعراء، فإن ~~إبراهيم الموصلي مغني الرشيد توفي عن 24000000 درهم، # 8 # وذكرنا في باب الرواتب من الجزء الثاني ما كان يقبضه جبرائيل بن ~~بختيشوع طبيبه. ~~(3) نتائج الثروة # من قواعد العمران إذا تكاثرت الأموال في أيدي الناس أن يتوسعوا في الإنفاق ~~ويتنعموا بمعيشتهم، فيتأنقوا في الطعام والشراب والسماع وغيرها من الملذات الجسدية، ~~ويتنعموا بالألبسة الثمينة والرياش الفاخر، ثم يطلبوا الملذات المعنوية من التفاخر ~~باقتناء المجوهرات والعقارات، ويلتمسوا سعة الشهرة فيقربوا من يضمن لهم ذلك ~~كالشعراء ورواة الأخبار في ذلك العهد، كما يفعل بعض أغنياء زماننا بالتقرب من أرباب ~~الصحافة، ونقسم الكلام في هذا الباب إلى فصول: ~~(3-1) التأنق في الطعام # قد رأيت في كلامنا عن أطعمة العرب أنها كانت ساذجة قليلة، ثم تعددت بعد ~~الاختلاط بالأعاجم ولا سيما الفرس، والعرب قلدوا الفرس في أكثر أسباب الحضارة، ~~فضلا عن نظام الحكومة، فكانوا إذا أحوجهم الاحتفال بعيد أو عرس أو ختان سألوا ~~عما يفعله الفرس في مثله وقلدوهم فيه، هموا بذلك من عهد الأمويين، وكان الصحابة ~~قبلهم يتحاشون التنعم اقتداء بخلفائهم الراشدين مع غلبة البداوة على طباعهم، ~~فأبو موسى الأشعري كان يتجافى عن آكل الدجاج؛ لأن العرب لم يعهدوا ذلك، وكانوا ~~يتجنبون الإكثار من أكل اللحوم ويعتقدون أضرارها، نحو ما يعتقده النباتيون ~~اليوم تمثلا بما قاله عمر بن الخطاب: «مدمن اللحم كمدمن الخمر.» فلما حكم ~~الأمويون ومالوا إلى التنعم كان الفرس أحسن مثال لهم، وأراد غير واحد من أمراء ~~العراق تقليدهم في ذلك، ولكن البداوة كانت تتغلب عليهم فيرجعون، ذكروا أن ~~الحجاج بن يوسف أولم لختان أحد أولاده، فاستحضر بعض الدهاقين ليسأله عن ولائم ~~الفرس وقال: «أخبرني بأعظم صنيع شهدته.» فقال: «شهدت أيها الأمير بعض مرازبة ~~كسرى وقد صنع لأهل فارس صنيعا أحضر فيه صحائف الذهب على أخونة الفضة أربعا ~~على كل واحد، وتحمله أربع وصائف ويجلس عليه أربعة من الناس، فإذا أطعموا أتبعوا ~~أربعتهم المائدة بصحافها ووصائفها.» فلما سمع الحجاج ذلك أكبره وغلبت ms0946 عليه ~~البداوة فقال: «يا غلام انحر الجزر وأطعم الناس # 9 ~~...» # على أنهم ما لبثوا أن رضخوا لتيار الترف وتكيفوا لموافقة البيئة التي تحف ~~بهم، فبعد أن كانوا يحسبون الكافور ملحا والأرز طعاما مسموما والخبز المرقق ~~كاغدا، وبعد أن أكلوا العلهز والخنافس والعقارب وعجنوا الحنطة ~~بنخالتها، # 10 # فاقوا الفرس والروم في التأنق والتنعم، فتفننوا في معالجة اللحوم ~~واصطناع التوابل المنبهة لشهوة الطعام التماسا للمزيد من اللذة، فكان الخلفاء ~~والملوك من بني هاشم إذا جلسوا إلى الطعام يقف الأطباء بين أيديهم ومعهم ~~البراني بالجوارشنات الهاضمة المسخنة الطابخة المقوية للحرارة الغريزية في ~~الشتاء على اصطلاحهم في ذلك العصر، ويقفون في الصيف ومعهم الأشربة الباردة ~~والجوارشنات الموافقة لذلك الفصل، # 11 # واقتدى بهم سائر الأمراء وأهل الدولة فكانوا يستشيرون الأطباء ~~ويستعينون بهم في حفظ صحتهم، حتى في أثناء الطعام وهم على المائدة، وكان سيف ~~الدولة إذا حضر الطعام جلس معه على المائدة 24 طبيبا أرزاقهم جارية. # وغالى الخلفاء في استحضار ما اشتهر بطيبه من ألوان اللحوم والطيور والفاكهة ~~ولو بعد مكانه، فيحملونه على البريد ينفقون في ذلك الأموال الكثيرة، # 12 # وكانوا يربون الطيور الداجنة على أطعمة مغذية يتوهمون أنها تزيد في ~~لذة طعمها أو نفعها أو تسهل هضمها، فكانوا يعلفون الفراريج الجوز المقشر ~~ويسقونها اللبن الحليب، # 13 # وتفنن الطهاة في اصطناع الأطعمة التي يظنون فيها الغذاء الكثير أو ~~النفع الصحي، وربما فعل بعضهم ذلك مغالاة في الاحتفاء، كما فعل إبراهيم بن ~~المهدي في زيارة زاره فيها الرشيد فاصطنع له أطعمة بينها جام سمك مقطع فاستصغر ~~قطعه، فسأله الرشيد عن ذلك فقال: «يا أمير المؤمنين هذه ألسنة السمك.» وقدرت ~~نفقة ما في ذلك الجام بألف درهم، # 14 # وقس عليه تفننهم في اصطناع الفالوذج بدهن الفستق والمخ المعقود ~~بالسكر والطبرز والعسل. # فاتسعت مطابخ الخلفاء والأمراء لتعدد ألوان الأطعمة والتوسع في النفقة عليها، ~~حتى صار لكل صنف منها خدم عليهم رئيس، فكان عندهم لتربية الطيور إدارة قائمة ~~بذاتها عليها رئيس، وبلغت علوفة البط وحدها على أيام المقتدر العباسي ms0947 30 قفيزا ~~من الشعير كل شهر # 15 # فاعتبر كم يحتاج إليه أحدهم إذا أراد نقل مطبخه من الدواب لحمله، ~~ذكروا أن عمرو بن الليث الصفار كان مطبخه يحمل على 600 جمل، # 16 # وكان للخليفة المقتفي العباسي ثمانون جملا تحمل الماء من دجلة ~~لشرب عياله، # 17 # وأما مقدار المطبوخ من كل طعام فلا قياس له، على أنهم كانوا ~~يجعلونه أضعاف ما يحتاجون إليه مخافة أن يطرقهم أضياف، فكانت الأطعمة تفيض ~~بمقادير كبيرة يحملها الخدم ويبيعونها ويرتفقون بأثمانها. # 18 # فنتج من الانغماس في الأكل والتفنن في التشويق إليه كثير من علل القناة ~~الهضمية، توالت على أهل الترف في ذلك العهد كالقولنج وتلبك المعدة ~~والدوزنطاريا، وغيرها من عواقب النهم في اللحوم كالنقرس والروماتزم ونحوهما، ~~وتسلطت السويداء على أمزجتهم، وتولتهم حدة المزاج فجرهم الغضب إلى سرعة الفتك ~~والقتل من تغلب السويداء، كما يتضح من مراجعة أخبارهم، وعلة ذلك في الغالب فساد ~~الهضم، واشتهر من الخلفاء والأمراء غير واحد من الأكلة، منهم في أيام بني أمية ~~معاوية بن أبي سفيان وعبيد الله بن زياد والحجاج بن يوسف وسليمان بن عبد الملك، ~~واشتهر من بني العباس محمد الأمين. # 19 ~~(3-2) البذخ في الألبسة # كان المسلمون في صدر الإسلام يتوخون الخشونة في العيش والتعفف في المطعم ~~والملبس، فكان الخليفة من الراشدين يمشي في الأسواق وعليه القميص الخلق المرقوع ~~إلى نصف ساقه، أو ثوب من كرباس غليظ وفي رجله نعلان من ليف وحمائل سيفه من ليف ~~وفي يده درة يستوفي الحد بها، # 20 # وكان عمالهم في مثل حالهم، إذا وفد أحدهم على الخليفة لبس جبة صوف ~~وتعمم بعمامة دكناء واحتذى خفين ودخل عليه، # 21 # وأول من اتخذ زي الملوك من أمراء المسلمين معاوية منذ كان أميرا ~~في الشام، وقدم عليه عمر بن الخطاب في أثناء ذلك، فلما رآه في أبهة الملك ~~أنكرها عليه، وقال له: «أكسروية يا معاوية؟» # 22 # ثم تحضروا وكثرت الأموال بين أيديهم وخالطوا أهل الترف من الأعاجم، فاضطروا ~~بطبيعة المدنية إلى التبسط في العيش والتنعم ms0948 باللباس، وأحب الأمويون الوشي كما ~~تقدم، وأكثرهم رغبة في لبسه هشام بن عبد الملك، فاجتمع عنده 12000 قميص وشي، ~~و10000 تكة حرير، وكانت كسوته إذا حج تحمل على 700 جمل، # 23 # وفي أيامهم تسابق الصناع إلى إجادة الوشي، وزاد المسلمون بذخا في ~~أيام بني العباس، ورغب أهل التجارة في حمل أصناف المنسوجات الحريرية والصوفية ~~بين موشى ومطرز ومحوك بالذهب أو الفضة ومرصع بالحجارة الكريمة على اختلاف ~~البلاد التي يصنع فيها، على نحو ما بيناه في كلامنا عما يحمل من أصناف التجارة ~~إلى بغداد. # ومن أهم المنسوجات الثمينة الخز، وهو نسيج ناعم يصنع من الحرير ومن وبر الخرز ~~وهو ذكر الأرانب، # 24 # والأبريسم حرير خالص، والديباج نسيج حرير موشى بالقصب بأشكال ~~الحيوانات ونحوها، والبز نسيج قطني ثمين وغير ذلك من أصناف الحرير والكتان ~~والأوداري، والملحم والمعلم والمنير ومنسوجات الشعر أو الوبر أو الصوف، وما ~~يلحق ذلك من أنواع السمور والقاقم وغيره؛ يصنعون منها الأقبية والدراريع ~~والطيالسة والجبب والعمائم والأبراد والغلائل والملاحف والمآزر والسراويلات ~~والشاشيات والتكك وغيرها. # وكان الصناع يتبارون في إتقان هذه الصناعات ويغالون في ترفيعها، لما يلاقونه ~~من البذل في ابتياعها لتوفر الثروة بين أيدي الناس ولا سيما الخليفة وأهل ~~دولته، فكان هؤلاء يتهافتون على اقتناء الألبسة، لا يبالون كم يكون ثمنها حتى ~~بلغت قيمة العمامة من الديبقي خمسمائة دينار، وهم مع ذلك يكثرون من اقتنائها، ~~وربما لبس الواحد 9 أقبية كل قباء بلون خاص للمفاخرة في البذخ، وقد تزيد على ~~أضعاف حاجتهم إليها فيجتمع عند أحدهم عشرات أو مئات أو ألوف من القطعة الواحدة ~~ولا سيما الخلفاء، مثاله ما خلفه المكتفي بالله من الألبسة وهو: # عدد # 4000000 # من الثياب المقصورة سوى الخامات. # 63000 # من الأثواب الخراسانية المروية. # 8000 # من الملاءات. # 13000 # من العمائم المروية. # 1800 # من الحلل الموشاة اليمانية وغيرها منسوجة بالذهب. # 18000 # من البطائن التي تحمل من كرمان في أنابيب القصب. # 18000 # من الأبسطة الأرمنية. # وتوفى ذو اليمينين وفي خزانته 1300 سروال لم يستعملها، ووجدوا في كسوة ~~بختيشوع ms0949 الطبيب 400 سروال ديبقي، ولما قتل برجوان خادم الوزير بمصر وجدوا في ~~تركته ألف سروال ديبقي بألف تكة حرير. # وغالوا في البذخ حتى كسوا دوابهم المنسوجات الحريرية الموشاة، وكان الفاطميون ~~يلبسون الفيلة أجلة في الخسرواني الأحمر المذهب، وكان في القاهرة دار يصنع فيها ~~الديباج ونحوه، وكان عند الفاطميين خزانة للثياب يسمونها دار الكسوة يصطنعون ~~فيها جميع أنواع الثياب والبز، ويكسون بها الناس على اختلاف أصنافهم كسوة ~~الشتاء وكسوة الصيف، وقد فصل المقريزي ما تحويه تلك الدار من الألوان ~~والأشكال، # 25 # ولما جهز خمارويه ابنته قطر الندى إلى الخليفة المعتضد العباسي كان ~~من جملة الجهاز ألف تكة ثمن الواحدة عشرة دنانير، # 26 # وقس عليه سائر الملابس. ~~(3-3) الأثاث والرياش والمجوهرات # كان الخلفاء الراشدون يجلسون على الأرض مثل سائر الناس وكذلك عمالهم، فكان ~~عمرو بن العاص بمصر يجلس في قصره على الأرض مع العرب، ويأتيه المقوقس ومعه سرير ~~الذهب محمول على الأيدي لجلوسه شأن الملوك يومئذ، فيجلس عليه وهو على ما تقدم، ~~وفاء له بما اعتقد معهم من الذمة واطراحا لأبهة الملك، فما لبث المسلمون أن ~~تحضروا وأثروا حتى اتخذوا الأسرة من الذهب والعاج وفاقوا الأكاسرة والقياصرة ~~قبلهم، وأول من اتخذ السرير في الإسلام معاوية بن أبي سفيان، ويريدون بالسرير ~~المقعد أو الكرسي الكبير، ولم يقعد معاوية على ذلك إلا بعد استئذان المسلمين، ~~واعتذر بثقل جسمه فزعم أنه بدين، فأذنوا له فاتخذه واقتدى به من جاء بعده من ~~الخلفاء. # 27 # الأثاث والرياش عند الفرس # لما خرج المسلمون للفتح في زمن الراشدين كان أكثر ما لقوه من الفرش ~~الفاخر والمجوهرات الثمينة في فارس وعند فتح المدائن، فدهشوا منه ولم ~~يعرفوا قيمته، ذكروا بدويا ظفر يوم المدائن بحجر من الياقوت كبير يساوي ~~مبلغا عظيما فلم يدر قيمته، فاشتراه منه بعضهم بألف درهم، ثم علم أنه كان ~~يساوي أضعاف ذلك المبلغ فلامه أصحابه على تفريطه به فقال: «لو عرفت عددا ~~أكثر من الألف لطلبته.» # 28 # وكان في جملة ما عثروا عليه في المدائن كثير من ms0950 الآنية والحلية الذهب ~~المرصعة بالجوهر، وفيها تاج كسرى نفسه وألبسة من الديباج المنسوج بالذهب ~~المنظوم بالجوهر، وظفر آخرون بسفطين في أحدهما فرس من ذهب بسرج من فضة وعلى ~~ثغره ولباته الياقوت والزمرد المنظوم على الفضة وفارس من فضة مكلل بالجوهر، ~~وفي الآخر ناقة من فضة عليها شليل من ذهب مكلل بالجوهر، ووقع لهم بساط ~~يسمونه القطيف طوله 60 ذراعا في 60 مطرز بالصور وعليه فصوص كالأنهار أرضها ~~مذهبة، وخلال ذلك فصوص كالدر، وفي حافته كالأرض المزروعة والأرض المبقلة ~~بالنبات في الربيع، والورق من الحرير على قضبان الذهب والفضة وثمره الجوهر، ~~وحمل هذا البساط إلى عمر في المدينة فقطعه وفرقه في أصحابه مثل سائر ~~الغنائم. # 29 # وكان عمر إذا جاءته الغنائم من العراق وفيها الجوهر بكى لما كان يخافه من ~~مصير المسلمين إلى الترف المؤذن بالانحدار، وكذلك أبو بكر الصديق، وله ~~السبق في نصرة الإسلام والفضل في تأييده، فلما حضرته الوفاة وبخ المهاجرين ~~وخوفهم وقال: «والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير.» والنبي # صلى الله عليه وسلم # قبلهما نهى عن لبس الحرير واتخاذ آنية الذهب، # 30 # فلم ينفعهم ذلك كله، فما كادوا يأخذون بأطراف الحضارة حتى ~~انغمسوا في أسباب التنعم بالفرش الوثير والرياش الفاخر. # بدأ بذلك الأمويون لما تقدم من رغبتهم في الدنيا وتحويلهم الخلافة إلى ~~الملك، فأكثر خلفاؤهم المسرفون ولا سيما الوليد بن يزيد من عقود الجوهر ~~يغيرها في كل يوم كما تغير الثياب، وكان يجمعه من كل وجه ويغالي فيه حتى ~~أغلاه، # 31 # على أنهم اقتصروا من أسباب الحضارة على مثل ذلك لرغبتهم في ~~البقاء على البداوة، إلا ما اتخذوه من الستائر المطرزة التي كانت تصنع لهم ~~في مصر كما تصنع للروم من قبل، عليها طراز باليونانية مفاده البسملة عند ~~النصارى، # 32 # فأبدلها عبد الملك بالطراز العربي بسورة التوحيد، غير ما ~~استعملوه من الوسائد المزركشة. # الأثاث والرياش عند العباسيين # لما انتقلت الخلافة إلى العباسيين اشتغل السفاح والمنصور بتأسيس الدولة ~~وتأييدها، فلما تأيد سلطانهم مالوا إلى الترف فأخذوا بتقليد الدول السابقة ms0951 ~~لهم عملا بناموس العمران، فاقتنوا الأسرة الذهب المرصعة بالجوهر أو ~~الأبنوس المطعم بالعاج، واتخذوا المقاعد والنمارق والكراسي، ونصبوا منائر ~~الذهب أوقدوا فيها الشموع من العنبر، وعلقوا الستور المطرزة والموشاة، ~~وافترشوا البسط والطنافس المزركشة والحصر المنسوجة بالذهب المكللة بالدر ~~والياقوت، # 33 # وغالوا في اقتناء آنية الذهب والفضة يأتون من كل بلد بأحسن ~~مصنوعاته وأثمنها فحملوا الستور المعلمة من فسا، والبسط والمصليات من تستر ~~وبخارا، والحصر من عبادان، والمقاعد من دشت، على أن أحسن أصناف الفرش ~~المذهبة بطراز الذهب كانت تأتيهم من أرمينية، والطاقم الأرمني - وهو عشر ~~مصليات بمخادها ومساندها ومطارحها وبساطها - يساوي خمسة آلاف ~~دينار، # 34 # وكانت أطباق الخشب لآنية الطعام تأتيهم من طبرستان، والزجاج ~~والخزف من البصرة وأكثره وارد في الأصل من بلاد الصين على ما فصلناه في ~~كلامنا عن التجارة من هذا الجزء، ولكن الزجاج الرقيق كان يحمل إليهم من ~~الشام وكان يضرب به المثل بالرقة والصفاء فيقال: أرق من زجاج الشام، وأصفى ~~من زجاج الشام # 35 # اتخذوا ما تقدم من الآنية والمفروشات تقليدا للفرس والروم على ~~ما كانت عليه عندهم، ثم عربوها فجعلوا ما ينقش عليها من الكتابة باللغة ~~العربية بين أمثال وأشعار وحكم ينقشونها على الستور ويعلقونها بمسامير ~~الذهب والفضة، # 36 # ويزركشون البسط والطنافس فيرسمون في أواسطها أشكالا وصورا ~~مما في البر والبحر ويطرزون حواشيها بالذهب أو القصب أبياتا من الشعر، ~~وربما طرزوا دور البساط (أي: حافته) بقصيدة، # 37 # وغالوا في الزخرفة حتى نقشوا الأشعار على آنية البلور وأطباق ~~الطعام وعلى جدران القاعات وفوق أبوابها - يتفاوت ذلك شكلا ومقدارا ~~بتفاوت طبقات الناس من المطرز بالحرير إلى المزركش بالقصب فالمحلى بالذهب ~~فالمرصع بالجوهر - كالبساط الذي كان لأم المستعين، وعليه صورة كل حيوان من ~~جميع الأجناس وصورة كل طائر من ذهب وأعينها يواقيت وجواهر أنفقت في صنعه ~~130000000 درهم. # 38 # وأحدث العباسيون في عهد الرشيد أشكالا من الفرش وفنونه لم يسبقهم إليها ~~أحد، منها ما ينسبون اختراعه إلى زوجته زبيدة، فقد ذكروا أنها أول من اتخذ ~~القباب من الفضة ms0952 والأبنوس والصندل وكلاليبها من الذهب والفضة ملبسة بالوشي ~~والسمور والديباج وأنواع الحرير الأحمر والأصفر والأخضر والأزرق. # 39 # واخترع العباسيون المذاب وهي نوع من المراوح لم تكن معروفة ~~قبلهم، # 40 # وتفننوا في تزيينها وكتابة الأشعار عليها مما يناسب المراد بها ~~أو يشار به إلى غرض، كما فعل أبو العتاهية في طلب الجارية عتبة من الرشيد، ~~وكان يخاف أن يرده، فأهدى إليه ثلاث مراوح كتب على كل منها بيتا هذا ~~مجموعها: # ولقد تنسمت الرياح لحاجتي # فإذا لها من راحتيه شميم # أعلقت نفسي من رجائك ما له # عنق يحث إليك بي ورسيم # ولربما استأسيت ثم أقول لا # إن الذي ضمن النجاح كريم # 41 # على أن كتابة الأشعار على المراوح كانت معروفة في أيام بني ~~أمية. # 42 # المجوهرات عند العباسيين # غالى الخلفاء العباسيون في اقتناء المجوهرات، ولا سيما الدر، وهو اللؤلؤ ~~الكبير والياقوت الأحمر القاني ويسمى البهرماني، ويتلوه الأحمر المشرقي ~~الرماني ثم الأزرق الغميق وتشوبه زرقته حمرة ويسمى الاسمانجوني، وبعده ~~الأصفر وهو الفاقع اللون وبعده الذهبي، ولكل من هذه الأشكال قيمة تختلف ~~باختلاف الصفاء والحجم، ومنها الزمرد وأحسنه يعرف بالذبابي لقرب لونه من ~~لون الذباب الكبير المائل إلى الخضرة، والماس كانوا يفضلون منه ما يشوب ~~لونه حمرة يسيرة؛ هذا أهم ما كانوا يتفاخرون باقتنائه من الحجارة الكريمة، ~~وأما الفيروز والمرجان والعقيق والجزع فقلما كان الملوك يقتنونه ~~لكثرته. # وأكثر ما تناقله المسلمون من الحجارة الكريمة في أوائل دولتهم مأخوذ من ~~غنائم الفرس؛ لأنهم غنموا ما يفوق الحصر من الجواهر التي قضى الفرس الأجيال ~~وهم يجمعونها