######OpenITI# #META# URI: 1331RuhiKhalidi.TarikhCilmAdab.Hindawi41584975 #META# Tags: literature #META# ID: 41584975 #META# Title: تاريخ علم الأدب: عند الإفرنج والعرب وفكتور هوكو #META# AuthorID: 41473619 #META# Author: روحي الخالدي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # فيكتور هوكو: احتفال الفرنساويين له باليوبيل القرني‏ # فيكتور هوكو: علم الأدب عند الإفرنج والعرب‏ # الخاتمة‏ # فيكتور هوكو: احتفال الفرنساويين له باليوبيل القرني‏ # فيكتور هوكو: علم الأدب عند الإفرنج والعرب‏ # الخاتمة‏ # | تاريخ علم الأدب # | تاريخ علم الأدب # | عند الإفرنج والعرب وفيكتور هوكو # تأليف # روحي الخالدي # | فيكتور هوكو: احتفال الفرنساويين له باليوبيل القرني # تذكار فيكتور هوكو لمائة عام مرت من ولادته، احتفلوا بتدشينه في 25 ~~فبراير سنة 1902 في ميدان فيكتور هوكو بباريس. # احتفل الفرنساويون في أوائل سنة 1902 للشاعر فيكتور هوكو في البانتيون، كما احتفلوا في ~~أواخر العام السابق بيوبيل الكيماوي برتلو في الصوربون، والبانتيون هيكل فخيم على رابية من ~~روابي باريس بالقرب من الصوربون، وهو اليوم مدفن أعاظم الرجال الذين يعترف لهم الوطن ~~الفرنساوي بالفضل والحسنى. # ففي السادس والعشرين من شباط الماضي (فبراير) الموافق لختام القرن الأول من ميلاد فيكتور ~~هوكو ابتدأ موسم الاحتفال بيوبيل هذا الشاعر، واجتمع في البانتيون الرؤساء والسفراء ~~والعلماء والشعراء والمشخصون والمشخصات، وكل من اشتهر في باريس من الرجال والنساء، وأكثرهم ~~بالألبسة الرسمية والعسكرية والكساوي العلمية والقضائية موشحون بوسامات الافتخار، أو ~~متمنطقون بمناطق الحرير المثلثة الألوان، أو مكتفون بتزيين صدورهم بأزرار الوسامات، وإشارات ~~المداليات على اختلاف درجاتها وأشكالها، وافتتح هذا الاحتفال الموسيو جورج ليغ ناظر المعارف ~~الفرنساوية بخطبة شائقة. # وتلاه في الخطابة السياسي الشهير الموسيو غابريل هانوتو بالنيابة عن الأكاديمية ~~الفرنساوية، فاختلب الأسماع بجواهر لفظه، واجتذب القلوب ببلاغة معانيه، فانتقل كلامه ~~بالتلغراف والتلفون لجميع المدن الفرنساوية، وربما تجاوزها إلى كثير من البلاد الأجنبية؛ ~~لأن الموسيو هانوتو بعد أن حاز قصب السبق في ميدان السياسة، وحل عقدة ماداغشكر وألحقها ~~ببلاده، وفك العراقيل السياسية في أفريقيا الغربية ونهر النيجر، تنحى عن كرسي الوزراة وقد ~~شغله مدة تزيد على أربع سنوات، وجلس على كرسي الأكاديمية وأقبل على نشر الكتب، وطبع ~~المقالات التي اشتهرت في العالم كله، وكان لها شأن في مصر وغيرها من بلاد الشرق، وهو على ~~رفعة قدره وعلو شأنه لم يزل كما كان في صباه مقيما في ms001 الطابق الخامس من بيت يستطرق بابه ~~على بولفار سن جرمن، ويصعد إلى مسكنه بدون مصعدة (أسانسور) مائة درجة. # ثم أنشد بعض المشخصين والممثلات شيئا من قصائد فيكتور هوكو، وتلوا جزءا من أحاديثه ~~وانفض الجمع ليستأنفوا الاحتفال في مواضع أخرى من باريس؛ لأن حفلة البانتيون لم تكن إلا ~~افتتاح موسم أدبي في عموم البلاد الفرنساوية، ودامت الزينات والأفراح فيها سبعة أيام ~~بلياليها، وهم في كل يوم وليلة يرفعون الأعلام، ويضيئون الأنوار، ويجمعون الجموع، ويلقون ~~الخطب، ويأدبون المآدب، ويشربون النخب، ويمثلون على المراسح الروايات، وينشدون الأناشيد، ~~ويحررون المقالات المبتكرة، ويصورون الرسوم البديعة، ويعملون أنواعا كثيرة من المظاهرات ~~والزينات احتفالا بهذا الموسم. # وقرر مجلس نواب الأمة إنفاق ثمانين ألف فرنك لهذا الاحتفال عدا ما تنفقه مجالس ~~البلدية والجمعيات الخيرية والعلمية، مما يفوق أضعاف هذا المبلغ، فجاء هذا الاحتفال على أتم ~~منوال وأحسن نظام؛ لأن الفرنساويين أقدر الأمم المتمدنة على إتقان الزينات، وإتمام معدات ~~الاحتفال للطافة أذواقهم، وخفة أرواحهم، وميلهم إلى البهرجة والزينة، وهم يتهافتون على ~~تعظيم رجال العلم والأدب ويبالغون في إجلالهم حتى كادوا يعبدونهم من دون الله، ويتنسكون في ~~ادخار آثارهم