######OpenITI# #META# URI: 1331RuhiKhalidi.InqilabCuthmani.Hindawi68292919 #META# Tags: history #META# ID: 68292919 #META# Title: الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلاب #META# AuthorID: 41473619 #META# Author: روحي الخالدي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة‏ # مقدمة‏ # الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة‏ # | الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة # | الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة # | أصدق تاريخ لأعظم انقلاب # تأليف # روحي الخالدي # | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # وشاورهم في الأمر ~~(آل عمران، الآية: 159)، # وأمرهم شورى بينهم ~~(الشورى، الآية: ~~38) «القرآن الحكيم». ~~••• # كانت الدولة العثمانية - منذ أسسها السلطان عثمان ذلك الرجل المدير العصامي، إلى ~~نهاية أيام السطان عبد المجيد العاقل الأبي - دولة حربية بحتة، شادت بناء عظمتها ~~على أسس الإقدام والشجاعة والغلب، فلم يمض زمن كبير حتى أصبحت من الدول ذوات البأس ~~اللائي يتقى غضبهن، وتخطب مودتهن؛ فأمعنت في الفتوحات، واسترسلت في الغزوات، وقلما ~~كانت ترجع من غزوة إلا وبنود الفلج تخفق فوق رأسها، ورايات الظفر تتمايل في أيدي رجالها ~~الكماة صلفا وفخرا؛ فعز مكانها، وتطاول بنيانها، واتسع ملكها حتى تغلغلت في أحشاء ~~أوروبا، بعد أن استحوزت على آسيا الصغرى وجزء كبير من أفريقيا. # كانت سريعة الخطى في هذه السبيل؛ فسادت وشادت، وبنت على أطلال الدولة السلجوقية ~~دولة عظيمة قوية، وما كان العظم في تلك العصور التي يسمونها العصور المظلمة إلا بقوة ~~المراس، وثبات الجأش، والنشوء بين صليل السيوف، ومزاحف الصفوف. # أخذ بعضدها فاتح القسطنطينية، وكان تقيا صالحا؛ فأناف بها على اليفاع، وتوقل بها ~~سني المراتب، ناهيك بمالك القسطنطينية إذا كان خيرا عادلا، وما زالت تتدرج في ~~منازل العظمة، ومواطن السؤدد، حتى كانت أيام السطان سليمان القانوني، وفيها بلغت آخر ~~مدى، ووقفت عند منتهى الغائية، وهو صاحب الفضل في جعلها حكومة نظامية قانونية، ~~بعد أن كانت تجري على تقاليد محفوظة، لا غناء بها، ولا نظام لها، ومن ذلك الحين دب ~~الضعف في جسمها، وكان إهمال أولي الأمر وجهلهم وسومهم الرعية سوء العذاب مساعدا على ~~نماء الضعف، وسريانه في جسم الدولة، إلى أن تولى السلطان محمود الثاني، ذلك المحب ~~للإصلاح، والدولة على شفا جرف هار ينذرها بالاضمحلال والفناء، ألفاها وقد فقدت تلك ~~القوة التي كانت تباهي بها، ولم تضرب بسهم في العلم الذي أصبح السلاح القاطع والقوة ~~الكبرى في ذلك ms01 الحين وهذا الحين، فقوم منآدها بما في وسعه، وأصلح فاسدها بما في طوقه، ~~ومما يذكر له بالثناء عليه تنكيله بالانكشارية الذين كان زمام الملك في يدهم لذلك ~~العهد، وكانوا من أشد العوامل في إفساد الدولة وإضعافها، ثم تولى الملك السلطان عبد ~~المجيد والدولة في قلاقل داخلية ومشكلات خارجية تضعف الرجاء في إقالتها من عثرتها، ~~وإنهاضها من كبوتها، بل إرجاعها إلى سابق عزها، وسالف مجدها، فأخذ ببعضها، وحدد ~~للحكومة وظائفها، وبين للرعية حقوقها، ويكفيه فخرا أنه هو الواضع لخط «كلخانه» ~~المعروف. # لم يكد عبد المجيد يوارى في رمسه حتى قام السلطان عبد العزيز وهو الذي زين له حب ~~الشهوات، وأولع بحب السيطرة، وأشرب قلبه القسوة، ينكث فتل سلفه، ويصدع رأب سابقه، وكان ~~عونا له على هذا التخريب وزيره محمود نديم باشا، حبيب «أغناتيف» السفير الروسي في ذلك ~~العهد، ومنفذ غايه ومقاصده. # ثم جلس على سرير الملك السلطان عبد الحميد الثاني، بعد أن تولى الملك السلطان مراد ~~مدة لم تتجاوز ثلاثة وتسعين يوما، ولم يكد يستقر على السرير حتى أحاط به جمهور من ~~الأحرار، وزينوا له أن يسير على سنن أوروبا، فتكون حكومته دستورية حرة، وكان مدحت ~~باشا هو الرأس المدبر لهذه الحركة، واليد العاملة فيها، ولم تكد تقر عيونهم بتحقيق ~~الرغيبة، حتى فوجئوا بالنفي والإبعاد، وإلقائهم في غيابة السجون، وإغراقهم في لجج ~~البوسفور! # ابتدأت المظالم منذ ذلك الحين تحارب الأمة في جميع مقومات الحياة، والتف حول ~~السلطان فريق من الجواسيس «يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية» فطفقوا يرضون المخلوق ~~بما يسخط الخالق، وافترعوا ضروبا من الظلم، وأفانين من الإرهاق والتضييق، كانوا ~~يصولون بها على الأمة صيال الوحوش الضارية، والطيور الكاسرة ذوات المخالب، وامتد بهم ~~الإفساد إلى أن سلطوا بعض رجال الأمة على بعض، ففتوا في عضدها، وأفسدوا أخلاقها، حتى ~~بات الابن يخشى أن يأتيه الضر من قبل أبيه، والأخ يتوقع أن يحيق به البلاء من ناحية ~~أخيه، وكان العلم أخوف ما يخافونه، فنكلوا برجاله شر تنكيل، ففر منهم من أفلت ms02 من ~~ظلمهم إلى أوروبا وأمريكا ومصر. # كان الأحرار في غضون هذه اللمعات والكوارث النازلة بأمتهم قد أجمعوا أمرهم سرا، ~~وأنشئوا الجمعيات السياسية في بلاد الحرية التي تبوءوها، ونشروا الجرائد والكتب ~~والرسائل، وكلها تنديد بالحال الحاضرة، وغلا في ذلك قوم واستخذى آخرون، حتى قام فريق ~~من الشبان في الأستانة - ومعظمهم من طلاب المدرسة الطبية والمتخرجين فيها - فأسسوا ~~جمعية الاتحاد والترقي منذ ثماني عشرة سنة، ثم نمت وعظمت بعد ذلك، وانتظم في سلكها ~~كثيرون من كبار الأحرار وخيار العقلاء، وقد كان لرجالها تكتم غريب، وتحفظ شديد، ~~وحزم عظيم، كانت بدايته السلامة من صولة الجواسيس، ونهايته ذلك الفوز الكبير والنصر ~~المبين؛ إذ قاموا بقلب أعرق حكومة في الاستبداد إلى حكومة دستورية حرة، من دون أن ~~تراق في سبيل ذلك نقطة دم، مع أن المسطور في التواريخ أن مثل هذا الانقلاب لم تصل أمة ~~إلى ساحله إلا بعد خوضها في بحر لجي من الدم. # لم تكن دهشة الأمة العثمانية وإعجابها بهذا الانقلاب بأكثر من دهشة سائر الأمم ~~الأخرى، فقد تجاوزت صيحات «نيازي» و«أنور» بلاد الدولة العلية إلى مدن أوروبا وغيرها؛ ~~فالتفتت مذعورة حائرة من هذا المصير العجيب الذي ما كان يخطر لها ببال، ولا يزال الناس ~~فيها وفي غيرها من بلاد الدنيا معجبين بهذا الانقلاب الذي لم يع التاريخ في صدره له ~~ضريعا، حائرين في أسبابه ومقدماته، حتى قام اليوم الكاتب السياسي، والأديب الألمعي، ~~صديقنا محمد روحي بك الخالدي، عضو القدس الشريف في مجلس النواب العثماني، بتأليف ~~رسالة جليلة في هذا الموضوع، أماط فيها اللثام عن الأسباب المجهولة، والحقائق المخدرة، ~~وقد بحث فيها بحثا فلسفيا في أصل الاستبداد ونشوئه، وشكل الحكومة العثمانية في بدء ~~تأسيسها، وبيان تقاليدها الموروثة ونظاماتها المكتسبة، وشيوع الخلل في إدارة الدولة ~~واستبداد أولي الأمر فيها، مما أدى بها إلى شر حالة، وكان سببا في قيام الأحرار ~~ومطالبتهم بالإصلاح، وأفاض القول في شئون الأحرار وتاريخ ظهورهم، وبيان الطرق التي ~~سلكوها ليصلوا إلى مقاصدهم، مع تراجم لمشهوريهم. # جال المؤلف في ذلك جولة ms03 المؤرخ الواقف على الحقائق، واستنتج من الحوادث التي سردها أن ~~الانقلاب هو النتيجة التي لا بد منها لتلك المقدمات التي سبقته، فكان ما كتبه جديرا ~~بأن يكون رائدا لمن يأنس في نفسه شغفا إلى استكناه تلك الغوامض التي أدهشت العالم، ~~وقلبت كيان السياسة، وأي قارئ ليس شغوفا بذلك؟ # ونشرت الرسالة في مجلة «المنار»، فكانت موضع استحسان العلماء العقلاء، والكتاب ~~الأبيناء، وكان بدا لي أن أستأذن مؤلفها في طبعها على حدة لتكون كتابا مستقلا تلذ ~~مطالعته، وتسهل مراجعته، فكتبت إليه راغبا في ذلك، فرجع القول ملبيا الطلب؛ سامحا ~~بتنقيح ما لا تسلم منه كتابة المتسرع، ولا سيما إذا كان كمؤلفنا لم يتح له أن يعيد ~~النظر على ما كتب. # وإني أزفها اليوم إلى الناطقين بالضاد مطبوعة طبعا صحيحا نظيفا، رجاء أن ~~يستفيدوا من تحقيق مؤلفها، ويقفوا على أسباب ذلك الانقلاب العجيب، وخليق بأهل هذا القطر ~~الذين شغفوا بالدستور وقد ضلوا طريقه، ولم يهتدوا إلى بابه، أن يمعنوا في معانيها، ~~ويتبينوا مراميها، عسى أن يتأسوا بأولئك الأحرار، ويكونوا من خير المحتذين لهم في ~~هذه الديار. # القاهرة في سلخ ذي القعدة سنة 1326 # حسين وصفي رضا # | الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة # الفرق بين الانقلاب والثورة # الانقلاب في اصطلاح المؤرخين، تغيير مهم في حكومة الدولة وقلب في قوانينها، وهو غير ~~الثورة التي بمعنى العصيان والخروج عن الطاعة والقيام على الحكومة المشروعة، والفرق بين ~~الانقلاب والثورة كبير؛ فإن الثورة كثيرا ما تضر بمنافع الأمة ومصالحها وتصدها عن ~~السير في طريق النجاح؛ بخلاف الانقلاب، فإنه مهما آلم الأمة ورضرضها فهو يخطو بها خطوة ~~في نهج التقدم، ويصعد بها درجة في سلم النجاح، وأكثر كتاب العربية لا يفرقون بين ~~الكلمتين، فيطلقون اسم الثورة على الانقلاب، فيقولون: الثورة الفرنسية مثلا، بدل ~~الانقلاب الفرنسي، ولم يلتفتوا إلى ما روي عن لويس السادس عشر ملك فرنسا لما أخبر ~~بهدم قلعة الباستيل # la Bastille # وإطلاق المسجونين ~~فيها، فقال: إذن هذه ثورة # Revolte # فأجابه المخبر: ~~عفوا يا مولاي، بل هذا انقلاب # Revolution ~~. # فمراد ms04 ملك فرنسا أن فعل الثائرين غير مشروع، ولا حق لخروجهم عن الطاعة، وجواب المخبر ~~ينافيه، ويبين أن الانقلاب غير الثورة والعصيان، فنحن اليوم أحوج إلى تعيين معاني ~~الكلمات وإلى وضع قوالب الألفاظ على قدر المعاني؛ لأن الانقلاب السياسي من شأنه أن يحدث ~~انقلابا في اللغة والأدب، فضلا عن انقلاب الأخلاق والعادات والأفكار، ألا ترى الجرائد ~~العثمانية على اختلاف لغاتها من تركية وعربية ورومية وأرمنية ويهودية - ~~إسبانية وعبرانية - وبلغارية وفرنسية والجرائد الألبانية والكردية على وشك ~~الظهور، كيف بدلت لهجاتها بعد حدوث الانقلاب، وهجرت تلك الألفاظ الفخمة والتعبيرات ~~السقيمة، التي تغطي المعاني بستار الإبهام حتى تستبهم على القارئ، وتقيد فكره بسلاسل ~~التذليل والاستعباد؟! # الاستبداد يولد الانقلاب # إن الذي يولد الانقلاب هو الاستبداد، ومقتضاه التغلب والقهر اللذان هما من آثار ~~الغضب والحيوانية، لا من قواعد الدين الإسلامي كما يتوهم بعضنا، وأكثر الأوروبيين ~~الذين يصفون الحكومات الإسلامية بكونها ثيوقراطية؛ أي إنها جامعة بين الديانة ~~والسياسة، وأحكام المستبد أو المستبدين في الغالب جائرة عن الحق، مجحفة بمن تحت يدهم من ~~الخلق، لحملهم إياهم على ما ليس في طوقهم من أغراض المستبد أو المستبدين وشهواتهم؛ ولذا ~~ورد في الخط الشريف السلطاني الذي أعطي به القانوني الأساسي: «إن قوة الحكومة تحافظ ~~على حقوقها المقبولة والمشروعة، وعلى منع الحركات غير المشروعة، أعني بها: منع ومحو ~~الخطيئات وسوء الاستعمالات المتولدة من الحكم الاستبدادي الفردي أو الأفراد القلائل ~~ليستفيد جميع الأقوام المركبة هيئتنا منهم نعمة الحرية والعدالة والمساواة بلا ~~استثناء، وذلك حق ومنفعة حريان بالهيئة الاجتماعية المدنية ... إلخ.» # الاستبداد والإسلام # الاستبداد هو منبع الشرور، وسبب التأخر والانحطاط، وقد ورث ملوك الإسلام هذا ~~الاستبداد عن أكاسرة الفرس وقياصرة الرومان، عن نماردة بابل وفراعنة مصر، عن جنكيز خان ~~وتيمور لنك، والإسلام أول شريعة اعترضت على الاستبداد وقاومته أشد المقاومة، وساوت بين ~~أفراد الأمة، وحافظت على الحقوق والحرية الشخصية، وأمنت الأجانب المعاهدين - ~~فضلا عن أفراد الأمة - على أموالهم ودمائهم وأعراضهم، ومهدت السبيل للحكومة ~~الديمقراطية، ووضعت حق الحاكمية في الأمة، ولم تكتف بإعطائها الحرية ms05 في القول ~~والعمل والكتابة والاجتماع، بل فرضت على كل فرد من أفرادها الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر؛ فجعلت الأمة مسيطرة على الحقوق العامة، ولم تفرق في الحقوق الخاصة بين ~~المسلمين وخليفتهم ولا أولي الأمر منهم، ورد في«الدرر» وهو من أهم الكتب الشرعية: «إن ~~الخليفة يقتص منه ويؤخذ بالمال؛ لأنهما من حقوق العبد، ويستوفيه ولي الحق؛ إما ~~بتمكينه أو بالاستعانة بمنعة المسلمين»، ولذا حكمت القضاة على أكثر من واحد من ~~الخلفاء وسلاطين الإسلام برد المال وضمانه، وأنزلتهم عن المنصة، وأقعدتهم مع الخصم ~~في مجلس الحكم. # الاستبداد آسيوي لا إسلامي # كانت الحال على ما ذكر مدة الخلفاء الراشدين، ومن اقتفى أثرهم كعمر بن عبد العزيز من ~~بني أمية، ثم تغلب الاستبداد الآسيوي على أحكام الدين الإسلامي، وانقلبت الخلافة ~~إلى سلطنة، وأصبح خليفة الإسلام - مقدسا وغير مسئول - كملوك الإفرنج ليومنا هذا؛ لا ~~يقتص منهم، ولا يؤخذون بالأموال، ولا تستطيع المحاكم إحضارهم ولا إصدار الحكم ~~عليهم، ويرثون الملك كما يرث أحدنا مال أبيه، فاستبدوا بالأمر استبداد لويس الرابع عشر ~~الذي كان يقول: «الدولة هي أنا» و«أموال الرعية إنما هي ملك لملكها، فإذا أخذ شيئا ~~منها فقد أخذ حقه!» واستباحوا التصرف في نفوس الرعية وأموالهم وأعراضهم، وفي خزائن ~~الدولة وبيت المال وأوقاف المساجد والمؤسسات الخيرية، وصار الوزراء والمصاحبون ~~يقولون: «خسرو بكند شيرينست»؛ أي ما أعجب كسرى فهو حسن، فالحسن هو ما استحسنه السلطان ~~والقبيح ما استقبحه السلطان، ولا دخل في ذلك للعقل والذوق، ولا للحكمة والشرع؛ لأنهم ~~أولوا الشرع على حسب غاياتهم وأغراضهم. # فإذا تصفحت تواريخ الأمم الإسلامية في الشرق والغرب تراها مؤسسة على هذا الاستبداد ~~الآسيوي، وعلى جانب من الاستعباد الأفريقي، وليس فيها شيء من الحرية الإسلامية، ~~ولا المشورة المأمور بها في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما قال الله ~~لنبيه: # ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من ~~حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ~~فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب ~~المتوكلين ~~(آل عمران، آية: 159)، وقوله تعالى: # وأمرهم شورى بينهم ~~(الشورى، الآية: ms06 38)، وحديث: «أنتم ~~أعلم بأمور دنياكم»، وأمثاله كثيرة؛ كحديث حلف الفضول المشهور في التواريخ، وذلك أن ~~قبائل من قريش تداعت إلى حلف الفضول الذي عقدته قديما قبائل العرب، واشتهر باسم ~~رؤسائهم: الفضيل والمفضل، فاجتمعت وجوه قريش في دار عبد الله بن جدعان، ونسبه، ~~فتحالفوا وتعاقدوا: ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو من غيرها من سائر الناس إلا ~~قاموا معه، وكانوا على ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وكان ذلك قبل الإسلام، قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان، ما أحب أن لي به حمر ~~النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» فأي شيء أشبه بهذا الاجتماع والتعاقد من ~~البرلمان والمبعوثين؟ لا بل من جمعية الاتحاد والترقي؟ ولقد أحسن جدا العلامة ~~المقري في جوابه المذكور في «نفح الطيب» حيث قال: # سألني بعض الفقهاء عن السبب في سوء بخت المسلمين في ملوكهم إذ لم يل أمرهم ~~من يسلك بهم الجادة، ويحملهم على الواضحة، بل من يغتر في مصلحة دنياه، غافلا ~~من عاقبة أخراه، فلا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، ولا يراعي عهدا ولا ~~حرمة! # فأجبته: بأن ذلك لأن الملك ليس في شريعتنا، وذلك أنه كان فيمن قبلنا شرعا، ~~قال الله تعالى ممتنا على بني إسرائيل: # وجعلكم ~~ملوكا ~~(المائدة، الآية: 20) ~~ولم يكن ذلك في هذه الأمة، بل جعل لهم خلافة، قال الله تعالى: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ~~، ~~(النور، الآية: 55) وقال تعالى: # وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم ~~طالوت ملكا ~~(البقرة، الآية: 247)، وقال سليمان: # رب اغفر لي وهب لي ملكا ~~(ص، الآية: 35) ~~فجعلهم الله تعالى ملوكا، ولم يجعل في شرعنا إلا الخلفاء؛ فكان أبو بكر خليفة ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وإن لم يستخلفه نصا؛ لكن فهم الناس ذلك فهما، وأجمعوا ~~على تسميته، ثم استخلف أبو بكر عمر، فخرج بها عن سبيل الملك الذي يرثه الولد عن ~~الوالد إلى سبيل الخلافة الذي هو النظر والاختيار، ms07 ونص في عهده على ذلك، ثم ~~اتفق أهل الشورى على عثمان، فإخراج عمر لها عن بنيه إلى الشورى دليل على أنها ~~ليست ملكا، ثم تعين علي بعد ذلك إذ لم يبق مثله، فبايعه من آثر الحق على ~~الهوى، واصطفى الآخرة على الدنيا، ثم الحسن كذلك، ثم كان معاوية أول من حول ~~الخلافة ملكا، والخشونة لينا، ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم، فجعلها ~~ميراثا، فلما خرج بها عن وضعها لم يستقم ملك فيها، ألا ترى أن عمر بن عبد ~~العزيز - رضي الله عنه - كان خليفة لا ملكا؛ لأن سليمان - رحمه الله - رغب عن ~~بني أبيه إيثارا لحق المسلمين، ولئلا يتقلدها حيا وميتا، وكان يعلم ~~اجتماع الناس عليه، فلم يسلك طريق الاستقامة بالناس قط إلا خليفة، وأما ~~الملوك فعلى ما ذكرت إلا من قل، وغالب أفعاله غير مرضية ا.