ويتوارثونها، فقبضها العرب صفقة واحدة ولم يعرفوا قيمتها كما ~~بيناه آنفا، وأصابوا نحو ذلك لما حاربوا الأكراد فإنهم غنموا سفطا فيه ~~جوهر حملوه إلى عمر في جملة الغنائم، فأمر ببيعه وقسمة ثمنه في المسلمين، ~~فباعه وقسمه وكان الفص يباع بخمسة دراهم وقيمته عشرون ألفا. # 43 # ولما تحضروا صاروا يشترون الجواهر بالأثمان الغالية، فاشترى الرشيد فص ~~ياقوت أحمر بأربعين ألف دينار، وكان قديما ويعرف بالجبل والملوك تصونه، ~~فنقش عليه الرشيد اسمه، ms0953 # 44 # واشترى فصا آخر بمائة وعشرين ألف درهم، # 45 # وعرض أحد تجار المصوغات ببغداد على يحيى بن خالد سفط جوهر ~~فساومه على ثمنه بسبعة ملايين درهم. # 46 # وكثيرا ما كانوا يستخدمون الجواهر بدلا من المبالغ الكبيرة، فإذا عزم ~~أحدهم على سفر طويل يستغرق نفقة عشرة آلاف دينار مثلا، فبدلا من أن يحمل ~~ذلك المال ذهبا أو فضة استبدله بجوهرة أو عدة جواهر يسهل حملها في الجيب، ~~فإذا وصل إلى البلد المقصود باع الجواهر وأنفق من ثمنها كما يفعل الناس ~~اليوم بتحاويل المصارف المالية أو البنكنوت (العملة الورقية). # وكان الأمويون يرغبون في المجوهرات أيضا، وقد رصعوا بها الحلي وبعض ~~الآنية واصطنعوا منها العقود للبسهم ولبس نسائهم وجواريهم، أما العباسيون، ~~فبالغوا في ذلك حتى نظموها في عصائب نسائهم كما فعلت أخت الرشيد، # 47 # ورصعوا بها خفافهن كما فعلت أم جعفر زوجته. # 48 # فكان الخلفاء العباسيون يقتنون من الآنية والفرش والمجوهرات والثياب ما ~~لا يعلم مقداره إلا الله، يدلك على ذلك ما قدمناه مما خلفه المكتفي وغيره ~~وما أخرجوه من خزائنهم في فتنة البساسيري في أواسط القرن الخامس من جملته ~~75000 قطعة ديباج و11000 كزاغند و30000 سيف، وهو بعض ما كان في دار ~~الخليفة، ومع ذلك فهو لا يقاس بما كان عند الفاطميين كما سترى. # وقد أنكر ابن خلدون ما ذكره المؤرخون عن ترف بني العباس في ملابسهم ~~وزينتهم وسائر متناولاتهم، لما كانوا عليه من خشونة البداوة، # 49 # واستشهد بالمسعودي والطبري، ولا ينطبق رأيه في ذلك على ما ذكره ~~هذان ولا على ما قاله هو نفسه؛ لأن المسعودي هو الذي أخبرنا بنظم الجوهر في ~~خفاف أم جعفر وهي من أقرب الناس للتقوى، والطبري أورد أخبارا كثيرة، تدل ~~على ترف العباسيين في عصر الرشيد، غير ما ذكره غيرهما من ثقات التاريخ ~~والأدب المتقدمين كأصحاب الأغاني والعقد الفريد والكامل والمعارف وغيرهم، ~~ونقل المؤرخون عنهم ذلك ولم يكبروه ولا اعترضوا عليه، حتى ابن خلدون نفسه ~~فقد ذكر في مقدمة تاريخه «أن المأمون أعطى بوران في مهرها ms0954 ليلة زفافها ألف ~~حصاة من الياقوت، وقد أوقد شموع العنبر في كل واحدة مائة من وهو رطل ~~وثلثان، وبسط لها فرشا كان الحصير منها منسوجا بالذهب مكللا بالدر ~~والياقوت.» # 50 # ويلوح لنا أن ما كانوا يتجافون عنه في صدر الدولة العباسية ~~إنما هو الركوب بحلية الذهب، وأول من ركب فيها منهم المعتز بالله، # 51 # فمؤرخنا الفيلسوف شديد الرغبة في تنزيه العباسيين عن الترف وهم ~~من أعرق الخلفاء فيه. # بذخ الفاطميين # كان العباسيون قدوة لمن قام بعدهم من الدول الإسلامية في مصر والشام ~~والمغرب والأندلس، فالفاطميون بمصر كانوا يناظرون العباسيين في كل شيء حتى ~~في أسباب الحضارة، وكان التمدن الإسلامي قد نضج والدولة العباسية أخذت في ~~التقهقر، ففاقوهم في كثير من أسباب البذخ والترف، ولا سيما من حيث الأثاث ~~والرياش والثياب، فقد رأيت أن العباسيين رصعوا عصائب نسائهم وخفافهن ~~بالجواهر، ولكن الفاطميين رصعوا بها آنية المطبخ واتخذوا كوز الزير من ~~البلور مرصعا بالجوهر، وكللوا المزيرة بحب اللؤلؤ النفيس، وتأنقوا في ~~المصوغات حتى اتخذوا منها التماثيل المرصعة للزينة في مجالسهم، فإذا جلس ~~الخليفة في إحدى المناظر للراحة أو تبديل الثياب وضعوا بين يديه الصواني ~~الذهب، عليها أشكال الصور الآدمية والوحشية من الفيلة والزرافات ونحوها، ~~معمولة من الذهب والفضة والعنبر والمرسين المشدود والمظفور عليها، المكلل ~~باللؤلؤ والياقوت والزبرجد، ومن الصور الوحشية ما يشبه الفيلة بينها عنبر ~~معجمون كخلقة الفيل وناباه فضة وعيناه جوهرتان كبيرتان، في كل منهما مسمار ~~ذهب مجري سواده، وعلى الفيل سرير منجور من عود بمتكات فضة وذهب، وعليه عدة ~~من الرجال ركبان عليهم اللبوس تشبه الزرديات، وعلى رءوسهم الخوذ وبأيديهم ~~السيوف المجردة والدرق وجميع ذلك فضة، ثم صور السباع منحورة من عود وعينا ~~السبع ياقوتتان حمراوان وهو على فريسته وأشكال من سائر الوحوش، وأصناف تشد ~~من المرسين المكلل باللؤلؤ شبه الفاكهة. # 52 # وكان للفاطميين في القاهرة دور يختزنون بها أدوات الترف والبذخ يسمونها ~~خزائن، بعضها للفرش والبعض الآخر للجوهر وآخر للطيب وآخر للبنود وآخر ~~للسلاح وآخر للسرج أو الدرق أو ms0955 الكسوات أو الأدم أو الشراب أو التوابل أو ~~الخيم، وكان الخليفة يذهب إلى مجالس خاصة له في تلك الخزائن، والمجلس عبارة ~~عن دكة عليها طراحة ولها فراش يخدمها وينظفها ليجلس الخليفة عليها إذا زار ~~تلك الخزانة، وقد توسع المقريزي في وصف هذه الدور وما حوته من الآلة ~~والرياش والثياب والجواهر والأطياب مما يضيق عنه هذا المقام فليراجع في ~~مكانه، # 53 # ونأتي بشيء من ذلك على سبيل المثال: # الحلي والجواهر عند الفاطميين # فمما أخرجوه من خزانة الجوهر في أيام الشدة على عهد المستنصر بالله (توفي ~~سنة 487ه) صندوق فيه سبعة أمداد زمرد سألوا الصياغ عن قيمتها فقالوا: إنما ~~نعرف قيمة الشيء إذا كان مثله موجودا، واستخرجوا خريطة فيها ويبة جوهر قال ~~الصياغ: إن قيمته لا تقدر وأصل ثمنه 700000 دينار بيع يومئذ بعشرين ألف ~~دينار، ووجدوا ما لا يحصى من أقداح البلور المنقوش والمجرود وصحونا من ~~الميناء منها ما يساوي مئات من الدنانير، وفي مكان آخر 18000 قطعة من بلور ~~تتراوح أثمانها بين عشرة دنانير وألف دينار كل قطعة، وصوان من الذهب ~~المجراة بالميناء وغير المجراة المنقوشة بأنواع النقوش، و17000 غلاف خيار ~~مبطن بالحرير محلاة بالذهب، ونحو مائة كأس بادزهر وأشباهها على أكثر اسم ~~هارون الرشيد. # غير ما وجدوه هناك من الصناديق المملوءة بالسكاكين المذهبة والمفضضة ~~وأنصابها من الجواهر المختلفة، وصناديق مملوءة دوي (جمع دواة) على اختلاف ~~الأشكال من الذهب والفضة والصندل والعود والأبنوس والعاج، محلاة بالجواهر ~~مما يساوي ألف دينار إلى بضعة آلاف كل دواة، وعدة أزيار مملوءة كافورا ~~وعدة جماجم عنبر ونوافج المسك التيبتي وشجرة العود وغيره. # ومما خلفته رشيدة بنت المعز وحفظ هناك ما قيمته 1700000 دينار من جملتها ~~12000 من الثياب المصمت ألوانا و100 قاطرميز مملوءة كافورا قيصوريا ~~ومعممات بجواهر من أيام المعز، وبيت هارون الرشيد الخز الأسود الذي مات فيه ~~بطوس، ومثل ذلك مما تركته عبدة بنت المعز أيضا ويطول شرحه، وخزائن مملوءة ~~بأنواع الصيني تساوي القطعة منها ألف دينار، وحصير من الذهب وزنه عشرة ~~أرطال ms0956 يظن أنه الحصير الذي حملت عليه بوران بنت الحسن بن سهل لما زفت إلى ~~المأمون كما تقدم، وصوان من الذهب كان ملك الروم أهداها إلى العزيز ~~بالله. # ووجدوا أنواعا من الشطرنج والنرد مصنوعة من الجوهر والذهب والفضة أو ~~العاج أو الأبنوس، وعددا كبيرا من الزهريات ونحوها، ومن تماثيل العنبر ~~22000 قطعة أقل تمثال منها وزنه 12 منا، ومن تماثيل الخليفة ما لا يحد، ~~والكلوتة (أي: الطاقية للرأس) المرصعة بالجوهر قيمتها 130000 دينار فيها من ~~الجوهر 17 رطلا، وطاووس من ذهب مرصع بنفيس الجوهر عيناه من ياقوت أحمر ~~وريشه من الزجاج المينا المجرى بالذهب على ألوان ريش الطاووس، وغزال مرصع ~~بنفيس الدر والجوهر بطنه أبيض قد نظم من در رائق، ومائدة من الجزع يقعد ~~عليها جماعة قوائمها مخروطة، ونخلة ذهب مكللة بالجوهر وبديع الدر في أجانة ~~من ذهب تجمع الطلع والبلح والرطب بشكله ولونه وعلى صفته وهيئته من الجواهر ~~قيمتها لا تقدر، وكوز زير بلور مرصع يحمل عشرة أرطال ومزيرة مكللة بحب لؤلؤ ~~نفيس وقس على ذلك عشرات من أمثاله. # الفرش والأثاث عند الفاطميين # ووجدوا في خزائن الفرش من أصناف الأثاث والرياش ما يعد بالألوف، من ذلك ~~100000 قطعة خسرواني أكثرها مذهب، ومراتب خسرواني وقلموني ثمن الواحدة 3500 ~~دينار، وأجلة معمولة للفيلة من الخسرواني الأحمر المذهب، و3000 قطعة ~~خسرواني أحمر مطرز بأبيض من هدبها لم يفصل من كساء البيوت كاملة بجميع ~~آلاتها ومقاطعها، وكل بيت يشتمل على مسانده ومخاده ومساوره ومراتبه وبسطه ~~ومقاطعه وستوره وكل ما يحتاج إليه، ومثل ذلك من المخمل والديباج وسائر ~~أنواع الحرير وعليها أشكال الصور من كل شيء، ونحو ألف من الستور الحرير ~~المنسوجة بالذهب على اختلاف ألوانها وأطوالها، فيها صور الدول وملوكها ~~ومشاهيرها وعلى صورة كل واحد اسمه ومدة أيامه وشرح حاله، و4000 رزمة ~~خسرواني مذهب في كل رزمة فرش مجلس ببسطه وتعاليقه وسائر آلاته منسوجة في ~~خيط واحد، ومن جملتها مقطع من الحرير الأزرق التستري غريب الصنعة منسوج ~~بالذهب وسائر ألوان الحرير كان المعز لدين ms0957 الله أمر بعمله، وفيه صورة ~~أقاليم الأرض وجبالها وبحارها ومدنها وأنهارها ومساكنها شبه الخارطة ~~الجغرافية، وفيه صورة مكة والمدينة ومكتوب على كل مدينة وجبل وبلد ونهر ~~وبحر وطريق اسمه بالذهب والفضة أو الحرير، وقد كتب في آخره «مما أمر بعمله ~~المعز لدين الله شوقا إلى حرم الله وإشهارا لمعالم رسول الله في سنة ~~353ه.» # فاعتبر ما تدل عليه هذه الآثار من رقي المدنية والحضارة، وكم تكون قيمتها ~~لو وجدت الآن وكم يدفع المتمولون من المبالغ في الحصول عليها. # وقس عليه ما كان في سائر الخزائن من التحف، ففي خزانة السلاح سيف الحسين ~~بن علي، ودرقة حمزة بن عبد المطلب، وسيف جعفر الصادق، ومئات الألوف من ~~الدروع والسيوف والقسي والرماح وغيرها، وفي خزانة السروج ألوف من السروج ~~الثمينة ومنها ما يساوي ألف دينار، وفي خزانة الخيم أنواع الفساطيط ~~والمضارب والمسطحات والحصون والقصور، والشراعات والمشارع العمومية من ~~الديبقي والمخمل والخسرواني والديباج المكي والأرمني والبهنساوي ~~والكردواني، وغير ذلك على اختلاف الألوان والنقوش من المفيل والمسبع ~~والمخيل والمطوس والمطير غيرها من أشكال السباع والطيور والآدميين مما ينصب ~~على أعمدة ملبسة بالفضة، ومن هذه الفساطيط ما يبلغ طوله 65 ذراعا كبيرا ~~يحمله مع ملحقاته مائة جمل، وفي خزانة البنود كثير من الرايات والأعلام ~~الساذجة والمطرزة وغيرها. # ومن أدلة الترف والإسراف في هذه الدولة أن السيدة الشريفة ست الملك أخت ~~الحاكم بأمر الله أهدت أخاها هذا هدايا من جملتها ثلاثون فرسا بمراكبها ~~ذهبا، منها مركب واحد مرصع ومركب من حجر البلور وتاج مرصع بنفيس الجوهر ~~وبستان من الفضة مزروع من أنواع الشجر. # وقد يتبادر إلى الذهن أن ما تقدم ذكره لا يخلو من مبالغة أو هو من قبيل ~~الأحاديث الخرافية، ولكن مصر اشتهرت في العصور الإسلامية الوسطى بالثروة ~~مثل شهرة بغداد في إبان حضارتها، واشتهر المصريون بالترف والغنى حين كان ~~الناس يشكون الضيق، # 54 # ولذلك قالوا: «من دخل مصر ولم يستغن فلا أغناه الله.» وقد ~~تواتر ذكر هذه التحف وأمثالها في كتب الثقات وبعضهم شهد الأمر ms0958 بنفسه، ورأى ~~هذه التحف رأي العين ومنهم ابن الأثير المؤرخ الشهير، فقد ذكر في حوادث سنة ~~567ه التي أقام فيها السلطان صلاح الدين الخطبة بمصر للدولة العباسية ~~واستولى على ما كان باقيا في قصور الخلافة من التحف والجواهر بعد ما ~~أصابها من النهب في فتنة المستنصر وغيره؛ قال: «وحمل الجميع إلى صلاح ~~الدين، وكان من كثرته يخرج عن الإحصاء، وفيه من الأعلاق النفيسة والأشياء ~~الغريبة ما تخلو الدنيا من مثله، ومن الجواهر التي لم توجد عند غيرهم، فمنه ~~الحبل الياقوت وزنه سبعة عشر درهما أو 17 مثقالا أنا لا أشك؛ لأني رأيته ~~ووزنته، واللؤلؤ الذي لم يوجد مثله ومنه النصاب الزمرد الذي طوله أربع ~~أصابع في عرض عقد كبير.» # 55 # بذخ الأندلسيين # واقتدى بالعباسيين في الترف والبذخ الأندلسيون، ولكنهم لم يبلغوا مبلغ ~~المصريين فيهما، على أن بعضهم تفنن بذلك على شكل لم يسبقه أحد إلى مثله، ~~فالمنصور بن أبي عامر في أواخر القرن الرابع قدم عليه رسول ملك الروم، وهو ~~أعظم ملوك النصارى في ذلك الزمان، ليطلع على أحوال المسلمين وقوتهم، فأراد ~~المنصور أن يبغته بما يطلعه عليه من عز الدولة وثروة المملكة ، فأمر أن يغرس ~~في بركة عظيمة ذات أميال نيلوفر، ثم أمر بأربعة قناطير من الذهب وأربعة ~~قناطير من الفضة فسبكت قطعا صغارا قدر ما تسع النيلوفرة، وملأ بها جميع ~~النيلوفر وبعث إلى الرسول فحضر عنده قبل الفجر في مجلسه بالزاهرة فأجلسه ~~بحيث يشرف على موضع البركة، فلما قرب طلوع الشمس جاء ألف من الصقالبة عليهم ~~الأقبية والمناطق من الذهب والفضة، وبيد 500 منهم أطباق من ذهب وبيد 500 ~~أطباق من فضة، فتعجب الرسول من جمالهم ولم يدر الغرض من مجيئهم، فحين أشرقت ~~الشمس ظهر النيلوفر في البركة وبادروا لأخذ الذهب والفضة منه، وكانوا ~~يجعلون الذهب في أطباق الفضة والفضة في أطباق الذهب، حتى التقطوا جميع ما ~~فيها وجاءوا به فعرضوه بين يدي المنصور حتى صار كوما، فتعجب الرسول من ذلك ~~وطلب المهادنة. واصطنع المنصور هذا نموذج قصر ms0959 من فضة لصبح أم هشام، وحمله ~~إليها على رءوس الرجال استجلابا لحبها. # 56 # وأغرب منه ما فعله المعتمد الأندلسي لأم أولاده الرميكية الملقبة اعتماد، ~~وقد رأت ذات يوم نساء البادية بإشبيلية يبعن اللبن في القرب وهن رافعات عن ~~سوقهن في الطين فقالت: «يا سيدي أشتهي أن أفعل أنا وجواري مثل هؤلاء ~~النساء.» فأمر المعتمد بالعنبر والمسك والكافور وماء الورد وصير الجميع ~~طينا في القصر، وجعل لها قربا وحبالا من الأبريسم وخرجت هي وجواريها ~~تخوض في ذلك الطين. # 57 # وقس على ذلك سائر ملوك الإسلام في عصر الترف، فقد كان عند سنجر بن ملكشاه ~~1030 رطلا من الجوهر ولم يسمع بمثله عند الملوك، وكانوا يقيسون الإسراف ~~أحيانا بما ينفقونه من الشمع في الأضواء، فذكروا أن وظيفة كل من ابن بقية ~~وعز الدولة ألف رطل من شمع في الشهر، # 58 # واشتهر محمد الأمين بكبر شمعه، ولم يكن ذلك الترف قاصرا على ~~الخلفاء والملوك والأمراء، ولكنه كان يتناول سائر رجال الدولة، ومن يرتزق ~~منهم، وأما العامة فربما كانوا في أشد الضيق، راجع الجزء الثاني من هذا ~~الكتاب. ~~(3-4) التسري # هو اقتناء الجواري للتمتع بهن أو استيلادهن، وقد علمت ما كان من تكاثرهن ~~والاتجار بهن وتربيتهن وتهاديهن في ذلك العصر، ونتكلم هنا عما بعث عليه الترف ~~من تسريهن، وكثيرا ما يعقب التسري التزوج، فإذا ولدت الجارية لأحدهم تزوجها، ~~وكان العرب يكرهون التزوج بالجواري، فمع كثرتهن في صدر الإسلام لم يتزوج ~~الراشدون جارية، # 59 # ولكن المسلمين كانوا يتسرونهن للفراش، فتوفي الإمام علي عن 4 نسوة ~~و17 سرية، # 60 # وكانت تلد الجارية لأحدهم فيبيعها كما يبيع سائر الجواري، فنهى عمر ~~عن بيع أمهات الأولاد، # 61 # وكانت العرب على كل حال تحتقر أبناء الجواري، حتى نبغ منهم ثلاثة ~~من كرام الرجال أمهاتهم من بنات يزدجرد، # 62 # فرغب الناس في التسري. # وليس المسلمون أول من اقتنى السراري، فالتسري كان شائعا عند الرومانيين، ~~والسرية عندهم أحط منزلة من الزوجة، ولكن علاقتها مع الرجل كانت شرعية، وكانوا ~~في أول أمرهم ms0960 كالعرب يكرهون التسري، حتى تقدمهم فيه اثنان من كبار أمرائهم ~~فعكفوا عليه. # 63 # وزادت رغبة المسلمين في التسري في إبان الحضارة، حتى أصبح أكثر أبناء الخلفاء ~~من أولاد الجواري، # 64 # وأكثر نساء أهل الدولة منهن، واقتدى بهم سائر الوجهاء والأغنياء، ~~فعمدوا إلى اقتناء السراري، ومن ولدت له تزوجها أو أعتقها، فبلغ عددهن عند بعض ~~الخلفاء عدة آلاف، ذكروا أنه كان للمتوكل العباسي 4000 جارية وطئهن ~~جميعا، # 65 # وعلم الأمراء برغبته فيهن فتقربوا إليه بالهدايا منهن، فأهداه عبد ~~الله بن طاهر 400 وصيفة، # 66 # وكان لنصر الدولة صاحب ميافارقين 360 سرية على عداد أيام ~~السنة، # 67 # غير ما كانوا يقتنونه من الجواري للغناء، فقد كان عند الرشيد 2000 ~~جارية، # 68 # منهن 300 قينة للغناء والضرب على آلات الطرب. # 69 # وأصبح الاستكثار من الجواري عادة مألوفة، حتى صار النساء يقتنينهن للزينة، ~~فكان عند أم جعفر البرمكي 400 وصيفة يخدمنها، # 70 # وقد رأيت ما اتخذته زبيدة من الجواري المقدودات وكيف ألبستهن ملابس ~~الغلمان فقلدتها الوجيهات من أهل اليسار، فاتخذت الجواري المطمومات أو ~~الغلاميات، ثم تبارى الخلفاء وسائر الكبراء في ذلك، حتى ألف القاهر بالله ~~العباسي جوقا من الجواري بقد واحد ألبسهن القراطق والأقبية والطرر والأقفية ~~والمناطق من الذهب أو الفضة كأنهن الغلمان. # 71 # وقس على ذلك سائر دول المسلمين في المشرق والمغرب، وقد فاق الفاطميون سواهم ~~في الإكثار من الجواري أيضا، فكان في قصر الحاكم بأمر الله 10000 