وجمع مناقبهم، وحفظ أخبارهم، ورفع الهياكل والتماثيل والأنصاب لهم، كان الواحد ~~منهم معبود من معبودات قدماء المصريين، أو إله من آلهة اليونان أو الفينيقيين، وهم - والله ~~أعلم - يعتاضون بهذه الاحتفالات عما فاتهم من الاحتفال بتتويج الملوك ويوبيل القياصرة، وقد ~~رفعوا لفيكتور هوكو تمثالا عظيما بل تماثيل، وسموا باسمه الشوارع والميادين، واتخذوا داره ~~متحفا سموه باسمه، وسيجمعون فيه متاع الشاعر وأثاث بيته وكل ما له أدنى علاقة به أو ذكر ~~في أشعاره، ولم يفرطوا بشيء من ذلك ولا أضاعوا له قلما ولا دواة ولا ورقة من الأوراق التي ~~تعلم بها، وهو في المدرسة، وقد كتب على واحدة منها: «أريد أكون شاتوبريان أو لا شيء»، ولا ~~الأوراق التي كان يلاعب بها أولاده، ورسم لهم فيها الرسوم الهزلية والمضحكة، ولا الكيس الذي ~~وضع فيه مبلغ المائة وخمسة وعشرين ألف فرنك ثمن المجلدين الأولين من ms002 تأليفه المسمى ~~ميزيرابل . # ولو أردنا وصف هذه الاحتفالات، وإيراد الخطب التي تليت فيها، والإتيان على ما حررته ~~الجرائد من الفصول الطوال لاستغرق الكلام مجلدا ضخما؛ لأن هذه الاحتفالات كان لها رنة ~~عظيمة في أوروبا كلها. وقد نشرت جريدة التيمس الإنكليزية ترجمة هذا الشاعر بالفرنساوية ~~إعظاما لشأنه؛ لأن شهرة فيكتور هوكو ليست في فرنسا وحدها، بل هي طائرة في آفاق العالم ~~المتمدن، وقد وصلت إلى بلادنا الشرقية منذ سنين. أتذكر أني قرأت في «المقتطف» وهو لا يزال ~~في سورية أبياتا لفاضل من الأدباء لخص فيها فكرا من أفكار فيكتور هوكو المذكورة في ~~كتابه المشار إليه، وصف بها حالة البائس المسكين الذي اشتدت حاجته، واضطره الجوع حتى كسر ~~قفل الخباز، وأخذ رغيفا لسد رمقه فانتبه له الخفير، وانقض عليه انقضاض البازي على العصفور، ~~وقاده إلى حبس التوقيف، ثم رفعه إلى محكمة العدل فلم يشفق عليه حكام العدلية، ولا رحمه قضاة ~~الحقانية فارتعدت نفس الشاعر من هذا الظلم القاهر حتى صرخ قائلا: «أين العدالة في أوهام ~~شرعكم؟» # ثم لما أتيت الأستانة وجدت أدباء الأتراك وشعراءهم ترجموا كثيرا من نظم فيكتور هوكو، ~~ونثره فيما نشر من مؤلفات كمال بك، وعبد الحق حامد بك، وأكرم بك، ومدحت أفندي صاحب جريدة ~~«ترجمان حقيقت» سابقا، وفي «مجموعة أبو الضيا»، و«كتبخانة أبو الضيا»، وترجم شمس الدين ~~سامي باشا صاحب قاموس الأعلام جزءا كبيرا من كتاب «ميزيرابل»، وسماه بإضافة أداة الجمع ~~التركية على كلمة «سفيل» العربية، فقال: «سفيللر» أي: السفلة من الناس، ثم بلغني أن بعض ~~أدباء مصر شرع في ترجمة هذا المؤلف الجليل وسماه «البؤساء» أو نحو ذلك، فجمعت شيئا من ~~أخبار فيكتور هوكو؛ ليحصل لنا علم إجمالي بترجمة حياته، وحقيقة فلسفته، وسبب شهرته. # الدور الأول من حياته: من ولادته سنة 1802 إلى نفيه سنة 1852 # كانت فرنسا في افتتاح القرن التاسع عشر في هرج ومرج من هول «الانقلاب الكبير»، الذي ~~حدث فيها؛ فغير معالمها وثل منها عرش الاستبداد، وحرر العقول، وبدل الظلام بالنور، ~~ووضع العدل في موضع ms003 الظلم، وجرى بسبب ذلك من الفظائع الدموية ما تقشعر من سماع حديثه ~~الجلود، لبث الانقلاب من سنة 1790 إلى سنة 1795، ثم نبغ بونابرت، واكتسح بالعساكر ~~الفرنساوية إيطاليا، ثم مصر وفلسطين، وطاف بها أوروبا من مشرقها إلى مغربها، وقهر ~~الملوك والإمبراطور والقيصر، واستقدم البابا من رومية إلى باريس ليلبسه تاج ~~الإمبراطورية ويسميه نابوليون الأول، وأجلس زوجته جوزيفين على سرير الملكة ماري ~~أنتوانيت ثم لم يستحسن التاج على رأسها لأنها أرملة الجنرال بوهارنه، فأبدلها بماري ~~لويز بنت إمبراطور ألمانيا، وجعل أخاه الأكبر يوسف بونابارت ملكا على نابولي، ثم ملكا ~~على إسبانيا، وحشد عساكره في هاتين المملكتين، وكان سيجسبر هوكو والد صاحب الترجمة ~~ضابطا في عسكر الفرنساويين ومأمورا مع جنودهم بالمحافظة على بيزانسون، وهي مدينة على ~~طريق السكة الحديدية بين مرسيليا وباريس، وكان أبوه نجارا وجده فلاحا. # وفي 26 شباط سنة 1802 وضعت امرأته ماري في تلك المدينة