ه. # فيظهر لنا من هذا الكلام الفرق بين الخلافة والملك، والسبب الذي جعل ملوك الإفرنج ~~مقدسين وغير مسئولين. # منبع الاستبداد قصر الملك والخلافة # إن منبع استبداد الدول الإسلامية في قديم الزمان وحديثه هو قصر الخلافة، ودار الملك ~~والإمارة؛ حيث تكثر دسائس المقربين، ويشتد حرصهم على الجاه وطمعهم في الأموال ~~وادخارها وفي إنفاذ الكلمة، ولذا ابتعد عنهم أهل التقوى والورع في جميع البلدان ~~والأزمان، فالمقرب منهم لا يكاد يتم له الأمر إلا ويظهر له رقباء يشون به، وينصبون له ~~أشراك المكيدة، ويتهمونه بأنواع التهم، وينسبون إليه كل الخلل في الدولة، حتى يبعدوه ~~عن مركز الدولة، وربما تسببوا في مصادرته وقتله مع أولاده وعياله، كما جرى للبرامكة ~~مع هارون الرشيد، فتاريخ الدول والإمارات الإسلامية كله وقائع برمكية، وقد ينتصر ~~الوزير على الخليفة أو الأمير ويحجر عليه ويصير هو المستبد بالأمر، ونتيجة القضيتين ~~واحدة وهي الاستبداد، وتغلب القوة على الحق، والأمة في جميع هذه الأحوال شاخصة ببصرها ~~لا تطلع على خفايا السياسة وتدبير الملك، ولا دسائس المقربين وحيلهم لإخفائهم جميع ~~ذلك عنها، واستبدادهم بالأمر عليها، ولقد أجاد لسان الدين بن الخطيب - وزير بني ~~الأحمر - في الرسالة ms08 التي خاطب بها الوزير بن مرزوق ووصف بها أحوال خدمة الدولة ~~ومصائرهم، وعبر فيها عن ذوق ووجدان، وهي أبلغ ما حرر في هذا الصدد، وقد ذكرها ~~المقري في الجزء الثالث من «نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب»، فالمصلحون لم يتخلصوا ~~من هذه الغوائل ولا وجدوا وقتا لإصلاح داخل الممالك وتحكيم سياستها الخارجية، ولذا ~~انصرفت هممهم لجمع الأموال وادخارها، واغتنام فرصة التقرب ونيل التوجه واكتساب ~~السعادة؛ لأن الواحد لا يدري إلى متى يدوم له التوجه والإقبال، فيسارع إلى الاستفادة من ~~الحال التي أسعده الحظ بنيلها. # قصر السلطنة العثمانية وتربية ولي العهد والكامريلا # كان قصر السلطنة في الممالك العثمانية مرتبا على الأصول والتقاليد الموروثة عن ~~المغول، فقد كانت الدولة عبارة عن خيمة كبيرة حكومتها بابها العالي، وأول وظيفة على هذه ~~الحكومة إنزال الخان المعظم على الرحب والسعة، وإسكان من معه من الحريم والأسرة ~~والأقارب والحاشية، واستكمال أسباب راحتهم وسعادتهم، واستحضار النفقات اللازمة لهم ~~ولرؤساء «العرضى»؛ فالعمود الأوسط القائمة عليه هذه الخيمة هو «الصدر الأعظم» القائم ~~مقام الخان المعظم؛ أي السلطان والحامل لختمه الذاتي والوكيل المطلق عنه في جميع مسائل ~~الدولة الداخلية والخارجية، وبجانبه «قاضي عسكر» لفصل الدعاوى وتقسيم مواريث الجند ~~والمحافظة على حقوق السلطنة، وشيخ الإسلام إنما هو «قاضي عسكر» وظيفته أحدث عهدا؛ ~~فقضاء العسكر قديم في الدولة ومتقدم فيها على قضاء المدن، مما يدل على حياتها ~~العسكرية المنتقلة، ثم «الدفتردار» الذي يقيد الأموال ويحرر الحساب وهو اليوم ناظر ~~المالية، ثم «النيشانجي» الذي يكتب الإرادات والفرمانات وغيرها. # فهؤلاء أعمدة ثانوية حوالي العمود الأعظم الذي في وسط الخيمة، وأما حبال الخيمة فهي ~~الأغوات. # ويقسم الأغوات - بحسب خدمتهم في الداخل أو في الخارج - إلى قسمين: فالقسم الأول هم ~~خدمة الداخل المسمى «أندرون» من مماليك البيضان وطواشية السودان المحافظين على الحريم، ~~وكبيرهم آغا دار السعادة، ويسمى أيضا آغا البنات «قيزلر آغاسي»، ثم آغا البستانيين ~~«بستانجي باشي» المكلفين بزرع البساتين والجنان، وآغا الرسل الموصلين للأخبار، وآغا ~~المحافظين على الأثواب والألبسة «أثوابجي باشي» و«القهوة جي باشي» و ms09 «الأبريقدار» ~~و«السجادة جي باشي» ... إلخ. # والقسم الثاني: هم خدمة الخارج وأغوات «العرضى» مثل آغا الانكشارية «يكيجري ~~آغاسي» وآغا الصباهية «سباهي» وآغا الطوبجية وهو «الطوبجي باشي» ... إلخ، فهؤلاء ~~الأغوات من خدمة الداخل وخدمة الخارج كلهم في درجة واحدة بمثابة حبال الخيمة، ولا فرق ~~بينهم في التشريفات الرسمية والمعاشات والتعيينات، ولا في الاعتبار والمكانة عند ~~الدولة، فالجاهل والعالم، والعبد المملوك والحر، ووضيع النسب وشريفه، ومجهول الأصل ~~ومعروفه، والأبتر الخصي وكامل الأعضاء؛ كلهم متساوون، لا تمييز بين «القهوة جي باشي» ~~الذي لا تحتاج صناعته إلا لمعرفة طبخ القهوة وتقديمها، وبين «الطوبجي باشي» المتوقفة ~~صناعته على معرفة الفنون العسكرية والمعارف الكثيرة، وهذا الذي حمل الشاعر المفلق ~~الأمير شكيب على أن يقول أبياته المشهورة، ومنها: # وألفيت فيها أمة عربية # يرى الترك منهم أمة الزنج أكرما # ولذا امتزجت الحياة البيتية بالحياة الدولية، والمسائل النسائية بالمسائل ~~السياسية، وأشغال السراي السلطانية بأشغال الباب العالي، وبين السراي والباب العالي ~~وسط يقال له المابين؛ لأنه بين «الإندرون»؛ أي الداخل، وبين «البيرون»؛ أي الخارج. ~~ويشتمل المابين على الكتاب والقرناء والمصاحبين؛ وهم «المابينية»، ويعدون كلهم ~~من أهل السراي وخدمتها. # فامتلأت السراي السلطانية بالأسرى من السراري الجركسيات والمماليك والطواشية، مع أن ~~الشرع الإسلامي لا يبيح هذه العادة المستكرهة، قال شارح الدر: «وفي قطع الذكر من الأصل ~~عمدا قصاص.» ويندر فيهم وفي جميع خدمة الداخل من يتعلم القراءة فضلا عن الكتابة؛ لأن ~~فضيلة الواحد منهم أن يكون على الفطرة الأصلية فارغا من العلوم والمعارف، لئلا يسول ~~له الشيطان أمرا أو دسيسة سياسية توجب انقلاب الملك؛ ولذا اختاروا الخدمة من قرى ~~الأناضول البعيدة ومن ذوي السذاجة والغرارة، فإذا ولد لأحد السلاطين العظام مولود ~~تربى في حجر والدته الجركسية على دلال السراري والأغوات إلى تمام السنة الثانية ~~عشرة من عمره، ثم تبدل تلك السراري بالحظايا؛ فيتخذ منهن حرما ينزوي بهن في أحد ~~القصور، وتبقى الأغوات والمماليك على ما كانت عليه أيام صباه، وربما جاءه بحافظ يحفظه ~~القرآن، ومعلم يعلمه مبادئ العلوم، ولكن أكبر معلم للإنسان هو ms10 البيئة التي يكون فيها، ~~وكيف يتعلم المرء من دون أن يخرج من بيته ويحتك بالعلماء ورجال الدولة؟! فيبقى ولي ~~العهد على الحال ينتظر دوره في الملك، وهو محبوس في قصره، وعليه العيون والجواسيس لا ~~يمكنون أحدا من الدنو إليه ولا المرور بجانب قصره، فضلا عن محادثته في المسائل ~~العلمية والسياسية. # ومتى جاء دوره وجلس على السرير الملك سعى طواشية السودان ومماليك البيضان في وضعه تحت ~~نفوذهم، وحرصوا على ألا يفلت من أيديهم، وفتشوا على أضعف نقطة في قلبه وأخلاقه، فلا ~~يمضي عليهم كثير حتى يكتشفوها، فيستميلون قلبه إليهم من تلك النقطة، ويستفيدون منها ~~لإنفاذ كلمتهم وجر المنافع إليهم وإلى أصحابهم ومن كان من حزبهم وشيعتهم، فيتألف من ~~خدمة القصر الملوكي حزب قوي يسمى كامريلا # Camarilla ~~، وهي كلمة إسبانية معناها جماعة المتنفذين في قصر الملك، ~~فيتداخلون في المسائل ويعارضون في السياسة ويستولون على الأمور، وإذا رأوا السلطان مال ~~إلى صدر أعظم أو وزير، انقضوا عليه وسلقوه بألسنتهم وافتروا عليه بإفكهم، ونسبوه ~~للعجز والتقصير، وسعوا في تنزيل قدره وترذيله؛ لأجل وضعه تحت سيطرتهم؛ ولذا كان في ~~الغالب للقهوة جي باشي والأثوابجي باشي والإبريقدار والسجادة جي باشي والبستانجي باشي، ~~حتى البلطة جي باشي - وهو الحطاب؛ نفوذ كلمة ومكانة أكثر من الصدر والوزراء وبقية ~~رجال الدولة، ولا سيما في المسائل المالية وجر المنافع وتوظيف المنتسبين إليهم، ~~ولم تزل رتبة آغا دار السعادة معادلة لرتبة الصدر الأعظم والخديو المعظم، ولهم ~~بالفرنسية لقب سون ألتس # Son Altesse # كأمراء الإفرنج ~~وأبناء ملوكها العظام، ولم يزل أكثرنا متذكرا نفوذ بهرام آغا وأمثاله. # شروع الدولة العلية بالإصلاح # لو استمرت أوروبا نائمة في ظلام القرون الوسطى لبقيت الدولة العلية سائرة في هذه ~~الطريق العوجاء سير مملكة الصين، أو سلطنة المغرب الأقصى التي انحطت إلى درجة ~~البداوة، بعد أن كان لها في العمران قدم راسخة، بسبب مهاجرة الأندلسيين إليها ~~ومتاجرتهم في إفريقية الغربية، ولكن أوروبا استيقظت من غفلتها في القرون الجديدة، ~~وأوجدت هذه المدينة العجيبة التي بهرت العالم، وغيرت وجه الأرض ms11 باكتشافاتها ~~واختراعاتها وعلومها وفنونها وآدابها، وتجاوزت دول أوستريا «النمسا» وروسيا والبندقية ~~إلى ممتلكات الدولة العلية، فأحست بالضعف والانحطاط والتقهقر، وبدأت في الإصلاحات ~~الجديدة من عهد السلطان مصطفى خان الثالث: فأحدثت الطوبخانة، وأنشأت معملا لصنع ~~المدافع، وأقبل السلطان سليم الثالث بهمة عالية وإقدام على القيام بالإصلاح، ورتب ~~إدارة الطوبجية والبحرية، وجلب المعلمين والمهندسين من أوروبا، وأحدث النظام ~~الجديد، فاغتالته أيدي المنون بسبب هيجان الانكشارية الذين فسدت أخلاقهم، وأصبحوا ~~بلاء مبرما على الأمة والدولة، بعد أن كان لهم في الفتوحات العثمانية شأن عظيم، ~~ومفاخر كثيرة مسطورة في تاريخ أوروبا العسكري. # السلطان محمود الثاني # ثم جلس السلطان محمود الثاني وأزال غائلة الانكشارية، ونظم العساكر الجديدة، وأجرى من ~~الإصلاحات ما هو مفصل في التاريخ العثماني، وأصاب الدولة العلية من الحوادث ~~المهمة ما حملها على الاحتكاك بالدول الأوروبية والدخول في ميدان سياستها مثل حروبها ~~مع روسيا، واحتلال نابليون بونابرت لمصر وسوريا، وخروج محمد علي باشا، وحرب المورة، ~~واستقلال اليونان، وحوادث جبل لبنان، وتدخلت أوروبا في شئون الدولة العلية باسم ~~المحاماة عن المسيحيين: فروسيا تحامي عن الأمم السلافية وجميع المتدينين بالمذهب ~~الأرثوذكسي، وفرنسا عن الكاثوليك، وإنجلترا عن مبشري البروتستانت، وكن جميعهن يحرضن ~~المسيحيين من رعية الدولة مقاومة الاستبداد، ويطالبن الباب العالي بإجراء الإصلاحات، ~~ووضع القوانين والنظامات لمنع التعدي على النصارى، ولمساواتهم في الحقوق مع المسلمين، ~~والباب العالي يجد الاستفادة من العداوة القديمة التي غرستها الحروب الصليبية بين ~~المسلمين والنصارى؛ أهون عليه من سوق العساكر وتكبد المصروفات الحربية لتسكين ~~الفتن وإخماد الثورات؛ وهكذا جرت المذابح، وارتكبت الفظائع التي تقشعر الجلود من سماع ~~وصفها، وعادت على الوطن بالويل والخراب: كمذابح الروم في حرب المورة، ومذابح لبنان في ~~حادثة الشام، وكمذابح البلغار في حرب روسيا الأخيرة، وهي التي قام لها جلادستون وقعد، ~~وأرغى وأزبد، على منبر الخطابة في مجلس العموم الإنجليزي، وآخرها الفظائع الأرمنية ~~المعروفة، وهي نقطة سوداء في صحيفة التاريخ. # صدراة مصطفى رشدي باشا # إن الحوادث التي جرت قبل معاهدة باريس ساقت بعض رجال الدولة إلى تعلم اللغات ms12 ~~الأوربية، ولا سيما الفرنسية؛ للوقوف على سياسة أوروبا ولتنظيم العساكر البرية ~~والبحرية. وكان لأكثر المتعلمين نسبة وتردد على مصر، التي شرعت بالإصلاحات على عهد ~~محمد علي باشا؛ فنبغ من رجال الدولة مصطفى رشيد باشا السياسي الشهير، ابن مصطفى أفندي ~~متولي وقف السلطان بايزيد، وكان مولده في الأستانة (1241ه). # قرأ القرآن ومبادئ العلوم الإسلامية، وأجاد الخط وتعلم شيئا من مبادئ اللغة ~~الفرنسية، ثم لازم نسيبه الصدر الأسبق اسبارطة علي باشا، وذهب إلى مصر مرارا، وخالط ~~رجالها، وتقلب في مناصب الدولة العلية، وفي سفارة باريس ولوندره، فأكمل تحصيل اللغة ~~الفرنسية، واطلع على دقائق السياسة وخوافيها، وكانت المسألة الشرقية شاغلة وزارات ~~أوروبا؛ بسبب اجتهاد روسيا في جميع كلمة الأمم السلافية، وطمعها في الاستيلاء على ~~القسطنطينية، وروسيا أكبر الدول الأوروبية وأكثرها نفوذا وأشدها خطرا على ~~الموازنة السياسية، فكانت الدول الأوروبية - وفي مقدمتهن إنجلترا التي هي أحرص ~~الدول على مقاومة السياسة الروسية - تشوق الدولة العلية إلى القيام بالإصلاحات ~~الجديدة لتستعيد قوتها السابقة فتحمي نفسها، وتكون لبقية الدول سدا منيعا أمام ~~هجوم روسيا. # السلطان عبد المجيد # لما جلس السلطان عبد المجيد خان (تموز/يوليو سنة 1839) كان مصطفى رشيد باشا سفيرا ~~في لوندره، فعين ناظرا للخارجية وحضر إلى الأستانة، وكان له رأي ودخل كبير ~~التنظيمات، وفي تشرين الثاني/نوفمبر من السنة المذكورة قرأ بحضور رجال الدولة وأعيانها ~~وسفراء الدول الأجنبية الخط الشريف السلطاني المعروف بالتنظيمات، وكانت قراءته في ~~كلخانة - أي دار الورد - وهي من دوائر السراي القديمة - طوب قبو - التي بجانب جامع ~~أياصوفيا؛ ولذا اشتهر بخط شريف كلخانة، وقد اشتمل على تأمين الرعية على أرواحهم ~~وأموالهم وأعراضهم، وعلى قاعدة مطردة في استيفاء الأموال الأميرية، وعلى أخذ العسكر ~~بالقرعة وتعيين مدة الخدمة، وإلغاء الامتيازات، وطرح التكاليف بنسبة ما لكل واحد من ~~الثروة، ومساواة الرعية أمام القانون، وإلغاء المصادرة و«الإنغارية»؛ وهي الإجبار على ~~العمل بلا أجرة وتعرف بالسخرة، ونحو ذلك مما هو مدرج في هذا الفرمان المعروف ~~بالتنظيمات. # فالدولة العلية إنما أصدرت هذه التنظيمات إرضاء لأوروبا، ولا سيما إنجلترا. ~~والأمة الإسلامية ms13 لم تفهم معنى هذه التنظيمات ولا معنى تأمين الناس على الأرواح ~~والأموال والأعراض، كأن الشريعة التي كانت دستور العمل تبيح التجاوز والتعدي على ~~الأرواح والأموال والأعراض، وحاشاها من ذلك، فالبلاء لم يكن سببه فقدان القانون ~~والشريعة حتى يزول بإصدار هذه التنظيمات، وإنما سببه الاستبداد المتسلط على كل قانون ~~وشريعة، فالحرية التي منحتها التنظيمات لم تكن شيئا مذكورا بجانب الحرية التي ~~منحها القرآن، لو زال الاستبداد والجهل المستوليان على أهله المسلمين، واجتهدوا في فهمه ~~وتأويله على مقتضى نواميس المدينة الحاضرة، كما فعل أحرار العلماء، كالشيخ محمد عبده ~~وغيره. # شرعت الدولة العلية في إجراء الأحكام المشار إليها في التنظيمات، وسنت قانونا ~~لأخذ العسكر جرى تطبيقه في بعض الإيالات، وأحدث في بعضها ثورة وعصيانا كعصيان ~~الأرناؤوط (1844) الذي سكنه رشيد باشا نفسه، ثم باشرت في تنظيم المعارف وفتح المدارس في ~~الأستانة، ونظمت محاكم التجارة المختلطة (1846)، كما نظمت بعض دوائر الدولة وأقلامها، ~~فكان مصطفى رشيد باشا - الذي تولى مسند الصدارة العظمى ست مرات، وتوفي سنة 1274ه/1858م ~~- مصدر هذه الإصلاحات، بسبب وقوفه على الأفكار الجديدة، ومعرفته اللغة الفرنسية ~~والأدبيات العثمانية، وهو أول من أفرغ الكتابة التركية في قالب سهل سلس، بعد أن ~~كادت تكون غير مفهومة عند الجميع، لكثرة ما فيها من التعقيد والتشبيهات الغامضة ~~والألفاظ والتراكيب اللغوية من فارسية وعربية، ونشأ في عهده وتحت ظله الشاعر ~~الشهير إبراهيم شناسي أفندي موجد الأدب العثماني الجديد، حصل العلوم العربية واللغة ~~الفرنسية، وذهب إلى باريس فاطلع فيها على آداب الطريقة المدرسية، ونسج على منوال ~~راسين ولافونتين، وأدخل في الأدب التركي التعقل المشروط في الطريقة المدرسية، كما ~~فصلنا ذلك في كتابنا «تاريخ علم الأدب». # وكان الأدب التركي كله خيالات ومبالغات أعجمية، قلما يجد الإنسان فيه حكمة وتعقلا، ~~وديوان شناسي صغير الحجم، ولكنه أنموذج للأدب الجديد، وأكثر قصائده في مدح مصطفى رشيد ~~باشا، وأنشأ شناسي جريدة تركية سماها «تصوير الأفكار»، وحرر فيها المقالات ~~السياسية والتاريخية والأدبية بقلم سهل سلس مفهوم، وطبع ديوانه مع منتجات «تصوير ~~الأفكار» ثانية في مطبعة أبي ms14 الضيا توفيق بك، وكانت وفاة شناسي في سنة 1288 قبل بلوغه ~~سن الشيخوخة والوظائف العالية. # عالي باشا وفؤاد باشا # ظهرت فئة قليلة من المتعلمين على النسق الجديد، واقتفوا أثر مصطفى رشيد باشا، ونبغ ~~منهم اثنان شهيران خلد التاريخ ذكرهما، وهما: السيد أمين عالي باشا وفؤاد باشا، ~~ومولدهما في سنة 1230ه؛ والأول: ابن مصر جارشيلي علي رضا أفندي؛ أي المنسوب إلى سوق ~~مصر، وهو سوق العطارين. والثاني: ابن الشاعر الشهير كجه جي زادة عزت ملا الذي نفي ~~للأناضول في زمن السلطان محمود خان ومات في منفاه، فتعلم أمين مبادئ العلم وإجادة ~~الخط وقرأ الفرنسية على معلم مخصوص، ودخل قلم الديوان الهمايوني في الخامسة عشرة من ~~عمره. # وكان من عادة رؤساء القلم تسمية كل داخل باسم يتميز به عن سميه، ولم يصطلحوا كالعرب ~~والإفرنج على تسمية الولد باسم أبيه أو أسرته، وكان أمين قصير القامة فسمي «عالي» ~~تسمية بالضد؛ تفاؤلا بعلو همته، فذهب إلى أوروبا موظفا في كتابة السفارات، وأتقن ~~الفرنسية، وانتسب إلى رشيد باشا، وامتاز في فنون السياسة والمعارف العصرية، وعين ~~عضوا في «أنجمن دانش»؛ أي مجلس المعارف المؤسس على نسق المجامع العلمية # L’Academies # في أوروبا، وكان عالي باشا يحسن ~~الفرنسية والتركية كتابة وإنشاء، وتقلب في وظائف كثيرة مهمة، مثل السفارات ~~والوزارات ومسند الصدارة العظمى. وأما فؤاد فدخل المكتب الطبي العسكري، وخرج جراحا ~~في العسكرية، ثم دخل قلم الترجمة في الباب العالي، وتقلب في الوظائف السياسية ~~الداخلية والخارجية، ورأس مجلس التنظيمات ومجلس الأحكام العدلية، وحضر إلى سوريا ~~أيام حوادث لبنان، وكان إذ ذاك ناظرا للخارجية، ثم ذهب بمعية السلطان عبد العزيز ~~إلى معرض باريس سنة 1867، ومرض فيها، وتوفي في «نيس» من أعمال فرنسا وله من العمر 55 ~~سنة فقط، وكان في اللغة التركية أديبا شاعرا، وضع مع جودت باشا «القواعد ~~العثمانية» التي لم يؤلف للآن أحسن منها، وخلف الفريق كجة جي زادة عزت فؤاد باشا ~~الكاتب الشهير. # فرشيد باشا وعالي باشا وفؤاد باشا هم نوابغ السياسة العثمانية، وواضعو الإصلاحات ~~الجديدة بدلالة ms15 السفراء الأجانب؛ إرضاء لدول أوروبا ولا سيما إنجلترا، ومماشاة لها ~~لحرصها على تقوية الممالك العثمانية لتتقي بها شر روسيا؛ فأمر هؤلاء النوابغ بترجمة ~~القوانين والنظامات والتعليمات والأمور المدرجة في الدستور ترجمة حرفية، ولم يجدوا ~~لهم وقتا لدرس احتياجات البلاد الداخلية والمدنية الإسلامية حق درسها، ولا لنشر ~~الأفكار الجديدة بين المسلمين المفاخرين بسابق مجدهم ومتانة شرعهم؛ ولذا لاموا هؤلاء ~~المصلحين ولم يرضوا عن أعمالهم، زاعمين أنها تئول إلى قلب البلاد وجعلها أفرنجية محضة؛ ~~ولذلك كانت الأكثرية لحزب تركيا القديمة، ولم يكن من حزب تركيا الفتاة إلا فئة قليلة، ~~درسوا العلوم الجديدة درسا سطحيا، وبعضهم زار أوروبا مرة أو مرتين، ومع هذا وفق ~~حزب تركيا الفتاة لاستمالة أوروبا إليه، وأفلح في الحصول على اتفاق إنجلترا وفرنسا ~~وساردينيا؛ أي إيطاليا، فحارب روسيا وانتصر عليها في حرب القرم، وعقد معاهدة باريس (30 ~~مارس سنة 1856)، واعترفت أوروبا بمقتضاها بتمام ملكية الدولة العثمانية واستقلالها، ~~ومنع أية دولة من المداخلة في أمورها الداخلية، وصدر خط شريف ثان في ذلك التاريخ ~~أيضا مؤيد لخط كلخانة، وهو يشتمل على حرية الأهالي ومساواتهم في الحقوق والمعاملات، ~~ثم جلس السلطان عبد العزيز خان سنة 1861، وأصدر فرمان الإصلاحات، ولكن هذه الفرمانات ~~والخطوط الشريفة السلطانية لم تمنع سوء الاستعمال والاستبداد الذي في إدارة الدولة ~~تماما، بل بقي الارتكاب والظلم والاستبداد على ما كان عليه سابقا، لعدم إصلاحهم ~~السراي السلطانية، كما أصلحوا وجاق الانكشارية والصباهية وقلبوهما إلى النظام ~~الجديد. # حزب تركيا الفتاة # أول مؤسس لحزب تركيا الفتاة هو مصطفى فاضل باشا ابن إبراهيم باشا المصري، ثم صهره ~~خليل شريف باشا. ولد مصطفى فاضل في القاهرة سنة 1830م، وحصل العلوم الجديدة حتى صار ~~على جانب من العرفان والاضطلاع والوقوف على دقائق الأمور، فخدم في مصر، وبعد جلوس ~~السلطان عبد العزيز بسنة عين ناظرا للمعارف في الأستانة، ثم ناظرا للمالية، ~~وأجرى