جارية ~~وخادم، # 72 # وكان عند أخته السيدة الشريفة ست الملك 8000 جارية منها 1500 من ~~البنات الأبكار، # 73 # ولما قبض صلاح الدين على قصورهم وجد في القصر الكبير 12000 نسمة ~~ليس فيها فحل إلا الخليفة وأهله وأولاده، غير الخدم والغلمان والأمتعة والتحف، ~~وأطلق صلاح الدين البيع فيهم فاستمروا يبيعون عشر سنين، # 74 # ويقال نحو ذلك في السلاطين المماليك بمصر وبني أمية في الأندلس مما ~~يطول شرحه، ولا يزال مثاله عند بعض أمراء الشرق وملوكه إلى اليوم (قبل الحرب ~~العالمية الأولى). # أثمان الجواري # والاستكثار من الجواري ms0961 في أوائل الإسلام لم يكن يحتاج إلى نفقة كبيرة ~~لكثرة السبايا، فلما نضج التمدن صاروا يبتاعونهن ويغالون في رفع أثمانهن، ~~وكانت أسعارهن تتضاعف إذا جمعن بين الجمال ورخامة الصوت وصناعة الغناء، ~~ويختلف ثمن الجارية من بضع مئات إلى بضعة آلاف أو مائة ألف دينار، وأول من ~~بذل في هذا السبيل إلى هذا المقدار سعيد أخو سليمان بن عبد الملك، فابتاع ~~«الذلفاء» الجارية الشهيرة بمليون درهم، # 75 ~~(نحو 70000 دينار). # وابتاع الرشيد جارية بمائة ألف دينار، # 76 # وجارية أخرى اشتراها من إبراهيم الموصلي بمبلغ 36000 دينار ~~فباتت عنده ليلة ثم أرسلها إلى الفضل وطلب محمد الأمين إلى جعفر بن الهادي ~~أن يبيعه جارية له اسمها «بذل» فأبى، فأمر فأوقروا قاربه ذهبا فبلغت قيمة ~~ذلك 20000000 درهم، # 77 # أي أكثر من مليون دينار، وهذا إذا صح كان أعظم ما بلغ إليه ~~بذلهم في أثمان الجواري. # وأما ما خلا ذلك فقد اشترى يزيد بن عبد الملك الأموي «سلامة» المغنية ~~بعشرين ألف دينار، وبيعت الجارية «ضياء» بخمسين ألف دينار، واشترى جعفر ~~البرمكي جارية بأربعين ألف دينار، وابتاع الواثق بالله جارية مولدة للغناء ~~اسمها «الصالحية» بعشرة آلاف دينار، وقس عليه ما دون ذلك وما فوقه، واعتبر ~~مقدار ما كانوا ينفقونه من الأموال في اقتنائهن. ~~(3-5) السخاء # علمت مما تقدم انطباع العرب على السخاء من أيام جاهليتهم، وأنهم اضطروا ~~للمحافظة عليه بعد الإسلام حتى أصبح من قواعد الارتزاق فيمن يحومون حول الخليفة ~~وأهل الدولة، فلما توفرت الأموال في أيدي هؤلاء وتمتعوا بالحاجات والكماليات من ~~الملاذ الجسدية تطلبوا الملاذ المعنوية بحسن الأحدوثة، وهم أهل أريحية ~~يستفزهم الإطراء والاستنجاد، فوجدوا في السخاء بابا واسعا لتلك الملاذ، ~~فبذلوا الأموال على الشعراء والندماء والمغنين والمستجدين من سائر الطبقات، لما ~~في ذلك من لذة الفخر أو توقع الأجر. # مبلغ السخاء على العموم # وقد ذكرنا في كلامنا عن الارتزاق بالسخاء ما الذي بعث على بقاء هذه ~~المنقبة الجاهلية حتى صارت سنة مرعية، وتدرج المسلمون فيها بتدرجهم في ~~الحضارة والمدنية، وزادت جوائزهم بزيادة ms0962 الثروة واتساع الأرزاق، فكان ~~الأمويون يعطون بالألف درهم أو بضعة آلاف يلحقونها ببعض الماشية أو الكسوة ~~أو الخيل، وإذا توسموا في العطاء مصلحة جعلوا الصلة عشرة آلاف أو عشرات ~~الألوف أو مائة ألف أو مئات الألوف، كما فعل معاوية في استرضاء الناس ~~واكتساب بني هاشم إلى حزبه، فإنه جعل صلات أبناء الصحابة ملايين يبذلها ~~رواتب كل عام، وهو أول من فعل ذلك من المسلمين، غير ما كان يصلهم به من ~~الهدايا لسبب أو لغير سبب، كما فعل لما ولد لعبد الله بن جعفر غلام فبذل ~~له 100000 درهم على أن يسميه معاوية فرضي، ولكنه أعطى تلك الصلة للذي بشره ~~بالغلام. # 78 # واقتدى بمعاوية من خلفه من الأمويين وأمرائهم، واشتهر من هؤلاء آل المهلب ~~بالسخاء في الدولة الأموية، كما اشتهر البرامكة في الدولة ~~العباسية، # 79 # ومن أسخياء عمالهم خالد القسري والحجاج بن يوسف إذا مست الحاجة ~~إلى السخاء، فالحجاج أعطى للذي توسط في زواجه بهند بنت أسماء ثلاثين غلاما ~~مع كل غلام عشرة آلاف درهم، وثلاثين جارية مع كل جارية تخت من ثياب وغير ~~ذلك، # 80 # وكان سعيد بن العاص لا يرسل إلى أحد هدية مع عبد إلا كان العبد ~~في جملتها. # 81 # أما العباسيون فكانت الثروة في أيامهم أوفر، فبلغت عطياتهم عشرات ~~الملايين من الدراهم، وأول من أعطى هذا القدر منهم المنصور، # 82 # ثم صاروا يهبون الضياع وخراج البلاد، أو يوقرون الزوارق ذهبا ~~أو فضة، أو يهدون الغلمان يحملون بدر المال ، أو يرسلون الجائزة على مئات من ~~الدواب، أو يولون الولايات والأعمال، وتزداد جوائزهم إذا استخفهم الطرب أو ~~استفزهم الإطراء، فقد ولى السفاح رجلا الأهواز بقصيدة، # 83 # والغالب أن يكون سخاؤهم لغرض سياسي يعود نفعه على الدولة، كما ~~فعل المنصور إذ أعطى في يوم واحد عشرة ملايين درهم فرقها في أعمامه ووجوه ~~قواده ليقطع ألسنتهم عن مقاومته، ولما تولى ابنه المهدي استكتب أسماء أولاد ~~المهاجرين والأنصار وجلس مجلسا عاما فرق فيه 3000000 درهم، وقرر لكل ~~واحد من أهل بيته 6000 ms0963 درهم كل سنة، # 84 # وأعطى المغيرة بن حبيب ألف فريضة يضعها حيث شاء، # 85 # وفرق الرشيد في يوم واحد 1350000 دينار، # 86 # وطرب يوما فنثر على الناس 6000000 درهم، # 87 # وأعطى الهادي لعبد الملك بن مالك صاحب شرطة أبيه مالا أرسله ~~إليه على 400 بغل موقرة دراهم، # 88 # وأعطى الأمين إلى سليمان بن أبي جعفر مليون درهم، # 89 # واختص الأمين من أساليب السخاء بأنه كان يأمر بإيقار زورق ~~الطالب ذهبا أو فضة، وكان قصره على شاطئ دجلة، فإذا جاءه شاعر أو طالب في ~~زورق وأخذته الأريحية واستخفه الطرب قال: «أوقروا زورق هذا ذهبا أو فضة.» ~~وقلما كانوا يفعلون ذلك، والغالب أن يعوضوا عنه بمبلغ من المال كما فعلوا ~~بأبي محمد التيمي، فإنه مدح الأمين بقصيدة أطربته فأمر الفضل بن الربيع، أن ~~يوقر زورقه مالا فقال: «نعم يا سيدي.» فلما طالبه التيمي بذلك قال له ~~الفضل «أنت مجنون! من أين لنا ما يملأ زورقك؟» ثم صالحه على 100000 ~~درهم، # 90 # وأجاز المأمون طبيبه بمليون درهم وألف كر حنطة، # 91 # وفرق المأمون في ساعة 26000000 درهم، ومدحه أعرابي فأجازه ~~بثلاثين ألف دينار، # 92 # وكان المتوكل يهب القطائع جوائز على المدح، # 93 # وقس على ذلك هدايا سائر الخلفاء، وإنما ذكرنا أعظمها لبيان ~~مبلغ ذلك في إبان التمدن. # فلما افتقر الخلفاء العباسيون في أواسط الدولة صاروا يهبون الرتب الاسمية ~~وألقاب الشرف يسترضون الناس بها، وهذه أبيات يقولون: إن أبا بكر الخوارزمي ~~نظمها بهذا المعنى: # ما لي رأيت بني العباس قد فتحوا # من الكنى ومن الألقاب أبوابا # ولقبوا رجلا لو عاش أولهم # ما كان يرضى به للحبس بوابا # قل الدراهم في كفي خليفتنا # هذا فأنفق في الأقوام ألقابا # سخاء البرامكة # على أن العصر العباسي الأول إنما زها بالبرامكة، وهم الذين رغبوا الخلفاء ~~في السخاء، وأولهم خالد بن برمك وزير المنصور، والثروة لم تنضج في أيامه، ~~ومع ذلك فالوافدون على الخلفاء للاستجداء كانوا يسمونهم السؤال، فقال خالد: ~~«هذا والله اسم أستقله لطلاب الخير، وأرفع قدر الكريم ms0964 عن أن يسمي به أمثال ~~هؤلاء المؤملين؛ لأن فيهم الأشراف والأحرار وأبناء النعيم، ومن لعله خير ~~ممن يقصد وأفضل أدبا، ولكننا نسميهم الزوار.» وكان ممن شهد مجلسه وسمع ~~قوله بشار بن برد فقال: # حذا خالد في فعله حذو برمك # فمجد له مستطرف وأصيل # وكان ذوو الآمال يدعون قبله # بلفظ على الإعدام فيه دليل # يسمون ب «السؤال» في كل موطن # وإن كان فيهم نابه وجليل # فسماهم «الزوار» سترا عليهم # فأستاره في المهتدين سدول # فأعطاه خالد عن كل بيت ألف درهم. # 94 # وكان ابنه يحيى بن خالد إذا ركب أعطى كل من تعرض له 200 درهم، # 95 # ويروون من أخبار سخائه ما هو أشبه بالخرافات منه بالحقائق، ~~نذكر حادثة تواتر ذكرها في كتب التاريخ والأدب، وهي تمثل سخاء يحيى أحسن ~~تمثيل، وذلك أن البرامكة لما نكبوا منع الرشيد الناس من ذكرهم أو رثائهم، ~~فمن ذكرهم إنما يذكرهم سرا، وظلوا على ذلك في أيام الأمين والمأمون، فسمع ~~المأمون بشيخ يأتي خرابات البرامكة ويبكي وينتحب طويلا ثم ينشد شعرا ~~يرثهم به وينصرف، فبعث في طلبه، فلما حضر انتهره الخليفة وسأله: من هو؟ وبم ~~استحق البرامكة منه ما يصنع؟ فقال الرجل وهو غير هائب: «للبرامكة عندي أياد ~~خضر، فإن أمر أمير المؤمنين حدثته ببعضها.» فقال: «هات.» فقال: «أنا المنذر ~~بن المغيرة الدمشقي، نشأت في نعمة فزالت حتى وصلت إلى بيع داري وأملقت إلى ~~غاية، فأشير علي بقصد البرامكة فخرجت إلى بغداد ومعي نيف وعشرون امرأة ~~وصبيا، فدخلت بهم إلى مسجد ببغداد ثم خرجت، وتركتهم جياعا لا نفقة لهم، ~~فمررت بمسجد فيه جماعة عليهم أحسن زي، فجلست معهم أردد في صدري ما أخاطبهم ~~به فتحيد نفسي عن ذل المسألة، وإذا خادم قد أزعج القوم فقاموا فقمت معهم، ~~ودخلوا دارا كبيرة فدخلت، فإذا يحيى بن خالد على دكة وسط بستان فجلسوا ~~وجلست، وكنا مائة رجل ورجل فخرج مائة خادم في يد كل خادم منهم مجمرة ذهب ~~فيها قطعة عنبر، فتبخروا وأقبل يحيى على القاضي وقال: زوج ابن ms0965 عمي هذا ~~بابنتي عائشة، فخطب وعقد النكاح وأخذنا النثار من فتات المسك وبنادق العنبر ~~وتماثيل الند، فالتقط الناس والتقطت، ثم جاءنا الخدم في يد كل واحد منهم ~~صينية فضة فيها ألف دينار مخلوطة بالمسك، فوضع بين يدي كل واحد واحدة، ~~فأقبل كل واحد يأخذ الدنانير في كمه والصينية تحت إبطه ويخرج، فبقيت وحدي ~~لا أجسر أفعل ذلك، فغمزني بعض الخدم وقال: خذها وقم، فأخذتها وقمت وجعلت ~~أمشي والتفت خوفا من أن تؤخذ مني، ويحيى يلاحظني من حيث لا أفطن، فلما ~~قاربت الستر رددت، فيئست من الصينية، فجئته فأمرني بالجلوس فجلست، فسألني ~~عن حالي فحدثته عن قصتي فبكى ثم قال: علي بموسى، فجاءه، فقال: يا بني، ~~هذا رجل من أولاد النعم قد رمته الأيام بصرفها، فخذه إليك فاخلطه بنفسك، ~~فأخذني وخلع علي وأمرني بحفظ الصينية لي، فكنت في ألذ عيش يومي وليلتي، ~~ثم استدعى أخاه العباس وقال: إن الوزير قد سلم إلي هذا وأريد الركوب إلى ~~دار أمير المؤمنين فليكن عندك اليوم، فكان يومي مثل أمس، فأقبلوا ~~يتداولونني وأنا قلق بأمر عيالي ولا أتجاسر أن أذكرهم، فلما كان في اليوم ~~العاشر أدخلت على الفضل بن يحيى فأقمت عنده يومي وليلتي، فلما أصبحت جاءني ~~خادم فقال: قم إلى عيالك وصبيانك، فقلت: إنا لله، ذهبت الصينية وما فيها، ~~فليت هذا كان من أول يوم! وقمت والخادم يمشي بين يدي، فأخرجني من الدار ~~فازداد ما بي، ثم أدخلني إلى دار كأن الشمس تطلع في جوانبها، وفيها من صنوف ~~الآلات والفرش، فلما توسطتها رأيت عيالي يرتعون في الديباج والستور، وقد ~~حمل إليهم مائة ألف درهم وعشرة آلاف دينار، وسلم إلي الخادم صكا باسم ~~ضيعتين جليلتين، وقال: هذه الدار وما فيها والضياع لك، فأقمت مع البرامكة ~~في أخفض عيش إلى الآن، ثم قصدني عمرو بن مسعدة في الضيعتين وألزمني من ~~خراجهما ما لا يفي به دخلهما، فكلما لحقتني نائبة قصدت دورهم ~~فبكيت.» # فاستدعى المأمون عمرو بن مسعدة وأمره أن يرد على الرجل ما استخرج منه، ~~ويقرر ms0966 خراجه على ما كان في أيام البرامكة، فبكى الشيخ بكاء شديدا، فقال له ~~المأمون: «ألم أستأنف بك جميلا؟» فقال: «بلى، ولكن هذا من بركة البرامكة!» ~~فقال: «امض مصاحبا، فإن الوفاء مبارك وحسن العهد من الإيمان.» # 96 # وعلى ذلك شب جعفر والفضل ابنا يحيى وسائر البرامكة، وتوسعوا في السخاء ~~حتى عينوا الرواتب لأهل الحاجات، فقد ذكرنا فيما تقدم أن غلتهم بلغت ~~20000000 دينار في السنة، فلما قتل جعفر وقبضت أموالهم وجدوا 12000000 ~~دينار في بدر مختومة وعليها صكوك لأناس على سبيل الرواتب أو الصلات أو نحو ~~ذلك، # 97 # ومن فنون سخائهم أن الفضل بن يحيى كان يكتب رقاعا بخطه فحواها ~~«امض إلى فلان الصيرفي وخذ منه كذا وكذا دينارا.» حسبما يجريه الله على ~~يده، ويركب في الليل أو في القائلة ويخترق شوارع البلد وينثرها فيها، وسئل ~~عن ذلك فقال: «أردت أن يصل بري إلى من لا يصل إلي ولا أعرفه ولا يعرفني.» ~~فإذا وجد أحد رقعة من هذه الرقاع مضى بها إلى الصيرفي فيأخذها منه ويعطيه ~~ما فيها، وعند الصيرفي أمين جالس لئلا يصالحه على بعضها، ولا يعطي لأحد غير ~~رقعة واحدة ولا يسأل عنه ولا يثبت اسمه، وربما جاءت بيد الصبي والمرأة ~~والذمي فيأخذ ما فيها. # 98 # واشتهر من وزراء الدولة العباسية بالسخاء بعد البرامكة آل الفرات في أيام ~~المقتدر، فكانوا يفرضون الرواتب للعلماء والأدباء والفقهاء وأهل الفاقة، ~~وقد نكبوا كما نكب البرامكة، ولكن شهرة البرامكة غلبت على سواهم، فأصبحوا ~~مضرب الأمثال في الكرم، ولا يزال الناس يتداولون أخبارهم ويتمثلون بسخائهم ~~ويستحثون أريحية العظماء على السخاء بما يروون من أحاديثهم، حتى ظنها بعضهم ~~موضوعة لهذه الغاية، ولا يبعد أن تكون رغبة الناس في الاستحثاث بعثت على ~~المبالغة في بعضها، ولكنها صحيحة على إجمالها؛ قال السلطان العادل الأيوبي ~~مرة وقد جرى ذكر البرامكة وأمثالهم من الكرماء: «هذا كذب مختلق من الوراقين ~~ومن المؤرخين، يقصدون بذلك أن يحركوا همم الملوك والأكابر للسخاء وتبذير ~~الأموال.» # فقال بعض الحضور: «يا خوند، ولأي شيء يكذبون ms0967 عليك؟» # 99 # السخاء على الشعراء والمغنين # واعتبر ذلك في سخائهم على الشعراء، فقد كانت إجازة الشعراء قاعدة عامة من ~~أوائل الإسلام لأسباب تقدم ذكرها، ويشبه ذلك ما تنفقه بعض الدول اليوم على ~~الصحافة لتنصرها أو تأخذ بيدها في نشر مبدأ أو رأي. # وتعودوا أن يسموا ما يعطى للشاعر جائزة أو صلة، كما يسمون ما يعطى ~~للصحف إعانة أو راتبا، على أن بعض الخلفاء كانوا يفرضون للشعراء رواتب ~~يتناولونها مشاهرة أو مسانهة، وربما عدوا الجائزة راتبا يناله الشاعر إذا ~~وفد على الخليفة أو الأمير في يوم معين من السنة، وقد تكلمنا عن الشعر ~~وسائر أحواله فيما تقدم، ونحن ذاكرون سخاء الخلفاء على الشعراء في إبان ~~الحضارة. # أول من جاد على الشعراء في الإسلام بنو أمية، وأسخاهم الوليد بن يزيد، ~~وهو أول من عد أبيات الشعر وأعطى على كل بيت ألف درهم، # 100 # واقتدى به من جاء بعده منهم، أما العباسيون فزادوا القيمة ~~وأعطوا على القصيدة في مدحهم 100000 درهم، وأول من نال هذه الصلة منهم ~~مروان بن أبي حفصة وصله بها المهدي على قصيدة مدحه بها مطلعها: ~~«طرقتك زائرة فحي خيالها» # 101 # ومدحه سلم الخاسر بقصيدة مطلعها: ~~«حضر الرحيل وشدت الأحداج» # فأراد أن ينقص له من جائزة مروان فحلف أنه لا يأخذ إلا مائة ألف ألف ~~درهم، ويقال: إنه أعطاه إياها # 102 # والغالب أنه أعطاه مائة ألف فقط، وإنما أضيفت الألف الأخرى خطأ ~~من النساخ. # وكان المنصور قبله بخيلا على الشعراء، إذا أحب أن يعطي شاعره أبا دلامة ~~فرض على الهاشميين دينارين ليعطيها له. # 103 # أما الرشيد فأعطى مروان كما كان يعطيه المهدي، أي مائة ألف درهم # 104 # وأعطاه مرة 5000 درهم وعشرة من الرقيق، وكان يعطي أبا العتاهية ~~راتبا سنويا مقداره 50000 درهم غير الجوائز والمعاون، # 105 # وفاقهم المتوكل في ذلك؛ لأنه أعطى حسين بن الضحاك ألف دينار عن ~~كل بيت من قصيدة قالها، وهو أول من أعطى ذلك، # 106 # وكان المعتصم إذا أعجبه قول الشاعر ملأ فمه جوهرا، وقد ms0968 سبقه ~~إلى ذلك يزيد بن عبد الملك. # 107 # وتشبه الوزراء والأمراء بالخلفاء، فكان خالد القسري يجلس للشعراء في مقام ~~معين ويجيزهم، وكذلك آل المهلب فإنهم فرضوا لهم الأعطية والجوائز. # 108 # أما في الدولة العباسية فالبرامكة لم يدخروا وسعا في إجازة الشعراء، ~~خصوصا الفضل بن يحيى، وقد قال فيه بعضهم: # ما لقينا من جود فضل بن يحيى # ترك الناس كلهم شعراء # 109 # وكان أبوه يحيى إذا لقيه شاعر ولم يكن معه مال أعطاه دابته، # 110 # وقد فاق البرامكة الخلفاء في إجازة الشعراء، فنال شاعرهم أبان ~~اللاحقي على قصيدة واحدة ما ناله مروان بن أبي حفصة من الرشيد كل ~~عمره، # 111 # وقس على ذلك سخاء سائر الوزراء والأمراء، فإن يزيد بن مزيد ~~أعطى نصف ماله لشاعر. # 112 # ويقال نحو ذلك في سخائهم على المغنين، فقد أعطى المهدي دحمان المغني في ~~ليلة واحدة 50000 دينار؛ لأنه أطربه، وأعطى الأمين إسحاق الموصلي 1000000 ~~درهم؛ لأنه غناه شعرا في مدحه، فحملها إلى داره مائة فراش، # 113 # وكان الهادي يجري على إبراهيم الموصلي عشرة آلاف درهم في الشهر ~~سوى صلاته، أما الرشيد فكان إذا طرب وهب وجاد حتى ولى إسماعيل بن صالح مصر؛ ~~لأنه أطربه بغنائه، # 114 # وأخبار الشعراء والمغنين كثيرة لا محل لها. # واقتدى بسخاء العباسيين ورجال دولتهم سائر رجال الدولة الإسلامية، وإن لم ~~يبلغوا شأوهم. ~~(3-6) المسكر # كان المسكر شائعا قبل الإسلام في الشام والعراق وفارس ومصر وجزيرة العرب ~~وغيرها، وكان ملوك الفرس يقبلون على اللذات والمسكرات، ويقال: إن الرومانيين لم ~~يتعودوا المسكر إلا بعد فتحهم آسيا، على أن عقلاء الناس كانوا يحرمون شربه حتى ~~في جاهلية العرب، فإن جماعة منهم حرموه على أنفسهم وأهلهم، وإذا عربد أحدهم ~~بالسكر وتكرر ذلك منه خلعه قومه ونفوه، فلما جاء الإسلام ورد النص بتحريمه، ~~وأقيمت الحدود في منعه؛ الجلد والحبس