غلاما نحيفا ضعيفا، فقيده ~~في سجل نفوس البلدة باسم «فيكتور ماري هوكو»، وكان له ولدان أكبر من فيكتور أحدهما يسمى ~~أبيل والآخر أوجين، وبعد شهرين من ولادة فيكتور تلقى والداه الأمر بالمسير إلى جزيرة ~~كورسيكا، ومنها إلى جزيرة إيليا فحمل إليها امرأته وأولاده وأقام فيها إلى سنة 1805، ثم ~~دعي سيجسبر هوكو إلى باريس فذهب إليها بعائلته، ودخل في خدمة الملك يوسف بونابارت، ~~ورافقه إلى نابولي ومعه عائلته فشاهد فيكتور بركان فيزوف، وهو في السادسة من عمره، ~~وانطبعت في ذهنه صورة هذا الجبل وما يتصاعد من فوهته من اللهيب والدخان، وارتسمت في ~~مخيلته مناظر إيطاليا الطبيعية وجوها الصافي، فلما كبر ونظم هذه الرحلة وصف هذه المناظر ~~في أشعاره أحسن وصف. # ولما ذهب يوسف بونابارت إلى إسبانيا ليلبس فيها تاج الملك اصطحب سيجسبر هوكو، وعاد ~~فيكتور مع أمه وأخويه إلى باريس، وسكنوا في دير فيليانتين بجوار مدرسة الطب العسكرية ~~التي يقال لها: «فال دوغراس»، وهي قريبة من البانتيون، فكان فيكتور يقرأ مع أخويه أشعار ~~فرجيل على راهب متضلع في الآداب اللاتينية، واستمر على ذلك إلى سنة 1811، وقد ms004 ترقى ~~والده وصار قائدا على الجيش، وبلغ راتبه إلى ثلاثين ألف فرنك إسبانيولي (ريوس)، ومنحه ~~الملك يوسف لقب كونت، وعينه ناظرا على مطبخه العام، فأحضر حينئذ امرأته وأولاده إلى ~~مادريد. فاستفاد فيكتور هوكو من هذه الأسفار فوائد كبيرة، وتمكن مع حداثة سنه من مراقبة ~~جمال الطبيعة، وحفظ أسماء المدن والبقاع التي مر بها، وشاهد في قصور مادريد آثار ~~العمران الشرقي، وصور أعاظم الرجال الذين قامت بهم القرون الماضية، فاتسعت مخيلته ~~وانفتق ذهنه، ونفح بنفحات شعرائنا الأندلسيين، فرقت ألفاظه، وراقت معانيه، وظهر النفس ~~الأندلسي في أشعاره، وسمعت النفحة الأندلسية من أكثر قوافيه، وذكر في قصيدته التي سماها ~~غرناطة أكثر مدن الأندلس، ووصف ما فيها من المباني والقصور، وذكر في غير هذه القصيدة ~~جميع البلدان التي مر بها في طريقه مثل أيرون، وعين العرب التي يقال لها اليوم: «فونت ~~أرابي» وقلعة إيرناني، وجعل اسم هذه القلعة عنوانا لرواية من رواياته، ودخل وهو في ~~مادريد مدرسة أولاد الأشراف، وخالط فيها أبناء الأمراء من الإسبانيوليين، وعرف أخلاقهم ~~وعاداتهم، فنظمها في رواية «إيرناني»، و«ريوبلاس» وغيرهما من مؤلفاته، واستعار أسماء ~~كثير من رفاقه؛ ليشخصهم في قصصه ورواياته، وكان يدقق في أحوال الجند، ويتأثر بأصوات ~~أبواقهم وصدى موسيقاهم، فأبدع في وصف حركاتهم العسكرية، وفتحهم القلاع، ونزولهم مساء ~~ورحيلهم صباحا، وسيرهم ليلا إلى غير ذلك من الأوصاف التي شخص بها حال العساكر تشخيصا ~~تاما. # ولما انقلبت السياسة في إسبانيا، واشتد الخطر على عساكر الاحتلال أعاد الجنرال هوكو ~~عائلته إلى باريس، ولم يبق عنده إلا ابنه الأكبر أبيل، فأدخله في خدمة الملك، ورجع ~~فيكتور هوكو مع أمه وأخيه إلى الدير الذي كان فيه، وعكف على مطالعة ما عند أمه من الكتب ~~كمؤلفات فولتير، وجان جاك روسو، وديدرو أحد مؤلفي الإنسلكوبيدي، ومؤلفات السائح كوك ~~وغيرهم. وكان لأمه ألفة بعائلة فوشر أحد مستخدمي نظارة الحربية، فكانت مدام فوشر تكثر ~~التردد عليها، ومعها ابنتها الصغيرة عادلة (أديل) لتلعب مع فيكتور وأخيه أوجين، وتستنشق ~~الهواء الصافي في بستان الدير، ولما ضبطت الحكومة هذا ms005 الدير في جملة ما ضبطته من أملاك ~~الرهبان سكنت زوجة الجنرال هوكو بالقرب من دار فوشر، فكثر اختلاط فيكتور هوكو بعادلة، ~~وألفها حتى صارت فيما بعد زوجته. # ولم يمض كثيرا من الزمان حتى اشتدت الأزمات السياسية، وتوالت الحوادث المرهبة، وعاد ~~نابوليون بالخيبة من سفر موسكو، وعاد أخوه يوسف بعساكره من إسبانيا ومعه الجنرال سيجسبر ~~هوكو، فالتمس الرجوع لمأموريته والدخول في سلك العساكر الفرنساوية، فلم يقبلوه إلا ~~برتبته السابقة، وبعد أن دارت الدائرة على نابوليون الأول، وحبطت أعمال الحكومة ~~الإمبراطورية وعاد آل بوربون إلى كرسي المملكة الفرنساوية تقرب الجنرال هوكو