فيها عدة إصلاحات، وكان ميكروب الاقتراض قد تفشى في هذه النظارة، وأحدث بلاء ~~القوائم النقدية، حتى بلغت الديون ما بلغته؛ فأثقلت كاهل الأمة، وكان الصدر ms16 الأعظم إذ ~~ذاك يوسف كامل باشا صهر والي مصر محمد علي باشا، ومترجم تليماك للتركية الترجمة الأولى ~~العويصة، وكان عالي باشا في نظارة الخارجية، وفؤاد باشا في رياسة مجلس الأحكام ~~العدلية، ثم في نظارة الحربية، وأدخل فيها حسين عوني باشا العدو الألد لعمر باشا ~~المجري، وكان فؤاد باشا انتدب حكما لفصل الخلاف الحادث بين مصطفى فاضل وإخوته على ~~تقسيم ميراث أبيهم؛ فحصل بينهما موجدة وعداوة، فلما تولى فؤاد باشا الصدارة تسبب في عزل ~~مصطفى فاضل من نظارة المالية مع ما له من الخدم والإصلاحات المفيدة، فشق ذلك على ~~مصطفى فاضل وقدم للسلطان عبد العزيز خان لائحته الشهيرة التي شدد فيها النكير على ~~الاستبداد، وكشف الغطاء عن عورات الدولة، وبين أسباب الضعف والانحطاط وسوء الاستعمال ~~بحرية لم يعتدها رجال المابين ولا سمعوا بمثلها قبل ذلك، ثم هاجر إلى باريس سنة ~~1865، ولحقت به فئة من الشبان، فأكرم مثواهم وأنفق على تعليمهم، ونبغ منهم كثيرون في ~~الأدب والكتابة والسياسة. حدثني أحدهم قال: كنا في باريس في عيشة راضية، لا يهتم ~~الواحد منا بأمر معايشه، فإذا فرغ من الدرس والتحقيق والمشاهدة عاد إلى منزله، فوجد ما ~~يحتاج إليه من الطعام والمنام، بخلاف أحرار هذا الزمان الذين قاسوا أشد العذاب في أمر ~~معايشهم. # فاشتغلت النابتة الجديدة بفنون الأدب وعلوم التاريخ والسياسة والصناعات النفسية، ~~فنظموا الشعر وألفوا القصص ونشروا المقالات في الجرائد، ونبغ منهم نامق كمال بك شاعر ~~النشأة الجديدة وأديبها وموجد الأدب الجديد العثماني، ولد في الأستانة سنة 1250ه، ~~وقرأ في المكاتب، وتعلم الفرنسية، وصارت له مهارة زائدة في الإنشاء الذي نشر به ~~مقالاته السياسية في الجرائد بأسلوب مستحدث طريف هو من السهل الممتنع، وأشعاره على ~~نسق أشعار فيكتور هوجو في طلب الحرية وتدبير المملكة وإصلاح شئون الحكومة، وله مؤلفات ~~كثيرة، منها التاريخ العثماني الذي لم يطبع، وقصة وطن أو سليستره التي تمثل اليوم في ~~الأستانة وسلانيك بعد حدوث الانقلاب، وتوفي نامق كمال بك وهو متصرف في جزيرة ساقز سنة ~~1305ه، ومنهم ضيا باشا الأديب ms17 الشاعر، وسعد الله باشا سفير ڨيينا الأسبق مترجم قصيدة ~~لامارتين التي عنوانها «البحيرة»، وله أشعار عصرية رائعة، ومنهم أبو الضيا توفيق بك ~~الذي أصلح حروف الطبع وكتب الخط الكوفي، وطبع الكتب والرسائل والمجموعات بصنعة بديعة ~~عجيبة لم تبلغها إلى الآن مطابع الشرق ولا مطابع أوروبا الشرقية، وعبد الحق حامد بك ~~سفير بروكسل وصاحب قصة طارق بن زياد، وكثير غيرهم من الكتاب والأدباء أنصار حزب ~~تركيا الفتاة الذي أسسه مصطفى فاضل باشا، ثم صهره خليل باشا الذي جاء من مصر إلى ~~الأستانة، وتوظف في نظارة الخارجية بسبب معرفته الفرنسية، وصار سفيرا في باريس ~~وغيرها وناظرا للخارجية، وتزوج بأكبر بنات مصطفى فاضل باشا، وهي الأميرة الشهيرة نازلي ~~هانم، التي اقتفت أثر والدها وزوجها الأول في تعضيد حزب تركيا الفتاة، وساعدته بالمال ~~والجاه هي وشقيقها الأمير محمد علي باشا. # لائحة فاضل باشا للسلطان عبد العزيز # لخص مصطفى فاضل باشا سياسة تركيا الفتاة في اللائحة المذكورة التي قدمها إلى ~~السلطان عبد العزيز خان، وقال فيها: # تتصور أوروبا أن المسيحيين وحدهم في تركيا خاضعون للمعاملات الاستبدادية، ~~ولاحتمال أنواع الأذى والتحقير المتولد من الظلم، وليس الأمر كذلك، فإن ~~المسلمين ربما كان الظلم والعسف أشد وطأة عليهم، وهم أكثر انحناء تحت نير ~~العبودية من المسيحيين؛ لأن المسلمين ليس وراءهم دولة أجنبية تتحيز لهم ~~وتحامي عنهم، فرعايا جلالتكم من جميع المذاهب مقسومون إلى صنفين؛ هما الظالمون ~~ظلما لا حد له، والمظلومون بلا شفقة ولا مرحمة، والأولون يجدون في الحكومة ~~المطلقة غير المقيدة التي تستعملها جلالتكم والتي اغتصبوها؛ إغراء وتشويقا ~~إلى جميع الرذائل، وأما الآخرون فتفسد أخلاقهم أيضا بعلاقاتهم الضارة مع ~~سادتهم، وبما أنهم مجبرون على الخضوع دائما للشهوات الرذيلة، ولا يستطيعون ~~إيصال شكاياتهم الصحيحة إلى أعتاب سدتكم الملوكية؛ لأن ظلامهم يرون هذه ~~الاستغاثة - مع الاحترام - بحكومة جلالتكم من أكبر المفاسد؛ فاعتادوا على دناءة ~~الأخلاق التي لا يمكن تصورها. # وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت # فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا # فهذه الأصول الاستبدادية التي كان أعداء الإصلاح من حزب تركيا ms18 القديمة يريدون ~~المحافظة عليها، ويعدون التمسك بها من الغيرة الدينية والحمية الوطنية، ~~والإسلام والوطنية بريئان منها للأسباب المشروحة فيما مر، فحزب تركيا الفتاة يمكننا ~~أن نعتبر وجوده منذ تولي مصطفى فاضل باشا نظارة المعارف (1862م) وهاجر إلى باريس ~~(1865-1867م)، وأنصار هذا الحزب هم جميع المطلعين على الكتب الفرنسية وأدب الطريقة ~~المدرسية أو على ما ترجم بالتركية، والذي أطلق عليه هذا الاسم هم الفرنسيون فقالوا: ~~«جون تركي» كما يقولون: «جون فرانس - جون ألمانيا - جون إيطالي» فترجم بتركيا الفتاة، ~~وقيل بالتركية: «كنج تركلر»، ولذا قال هانوتو: إن تركيا الفتاة من اللغة الفرنسية، وقد ~~جوزي مصطفى فاضل باشا على جرأته بمصادرة أمواله، ثم أعيدت إليه بوساطة بعض الأجانب، ~~ولكنة حرم من ميراث الخديوية هو وحليم باشا؛ بسبب صدور الفرمان السلطاني بانتقالها ~~إلى أكبر أولاد المالك، وهو إذ ذاك إسماعيل باشا، وصار مسند الخديوية ينتقل من الوالد ~~إلى ولده، بعد أن كان ينتقل إلى الأكبر فالأكبر من الأسرة، كما هي القاعدة التقليدية في ~~جميع الممالك الإسلامية، لما علمت أن الإسلام ليس فيه ملك موروث. # وفي سنة 1278ه و1871م أصيبت المملكة العثمانية بوفاة أشهر قوادها عمر باشا، وأشهر ~~ساستها الصدر الأعظم عالي باشا؛ صاحب الأعمال الكثيرة في تنظيم إدارة الحكومة، ووضع ~~ميزانية للمالية، وتأسيس نظارة الداخلية والأوقاف ومجالس الدعاوى والتمييز، وتنظيم ~~أصول المحاكمات واستعمال الأصول الإعشارية، وغير ذلك من الإصلاحات الداخلية والسياسية ~~الخارجية، وترجمت القوانين والنظامات عن الفرنسية بلا نظر ولا معرفة بصالح البلاد ~~واحتياجاتها فترجموا - مثلا - قانون التجارة الفرنسي القديم، وأبقوا فيه مسائل النكاح ~~والبائنة - الدوتة - واشتراك الزوجين بالأموال وعدمه، كما هو مختص بالأوروبيين ولا وجود ~~له في الشرق، لا عند المسلمين ولا عند المسيحيين، وبعد وفاة عالي باشا تولى مسند ~~الصدارة محمود نديم باشا، ومال إلى روسيا حتى سمي «نديموف» وبذر أموال الخزينة، ~~وأصبح آلة في يد الجنرال أغناتيف سفير روسيا في الأستانة. # صدارة نديم باشا الأولى # محمود نديم باشا كان أبوه واليا، فتربى في داره على الاستبداد والارتكاب، وعين ~~واليا كأبيه ثم ms19 ناظرا للبحرية، وكان شديد التعصب للإدارة القديمة المستبدة. # كثير البغض للإصلاحات الجديدة والحرية، تقرب إلى السلطان عبد العزيز خان ~~بالتملق، واستولى عليه من أضعف نقطة فيه وهي العظمة، فدس له بأنه تحت وصاية فؤاد ~~باشا وعالي باشا، مع أنه خليفة الله في الأرض، والقابض على رقاب خمسين مليونا من ~~الرعية الذين هم عبيد جلالته! وأن بيت المال هو حق من حقوقه، له أن يتصرف فيه حسبما شاء ~~وأراد! وكانت الميزانية المالية وضعت في أيام عالي باشا وفؤاد باشا، وحددت فيها ~~مصروفات المابين، فانقلبت أحوال السلطان عبد العزيز خان في صدارة محمود نديم، واستبد ~~بالأمر، وأبعد عن الوظائف الملكية والعسكرية الرجال الذين تخيرهم عالي باشا ودربهم ~~وعلمهم حتى كانوا من خيرة الموظفين، واستبدل بهم المرتكبين، وكثر تحويل الوظائف ~~والعزل والنصب والترقي في جميع الوظائف الملكية والعسكرية، حتى كان الضابط يرتقي إلى ~~المراتب العلى في أقرب وقت، ويصبح مشيرا بعد أن كان من قبل ضابطا صغيرا، وزاد ~~الإسراف والتبذير ببناء السرايات التي لا لزوم لها وإنشاء الأسطول الذي صار أثرا بعد ~~عين، كما زاد الانهماك في الملذات والشهوات، وكانت أوروبا وصيارفة الأستانة تقرض ~~الأموال بالربا الفاحش والديون تتراكم على الدولة، والمكلفون بأدائها هم فقراء الرعية ~~من أصحاب الأعشار والأغنام يؤدونها من كد اليمين وعرق الجبين. # ومن الغلطات السياسية في صدارة محمود نديم باشا، إصدار الفرمان بفصل الكنيسة ~~البلغارية عن الكنيسة الرومية، وتعيين أكسارخوس للبلغار مستقلا عن بطريرك الروم في ~~القسطنطينية، وكان ذلك بمساعي الجنرال أغناتيف حبيب محمود نديموف باشا للتوصيل إلى ~~أحداث دولة للبلغار، مع أن الباب العالي كان يعتبر جميع هذه الأمم الصغيرة - كالبلغار ~~والصرف والأفلاخ والبغدان والجبل الأسود والهرسك روما - تابعين لبطاركة القسطنطينية؛ ~~لاشتراكهم جميعا في الدين الأرثوذوكسي، ومن الغلطات المالية أيضا، إعطاء المثرى ~~النمسوي اليهودي الشهير - وهو البارون هرش - امتيازا بسكة حديد الروم إيلي المعروفة ~~بسكك الحديد الشرقية، وإضرار الخزينة والأمة من وراء ذلك ضررا كبيرا، وفي أثناء ذلك ~~ظهر مدحت باشا في مسند الصدارة. # صدارة مدحت باشا الأولى ms20 # ولد مدحت باشا في القسطنطينية سنة 1822م، ووالده حاج علي أفندي، أصله من روسجق ~~التي كانت مركز ولاية الطونة «بلغارستان» على ضفة نهر الطونة «الدانوب» اليمني، ولما ~~كان من صغار الموظفين، لم يستطع تعليم ابنه غير مبادئ العلوم وحسن الخط، المعدود في ذلك ~~الدور من أكبر العلوم وأعمها للدخول في الوظائف والترقي فيها، وأدخله على حداثة سنه قلم ~~الصدارة فتخرج في أقلام الباب العالي، وتعلم بالمشاهدة والتجربة والاختبار، وعين ~~مأمورا في الولايات ومكث سنتين في دمشق الشام، وترقى إلى أن صار باشكاتب في مجلس ~~«والا» وهو شورى الدولة، وذهب مرة ثانية إلى دمشق وحلب للتحقيق عن القبرصلي محمد باشا، ~~ولفت باستعداده واجتهاده نظر رشيد باشا وعالي باشا وفؤاد باشا ورفعت باشا ناظر الخارجية ~~إليه، فأجلسه معه رفعت باشا ليسمع المحاورة التي دارت بينه وبين البرنس منجيكوف مندوب ~~دولة روسيا، وذلك قبل حرب القرم، فاطلع مدحت باشا حينئذ على السياسة الخارجية. # وبعد وفاة رشيد باشا سنة 1858م تولى الصدراة عالي باشا، فأذن لمدحت بالذهاب إلى ~~أوروبا مدة ستة أشهر، فذهب إلى باريس ولوندره وبروكسل وڨيينا، وشاهد انتظام الإدارة ~~ومحاسن المدينة والترقيات العصرية، ومازال يرتقي في الوظائف حتى صار واليا على ولاية ~~الطونة - بلغارستان الآن - فأجرى فيها إصلاحات كثيرة، وفتح مجلس الأيالة، وهو المجلس ~~العمومي الذي فتحه راشد باشا في سوريا، ثم عين واليا على ولاية بغداد ومشيرا ~~لعساكرها؛ فسكن عصيان نجد؛ فأهداه السلطان عبد العزيز خان سيفا مكافأة له على خدماته، ~~وإذ كان الصدر الأعظم محمود نديم باشا كثير العزل والنصب والتبديل، نقل مدحت باشا من ~~ولاية بغداد إلى ولاية أدرنة، فمر بكرسي السلطنة وطلب مقابلة الحضرة السلطانية، ~~وأراها طرق الخلل وسوء الإدارة وعاقبة الأمر، فعزل محمود نديم من الصدارة وتولاها مدحت ~~باشا، ولكنه لم يبق فيها إلا ثلاثة أشهر، وكان سبب عزله - على ما روي - أن إحدى سراري ~~القصر بعثت إليه مع الطواشي طالبة تعيين أحد خدامها قائمقام في أحد الأقضية؛ فأجابه ~~مدحت: «سلم على الخانم وقل لها أن تلتمس ms21 هي بنفسها من أفندينا ذلك.» واشتد غضبه من ~~مداخلة السراري وتتابع رجائهن. # صدارة نديم باشا الثانية # كثر تبديل الصدور بعد عزل مدحت حتى بلغوا نحو العشرة في خلال سنة أو خمسة عشر ~~شهرا، ثم عاد إلى الصدارة محمود نديم باشا، وكان العود غير أحمد، فزاد الارتكاب، ~~وبيعت الرتب والنياشين، كما بيعت الوظائف بالمزاودة، بحيث أصبح يحتجنها الذي يزيد في ~~الثمن، واختلت الموازنة المالية، حتى قضت بإعلان الإفلاس في 5 تشرين الأول/أكتوبر سنة ~~1875، وطمع العدو في البلاد، فأوجب ذلك هيجان تركيا الفتاة وعقلاء الأمة، وكان التجسس ~~غير معروف في ذلك الوقت، وكان للجرائد حرية في الكتابة والانتقاد، فشرعت جريدة «وقت» ~~التركية في نشر الحكايات والأساطير عن ملوك الصين، واستنتاج الأمثال والمواعظ من ~~انقراض ملكهم، والتعريض بذلك لوزارة محمود نديم باشا، وأخذ فريق من الناس يطوفون على ~~المجالس والدواوين والأندية العامة، ويقصون أنواع المظالم والارتكاب وسوء الإدارة، ~~فهاجت الأفكار العمومية ولا سيما الصوفتاوات؛ وهم طلاب العلوم الدينية البالغ عددهم ~~في جوامع الأستانة نحو خمسة عشر إلى عشرين ألف طالب. # هياج الصوفتاوات وصدارة رشدي باشا # اجتمع من هؤلاء الطلاب زهاء خمسة أو ستة آلاف طالب، وهجموا على الباب العالي في 22 ~~مايس/مايو سنة 1876، وذهب آلاف منهم إلى سراي طولمه باغجه مقر السلطان عبد العزيز، ~~فشكوا إليه، طالبين عزل محمود نديم وتولية محمد رشدي باشا، فأجيبوا إلى ذلك، وصدرت ~~الإرادة السنية بتشكيل الوزارة، وتولية محمد رشدي باشا الصدارة، وحسين عوني ~~السرعسكرية، وقيصر لي أحمد باشا نظارة البحرية، وراشد باشا الذي كان واليا على سوريا ~~نظارة الخارجية، وخير الله أفندي مشيخة الإسلام. # خلع السلطان عبد العزيز # كان حزب مدحت باشا من الأحرار مؤلفا من نامق كمال بك، وضيا بك، ورؤوف بك، وإسماعيل ~~بك، وهؤلاء لم يرتقوا إلى رتبة الباشوية، وأما الذين ارتقوا منهم إلى هذه الرتبة بعد ~~ذلك فهم: حسن فهمي باشا، وشاكر باشا، وسعد الله باشا، ورائف باشا، ورفعت باشا. وكانوا ~~من الوزراء، فلما تولى حزب تركيا الفتاة زمام الأمر، واستولى على المالية، والقوة ms22 ~~البرية والبحرية والشرعية؛ خلعوا السلطان عبد العزيز في 17 جمادى ~~الأولى سنة 1293 و30 مايس/مايو سنة 1876 بفتوى من شيخ ~~الإسلام، وأجلسوا ابن أخيه السلطان مراد خان، ففرح به الناس واستبشروا، وكان السير هنري ~~إليوت سفير إنجلترا أشد السفراء سرورا، والجنرال أغناتيف سفير روسيا أكثرهم غما، وهو ~~حبيب محمود نديم باشا والمشير عليه بتلك السياسة العوجاء، ونقل السلطان عبد العزيز سراي ~~طولمه باغجه إلى سراي طوب قبو المقابلة لها على ساحل البحر، ثم نقل بناء على طلبه إلى ~~سراي جراغان المجاورة لطولمه باغجه على ساحل المضيق «البوغاز»، وبعد خمسة أيام وقع ~~الاغتيال، واختلف فيه؛ هل كان بطريق الانتحار أو القتل عمدا، فإن الذين كشفوا على ~~الجثة وجدوها في الطبقة السفلى من السراي على سجادة بقرب الباب، ففي إنزالها من الطبقة ~~العليا المعدة للسكنى إلى الطبقة السفلى شبهة، وعلى فرض ثبوت الجناية: فمن عساه ~~يكون المتهم بها؟ هل حريم السراي وطواشيتها الذين تكثر بينهم الدسائس ويصعب التحقيق؟ أو ~~مدحت باشا وحزبه الذين لا مأرب لهم بذلك؟ وقد توصلوا إلى مأربهم بدون إراقة دم، ~~واستحقوا إجلال العالم لهم من عثمانيين وأوروبيين، وهم أعقل وأدهى من أن يلوثوا عملهم ~~العظيم بدم جناية ودسيسة مثل هذه! # حادثة الجركس حسن بك وخلع السلطان مراد # ثم حدثت مسألة الجركس حسن بك ياور السلطان عبد العزيز، فإنه دخل دار مدحت باشا ~~والوزراء مجتمعون فيها، وقتل السرعسكر وراشد باشا ناظرا الخارجة ووالي سوريا قبلا ~~وأحمد آغا الخادم، وخرج ناظر البحرية وبعض الياورية الحاضرين، فأثرت هذه الحوادث في ~~السلطان مراد وأدت إلى احتلال شعوره؛ فخلع بعد ثلاثة أشهر وثلاثة أيام من ~~جلوسه. # جلوس السلطان عبد الحميد # جلس على سرير الملك جلالة مولانا السلطان عبد الحميد خان الثاني، بعد أن اشترط مدحت ~~باشا وحزبه ثلاثة شروط: (1) إعلان القانون الأساسي. (2) استشارة الوزراء وجعلهم مسئولين ~~وحدهم في أمور الدولة. (3) تعيين ضيا بك وكمال بك كاتبين خاصين للمابين، وسعد الله بك ~~باشكاتب؛ لأنهم من الأحرار الحريصين على تنفيذ أحكام القانون الأساسي، والأولون ممن ms23 ~~قاموا بتسويده وتنميقه، فلم يعمل بهذه الشروط وتعين الداماد محمود جلال الدين باشا ~~مشيرا للمابين، وإنجليز سعيد باشا رئيسا للياورية ، وكجوك سعيد باشا الصدر الأسبق في ~~هذه الآونة، وكان سعيد بك باشكاتب للمابين. # مؤتمر الأستانة وإعلان القانون الأساسي وصدارة مدحت باشا الثانية # كانت بلاد البلقان في اختلال وهيجان بسبب قيام الهرسك والصرب والجبل الأسود والبلغار ~~وتأففهم من الظلم والاستعباد، ومطالبتهم بالاستقلال، وتمسك كل منهم بقوميته وأدب لغته، ~~بعد أن كان الدين المسيحي الأرثوذكسي يجمعهم تحت سلطة بطريرك القسطنطينية، وكانت ~~أوروبا تطالب الدولة العلية بإجراء الإصلاحات، والعناية بالمسيحيين التابعين لها ~~ووقايتهم من الظلم والاعتساف، فتقرر عقد مؤتمر # Conference # في الأستانة العلية لاتخاذ التدابير اللازمة لتسكين البلاد ~~وإصلاحها، وكان المؤتمر مؤلفا من أحد عشر مندوبا: منهم اثنان من إنجلترا؛ وهما سفيرها ~~السير هنري إليوت، واللورد سالسبوري، واثنان من فرنسا، واثنان من أوستريا «النمسا»، ~~وواحد من روسيا وهو الجنرال أغناتيف، وواحد من إيطاليا، وواحد من ألمانيا، واثنان من ~~قبل الدولة العلية؛ وهما صفوت باشا وأدهم باشا. فعقدوا جلستهم الأولى في 23 كانون ~~الأول/ديسمبر سنة 1876 في دائرة الترسانة «معمل الأسلحة» التي على خليج دار السعادة من ~~جهة غلطه، ولم يكد يتم افتتاح المؤتمر إلا وقد سمعوا أصوات المدافع، فوقف صفوت باشا ~~قائلا: أيها السادة إن أصوات المدافع التي تسمعونها هي دلالة على إعلان القانون ~~الأساسي من قبل جلالة سلطاننا الأعظم، وهذا القانون متكفل بالحقوق والحرية لجميع ~~رعايا المملكة العثمانية بلا استثناء، وقد حصل بذلك المقصود من عقد المؤتمر، فأصبح ~~انعقاده وعمله من قبيل العبثيات. # فبهت القوم وانفضت الجلسة، وقد أعلن القانون الأساسي حقيقة في ذلك اليوم، وأطلق ~~لدى إعلانه مائة مدفع ومدفع في جميع المدن والممالك العثمانية ذات القلاع، وكان مدحت ~~باشا هو روح هذا الانقلاب العظيم، وهو القابض على زمام الأمر في الحقيقة منذ خلع ~~السلطان عبد العزيز، وإن لم يكن «صدر أعظم»، وكان الصدر الأعظم إذ ذاك محمد رشدي باشا ~~شيخا مسنا منقادا له ولحزب تركيا الفتاة، وبعد جلوس السلطان عبد ms24 الحميد خان الثاني ~~استقال محمد رشدي باشا لشيخوخته، وتولى الصدارة العظمى مدحت باشا، وهي صدارته ~~الثانية. # لم يرض الجنرال أغناتيف بهذه الإصلاحات ، بل أصر على بقاء انعقاد