وحلق الرأس أو اللحية والشوارب أو قطع ~~العطاء، وعاقبوا بائعيه وكسروا أوانيه ولا سيما في عصر الراشدين وأوائل أيام ~~بني أمية، حتى عنف عمر بن الخطاب خالد ms0969 بن الوليد على تدلكه في الحمام بغسل فيه ~~خمر، وقال له: «إن الله حرم ظاهر الخمر وباطنها ومسها فلا تمسوها بأجسادكم.» ~~ومع ذلك فاختلاط المسلمين بأهل البلاد المفتوحة عودهم إياها، حتى شرب جماعة من ~~الصحابة وأبنائهم فوقعوا تحت طائلة العقاب، وأول من عوقب على شربها وحشي بن حرب ~~قاتل حمزة، # 115 # ثم عوقب غير واحد منهم ومن أبنائهم، وفيهم جماعة من الكبراء ~~كالوليد بن عقبة، ويزيد بن معاوية، وعبيد الله بن عمر بن الخطاب وأخويه عبد ~~الرحمن وعاصم، والعباس بن عبد الله بن عباس، وقدامة بن مظعون، وعبد العزيز بن ~~مروان، وعبد الرحمن بن عبد الله الثقفي القاضي، وأبي محجن الثقفي ~~وغيرهم. # 116 # ومما ساعد على إقبال نفر من المسلمين على الخمر أن بعض الخلفاء الأمويين ~~كانوا يشربونها، كيزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان، ويزيد بن عبد الملك ~~والوليد بن يزيد، # 117 # والوليد هذا أول من وصف الخمر وتغزل بها فسرق الشعراء معانيه ~~وأدخلوها في أشعارهم، وتهتك الوليد في المسكر حتى حدثته نفسه أن يسكر فوق ~~الكعبة، فخوفه أصحابه من الناس فأمسك، وقد أفسده وعلمه الخلاعة مؤدبه عبد الصمد ~~بن عبد الأعلى، # 118 # على أن رجال الحكومة كانوا يشددون في منع الخمر والحد عليها، حتى ~~كثيرا ما كانوا يمنعون بيع العسل لئلا يصنعوها منه، # 119 # وأشهر من شدد في منعها من الخلفاء عمر بن عبد العزيز الأموي ~~والمهتدي العباسي، ومع ذلك فقد كانت تزداد انتشارا، باتساع أسباب الحضارة ~~وذهاب دهشة الدين واشتغال الناس بالغناء والجواري، حتى صاروا يشربونها جهارا، ~~واشتهر بشربها غير واحد من الخلفاء وأهلهم ورجال الدولة مع التهتك في مجالس ~~الشرب، فعمد بعض المتملقين من الفقهاء ورجال الدين إلى انتحال المسوغات لشربها، ~~فأخذوا يبحثون في الفرق بين أنواعها وميزوا بين المحلل والمحرم منها، فأجمعوا ~~على تحريم الخمر واختلفوا في تحريم النبيذ ، وفي أي أنواعه حلال وأيها حرام، ~~ويقال بالإجمال: إن أهل العراق كانوا يستحلون النبيذ وأهل الحجاز ~~يحرمونه. # 120 # والنبيذ يصنع من أكثر أنواع الفاكهة ولا سيما ms0970 العنب والتمر والتفاح والمشمش ~~ومن الذرة، ويختلف باختلاف البلاد وباختلاف طرق عمله وهو عصير بعض هذه الأثمار ~~أو منقوعها كما ينقع الزبيب اليوم (الخشاف). # وقد يضيفون إليه العسل أو الدبس أو يصنعونه من أحدهما مع الحب على ~~النار، # 121 # وكانوا إذا أقبلوا على شربه صفوه وتناولوه بالأقداح الكبيرة، وربما ~~صنعوا الخمر منه، وإذا صفي في القناني صعب تمييزه من الخمر أو منقوع الزبيب أو ~~مذاب العسل، # 122 # فمن أحب الشرب استحل تناوله على أنه نبيذ، فإذا أكثر من شربه فعل ~~فعل الخمر، وبعضهم كان يحلل قليل الخمر ويحرم كثيرها، وآخرون يحللون شرب الخمر ~~إلا إذا أدت إلى السكر، # 123 # ولكن الأكثرين حكموا بتحريمها، ولهم في ذلك أقوال يطول شرحها تراها ~~مبسوطة في كتب الشرع. # فالخلفاء العقلاء الذين بلغنا أنهم سكروا في بعض مجالسهم كانوا يستحلون شرب ~~النبيذ، وهو حلو منعش فيكثرون منه حتى يسكروا، ويؤيد ذلك أنهم كانوا يشربونه ~~بالأرطال، وإذا طال مكث النبيذ قبل شربه دب فيه الاختمار وتولد الكحول ولو ~~قليلا، وقد يطول مجلس الشراب فيسكر الشاربون ويعربدون، وربما أتوا في سكرهم ~~بما لا يأتيه غير المجانين، وأفظع ما يروى من هذا القبيل أن الملك الناصر ابن ~~الملك المعظم الأيوبي كان إذا سكر يقول: «أشتهي أن أرى غلامي فلانا طائرا في ~~الهواء!» فيرمى ذلك المسكين بالمنجنيق، ويراه في الهواء فيضحك ويشرب ويقول: ~~«أشتهي أن أشم رائحة فلان وهو يشوى!» فيحضر ذلك الرجل ويقطع لحمه ~~ويشوى، # 124 # وكتب التاريخ والأدب مشحونة بأخبار مجالس الشراب، وهي في الغالب ~~مجالس الغناء، ويندر أن يترفع خليفة أو وزير عنها، ومن أكثر العباسيين رغبة ~~فيها الهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، وأكثرهم ~~نفورا منها المنصور والمهتدي. واشتهر من الفاطميين بالتهتك بها ~~المستنصر # 125 # واشتهر بمقاومتها الحاكم بأمر الله، وكثيرا ما أمر بإراقة الخمور ~~وإراقة العسل حتى لا تصنع منه. # أما العامة فانغمس الكثيرون منهم في المسكر وشربوه على أنواعه، شأنهم في كل ~~زمان وإن لم يشربه حكامهم، فكيف إذا كانوا يشربون؟ والغالب ms0971 في شاربي النبيذ أن ~~ينبذوه في بيوتهم، وبعضهم يشربه عند إخوانه، وآخرون يتناولونه في الحانات وكانت ~~كثيرة، وأكثر أصحابها من اليهود، وقد يشربون الخمر في الأديار وخمرها مشهورة ~~بجودتها. ~~(3-7) التهتك # وطبيعي فيما قدمناه من الحضارة والترف أن يعتورها شيء من التهتك والفحشاء، ~~وإن كان ذلك لا يخلو منه قوم مهما بلغ من بعدهم عن الحضارة، ولكنه يكثر غالبا ~~في المتحضرين، لسكون خواطرهم وتوفر أسباب الرغد والتنعم عندهم، كان في جاهلية ~~العرب جماعة من البغايا لهن رايات ينتحيها الفتيان، وكان بعض الناس يكرهون ~~إماءهم على البغاء يبتغون عرض الدنيا، # 126 # ولكن ذلك شأن الحضر منهم؛ لأن البدو أقرب إلى صحة الآداب، فاعتبر ~~كم تكون أسباب التهتك أوفر في المدن الكبرى، حيث تتزاحم الأقدام وتتوفر الثروة ~~وتكثر الجواري ويتفشى الغناء والمسكر، كما كان شأن بغداد وقرطبة والقاهرة ~~والفسطاط في إبان ذلك التمدن، فلا غرو إذا تفشت الفحشاء فيها ولا سيما في ~~العصور الوسطى، حتى صار البغاء في بعض الأحيان صناعة عليها رئيس يحتكم إليه ~~البغاءون عند الحاجة، # 127 # وتفننوا في ترويج تلك البضاعة بتصوير النساء على جدران ~~الحمامات، # 128 # وأصبح أهل القصف من الأغنياء يصورون حظاياهم على جدران منازلهم كما ~~فعل ابن طولون، وكان الحكام العقلاء يبذلون جهدهم في منع الفحشاء ويقاومون ~~تيارها بما في إمكانهم، # 129 # ولما عجزوا عن كف أذاها بالقوة ضرب بعضهم عليها ضرائب يدفعها ~~أصحابها مثل سائر التجارات. # 130 # وأقبح ما ظهر من التهتك في أثناء هذا التمدن مغازلة الغلمان وتسريهم، وظهر ~~ذلك على الخصوص في أيام الأمين، وتكاثر بتكاثر غلمان الترك والروم من أيام ~~المعتصم وفيهم الأرقاء بالأسر أو بالشراء، وتسابق الناس إلى اقتنائهم كما ~~تسابقوا إلى اقتناء الجواري وغالوا في تزيينهم وتطييبهم، وكانوا يخصونهم ~~ليأمنوا تعديهم على نسائهم وجواريهم، وفشا حب الغلمان في أهل الدولة بمصر وتغزل ~~بهم الشعراء، # 131 # حتى غارت النساء من ذلك فعمدن إلى التشبه بالغلمان في اللباس ~~والقيافة ليستملن قلوب الرجال. # 132 # وكثرة الجواري في بعض القصور جرتهن إلى التفنن في ms0972 أساليب الفحشاء، وربما ~~اتخذت كل جارية خصيا لنفسها كالزوج، كما فعلت جواري خمارويه صاحب ~~مصر، # 133 # حتى النساء الشريفات فإن قعودهن عن الزواج لعدم وجود الأكفاء أو ~~لأسباب أخرى كان يجرهن إلى مثل ذلك فتكاثر الفساد فيهن لقلة التزويج، # 134 # ذكروا أن ابنة الإخشيد صاحب مصر اشترت جارية لتتمتع بها، وبلغ ~~المعز لدين الله الفاطمي ذلك - وكان لا يزال في الغرب يتحفز للوثوب على مصر ~~ويخاف الفشل - فلما بلغه ما فعلته ابنة الإخشيد استبشر وقال: «هذا دليل ~~السقوط.» وجند على مصر وفتحها، والعفاف سياج العمران. # | هوامش # | أبهة الدولة # الأبهة «العظمة والبهجة والكبر والنخوة»، ونريد بها مظاهر الدولة في أبهج أحوالها ~~وأفخم أطوالها، والبحث فيها يتناول النظر في مجالس الخلفاء ومواكبهم وضخامة دولتهم ~~وألعابهم وملاهيهم وملابسهم، وغير ذلك مما سنفصله، ولما كانت الدولة العباسية أسبق ~~الدول الإسلامية إلى تلك المظاهر وقدوتها فيها، رأينا أن نحصر كلامنا عن الأبهة في ~~العصر العباسي، مع ما يقتضيه المقام من الاستشهاد بما عند الدول الأخرى فنقول: ~~(1) مجالس الخلفاء # يختلف مجلس الخليفة شكلا وأبهة باختلاف الدول، وفي الدولة الواحدة باختلاف ~~أطوارها، وفي كل طور باختلاف المراد منها، فكانت مجالس الراشدين في المسجد أو ~~المنزل، يقعدون على حصير أو جلد يلتفون بعباءة أو نحوها، فيدخل عليهم الناس في ~~حوائجهم ويخاطبونهم بأسمائهم، لا يستنكفون من ذلك ولا يرون فيه ضعة، وإذا خرج أحد ~~قوادهم للفتح مشى الخليفة لوداعه بلا حرس ولا بنود ولا طبول، وأوصاه بالتؤدة والصبر ~~مع الرفق والعدل، وكان عمالهم في الأمصار على نحو ذلك، على أن العمال - نظرا ~~لإقامتهم في مدن عمرها الفرس أو الروم مع ما رأوه من أحوال تينك الدولتين - كانوا ~~أقرب إلى مظاهر الأبهة، وكان الخلفاء إذا علموا بذلك أنبوهم كما فعل عمر لما علم أن ~~سعد بن أبي وقاص أمير الكوفة اتخذ قصرا وجعل عليه بابا، فأرسل إليه رجلا من ~~خاصته وأمره أن يحرق الباب عليه ففعل. # ثم إن طبيعة العمران غلبت على تلك السذاجة، فتدرج الخلفاء والأمراء في مظاهر ~~الأبهة ms0973 واتخاذ الحجاب؛ بدأ بذلك معاوية بن أبي سفيان، وأعانه عليه أمراؤه في العراق ~~ومصر، وعملوا مثل عمله وأشاروا عليه بضروب من الفخامة كان عليها ملوك تلك البلاد ~~قبلهم، واقتدى بهم سائر خلفاء بني أمية، وزاد العباسيون أسباب الأبهة بمن قربوهم من ~~الفرس، فأدخلوا في الدولة كثيرا مما كان عليه الأكاسرة في مجالسهم وسائر أحوالهم، ~~فتعددت تلك المجالس وأصبحوا يجلسون مجلسا للحكم وآخر للمنادمة أو للمناظرة أو ~~للمذاكرة أو غيرها، ويختلف المجلس باختلاف ذلك فخامة وترتيبا. # على أن مؤسسي الدول قلما كانوا يجلسون لغير العمل والنظر في شئون الدولة، فمعاوية ~~بن أبي سفيان، # 1 # وأبو جعفر المنصور، # 2 # كانا يوزعان ساعات النهار على ما لديهما من الأعمال من إدارة وسياسة ~~ومفاوضة ومطالعة، أما في أواسط الدولة فتعددت المجالس، والمراد هنا بالأكثر المجلس ~~الذي كانوا يجلسونه للنظر في مصالح الدولة. ~~(1-1) شكل المجلس وفرشه # قلنا إن الراشدين وعمالهم كانوا يجلسون في المساجد؛ لأن الإسلام كان لا يزال ~~غضا، فلما جعله الأمويون دولة جلسوا في قصور كانت للدولة السابقة أو بنوا ~~قصورا لأنفسهم نصبوا بها الأسرة والكراسي، وافترشوا الطنافس والمصليات ~~والوسائد وعلقوا الستور وأقاموا الحجاب، فالأسرة أول من اتخذها معاوية، قلد ~~بها بطارقة الروم في الشام وكذلك الستور والطنافس، وأما الكراسي فيظهر أنه قلد ~~بها مرازبة الفرس؛ لأن أول من استخدمها من أمراء المسلمين زياد بن أبيه عامله ~~على فارس، # 3 # فلعله نقلها إلى الشام، وقد يكون معاوية اقتبسها من الروم رأسا، ~~وقس على ذلك سائر ما أدخلوه من مظاهر الأبهة من الطراز ونقش الأشعار في صدور ~~المجلس، وفرش الديباج والخز واصطناع الأسرة من الأبنوس أو الصندل أو العاج أو ~~الذهب أو غيرها. # وبعد أن كانت مصالح الدولة تجتمع في بناء واحد اختصت كل منها بإدارة، وأصبح ~~لبعض كبار الرجال إدارات خاصة بأعماله تشبه ما للخلفاء من إدارات الكتاب ~~والحساب والأطباء وغيرهم، # 4 # وكان لمجلس الحكم في العصر العباسي داران، دار خاصة ودار عامة، ~~يجلس الخليفة في الأولى مع رجال الدولة أو من ms0974 يفد عليه من كبار الأمراء أو ~~الملوك، وينظر في الثانية في سائر الشئون ويعقد بها المجالس الاعتيادية. # والمجلس في إبان الحضارة كان ينعقد في قاعة أو بهو كبير، على جدرانه صور ~~ممثلة بالذهب والفضة لما في البر والبحر من شجر أو حيوان أو جبال، ويكسو أرضه ~~بساط واحد أو عدة أبسطة من الديباج أو نحوه، وفي أطراف البهو مناور من الذهب أو ~~الفضة توضع عليها الشموع، # 5 # ويسبل على أبواب المجلس ونوافذه ستائر من الحرير أو غيره مطرزة ~~بشارة الدولة أو بأشعار أو حكم أو آيات أو أحاديث أو رسوم مدن أو أنهر أو ~~جبال. # وفي وسط القاعة سدة أو سرير يجلس عليه الخليفة، # 6 # يصنع من العاج أو الأبنوس أو الصندل يحلى بالذهب، وقد غالى ~~الفاطميون في النفقة على الأسرة حتى يدخل في الواحد منها 110000 مثقال من الذهب ~~الإبريز الخالص، # 7 # وقد يجعل الخليفة بين يديه بعض التحف أو نحوها للزينة أو التشاغل ~~بها، فالمعتمد الأندلسي كانوا يضعون أمامه في المجالس تماثيل عنبر من جملتها ~~جمل مرصع بالذهب واللؤلؤ وجمل من بلور له عينان من ياقوت وقد حلي بنفائس ~~الدر. # 8 # ولما كان الخلفاء يحتجبون عن الناس كانوا يعلقون في وسط القاعة ~~سترا بينهم وبين الجلساء، # 9 # أو يستترون عنهم وراء شباك مخرم، على أن فرشهم يختلف في الشتاء عنه ~~في الصيف، فيضاف إليه في الشتاء مواقد النار يستجر فيها الند والعود ويلبسون ~~الفراء اللائقة بالوقت على أشكالها. # 10 ~~(1-2) مجالسة الخلفاء # الاستئذان في الدخول # كان الاستئذان على الخليفة في عصر الراشدين أن يقف الرجل بالباب ويقول: ~~«السلام عليكم، أأدخل؟» يكرر ذلك ثلاثا، فإن لم يؤذن له لم ~~يعدها، # 11 # وربما أقام الراشدون الحجاب لمنع الازدحام أو للاستئذان في بعض ~~الأحوال، فلما انقضى ذلك العصر أقيم الآذنون والحجاب يتوسطون للناس في ~~دخولهم على الخليفة بحسب طبقاتهم وفي أوقات معينة لكل طبقة من الجلساء أو ~~الأدباء أو الشعراء أو غيرهم، # 12 # أما في المجالس العامة فيقدمون الناس حسب مراتبهم. ms0975 # وأول من رتب المراتب في الدخول على الخليفة زياد بن أبيه في العراق، أشار ~~عليه بذلك حاجبه عجلان ولعله اقتبسها من الفرس، فجعل الإذن للناس على ~~البيوتات ثم على الأسنان ثم على الآداب، # 13 # وصار ذلك سنة في الاستئذان على الخلفاء في عصر الأمويين، فإذا ~~استأذن جماعة في الدخول على الخليفة أو الأمير يؤذن أولا لأشرفهم نسبا، ~~وإذا تساووا في النسب قدموا أكبرهم سنا، فإذا تساووا في السن قدموا ~~أكثرهم أدبا، وظلت هذه القاعدة مرعية في سائر العصور الإسلامية. # وكانوا في أيام بني أمية وفي أوائل الدولة العباسية إذا وفد الناس على ~~الخليفة أو الأمير وقفوا ببابه يلتمسون الإذن، فإما أن يأذن لهم أو يصرفهم، ~~فإذا صرفهم عادوا ثانية وإذا لم يؤذن لهم هذه المرة عادوا ثالثة حتى يؤذن ~~لهم أو يملوا، ويعبرون عن ذلك بقولهم الإذن الأول والثاني والثالث ~~إلخ، # 14 # ثم جعلوا للوافدين على الخليفة منازل بجوار دار العامة يقيمون ~~فيها ريثما يؤذن لهم، وأول من فعل ذلك المنصور العباسي لما بنى بغداد، ~~فاتخذ في قصره بيوتا للإذن، فجرى الأمر على ذلك في الدولة ~~العباسية، # 15 # فكان الوافد يقيم ريثما يستريح ثم يستأذن، وقد يلتمسون إذنا ~~لدخول القصر وآخر لدخول المجلس. # الدخول على الخليفة والسلام عليه # فإذا أذن لأحدهم بالدخول تقدم وألقى التحية، وكانوا في أول الإسلام يحيون ~~تحية عامة، فيقول الداخل على الخليفة أو الأمير أو الوالي: «السلام عليك» ~~ويكرهون قولهم: «عليك السلام» لأنها تحية الموتى، # 16 # وقد يضاف إلى التحية كنية الأمير أو الخليفة، ولا يزيدون على ~~ذلك، فلما خالطوا الأعاجم، ورأوا تمييزهم بين الرئيس والمرءوس، هموا ~~بتقليدهم، وأول من قلدهم المغيرة بن شعبة فقال: «ينبغي أن يكون بين الأمير ~~ورعيته فرق.» وألزم أهل عمله أن يؤمروه أي يحيوه تحية الأمراء وهي: «السلام ~~عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته»، # 17 # أو «السلام على الأمير ورحمة الله» ففعلوا، واقتدى بهم سائر ~~المسلمين، وميزوا الخلفاء بتحية الخلافة، فصاروا يقولون عند الدخول على ~~الخليفة: «السلام عليك يا أمير المؤمنين ms0976 ورحمة الله وبركاته»، أو «السلام ~~على أمير المؤمنين ورحمة الله »، # 18 # وما زالت هذه تحيتهم حتى فسدت حضارتهم بالتملق ونحوه، فقلدوا ~~الدول الأخرى بالتعظيم، وحظروا على الناس السلام على الخليفة لما فيه من ~~تكليف الرد والجواب، واقتصروا في تحيته على الخدمة والدعاء له، والخدمة ~~تختلف بين أن تكون بانحناء الرأس والتطامن والبلوغ إلى حد الركوع، وما زاد ~~عليه فهو سجود ولا يجوز لغير الله. # وربما قبلوا يد الخليفة عند التحية، وكانوا في أوائل الإسلام يقبلونها ~~عند البيعة أو تجديد العطاء، وعند العفو أو الوداع، وكان الصحابة يفعلون ~~ذلك مع النبي # صلى الله عليه وسلم # وظل متبعا مع أكثر الخلفاء، ثم ترفع هؤلاء عن أن ~~يلمس الناس أكفهم، فصار التقبيل للأكمام والعتبات على حسب الاقتدار، وإذا ~~أراد الخليفة تشريف أحد قواده منعه من تقبيل يده أو كمه كما فعل المهدي مع ~~مسلم بن قتيبة، فجذب يده منه وقال: «نصونك عنها ولا نصونها عن ~~غيرك.» # 19 # وقد يختلف ذلك باختلاف الناس واختلاف الدول وتباين الأحوال، ~~فإن جوهر القائد لما ودع مولاه المعز لدين الله عند قدومه لفتح مصر أنزل ~~المعز أولاده لوداعه، فنزلوا عن خيولهم ونزل أهل الدولة لنزولهم فقبل جوهر ~~يد المعز وحافر فرسه. # 20 # وعبد الله بن مالك صاحب شرطة المهدي كان خائفا من الهادي؛ ~~لأنه سبه قبل خلافته، فرأى منه رعاية وحلما فلم يتمالك عن تقبيل يده ورجله ~~وحافر دابته، # 21 # وكذلك فعل إبراهيم الموصلي فقبل حافر دابة الرشيد؛ لأنه تنازل ~~لزيارته، # 22 # وكان أهل الدين والنسك إذا دخلوا على الخليفة لا يدخلون مثل ~~سواهم، بل يدخلون وعليهم السكينة والوقار. # والداخلون على الخليفة يجلسون في