إلى لويس ~~الثامن عشر، وتملق إليه حتى صار من المقربين لديه، فخلع عليه رتبة الجنرالية، وسلمه ~~قيادة العسكر، فأراد إدخال ولديه الأصغرين في هذا السلك كما أدخل أخاهما الأكبر من قبل، ~~فوضع فيكتور وأخاه أوجين في مدرسة «لوي لوغران»؛ ليدخلهما فيما بعد مدرسة الفنون ~~الحربية وهما من المدارس التي لم يزل يتردد إليهما بعض أبناء الشرق في باريس، فأقبل ~~فيكتور هوكو على تحصيل العلوم الرياضية، ولم يترك مع ذلك نظم الأشعار، فنظم عدة قصائد ~~في الغزل والمدح والهجو والهزل والرثاء، وقصيدة في الطوفان، ولم ير مباينة بين العلوم ~~الرياضية المبنية على حقائق برهانية، وبين علوم الشعر التي كان يظنها الناس خيالات ~~باطلة وأوهاما كاذبة، وإن أعذب الشعر أكذبه، بل كان يعتقد بأن الشاعر لا بد له من تعلم ~~العلوم الرياضية والطبيعية، وكان يعتبر تصور حوادث الكون، وتخيل مناظر الطبيعة، وجمع ~~معاني ذلك في الذهن ثم إفراغ المعاني في قوالب الألفاظ، ونسجها في أبيات الشعر كل ذلك ~~أشبه بتصوير المسائل الحسابية والهندسية، وحل المعادلات الجبرية؛ ولذا قال: بأن صباه لم ~~يكن إلا تخيلا طويلا ممزوجا بدرس مدقق، وأن لا مباينة بين التدقيق والشعر؛ لأن ~~القواعد الرياضية تطبق في الشعر كما تطبق في العلم، وقال أيضا: «إن الكلمة كائن حي ~~فاعلموه.» # وكان شاتوبريان من أفحل أدباء العصر، وله مؤلفات جليلة في النظم والنثر، وقد طاف بلاد ~~الشرق، وزار مصر وسوريا واليونان، وألف بعد ms006 ذلك كتابه المسمى «روح النصرانية»، وبحث عن ~~حكمة الديانة المسيحية، فطالعه فيكتور هوكو وأعجب به، وتشرب منه آراء المذهب ~~الكاثوليكي وسياسة الحزب الملوكي، فكتب على دفتره، وهو في المدرسة بتاريخ 10 يوليو سنة ~~1816: «أريد أن أكون شاتوبريان أو لا شيء.» وبعد سنة من هذا التاريخ فتحت الأكاديمية ~~الفرنساوية مسابقة للشعراء، وجعلت موضوع السباق «فوائد المطالعة»، فنظم فيكتور هوكو في ~~هذا المعنى 320 بيتا عرضها على لجنة التحكيم، ولم يكن له من العمر إلا خمس عشرة سنة، ~~فاستحسنوا أبياته، واستصغروا سنه، وظنوه سارقا شعره فلم يعطوه الجائزة، واكتفوا بقيد ~~اسمه في دفتر الشعراء، وفي السنة التالية بعث إلى جمعية «لعب الأزهار» - وهي جمعية ~~أدبية تأسست قديما في طولوز - القصيدة التي سماها «عذارى فيردون»، وتشبب فيها ببنات ~~تلك المدينة التي على الحدود الألمانية، وبعث أيضا بقصيدة أخرى في مدح هنري الرابع، ~~فنال بهما جائزة الجمعية. # وفي سنة 1818 أكمل فيكتور هوكو دروسه في مدرسة «لوي لوغران»، واستنكف من الدخول في ~~امتحان المسابقة لأجل قبوله في المكتب الحربي، وكتب لأبيه بأنه عدل عن سلك العسكرية، ~~واتخذ الشعر صنعة يتعيش منها وأن لا حاجة له بالراتب القليل المعين له، وأقبل على الجد ~~والاشتغال ومثابرة الأعمال، واشترك مع أخيه الكبير أبيل، وكان له مشاركة في علوم الأدب، ~~فأسسا جريدة أدبية عنوانها «المحافظ الأدبي»، ونشر فيكتور هوكو الأشعار البديعة، ~~والمقالات الانتقادية. # وكان لويس الثامن عشر الذي جلس على سرير الملك سنة 1824 عاقلا ماهرا لم يصغ لأقوال ~~الذين يريدون إطفاء نور العلم والحرية، وإعادة المظالم القديمة، بل أعطى الشعب حقوقه، ~~وسن لبلاده القوانين، وكان ولي عهده أخاه شارل العاشر وله ولد اسمه دوك دوبري قتله أحد ~~الرعاع، وهو خارج من مرسح الأوبرة سنة 1820، وخلف دوك دوبري طفلا صغيرا اسمه دوك ~~دوبوردو، فنشر فيكتور هوكو في جريدته قصيدة هنأ فيها بالمولود وأخرى رثى فيها الوالد ~~والقصيدتان موافقتان لسياسة الحزب الملوكي، فاستحسنهما لويس الثامن عشر، وأجازه عليهما ~~بخمسمائة فرنك، وفي تلك السنة بعث فيكتور هوكو إلى جمعية لعب ms007 الأزهار في طولوز بالقصيدة ~~التي عنوانها «موسى على النيل»، فكافأته عليها بالمدالية الذهبية، وكانت على شكل الزهرة ~~ومنحته لقب الأستاذ في جمعيتها. # فاشتهر هوكو وانتشر شعره، ولقبه شاتوبريان بالولد النجيب، وفتحت الشعراء له أبوابها، ~~فتعارف على ألفرد دوفينيه ولامارتين مؤلف «الرحلة الشرقية»، وسومه