المؤتمر، فداوم ~~أعماله وقدم لائحة إلى الباب العالي في 15 كانون الثاني/يناير سنة 1877، وطلب الجواب ~~عنها في خلال ثمانية أيام، فكانت من قبيل البلاغ ~~النهائي # Ultimatum ~~. # عقد المجلس العالي ورفضه لائحة مؤتمر الأستانة # عقد الصدر الأعظم مدحت باشا مجلسا عاليا مؤلفا من الوزراء والمشيرين ورجال الدولة ~~والرؤساء الروحيين وأعيان المسلمين والمسيحيين واليهود، وعرض عليهم لائحة المؤتمر، ~~وأفهمهم مطالب الدول الأوروبية، وأن ردها يؤدي إلى الحرب، فتشاوروا بكمال الحرية وأبدى ~~كل منهم رأيه، فقال رؤوف بك ابن رفعت باشا ناظر الخارجية الأسبق إذ ذاك: الحرب كداء ~~الحمى يمكن أن ننجو منه، ولكن لائحة المؤتمر كداء السل الرئوي عاقبته القبر لا ~~محالة، وقال صاوا باشا من خطبة طويلة: إننا نختار الموت على إهانة شرفنا. وألقى وكيل ~~بطريرك الأرمن الكاثوليك مقالة طويلة في رد اقتراحات المؤتمر، فرفض المجلس قبولها ~~بالاتفاق، وظهر من هذا الاجتماع ائتلاف المسلمين والمسيحيين واليهود، واتفاقهم واتحادهم ~~على محبة الوطن وترقيه والغيرة على منافعه، وكان الروم والأرمن الكاثوليك أشدهم ~~حماسة، حتى إن الروم عزموا على تشكيل فرقة متطوعة لمحاربة الصرب مع العساكر العثمانية؛ ~~لأن استقلال الأمم البلقانية من الصرب والجبل الأسود والبلغار مضر بمصالح الروم ~~لانفصالهم عن الكنيسة الأرثوذكسية، التي هي تحت رياسة بطريرك الروم في القسطنطينية، ~~ورفضهم استعمال اللغة والأدبيات اليونانية، فبناء على جميع ذلك أجاب الباب العالي في 20 ~~كانون الثاني/يناير برفض مطالب الدول المذكورة في لائحتهن، فانفض مؤتمر الأستانة ~~وغادرها المندوبون والسفراء، دلالة على قطع العلاقات بين أوروبا والباب العالي. # تغلب حزب التقهقر وكتاب مدحت للسلطان # كان الحزب المخالف للقانون الأساسي يسعى في التخلص من هذا القانون، فبعد تعيين مدحت ~~باشا في الصدارة انعقد مجلس الوكلاء برياسته في دار الداماد محمود جلال الدين باشا، ~~وتذاكروا في القانون الأساسي، فارتأى أحمد جودت باشا ناظر العدلية - الحقانية - ~~تأجيل هذا القانون لعدم الحاجة ms25 إليه (؟) بسبب جلوس السلطان الحالي! وكان أحمد جودت باشا ~~من المنتسبين إلى الداماد محمود جلال الدين، ومن كبار العلماء والمؤرخين، ولكن ~~ارتشاءه مشهور في الأستانة والولايات، وإعلان القانون الأساسي يسد على المرتشين باب ~~الارتكاب، فبإصرار مدحت باشا وحزبه - مثل ضيا بك وكمال بك وغيرهم من الأحرار الذين مر ~~ذكرهم وبجريدتي «وقت» و«استقبال» والمقالات الشائقة المحررة فيهما - صدر الخط الشريف ~~السلطاني إلى مدحت باشا بإعلان القانون الأساسي، وحمله الباشكاتب سعيد بك إلى الباب ~~العالي، وتلي في الميدان الواسع الذي أمام الباب بحضور جماهير الناس، وبعد تلاوته خطب ~~مدحت باشا في الموضوع، وتلا الدعاء فوزي أفندي مفتي أدرنة وأمن الناس. # وما زال مدحت باشا يلح في طلب اجتماع المبعوثان، ويجتهد في تأليفه من الأحرار، ~~والمابين يؤخر ذلك ويفرق جميع الأحرار، حتى إنه أراد تعيين ضيا بك مسود القانون ~~الأساسي سفيرا في برلين؛ لئلا ينتخب مبعوثا عن أهل الأستانة، فضاق صدر مدحت باشا ~~من التأخير والمحاولة، وكتب إلى الذات الشاهانية مباشرة: «لم يكن غرضنا من إعلان ~~القانون الأساسي إلا محو الاستبداد، وتعيين ما لجلالتكم من الحقوق وما عليها من ~~الواجبات، وتعيين وظائف الوكلاء ومسئوليتهم، وتأمين جميع الناس على حريتهم، حتى ترتقي ~~البلاد في معارج الارتقاء»، إلى أن قال: «وإني لكثير الاحترام لشخص جلالتكم، ولكن الشرع ~~الشريف يوجب علي ألا أطيع أموركم «أوامركم» إذا لم تكن موافقة لمنافع الأمة»، ونحو ~~ذلك مما لم يسمع بمثله إلا من مصطفى فاضل باشا كما تقدم. وبالحقيقة أن أحكام الشريعة ~~الإسلامية وفتاوى الفقهاء في هذا الصدد لا تترك أدنى شك ولا ريب؛ لأن السلطان - بحكم ~~الشرع - ليس مطلق الحرية، ولا مطلق التصرف في أموال الناس ومنافعهم، وإنما هو في جميع ~~ذلك مقيد بالأحكام الشرعية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ فالحكومة المطلقة التي ~~درجت عليها الدول والإمارات وتوارثتها من عهد معاوية، لا وجود لها على التحقيق في الدين ~~الإسلامي. # عزل مدحت باشا ونفيه وصدارة أدهم باشا # عزل مدحت باشا ونفي على الباخرة «عز الدين» إلى إيطاليا، ووجهت الصدارة ms26 العظمى ~~إلى أدهم باشا والد حمدي بك وخليل بك مديري دار العاديات «الموزة خانة»، وعين جودت ~~باشا للداخلية، وأحمد وفيق أفندي لرياسة مجلس المبعوثان مؤقتا؛ لأن انتخاب الرئيس ~~مبين في المادة السابعة والسبعين من القانون الأساسي. # بعد خروج السفراء ومندوبي الدول من الأستانة العلية، بعث البرنس غورجقوف ناظر ~~خارجية روسيا إلى الدول بمنشور مؤرخ في 31 كانون الثاني/يناير يطلب فيه مداخلتهن ~~بالاشتراك لإجراء الإصلاح في الممالك العثمانية (!) وإلا اضطر القيصر وحده إلى اتخاذ ~~التدابير اللازمة في هذه المسألة، وأرسل الجنرال أغناتيف إلى أوروبا يقول: بما أن الباب ~~العالي بدأ يخل بمعاهدة باريس، فتمام استقلال تركيا المشروط في تلك المعاهدة أصبح ~~واهيا لاغيا، فترددت دول أوروبا ولا سيما إنجلترا في قبول هذا الكلام. # انتخاب أعضاء مجلس المبعوثان # رأت الدولة العلية إصرار أوروبا على إصلاح الروم؛ فسارعت إلى انتخاب أعضاء ~~المبعوثان، وتطبيق أحكام القانون الأساسي الذي نالت به الأمة العثمانية الحرية وحق ~~الحكم، فلم يفقه الناس إذ ذاك معنى هذه الحرية ولا قدروها حق قدرها، فظنوا أن المبعوثين ~~كبقية الموظفين يشتغلون بمصالح الأمة تحت سيطرة الوزراء والنظار، ليستفيدوا من الرواتب ~~التي ينقدونها، فلم يعنوا بأمر الانتخاب كما يجب. حدثني بعض أحرار الأستانة قال: كنا ~~نحرض الناس على الانتخاب ونسوقهم إليه سوقا، وهم يقولون: ألم يكفنا ما لدينا من ~~المجالس والدوائر المشحونة بالموظفين، حتى نزيد عليها مجلسا جديدا ونتكبد القيام ~~برواتب موظفيه؟! فإن لم يصلح حالنا وتنتظم إدارتنا بجميع ما نراه أمام أعيننا من ~~النظارات والدوائر العظيمة المشتملة على الألوف من الموظفين؛ أتراه يصلح بمجلس ~~المبعوثان؟ # هذا ماكان يقال في قاعدة السلطنة ومقر الخلافة، فما بالك بمراكز الولايات والأولوية، ~~إذ كان المنتخبون لا يوصون مبعوثيهم إلا بطلب الرتب والأوسمة والألقاب والمناصب ~~والمخصصات والرواتب لهم ولأقاربهم وذويهم؟! ولمن لاذ بهم وحام حول حماهم، أو بإعفائهم ~~من التكاليف الأميرية والخدمة العسكرية وتخفيف الضرائب والمكوس عنهم ونحو ذلك! مما يعود ~~على الوطن بالخراب لا بالعمران، كأن خزينة الدولة كنز لا يفنى، تمطر عليه الأموال من ~~رحمة ms27 الله بغير عد ولا حساب. # افتتاح مجلس المبعوثان وخطاب السلطان # افتتح المجلس العمومي المؤلف من الأعيان والمبعوثان في 4 ربيع الأول سنة 1294 و19 ~~مارت /مارس سنة 1877 في بهو الاستقبال الكبير في سراي طولمة باغجة بمحلة بشكطاش، وتلي ~~النطق السلطاني أمام الحضرة السلطانية وهو: # أيها الأعيان والمبعوثان # إنني أبدي الامتنان بافتتاح المجلس العمومي الذي اجتمع للمرة الأولى في ~~دولتنا العلية، وجميعكم تعلمون أن ترقي عظمة واقتدار الدول والملل إنما هو ~~قائم بالعدل، وأن ما انتشر في العالم من قوة دولتنا العلية وقدرتها في أوائل ~~ظهورها كان من مراعاة العدل في سير الحكومة، ومراعاة حق ومنفعة كل صنف من صنوف ~~الرعية، وقد عرف العالم أجمع تلك المساعدات التي قام بها أحد أجدادنا العظام ~~المرحوم السلطان محمد خان الفاتح في مطلب حرية الدين والمذاهب، وجميع أسلافنا ~~العظام أيضا قد سلكوا على هذا الأثر، فلم يقع في هذا المطلب خلل في وقت من ~~الأوقات، ولا ينكر أن المحافظة على ألسنة صنوف رعيتنا وقوميتهم ومذاهبهم منذ ~~ستمائة عام كانت النتيجة الطبيعية لهذه القضية العادلة. والحاصل بينا كانت ثروة ~~الدولة والملة - الأمة - وسعادتها صاعدتين في مدراج الترقي في تلك الأعصار ~~والأزمان بفضل حماية العدالة ووقاية القوانين؛ أخذنا بالانحطاط تدريجيا بسبب ~~قلة الانقياد للشرع الشريف وللقوانين الموضوعية، وتبدلت تلك القوة بالضعف ... ~~إلخ. # ثم ذكر تنكيل السلطان محمود بالانكشارية، وسبقه لفتح باب إدخال مدينة أوروبا ~~الحاضرة إلى الممالك العثمانية واقتفاء السلطان عبد المجيد خان أثره، وإعلانه أساس ~~التنظيمات الخيرية ... إلخ النطق السلطاني المعروف. # قابل الجميع هذا النطق بالخضوع والركوع (!) وخصص لاجتماع المبعوثين بهو كبير في سراي ~~العدلية - الحقانية - بالقرب من أياصوفيا تحت رياسة أحمد وفيق أفندي الذي صار بعد ذلك ~~باشا، وعين للرياسة بإدارة سنية لا بالانتخابات؛ ولذا كان رقيبا على مدحت باشا، وقد ~~اتهمه حزب تركيا الفتاة بالاستبداد؛ لأن رياسة مجلس المبعوثان شبيهة بوظيفة رئيس ~~الموسيقى المركبة من آلات كثيرة مختلفة، لكل آلة توقيع خاص، فعلى الرئيس أن يلاحظ ~~موازنة الأنغام وائتلاف بعضها ببعض، لتخرج ms28 جميعها بصورة مقيدة وليس أن يأخذ آلة من ~~الآلات الموسيقية ويضرب عليها ليوازن ما بينها. # مذاكرات مجلس المبعوثان # كانت الجلسة الأولى مخصصة للمذاكرة في العريضة التي ينبغي تقديمها من مجلس المبعوثان ~~جوابا عن النطق السلطاني، فحررت مسودة الجواب، وأسقط الكاتب منه كلمة «السنة» في ~~الجواب عن فقرة «المحافظة منذ ستمائة عام على السنة»، المذكورة في النطق السلطاني، فقام ~~أحد مبعوثي الروم من الأستانة، وقال ما محصله: «لا يمكننا أن نقبل إسقاط كلمة تدل على ~~أثمن امتياز نلناه؛ لأن لساننا - نحن معشر الروم - هو ثروتنا، فمن سوء الفهم وقلة الأدب ~~نحو جلالة سلطاننا الأعظم أن نمحو كلمة أثبتتها جلالته بنفسها وكررت منحنا ذلك من ~~جديد.» فقال الرئيس: ليس بحثنا في ذلك؛ لأنا لا نعرف في هذا المجلس لسانا غير اللسان ~~العثماني الرسمي. فقال جمهور العثمانيين: «بك أعلى! بك أعلى!» - أي: حسن كثيرا! حسن ~~كثيرا! فقام مبعوث أرمني وأيد كلام المبعوث الرومي، فقال الرئيس ثانية: ليس بحثنا في ~~ذلك، ومع هذا فإني أسأل أعضاء المجلس عما إذا كانت آراؤهم موافقة لرأيي. فقال جمهور ~~المبعوثين: «أڨت أفندم! أڨت أفندم!» - أي: نعم يا سيدي! نعم يا سيدي! # بروتوكول لوندره ورفضه # سمي جمهور المبعوثين بعد ذلك «أڨت أفندم» لتصديقهم على كلام الرئيس من دون مناقشة ~~ولا مباحثة، ولكن كان فيهم - والحق يقال - فئة عارفين بمصالح الدولة وطرق الإصلاح، ~~جسورين على التكلم والدفاع عن حقوق الأمة والمناضلة في سبيل منافعها، غير أن الحال كانت ~~ذات خطر شديد؛ لأن العدو كان يتأهب للحرب على الحدود، فأراد رئيس المجلس تحويل ~~المذكرات إلى المسائل الخارجية، لأن مندوبي الدول الست الذين عقدوا مؤتمر الأستانة ~~اجتمعوا في لوندره وليس للدولة العلية مندوب معهم، ووقعوا بتاريخ 31 مارت/مارس سنة ~~1877 على «بروتوكول» - أي مضبطة - طلبوا فيها من الباب العالي عقد الصلح مع الجبل ~~الأسود، والتفرغ له عن نحو عشرين ناحية من أملاك الدولة العلية لكون لسانهم سلافيا ~~ودينهم مسيحيا! كما طلبوا إجراء الإصلاحات الموعود بها تحت مراقبة الدول وإشرافها ~~وغير ذلك، وأبلغوا ms29 هذه المضبطة إلى الباب العالي في 3 نيسان/أبريل سنة 1877. # جاء ناظر الخارجية إلى مجلس المبعوثان، وقرأ على أعضائه ترجمة البروتوكول، وشرح لهم ~~أحوال السياسة الخارجية، وأفهمهم أن رد البروتوكول تكون نتيجة إعلان روسيا للحرب ~~علينا، وليس للدولة العلية عضد من بقية الدول كما كان لها في حرب القرم، ولا نقود ~~في خزانتها، وكرر عليهم ما قاله مدحت باشا في المجلس العالي لدى مذاكراته في لائحة ~~مؤتمر الأستانة، وكانت أكبر الصعوبات من العسرة المالية، وشدة الاحتياج إلى التجهيزات ~~العسكرية؛ فاعترض أكثر المبعوثين على قبول البروتوكول، وأظهروا من الحماسة والغيرة ~~الوطنية ما لا يزيد عليه، وكان مبعوثو الأرناؤوط المجاورة بلادهم للجبل الأسود أشدهم ~~اعتراضا، وقام مبعوث الأكراد فقال ما ملخصه: تزعمون أن المالية في ضيق شديد؛ فكيف ~~يمكننا تصديق ذلك، وأنتم في هذه البهرجة والألبسة الغالية والدور المفروشة بأحسن الأثاث ~~والرياش والعربات والخيل المطهمة؟! تعالوا إلى عندنا في كردستان وانظروا بؤس العيش ~~ومرارة الحياة التي نحن فيها! لما كنت في بلادي لم يكن علي إلا ألبسة مرقعة بالية ~~كبقية إخواني من أهالي كردستان، ولما رأيتكم ترتدون أحسن الملابس وتتألق على صدوركم ~~النياشين المجوهرة، خجلت من نفسي فاشتريت الثوب الذي ترونه علي من سوق الدلالين! ~~وأنا مرهق، لا من المخازن الكبيرة وأنا موسر، وإذا كانت سلامة الوطن والمحافظة عليه ~~تقضي علي بيعه فأنا أبيعه وأنا مغبوط، وأعود إلى ثوبي المرقع. # ثم قال الرئيس في ختام المذاكرة: هل يقبل المجلس ما جاء في البروتوكول كل ملاحظات ~~ناظر الخارجية؟ فرفض المجلس قبوله بالأكثرية، وكانت الأقلية ثمانية عشر صوتا من ~~الروم المبعوثين عن الروم أيلي ومن الأرمن؛ فنظم الباب العالي نشرة مؤرخة في 9 ~~نيسان/أبريل سنة 1877 احتج فيها على بروتوكول لوندره المنظم بدون اطلاعه وانضمام ~~رأيه، وقال: إن تكليف الباب العالي إجراء الأحكام على ما يقضي به هذا البروتوكول مخالف ~~لاستقلال المملكة العثمانية الذي أقرته الدول في معاهدة باريس، فقرئت هذه النشرة ~~على مجلس المبعوثان فاستحسنها وأقرها، وشكر الباب العالي على تنظيمها، فأجاب عنها ~~البرنس ms30 جورجاقوف في بطرسبرج بنشرة رفعها إلى الدول في 19 نيسان/أبريل مضمونها: إن الباب ~~العالي رفض إجراء الإصلاح الموعود به، فصارت الحرب ضرورية؛ لأن روسيا مضطرة إلى إيفاء ~~واجباتها نحو الأهالي المسيحيين ! # فأجاب الباب العالي بنشرة أخرى للدول قال فيها: إن تركيا لا ترفض إجراء الإصلاحات، ~~وإنما ترفض الإشراف والمراقبة على أعمالها؛ لأن في ذلك غمطا لحقها وإزراء بشرفها ~~وعبثا باستقلالها الذي أقرت عليه الدول الموقعة على معاهدة باريس، وصارت النشرات ~~والمحررات السياسة تتطاير من عواصم أوروبا، والإنذارات والمذكرات تتساقط على السفراء ~~ونظار الخارجية، فلم يجد ذلك نفعا، بل أعلنت الحرب في 24 نيسان/أبريل سنة ~~1877. # مناقشات مجلس المبعوثان وانفضاضه # بحث المجلس بعد ذلك في لائحة نظام الولايات وتشكيل مجالس الإدارة، وذكر في اللائحة أن ~~مجلس إدارة الولاية يتألف من ستة أعضاء، ينتخب نصفهم من المسلمين والنصف الآخر من ~~المسيحيين، فاعترض بعض المبعوثين على هذا التخصيص الذي هو داعية للتفريق، وقالوا: إن ~~القانون الأساسي أطلق على جميع الرعية «عثمانيين» من دون تفريق بينهم في الدين ~~والمذاهب، وإن الأكثرية في مجالس الإدارة تكون من حق المسلمين، لأن الموظفين كالوالي ~~والدفتردار «رئيس الحسابات» والمكتوبجي «رئيس الكتاب» ونحوهم؛ أعضاء دائمون في مجلس ~~إدارة الولاية، وطلبوا إخراج المفتين من بين الأعضاء الدائمين لكونهم بمثابة الرؤساء ~~الروحيين. # فقال الرئيس: ليس للمفتين صفة دينية كصفة الرؤساء الروحيين، ورغم انتشار هذا الزعم ~~الفاسد، فالمفتي ما هو إلا مأمور القانون؛ أي المحامي عن القانون والشريعة، وليس له ~~سيطرة على المسلمين كسيطرة الرئيس الروحي على أبناء ملته، وإنما هو من علماء الحقوق ~~المعروفين عند الإفرنج باسم # Jurisconsulte ~~، واعترضوا ~~أيضا على تسمية «متصرف»، فقالوا إن هذا الاسم مشتق من التصرف الدال على الاستبداد ~~والإذلال والاستعباد، فهو لا يوافق روح الحرية والمساواة، واستعلم بعض المبعوثين عن ~~أحوال معسكر الأناضول ونقصان التجهيزات العسكرية، وعلى تعيين أحد الخدمة قائمقام وقد ~~كان «شوبقجي»؛ أي حامل قصبة التدخين عند بعض الكبراء، إلى غير ذلك. # ثم اشتغل مجلس المبعوثان بتدقيق ميزانية المالية، وطلبت الحكومة خمسة ملايين ليرة ~~عثمانية ms31 للدخول في الحرب، فتألفت لجنة # Commission # من أحد عشر مبعوثا للتذرع بالوسائل المؤدية إلى الحصول على المبلغ المطلوب، ~~فحاولوا اقتراضه من إنجلترا على أن يكون لها في مقابل ذلك، وأرادت مصر كما فعلوا قبلا ~~فرفضت إقراضهم؛ لأن التأمينات غير كافية، فقرروا عقد قرض داخلي بفائدة عشرة في المائة ~~من وارادات أصحاب الأملاك والتجار، وأخذ راتب شهرين من أصحاب الرواتب، فصدق مجلس ~~المبعوثان على هذا القرض وعلى كل ما طلبته الحكومة منه، وختم جلساته في تموز/يوليو سنة ~~1877؛ فقال الرئيس: ارجعوا إلى ولاياتكم، وأعيدوا الانتخابات، واجتهدوا بأن ترسلوا ~~إلينا مبعوثين أوفر عقلا وأكثر وقوفا على ما تحتاج إليه البلاد! # فيرى من ذلك أن مجلس المبعوثان - على ضعفه وعجزه وجهل أعضائه في السياسة والإدارة - ~~لم يكن منه قصور أو تقصير في وظائفه، ولم يحصل فيه اختلاف شديد بين المسلمين ~~والمسيحيين، وإنما كانوا جميعا متفقين على مقاومة الاستبداد ومنع التعدي وتبذير ~~الأموال، وكل منهم عارف بمصالح بلاده الخاصة؛ لأن معرفة ذلك لا تحتاج إلى علم كبير أو ~~رأي ثاقب لبداهتها ووضوحها كالشمس في رابعة النهار، غير أن الواقفين منهم على مصالح ~~الدولة العامة وسياستها الخارجية كانوا أقل من القليل، والحكومة أبت أن تعترف لهم ~~بحق، بل نظرت إليهم نظر الوصي إلى الصبي! # الحرب الروسية العثمانية # استمرت الحرب الروسية العثمانية ثمانية أشهر (نيسان كانون الأول سنة 1877)، ~~وأبرزت الجنود العثمانية فيها من الشجاعة والصبر والثبات والقوة ما دل على حياة ~~الأمة وفتوتها وسلامة جسمها من أعراض الهرم أوالمرض الذي يصفها به العدو، ولكن نقصان ~~التجهيزات العسكرية وسوء الإدارة كانا سببا في انتصار الروس في أوروبا وآسيا، ~~وتجاوزهم نهر الطونة «الدانوب» وجبال البلقان، وأخذ القرص ومحاصرة أرضروم من جهة ~~الأناضول، وفتح بلفنا في الروم أيلي، ولقد أظهر عثمان باشا وعسكره من الشجاعة والمقاومة ~~ما حير الروس وأوروبا كلها، فاعترفوا بفضلهم وقدروهم قدرهم، «والفضل ما شهدت به ~~الأعداء.» # طلب مدحت باشا وانتخاب المبعوثان الثانية # استنزفت هذه الحرب ثروة البلاد وأضعفت قوتها وأفرغت صناديق الحكومة من الأموال؛ لكثرة ~~الإنفاق ms32 وانقطاع الوارد إليها من التكاليف والرسوم، فتقرر إعادة التئام مجلس المبعوثان ~~وطلب مدحت باشا من أوروبا، وعقد قرض لوندره، وعقد الصلح مع روسيا، فجرى انتخاب ثان ~~بأمور «أوامر» مؤقتة لا كما يقضي نظام انتخاب مجلس المبعوثان. # افتتاح مجلس المبعوثان مرة ثانية وخطاب السلطان فيه # افتتح مجلس المبعوثان مرة