المواضع اللائقة بمراتبهم، ويتولى ~~إجلاسهم الحاجب أو الآذن، وكانت الرتبة الأولى بعد الخليفة في الدولة ~~الأموية لبني أمية، يجلسون على الأسرة وبنو هاشم على الكراسي، وأما في ~~الدولة العباسية فصارت الأفضلية لبني هاشم، وصاروا يسمونهم الملوك ~~والأشراف، فيجلس الخليفة على السرير أو السدة، ويجلس بنو هاشم على الكراسي، ~~ويقعد بنو أمية إذا حضروا على ms0977 الوسائد تثنى لهم، # 23 # لكن الأمويين قلما كانوا يحضرون مجلس بني العباس، بعد أن ~~نكبوهم وقتلوا معظمهم وما بقي منهم أسقطت مرتبته في أيام المستعين سنة ~~250ه، # 24 # ويلي هؤلاء سائر طبقات الجلساء من أهل الدولة وغيرهم، وتتفاوت ~~مراتب هؤلاء وتتباين على مقتضى الأحوال مما لا حد له. # الآداب في مجالسة الخلفاء # كانت مجالسة الخلفاء في صدر الإسلام مثل مجالسة سائر الناس، لما علمته من ~~سذاجة الراشدين، وكانوا يخاطبون الخليفة باسمه أو كنيته، فيقولون: يا عمر ~~ويتباحثون بلا احتراس ولا تهيب، لأسباب تقدم بيانها، فلما ضخم ملكهم وذهبت ~~دهشة النبوة، عمل الأمويون على التشبه بالدول المستبدة، وأخذ الدهاة من ~~عمالهم بتعظيم أمر الخليفة وتفخيم منصبه وتنزيه مجلسه عن مجالس سائر الناس، ~~وأول من فعل ذلك زياد بن أبيه، فوضع القاعدة «أن لا يسلم على قادم بين يدي ~~الخليفة»، # 25 # ثم منعوا الكلام في حضرة الخلفاء على الإطلاق، وأول من منعه ~~عبد الملك بن مروان، وتجبر الخلفاء بعد ذلك حتى منعوا الناس من مخاطبتهم ~~كما كانوا يخاطبون أسلافهم، وأول من تجبر الوليد بن عبد الملك، فكلف الناس ~~أن لا يكلموه كما كانوا يكلمون أسلافه، وقال بعد كلام: «وإني أعطي الله ~~عهدا يأخذني بالوفاء به لا يكلمني أحد بمثل ذلك إلا أتلفت نفسه، فلعمري إن ~~استخفاف الرعية براعيها سيدعوها إلى الاستخفاف بطاعته والجرأة على معصيته.» ~~وقال له رجل من بني مرة يوما: «اتق الله يا وليد فإن الكبرياء لله.» فأمر ~~به فوطئ حتى مات، فاتعظ الناس وهابوه، # 26 # وهو أول من منع الناس أن يكاتبوه بما كانوا يكاتبون أسلافه أو ~~يكاتبون بعضهم بعضا. # ثم صارت القاعدة المرعية في مجالسة الخلفاء أن لا يدعى لأحد في ~~حضرتهم، # 27 # ولا ينهض لداخل إلا إذا نهض الخليفة، ثم صارت رسوم أرباب ~~الدواوين كبارهم وصغارهم إذا كانوا في دواوينهم لا يقومون لأحد من خلق الله ~~ممن يدخل عليهم، # 28 # فلا يتكلم أحد في مجلس الخلفاء إلا إذا كلموه، أي لا يبدؤهم ~~أحد بكلام، وجرت العادة أن ms0978 يطلقوا الكلام للوافد عليهم بقولهم: «ما أنعمنا ~~بك يا أبا فلان» وهي كلمة كانت تقولها العرب، # 29 # فيذكر الرجل ما جاء من أجله ، وإذا لم يطلق له الكلام ظل ~~ساكتا. # وما زال ذلك سنة مرعية في مجالس الخلفاء، حتى أباح المأمون الكلام لأهل ~~مجلسه للمناظرة بين يديه، # 30 # واستمر ذلك بعده مع مراعاة الأحوال، أما مبادأة الخليفة ~~بالكلام فأول من استطاعها أحمد بن أبي دؤاد وزير المعتصم. # 31 # ولما استولى القواد على الأمور ضعفت هيبة الخلفاء وذهبت تلك ~~الرسوم، حتى أبيح اللعب والضحك والهزل في مجالسهم، وأول من أباحها المتوكل ~~على الله في أواسط القرن الثالث للهجرة. # 32 # ومن آدابهم في ذلك المجلس أن لا يأمر فيه أحد غير الخليفة، # 33 # وإذا نهض نهض سائر الحضور، وأن يصغي الجليس إلى كلامه بكليته ~~فلا يشتغل عنه بشيء، ومن لطيف ما يروونه من هذا القبيل أن معاوية كان يحدث ~~يزيد بن سحرة حديثا، وابن سحرة مصغ فصك جبينه حجر غائر فأدماه، فجعلت ~~الدماء تسيل على وجهه ولحيته وثوبه ولم يتغير عما كان عليه من الاستماع، ~~حتى نبهه معاوية إلى ذلك فأجابه: «إن حديث أمير المؤمنين ألهاني حتى غمر ~~فكري وغطى على قلبي.» فزاد معاوية عطاءه. # 34 # والخلفاء لا يعزون، وإنما يقتصر على الدعاء لهم بدوام الظفر والسعادة من ~~غير تطويل، ولا يقال للخليفة كيف أصبح ولا كيف أمسى، ولا يسأل عن حاله ولا ~~يطنب في تحسين كلامه ولا أفعاله، ولا يستعاد منه الكلام ولا يستزاد ولا ~~تحسن الإشارات في مجلسه ولا يغامز، ولا يشتغل بحضرته بوداع راحل ولا سلام ~~قادم، # 35 # ولا يليق أن يرد على الخليفة بلفظ «لا» فيحتال في التخلص ~~منها، # 36 # وقد قالوا في الاحتراس في مخاطبة الملوك: «من أراد مصاحبة ~~الملك فليدخل كالأعمى وليخرج كالأخرس.» # 37 # ومن أمثلة التأدب في مخاطبة الخلفاء أن عبد الملك بن صالح وجه ~~إلى الرشيد فاكهة في أطباق الخيزران وكتب إليه: «أسعد الله أمير المؤمنين ~~وأسعدني به، إني دخلت إلى بستان لي أفادنيه ms0979 كرمك وعمرته لي نعمك، قد أينعت ~~أشجاره وآتت ثماره، فوجهت إلى أمير المؤمنين منه شيئا على الثقة والإمكان ~~في أطباق القضبان، ليصل إلي من بركة دعائه مثل ما وصل إلي من كثرة ~~عطائه.» فاستحسن الرشيد تكنيته عن الخيزران بالقضبان لأنه اسم ~~أمه. # 38 # وكان الحديث يجري في مجلس الخليفة في أول الإسلام باللغة العربية الفصحى، ~~فيعربون الكلام ويضبطون حركات الألفاظ، فمن لم يستطع ذلك من الخلفاء عدوه ~~لحانا، فكان الأمويون يرسلون أولادهم إلى البادية يشبون فيها ليضبطوا ~~ألفاظهم، وقد أحسنوا ذلك إلا الوليد بن عبد الملك فإن أباه لم يرسله إلى ~~البادية فنشأ لحانا، وكان أبوه يكره اللحن ومن أقواله: «اللحن في الكلام ~~أقبح من التفتيق في الثوب والجدري في الوجه.» ومنها: «تعلموا النحو كما ~~تتعلمون الفرائض.» وكان يخاف اللحن إذا وقف للخطابة فيؤلمه ذلك، وسأله ~~سائل: «لقد عجل إليك الشيب يا أمير المؤمنين.» فقال: «شيبني ارتقاء المنابر ~~وتوقع اللحن.» وكذلك كان سائر بني أمية، وللوليد أخبار في اللحن ~~مضحكة، # 39 # وكان عمال بني أمية مثل خلفائهم في المحافظة على الإعراب إلا ~~الحجاج بن يوسف فقد كان يلحن أحيانا، # 40 # فلما استعجمت الدولة في زمن بني العباس قلت عناية الناس ~~بالإعراب، وظهر غير واحد من الفقهاء والعلماء يلحنون في كلامهم، كأبي حنيفة ~~النعمان وأبي عبيدة وغيرهما. # احتجاب الخلفاء عن جلسائهم # كان الخلفاء الراشدون يجالسون الناس ويخاطبونهم ولا يحتجبون عنهم، ثم ~~احتجب الأمويون وجعلوا بينهم وبين الجلساء حجابا، ووسطوا في حوائج الناس ~~من يقضيها عنهم، وأول من احتجب معاوية بعد محاولة البرك بن عبد الله ~~الخارجي سنة 40ه قتله غيلة، وكان قد قعد له في المسجد فلما خرج ليصلي ~~الغداة شد عليه بالسيف فجرحه، فلما شفي ابتنى هناك مقصورة يصلي فيها خوفا ~~من مثل ذلك، واحتجب عن الناس إلا من اختصهم بالمجالسة، واقتدى به الخلفاء ~~بعده في أوائل دولتهم، وكذلك الأوائل من بني العباس. # 41 # والحجاب كان شائعا عند الفرس من عهد أردشير، فكانوا ينصبون في مجلس ~~الملك ستارة بينها وبينه ms0980 عشرة أذرع وبينها وبين الجلساء عشرة أذرع، فقلدهم ~~العباسيون، ثم ضاعفوا الحجاب في بعض الأحوال، فاتخذوا عدة أستار الواحد ~~وراء الآخر إلى ثلاثة أو أربعة، وفعل ذلك وزراؤهم البرامكة أيضا، # 42 # وجعلوا لقصورهم عدة أبواب الواحد وراء الآخر. # 43 # كذلك كان شأن العباسيين، من أبي العباس السفاح إلى المتوكل ومن بعده، إلا ~~الهادي فإنه لم يحتجب عن أحد، # 44 # على أنهم كانوا يحتجبون غالبا عن الندماء والمغنين وسائر ~~طبقات العامة، وليس عن الخاصة إلا أحيانا، فكانوا يقيمون عند الستارة ~~حاجبا يسمونه صاحب الستارة، يتوسط في نقل ما يريد الخليفة إبلاغه إلى ~~جلسائه أو ندمائه، واقتدى بالعباسيين غيرهم من الدول الإسلامية بمصر ~~والأندلس. # علامة الصرف # وإذا أراد الخليفة صرف جلسائه أبدى إشارة يعرفونها فينصرفون، وهي عادة ~~فارسية وضعها كسرى أنوشروان، فكان إذا أحب أن يصرف ندماءه مد رجله فينصرفون ~~... وتابعه ملوكهم على ذلك، فكان فيروز يدلك عينيه، وبهرام يرفع رأسه إلى ~~السماء، # 45 # وقلدهم فيها المسلمون من أيام بني أمية، فكان معاوية إذا أراد ~~صرف الناس قال: «إذا شئتم» أو «العزة لله»، وكان ابنه يزيد يصرفهم بقوله: ~~«على بركة الله»، وعبد الملك كان يحمل بيده خيزرانة فإذا ألقاها من يده عرف ~~جلاسه أنه يريد انصرافهم، # 46 # وقس عليه سائر الخلفاء من بني أمية وأمرائهم، فكان يزيد بن ~~هبيرة إذا أراد صرف جلسائه دعا بمنديل فيقومون. # أما بنو العباس فقد كانت إمارة السفاح منهم أن يتثاءب ويلقي المروحة من ~~يده، # 47 # وكانت علامة المأمون أن يعقد أصبعه الوسطى بإبهامه ويقول: «برق ~~يمان برق يمان!» ومن انصرف من حضرة الخليفة مشى القهقرى ووجهه نحو مجلسه ~~حتى يتوارى. ~~(1-3) مجالس الأدب والشعر # رغبة الخلفاء في الاطلاع # كان للخلفاء ميل شديد إلى سماع الأخبار، فيعقدون المجالس يحضرها الأدباء ~~من أهل الأخبار والنوادر والأدب والشعر، يحادثون الخليفة بما يلذ له سماعه ~~من أخبار العرب ونوادرهم وأشعارهم، وكان الدهاة من الخلفاء والأمراء مثل ~~معاوية وهشام والمنصور وابن هبيرة، # 48 # يقيمون أناسا يتلون عليهم أعمال القواد والملوك من ms0981 الروم ~~والفرس، وأخبار الدول وحوادث الشجاعة والرأي، يلتمسون بذلك التوسع في أسباب ~~الدهاء وأفانين السياسة، كما يفعل رجال اليوم بالاطلاع على تراجم ~~العظماء. # على أنهم كانوا يعقدون مجالس الأدب على الغالب لترويح النفس من مشاغل ~~الدولة، وتلذذا بالاطلاع على آداب العرب وأخبارهم، فاختص بكل خليفة جماعة ~~ممن عاصروه من أصحاب الأخبار والشعر، يجالسونه في أوقات معينة أو إذا دعاهم ~~في ساعة قلقه أو أرقه، وقد يكون ذلك في أواسط الليل والناس نيام، فلا يزال ~~الرجل ينتقل بحديثه من خبر إلى نكتة إلى نادرة إلى شعر، حتى يزول ما في نفس ~~الخليفة وينشرح صدره، وقد تفرغ جعبة المحدث مما يعلمه من الأخبار قبل أن ~~ينشرح صدر الخليفة، فيضع قصة من عند نفسه يبنيها على نكتة أو حكمة مما يعلم ~~ارتياح الخليفة له. # 49 # احترام الخلفاء لأهل العلم # وكانوا يجلون أهل الأدب والعلم ~~ويقربونهم ويبذلون لهم الأموال ويدافعون عنهم، ولا سيما الرشيد والمأمون، ~~وفيما يروونه عن الرشيد ومعاملته للعلماء أدلة عديدة على ذلك، فكان كثير ~~الملاطفة للأصمعي والإجلال له، فإذا خلا به سأله واستفاد منه علما وأدبا، ~~فيقول الرشيد عند ذلك: «هكذا وقرنا في الملا وعلمنا في الخلا.» وكان يعطيه ~~الجوائز الحسنة، وأكل أبو معاوية الضرير طعاما مع الرشيد، فلما قام ليغسل ~~يديه تناول الرشيد الإبريق وصب عليهما والرجل لا يعلم، فقال له: «أتدري من ~~يصب الماء على يديك؟» قال: «لا.» قال: «أنا.» قال: «أنت يا أمير المؤمنين؟» ~~قال: «نعم، إجلالا للعلم.» # 50 # ناهيك بما وقع من البحث في مسألة الزنبور والنحلة بين سيبويه والكسائي، ~~وكيف انتصر الأمين للكسائي والمأمون لسيبويه، وما جرى من الجدال في ذلك ~~بحضرة الرشيد، فأخذ الرشيد يناصر الكسائي في حديث طويل ذكرنا خلاصته في ~~الجزء الثالث. # ومن أدلة إجلالهم للعلم أنهم كانوا يحرضون أبناءهم على تلقيه وحفظ ~~الأشعار والأخبار، ويعينون لهم المعلمين من نخبة العلماء المعاصرين، ~~فالمنصور ضم الشرقي بن القطامي إلى ابنه المهدي وأوصاه أن يعلمه أخبار ~~العرب ومكارم الأخلاق وقراءة الأشعار، # 51 # والرشيد عهد بتعليم ms0982 ابنه الأمين إلى الأحمر النحوي ثم إلى ~~الكسائي وعهد بتأديب المأمون لليزيدي وسيبويه وغيرهما، وللرشيد وصية يقال ~~إنه أوصى بها الأحمر المذكور لما عهد إليه بتأديب الأمين وهي: # يا أحمر، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه، ~~فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة ، فكن له بحيث وضعك أمير ~~المؤمنين: أقرئه القرآن، وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه ~~السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، ~~وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد إذا ~~حضروا مجلسه، ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها ~~من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ~~ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك ~~بالشدة والغلظة. # 52 # وعهد المأمون إلى الفراء بتعليم ولديه النحو، واتفق أن الفراء أراد أن ~~ينهض ذات يوم إلى حوائجه فابتدرا إلى نعله ليقدماها له، فتنازعا أيهما ~~يقدمها ثم اصطلحا على أن يقدم كل منهما واحدة، وبلغ ذلك المأمون فاستدعاه، ~~فلما دخل عليه قال المأمون: «من أعز الناس؟» قال: «لا أعرف أحدا أعز من ~~أمير المؤمنين.» فقال: «بل من إذا نهض تقاتل على تقديم نعله وليا عهد ~~المسلمين حتى يرضى كل واحد منهما أن يقدم له فردا.» فقال: «يا أمير ~~المؤمنين لقد أردت منعهما عن ذلك، ولكن خشيت أن أدفعها عن مكرمة سبقا إليها ~~أو كسر نفسيهما عن شريفة حرصا عليها.» # 53 # وعهد المتوكل بتعليم أبنائه إلى ابن السكيت، # 54 # وتعلم عبد الله بن المعتز الأدب والعربية على المبرد وثعلب ~~وأحمد بن سعيد الدمشقي. # 55 # تقديم الشعراء # ويقال نحو ذلك في تقديمهم الشعراء، فقد أجزلوا لهم الأعطية، وعينوا لهم ~~أوقاتا يدخلون فيها عليهم كما قلنا في غير هذا المكان، وكانوا يفرضون لهم ~~مالا يدفعونه إليهم كل سنة على الوفدة أو القصيدة، أو يعطونهم على البيت ~~من الشعر مبلغا معينا، على أن مقامهم كان يعلو ويهبط تبعا لأمزجة ~~الخلفاء وأغراضهم وأحوال السياسة، فمنهم من كان ms0983 يبعد الشعراء بخلا كعبد ~~الملك بن مروان وابنه الوليد، # 56 # ومنع عمر بن عبد العزيز الشعراء من بابه تورعا لاعتقاده أنه ~~لا تصح إجازتهم من بيت المال، وكان ذلك اعتقاد غير واحد من أبناء الصحابة ~~كعبد الله بن الزبير وغيره، وكان المنصور بخيلا على الشعراء اشتغالا عنهم ~~بتأييد الدولة، فكانوا يخرجون في أيامه من بغداد ويجتمعون ويتذاكرون أيامهم ~~في الشام، # 57 # على عهد بني أمية. # ولكن معظم الخلفاء كانوا يحبون الشعر ويقربون الشعراء، وبعضهم تعلموا ~~العروض ونظموا الشعر ولهم أبيات مشهورة، وكان الشعراء يتقربون إلى الخلفاء ~~أو الأمراء بالمديح، وقد يرتكبون أقبح الأكاذيب في هذا السبيل، إلا من لم ~~ينتجع بشعره وهم قليلون، وكانت لهم منزلة رفيعة عند أهل الدولة، # 58 # وأما سائر الشعراء فكانوا يتعيشون بالمدح أو الهجاء، وقيل ~~للحطيئة: «إياك وهجاء الناس.» فقال: «إذا يموت عيالي جوعا، هذا مكسبي ~~ومنه معاشي.» # 59 # وقد يمدح الشاعر الضدين رغبة في الكسب، كما فعل ابن دأب فمدح ~~معاوية وعليا. # 60 # وكان الشاعر إذا دخل على الخليفة بقصيدة أنشدها بصوت عال وهو قائم، وإذا ~~تعدد المنشدون قدمهم على الأسنان، وكان الخلفاء يتفهمون معاني الشعر، حتى ~~إنهم كثيرا ما كانوا يباحثون الشاعر في معنى البيت أو الكلمة، وإذا ~~استبطئوا الشاعر أو الراوية بعثوا في استقدامه من العراق أو الحجاز، وقد لا ~~يكون الغرض من ذلك إلا سماع بيت أو قصيدة، كما فعل الوليد بن يزيد في ~~استقدام حماد من العراق لينشده قصيدة تغنيها مغنيته، # 61 # أو لينظم له شعرا في حادثة جرت معه كما فعل الواثق لما غضبت ~~عليه حظيته فاستقدم ابن الضحاك ليقول في ذلك شعرا، # 62 # وقد يجيزون من يأتيهم بشاعر يعجبهم، كما أجاز المهدي الفضل بن ~~الربيع بعشرة آلاف دينار وولاه حجابته لأنه أتاه بابن جامع. # 63 # وكانوا لا يكتفون بمن يفد عليهم من الشعراء للاستجداء، فيرسلون في طلبهم ~~إلى الأنحاء، وأرغب الخلفاء في ذلك الرشيد، # 64 # فتكاثر الشعراء ببابه حتى ضاقت بهم بغداد، واضطروا إلى ~~امتحانهم وترتيبهم في الجوائز، ms0984 فعهد يحيى بن خالد بذلك إلى شاعره إبان ~~اللاحقي، # 65 # وأصبح الخليفة إذا أحب مجالسة الشعراء بعث رجلا يثق به ليختار ~~له أحسنهم، # 66 # أو إذا عن له بيت أو قصيدة خرج وصيف أو حاجب أو نحوهما ~~فيقول للشعراء: «من منكم يقدر يقول قول فلان أو يحفظ القصيدة الفلانية ~~فليدخل وله كذا وكذا.» # 67 # وكانوا يطربون للشعر ويستلذونه، وربما تزاحفوا عن مجالسهم ~~إعجابا وطربا. # 68 ~~(1-4) مجالس المناظرة والعلم # كانت مجالس الأدب في أيام بني أمية وأوائل بني العباس يقتصر البحث فيها على ~~المسائل الأدبية والعلوم اللسانية كما تقدم، فلما ترجمت علوم القدماء في العصر ~~العباسي ونشأ علم الكلام شاعت المناظرة بين العلماء والفقهاء، وقد سبق الناس ~~إلى العناية في ذلك البرامكة، فكان ليحيى بن خالد مجلس يجتمع فيه المتكلمون ~~وغيرهم من أهل النحل، يتباحثون في الكون والظهور والقدم والحدوث والإثبات ~~والنفي وغيرها من الأبحاث الفلسفية المبنية على علم الكلام. # 69 # ثم اهتم الخلفاء أنفسهم في ذلك، ولا سيما بعد أن ظهر القول بخلق القرآن وقام ~~به المأمون، فأخذ يعقد المجالس للمناظرة فيه وفي سواه، وعين لذلك يوم الثلاثاء ~~من كل أسبوع، فإذا حضر الفقهاء ومن يناظره من سائر أهل المقالات أدخلوا حجرة ~~مفروشة وقيل لهم: «انزعوا أخفافكم.» ثم أحضرت الموائد وقيل لهم: «أصيبوا من ~~الطعام والشراب وجددوا الوضوء، ومن كان خفه ضيقا فلينزعه، ومن ثقلت عليه ~~قلنسوته فليضعها.» فإذا فرغوا أتوا بالمجامر فتبخروا وتطيبوا ثم خرجوا، ~~فاستدناهم الخليفة حتى يدنوا منه ويناظرهم أحسن مناظرة وألطفها وأبعدها من ~~مناظرة المتجبرين، فلا يزالون كذلك إلى أن تزول الشمس، ثم تنصب الموائد ثانية ~~فيطعمون وينصرفون، # 70 # وسار الواثق على خطواته في هذا السبيل، وكانوا يعقدون هذه المجالس ~~كلما دعت الحاجة إلى إثبات رأي أو مذهب جديد. # ولما استقرت الدولة الفاطمية بمصر فعل وزيرها يعقوب بن كلس مثل ما فعل يحيى ~~البرمكي وزير العباسيين، فأنشأ مجالس للمناظرة في الفقه والأدب والشعر وعلم ~~الكلام وغيره، وغرض هذه الدولة إثبات مذهب الشيعة؛ لأن دولتهم قامت ms0985 عليه، فأخذ ~~الحاكم بأمر الله يفاوض العلماء ويجيزهم، ويسهل عليهم البحث والمناظرة في دار ~~الحكمة التي أنشأها في القاهرة، # 71 # وربما عقدوا حلق المناظرة في الجوامع أو غيرها. # وصارت تلك المجالس عامة في الدول التي خلفت الدولة العباسية أو تفرعت منها، ~~وأكثر العقلاء والأقوياء من الملوك والسلاطين كانوا يعقدونها للمناظرة، كذلك ~~فعل صلاح الدين الأيوبي وسيف الدولة الحمداني ونظام الملك وزير ملكشاه والحكم ~~المستنصر الأندلسي، واقتدى بهم أهل العلم والوجهاء والأطباء، وأطلقت حرية البحث ~~في كل شيء، ومن أشهر مجالس المناظرة مجلس كان يعقده يوحنا بن ماسويه في بغداد، ~~فيحضره العلماء على اختلاف طبقاتهم من الفلاسفة والأطباء والأدباء والمتكلمين ~~وغيرهم، # 72 # ومجلس أبي حامد الإسفراييني كان يحضره 300 فقيه، وقس عليهما مجلس ~~ابن المنجم وكان يعقده بحضرة المكتفي. # 73 ~~(1-5) مجالس الغناء والأنس # منزلة المغنين # تقدم الكلام في تاريخ الغناء وأصله وانتشاره، وقد رغب الخلفاء فيه على ~~الخصوص في إبان الحضارة وعصر الرخاء والترف، وجعلوا للمغنين نوبات يدخلون ~~فيها مجالسهم، # 74 # وفرضوا لهم الرواتب كما فرضوها للشعراء، وعهدوا بهم إلى بعض ~~أهل البلاد أو الحاشية ينظرون في أمورهم، # 75 # وكانوا يصطحبونهم في خروجهم للصيد أو نحوه ويجيزونهم # 76 # الجوائز الكبرى، وهم أقرب إلى ذلك من الشعراء لما يتفق في ~~مجالسهم من طرب الخلفاء؛ لأنهم قلما كانوا يسمعون الغناء من غير شراب، فإذا ~~طربوا بذلوا الأموال بلا حساب كما تقدم. # ومن أكثر الخلفاء الأمويين رغبة في الغناء وبذلا للمغنين يزيد بن عبد ~~الملك، الذي استخفه الطرب من غناء جاريته حبابة حتى قال: «أريد أن أطير!» ~~فقالت له حبابة: «على من تدع الأمة وتدعنا؟» # 77 # وكذلك كان ابنه الوليد بن يزيد، ومن الخلفاء العباسيين المهدي ~~والرشيد والأمين والمأمون والواثق والمتوكل ومن نبغ في أيامهم من الوجهاء ~~والعظماء. # على أنهم كانوا إذا أهمهم أمر الدولة وخافوا سقوطها أبعدوا المغنين ~~ليتفرغوا لمهامهم، كما فعل المأمون لما رجع من خراسان، # 78 # وكان لكبار المغنين منزلة رفيعة في الدولة كإبراهيم الموصلي ~~وابنه إسحاق وابن جامع، وكانت ms0986 جوائزهم من الخلفاء تفوق الحصر، ذكروا عن ~~إبراهيم المذكور أنه غنى للأمين بشعر أبي نواس: # رشأ لولا ملاحته # خلت الدنيا من الفتن # فاستخفه الطرب حتى وثب من مجلسه وركب على إبراهيم وجعل يقبل رأسه! فنهض ~~إبراهيم وأخذ يقبل أخمص قدمي الأمين وما وطئتا من البساط، فأمر له بثلاثة ~~آلاف درهم، فقال إبراهيم: «يا سيدي قد أجزتني إلى هذه الغاية بعشرين ألف ~~ألف درهم.» فقال الأمين: «وهل ذلك إلا خراج بعض الكور؟» # 79 # فاعتبر ما دخل على الموصلي من الرشيد وغيره، فلا غرو إذا توفي ~~عن ثروة طائلة، واشتهر في الأندلس علي بن نافع المعروف بزرياب المغني وهو ~~الذي نقل هذه الصناعة إلى الأندلس، فقد أثري وارتفعت منزلته حتى صار يركب ~~في 200 غلام ويملك 30000 دينار غير الخيل والضياع والرقيق. # 80 # المضحكون والمجانون # ومن توابع مجالس الغناء المضحكون والمجانون، أشهرهم أشعب في دولة بني ~~أمية، وأبو الحسن الخليع الدمشقي في أيام الرشيد، وأبو العبر في أيام ~~المتوكل وغيرهم كثيرون، فكانوا إذا عقدت مجالس الأنس ودارت الأقداح وطرب ~~الخليفة لبسوا ملابس مضحكة يقلدون بها الدب أو القرد، يعلقون في أعناقهم ~~الجلاجل والأجراس مما يضحك الثكلى، وكان بعض الخلفاء إذا استخفهم الطرب ~~كلفوا هؤلاء المجانين ما لا يطاق من ضروب العذاب وهم يتلذذون بعذابهم، ~~فالمتوكل كان إذا طرب أمر بأبي العبر المجان أن يرمى به في المنجنيق إلى ~~الماء وعليه قميص حرير، فإذا علا في الهواء صاح: «الطريق الطريق!» ثم يقع ~~في الماء فيخرجه السباح، وكان يجلس أحيانا على الزلاقة فينحدر فيها حتى ~~يقع في البركة، ثم يطرح الخليفة الشبكة فيخرجه كما يخرج السمك، # 81 # وكان الأمين إذا طرب صاح في ندمائه وجلاسه: «من يكون منكم ~~حماري؟» فكل واحد يقول: «أنا!» فيركب الواحد ويصله، # 82 # وكان يقع في مجالس الوليد بن يزيد من السكر والفحش في القول ~~والفعل ما نتحاشى ذكره، وقد أفرط الخلفاء في التبسط في العيش والتمتع ~~بالملذات، ولذلك كانوا قصار الأعمار فمات أكثرهم قبل سن الكهولة. ~~(2) مواكب الخلفاء # نريد ms0987 بالموكب الاحتفال بخروج الخليفة أو السلطان أو الأمير في عيد أو غير عيد، ~~وهو من مقتضيات الأبهة والمدنية، وكانت المواكب معروفة عند ملوك العرب في الجاهلية، ~~فكان لمعد يكرب عبيد من الأحباش يمشون بين يديه بالحراب، # 83 # فلما جاء الإسلام تزهد أصحابه من التقوى، فكان الخلفاء الراشدون يركبون ~~في خروجهم كسائر الناس، وكان أبو بكر في أول خلافته يقيم في السنح بضاحية المدينة ~~ويغدو كل يوم على رجليه إلى المدينة وقد يركب فرسه، وكان يغدو إلى السوق فيبيع ~~ويبتاع، وله قطعة غنم تروح عليه وربما خرج هو بنفسه فيها منفردا، وكان عمر يخرج في ~~الأسواق ماشيا ويسوءه أن يركب عماله وأمراؤه ركوب الفرس والروم. وفد على الشام ~~أربع مرات جاءها في المرة الأولى على فرس، وفي الثانية على بعير، وفي الثالثة على ~~بغل، وفي الرابعة على حمار، وبعث في إحدى خطراته إلى أمرائه أن يوافوه في الجابية، ~~فكان أول من لقيه يزيد بن أبي سفيان وأبو عبيدة، ثم خالد على الخيول عليهم الديباج ~~والحرير، فنزل وأخذ الحجارة ورماهم بها، # 84 # فقس على ذلك سائر الراشدين. ~~(2-1) مواكب الخلفاء في إبان التمدن # على أن اتخاذ الآلة والأعوان في المواكب إنما بدأ به العمال في الأمصار، ~~لقربهم من حضارة الفرس والروم، فاتخذوا الطبول والأعلام والحرس وغيرها من شارات ~~الدولة، وأسبقهم إلى ذلك معاوية، فأقام حراسا يرفعون الحراب بين يديه، أو ~~يقفون بالسيوف عند المقصورة التي يصلي فيها خوفا من الاغتيال، # 85 # واقتدى به عماله، وبعضهم سبقه إلى مثله، فاتخذ زياد بن أبيه رجالا ~~يمشون بين يديه بالأعمدة # 86 # أو بالحربة، وأصبح ذلك قاعدة في المسير بين يدي الخليفة، ثم صار ~~المسير بالحربة خاصا بولي العهد أو بكبار العمال، يحملها رجل راكب على جواد ~~يتقدم الخليفة أو الأمير، فجرى على ذلك الخلفاء العباسيون. # 87 # وفي أيام المتوكل جاء بعضهم بحربة كانت للنبي # صلى الله عليه وسلم # تسمى العنزة، وأصلها ~~للنجاشي، فأهداها للزبير بن العوام فأهداها الزبير للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكانت تركز ms0988 ~~بين يديه في العيدين، ثم اتصلت بذلك الرجل فحملها إلى المتوكل، فكان صاحب ~~الشرطة يحملها بين يديه، # 88 # إذا خرج في موكبه. # وتدرجوا في الأبهة بتدرجهم في أسباب المدنية واتساع السلطة، حتى اصطنعوا ~~المحامل أو القباب أو المحفات يحملون بها بدل الركوب على الخيل، ثم صاروا ~~يركبون والناس يمشون بين أيديهم، وأقدم من فعل ذلك الأشعث بن قيس سيد أهل ~~اليمن، فكان يركب والناس يمشون بين يديه، # 89 # ثم صاروا يمشون بين يدي الخلفاء بالسلاح، وأول من فعل ذلك الهادي ~~العباسي، فكان إذا ركب مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة والأعمدة المشهورة ~~والقسي الموتورة، # 90 # فلما خلفه الرشيد تجاوزه فاتخذ خدما صغارا يسمونهم النمل ~~يتقدمونه وبأيديهم قسي البندق يرمون بها من يعارضه من الناس، # 91 # ثم صار ذلك سنة جرى عليها الوزراء والأمراء، وأول وزير مشى أرباب ~~الدولة بين يديه رجالة الحسن بن علي وزير المسترشد، # 92 # وكانوا إلى ذلك الحين يركبون بالحلية الخفيفة الفضية والسروج ~~المكسوة بالديباج، ثم ركبوا في حلية الذهب، وأول من ركب بها المعتز العباسي ~~المتوفى سنة 255ه، فجرى الناس على ذلك. # أما في مصر فالخلفاء الفاطميون قلدوا العباسيين في مواكبهم على جاري العادة ~~في سائر أسباب المدنية، وزادوا عليهم الركوب بالمظلة والشمسية، ولعلهم نقلوا ~~هذه العادة من المغرب؛ لأنها كانت جارية هناك قبل الإسلام، فكان الناس يظللون ~~حكامهم بريش الطواويس، # 93 # فاتخذها الفاطميون من الديباج أو الخز المحلى بالذهب والمرصع ~~بالجوهر وحولها الأعلام تختلف ألوانها باختلاف الأحوال. # وكان السلاجقة يركبون بالطبل والبوق والعلم وبالجتر على رءوسهم، وهو كالقبة ~~الصغيرة مرتفعة في الهواء على رمح يحمله من يسير قرب الملك بحيث يظلله من ~~الشمس، ويتخذونه من الديباج أو الحرير المذهب. # 94 # على أن تلك المواكب تختلف فخامة وشكلا باختلاف المقصود منها وباختلاف الدول، ~~أهمها موكب الخروج إلى الحج أو إلى بلد آخر، ومواكب الأعياد وهي تمتاز بمن يقف ~~للخليفة في خروجه من صفوف الجند، وأول من صفت له الجنود زيد بن الوليد الأموي، ~~فكان يخرج يوم ms0989 العيد بين صفين عليهم السلاح. # 95 # وللخلفاء مواكب كثيرة لو أردنا الإتيان عليها كلها لضاق المقام، ولكننا نقول ~~بالإجمال: إنهم كانوا يخرجون على الخيول أو في القباب، وحولهم الأعوان ركوبا ~~والشرطة مشاة، وكذلك الغلمان على اختلاف طبقاتهم يلبسون مناطق الذهب أو يحملون ~~المقارع أو الطبرزينات المحلاة بالذهب، ويقف الناس أو الجند في الطريق صفين ~~يسير الموكب بينهما، ويختلف طول هذا الموكب باختلاف ما يريدونه من إظهار ~~الأبهة، وقد بلغ طوله في خروج المتوكل على الله أربعة أميال ترجل فيها الناس ~~بين يديه، # 96 # وإذا كان المسير إلى مكان بعيد ضربوا القباب العظيمة في ~~الطريق، # 97 # يستظل الخليفة بها أو يقيم فيها. # وكان الخلفاء الفاطميون يركبون يوم الجمعة إلى الجامع الأزهر بالمظلة المذهبة ~~وبين أيديهم نحو 5000 ماش، وعلى الخليفة الطيلسان والسيف وبيده قضيب الخلافة، ~~حتى يأتي الجامع ويصلي، ولهم رسوم كثيرة يجرونها قبل الصلاة، وإذا خرجوا ~~للمبايعة أو الاحتفال لفتح الخليج ركب الخليفة وعليه العمامة الجوهر، # 98 # وثوب يقال له: البدنة؛ كله ذهب وحرير مرقوم والمظلة من شكله، وبين ~~يدي الخليفة الجنائب عليها السروج الذهب المرصع بالجوهر والسرج العنبر والقباب ~~الديباج بالحلي، والعسكر على أزيائه من الأتراك والديلم والعزيزية والإخشيدية ~~والكافورية بالديباج الثقيل والمناطق المذهبة، وبين يديه الفيلة عليها الرجالة ~~بالسلاح والزراقة، وفوق الخليفة المظلة الثقيلة بالجوهر وبيده قضيب الخلافة، ~~ويمشي أمامه أصحاب الأبواق الذهب فأبواق الفضة فالنحاس، وأصحاب الطبول الكبار ~~التي مكان خشبها فضة، والألوية تخفق فوق ذلك الموكب. ~~(2-2) احتفالاتهم # الاحتفالات الدينية # والاحتفالات في التمدن الإسلامي بعضها ديني كالموالد والأعياد والكسوة، ~~وبعضها وطني كالنيروز والمهرجان وشم النسيم وفتح الخليج، على أن الاحتفالات ~~الدينية إنما اتخذوا أسلوب الاحتفال بها من غير المسلمين، كما اتخذ النصارى ~~بعض طقوس الاحتفال بأعيادهم من الوثنيين، ولا يزال الاحتفال بالأعياد ~~الإسلامية شائعا إلى الآن مع تغيير اقتضاه الفرق بين التمدنين، وأكثر ~~الدول الإسلامية عناية بهذه الأعياد الفاطميون، منها: يوم عاشوراء، والمولد ~~النبوي، ومولد علي وفاطمة والحسن والحسين، والخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، ~~وعيد النحر، ms0990 وعيد الفطر، وفتح الخليج، ويوم النيروز، وغيرها مما فصله ~~المقريزي في خططه، # 99 # ولهم في كل من هذه الأعياد رسوم وقواعد يبذلون فيها الأموال ~~ويفرقون الصدقات ويهدون الهدايا من النقود والثياب والحلي وغيرها مما يطول ~~شرحه. # وممن اشتهرت عنايته بالاحتفالات الدينية مظفر الدين صاحب أربل، وكان ~~احتفاله بالمولد النبوي بالغا حد النهاية في الأبهة، والمشهور أنه أول من ~~احتفل به على الصورة المعروفة اليوم، # 100 # وكذلك السلطان أبو حمو موسى صاحب تلمسان، # 101 # هذا غير احتفالاتهم الاجتماعية كالأعراس والمآتم والختان ~~ونحوها، والسياسية كاستقبال الوفود والمبايعة والتتويج والخلع، فنذكر أمثلة ~~منها فيما يلي: # احتفالات الأعراس ونحوها: # فالاحتفال ~~بالأعراس تقلب على أحوال شتى ترجع إلى نحو المشهور من الاحتفال بأعراس ~~المسلمين في مصر الآن، مع اعتبار عوائد البلاد وتفاوت الثروة، ونأتي بمثال ~~من أبلغ ما يعرف من التناهي بالبذخ في مثل هذه الحال، فنذكر احتفالين ~~اشتهرا في تاريخ الإسلام: # الأول: # زفاف خديجة بنت الحسن بن سهل المسماة بوران إلى الخليفة ~~المأمون، احتفلوا به في «فم الصلح»، احتفالا لم يسبق له ~~مثيل، نثر الحسن فيه على الهاشميين والقواد والكتاب ~~والوجوه بنادق المسك فيها رقاع بأسماء ضياع وأسماء جوار ~~وصفات دواب وغير ذلك، فكانت البندقة إذا وقعت في يد الرجل ~~فتحها فيقرأ ما في الرقعة، فإذا علم ما فيها مضى إلى ~~الوكيل المرصد لذلك فيدفعها إليه، ويتسلم ما فيها، سواء ~~كان ضيعة أو ملكا آخر أو فرسا أو جارية أو مملوكا، ثم ~~نثر على سائر طبقات الناس الدنانير والدراهم ونوافج المسك ~~وبيض العنبر، غير ما أنفقه على المأمون وقواده وأصحابه ~~وسائر من كان معه من أجناده وأتباعه، وكانوا خلقا لا يحصى ~~حتى على الحمالين والمكارية والملاحين وكل من ضمه عسكره، ~~ذكروا أنه خدم في ذلك الاحتفال 36000 ملاح ونفد الحطب ~~يوما فأوقدوا تحت القدور الخيش مغموسا في الزيت، ولما ~~كانت ليلة البناء وجليت بوران على المأمون فرش لها حصير من ~~الذهب، وجيء بمكتل مرصع بالجواهر فيه درر كبار نثرت على ~~النساء وفيهن زبيدة وحمدونة ms0991 بنت الرشيد فما مست إحداهن من ~~الدر شيئا، فقال المأمون: «شرفن أبا محمد وأكرمنه.» فمدت ~~كل واحدة منهن يدها فأخذت درة، فبقي سائر الدر يلوح على ~~ذلك الحصير الذهب ويتلألأ فقال المأمون: «قاتل الله الحسن ~~بن هانئ.» كأنه قد رأى هذا حيث يقول: # كأن صغرى وكبرى من فقاقعها # حصباء در على أرض من الذهب # وكانت في المجلس شمعة عنبر فيها مائة رطل، فضج المأمون ~~من دخانها فعملت له مثل من الشمع، فكان الليل مدة مقامه ~~فيه كالنهار، وبلغت نفقة هذا الاحتفال 50000000 درهم، وأمر ~~المأمون للحسن بن سهل عند منصرفه بمبلغ 10000000 درهم ~~وأقطعه فم الصلح، فجلس الحسن وفرق المال على قواده وأصحابه ~~وحشمه، وأطلق له خراج فارس وكور الأهواز مدة سنة، وجاء ~~المأمون إلى عروسه في الليلة التالية فنثرت عليه جدتها ألف ~~درة كانت في صينية ذهب، # 102 # وغير ذلك مما يفوق طور التصديق. # والاحتفال الثاني: # أقامه المتوكل على الله حين ظهر ابنه المعتز بالموضع ~~المعروف ببركوازا، ومما جرى فيه أنه جلس بعد فراغ القواد ~~والأكابر من الأكل ومدت بين يديه مرافيع ذهب مرصعة ~~بالجوهر، وعليها أمثلة من العنبر والند والمسك المعجون على ~~جميع الصور، وجعلت بساطا ممدودا، وأحضر القواد والجلساء ~~وأصحاب المراتب، فوضعت بين أيديهم صواني الذهب مرصعة ~~بأصناف الجواهر من الجانبين وبين السماطين فرجة، وجاء ~~الفراشون بزنابيل قد غشيت بالأدم مملوءة دراهم ودنانير ~~نصفين، فصبت في الفرجة حتى ارتفعت على الصواني، وأمر ~~الحاضرون أن يشربوا وأن يتنفل كل من شرب من تلك الدنانير ~~بثلاث حفنات مما حملت يده، وكلما خف موضع صب عليه من ~~الزنابيل حتى يرد إلى حالته، ووقف غلمان في آخر المجلس ~~فصاحوا: «إن أمير المؤمنين يقول لكم: ليأخذ من شاء ما ~~شاء!» فمد الناس أيديهم إلى المال فأخذوه، وكان الرجل ~~يثقله ما معه فيخرج به فيسلمه إلى غلمانه ويرجع إلى ~~مكانه. # ولما تقوض المجلس خلع على الناس ألف خلعة، وحملوا على ~~ألف مركب بالذهب والفضة وأعتق ألف نسمة. # 103 # وقس على ذلك احتفال الخليفة ms0992 المقتدي بالله سنة 480ه لما زفت إليه بنت ~~السلطان ملكشاه وحمل جهازها إلى دار الخلافة، # 104 # وأما الاحتفال بتتويج السلاطين والبيعة فقد ذكرنا أمثلة منه في ~~الجزء الأول من هذا الكتاب. # الخلع على الوزراء # ومن مظاهر الأبهة احتفالهم بالخلع على الوزراء والسلاطين، وأول من خلع ~~عليه جعفر البرمكي في اليوم الذي تولى الرشيد الخلافة فيه، وكان في جملة ما ~~خلعه عليه 100 بدرة دراهم ودنانير، وأمر الناس فركبوا إليه حتى سلموا عليه ~~وأعطاهم خاتم الملك ليختم به على ما يريد، # 105 # وحذا حذو الرشيد من جاء بعده فخلعوا على وزرائهم وعمالهم خلعا ~~تختلف شكلا وقدرا باختلاف الأحوال، ومعها في كل حال ثوب يرسله الخالع ~~ويلبسه المخلوع عليه يقال له: الخلعة، فالخليفة العاضد الفاطمي لما ولى ~~السلطان صلاح الدين الأيوبي الوزارة بمصر لقبه الملك الناصر، وخلع عليه ~~خلعة مؤلفة من عمامة بيضاء تنيسى بطرف ذهب وثوب ديبقي بطراز ذهب، وجبة ~~بطراز ذهب وطيلسان مطرز ذهب، وعقد جوهر بعشرة آلاف دينار وسيف محلى بخمسة ~~آلاف دينار وحجرة بثمانية آلاف دينار عليها سرج ذهب وسرسار ذهب مجوهر، وفي ~~رأسها مائتا