وإميل دوشان وغيرهم ~~من شعراء العصر وفحول أدبائه، وفرح به جميع المنتصرين للحزب الملوكي؛ لأنه على مذهبهم ~~السياسي ودينهم الكاثوليكي، وترنموا بأبياته في مجامعهم، وأنشدوا قصائده في نوادي ~~سمرهم، وكان ينظم لهم القصائد الهزلية والمدائح الملوكية على ما يوافق مشربهم مثل ~~«التلغراف»، و«المقيد السياسي»، و«القريحة»، وغيرها. # فانشرح صدر الشاعر بهذه الشهرة، وارتاح باله من جهة تأمين معاشه في المستقبل، ولعب ~~الهوى في رأسه فرأى بجانبه صاحبته من الصغر قد انتقلت إلى سن الشباب، وانتصبت قامتها ~~كالغصن، ولبست أثواب الجمال والحسن، فهام في حبها، وأراد الاقتران بها فمنعته أمه لفقر ~~البنت وعدم وجود مهر كاف (دوته) معها، وقطعت علائقها مع عائلة فوشر، فتألم الشاعر بألم ~~الفراق، وأخذ يراسل حبيبته برسائل الحب والاشتياق، ونشرت هذه الرسائل بعد موته تحت ~~عنوان «مراسلات الخطيبة». # وفي سنة 1821 توفيت والدته فحزن عليها حزنا شديدا لزيادة حنوها عليه، وكثرة إحسانها ~~إليه، ولم يمض شهر على وفاتها حتى تزوج والده بواحدة من الغنيات الشريفات لقلة وارده ~~وكثرة نفقاته، وبقي فيكتور هوكو وحيدا فريدا، وانتقل من الدار التي كان فيها مع أمه ~~إلى مسكن صغير، وتضايق في أمر معاشه لقلة ما في يده، ولاحتياجه لمن يدبر له البيت ~~ويهيئ له الطعام، وأخذ يفكر في معشوقته وفي الوصول للاقتران بها؛ لأن أباه افتقر بعد ~~سقوط الحكومة الإمبراطورية، وأبو حبيبته لم يكن من أصحاب الثروة العظيمة، فاجتهد فيكتور ~~هوكو في تحصيل المال، وأقبل على النظم والتأليف، ونشر سنة 1822 ديوان قصائده، فكان له ~~رواج عظيم، وقرأه لويس الثامن عشر، وأعجب به وأحسن على الشاعر من خزينته الخاصة براتب ~~سنوي قدره ألف فرنك، فافترج الشاعر بهذا المعاش، وتزوج بعادلة فوشر ولها من العمر 19 ~~سنة، وبينما هم في ms008 حفلة العرس على مائدة الطعام، نهض أخوه أوجين، وأجرى أفعالا منكرة ، ~~وفاه بكلام غير معقول، فحملوا ذلك أولا على إكثاره من شرب المدام، وذهبوا به إلى بيته، ~~وفي الصباح وجدوه مختل الشعور، وفهموا أنه يحب عادلة محبة شديدة، وكان يخفي حبها فلما ~~تزوجت بأخيه هاجت عواطفه وذهب عقله فوضعوه في بيمارستان سارانتون، وهو في أرباض باريس، ~~واستمر فيه إلى أن مات، وكانت عادلة بديعة الحسن رقيقة الحواس غير أنها بسيطة الفكر غير ~~مفرطة الذكاء، وكان زوجها متيما في حبها، فسكن مدة عند صهره، ولما بلغ راتبه من الملك ~~2000 فرنك في السنة خرج بها من دار أبيها، وسكنا في بيت على حدة، فولدت له أولادا ~~كبروا وماتوا في حياته، وهم ليوبولدين ماتت غريقة في نهر السين، وشارل مات فجأة عند ~~صاحبة له في بوردوا، وفرانسوا مات في باريس، وعادلة تزوجت على كره من أبيها، وأصيبت ~~بداء الجنون مثل عمها وهي لم تزل في قيد الحياة، فكانت هذه المصائب باعثة على نظم ~~القصائد التي عنوانها «أولادي»، ورثاهم أيضا في كتاب «التأملات» وغيره بأرق المراثي، ~~وكان موحدا في الاعتقاد، ولم يتبع مذهب المسيحيين في البقاء على زوجة واحدة، بل شغف ~~بعد ذلك بحب إحدى الممثلات، وأسكنها مع زوجته، وعمل عمل القائلين: بتعدد الزوجات مع ~~رعايته واحترامه لزوجته الأولى. # وأخذ فيكتور هوكو يحرر في مجلة «الموز الفرنساوية» التي أنشأها الأديبان سومه وديشان، ~~ويتردد على بيت شارل نوريه، وكان هذا الفاضل مديرا لمكتبة أرسنال، وهي إحدى المكاتب ~~الأربع الكبيرة في باريس، ونال معاشا وافرا بسبب هذه الوظيفة، وفتح بيته للعلماء ~~والشعراء حتى صار مجمعا للأدباء، وأسسوا فيه سنة 1824 جمعية أدبية على الطرز الجديد، ~~وفي هذه السنة توفي لويس الثامن عشر، ولبس أخوه شارل العاشر تاج الملك، فمدحه الشاعر ~~بقصيدة عنوانها «التتويج» فحازت القبول، وأنعم عليه الملك بوسام الافتخار من رتبة ~~شيفاليه كما أنعم بذلك على الشاعر الشهير لامارتين، ولما نشر فيكتور هوكو ديوانه في ~~المدح والغزل، وحاد فيه عن مسلك الشعر القديم المسمى ms009 «كلاسيك»، وسلك في النظم مسلكا ~~جديدا انتقد عليه أصحاب الطريقة القديمة، وسلقوه