ثانية في يوم الخميس الواقع في 7 من ذي الحجة سنة 1294 و13 ~~كانون الأول/ديسمبر سنة 1877، فذهب الوكلاء الفخام والوزراء الكرام والعلماء الأعلام ~~وأعضاء مجلس الأعيان والمبعوثان وسفراء الدول الأجنبية إلى سراي بشكطاش، واصطفوا على ~~الصورة الآتية: فكان عن يمين الحضرة العلية السلطانية أدهم باشا الصدر الأعظم ~~ووكلاء الباب العالي، ثم موظفو المجالس العالية، ثم رؤساء المذاهب المختلفة، ثم أعضاء ~~شورى الدولة ومستشارو النظارات المختلفة، وكثيرون من أعيان رجال العسكرية والملكية بحسب ~~رتبهم ومقاماتهم، وكان عن شماله حضرات شيخ الإسلام والشريف عبد المطلب أمير مكة المكرمة ~~قبلا، ثم العلماء من رتبة قاضي عسكر الروم أيلي والأناضولي، ثم «الفريقان» الكرام ~~وفريق من العلماء الأعيان، وكان أعضاء مجلس الأعيان أمام الحضرة العلية السلطانية من ~~ناحية اليمين على صفين، وأعضاء مجلس المبعوثان أمامها من ناحية الشمال على تسعة صفوف، ~~وفي الساعة السادسة على الحساب العربي دخل السلطان الأعظم وسلم الرقيم المشتمل على ~~نطقه لسعيد باشا باشكاتب المابين، فتلاه على الحاضرين، وهو: # يا أيها الأعيان والمبعوثان # إنني اكتسبت الممنونية بفتح المجلس العمومي وبمشاهدة مبعوثي الملة «الأمة»، ~~ثم ذكر الحرب مع روسيا والمحافظة على الملية؛ أي القومية، واللغات وحق ~~المساواة، وإدخال غير المسلمين من الرعية في الجندية، والمحافظة على القانون ~~الأساسي وإصلاح المالية والعدل في جباية الأموال الأميرية وتنظيم ~~القوانين. # وختمه بقوله: # يا أيها المبعوثان # إن إبراز الحقائق في المسائل القانونية والسياسية وضمان منافع البلاد ~~يتوقفان على مجاهرة أرباب الشورى بأفكارهم بالحرية النامية، وبما أن القانون ~~الأساسي يقضي بذلك فإنني لا أرى احتياجا إلى أمر أو ترغيب آخر. # مذكرات مجلس المبعوثان # ثم انعقد مجلس المبعوثان في الدائرة الخاصة به تحت رياسة حسن فهمي أفندي - وهو اليوم ~~باشا ms33 من النظار - وشرع المبعوثون في المذكرات والمباحثات بقية شهر كانون الأول/ديسمبر ~~وكانون الثاني/يناير وأوائل شباط/فبراير سنة 1878، وكثر الجدال بين المبعوثين وبين ~~الحكومة - لا بين الأعضاء المختلفين في الدين واللسان - وطلب بعضهم التدقيق في حسابات ~~المالية، وحضور ناظرها لمناقشته الحساب، ومحاكمة المرتكبين، وسؤال المتهمين باختلاس ~~الأموال الأميرية، وسوء الأعمال المختلفة المتعددة، وقام أحد المبعوثين وقال: إن الجاندرمة # 1 # في الولاية التي بعثت منها تنهب الأهالي، والمحاكم ترتشي على إبطال الحق ~~وإحقاق الباطل، والضابطة تعذب المحبوسين بالضرب وأنواع العذاب، واعترض مبعوث آخر على ~~المذابح التي جرت في بلغارستان وطلب التحقيق والبحث عنها، وطلب جماعة من المبعوثين عزل ~~خمسة من الوكلاء. منهم: محمود جلال الدين باشا، وسعيد باشا، وكجوك سعيد باشا، والتحقيق ~~عن كثيرين من رجال الدولة وقواد العساكر، ولا سيما عن الاختلاس والإسراف في نظارة ~~البحرية وغير ذلك. # إلغاء الصدارة واستبدال مجلس الوكلاء بها # بعد ذلك تولى الصدراة أحمد حمدي باشا المعروف في ولاية سوريا، وذكر في فرمان التولية: ~~«إن اعتزال أدهم باشا مدة للأعمال كان مراعاة لصحته، هذا مع التسليم بنزاهته ودرايته، ~~ونحن راضون عنه من كل الوجوه أتم الرضا ...» إلخ، وبقي حمدي باشا في الصدراة بضعة ~~وعشرين يوما، وفي غرة صفر سنة 1295 و4 شباط/فبراير سنة 1878 صدر الفرمان القاضي ~~بإلغاء لقب «صدر أعظم» واستبدل رئيس الوكلاء به، وتوجيه هذه الرياسة إلى أحمد وفيق باشا ~~رئيس مجلس المبعوثان مع رتبة الوزارة، وتعيين مسئولية «تبعة» الوكلاء؛ أي النظار كما هي ~~الحال في وزارات أوروبا، فحضر «الباش وكيل» الأفخم إلى مجلس المبعوثان، وقال لهم ما ملخصه: # إن جلالة السلطان الأعظم تريد في الحقيقة باطنا وظاهرا إدارة الملك كما ~~تقضي أحكام القانون الأساسي، ولذا استبدلت رياسة الوكلاء بمسند الصدراة، ~~فالوزراة الجديدة المؤسسة على قاعدة المسئولية لا ترغب إلا في سلامة الدولة ~~وترقيها، والوكلاء مستعدون للحضور دائما إلى المجلس عند الطلب، ولكنهم ~~يرجونه أن يقبل في بعض الأحيان وكلاء من أعضائه لكثرة شواغلهم وحرصا على ~~أوقاتهم! # فقام أحد المبعوثين، وقال ما خلاصته: # إن مجلس ms34 المبعوثان له الحق وحده ومن شأنه خاصة إحداث تغيير عظيم مثل هذا ~~التغيير، تقولون دائما إنكم تريدون المحافظة على القانون الأساسي، إذن ~~فاحترموا حريتنا؛ لأننا نحن الذين نمثل القانون الأساسي ونحافظ على أحكامه، ~~وأنتم الذين تحاولون نقضه وإبطاله ... # فأحيلت المسألة على لجنة # Commission # مخصوصة لتدقق ~~فيها 5 شباط/فبراير، وكانت الحرب أوشكت أن تضع أوزارها، وعساكر روسيا استولت على أدرنة ~~وتجاوزتها، وطلبت أوستريا «النمسا» أن تجمع في ڨيينا مؤتمرا من مندوبي الدول الموقعة ~~على معاهدة باريس؛ لتنقيح المعاهدة الجديدة بين تركيا وروسيا، والتوفيق بين أحكامها ~~وأحكام المعاهدات القديمة، وبعثت إنجلترا بأسطولها إلى بحر مرمرة في 14 شباط/فبراير سنة ~~1878. # المجلس العالي # تداخلت دول أوروبا في المسألة الشرقية بعد أن تركت روسيا تفعل ما تريد في الحرب، ~~وعادت إلى المناقشات والمحاورات - على عادتها - في هذه المسألة، فاعتمد المابين على ما ~~بينهن من الاختلاف واستغنى عن مجلس المبعوثان فألف في 11 شباط/فبراير سنة 1878 مجلسا ~~عاليا من وكلاء الدولة ورجالها وأعيانها والرؤساء الروحيين، وطلب من مجلس المبعوثان ~~خمسة أشخاص: الرئيس، ووكيله، وأحد مبعوثي الأستانة؛ وهو الحاج أحمد أفندي، وكتخدا ~~الأسترجية «الكدش»، ومبعوث آخر يهودي. فقال لهم الحاج أحمد أفندي: إن طلبكم الآن رأينا ~~في غير محله، فقد كان يجب عليكم أن تسألونا قبل الخراب، فمجلس المبعوثان يتنصل من كل ~~تبعة تلقى عليه لأمر وقع بغير علمه، ولم يكن برأي من آرائه، وكرر القول بأن المجلس ~~يرفض كل تبعة في الحال الحاضرة. # تعطيل مجلس المبعوثان إلى أجل غير مسمى # صمم السلطان حينئذ على العدول عن سياسة والده - الماجد السلطان عبد المجيد خان - في ~~عمل الإصلاح بإطلاق الحرية والعمل بمقتضى أحكام القانون الأساسي، وجنح لسياسة جده ~~السلطان محمود خان في إعمال القهر والاستبداد، مفضلا هذه السياسة؛ اعتقادا منه أن ~~الشعوب التي وضعها الله تحت يده لا يمكن تسييرها إلا بالقوة! وكان المندوب الروسي قد ~~حضر إلى الأستانة فلم يسر بوجود مجلس المبعوثان لخلو بطرسبرج من مثله، واستبداد ~~القيصر برعيته، ففي 14 شباط/فبراير سنة 1878 قرأ الرئيس ms35 حسن فهمي أفندي على المبعوثين ~~منطوق الإرادة السنية القاضية بتعطيل مجلسهم إلى أجل غير مسمى! # استخدام المبعوثين والأمة لتعطيل مجلس المبعوثان وأسبابه # خرج المبعوثون يتعثرون بأذيالهم، وأنذرت الضابطة المتطرفين منهم والجسورين على التكلم ~~وإيقاظ أفكار الأمة بوجوب المهاجرة من الأستانة! فذهب بعضهم إلى الولايات الثمانية ~~وبعضهم إلى مصر والبلاد الأجنبية، ولا تقلق الأمة أو تتأثر بهذا الاحتقار والامتهان، ~~ولا حصل منها هيجان أو اعتراضات! كأنها جمل المحامل. # يصرفه الصبي بكل وجه # ويحبسه على الخسف الجرير # وتضربه الوليدة بالهراوي # فلا غير لديه ولا نكير # ولم يبق من المبعوثين من أصر على مبعوثيته إلى آخر نفس من حياته إلا أفراد قلائل، ~~كمبعوث القدس الذي كان - بجراءته - يثبت على بطاقة ~~الزيارة # Carte-visite # أنه مبعوث القدس، ويقدمها إلى وزارة الدولة ورجالها لدى ~~زيارته لهم في الأستانة، وإلى سفراء الدول الأجنبية وموظفي نظارة الخارجية في أوروبا، ~~ولما اجتمع بصديقه خليل غانم مبعوث بيروت في الاجتماع الثاني للمجلس ومنشئ المقالات ~~الرنانة في جريدة الديبا وغيرها من جرائد باريس، وذلك قبيل وفاتهما؛ آخذه لكتابته في ~~بطاقة الزيارة كلمة المبعوث السابق # Ex-Depute # فمحا ~~كلمة «سابق»؛ لأن صفة المبعوثية إنما هي بإرادة الأمة وانتخابها، فهي لا تزول عن ~~صاحبها إلا بانتخاب آخر، ومجلس المبعوثان لم يلغ إلغاء وإنما عطل إلى أجل غير ~~محدود، فكان اجتماعه في كل سنة من قبيل الممكنات الجائزة عقلا ونظاما، ولكن أكثر ~~المبعوثين تناسوا وظيفتهم كأنها وظيفة حقيرة لا يؤبه لها وقد عزلوا منها ولم يجسر أحد ~~على ذكرها في ترجمة حاله الرسمية، ولم يذكرهم بها مذكر ولا وعظهم واعظ! ولا حررت في هذا ~~الموضوع جريدة من جرائد المملكة العثمانية. # إن لهذا السكوت والاستخذاء أسبابا كثيرة: منها أن الحرية أمر تستحوذ عليه الأمة ~~بالغلبة والاستيلاء، وليست مما ينعم به إنعاما أو تعطى جزافا، ولقد كانت الأمة ~~حينئذ منهوكة القوى مكسورة الجناح بسبب الحرب، لا دار إلا وفيها مأتم، ولا أسرة إلا ~~وقد أصابتها مصيبة، وزاد البلاء بسبب البحران المالي، ونزول قيمة المسكوكات «النقود»، ~~فكانت الأسرة ms36 تبعث خادمها إلى السوق ليشتري القوت الضروري، فيعود إليها خاوي الوفاض ~~لعدم رواج النقود، فتطوي على الجوع وتتفتت أكباد الوالدين لبكاء أطفالهم، ثم إن الأمة ~~هي عبارة عن أهل العاصمة منع الاستبداد وأهالي الولايات والقرى، والعساكر المنظمة، ~~المدربة على الحرب المسلحة بالأسلحة الجديدة والمدافع، فأما أهل الأستانة - ولا سيما ~~المسلمون - فإنه لا يتصور قيامهم لطلب الحرية لأن جلهم - إن لم نقل كلهم - موظفون أو ~~عائشون في ظل الموظفين، والعساكر المسلحون واقفون لهم ولأهل الولايات بالمرصاد، وقادرون ~~على إخماد نار أية ثورة أو مظاهرة، وأن قيام طائفة مسيحية وحدها لطلب الحرية مما لا ~~يرضى به المسلمون ولا بقية الطوائف المسيحية أو اليهودية، كما شاهدنا ذلك في أرمينيا ~~ومقدونيا التي اشتدت فيها المناقشة بين الروم والبلغار والصرب والرومان، كما أن العساكر ~~وحزب الأحرار العقلاء لا يرضون به؛ لأن قيام كل ملة على انفراد يقضي بتقسيم الممالك ~~وتفريقها وضعفها، وإثارة أضغان العداوة الموروثة من الحروب الصليبية والقرون المتوسطة ~~المظلمة، على أن هذا القيام كان مصدره الكنائس والأديار بإيعاز الرهبان والقسيسين ~~والمبشرين والمرسلين، فكان سببا لإيجاد المذابح والفظائع ومداخلة الأجانب. # أما حزب تركيا الفتاة الذي أسسه مصطفى فاضل باشا وخليل شريف باشا، فإنه لم يكن في عهد ~~مدحت باشا إلا فئة قليلة من صغار الموظفين وضباط العساكر والمتعلمين في المدارس ~~الجديدة، والذين درسوا شيئا من اللسان الفرنسي أو الإنجليزي، واشتهروا باسم «إنجلز» ~~لتعلمهم الإنجليزية فقط، مثل: إنجلز سعيد باشا، إنجلز كريم أفندي، إنجلز علي بك والد ~~أحمد رضا بك روح هذا الانقلاب، أو الذين أصلهم من الأوروبيين فأسلموا ودخلوا في ~~الوظائف، مثل عمر باشا المجري، ونوري بك ابن المركي دوشاتونيف الفرنسي، وكثير غيرهما، ~~أو الذين تزوجوا بنسوة أوروبيات وربوا أولادهم تربية إفرنجية أو غير ذلك، فكانت ~~هذه الفئة متحدة الفكر في إعجابها بالمدنية الأوروبية وميلها إليها، ولم تكن لهم ~~جمعية ولا رابطة غير الرابطة المعنوية الفكرية؛ لأنهم من موظفي الحكومة، والوظائف ~~تضطرهم إلى إخفاء الرأي وإطاعتهم لآمريهم إطاعة يفرضها العقل والسياسة، وإلا كانت ~~الأمور ms37 فوضى، ولكن الجامدين من المسلمين لم يفرقوا بين الدين المسيحي والمدنية ~~الأوروبية، واعتبروا كل إصلاح صدر من أوروبا المسيحية مخالفا للدين والآداب ~~الإسلامية، وشتان ما بين المدنية «الأوروبية» والدين المسيحي. # سعاوي أفندي وحادثة جراغان # على أن بعض المتطرفين من حزب تركيا الفتاة ثاروا بزعامة علي سعاوي أفندي، وكان من ~~طلاب العلم المعروفين بالصوفتاوات، مطلعا على العلوم العربية والفنون والرياضة، ~~وواقفا على الأفكار الجديدة، نفي في أيام السلطان عبد العزيز وصدارة عالي باشا، ~~وفر إلى باريس ولوندره ونشر ثمة الرسائل والمقالات، وكان ينفق على نفسه فيهما مما ~~ينفحه به رجال الأستانة، ثم عاد إليها، وصار من حزب مدحت باشا أنصار القانون الأساسي، ~~وعين مديرا للمكتب السلطاني ثم عزل، فاتفق مع صالح بك الأرناؤوط - أحد الضباط - ~~وجمعا فئة من المهاجرين، فكانوا زهاء مائة رجل، وهجموا على سراي جراغان لإخراج السلطان ~~مراد منها ومبايعته، واسترداد الحرية والقانون الأساسي، ففاجأتهم العساكر بالسلاح ~~فشتت شملهم، وكانت هذه الحادثة في 13 مايس/مايو سنة 1887 زمن رياسة صادق باشا لمجلس ~~الوكلاء. # صدارة رشدي وصفوت وخير الدين التونسي # لبث أحمد وفيق باشا «باش وكيل» لمجلس الوكلاء مدة قليلة، ثم وجهت إلى صادق باشا فبقي ~~فيها تسعين يوما، ثم استبدلت الصدارة «بالباش وكالة» وعين فيها رشدي باشا ودام فيها ~~ثمانية أيام، ثم عين لها صفوت باشا ناظرا للخارجية، فاكتسب فيها ثقة الحضرة ~~السلطانية ولم تطل فيها مدته، وعين لها خير الدين باشا الجركسي الأصل والتونسي ~~النشأة، وهو مؤلف التاريخ العربي «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، وله وقوف ~~على العلوم العربية وعلى الفرنسية، وتجول في ممالك أوروبا، وقد طلب منها في سنة ~~1294ه، كما طلب السيد جمال الدين الأفغاني وغيره، وعين رئيسا لشورى الدولة، ثم «صدر ~~أعظم» سنة 1295، وبقي في الصدارة ثمانية أشهر، ثم استقال وبقي جليس بيته إلى أن توفي ~~سنة 1307 في الأستانة، فكان في طلبه وتوظيفه شبه ميل إلى سياسة الجامعة الإسلامية # panislamiseme ~~، ولكن هذه السياسة لها ~~معنيان: المعنى القديم الاستبدادي الذي مشى عليه خلفاء بني ms38 أمية والعباسيون، وهو ~~مخالف لحقيقة الإسلام، ومناف لروح العصر الجديد والمدنية الحاضرة. والمعنى الحديث ~~وهو يوافق أصل الإسلام والمدنية، ولكنه يخالف مسلك المستبدين بالأمر، ويحول بينهم ~~وبين مآربهم، وهو أشد وطأة عليهم من القانون الأساسي وحزب تركيا الفتاة. # صدارة كجوك سعيد باشا وأعماله # ثم عين لمسند الصدارة سعيد باشا، المشهور بسعيد باشا الصغير «كجوك سعيد»؛ تمييزا ~~له عن سميه ناظر الداخلية الكردي الأصل، والمتوفى قبل بضع سنين، وكان سعيد باشا ~~الصغير محررا في جريدة «حوادث»، فاتصل بالداماد محمود جلال الدين باشا ودخل بوساطته ~~المابين وصار باشكاتب له، وهو المتسبب في إبعاد مدحت باشا وتعطيل أحكام القانون ~~الأساسي، وإعلان الحرب، وعزل القائد «السردار» عبد الكريم باشا وإخلائه موقع «بيله» ~~أمام بلفنا، ومداخلة المابين في إدارة جميع الشئون العسكرية، وإصدار الأمور من السراي ~~السلطانية أثناء الحرب، وتقسيم المملكة العثمانية في معاهدة سان ستفانو التي نقحتها ~~معاهدة برلين ... إلخ، فإن الإرادات السنية في جميع ذلك كانت تصدر برأي سعيد بك باشكاتب ~~المابين وتوقيعه، ولهذا كان مبغوضا من حزب تركيا الفتاة؛ لأنه كان آلة وعونا على ~~الاستبداد، وعلى إدارة المصالح من دون رأي الباب العالي، مع أن باشكاتب المابين كان ~~لذلك العهد ينتخب من قبل الصدارة العظمى، وكان الصدور لا ينتخبون لهذه الوظيفة إلا ~~الذي يعتمدون عليه لعرض المضابط والمقررات والإنهاءات «المطالب» واستصدار الإرادات ~~السنية بها، ولم يكن للباشكاتب نفوذ معارض لنفوذ الباب العالي صاحب التقاليد والأصول ~~المرعية في إدارة المملكة، ولا سيما في أيام رشيد باشا وفؤاد باشا وعالي باشا، فلما ~~توفي عالي باشا وتولاها محمود نديم تدنت أهميتها بسبب نفاقه وتملقه للمابين ~~وتقديمه أموال الخزينة إليه بغير عد ولا حساب، ولما ولي سعيد باشا الباشكتابة زالت ~~مكانة الصدارة البتة، وانحصرت الأعمال والإدارة في المابين، وصار للباشكاتب نفوذ ~~يمكنه أن يطلب مدحت باشا الصدر الأعظم إلى المابين ويبلغه الإرادة القاضية بنفيه على ~~الباخرة عز الدين! # تولى سعيد باشا الصدارة بعد مدحت واشتهر بالنزاهة والاستقامة، فلم يسمع عنه ~~ارتكاب ولا انهماك في جمع الأموال ms39 وادخارها، ولهذا كان أقل الصدور ثروة، وكان شديد ~~السطوة على المرتكبين، كثير البطش بهم والاستبداد فيهم، ولكنه عادل في أحكامه وعقابه، ~~وفي زمن صدارته وضع نظام المعارف، وأسست المدارس على النسق الجديد، وصار للمعارف مورد ~~واف من واردات الحصة التي أضيفت إلى الأعشار، ونظمت نظارة العدلية وأصول المالية، ~~وأسست إدارة الديون العمومية، وبوشر في مد بعض الخطوط الحديدية وإصلاح الطرق ~~والمعابر، من دون أن يؤدي إعطاء امتيازاتها إلى ارتكاب فاحش، فكان أصلح الصدور في الدور ~~الأخير، ولم ينتقد عليه حزب تركيا الفتاة إلا استبداده ومقاومته مشروع مدحت باشا، ~~وتوقيف أحكام القانون الأساسي وجميع ما صنعه وهو رئيس كتاب المابين! # لم يصد سعيد باشا كونه من رجال الكامبريلاب؛ لأنه نشأ وتربى في المابين؛ أن يحاول ~~الاستقلال في وظيفته وإعلاء شأنها ورفع مكانتها، وتمشية المصالح بالعدل على قاعدة مطردة ~~وأصول منظمة، كما كانت عليه في زمن عالي باشا، فأصبحت بذلك أعمال سعيد باشا موضعا ~~للريبة، وكثرت الوشايات به فصار مبغوضا منفورا منه، ووضعت عليه العيون والجواسيس، ~~وصارت أعماله تراقب مراقبة دقيقة؛ فأحدث قلما للترجمة في المابين وانجمن التفتيش ~~«مجلس التفتيش»، والمعاينة في نظارة المعارف لمراقبة الكتب المطبوعة والتدريس ومضادة ~~الضار منها «!» على زعمهم وبحسب اصطلاحهم، وقلم مراقبة المطبوعات الداخلية والأجنبية في ~~الباب العالي، هذا ماعدا دوائر وشعب الخفية «الجواسيس» المتعددة المحدثة التي مركزها في ~~المابين تحت نظارة السرخفية «رئيس الجواسيس»، فهذا الذي قضى بسقوط سعيد باشا بالحقيقة ~~والواقع، فذهب بإصلاحاته أدراج الرياح، وإن كان عزله في الظاهر بسبب احتلال البلغار ~~للروم أيلي الشرقية، وإصراره على إرسال العساكر كما تصرح بذلك معاهدة برلين. # صدارة كامل باشا الصدر الحالي # تولى الصدارة كامل باشا الصدر الحالي بعد سعيد باشا، ومولده في جزيرة قبرص، ومرباه في ~~مصر ولهذا نسب إليها، وله معرفة باللغات الأجنبية وبإدارة الدولة؛ لأنه تقلب في جميع ~~وظائفها؛ فمن قائمقام إلى متصرف إلى وال ناظر، ولكنه في نظر تركيا الفتاة كان أقل شهرة ~~من كثيرين من الوزراء والرجال الموجودين إذ ذاك، واستمرت صدارته ms40 ست سنوات وهو آلة في يد ~~المابين، مطيع لما يلقى عليه من الأمور، ثم ظهرت شجاعته فعارض وعاند، فأصابه ما أصاب ~~سلفه سعيد باشا من سوء الظن به، والريبة في أعماله وشئونه مما قضى بفصله. # صدراة جواد باشا وضعف الدولة # لما ولي الصدراة جواد باشا قوبل ذلك الاستغراب العام، ولم يكن يخطر تعيينه ببال؛ لأنه ~~من أمراء العسكرية وهو صغير السن غير متمكن من