حبة جوهر وفي قوائمهما أربعة عقود جوهر وفي رأسها قصبة بذهب ~~وفيها شدة بياض بأعلام بيض، ومع الخلعة عدة بقج وخيل وأشياء أخرى ومنشور ~~الوزارة مكتوب في ثوب أطلس أبيض. # 106 # ولما نقلت الخلافة العباسية إلى مصر خلع الخليفة العباسي على السلطان ~~الملك الظاهر بيبرس يومئذ خلعة ألبسه إياها باحتفال، هي عبارة عن جبة سوداء ~~وعمامة سوداء وطوق في عنقه من ذهب وقيد في رجله من ذهب، # 107 # وقس على ذلك. # استقبال الوفود # أما استقبال الوفود فقد كان فخيما يظهرون به عز الإسلام، ولا سيما إذا ~~كان القادمون من وفود الدول غير الإسلامية من الروم أو الهند أو الإفرنج، ~~والاحتفال بذلك يختلف باختلاف الأحوال، نذكر من أمثلته احتفال المقتدر ~~العباسي برسل جاءوه من ملك الروم سنة 305ه، فإنه استقبلهم في «دار الشجرة» ~~التي تقدم ذكرها وعبأ لهم الجيوش، وصفت الدار بالأسلحة وأنواع الزينة، ms0993 ~~وكانت جملة العساكر المصفوفة حينئذ 160000 رجل بين راكب وواقف، ووقف ~~الغلمان الحجرية بالزينة والمناطق المحلاة، وكانوا اثنين وعشرين ألفا، ~~ووقف الخدم والخصيان كذلك وعددهم سبعة آلاف، منهم 4000 خادم أبيض و3000 ~~خادم أسود، ووقف الحجاب وكانوا سبعمائة حاجب، وزينت المراكب والزوارق في ~~دجلة أعظم زينة، وزينت دار الخلافة، وكانت جملة الستور المعلقة عليها 38000 ~~ستر منها ديباج مذهب 12500 ستر، وكانت جملة البسط 22000 بساط، واستعرضوا ~~مائة سبع مع مائة سباع، وكان في جملة الزينة الشجرة الذهب والفضة التي ~~تشتمل على ثمانية عشر غصنا من الذهب والفضة، فكانت أغصانها تتمايل بحركات ~~موضوعة، وعلى الأغصان طيور وعصافير مختلفة من الذهب والفضة تصفر بحركات ~~مرتبة كما وصفناها في محلها، فشاهد الرسل من العظمة ما يطول شرحه. # 108 ~~(2-3) الخلفاء والدول المعاصرة # هب العرب للفتح والعالم قد تضعضع وأهله في خمول، فبغتوهم وفتحوا بلادهم في ~~بضع عشرة سنة على أسلوب لم يسبق له مثيل، فلما أفاقوا أرادوا ردهم فعجزوا عنه، ~~وما لبثوا أن شاهدوا تمدنهم وعمران مملكتهم واشتغالهم بالعلوم والفنون والصناعة ~~والتجارة والرحلة والسياحة، فهابوهم وأخذوا يتقربون إليهم بالوفود والهدايا إلى ~~المدينة فدمشق، ثم أصبحت بغداد مجتمع الوفود القادمين من أطراف العالم من الهند ~~والصين شرقا إلى أعالي آسيا وأواسط أوربا شمالا إلى أقصى إفريقيا غربا ~~والبحر الهندي جنوبا، وصارت البصرة مركز التجارة البحرية في الشرق وملتقى ~~السفن القادمة من أقاصي البحور. # الإسلام في تاريخ الصين # المشهور أن الإسلام لم يذكر ظهوره وانتشاره غير أصحابه، ولم يدون أخباره ~~غير أهله، حتى الروم مع ما كان من مدنيتهم يومئذ لم يكتب المعاصرون منهم ~~شيئا عن الإسلام أو المسلمين، ولكن الباحثين عثروا في الكتب الصينية على ~~خبر الإسلام وانتشاره إلى استقلال معاوية بالخلافة لنفسه، فقيام أبي مسلم ~~الخراساني ونقله الدولة إلى العباسيين وغير ذلك، فقرءوا أسماء محمد وقريش ~~ومعاوية وأبي العباس وأبي جعفر وغيرهما من رجال الإسلام مكتوبة بالأحرف ~~الصينية، ومما جاء هناك أن أبا جعفر أرسل سنة 756م وفدا إلى إمبراطور ~~الصين التقى ms0994 عنده بوفد قادم من «هوي هو» من مغول الشمال فاختصم الوفدان ~~فيمن يتقدم بالدخول على الإمبراطور، فأنصف الحاجب بينهما وأدخل كل وفد من ~~باب؛ ذكروا ذلك بكتاب طنغ شو الفصل العاشر في أثناء سيرة الإمبراطور ~~سوتسونغ، قالوا: «ثم تولى المهدي وخلفه هارون الرشيد وفي أيامه (سنة ~~786-804م) جرد العرب أصحاب الجبة السوداء على توفان (تيبت) ثم صار أهل ~~توفان يتجندون لقتالهم كل سنة، وفي (798م) جاء ثلاثة سفراء من العرب إلى ~~بلاط الإمبراطور ... إلخ.» # 109 # ووقفوا في تاريخ الصين أيضا على نصوص تشير إلى ما كان من العلائق ~~التجارية بين الصينيين والعرب من أواسط القرن العاشر للميلاد أو الثالث ~~للهجرة، فذكروا سفنا تجارية عربية كانت ترسو على شواطئ الصين يحملون فيها ~~الزجاج والسكر وغيرها، وأن تجار العرب وربان سفنهم كثيرا ما كانوا يفدون ~~على البلاط ويدخلون على الإمبراطور فيخاطبهم ويسألهم عن بلادهم وملكهم ~~وسائر أحوالهم، ووقفوا على نصوص أخرى تدل على علائق مثل هذه بين الصين وغير ~~العرب من دول الإسلام مما يطول بيانه، ومع اختصار هذه الأخبار وتشوش ~~حوادثها وفساد تهجئة الأعلام فيها فهي عظيمة الأهمية؛ لأنها منقولة عن مصدر ~~صيني مستقل. # أما العرب فقد ذكر مؤرخوهم وأهل الرحلة منهم كثيرا من أخبار نزولهم ~~شواطئ الصين والهند ودخولهم على ملوكهما ومخاطبتهم في بعض الشئون التجارية، ~~ولكن أكثر الناس كانوا لا يكترثون بتلك الروايات لاعتقادهم أنها محشوة ~~بالمبالغات والخرافات، كأنهم قاسوها بما يقرءونه من الأقاصيص الخرافية في ~~ألف ليلة وليلة مثل قصة السندباد البحري والفرس المسحور وغيرهما، على أن ~~هذه الأقاصيص منقولة في الأصل عن غير العربية، وأكثر خرافات العرب دخيلة في ~~آدابهم، وأما ما يكتبونه من عند أنفسهم فالغالب فيه التحقيق والصدق، ولا ~~سيما كتب التاريخ ونحوها إذا نظرنا فيها نظر الناقد المنصف واعتبرنا الفرق ~~بين عصرهم وعصرنا. # على أننا لا نلوم المنكرين؛ لأنهم إنما عرفوا العرب بعد ذهاب دولتهم ~~وانحلال عصبيتهم وانحطاط هممهم وضعف عزائمهم، فأكبروا أن يكون لهم مثل تلك ~~الهمم الشماء في عهد ذلك التمدن، فكذبوا ms0995 ما قرءوه في كتبهم من هذا القبيل، ~~أما وقد رأينا ما يؤيده في كتب أهل الصين على غير تواطؤ أو نقل فلم يبق لنا ~~بد من تصديقه. # وأقدم ما وصل إلينا من الكتب العربية التي ذكرت تجارة العرب مع الصين ~~والهند، ونزول تجار العرب شواطئ تلك البلاد كتاب «سلسلة التواريخ» وهو ~~يشتمل على السياحات البحرية التي أجرتها العرب والعجم من شواطئ خليج فارس ~~إلى بلاد الهند والصين، تأليف سليمان التاجر وأبي زيد حسن من أبناء القرن ~~الثالث للهجرة، وقد طبع هذا الكتاب بباريس سنة 1811، ومعه ترجمة فرنسية ~~للمستشرق الشهير رينو، ثم «مروج الذهب» للمسعودي، وهو مشهور ومتداول، غير ~~أمهات كتب الجغرافية العربية وكلها مبني على رحلات حقيقية أشهرها ما كتبه ~~البلخي والإصطخري وابن حوقل والمقدسي وغيرهم، وليس هنا مكان الإفاضة في ~~ذلك. # ويقال بالإجمال: إن في كتب التاريخ نصوصا كثيرة تدل على علائق تجارية ~~وسياسية بين العباسيين وملوك المشرق في الهند والصين، وإن المهاداة كانت ~~متواصلة بينهما، فكانت وفود ملوك الهند تؤم بغداد من أواخر القرن الثاني ~~للهجرة تحمل الهدايا أو كتب المخابرة، # 110 # ولا بد أيضا من وفود كانت تأتي بغداد من صاحب الصين. # الإسلام وملوك أوربا # على أن علاقات ملوك المسلمين مع ملوك أوربا - وأعظمهم يومئذ الروم ~~والجرمان والإفرنج والإسبان - كانت أوثق من سواها، أما الروم، وهم ملوك ~~القسطنطينية، فكانت المخابرات متواصلة بينهم وبين المسلمين من أيام بني ~~أمية، إما لصلح أو مهادنة أو مهاداة أو مفاداة، # 111 # والحرب كانت سجالا بينهما على الحدود أو في البحار، وقد حاصر ~~الأمويون القسطنطينية غير مرة ولم يفتحوها، ولكنهم فتحوا بلادا أخرى من ~~أوربا وأوقعوا الرعب في دول الإفرنج، وكذلك بنو العباس # 112 # فإن الرشيد أخذ الجزية من إيريني صاحبة القسطنطينية. # وأما حوادث المهاداة فهدية الرشيد إلى شارلمان ملك فرنسا أشهر من أن ~~تذكر، على أن هدايا ملوك الروم إلى دار الخلافة كانت متواصلة، وأكثرها من ~~السيوف والثياب والأطياب والذهب والكلاب، منها هدية بعث بها قيصر الروم ~~(ربما ميخائيل الثاني) إلى ms0996 المأمون وفيها تحف سنية من جملتها مائة رطل مسك ~~ومائة حلة سمور. # 113 # وأهدت ثريا بنت الأوباري (كذا) ملكة الإفرنج إلى المكتفي بالله سنة 293ه ~~خمسين سيفا، و50 رمحا، و20 ثوبا منسوجا بالذهب، و20 خادما صقلبيا، ~~و20 جارية، و10 كلاب كبار لا تغلبها السباع، وستة بازات وسبعة صقور ومضرب ~~حرير ملون كقوس القزح وغيرها. # 114 # وكان الخلفاء أيضا يوجهون وفودا من عندهم في مراسلة أو مخابرة، وممن ~~سار في ذلك القاضي الأشعري المعروف بابن الباقلاني أنفذه عضد الدولة سنة ~~371ه إلى قيصر الروم (باسيل الثاني) في جواب رسالة فأظهر في بلاط القيصر ~~أنفة زادت مقام المسلمين عندهم. # 115 # الأندلسيون وملوك الإفرنج # على أن العلاقات كانت أكثر وثوقا بين ملوك أوربا وملوك الإسلام في ~~الأندلس؛ لأن قياصرة القسطنطينية كانوا يتقربون من الخلفاء الأمويين في ~~قرطبة ليستنصروهم على العباسيين أعداء الجانبين، حتى إن ثيوفيلوس ملك الروم ~~المعاصر لعبد الرحمن الأوسط هاداه سنة 225ه وكتب إليه يرغبه في ملك المشرق ~~من أجل ما ضيق عليه به المأمون والمعتصم، وقد ذكرهما في كتابه له وعبر ~~عنهما بابن مراجل وابن ماردة، تحقيرا لهما بالانتساب إلى أمهات من ~~الجواري، فكافأه عبد الرحمن عن الهدية وبعث إليه يحيى الغزال شاعره وأحد ~~كبار دولته فأحكم الصلة بينهما، # 116 # فلما ظهر الخليفة الناصر عبد الرحمن الثالث وأوطأ عساكر ~~المسلمين من بلاد الإفرنج ما لم يطأه أحد من أسلافه، تقدم إليه ملوكهم ~~بالطاعة وتقربوا بالهدايا فأوفدوا رسلهم وهداياهم من رومية والقسطنطينية ~~وغيرهما على سبيل المهادنة والسلم والعمل على كسب مرضاته، ووصل إلى بابه ~~الملوك من الإسبان المتاخمين لبلاده بجهات قشتالة وبنبلونة وما ينسب إليها ~~من الثغور الشمالية فقبلوا يده والتمسوا رضاه واحتقبوا جوائزه وامتطوا ~~مركبه. # 117 # وتوالت الهدايا على عبد الرحمن الناصر من سائر ملوك الإسبان، فملكا ~~برشلونة وطركونة هادياه يلتمسان تجديد الصلح، # 118 # وملك الصقالبة وهو يومئذ «ذوفوة» (كذا) أوفد إليه رسولا مع ~~رسل آخرين من ملك الألمان (ربما أوتو الأعظم) وملك الفرنجة وراء الرون وهو ~~يومئذ «أوفه» ورسول ms0997 آخر من ملك الفرنجة بقاصية المشرق واسمه «كلدة» (ربما ~~كونراد)، واحتفل الناصر لقدومهم احتفالا شائقا، ولما رجعوا بعث مع رسول ~~الصقالبة ربيعا الأسقف إلى ملكهم، وبالجملة إن الخليفة الناصر كان سلطانه ~~ضخما عزيزا، لم يبق ملك من ملوك أوربا إلا خطب مودته، وفي جملتهم قياصرة ~~الروم وملوك الإفرنج والإسبان والجرمان، وفي نفح الطيب للمقري تفصيل ما كان ~~يجريه من الاحتفال في استقبالهم، # 119 # تعظيما لدولة المسلمين، ولما أراد بناء «الزهراء» أهداه أولئك ~~الملوك من أصناف الحجارة والرخام على اختلاف ألوانه وأشكاله شيئا ~~كثيرا، # 120 # وقد ذكرنا ذلك في كلامنا عن بناء هذا القصر الفخيم. # وقس على ما تقدم علاقات ملوك أوربا بسائر خلفاء المسلمين وملوكهم، فكانت ~~هدايا قيصر القسطنطينية ترد على صاحب مصر، ولا سيما في زمن الفاطميين بعد ~~أن ضخمت دولتهم، منها هدية بعث بها الإمبراطور قسطنطين التاسع إلى المستنصر ~~بالله الفاطمي سنة 437ه، اشتملت قيمتها على ثلاثين قنطارا من الذهب ~~الأحمر، كل قنطار في عشرة آلاف دينار، الجملة 300000 دينار، # 121 # وكان رسول الروم إذا قدم القاهرة في ذلك العهد نزل عند باب ~~الفتوح، ولا يزال يقبل الأرض وهو ماش حتى يصل القصر الكبير مقر ~~الخليفة. # 122 ~~(3) ألعاب الخلفاء وملاهيهم # ما برح الملوك من قديم الزمان يلهون في ساعات الفراغ بألعاب يروضون بها عقولهم ~~وأبدانهم، ولكل أمة ألعاب تلائم عاداتهم وتشاكل أخلاق أهلها، ولكن الملوك يتشابهون ~~في أكثرها لتشابه مرادهم منها، وألعاب الخلفاء كثيرة، بعضها كان معروفا في ~~الجاهلية كالصيد والسباق، وبعضها اقتبسوه من الأعاجم كاللعب بالكرة والصولجان ~~والرمي بالبندق واللعب بالنرد والشطرنج ونحوها، وأسبق الدول إلى الاحتفاء بهذه ~~الألعاب العباسيون في أيام الرشيد، فإنه أول من لعب بالصولجان والكرة، وأول من رمى ~~بالنشاب في البرجاس، وأول من لعب الشطرنج والنرد وقرب اللاعبين وأجرى عليهم ~~الأرزاق، # 123 # وإليك وصف أهم ألعابهم في إبان تمدنهم: ~~(3-1) الصيد والقنص # كان الصيد معروفا في الجاهلية، ولكنه كان قاصرا على صيد غزال أو طائر ~~بالنبل أو الفخ، فلما تمدن العرب بعد الإسلام ms0998 وخالطوا الفرس والروم توسعوا في ~~طرائق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح من الطير وهي الباز والشاهين والعقاب ~~والصقر يعلمونها صيد الطيور، وغالوا في اقتناء الكلاب والفهود ونحوها يستعينون ~~بها على صيد الخنازير والغزلان وحمر الوحش، وأول من اشتغل بالصيد من الخلفاء ~~يزيد بن معاوية، وكان صاحب طرب وجوارح وقرود وفهود، وله كلف بالصيد فاتخذه للهو ~~وليس للرياضة، وكان يلبس كلابه الأساور من الذهب والأجلة المنسوجة بالذهب، ويهب ~~لكل كلب عبدا يخدمه، # 124 # واشتغل بالصيد غيره من خلفاء بني أمية على تفاوت في ذلك. # حتى إذا أفضى الأمر إلى بني العباس ورسخت أقدامهم في الدولة، اهتموا بالصيد ~~وتفننوا في تربية الجوارح والكلاب والفهود، وغالوا في انتقائها وبذلوا الأموال ~~في اقتنائها وتربيتها، وأقاموا عليها أناسا ينظرون في شئونها وفيهم البيازرة ~~والحجالون والفهادون وأصحاب الصقور والكلاب، وأطلقوا لهم الأرزاق الجليلة ~~وأقطعوهم الإقطاعات السنية وسهلوا عليهم حجابهم، وتسابق الشعراء إلى وصف تلك ~~الجوارح وحركاتها وسرعتها وخصالها، # 125 # وكتبوا في فنون الصيد وأساليبه كتبا عديدة، ككتاب البزاة والصيد ~~وكتاب المصائد والمطارد. # 126 # وكان العباسيون يصيدون السباع والخنازير فضلا عن الغزلان والطيور وحمر الوحش ~~ونحوها، وأول من أحب الصيد منهم المهدي فالرشيد، وكان ابنه صالح يحب صيد ~~الخنازير، # 127 # وابنه الأمين يهوى صيد السباع يصطادها له جماعة يعرفون بأصحاب ~~اللبابيد، # 128 # وكان المعتصم ألهجهم به، فبنى في أرض دجيل قرب بغداد حائطا طوله ~~فراسخ كثيرة يحدون الصيد عنده، وذلك أن يطارد رجاله تلك الحيوانات من الجهة ~~المقابلة للحائط فتفر نحوه فيضربون حولها حلقة، ولا يزالون يطاردونها بخيولهم ~~وكلابهم وفهودهم وهي تثب بين الأعشاب والأدغال حتى يضايقوها ويحصروها بين ~~الحائط ودجلة، فلا يبقى لها مجال للنجاة فيقبل المعتصم وأولاده وأقاربه وخواص ~~حاشيته، ويتأنقون في القتل والصيد ويتفرجون، فيقتلون ما يقتلون ويطلقون ~~الباقي. # 129 # وقس على ذلك سائر الخلفاء من بني العباس والفاطميين والمروانيين وغيرهم من ~~ملوك المسلمين السلاجقة والأتابكة والأيوبية والمماليك، فقد عدوا ما اصطاده ~~السلطان ملك شاه السلجوقي من الحيوانات فبلغ عشرة آلاف رأس، حتى بنى من ms0999 حوافر ~~الحمر الوحشية وقرون الظباء التي صادها منارة، # 130 # وكان السلطان مسعود السلجوقي يبالغ في ترفيه الكلاب حتى ألبسها ~~الجلال الأطلس الموشاة وسورها بالأساور الذهب، واصطنع السلطان أبو عبد الله ~~المستنصر في المغرب مصيدا بناحية بنزرت في بقعة ببسيط من الأرض، وأحاطها بسياج ~~خرج نطاقه عن التحديد بحيث لا يراع فيه حمر الوحش، فإذا ركب للصيد تخطى السياج ~~في أصحابه ومواليه وفعل فعل المعتصم بحصر الصيد عند ذلك السياج، # 131 # وفي كتاب الاعتبار لابن منقذ فصول طويلة في الصيد وطرقه. # 132 ~~(3-2) الحلبة أو السباق # لم تبق أمة من الأمم القديمة أو الحديثة إلا لهجت بالسباق، ولا سيما اليونان ~~والرومان والفرس، وكان العرب في الجاهلية يتسابقون بخيولهم ويتفاخرون بذلك، ~~وكثيرا ما انتشبت الحرب بين القبائل من أجل السباق، وكانوا يرسلون خيلهم إلى ~~الحلبة وهي ميدان السباق عشرة عشرة، وعندهم لكل منها اسم باعتبار تقدمها في ~~السباق بعضها على بعض. # 133 # ولما تحضروا بعد الإسلام بالغوا في اتخاذ الميادين، واستكثروا من الخيول ~~وتفننوا في تضميرها، وكان لمعاوية حلبة يخرجون إليها في أيام معينة للسباق، فمن ~~حاز قصب السبق أجازوه - وقصب السبق قصبة يغرسونها في آخر الحلبة فمن سبق إليها ~~واقتلعها فهو الفائز - ومن غريب ما ذكروه أن يزيد بن معاوية كان له قرد يكنى ~~أبا قيس، يحضره مجلس منادمته ويطرح له متكأ، وكان نبيها خبيثا يحمله على أتان ~~وحشية قد ريضت وذللت بسرج ولجام، وكان يسابق بها الخيل يوم الحلبة، فجاء أبو ~~قيس في بعض الأيام سابقا وتناول القصبة ودخل الحجرة قبل الخيول، وعليه قباء من ~~الحرير الأحمر والأصفر، وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان بشقائق، وعلى ~~الأتان سرج من الحرير الأحمر المنقوش. # 134 # وكان لهشام بن عبد الملك رغبة في الحلبة، يستجيد الخيل للسباق ويبذل في ~~اقتنائها الأموال، فاجتمع عنده 4000 فرس ولم يسبقه أحد من العرب في ذلك، وكان ~~له فرس سابق اسمه «الزائد» اشتهر في ذلك العصر، وكان الوليد بن يزيد مغرما ~~بخيل السباق، فجمع منها ألف ms1000 فرس أسبقها فرس اسمه «السندي» كان يسابق به في أيام ~~هشام، وكان يقصر عن فرس هشام «الزائد» وربما ضامه أو جاء مصليا (أي: جاء ~~الثاني)، وكان ميدان السباق يومئذ في الرصافة (بالشام) ولهم فيها ميادين مشهورة ~~وحوادث مذكورة. # 135 # ولمحمد بن يزيد بن عبد الله بن مروان قصيدة عامرة وصف بها خيل ~~الحلبة العشرة بأسمائها وصفاتها، هي أحسن ما نظم في هذا الموضوع. # 136 # أما العباسيون فلم يكونوا أقل رغبة في السباق، وكانت لهم ميادين كبيرة، منها ~~الرقة والشماسية، وللرشيد