بألسنتهم . # ونشر الشاعر «سنت بوف» في جريدة الغلوب بتاريخ 6 كانون ثاني سنة 1827 مقالة انتقادية ~~كانت سببا لتحويل أنظار الناس إلى الطريقة الجديدة؛ ولتعارف الشاعرين حتى صارا من أعز ~~الإخوان، وكان شارل العاشر قد حاد عن طريقة أخيه العادلة في سياسة الملك، ومال إلى ~~الاستبداد، فنفر منه الأدباء والأحرار، واغتنم سفير النمسا في باريس هذه الفرصة، وندد ~~في أمراء العساكر الذين خدموا مصالح نابوليون الأول، وأهانهم في الكلام فانتصر لهم ~~فيكتور هوكو؛ لأن أباه كان في زمرتهم، ونظم قصيدة في مدح «العمود» أي: العمود الذي رفع ~~لنابوليون في ميدان فاندوم، وطلي بنحاس المدافع التي غنمها في حروبه، ونقش عليه أسماء ~~المواقع الحربية، والأمراء العسكرية. وكان الشاعر في ذاك التاريخ قد بلغ سن الرجولية، ~~وهو السن الذي يتأهل فيه الرجل لحقوق الانتخاب، فظن كبقية أدباء العصر المتخوفين من ~~استبداد شارل العاشر أن الحكومة الإمبراطورية أكثر عدلا وحرية من الحكومة الملوكية؛ ~~ولذا أقبل على إظهار فضل نابوليون وإشهار مجده بدون أن يتعرض بالقدح لآل بوربون. # ونشر عقب مدحه العمود قصة كرومول، وشرح في مقدمتها طريقته الجديدة في علم الأدب، ~~وشكل جمعية من أنصار هذه الطريقة وفي مقدمتهم ألفرد دوفينيه، وسنتابوف، وإميل دوشان، ~~وألكساندر دوماس، وبولانجه، وغيرهم مثل لامارتين، وسموا طريقتهم «رومانتيك» كما كان ~~المتقدمون يسمون طريقتهم «كلاسيك»، وصار فيكتور هوكو إمام المدونين في هذه الطريقة ~~الجديدة، فانتقد عليه الكثير من أرباب السياسة وحملة الأقلام، ولاموه من وجهين أحدهما ~~لمدحه نابوليون، وإشهاره مجد الحكومة الإمبراطورية، وثانيهما لعدوله عن مذهب الشعر ~~القديم وسلوكه في النظم والنثر مسلكا جديدا، غير أن الشاعر لم يصغ للوم اللائمين، ~~واستمر يتردد على بيت صاحبه شارل نوريه، وينشد قصائده أمام الحاضرين، ويستميلهم لطريقته ~~واحدا بعد واحد، ولما اتجهت أنظار العموم نحو الشرق بسبب ثورة اليونان، وذهاب العساكر ~~المصرية للموره، وغدر الدول في وقعة نافارين نشر فيكتور هوكو ديوانه المترجم ~~«بالشرقيات»، ولم يزر الشرق ولا رأى نساءه ms010 مثل شاتوبريان ولامارتين، ولكنه درس أحواله ~~درسا مدققا، وقرأ ما ترجم من كتب أدبائه مثل كلستان سعدى، وديوان حافظ شيرازي، وما ~~ترجم من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ فراج ديوان الشرقيات لحداثة موضوعه، وبحث ~~فيه عن الممالك العثمانية، والعوائد الشرقية، وعن بلاد اليونان، وإيتاليا، وإسبانيا، ~~وكانت النفوس متشوقة للاطلاع على ما في زوايا الشرق من الخبايا. # ثم نشر قصة عنوانها «آخر أيام المحكوم عليه»، وصور فيها الاضطراب الذي يحصل للمقتول ~~قبل قتله. وفي سنة 1839 وجه الشاعر التفاته نحو المرسح الفرنساوي (كوميدي فرانسه)، وشرع ~~في اكتساب الرزق من تحرير الروايات المحزنة التي يسمونها «درام»، وحرر رواية «ماريون دو ~~لورم»، وهي غانية من غواني باريس أحبها أحد الرهبان، وكان لها نبأ عجيب على عهد لويس ~~الخامس عشر، ولما أراد مدير المرسح تشخيص الرواية منعه المراقب، فرفع شكواه من ظلم ~~مراقب المطبوعات إلى الملك، فلم يأذن له بتشخيصها ومع ذلك قربه إليه، ولاطفه بالكلام، ~~وقال: «أحب قريحتك الشعرية، وليس عندي أشعر منك ومن ديزوجيه»، وزاد في راتبه حتى أبلغه ~~4000 فرنك، فرفض فيكتور هذا الراتب مع شدة احتياجه إليه، وشرع في تحرير رواية «إيرناني» ~~فأكملها في بضعة أسابيع، وشخصت على المرسح الفرنساوي ليلة 25 شباط سنة 1830، واشتد ~~بسببها القيل والقال، وعلا في المرسح الصفير والجدال بين أصحاب المذهب القديم والمذهب ~~الحديث في علم الأدب، وتم النصر في تلك الليلة لهوكو وشيعته، ولم يبق معه من النقد ~~سوى خمسين فرنكا، فتقدم إليه ملتزم الطبع، وبارك له بنجاح الرواية، ونقده في مقابلة حق ~~طبعها ستة آلاف فرنك، واستلم منه النسخة الخطية، وعقد معه مقاولة على تحرير قصة ~~«نوتردام دو باري»، وتسليمها في ظرف ستة أشهر، فأكب الشاعر على المطالعة والتحرير، ~~وأكمل