اختبار الإدارة الملكية، على أنه كان من ~~النابتة الجديدة، وقد تخرج في المدارس العسكرية، وربما كان الغرض من تعيينه هو ~~الإيهام بالعود إلى الإصلاح وإطلاق الحرية، ولكنه في الحقيقة لم يكن قائما بوظيفة ~~الصدارة، بل كان ياورا للحضرة السلطانية مكلفا بتنفيذ الأمور التي تلقى عليه! كما ~~كان رئيس الوزراة الألمانية ياورا للحضرة الإمبراطورية، ولكنه غير مسئول أمام ~~الريشستاغ، فلم يبق بعد ذلك شأن للصدارة، واستولى رجال المابين على الشئون كافة، وصار ~~في يدهم العزل والتوظيف والحل والربط، وإعطاء الامتيازات بمد الخطوط الحديدية واستخراج ~~المعادن وسائر الأمور النافعة، وكانوا يتناولون الرشا من وراء ذلك بصورة فاحشة واستولوا ~~على الأوقاف، ووسعوا نطاق الخزينة الخاصة بانتزاع الممتلكات من أيدي أصحابها بالثمن ~~البخس، وإقامة الموظفين فيها يعارضون بنفوذهم موظفي الحكومة ونفوذها، حتى أصبح المابين ~~حكومة صغيرة قوية! داخل حكومة كبيرة ضعيفة؛ لأن مركز الحكومة نقل من الباب العالي ~~إلى سراي يلديز السلطانية! # الجاسوسية في الدولة العلية # ضعفت إدارة الدولة وجعلت تتدهور بسرعة إلى دركات التأخر والانحطاط، بعد أن خطت خطوات ~~محمودة في سبيل التقدم أيام صدارة سعيد باشا، وانقطع أمل الأحرار العثمانيين، وخاب ~~رجاؤهم بعد أن كانوا يؤملون تخليص الدولة والمملكة من المرض الذي منيتا به قديما، ~~فاضطهد هؤلاء الأحرار وأهينوا وعوملوا أسوأ معاملة، حتى ذاقوا أشد العذاب الوجداني ~~والأدبي، وصار أرباب الدناءة والفساد يتقربون إلى المابين بالتملق والوشاية ~~والتجسس على إخوانهم وأعمامهم وآبائهم! ومنهم من تجسس على أمه وأخيه فنفيا من ~~الأستانة، فكانوا - بمفترياتهم - يصورون الرعية الصادقة للسلطان الأعظم كالوحوش ~~الضارية تريد افتراسه ونزع تاجه، ويزينون في عينيه الاستبداد، ms41 ويبعدون عنه الخبيرين ~~بأمور الدولة العارفين بطرق الإصلاح، زاعمين أنهم من ذوي الأفكار المتطرفة وحزب تركيا ~~الفتاة، حتى اختل نظام المملكة وبطلت مراعاة الأحكام القانونية، والسير في إدارة ~~الدولة على الأصول والتقاليد المعروفة من القديم، وفسد التعليم في المدارس، وانحرفت ~~إدارة الأمور الداخلية والخارجية عن محورها، ومالت إلى التدلي والانحطاط، رغم ~~الأبهة الظاهرة، والعظمة الكاذبة، ولا سيما في موكب صلاة الجمعة؛ إذ تصطف العساكر في ~~ساحة المسجد الحميدي أمام باب السراي صفوفا مضاعفة بعضها وراء بعض رجالا وفرسانا، ~~وتتسابق مركبات الكبراء والسفراء الأجانب، ثم تشرق المركبة السلطانية من مطلع السراي ~~و«المشيرون وكبار رجال المابين حافون من حول المركبة مشاة خشع الأبصار ترهقهم ذلة ~~من جلال تلك العظمة الإمامية، وهم في غير هذه الساعة أكاسرة الفرس وقياصرة الرومان ~~كبرا وجبروتا، وكلهم في أمواج الملابس الذهبية يسبحون، وعلى صدورهم نياشين الجوهر ~~تخطف الأبصار»، وكان في كل نظارة من نظارات الداخلية والعدلية «الحقانية» ~~والمالية والمشيخة الإسلامية وغيرها؛ رجال معروفون يبيعون الوظائف والرتب بأسعار ~~معلومة، ويقتسمونها هم وكبار الموظفين، فمن اشترى وظيفة بمائة ليرة فأكثر فإنه يجتهد في ~~استغلاله منها أضعاف ما بذله بإرهاق الأهالي وظلمهم أو اختلاس الأموال الأميرية أو ~~بكليهما! # الميل عن إنجلترا إلى ألمانيا والحوادث الأرمنية # انحرفت سياسة المابين عن إنجلترا الملحة في طلب القيام بالإصلاحات وتغيير الإدارة ~~المستبدة الظالمة، واتجهت نحو ألمانيا التي لا ترى بأسا في إدارة الدولة بالقسر ~~الاستبدادي، فجنح بعض ساسة الإنجليز للأرمن ومالوا إليهم، وساعدوا جمعيتهم السرية ~~الموجودة في لوندره، وأشار إليهم بعض رجال السياسة - كجلادستون - بالقيام والهيجان، حتى ~~إذا حدثت في البلاد مذابح كمذابح البلغار، هاجت الأفكار العمومية في أوروبا، وتسنى ~~لحكوماتها المداخلة في طلب الامتيازات لأرمينيا، كما حدث في البلغار والجبل الأسود ~~والصرب، ويساعد على ذلك نص المادة الحادية والستين من معاهدة برلين، فقد جاء فيها ما ~~معناه: «يتعهد الباب العالي بأنه يسرع في القيام بالإصلاحات والتحسينات التي تقتضيها ~~حال البلاد الداخلية في الولايات الآهلة بالأرمن، وبحمايتهم من الجراكسة والأكراد، ~~ويعطي الباب العالي في ms42 معظم الأوقات معلومات عن التدابير المتخذة في هذه السبيل للدول ~~المشرفة على القيام بالإصلاحات.» # وفي سنة 1890 تشكلت جمعية انقلابية أرمنية # 2 # لتحرير الأرمن التابعين للدولة العلية وروسيا والعجم، وكان رأس مالها ~~مائة وثلاثين ألف فرنك، وميزانيتها اليوم مليون فرنك، منها ثلاثون في المائة للقيام ~~بالحركات الانقلابية والسياسية، وخمسة وعشرون في المائة لتسليح الأمة، وعشرون في ~~المائة للنشرات والتبشير، فأحس أحرار العثمانيين بذلك وتأثروا جدا، فاجتعموا سرا ~~وتشاوروا، وخابر بعضهم كبراء الأرمن وعقلاءهم، وقالوا لهم ما حاصله: لا محل لإصلاح ~~ولايات أرمينيا وحدها دون باقي الولايات العثمانية، فالواجب طلب الإصلاح للمملكة ~~العثمانية كلها. نعم، إن الأرمن يتألمون من الإدارة الحاضرة ولكن الظلم والاستبداد ليسا ~~موجهين إليهم خاصة، بل هما شاملان للأرمن والأتراك وعموم المسلمين والمسيحيين، فإنهم ~~جميعهم يئنون تحت أثقال التكاليف وارتكاب الموظفين ومعاملاتهم القسرية ~~والاستبدادية، ويتحملون أنواع الظلم والاعتساف وهضم الحقوق، وحظ المسلمين من ذلك ~~أكبر؛ لقيامهم وحدهم بأعباء الخدمة العسكرية التي تقعدهم عن زرع الأرض واكتساب الثروة ~~والرفاه والنمو والازدياد في العدد، وإن اتفاق الأرمن والأتراك على القيام بطلب ~~الإصلاحات اللازمة وتأسيس حكومة مقيدة حرة يعد من الحمية والغيرة الوطنية، ولكن قيام ~~الأرمن أو طائفة أخرى على انفراد بمساعدة الأجنبي وترغيبه؛ لا تعده تركيا الفتاة إلا ~~خيانة وجناية وضررا بمنافع الوطن المشتركة؛ على أن الأرمن كانوا لدى تجنسهم ~~بالجنسية العثمانية لا يزيدون على بضعة عشر ألفا، وقد أصبحوا اليوم يعدون ~~بالملايين، وإن القاطنين منهم في العاصمة والمدن الكبيرة على جانب عظيم من الغنى ~~والثروة والرفاه، وبيدهم الشئون المالية والوظائف العالية والرتب السامية، وهم على وفاق ~~وائتلاف تام مع الأتراك، حتى إذا أطلقت كلمة «ملت» # 3 # صادقة، لا تنصرف إلا إلى الأرمن، فبناء على هذا الامتزاج التام بين الترك ~~والأرمن - وما فيه من الفوائد والمنافع للفريقين - طلب بعض أحرار الترك من معتبري ~~الأرمن وعقلائهم إفهام الجمعيات الأرمنية التي في أوروبا هذه المقاصد، واستعمال نفوذهم ~~لتعديل المطالب الأرمنية ونبذ التهور في سياستهم. # وفي سنة 1894 اشتعلت نيران الحادثة الأرمنية وحصلت ms43 مذابح ساسون وخربت ثلاثون قرية ~~من قراهم، كل هذا وجواد باشا الصدر الأعظم لاه عن اتخاذ الوسائل لحسم هذه المسائل، ~~والقيام بالإصلاحات في جميع أرجاء المملكة، ولقد كانت سياسته محصورة بالتدابير المؤقتة ~~لإيقاف الاعتداء وسلوك سبيل المماطلة والإرجاء، وأوروبا - ولا سيما إنجلترا - واقفة ~~للدولة بالمرصاد، تخلق لها المسائل والمشكلات واحدة بعد أخرى، فمن الحادثة الأرمنية إلى ~~المشكلة الكريدية إلى المسألة المقدونية وهلم جرا ... ورجال المابين أكثرهم جهلاء ~~أغبياء، لا خبرة لهم بالسياسة، ولا معرفة لهم بالشئون الحاضرة، وآخرون منهم شياطين ~~أبالسة لا يدأبون إلا على جمع الأموال وادخارها، ولو أدى ذلك إلى خراب الوطن وسقوط ~~المملكة، فكانوا يخوفون السلطان من حزب تركيا الفتاة ومن القيام بالإصلاحات، ويشيرون ~~باتخاذ التدابير السيئة حتى حدث ما حدث من المذابح والفظائع التي نسبت إلى الإسلام، ~~والإسلام يبرأ إلى الله منها. # والدين إنصافك الأقوام كلهم # وأي دين لآبي الحق إن وجبا! # والمرء يعييه قود النفس مصحبة # للخير وهو يقود العسكر اللجبا # تأسيس جمعية الاتحاد والترقي # كان من نتيجة هذا الخلل في الإدارة والاستبداد والعسف بالأمة أن تأسست في الأستانة ~~جمعية الاتحاد والترقي لإخماد نار الفتن المشتعلة في البلاد، وطلب الحرية والعدل لجميع ~~العثمانيين، وتأييد روابط الحب والأمان بين الأمة - المؤلفة من السنة وأديان مختلفة - ~~وبين الدولة، وقد بعثت الجمعية في تلك السنة (1894) فريقا من الشبان الأحرار - أكثرهم ~~من طلاب المدرسة الطبية - إلى باريس؛ ليؤسسوا فرعا للجمعية فيها، ويقوموا بنشر ~~الجرائد والرسائل، وكان في باريس إذ ذاك عدد ليس بالقليل من الشبان العثمانيين، بعضهم ~~يدرس على نفقة الحكومة العثمانية أو نفقته الخاصة، وبعضهم يدرس ويشتغل بالمسائل ~~السياسية، وأشهرهم أحمد رضا بك صاحب اللائحة المشهورة. # ترجمة أحمد رضا بك ومبادئ جمعية الاتحاد والترقي # ولد أحمد رضا بك في الأستانة منذ خمسين سنة تقريبا، ووالده إنجلز علي بك، وأمه ~~مجرية، وسمي إنجلز لتعلمه الإنجليزية ووقوفه على المدنية الأوروبية كما مر ~~بيانه، وإلا فهو من الأتراك المسلمين، وكان من معتبري الموظفين الذين نشئوا في عهد ~~مصطفى رشدي باشا وعالي، ms44 فتخرج أحمد رضا في مدارس الأستانة وعين مديرا للمدرسة ~~الإعدادية في مدينة بروسة، فأحس في نفسه بلزوم السفر إلى أوروبا للاطلاع على عمومها ~~ومدنيتها؛ فذهب إلى باريس سنة 1890، واختلف إلى مدرسة الزراعة لشدة احتياج المملكة إلى ~~العلوم الزراعية، وتعرف إلى علي شفقتي بك الذي يصدر جريدة «استقبال » في إيطاليا ثم في ~~فرنسا، وهو من رجال السلطان مراد، وكان رضا بك كثير التردد على المكتبة الأهلية في ~~باريس، فاطلع فيها على أهم الكتب والفنون، واشتغل بالمسائل السياسية، وحرر لائحة مفصلة ~~مشتملة على رسائل في إصلاح الإدارة والمالية والزراعة والتجارة وغير ذلك، بعد أن درس ~~لائحة مصطفى فاضل باشا، ووصية فؤاد باشا، وما حرره ملكوم خان وشارل ميزمر وغيرهما من ~~أكابر الرجال المشتغلين بالسياسة الشرقية والواقفين على أسباب الانحطاط وعلله ~~الفلسفية. # سلك أحمد رضا بك في الفلسفة الحقيقية مسلك أوكوست كونت وخليفته بييرلافيت، وصار ~~إماما في هذه الطريقة المؤسسة على «النظام والترقي»، وهذه الكلمة هي شعارهم، وعليها ~~بناء أعمالهم، ومن مبادئهم التفاني في حب الوطن وخدمة الجماعة؛ أي وقف حياة الفرد على ~~خدمة المجموع، وهم ينفرون من الانغماس في الشهوات وتبذير الأغنياء؛ لأن المبذرين إخوان ~~الشياطين، ويشددون النكير على الذين يبتزون الأموال الأميرية ويأكلون أموال الناس ~~بالباطل، ويعبثون بالحقوق العمومية، فالمرتكب الملوث بالرشوة يعدونه ساقطا مهما ~~بلغ علمه وقدره، فأحمد رضا بك متصف بكل هذه الخلال الجليلة، وقد ضحى نفسه وشبابه في ~~سبيل المحافظة على مبدئه، ورفض قبول الألوف من الدنانير وهزئ بالمناصب التي كانت تعرض ~~عليه، مع شدة حاجته واضطراره، وتحمل الأذى والمكاره، وجاهد في سبيل استرداد الحرية حق ~~الجهاد قائلا: لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في شمالي لما تحولت عما قصدت إليه، فكان ~~في الحقيقة من أولي العزم الصادق، ونشر تعالميه وأفكاره، وله رسالة مطبوعة بالفرنسية ~~عنوانها «التساهل الديني»، رد فيها على الذين يتهمون المسلمين بالتعصب، واستدل بكثير من ~~الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مما دل على غزارة علمه. # وأما اللائحة التي مر ذكرها في رسالة باللغة التركية مشتملة على ms45 تحقيق وعلم وسياسة في ~~إصلاح إدراة الدولة ولما تنشر، وكانت جريدته «مشورت» تصدر بالتركية والفرنسية في كل ~~أسبوع أو أسبوعين مرة، ثم اقتصر على القسم الفرنسي وهي صغيرة الحجم، مضى على إنشائها ~~أربع عشرة سنة، ويتألف منها مجلدان أو أكثر، وربما كان له غير ذلك من المؤلفات ، فإنه ~~كثير الدرس والتحقيق، يقضي الساعات الطويلة في المكتبة الأهلية، وفي مكتبته الخاصة ~~مؤلفات كثيرة في التاريخ والسياسة العثمانية والمسألة الشرقية. # ولما وصل وفد جمعية الاتحاد والترقي إلى باريس سنة 1894 كان رضا بك ساكنا في شارع ~~مونج في بيت صغير # Appartement # في الطبقة السادسة فقصد ~~إليه الوفد وذاكروه في انضمامه إليهم، فتردد في بادئ الأمر، وقال: إذا عزمت على شيء ~~فإنني لا أرجع عنه مطلقا، وكان أقدر الموجودين وأعرفهم بطرق الإصلاح ومواضع الخلل؛ لأن ~~إصلاح مملكة عظيمة مشتملة على أمم مختلفة في الجنس والدين واللسان، ووارثة للخلافة ~~الإسلامية والدولة البيزنطية؛ ليس بالأمر السهل، ولا يشبه إصلاح مدرسة أو إدارة تلاميذ، ~~وإنما يحتاج إلى علوم ومعارف شتى، ونظر، واختبار، ونفاذ بصيرة، وليس ذلك في مقدور من ~~درس سنتين أو أكثر في مدرسة طبية لا تدرس فيها العلوم السياسية والحقوقية ولا ~~العلوم الشرقية التي هي موضوع بحث العلماء المستشرقين، فقبل أحمد رضا بك الانضمام إلى ~~الجمعية، وصار رئيسا لفرع باريس، ونشر جريدة «مشورت» بالتركية والفرنسية ناطقة بمقاصد ~~الجمعية. # معاكسة المابين للأحرار في أوروبا # أم باريس من ذلك الحين كثيرون من شبان العثمانيين وكهولهم، حتى الشيوخ ذوي العمائم ~~والفراء، ونشروا الجرائد والرسائل والوريقات، وأدبوا مآدب وعقدوا اجتماعات سياسية؛ ~~فانصرفت همم رجال المابين والسفارات العثمانية إلى إبطال هذه النشرات واسترضاء ~~أصحابها بالمال والرتب والنياشين والمناصب، حتى قيل لبعضهم: «اطلب تعط.» كما ينقل عن ~~الخلفاء في حكايات ألف ليلة وليلة، وكان العطاء حاتميا بل أكثر، كان سلطانيا ~~شاهانيا! وصار طلاب الوظائف أو المعزولون يقصدون باريس، فيكون ذلك سببا لعودتهم إلى ~~وظائفهم، ودخل في حزب تركيا الفتاة الصبيان الذين لم يبلغوا الخامسة عشرة، والتونسيون ~~حتى الأجانب من الطليان ms46 واليونان، وأصبحت سفارة باريس مرجعا للجميع، كأنها أعظم دائرة ~~من دوائر الباب العالي! وأقدم الجرائد التي أبطلت جريدة «المرصد» العربية التي تعين ~~صاحبها عضوا في شورى الدولة، فحسده عزت باشا العابد حتى صرف قوة عقله وذكائه في سبيل ~~الوصول إلى ما وصل إليه، وظهرت عدة جرائد ورسائل ومحررين بالتركية والعربية والكردية ~~والفرنسية والألبانية وغيرها، منهم أصحاب صدق وقناعة، ومنهم ذوو طمع وشعوذة، ورجال ~~الدولة يتقربون باسترضائهم وإحضارهم، كما كانوا في الأزمان الماضية يتقربون بجلب أهل ~~الظنة من الشيوخ وأصحاب الكرامات، كالمرحومين: الشيخ أبي السعود من القدس الذي استقدموه ~~للسلطان محمود خان، والشيخ السن من صيداء، والشيخ العمري من طرابلس الشام، وكذا المشايخ ~~الذين كانوا في المابين، وخاتمتهم أستاذنا الشيخ حسين الجسر مؤلف «الرسالة الحميدية»، ~~فلو اطلعت على تراجم هؤلاء الشيوخ ومقدار معارفهم وكيفية طلبهم والاسترشاد بهم؛ لعرفت ~~ارتقاء الفكر التدريجي، الذي حدث من عهد السلطان محمود، ولرأيت للانقلاب الحاضر معنى في ~~«الرسالة الحميدية» التي دلت على كثير من العلوم الطبيعية والعصرية. # لم يقصد من نشرات تركيا الفتاة في أوروبا إلا إيصال الشكاية من سوء الإدارة إلى ~~مسامع الحضرة السلطانية، وإفهام الدول الأوروبية الموقعة على معاهدة برلين بأن لحزبهم ~~السياسي كيانا ووجودا، وأن غايتهم إعادة القانون الأساسي، فكادت أوروبا تعتد ~~بوجودهم، كما ظهر من انتصار الجرائد الباريسية لصاحب جريدة «مشورت»، يوم محاكمته في ~~باريس والحكم عليه بفرنك واحد مع تطبيق قانون بيرانجة القاضي بالسماح عنه، وبينا كان ~~المابين يقدم رجلا ويؤخر أخرى في إجابة حزب تركيا الفتاة إلى مطالبهم الإصلاحية، ~~وإعادة القانون الأساسي، وإذا بالمشكلة الكريدية ولدت الحرب بين الدولة العلية ~~واليونان (نيسان/مارس 1897)، وتم النصر فيها للعساكر العثمانية، فأخذته العزة ودام على ~~سياسته الاستبدادية، فقعدت همة الأكثرين من حزب تركيا الفتاة وخضعوا لأحكام الاستبداد ~~جبرا وقهرا، وإن كانوا غير راضين عنها، وذاقوا عذابا شديدا بسبب غلاء أوروبا وكثرة ~~الإنفاق فيها، مع قلة ذات يدهم وفراغهم من نحو صناعة أو تجارة بأيديهم، كما هي حال ~~الأرمن والبلغار، إلا ما كان من علمهم ms47 باللغة التركية أو العربية أو معاونة الأطباء في ~~المستشفيات بأجرة قليلة والسهر في الليل على المرضى، والأغنياء من أهل البلاد وكبار ~~الموظفين لم يساعدوهم بشيء، إلا بعض الأمراء المصريين الذين نهجوا نهج مصطفى فاضل باشا ~~مؤسس حزب تركيا الفتاة؛ فإنهم أمدوا بعضهم بالأموال وكانوا عونا لهم، أما الجمعيات ~~الأرمنية والمقدونية الانقلابية، فإن أصحابهم وأغنياء أمتهم أعانوهم بالمال وأيدوهم ~~بكل ما في طوقهم، وقد علمت مما تقدم أن ميزانية الجمعية الأرمنية بلغت مليون فرنك، فأين ~~هذا من جمعية الاتحاد والترقي؟ ألا إن سبب خذلان العثمانيين لجمعياتهم هو موت النعرة ~~الوطنية في نفوسهم، وفقد الحماسة القومية، وكونهم لم يفقهوا معنى الاجتماع ~~والتعاون. # غرور المابين واستفحال الاستبداد # أظهرت الحرب اليونانية العثمانية فتوة الأمة العثمانية وحميتها وسلامتها من ~~عوارض المرض أو الهرم كما يصفها أعداؤها، وظهر فيها من شجاعة الضباط العثمانيين ~~ومعارفهم، ومحافظتهم على قواعد النظام الحربي، ومقدرتهم على ضبط أفراد العساكر وكفهم عن ~~النهب والعبث بالآداب، وغير ذلك من الأفعال الهمجية؛ ما يخلد لهم هذه المآثر في بطون ~~التواريخ. وأبرز الجيش العثماني من الشجاعة العظيمة والصبر والقناعة المعجب والمعجز، ~~وامتاز بالسلامة من الابتلاء بالمسكرات، كما هي عليه عساكر الروس وغيرهم من عساكر ~~أوروبا. # زاد غرور المابين واستبداده بعد خروج الدولة من ميدان الحرب فائزة منصورة، وانتقل ~~مركز إدارة الحكومة من الباب العالي إلى سراي يلديز، وأصبح مجلس الوكلاء لا عمل له، ~~والنظار لا وظيفة لهم إلا تنفيذ ما يقرر في السراي، على أن الالتفات والإقبال والتقريب ~~والنفوذ كان ينتقل من الباشكاتب إلى الكاتب الثاني إلى كاتب الشفرة # 4 # إلى «الشيخ» إلى «العابد» إلى «الملاحمة»، إلى غني آغا إلى لطفي آغا إلى ~~فهيم باشا الجبار العاتي، أولئك الذين ألقوا الرعب في قلوب المسلمين والمسيحيين وغيرهم؛ ~~مما دل على استبداد متقلب مذبذب حيران، حتى لم يعد لأحد ثقة بالحكومة، وكاد الانقلاب ~~يحدث في السراي نفسها، وأكثر رجال السراي أميون، ويندر في كتاب المابين من يعرف ~~اللغة الفرنسية بله غيرها من لغات أوروبا، وهم في جهل ms48 مطبق بالسياسة، ولذلك كثر الخطأ ~~السياسي وسوء الإدارة واختلاس الأموال الأميرية وظلم الرعية بما لم يسبق له ~~مثيل. # تفنن المابين في أكل الرشا ومنح الرتب والأوسمة # كان لرجال المابين في الارتكاب وسوء الاستعمال ظرف ورقة وتورية بديعة، فلما أنشئ ~~قضاء «بئر السبع» في تيه بني إسرائيل، وعين له قائمقام في الأستانة؛ قال له دولة ~~الناظر حسبما أفاد: «بالطة كيرمامش أورمانه كوندريورم»؛ أي إني أرسلك إلى غابة لم ~~تدخلها بلطة الحطاب! فذهب وحطب في الناس حتى عزل وأخذ تحت المحاكمة، ثم عين في محل ~~آخر؛ وهذا مثال من ألف، بل آلاف أمثلة للارتكاب الذي أفسد أخلاق الأمة وأخرها عن ~~اللحاق بالأمم المتمدنة، ويروي عنه الناس نوادر عجيبة وأساطير غريبة، تحتاج إلى الجمع ~~في كتاب أو الإفراغ في قالب قصصي، وبعد أن كان تعيين الموظفين يكون بطلب الباب العالي ~~والنظارات، صار التعيين وتوجيه الرتب من المابين مباشرة! # تهافت الناس على احتجان الرتب من لقب بك الذي لا وجود له في الحقيقة بين الألقاب ~~الرسمية كوجود لقب باشا مثلا، وإنما اشتهر فريق باسم بك وفريق باسم أفندي، فكانوا عند ~~توجيه الرتبة ينظرون، إذا كان الاسم مقرونا بلقب بك صدرت الإدارة السنية بموجبه ونشرت ~~في التوجيهات الرسمية؛ فصار بائعو الرتب يتعمدون وضع لقب في الطلب لتصدر بموجبه الإدارة ~~السنية، وتنشر في القسم الرسمي من الجرائد، فتتناقلها الجرائد العربية، وتقول وجهت ~~الرتبة الفلانية مع لقب بك لتوهم القارئ أن لقب بك توجيه جديد، كلقب كونت أو مركيز ~~عند الإفرنج، امتلأت دوائر الأستانة بالموظفين بلا تمييز في جدارتهم واستحقاقهم ~~واضطلاعهم بالعمل الذي هم فيه، ولم يكن الغرض من التعيين التحري على موظف قادر على ~~إيفاء الوظيفة حقها من العمل، بل إيجاد وظيفة وعمل للمقربين والملتمس لهم، أو للذين ~~يخشى بأسهم! فزاد عدد الأعضاء في شورى الدولة عن المائتين، ونظامهم أن يكونوا سبعة ~~وثلاثين عضوا، وكذلك مجلس المعارف، ومجلس التفتيش والمعاينة الضاغط على حرية نشر ~~الكاتب واستحضارها من الخارج، وهو الذي محا من كتب اللغة كلمات كثيرة ms49 مثل: حرية، وطن، ~~اختلال انقلاب، جمعية، رشاد ... كما غيرت أسماء الموظفين من عبد الحميد وسلطاني ونحو ذلك ~~إلى أسماء أخر، وبعضها حرفت وكتبت سلتاني، وامتلأت نظارة المعارف بالموظفين، حتى قال ~~ناظرها الأخير لما عرضوا عليه الميزانية: لولا وجود معاشات المعلمين لأمكنني وضع ~~الموازنة! فكانت معاشات المعلمين تضايقهم، وهم يريدون حصر المعاشات بالموظفين من ~~الرؤساء والأعضاء والكتاب والمفتشين، وزاد عدد أعضاء الجمعية الرسومية عن ثمانين ~~عضوا، وكذلك مجلس المالية والأوقاف والعسكرية والبحرية، وغير ذلك من أنواع المجالس ~~ودوائر الحكومة والمعية الشاهانية، حتى ضاقت المجالس والأقلام بالموظفين، وصار أكثرهم ~~لا يجد له كرسيا للجلوس عليه! وكانوا يأخذون رواتبهم وهم نائمون في بيوتهم. # اختلال المالية وإرهاق الفلاح # اختلت الموازنة المالية اختلالا عظيما، أدى بها إلى حجز نحو نصف رواتب الموظفين ~~والعساكر ومخصصاتهم في كل سنة، واستفحل الظلم في جباية الأموال الأميرية وطرح الأعشار ~~وتحصيل رسوم الأغنام، وتسابق الموظفون إلى المزاودة بأعشار الأقضية والألوية، وعدوا ~~ذلك فضيلة وسببا مشروعا للمكافأة والترقي، والمكلفون من الزراع والفلاحين يئنون تحت ~~أثقال هذه التكاليف والمظالم، ولا ناصر لهم ولا مفكر في شئونهم، وقلما كان يمر على ~~القرية شهر من دون أن يأتيها المعشرون وجباة الأموال الأميرية، ونصيب المعارف ومصرف ~~«بنك» الزراعة، وإدارة الرسوم الستة؛ أي الديون العمومية والإعانات المختلفة. وكان ~~الظلم أشد على المسلمين منه على المسيحيين الذين كانوا يحتمون بأديارهم وبرؤسائهم ~~الروحيين، ولقد سمعت كثيرا من الفلاحين أنهم اضطروا إلى بيع أراضيهم وتزويج بناتهم ~~ليأخذوا صداقهن ويعطوا للجباة ما يطالبونهم به من الأموال الأميرية! فصار الفلاح ~~يتجنب زراعة الأرض إلا بقدر حاجته الضرورية، ومن القواعد التي قررها الفيلسوف الشهير ~~مونتسكيو مؤلف روح القوانين: «إن الأراضي يقل إيرادها بالنسبة إلى حرية سكانها لا ~~بالنسبة إلى خصبها»؛ فإذا كان الفلاح حرا، عمر الأرض الموات، وجعلها خصبة بعمله ~~وحراثته، وإذا فقد الحرية أصبحت أرضه الخصبة مواتا بسبب الظلم والاستبداد؛ وعليه فإن ~~ما نشاهده اليوم في أوروبا من العمران، إنما هو نتيجة الحرية، فحيثما توجهت فيها لا ترى ~~إلا مروجا نضرة ms50 وأشجارا وكروما مخضرة، وأنهارا جارية كأنها بستان عظيم ليس فيه ~~قطعة أرض خراب، وصار رجال المابين يحرضون الولاة والمتصرفين على الإسراع بجباية ~~الأموال والبعث بها إلى الأستانة، وكان القائمون بأدائها لا يدرون أين تنفق وكيف ~~تصرف؛ لعدم نشر الموازنة المالية # Budget ~~، بخلاف إدارة ~~الديون العمومية التي هي تحت مراقبة الأجانب ؛ فإنها في غاية الانتظام والترقي، تزيد ~~وارداتها في كل سنة، فتدفع رواتب موظفيها ومرتبات الديون بأوقاتها المعينة، وقد حدا ذلك ~~الدولة إلى العودة إلى الثقة المالية بها، وأصبح أصحاب الديون في أوروبا آمنين على ~~أموالهم، ولو حدثت قلاقل في المملكة العثمانية فإن قيمة أسهم الديون لا تتنزل إلا ~~قليلا، وإذا أردت المقايسة بين إدارة الديون العمومية وبين نظارة المالية، فانظر إلى ~~قرية من قرى الألمان أو اليهود المستعمرين في سوريا وفلسطين، وما فيها من الانتظام ~~والعمران والترقي، وإلى قرى الأهالي المجاورة لها، وما فيها من الفقر المدقع والخراب؛ ~~يتضح لك الفرق بين الإدارتين. # اختلال الإدارة العسكرية بإدارة الجواسيس لها # اختلت إدارة العساكر البرية والبحرية، وأصبحت العساكر لا تمرن على التعليم الناري ~~وإصابة الهدف، ولا تساق سوق الجيش؛ خوفا من الهيجان وحدوث الانقلاب! مع أن دول أوروبا ~~- ولا سيما ألمانيا وروسيا والنمسا وفرنسا - تقوم جيوشهن في كل سنة بمناورات حربية، ~~يحضرها الإمبراطور نفسه مع أولاده وأسرته وجميع ضباط السفارات الأجنبية، فيستطلعون ~~أحوال الجند ويشوقونهم، وصار الأسطول العثماني، الذي أنفق على شرائه الملايين، كالمقعد ~~الذي يروم النهوض ولا يقدر عليه لطول مكثه، فصدأت آلاته بسبب عدم الاستعمال والجري في ~~البحار، واختلست أموال كثيرة من التجهيزات العسكرية، ولا سيما في تجهيز الأسطول وشراء ~~البواخر والمدرعات، وصار الترقي في المراتب لا يبنى على القدم والاضطلاع والاستحقاق، ~~بل على الالتماس والانتساب والرشوة، فكان الضابط يرتقي إلى المراتب العلى في أوجز مدة، ~~وقد يكون لا يعرف للجندية معنى حتى ولا احترام من فوقه في الرتبة، وكان الضباط ~~يبيعون رواتبهم التي تبقى دينا عند الحكومة للسماسرة بأثمان بخسة، حتى بيعت المئة قرب ~~بأربعة قروش! وبيعت حلة «بدلة» ms51 العسكري التي تشتريها الدولة بمئات من القروش بعشرين ~~قرشا؛ أي إن المستحق للراتب والحلة كان يوقع على الورقة المؤذنة بالوصول إليه على ~~القاعدة والأصول، كأنه استلم الحلة من مخزن الألبسة أو قبض الراتب من صندوق الخزانة! ثم ~~يسلمها للسمسار فيعطيه هذا في مقابلها ما يتفقان عليه، ثم يتفق السمسار مع المحاسبة جي ~~«القائم بالحسابات» ومن فوقه ويربحون الفرق، ويقيدون ذلك في الدفاتر «وارد وصادر» كأنها ~~جرت على القاعدة والأصول، وبهذا أصبح الضباط في حالة يرثى لها. وكنت ترى ضباط البحرية، ~~البالغ عددهم نحو ستة آلاف، في قهوات الأستانة خلوا من العمل يتجولون في شوارعها ~~وحاراتها! # اشتبهت الإدارة المستبدة في أمراء العسكرية، الذين تعلموا في أوروبا وخدموا الأمة ~~والوطن، وصارت لهم ملكة ومعرفة تامة بأحوال الزمان، فأبعدتهم عن الأستانة وأشغلتهم ~~بالوظائف الثانوية، بداعي ميلهم إلى الأفكار الحرة وإعادة القانون الأساسي، ولقد ~~بلغ عدد الراجعين منهم إلى الأستانة بعد حدوث الانقلاب ستين شخصا من الباشوات وأمراء ~~العسكرية وخمسمائة ضابط، ومنهم: رجب باشا، وفؤاد باشا الشهير، وناظم باشا؛ وهو صهر عالي ~~باشا. وأصبحت قيادة العساكر وإدارة المدارس العسكرية بأيدي أناس لا كفاءة لهم، وليس لهم ~~إلا التجسس على أصحاب الأفكار النيرة وإبعادهم عن مركز الإدارة، وكانوا يعدون ذلك ~~خدمة لمنافع السلطنة والمحافظة على الخلافة الإسلامية! فأصبح للتجسس والمراقبة دائرة من ~~أعظم دوائر الدولة، لها مراكز وشعب كثيرة ومعاشات وافرة غير الإحسانات والإنعامات! ~~فكان الجواسيس ينظمون التقارير في كل حادثة ومسألة صغيرة كانت أو كبيرة، ويختلقون ~~المسائل ويفترونها ويصورونها في قوالب مستحيلة، ينبذها العقل ويأباها أولو النظر ~~الصحيح والوجدان السليم، وما ذلك إلا لإظهار خدمهم وإثبات تيقظهم ومغالبتهم لنيل ~~المكافأة، والمابين لا يكل من تحقيق مضمون هذه التقارير لعله يجد في مائة كاذبة ~~واحدا صحيحا، فإذا قالوا: «فلان له قصد سيئ بالخليفة»، أو «له مخابرة مع حزب تركيا ~~الفتاة»، أو «عنده أوراق ضارة»؛ كانت كل واحدة من هذه التهم كافية للدمور على منزله ~~وتفتيش أوراقه وهتك حرمته، ثم نفيه أو حبسه أو عزله وإبعاده، ms52 فكانت شبههم هذه تدور على ~~حدوث المؤامرة ضد الذات الملوكية والمس بحقوق الخلافة الإسلامية، على أنهم لم ~~يتخذوا في الحقيقة سياسة إسلامية، وهي المعبر عنها عند الإفرنج بقولهم: «بان إسلاميزم Panislamisme ~~» كما توجد سياسة سلافية ~~«بان سلافيزم Panslavisme ~~» وسياسة جرامانية ~~«بان جرامانيزم Pangermanisme ~~». ولا تجد في دوائر ~~الدولة كلها قلما مخصوصا للمصالح الإسلامية ، كما يوجد في باريس وبرلين وبطرسبرج أقلام ~~ودوائر خاصة بدرس المسائل الإسلامية درسا تاريخيا علميا؛ للوقوف على أفكار ~~المسلمين وهيئتهم الاجتماعية، وعلى أحوال العالم الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها؛ ~~ليكون الوزراء والموظفون على بصيرة ويقين من حقائق هذه المسائل الحيوية الاجتماعية، ~~فقصدهم من السياسة الإسلامية إنما هو أكل الحيات! والتظاهر بالكرامات! والتكبر على ~~الناس، والتشبه ببني العباس. # لم تباشر الحكومة أمرا جديا لعمران البلاد واستخراج ثروتها الطبيعية والسير بها ~~في معارج التمدن والرفاه، وتعليم رعاياها أصول الزراعة والتجارة وعقد الشركات ~~والتعاون على ما فيه نفع البلاد، بل عاكست جميع المشروعات الوطنية؛ فكانت لا تمكن ~~من فتح المدارس الخصوصية أو تعليم الأولاد، ولا سيما المسلمين في المدارس والبلاد ~~الأجنبية، وحظرت تأسيس الجمعيات، وأطفأت حمية أرباب الهمم تذرعا بأنها تؤدي إلى ~~الثورة والانقلاب! فكم نظر الولاة والمتصرفون شزرا إلى مدرسة وطنية أسسها الفرد، أو ~~إلى مدرسة سلطانية أسستها الجماعة، أو إلى شركة صناعية أو مالية عقدها الأهالي، ~~وسرعان ما كانت تتعطل ويمحى أثرها! وكم منعوا الآباء من إرسال أولادهم إلى المدراس ~~الأجنبية أو إلى مدارس أوروبا! وكم اضطهدوهم من أجل ذلك! # ليس ما أجرته الحكومة من مد بعض الخطوط الحديدية، وإصلاح المرافئ التجارية، وتطهير ~~المستنقعات؛ إلا إجابة لطلب الشركات الأوربية، وتوسط بعض المتنفذين للحصول على ~~امتيازاتها، والاستفادة بما يعود عليهم من المنافع الشخصية. فمنح الامتياز كان من قبيل ~~الإنعام والإحسان، لا يكاد يتم لصاحبه ويأخذ به الفرمان السلطاني، حتى يبيعه لشركة ~~أجنبية ويربح منه الملايين، فيوزع نصفها على الذين كانوا عونا له في الحصول على ~~الامتياز، ويبقي النصف الآخر ربحا صافيا له في مقابل أتعابه بالذهاب من المابين إلى ms53 ~~نظارة النافعة «الأشغال» والصدراة، وملاحظة الخدم والكتاب والتقرب بهم إلى كبير القلم ~~أو الدائرة، وكل زيارة تحتاج إلى إكرام و«شوفة خاطر»! # روى لي أحدهم عن بعض النظار أنه أوقف ختم مضبطة امتياز في مد سكة حديدية كبيرة ~~على أخذ أربعين ألف ليرة عثمانية، وأنه لم يقبل أخذ حوالة على المصرف «البنك» أو قوائم ~~نقدية خوفا من ظهور الارتكاب، واشترط أن يكون ذهبا عينا! قال الرواي: فجاءوا بالمال ~~وصفوه على منضدة كبيرة مرخمة عمدا عمدا وكان كل عمود خمسين ليرة؛ فكان ذلك ~~ثمانمائة عمود مصفوفة صفوفا متوازية ملزوزة، وللأصفر الرنان فوق الرخام منظر عجيب! ~~فلما تم العد والحساب قال دولة الناظر - وكان مستلقيا على فراش الموت: «تماممي؟» ~~يريد: هل العدد تام؟ فقيل له: نعم يا سيدي تام. فأخرج الختم من كيسه المعلق في ~~عنقه وختم المضبطة، ثم توفي بعد ثلاثة أيام؛ فكانت آخر ملذاته من نعيم الدنيا! ولذلك ~~كان فريق من الكبراء والموظفين يتمتع بالقناطير المقنطرة من الذهب ويقبض رواتبه سلفا، ~~وويل لعمال الخزانة إن لم يدفعوها؛ وفريق يتضور جوعا وهو ينتظر رواتبه المتراكمة ~~دينا عند الحكومة من سبعة إلى ثمانية شهور في السنة، وهي التي يعول عليها في الإنفاق ~~على نفسه وعياله النفقة الضرورية، وكان ضباط العساكر مظلومين أكثر من سواهم؛ فكانت ~~رواتبهم وتعيناتهم - على قلتها - لا تعطى لهم، وليس تحت أيديهم أموال ينهبونها أو ~~رعية يرتشون منها، ولقد كان ذلك من أعظم أسباب الانقلاب، قال فكتور هوجو: «إن الجوع ~~يثقب في قلب الإنسان ثقبا ويملؤه حقدا.» # سقوط هيبة الحكومة في بلادها وفي الخارج # إن اختلال الإدارة وتذبذبها لم يبق للحكومة قاعدة مطردة ولا أصولا مرعية، لا في ~~سياستها الداخلية ولا الخارجية، وإنما أصبحت ذات قواعد مختلفة وسياسات شتى، بعضها ~~يناقض بعضا، فكانت تمحو في الغد ما أثبتته في الأمس، وربما غيرت سياستها مرتين في ~~اليوم بحسب الأشخاص والوقائع، ولهذا سقط اعتبارها عند الدول الأجنبية، فتجرأن على ~~تهديدها حتى في المسائل الحقيرة، كمسألة توبني دولوراندو، التي أوجبت خروج الأسطول ~~الفرنسي ms54 إلى جزيرة مدللي «متللين»، فصرح إذ ذاك مارسل سامبا زعيم الاشتراكيين في ~~مجلس النواب الفرنسي قائلا: «ما هذه السياسة الخرقاء؟ إنكم لم تحركوا ساكنا في ~~المذابح الأرمنية، ولم تتداخلوا فيما توجب معاهدة برلين المداخلة فيه من طلب الإصلاح ~~وإجراء العدالة الإنسانية، والآن تتكبدون النفقات بإحراق فحم الأمة، وإرسال الأسطول ~~لحماية نفرين من المرابين أقرضوا أموالهم على أن يكون ربحهم عشرين وثلاثين في المئة، ~~حتى أصبح ما يطلب لهم عين السحت! وسقط اعتبارها أيضا في نظر رعاياها، وصار أكثر ~~الموجودين منهم في الديار الأجنبية يأنفون أن يكونوا من رعيتها، فكانوا يبتعدون بقدر ~~الإمكان عن سفارات الدولة وقنصلياتها، وبعضهم استبدل التابعية الأجنبية بالتابعية ~~العثمانية.» # كان أرباب الحمية والغيرة الوطنية من العثمانيين ينظرون إلى هذه الأحوال بعيون ~~الأسف والاستياء، ويعتقدون أن مصدرها الوحيد هو الاستبداد، ولا تخلص منه إلا بتعليم ~~الأمة واستنارة ذهنها، والرجوع في الأحكام إلى الدستور المنسوب لمدحت باشا، وإن لم يكن ~~كله من بنات أفكاره، فكان الاستبداد ضاغطا على جميع أفراد الأمة، لم يقتصر بضغطه على ~~ضعفائها وأحرارها وحزب تركيا الفتاة فقط، بل شمل جميع أفراد خاندان آل عثمان وجميع ~~المقربين من رجال الدولة، الذين أفنوا أعمارهم في دور الاستبداد وجمع الأموال، والوزراء ~~والموظفين كافة وجميع الأهالي، ولا سيما في الأستانة، حيث بطلت الأفراح والجمعيات ~~المشروعة لعقد النكاح أو للختان، وحرم على الناس الاجتماع للسمر والحديث؛ كل ذلك خوفا ~~من الانقلاب، وصار لا يؤذن لأحد بالذهاب إلى أوروبا ولو كان مريضا، كما أنه لا يؤذن ~~للضباط بالتوجه إلى الأستانة أو المرور بها، وصار كبار الموظفين لابد لهم من إذن ~~مخصوص وإرادة سنية لحركاتهم الشخصية وأفعالهم البيتية، حتى زواج بناتهم ~~وأولادهم! # دخلت يوما على السيد جمال الدين الأفغاني، وهو في قصر لطيف، على بابه الخدم، وكانت ~~تأتيه مائدة من «المطبخ العامر» فقال: أية فائدة من هذا القصر والخدم والمائدة، وأنا ~~إذا اشتهيت أكلة بفتك «شواء»، أو نشر فكر في جريدة، أو التنزه في ناحية من المدينة لا ~~أستطيع؟! أيهنأ عيش الإنسان ms55 بغير الحرية؟! ولهذا فر إلى باريس الداماد محمود جلال ~~الدين باشا وابناه الأمير صباح الدين بك والأمير لطف الله بك، وفر إلى مصر أحمد جلال ~~الدين باشا رئيس الجواسيس وكثيرون غيرهم. # اتحاد الأرمن والأتراك في طلب الحرية # شكلت جمعية الانقلاب الأرمنية بعد مذابح ساسون المتقدم ذكرها فرقة من الثائرين، ~~هجموا على البنك العثماني في الأستانة، وألقوا فيه القنابل سنة 1896؛ ليلفتوا بذلك نظر ~~الحكومة العثمانية والدول الأوروبية إلى وجوب القيام بالإصلاحات، وإعطاء الحرية وتعميم ~~المساواة بين جميع الأهالي بلا فرق في الدين والجنس، ثم ألفوا لجانا # comités # كثيرة، أهمها لجنة سيروب التي قاومت ست سنوات ~~في جبال ساسون، ثم حولت الجمعية نظرها إلى جهة قافقاسيا «القوقاز» الروسية؛ بسبب اضطهاد ~~أميرها البرنس جاليتزين للأرمن والتابعين لروسيا، وتسليط التتر المسلمين عليهم؛ مما ~~أدى إلى حدوث مذابح باكو وفظائعها وعدة وقائع ومقاتلات، وتصدى الثوار لقتل الرؤساء ~~والقواد والأمراء والضباط الذين سببوا المذابح، وكان قتل كل واحد منهم يكلف الجمعية ~~الأموال والنفوس، فقتل بليف مثلا سبب هلاك أربعة من أعضاء الجمعية، وصرف مائتي ألف ~~فرنك، وكذلك إلقاء القنبلة في موكب صلاة الجمعة أمام سراي يلديز؛ فإنه كلفهم خسائر ~~جسيمة، فعدلت الجمعية الأرمنية بعد ذلك عن هذه الحركات، ومالت إلى الاتفاق مع تركيا ~~الفتاة، فعقدت مؤتمرا في ويانة، حضره جماعة من الترك والأرمن والمقدونيين والروم ~~والكرد والعرب واليهود والأرناؤوط، وكان الشارع في عقد هذا المؤتمر معلوميان أفندي ~~الأرمني الشهير، وقد تم اتفاقهم فيه على المسائل الآتية: (1) قلب الحكومة الحاضرة ~~والسعي في تحقيق ذلك بجميع الوسائل. (2) تأسيس حكومة مقيدة دستورية لجميع رعايا المملكة ~~العثمانية. (3) استعمال جميع الوسائل الانقلابية لتحقيق هذا المقصد. وذلك لأن الحكومة ~~المستبدة استعملت جميع الوسائل لخراب المملكة وإطفاء نور العلم والحرية، فأقفلت المدارس ~~وحبست المعلمين ونفت التلاميذ، وإن الأماكن التي بقي فيها شيء من المدارس، أنقصت ~~التعليم فيها بإيجاد مراقبة لم يسبق لها مثيل، وصارت الجرائد لا تنشر من الأخبار إلا ما ~~يؤذن لها بنشره بعد التحريف والتغيير أو الاختراع من جانب المراقب، وصارت ms56 التكاليف ~~المستوفاة بلا عدالة لا تصرف على التعليم أو التبسيط في الحضارة والعمران، بل على ~~الجواسيس والجرائد المؤيدة للظلمة المحبذة لأعمالهم، ولا سيما في البلاد الأجنبية، وذلك ~~لإيهام ومخادعة أوروبا عن أحوال الممالك العثمانية. # فمنع العثمانيين من التجول والسفر، ومنعهم من أخذ تذاكر الجواز Passe-port ~~؛ أوجبا تعطيل التجارة، كما أن استيفاء التكاليف ~~الأميرية بطريقة غير عادلة، وفقدان الأمن في البلاد، وتراكم الحاصلات، وكثرة المراباة، ~~وفقدان وسائل الاختلاط؛ كل ذلك كان سببا قويا في خراب الزراعة، فأصبحت البلاد التي ~~كانت مزرعة الدنيا في عهد المدنيات السابقة خرابا، وأراضيها قفرا بلقعا، حتى هاجر ~~منها أهلها الذين ولدوا فيها إلى أمريكا وأوروبا ومستعمرات إفريقيا؛ ليفتشوا لهم عن ~~قليل من الحرية والأمن وأسباب المعيشة، فالمهاجرة والقحط أكملا العمل الذي بدئ ~~بالمذابح، وأنتج الخراب للبلاد وخلوها من السكان؛ فلجميع ما ذكر من الأسباب أصبح ~~الانقلاب السياسي ضروريا لمنع انقراض المملكة العثمانية، ولتوقيف انحطاطها. تلك خلاصة ~~المذكرات والمناقشات التي جرت في المؤتمر. # نهضة جمعية الاتحاد والترقي وانتشارها # حدث الاختلاف في فرع جمعية الاتحاد والترقي العثمانية في أوروبا على الرياسة، فانقسم ~~إلى أحزاب، وفارقه الكثيرون من أعضائه، ولكن صاحب جريدة مشورت بقى ثابتا يتوفر على ~~إصدار جريدته في أوقاتها وغيرها من المنشورات، وكان الدكتور نظمي بك السلانيكي الأصل ~~وغيره من ذوي الغيرة الوطنية من خير الأعوان له، وقبل حدوث الانقلاب بأربع سنين كانت ~~جمعية الاتحاد والترقي العثمانية ضعيفة عاجزة في حكم العدم، ولذلك لم يعبأ بها أرباب ~~السياسة ولم يعتدوا بأن لتركيا الفتاة حزبا موجودا، بل كانوا يرون أن هناك بعض ~~المتشردين ينشرون أوراقا قليلة الجدوى لتخويف المابين ونيل الوظائف والإحسان، وكانوا ~~يعدون أحمد رضا بك معاندا مصرا على طلبه لتخليد اسمه بين الفلاسفة الحقيقيين، ~~مفضلا ذلك على حطام هذه الدنيا الفانية. # تداخلت الدول الأوروبية منذ أربع سنين في المسألة المقدونية؛ أي في ولايات لانيك ~~وقوصوه ومناستر، وطلبوا إصلاحها، فزال منها بعض الظلم وتحسنت إدارتها؛ تحقيقا لرغبة ~~أوروبا وخوفا من مداخلتها، وسمحوا لأهالي تلك الولايات بقليل من ms57 الحرية، فنفسوا بها ~~عن صدورهم، ونظروا في شئونهم، وكانت البلغار والروم تشكل الجمعيات السرية السياسية ~~المعروفة باسم «كوميته» # comité ~~، قسموا الداخل فيها ~~«كوميته جي»، بإضافة أداة النسبة التركية إلى كلمة كوميته الإفرنجة للمحافظة على ~~قوميتهم وحقوقهم وأوضاعهم، وكانوا يبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيلها، ويظهرون من ~~الحماسة والغيرة الوطنية ما لا يقدر ولا يوصف، وكانت الحكومة المحلية تهابهم ~~وتلاطفهم وتستميح رضاهم، فعز ذلك على المسلمين من الترك والأرناؤوط سكان تلك ~~الولايات، واعتبروا بإخوانهم في المماليك البلقانية المستقلة استقلالا كليا أو ~~جزئيا - كرومانيا والصرب والجبل الأسود واليونان والبلغار والبوسنة والهرسك - ~~فاستيقظوا من نومهم، وأفاقوا من غفلتهم، وقالوا: إلى متى نبقى في هذا الظلم والاعتساف ~~والجور والاستبداد والذل والتحقير؟ # ولا يقيم على ضيم يراد به # إلا الأذلان غير الحي والوتد # ما لنا لا نفعل كالروم والبلغار والرومان # 5 # والصرب في محبة الوطن والدفاع عنه؟ ولما سألوا مشايخهم عن ذلك أجابوهم بأن ~~الإسلام يساعد ويحض على ذلك، ووجدوا أمامهم تعليمات جمعية «الاتحاد والترقي»، فدخلوا ~~فيها باختيار وشوق وحمية، عارفين بما ينتجه فعلهم من الفوائد المادية والمعنوية، ~~فتشكل لهذه الجمعية مركز في سلانيك وفروع عديدة في جميع جهات الولايات الثلاث ~~المقدونية، ولقد بلغ أعضاء الجمعية في سلانيك وحدها سبعة آلاف شخص، والجواسيس غافلون لا ~~يدرون من أمرهم شيئا، وكان جمهور الأهالي في الولايات الثلاث المذكورة يعتقدون بأنه ~~سيصيب بلادهم ما أصاب كريد وولاية الروملي الشرقية والبوسنة والهرسك ... إلخ؛ ولذلك كانوا ~~في الباطن يتمنون نجاح العملية وإن لم يقدروا على التظاهر بذلك. # الأمير صباح الدين وسياسته # أكب الأمير صباح الدين على تحصيل العلم، ولا سيما بعد وفاة والده فاستنار فكره، ~~وجنح للحرية والأخذ بوسائل المدنية الحديثة، فأسس حزبا سياسيا يعرف بحزب «التقييد ~~واللامركزية مع التشبث الشخصي»، ولسان حال الحزب جريدة «ترقي» التركية، وقد تأسست سنة ~~1906 ومحررها هو أحمد فضلي بك كاتب الجمعية، فعدم المركزية أو اللامركزية # Décentralisation # يقسم إلى قسمين: عدم مركزية ~~سياسية مثل مستعمرة كندا الأمريكية مع إنجلترا؛ وعدم مركزية إدارية وهو عبارة عن ms58 توسيع ~~اختصاص الولايات وتأييد حريتها وانتخاب المجالس العمومية فيها، كما أشير إليه في المادة ~~(108) من القانون الأساسي، وجرى تطبيقه قبلا فتشكل لولايات الشام مع فلسطين مجلس عمومي ~~اجتمع مرة واحدة في بيروت، وكان ذلك في أيام ولاية راشد باشا الذي صار بعد ذلك ناظرا ~~للخارجية وقتل في واقعة جركس حسن بك، فمراد البرنس صباح الدين بك بعدم المركزية هو عدم ~~المركزية الإدارية، كما صرح به لاعدم المركزية السياسية الذي هو عبارة عن استقلال ~~الإدارة مثل حكومة كندا. # ومرادهم بالتشبث الشخصي ألا يكون الأهالي عالة على حكومتهم، بل أن يسلكوا سبل التجارة ~~والصناعة والزراعة في أمر معايشهم، حتى لا يكونوا منتظرين سبب الرزق من حكومتهم ~~والانكباب على طلب الوظائف للتعيش منها؛ لأن السنة في الحكومات المستبدة أن ينتظر ~~الأولاد دائما الإعانة من أسرهم، والأسر من أرباب مجالسهم، وأرباب المجالس من حكومتهم، ~~ولكن الأمم الأنجلوسكسونية بعكس ذلك؛ فإن أولادهم يعتمدون في تحصيل الثروة على أنفسهم ~~ويختارون الصناعة اللائقة بهم، فهذه خلاصة أفكار هذا الحزب السياسي. # نهاية الفساد والخراب في أحوال الدولة # زاد البلاء في السنين الأخيرة، وتعسر تدوير دولاب الحكومة مع إجهاد المأمورين ~~أنفسهم في ذلك؛ فحدث في الأذهان كدر من الأمس وخوف من الغد، واحتراس من كل إنسان، ويأس ~~من كل شيء، ونفرة زائدة، وبغض وحقد كامنان في النفوس، وعلم المقربون أنهم على وشك ~~الانقراض، فضاق عليهم الوقت ولزمهم الاستعجال، فتهالكوا على ادخار الأموال واقتناء ~~العقار، وأودع الدهاة منهم ثروتهم في مصارف أوروبا وأمريكا وتطلبوا أعلى الرتب ~~والمناصب، فنالوها واستفادوا من الحال الحاضرة بقدر ما أمكنهم، ولم يفكر الواحد منهم ~~إلا في نفسه وأولاده، ثم الأقرب فالأقرب من أسرته، واستماتوا في سبيل الوصول إلى ~~السعادة ونفوذ الكلمة بالتقرب، واستحوذوا على مناصب الدولة ورتبها ونياشينها وألقابها، ~~ووجهت رتبة أمراء العسكرية ورتبة «بالا» العلمية على المشايخ ذوي التيجان والعمائم، ~~ومنحوا الراحة من الخدمة العسكرية هم ومن انتسب إليهم من الرفاعية في جميع المملكة، ~~فأصبحوا لا ينتظمون في سلكها، فكانت هذه المنحة من غريب ms59 التناقض، وكان إذا نصب الإنعام ~~على فرد أو أسرة انهمل كالغيث المتواصل، وانصب كله في زرع ذاك الفرد أو الأسرة دون أن ~~يفيض منه شيء على المزارع المجاورة، ولهذا قال أحد العقلاء: # أمير المؤمنين فدتك نفسي # ونفس «أبي الضلال» لها فداء # أتحييه وتقتلنا جميعا؟! # لعمرك إن ذا لهو البلاء # فلا والله ما هذا بعدل # ولكن أنت تفعل ما تشاء # واحتكروا أوقاف الجوامع ومزارعها، بل ضبطوها ضبطا بلا حكر، وباعوا امتيازات الأمور ~~النافعة للأجانب؛ فأضروا الدولة بذلك أضرارا جمة، وشرهت نفوسهم للعجب، وتتلعت أعناقهم ~~عظمة وكبرياء، وزاد الحرص والطمع حتى فقدوا جميع المزايا الإنسانية، فصار الواحد منهم ~~كأنه وحش مفترس، ينقلب يوم سقوطه وإبعاده عن منصب الدولة شيطانا رجيما، كما ظهر من ~~أفعال فهيم باشا وهو منفي إلى بروسه الذي أهلكه الأهالي فيها ضربا بعد إعلان ~~الحرية. # كنا أشرنا إلى هذه الحالات المنكرة المكدرة، وإلى قرب حدوث الانقلاب في مقالة عنوانها ~~«حكمة التاريخ»، نشرتها جريدة «طرابلس الشام» في عددها (517) الصادر في 15 تموز/يوليو ~~سنة 1903 بعد أن بدل المراقب فيها وحرف كما أراد، ظنا منه أنها تخفى، وربما خفيت ~~على فطنته ودقت على فهمه، ولكنها عندما بلغت الأستانة واطلع عليها الملدوغون، صدر ~~الأمر بتعطيل الجريدة، فكاد بركان الاستياء تنفجر منه فوهات في عدة جهات؛ لأن بقاء ~~الحال على ما ذكر غير ممكن في القرن العشرين، خصوصا وأن البلاد العثمانية متوسطة بين ~~أوروبا والشرق الأوسط والأقصى، ومما زاد اختلاطنا بالعالم المتمدن تجديد السكك الحديدية ~~وتوارد بواخر الشركات الأجنبية على ثغورنا، ومشاهدتنا صور السينماتوغراف وسماعنا أصوات ~~الفونوغراف، وركوبنا الترام الكهربائي والحوافل والدراجات، كل ذلك كان من دواعي اختلاط ~~الأمم وامتزاجها، وأصبحت المسافة بين الأستانة وباريس أقل من ستين ساعة بعد أن كانت ~~تقطع في شهور وأعوام. # نمت النابتة الجديدة من الشبان المتعلمين في مدارس الدولة الملكية والعسكرية، أو في ~~المدارس الأجنبية التي افتتحها الأوروبيون والأمريكيون في الشرق رغم منع الحكومة ~~المسلمين من دخولها والتضييق عليهم وعلى أوليائهم في ذلك، أو في المدارس الخصوصية ms60 التي ~~أسسها طوائف الروم والأرمن واليهود والبلغار، فتعلمت النابتة الجديدة من الشبان والبنات ~~اللغات الأجنبية، وطالعوا الجرائد والكتب، ووقفوا على مواضع الضعف في الدولة، وأدركوا ~~محل الخلل، وصار يتخرج في كل سنة في هذه المدارس عدد عظيم متشبعون بفكر الحرية، ~~ومتخلقون بالأخلاق الأوروبية والحماسة الوطنية، فكانوا كلهم موضع شبهة أولئك الجهال ~~المستبدين بالأمر، فضيقوا عليهم واضطهدوا هؤلاء الشبان اضطهادات كثيرة شتى؛ كالنفي ~~والحبس والمراقبة وتدمير المنازل وتفتيش الأوراق، فكانوا كلهم عرضة لاستبداد ~~المستبدين. # فلما حدث الانقلاب في 24 تموز/يوليو، وانفجر في سلانيك وما جاورها من الولايات بركان ~~الاستياء؛ كان هؤلاء الشبان وجميع العثمانيين مساعدين ومعضدين لحزب تركيا الفتاة وجمعية ~~الاتحاد والترقي، ولذلك لم تحصل معارضة ولا مقاومة من أحد؛ لأن الجميع مستاءون حتى ~~المستبدين أنفسهم والمستفيدين من الحال الماضية، والوزراء الذين أودعوا السجن واسترد ~~منهم ما اغتصبوه من الأموال؛ لأن كلا منهم كان يتطلب أكثر مما ناله، ولو لم يحدث ~~الانقلاب بالصورة التي ظهر فيها لحدث بصورة أخرى بعد تبدل السلطة، ولكان إذ ذاك مدهشا ~~دمويا. # انفجار بركان الحرية وحدوث الانقلاب في 24 تموز # تسنى لجمعية «الاتحاد والترقي» العثمانية في سلانيك إخفاء أمرها مدة، ولكن رائحتها ~~فاحت بعد ذلك لكثرة الداخلين وصعوبة الكتم والإخفاء، فأحس بها جواسيس سلانيك وبعثوا ~~بتقاريرهم إلى المابين، فأرسلت الجواسيس من الأستانة، فقررت الجمعية إعدام الذين ثبت ~~لديها تجسسهم وخيانتهم للوطن، وعينت فدائيين من أعضائها بالقرعة أو بالتراضي. # وكان القائممقام ناظم بك قومندان مركز سلانيك يبذل جهوده في كشف أسرار الجمعية، فذهب ~~إذ ذاك إلى الأستانة لعرض معلوماته، ورجع منها نائلا ألفي قرش ضما على راتبه فزاد ~~اجتهاده وتحريه، وطلب ثانية إلى الأستانة، وبينا كان على أهبة السفر، إذ فوجئ بضربة ~~من أحد الضباط، فذهب إلى الأستانة مجروحا، وحضر بعد ذلك إلى سلانيك صادق باشا وماهر ~~باشا وأمير اللواء يوسف باشا وبعض الياورية وعدة من موظفي الملكية، ونظموا دفترا ~~بأسماء كثيرين من المتهمين بعضوية الجمعية، وحبسوا ونفوا وألقوا الرعب في قلوب الناس، ~~حتى كاد اليأس يستولي ms61 عليهم، فقام في مناستر صلاح الدين بك قائمقام أركان حرب والبكباشي ~~نيازى بك الأرناؤوطي؛ بتشكيل فرقة من العساكر الوطنية وذهبوا لناخية «رسنة» وهي في ~~الغرب الشمالي من مدينة مناستر على مسافة ثلاثين كيلومترا، ولحق بهما كثيرون من ~~الوطنيين، وأنور بك البكباشي صهر ناظم بك قومندان سلانيك، وكان طلب الأستانة ووعد ~~بمكافأة كبيرة، ولكنه اختار نفع وطنه على منفعته الذاتية، ثم قتل في سلانيك أحد ~~الجواسيس، فقامت حكومة الأستانة قلقا عظيما، وطلبت مفتي آلالاي مصطفى أفندي لتستفهم ~~منه عن هذه الأحوال، وضمت إلى معاشه خمسمائة قرش! وبينا كان خارجا من الفندق للسفر ~~إلى الأستانة جرحه أحد الضباط بحضور جم غفير، وهرب الجارح من دون أن يعارضه أحد من ~~الحاضرين، ولا أخبروا عن أشكاله وصفاته، فندبت حكومة الأستانة للسفر إلى «رسنة» الفريق ~~الأول شمسي باشا قومندان «مترويجه»، فاختار من يعتمد عليهم من الضباط وتابورا من ~~العساكر، وحضر على القطار إلى سلانيك، ومنها إلى مناستر، وذهب توا إلى إدارة التلغراف ~~لمخابرة المابين، فخرج عليه أحد الضباط وقتله، وامتنع من معه من الضباط والعساكر عن ~~الزحف على «رسنة» ومقاتلة إخوانهم، ثم قتل على هذا الوجه كثير من الجواسيس الملكيين ~~والعسكريين، فقرر مجلس الوكلاء إرسال ثلاثين ألفا من عساكر الأناضول، ولما وصل ~~منهم إلى سلانيك الثلاثة توابير الأول امتنعوا عن مقاتلة إخوانهم وانضموا إليهم ~~أيضا، فأحس المابين بأن سوق عسكر الأناضول إلى الروملي إنماء لقوة الجمعية، فأوقف ~~إرسال بقية عساكر الأناضول إلى سلانيك، ثم اجتمع في «فيرزوبك» عشرون ألفا من ~~الأرناؤوط، وذهب سبعمائة من رؤسائهم إلى اسكوب لإعلان القانون الأساسي والحكومة ~~المقيدة. # وفي يوم الخميس 23 تموز/يوليو سنة 1908 خرج الناس في سلانيك صباحا، ووجدوا إعلانات ~~مختومة بختم الجمعية؛ أي جمعية «الاتحاد والترقي» العثمانية، تدعوهم إلى الاجتماع في ~~يوم الجمعة لإعلان القانون الأساسي والحرية، فلم يتمهلوا للغد، بل اجتمعوا في ذلك ~~النهار في ميدان أوليمبوس على الطوار «الرصيف» في مدينة سلانيك، وضج الجمهور قائلا: ~~إما الحرية وإما الموت! وأول من خطب على طنف «بلكون» فندق ms62 «أوليمبوس بلاس» غالب أفندي ~~بالتركية، ثم مانويل قره صو باليهودية «الإسبانية»، ثم روصو أفندي بالفرنسية، وسليمان ~~أفندي بالتركية، وفضلي بك نجيب محرر جريدة «عصر» بالتركية، وفيلوطاش بابا جورج بالرومية ~~والتركية، وترجمان المحكمة المخصوصة «فوق العادة» بالبلغارية، وفي ختامهم عادل بك رئيس ~~البلدية بالتركية، ثم هتف الجميع «فليحيا الوطن، فلتحيا الأمة، فلتحيا الجمعية، ~~فليحيا الجيش، الحرية أو الموت»، وأعدوا في تلك الليلة مأدبة ضربت فيها الموسيقى ~~العسكرية على الأنغام المرسيلية: # 6 # Allons enfants de la patrie le jour de gloire est ~~arrivé. # وكانت ترجمت بالتركية هكذا: «قالقك أي أهل وطن شان كونلري كلدي»، وفي ليلة الجمعة ~~وردت رسالة برقية إلى حلمي باشا المفتش العام لولايات مقدونية بصدور الإرادة السنية ~~بإعادة القانون الأساسي، فاجتمع الناس في سراي الحكومة، وأعلنت الحرية والقانون ~~الأساسي رسميا بحضور المفتش العام ومشير الفيلق الثاني إبراهيم باشا، وموظفي الحكومة ~~والبلدية وأعضاء الجمعية وابتدأ موسم الأفراح والسرور. # الخلاصة وأسباب الانقلاب بلا سفك دماء # حدث الانقلاب العثماني بلا سفك دماء ولا حصول اضطراب أو قلاقل في المملكة، كما حصل ~~عند باقي الأمم من الإنجليز والفرنسيين والأمريكان والمجر والروس وغيرهم، وفي ذلك قال ~~بعض رجال السياسة: «لا تنبت الحرية ما لم تسق بالدم» ولذلك أسباب كثيرة، منها: ~~(1) # أن الحكومة ليست مطلقة كما يظنها الناس ويسميها الإفرنج # Théocratique ~~، وإنما هي مقيدة بأحكام ~~الشرع الشريف، الذي يأمر بالشورى ويحض عليها كما ذكر في صدر هذه الرسالة، ~~فالانقلاب لم يضيع حقوق السلطنة والخلافة كما ضيع انقلاب الفرنسيين ~~وغيرهم حقوق ملوكهم المطلقة المقدسة الإلهية! حتى انتصر لها فريق من الناس، ~~وقاتلوا في سبيل استرجاعها ولا يزالون يطالبون بها في هذا القرن العشرين ~~عصر التمدن والعلم والنور. ~~(2) # عدم وجود امتيازات لصنف من أصناف الأمة العثمانية، كما يوجد عند ~~الفرنسيين للأشراف وللرهبان امتيازات وحقوق مشروعة على الأراضي بحسب عرفهم ~~وشرعهم القديم، ولذلك قاتلوا عليها لما حدث الانقلاب الفرنسي وحرمهم من ~~حقهم المشروع على زعمهم واعتقادهم، أما الانقلاب العثماني فلم يضيع لأحد ~~حقا فإن الحقوق التي كانت على ms63 الأراضي للدره بكوات «دره بكلر» # 7 # المعروفين عند الإفرنج باسم # Féodalité # وهي في المملكة العثمانية ~~حقوق الزعامة ألغيت بعد التنكيل بالإنكشارية في عهد السلطان محمود خان، ~~وأعطي لأصحاب هذه الحقوق ضمانة ورواتب استوفوها مدة حياتهم، ومنهم من لا ~~يزال في قيد الحياة ليومنا هذا يستوفي حقه من الخزانة في كل سنة، ووضع ~~أخيرا قانون الأراضي الموافق لأحكام الشرع، وهو من أحسن قوانين الدولة ~~وضعا وترتيبا كما هو معلوم عند طلبة مدارس الحقوق؛ فالمسلمون لا فرق في ~~الحقوق بين الشريف منهم والوضيع، وغير المسلمين «لهم ما لنا وعليهم ما ~~علينا»، أما الامتيازات التي وهبها السلطان محمد الفاتح للروم وأقرهم ~~عليها، والامتيازات الأجنبية التي أنعم بها سلاطين آل عثمان على الأجانب ~~تفضلا منهم وإحسانا، لا بحرب وغلبة؛ فسيجري الاتفاق عليها بصورة ~~حبية يرضى بها الجميع. ~~(3) # إن الأفراد الذين عزلوا من وظائفهم وصودر ما استحوذوا عليه من الأموال ~~المنقولة بسبب ارتكابهم واستبدادهم؛ يعترفون بأنهم ادخروا هذه الأموال ~~الكثيرة من غير الوجوه المشروعة، بل بأكل أموال الأمة والدولة بالباطل، كما ~~يعترف الأذكياء منهم بمشروعية هذا الانقلاب ولزومه وفائدته، وقد صرحوا بذلك ~~وأقروا به، فلا يتصور قيامهم للمطالبة بشيء أو لإعادة الإدارة السابقة ~~المستبدة، وليس لهم عصبية تساعدهم على ذلك إن هم أرادوا أو حاولوا، وإن ~~الأمة بأجمعها عرفت الحق من الباطل والنافع لها من الضار، نعم إن الموظفين ~~الذين خدموا مدة ثم ألغيت وظائفهم أو عزلوا منها لهم حق في طلب راتب ~~التقاعد أو التوظيف في وظائف أخرى؛ إذ لا يليق بشرف الأمة أن تلقي على ~~قارعة الطريق جما غفيرا قضوا حياتهم في خدمة الإدارة السابقة، ولا معاش ~~لهم ولعيالهم غير ما كانوا ينقدونه من الرواتب، فإن هذا الانقلاب الذي بدأ ~~بالشفقة على الأهالي المظلومين، من شأنه أن يستعمل الشفقة والحنان أيضا في ~~حق الظالمين؛ لتتم سعادة الأمة ولا يلحق بأحد ضرر ولا خسران. # والحاصل أن الفضل في حدوث الانقلاب العثماني من دون سفك دم ولا حصول اضطراب وقلاقل في ~~المملكة؛ إنما هو للشريعة ms64 الإسلامية وما في أحكامها من العدل والمساواة في الحقوق؛ ~~ولهذا كان رد الفعل أو الرجعة # Réaction # في هذا ~~الانقلاب غير محتمل، بل هو مستحيل لعدم وجود أسباب معقولة أو مشروعة تحفز إليه، بخلاف ~~ما حدث في فرنسا وأمثالها؛ إذ كان للقائمين برد الفعل أسباب كثيرة تحملهم على القيام ~~لإعادة الإدارة السابقة. ا.ه. ms65