مواقف شهيرة في الحلبة، نظم فيها الشعراء القصائد في ~~مدح السوابق، # 137 # وقس على ذلك ما كان من ميادين الحلبة في سائر دول الإسلام، ومن ~~أشهرها ميدان ابن طولون وميدان بيبرس بمصر، # 138 # وميادين الحكم في الأندلس. ~~(3-3) الكرة والصولجان # هي لعبة فارسية لم يكن بنو أمية يعرفونها، وأول من لعبها بنو العباس وأسبقهم ~~إليها الرشيد، وهي عبارة عن كرة تصنع من مادة خفيفة مرنة كالفلين ونحوه تلقى في ~~أرض الميدان فيتسابق الفرسان إلى التقافها بعصا عقفاء يسمونها الصولجان أو ~~الجوكان، ويرسلون الكرة بها في الهواء وهم على خيولهم، وكان المعتصم شديد ~~الرغبة فيها، ومن لطيف ما يحكى أنه قسم أصحابه يوما للعب بها، فجعل الأفشين ~~في جهة وهو في جهة، فقال الأفشين: «يعفيني أمير المؤمنين من هذا.» فقال: ~~«ولم؟» قال: «لأني ما أرى أن أكون على أمير المؤمنين في جد ولا هزل.» فاستحسن ~~ذلك منه وجعله في حزبه. # 139 ~~(3-4) البندق # البندق كرات تصنع من الطين أو الحجارة أو الرصاص أو غيرها، وهي فارسية ~~بلفظها واستعمالها، ويسمونها أيضا الجلاهقات جمع جلاهق، فكان الفرس يرمون هذا ~~البندق عن الأقواس كما يرمون النبال، واقتبس العرب هذه اللعبة في أواخر أيام ~~عثمان بن عفان، وعدوا ظهورها في المدينة منكرا، # 140 # ثم ألفوها حتى شكلوا فرقا من الجند ترمي بها، وقد رأيت أن الرشيد ~~كان عنده فرقة يقال لها: النمل تسير بين يديه ترمي البندق على من يقف في طريق ~~الموكب، وكان رماة ms1001 البندق في العصر العباسي طائفة كبيرة يخرجون إلى ضواحي المدن ~~يتسابقون في رميه على الطير ونحوه، # 141 # ويعدون ذلك من قبيل الفتوة، ويغلب في رماة البندق أن يشتغلوا ~~بتطيير الحمام، ولهم زي خاص يمتاز بسراويل كانوا يلبسونها ويسمونها سراويل ~~الفتوة، وكان العيارون من أهل بغداد يلبسونها في أواخر الدولة، حتى إذا أفضت ~~الخلافة إلى الناصر لدين الله العباسي المتوفى سنة 622ه جعل لرمي البندق شأنا؛ ~~لأنه كان ولعا به وباللعب بالحمام المناسيب (أي: المنسوب ذي الأصل المعروف)، ~~وكان يلبس سراويل الفتوة، وقد بلغ من رغبته في ذلك أن جعل رمي البندق فنا لا ~~يتعاطاه إلا الذين يشربون كأس الفتوة ويلبسون سراويلها، على أن يكون بينهم ~~روابط وثيقة نحو ما عند بعض الجمعيات السرية، وجعل نفسه رئيس هذه الطائفة يدخل ~~فيها من شاء ويحرم من شاء، وكتب سنة 607ه إلى ملوك الأطراف الذين يعترفون ~~بخلافته أن يشربوا له كأس الفتوة ويلبسوا سراويلها، وأن ينتسبوا إليه برمي ~~البندق ويجعلوه قدوتهم فيه، فأجابوه إلى ذلك؛ فمن أراد الانتظام في سلك هذه ~~الطائفة يأتي بغداد فيلبسه الخليفة السراويل بنفسه ... فبطلت الفتوة في البلاد ~~جميعها إلا من لبس سراويلها منه، ومنع الرمي بالبندق إلا من ينتسب إليه، فأجابه ~~الناس في العراق وغيره إلا إنسانا اسمه ابن السفت من بغداد هرب إلى الشام، ~~فأرسل الخليفة إليه يرغبه ببذل المال ليرمي عنه وينتسب في الرمي إليه، فلم يفعل ~~فلامه بعضهم على ذلك فقال: «يكفيني فخرا أنه ليس في الدنيا أحد لا يرمي ~~للخليفة إلا أنا.» # 142 # وكان لرمي البندق شأن كبير في العصور الإسلامية الوسطى بالعراق والشام ومصر ~~وفارس وغيرها، وخط البندقانيين بالقاهرة ينسب إلى صناعة أقواس البندق، # 143 # ثم تفننوا في رمي البندق بالمزاريق أو الأنابيب بضغط الهواء من ~~مؤخر الأنبوب بما يشبه أنابيب البنادق ... فلما اخترعوا البارود صاروا يرمون ~~البندق به من تلك الأنابيب وسموا هذه الآلة بندقية نسبة إليه، ومن قبيل رمي ~~البندق رمي النشاب في البرجاس، وهو غرض في الهواء، أو على رأس ms1002 رمح أو نحوه ~~يطلبون إصابته بالنشاب، وهي لعبة فارسية أول من لعبها من الخلفاء ~~الرشيد. # ومما يدخل في الألعاب والملاهي لعبة الشطرنج، وهي هندية الأصل أخذها العرب عن ~~طريق الفرس، وأول من لعبها من الخلفاء الرشيد أيضا، وهو من لعب النرد كما ~~تقدم، ولا تزال هاتان اللعبتان شائعتين إلى اليوم. ~~(3-5) ارتباط السباع # وكان من ملاهي الخلفاء والملوك ارتباط الأسود والفيلة والنمور لإثبات الهيبة ~~في قلوب الرعية، وأول من اهتم بذلك بنو العباس، فكان المنصور كثير العناية في ~~جمع الفيلة لتعظيم الملوك السالفة إياها، وكان للرشيد أقفاص فيها الأسود ~~والنمور وغيرها، # 144 # وغالى الذين جاءوا بعده في اقتنائها واقتناء الكلاب والقردة ~~ونحوها؛ ذكروا أنه كان عند أم جعفر زوج الرشيد قرد يخدمه ثلاثون رجلا، وكانوا ~~يلبسونه لباس الناس ويقلدونه السيف، وإذا ركب ركبوا في خدمته، وإذا دخلوا عليه ~~قبلوا يده، فجاء يزيد بن مرثد يوما إلى أم جعفر ليودعها قبل سفره، فأتوا إليه ~~بالقرد وأمروه أن يقبل يده، فشق عليه ذلك وجرد السيف وقطعه نصفين وانصرف، فبعث ~~إليه الرشيد وعاتبه فقال: «يا أمير المؤمنين أبعد أن أخدم الخلفاء أخدم القرود؟ ~~لا والله أبدا.» فعفا عنه. # 145 # وما زال شأن الخلفاء وأهلهم على ذلك حتى تولى المهتدي، وكان يتشبه بعمر بن ~~عبد العزيز في التقوى والزهد، فأمر بقتل السباع التي كانت في القصور وطرد ~~الكلاب، ولكن ذلك المنع لم يدم طويلا، فلما مات المهتدي عادوا إلى المغالاة في ~~اقتناء السباع حتى ارتبطها بعضهم في مجلسه، فقد كان عضد الدولة بن بويه إذا جلس ~~على سريره أحضر الأسود والفيلة والنمور في السلاسل، وجعلت في حواشي مجلسه ~~تهويلا بذلك على الناس وترويعا لهم. # 146 # وقس على ذلك سائر دول المسلمين في مصر والأندلس وغيرهما، فقد كان لخمارويه بن ~~أحمد بن طولون دار خاصة بالسباع، عمل فيها بيوتا بآزاج كل بيت يسع سبعا ~~ولبؤته، وعلى تلك البيوت أبواب تفتح من أعلاها بحركات، ولكل بيت منها طاق صغير ~~يدخل منه الرجل الموكل بخدمة ذلك البيت ms1003 يفرشه بالرمل، وفي جانب كل بيت حوض من ~~رخام بميزاب من نحاس يصب فيه الماء، وبين يدي هذه البيوت قاعة فسيحة متسعة فيها ~~رمل مفروش بها، وفي جانبها حوض كبير من رخام يصب فيه ماء من ميزاب كبير، فإذا ~~أراد سائس سبع من تلك السباع تنظيف بيته، أو وضع وظيفة اللحم لغذائه، رفع الباب ~~بحيلة من أعلى البيت وصاح بالسبع فيخرج إلى القاعة المذكورة، فيرد الباب وينزل ~~إلى البيت من الطاق فيكنس الزبل ويبدل الرمل بغيره مما هو نظيف، ويضع الوظيفة ~~من اللحم في مكان معد لذلك بعدما يخلص ما فيه من الغدد ويقطعه له، ويغسل ~~الحوض ويملؤه ماء ثم يخرج ويرفع الباب من أعلاه، وقد عرف السبع ذلك؛ فحالما ~~يرفع السائس باب البيت يدخل إليه الأسد فيأكل ما هيئ له من اللحم حتى يستوفيه ~~ويشرب من الماء كفايته، فكانت هذه البيوت مملوءة من السباع، ولهم أوقات تفتح ~~فيها فتخرج السباع كلها إلى القاعة وتتمشى فيها وتمرح وتلعب ويهارش بعضها ~~بعضا، فتقيم يوما كاملا إلى العشي فيصيح بها السواس فيدخل كل سبع إلى بيته ~~لا يتخطاه إلى غيره. # وكان من جملة هذه السباع سبع أزرق العينين يقال له: زريق، وقد أنس بخمارويه ~~وصار مطلقا في الدار لا يؤذي أحدا، ويقام له بوظيفته من الغذاء كل يوم، وإذا ~~نصبت مائدة خمارويه أقبل زريق معها وربض بين يديه، فيرمي إليه الدجاجة بعد ~~الدجاجة والفضلة الصالحة من الجدي ونحو ذلك مما على المائدة فيتفكه به، وكانت ~~له لبؤة لم تستأنس كما أنس هو، فكانت مقصورة في بيت ولها وقت معروف يجتمع معها ~~فيه، فإذا نام خمارويه جاء زريق ليحرسه، فإن كان قد نام على سرير ربض بين يدي ~~السرير وجعل يراعيه ما دام نائما، وإن نام على الأرض بقي قريبا منه وتفطن لمن ~~يدخل ويقصد خمارويه لا يغفل عن ذلك لحظة واحدة، وكان على ذلك دهره وقد ألفه ~~ودرب عليه، وكان في عنقه طوق من ذهب، فلا يقدر أحد أن يدنو من خمارويه ms1004 ما دام ~~نائما لمراعاة زريق له وحراسته إياه. # 147 # وتطرف آخرون في اقتناء الحيوانات حتى الهوام والحشرات، فالوزير جعفر بن ~~خنزابه أحد وزراء المقتدر بالله العباسي كان يهوى النظر إلى الحشرات من الأفاعي ~~والحيات والعقارب، وأم أربعة وأربعين وما يجري هذا المجرى، وكان في داره بمصر ~~قاعة لطيفة مرخمة فيها تلك الحيات بالسلال ولها قيم وفراش وحاو يستخدمون برسم ~~نقلها وحطها، وكان كل حاو بمصر يصيد له ما يقدر عليه من الحيات ويتناهون في ~~ذوات العجب من أجناسها وفي الكبير والغريب منها وهو يثيبهم على ذلك أجل ثواب ~~ويبذل لهم المال الجزيل، وكان له وقت يجلس فيه على دكة فيدخل المستخدمون ~~والحواة فيخرجون ما في تلك السلال ويطرحونه على ذلك الرخام ويحرشون بين الهوام ~~وهو يستعجب من ذلك ويستحسنه. # 148 # وكانت لهم عناية في تربية الحيوانات الداجنة أيضا كالغزلان والقماري ~~وأشباههما، يجعلونها في حظائر وأقفاص مخصوصة عليها قوام يخدمونها. # 149 # واجتمع عند العزيز الفاطمي صاحب مصر من غرائب الحيوانات ما لم يجتمع عند غيره ~~وذكروا بينها العنقاء. قالوا: «وهو طائر جاءه من صعيد مصر في طول البلاشون ~~وأعظم جسما منه، له غبب ولحية وعلى رأسه وقاية وفيه عدة ألوان ومشابهة من طيور ~~كثيرة.» # 150 # واتخذ الخليفة الناصر الأموي في مدينة الزهراء بالأندلس محلات للوحوش والسباع ~~واسعة الأرجاء متباعدة السياج، ومسارح للطيور مظللة بالشباك كالأقفاص ~~الكبيرة. # 151 # وهناك ألعاب أخر تتعلق بالحيوانات كسمكة كانت للأمين مقرطة، صيدت له وهي ~~صغيرة فقرطها بحلقتين من ذهب فيهما حبتا در، وكلعب الحمام وتطييره، واللعب ~~بالكباش والديوك للمناطحة والمهارشة، وغير ذلك مما لا محل لذكره. # اسم الكتاب # اسم مؤلفه # مكان طبعه وسنته # الآثار الباقية عن القرون الخالية # للبيروني # ليبسك سنة 1878م # الآداب السلطانية (الفخري) # لابن الطقطقي # مصر 1317ه # أبجد العلوم، 3 أجزاء # لصديق القنوجي # الهند 1296ه # ابن الأثير، تاريخ # انظر: الكامل # ابن الجوزي، تاريخ # انظر: كتاب الأذكياء # ابن حوقل، جغرافية # انظر: المسالك والممالك # ابن خرداذبة، جغرافية # انظر: المسالك والممالك # ابن خلدون، تاريخ # انظر: العبر والمبتدأ ms1005 والخبر # ابن خلكان، معجم # انظر: وفيات الأعيان # ابن الساعي، تاريخ # انظر: مختصر أخبار الخلفاء # ابن عساكر، تاريخ # انظر: تاريخ دمشق # ابن الفقيه، جغرافية # انظر: كتاب البلدان # ابن هشام، تاريخ # انظر: السيرة النبوية # أبو الفرج الملطي، تاريخ # انظر: مختصر الدول # أبو المحاسن، تاريخ # انظر: النجوم الزاهرة # الأتليدي، معجم # انظر: أعلام الناس # أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم # للمقدسي # ليدن 1876م # الأحكام السلطانية # للماوردي # مصر 1298م # أخبار الدول وآثار الأول # لأحمد شلبي بن يوسف الدمشقي القرماني # بغداد 1282م # أدب الدنيا والدين # للماوردي # بهامش الكشكول # الاستقصا في المغرب الأقصى4 أجزاء # للسلاوي # مصر سنة 1312 # أسد الغابة في أخبار الصحابة5 أجزاء # لابن الأثير # مصر سنة 1286ه # الإصطخري، جغرافية # انظر: المسالك والممالك # أعلام الناس # الأتليدي # مصر 1318ه # الأغاني 20 جزءا # لأبي الفرج الأصفهاني # بولاق 1285ه # الإفادة والاعتبار # لعبد اللطيف البغدادي # مصر 1286ه # ألف باء، جزآن # يوسف البلوي # مصر 1287ه # البخاري، صحيح # انظر: صحيح البخاري # بغية الطالبين في علوم وعوائد المصريين # لأحمد بك كمال # بولاق 1309ه # البلاذري، تاريخ # انظر: فتوح البلدان # بلوغ الأرب في أحوال العرب3 أجزاء # للألوسي # بغداد 1898م # البيان والتبيين جزآن # للجاحظ # مصر 1313ه # البيروني، تاريخ # انظر: الآثار الباقية # تاريخ أبي الفداء 4 أجزاء # للملك المؤيد # الأستانة 1286ه # تاريخ الأمم والملوك 11 جزءا # للطبري # ليدن 1885م # تاريخ دمشق # لابن عساكر ~~(خط) # تاريخ المشارقة # لصليبا بن يوحنا ~~(خط) # تاريخ الوزراء # للهلال الصابي # بيروت1904م # تحذير المسلمين # محمد ظافر # مصر 1904م # تراجم الحكماء # لابن القفطي ~~(خط) # ترتيب الدول # للحسن بن عبد الله # بولاق 1295ه # تزيين الأسواق # لداود الأنطاكي # مصر 1308ه # تهذيب الأسماء # للنووي # جوتنجن 1832م # الجبرتي، تاريخ # انظر: عجائب الآثار # حسن المحاضرة في مصر والقاهرة جزآن # للسيوطي # مصر 1299ه # حلبة الكميت # لشمس الدين النواجي # مصر 1299ه # حياة الحيوان الكبرى (جزآن) # للدميري # مصر سنة 1309ه # الخراج - كتاب # لأبي يوسف # بولاق 1302ه # الخراج - كتاب # لقدامة بن جعفر # ليدن 1306ه # الخطط التوفيقية 20 جزءا # لعلي باشا مبارك # بولاق 1306ه # خطط مصر (جزآن) # للمقريزي # بولاق 1270ه # الخميس (جزآن) # للديار بكري # مصر 1823م ms1006 # الدميري، كتاب # انظر: حياة الحيوان # ديوان أبي نواس # للحسن بن هانئ # مصر 1898م # رحلة ابن بطوطة جزآن # لابن بطوطة # مصر 1287ه # رحلة ابن جبير # لابن جبير # ليدن 1852م # رسائل الخوارزمي # لأبي بكر الخوارزمي # الأستانة 1297ه # سراج الملوك # للطرطوشي # على هامش مقدمة ابن خلدون # بمصر سنة 1311 # سلسلة التواريخ # لسليمان وأبي زيد # باريس 1811م # السيرة الحلبية 3 أجزاء # لعلي بن برهان الدين الملقب نور الدين الحلبي القاهري # مصر 1302ه # سيرة الملوك # لعبد الرحمن الأربلي # بيروت 1885م # السيرة النبوية 3 أجزاء # لابن هشام # بولاق 1295ه # السيوطي، تاريخ # انظر: حسن المحاضرة # شعراء السريان # للقرداحي # رومية 1875م # الشعر والشعراء # لابن قتيبة # ليدن 1902م # الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية # لطاشكبرى زاده # على هامش ابن خلكان # الشهرستاني، كتاب # انظر: الملل والنحل # صحيح البخاري 4 أجزاء # للإمام البخاري # مصر 1304ه # طبقات الأطباء - جزآن # لابن أبي أصيبعة # مصر 1882م # طبقات الأدباء # لعبد الرحمن الأنباري # مصر 1294ه # طبقات ابن سعد # لابن سعد ~~(خط) # تاريخ تغري بردي # انظر: النجوم الزاهرة # العبر والمبتدأ والخبر 7 مجلدات # لابن خلدون # بولاق سنة 1284ه # عجائب الآثار 3 أجزاء # للجبرتي # على هامش ابن الأثير # عجائب المخلوقات # للقزويني # على هامش الدميري # العقد الفريد 3 أجزاء # لابن عبد ربه # مصر 1305ه # العقد الفريد # للملك السعيد # مصر 1283ه # فتوح البلدان # للبلاذري # ليدن 1866م # الفخري في الآداب السلطانية، تاريخ # انظر: الآداب السلطانية # الفرج بعد الشدة جزآن # للتنوخي # مصر 1903م # الفلاحة النبطية # لابن وحشية ~~(خط) # الفهرست # لابن النديم # ليبسك 1872م # فوات الوفيات جزآن # لابن شاكر الكتبي # مصر 1282ه # قاموس الإدارة والقضاء 7 أجزاء # ليفيلب جلاد # مصر 1890م # القانون # لابن سينا # رومية 1593م # القبة الزرقاء # للدكتور فانديك # بيروت 1893م # قدامة، كتاب # انظر: الخراج # القرماني، تاريخ # انظر: أخبار الدول # القزويني ، كتاب # انظر: عجائب المخلوقات # القوانين العقارية للحكومة المصرية # مصر 1893م # الكامل 12 جزءا # لابن الأثير # مصر 1302ه # الكامل # للمبرد # مصر 1286ه # كتاب الأذكياء # لابن الجوزي (جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي ~~الحسين) # مصر 1306ه # كتاب الاعتبار # لابن منقذ # ليدن ms1007 1884م # كتاب البخلاء # للجاحظ # مصر 1324ه # كتاب البلدان # لابن الفقيه الهمذاني # ليدن 1885م # كتاب البلدان # لليعقوبي # ليدن 1885م # كتاب الحيوان 3 أجزاء # للجاحظ # مصر سنة 1324ه # كشف الظنون جزآن # لكاتب جلبي # الأستانة 1311ه # الكشكول # للعاملي # مصر 1305ه # لطائف المعارف # للثعالبي # ليدن 1867م # اللمعة الشهية في اللغة السريانية # للمطران يوسف داود # الموصل 1879م # الماوردي، كتاب # انظر: الأحكام السلطانية # مجمع الأمثال جزآن # للميداني # بيروت 1312ه # مختصر أخبار الخلفاء # لابن الساعي (محمد بن أنجب البغدادي) # بولاق 1309ه # مختصر أخبار الدول # لأبي الفرج بن هرون الملطي المعروف بابن العبري # بيروت 1890م # مروج الذهب جزآن # للمسعودي # مصر 1304ه # المزهر جزآن # للسيوطي # بولاق 1282ه # المسالك والممالك # لابن حوقل # ليدن 1873م # المسالك والممالك # لابن خرداذبة # ليدن 1880م # المسالك والممالك # للإصطخري # ليدن 1870م # المستطرف جزآن # للأبشيهي # مصر 1311ه # المسعودي، كتاب # انظر: مروج الذهب # مشكاة المصابيح # لولي الدين العمري # دهلي 1310ه # المعارف # لابن قتيبة # مصر 1300ه # معجم البلدان ستة أجزاء # لياقوت الحموي # ليبسك 1870م # مفتاح السعادة # لطاشكبرى زاده ~~(خط) # المقدسي، جغرافية # انظر: أحسن التقاسيم # المقري، تاريخ # انظر: نفح الطيب # المقريزي، تاريخ # انظر: خطط مصر # الملل والنحل جزآن # للشهرستاني # لندن 1842م # الموطأ # للإمام مالك ~~(خط) # الميداني، كتاب # انظر: مجمع الأمثال # ميزانية مصر لسنة 1902 للحكومة المصرية # بولاق سنة 1903م # النجوم الزاهرة جزآن # لأبي المحاسن # ليدن 1851م # نفح الطيب 4 أجزاء # للمقري # بولاق 1279ه # نهاية الأرب في قبائل العرب # للقلقشندي ~~(خط) # الهداية # برهان الدين الفرغاني # لكنهو 1314ه # الهمداني، جغرافية # انظر: كتاب البلدان # وفيات الأعيان 3 أجزاء # لابن خلكان # مصر 1310ه # اليعقوبي، جغرافية # انظر: كتاب البلدان # | هوامش ms1008