القصة قبل انتهاء الأجل المحدود، فطبعت وكان لها رواج عظيم، واسم الرواية مأخوذ ~~من كنيسة باريس الجامعة، وهي بناء فخيم بالقرب من دار البلدية ودار الحقانية. # ولما أصدر شارل العاشر أمره بإلغاء الحرية التي منحها سلفه للشعب، وبتعطيل أحكام ~~القانون الأساسي هاج أهالي باريس، ms011 وحدث انقلاب تموز سنة 1830، وسالت الدماء في العاصمة ~~ثلاثة أيام بلياليها، ففر شارل العاشر من فرنسا، وتنازل عن الملك لابنه وولي عهده دوك ~~إنكوليم - وإنكوليم بلدة بين بوردو وباريس - غير أن هذا الدوك استعفى أيضا، وانتقل ~~الملك بالإرث الشرعي إلى دوك بوردو، وهو حفيد شارل المشار إليه، فالجمهور من ~~الفرنساويين لم يلتفتوا إلى حقوق هذا الصبي، وانتخبوا ملكا عليهم لويس فيليب ابن عم ~~شارل العاشر؛ لقبوله إعطاء الأهالي حقوقهم وتعهده بحماية القوانين، فهوكو - شاعر الملك ~~والمدافع عن حقوق الملكية، وناظم القصائد الغراء في ولادة دوك بوردو صاحب الميراث ~~الشرعي، وفي رثاء أبيه دوك بري - لم يهتز لهذه الحوادث، بل أظهر استحسانه ما فعله ~~الشعب، ولم يعبأ بالمسائل السياسية، وظل يشتغل في فنون الأدب فنشر ديوانه المسمى «أوراق ~~الخريف»، وشخص على المرسح الفرنساوي سنة 1831 رواية ماريوم دولورم التي منع تشخيصها ~~سابقا، ثم رواية «الملك يتسلى»، وهي رواية تاريخية موضوعها فرانسوا الأول الذي التجأ ~~إلى ساكن الجنان السلطان سليمان القانوني من شر عدوه شارلكين؛ فمنع مراقب المطبوعات ~~إعادة تشخيص هذه الرواية للتعريض فيها بالملوك، فرفع الشاعر شكواه إلى محكمة التجارة، ~~ودافع عنها بنفسه أمام الحكام، فلم يسمحوا له بالتشخيص، ولم يجر تشخيصها مرة أخرى إلا ~~سنة 1882، وكان الذي ربحه فيكتور هوكو من مؤلفاته كافيا لإنقاذه من مخالب الفقر وسعادة ~~حاله ففتح بيته للزائرين؛ حتى صار مجمع الأدباء ومركز الشعراء، وفي جملتهم الكاتب ~~الشهير تيوفيل غوتيه إلا أن الشقاق وقع بينه وبين صاحبه القديم ألكساندر دوماس، ودام ~~الخصام أعواما كثيرة؛ لأن غيرة الشعراء والعلماء بعضهم من بعض أشد من غيرة ~~الأمراء. # وجفاه أيضا حبيبه سنت بوف الماهر في فن الانتقاد، وقال عن مؤلفاته: بأنها ممزوجة ~~بآراء السياسة الملكية، والديانة الكاثوليكية، والفلسفة السيمونية - وهي التي وضعها ~~الكونت سن سيمون في آواخر القرن الثامن عشر، وفرض فيها تعلم الصنائع على كل فرد من ~~أفراد الأمة، فلم يتبعه إلا القليل من الناس مثل كارنو والد رئيس الجمهورية الأسبق - ~~فعمل برأيه ومع جلالة قدره جعل أحد ms012 أولاده نجارا، والآخر مهندسا وكلاهما من أكابر ~~رجال الدولة، ثم ألف فيكتور هوكو رواية «لوكريس بورجيا»، وهي أخت قيصر بورجيا الشهير ~~بالإسراف وفساد الأخلاق، وكانت بديعة الحسن ولها حديث غريب، فشخصت هذه الرواية في 2 ~~فبراير سنة 1833، فأقبل الناس على استماعها، ثم شخصت مرارا على المرسح الذي بباب سن ~~مارتن، وكانت الممثلة التي شخصت دور الأميرة نيكروني هي ماد موازيل جوليت دروه التي ~~سبت الشعراء بحسنها وعقلها، فشغف فيكتور هوكو بحبها، وبعد أن تردد على بيتها كثيرا ~~أسكنها في بيته عند زوجته فلامه أحد أصحابه، فحرر إليه يعتذر بأن زوجته أذنت له وسامحته ~~على ما فرط به من حب جوليت، ولم تزل زوجته تحبه وتعزه، واستمرت في صحبة الشاعر، ورافقته ~~في منفاه، وكانت تحرر له القصائد وهو يملي عليها، ودامت معه إلى بعد وفاة زوجته ورافقته ~~أيضا في سن شيخوخته، ونشر فيكتور هوكو أيضا رواية «ماري تيدور»، وهي ملكة الإنجليز، ~~ورواية «أنجلو»، وهو أمير ظالم من أمراء الطليان، ورواية «ربوبلاس»، وهو اسم خادم ~~الوزير الذي خدعت به ملكة إسبانيا، وكثيرا ما تشخص اليوم على المراسح الفرنساوية هي ~~ورواية «إيرناني»، ورواية «كلودكو»، وهي مما ترجم من مؤلفات هوكو إلى التركية، وفيها ~~دفاع بليغ عن المحكوم عليهم بالإعدام وتشنيع هذا القصاص. # ومما نشره في هذا التاريخ من الأشعار الموسيقية غير أوراق الخريف «أغاني الشفق»، ~~و«الأصوات الداخلية»، و«الأشعة والظلال»، وغير ذلك؛ فصار فيكتور هوكو بهذه التآليف يعد ~~من فحول أدباء العصر، وانتسب لدوك أورليان وزوجته ووجه عليه لويس فيليب نشان الافتخار ~~من درجة أوفيسيه، وأهداه صورته، وانتخبته الأكاديمي الفرنساوية عضوا في جمعيتها ~~بأكثرية صوتين فقط بعد أن عارض أعضاؤها زمانا طويلا في قبوله لشدة تمسكهم بالقواعد، ~~وأساليب الإنشاء القديمة، ولم يدخلوه بينهم إلا بعد أن اشتهر فضله كالشمس في رابعة ~~النهار. # وسنة 1839 ساح فيكتور هوكو في جبال الألب على حدود إيطاليا وسويسرا، وشاهد مناظرها ~~البديعة وزار بعد سنتين ضفاف الرين، ودرس أحوال بلاد الألمان، وكتب سياحته في مجلدين ~~نشرا بعد موته، وألف ms013 أيضا رواية «بورغراف» التاريخية وبين فيها أخلاق أمراء الألمان ~~في القرون الوسطى، فشخصت على المرسح الفرنساوي سنة 1843، ولم يقبل عليها الجمهور ولا ~~حصل منها أرباح للمشخصين، فتكدر الشاعر من سوء طالعه، وعدل عن تأليف الروايات، وترك ~~رواية «التؤام» التي شرع في تأليفها بدون أن يكملها، وكانت الأفكار العمومية تحولت عن ~~طريقة الأدب الجديدة (رومانتيك)، وعادت للإقبال على طريقة (كلاسيك) القديمة لظهور بعض ~~المؤلفات الجديدة فيها، وبمناسبة ذلك هزأت بعض الجرائد الهزلية بفيكتور هوكو وصورته ~~برأس كبير، وهو واقف أمام المرسح بجانب إعلان هذه الرواية ينظر إلى السماء، وقد طلع ذو ~~ذنب وكأنه يناجي ربه وهو يقول: «لماذا جعلت للنجوم أذنابا وتركت البورغراف بلا أذناب»، ~~وتطلق كلمة بورغراف على ذوي الآراء السخيفة في ضروب السياسة، والمقصود تركت الرواية بلا ~~جمهور يزدحم على باب المرسح، فيتألف منه ذنب طويل كما هي العادة في إقبال الناس على ~~الروايات المهمة، واصطفافهم الواحد وراء الآخر لاشتراء أوراق الدخول. # وخرج فيكتور هوكو من باريس إلى جبال البيرنة على حدود إسبانيا يروض فيها أفكاره، ~~ويزيل أكداره، ولم يلبث فيها كثيرا حتى فاجأه مصابه ببنته، وكانت في التاسعة عشرة من ~~عمرها، وقد فارقها وهي في أثواب العرس فخرجت بزوجها تتنزه في زورق على نهر السين في ~~مدينة فيلكيه، فانقلب بهما الزورق وماتا غريقين قبل أن يمضي على زفافهما أربعة أشهر، ~~وزوجها شارل فاكيري هو أخ الأديب المشهور أوغست فاكيري، فزاد كدر فيكتور هوكو، واختبر ~~بهذه المصيبة آلام الحياة وهمومها ودخل الحزن قلبه ولعلمه أفانين الرثاء، فأجاد وأبدع ~~في المراثي التي نظمها، وأكثرها مدرج في كتاب «التأملات». غير أنه من هول هاتين ~~المصيبتين وهما موت ابنته، وعدم رواج روايته يئس في بادئ الأمر من هذا العالم الفاني، ~~وانقطع رجاؤه بالله وضعف اعتقاده، ورفض الشعر مدة، وأقبل على الإشغال بالعلوم السياسية، ~~ودرس المسائل الاجتماعية، فنشر كتابا عنوانه «مكاتيب على الرين» حاول فيه حل مسألة ~~الموازنة الأوروباوية، وتوهم تقسيم ممالك أوروبا بين فرنسا وبروسيا، وأراد تقليد ~~لامارتين في الدخول لميدان السياسة ms014 - لأن الشاعر لامارتين بعد أن خدم طويلا في كتابته ~~السفارات الفرنساوية، وصار سفيرا في طوسقانة وأتينة ترقى إلى مسند الوزارة، ولما زار ~~الشرق نال شرف المثول بين يدي السلطان عبد المجيد خان، وحاز على الالتفات الشاهاني، ~~وأحسن إليه بأبعدية «جفتلك» في ولاية أزمير، فأقام فيها وحرر تاريخ الممالك العثمانية ~~في ثمانية مجلدات - ففتح لويس فيليب باب الحكومة لفيكتور هوكو، وعينه عضوا لمجلس ~~الأعيان سنة 1845، فجلس مع أصحاب اليمين، وانضم لحزب الأكثرية، وهو حزب الوزارة، وقال ~~بقولهم، وتكلم في بعض المسائل فخطب خطبة في «ماركة الفابريكات»، وأخرى في «المسألة ~~البولونية»، ومدح البابا الحر وطلب إرجاع عائلة بونابرت، فلم يكن لكلامه تأثير على ~~أعضاء المجلس كما كان لأشعاره، ورواياته تأثير في نفوس الجمهور عند صدورها على المراسح ~~من أفواه الممثلين، والمشخصات؛ لأنه لم ينل من القوة النطقية ما ناله من القلمية ~~والفكرية. # ولما قوي حزب الجمهورية، وحدث انقلاب سنة 1848، وأنزل لويس فيليب عن عرش الملك، ~~وأعلنت حكومة الجمهورية الثانية على فرنسا انتخب فيكتور هوكو عضوا في مجلس الأمة من ~~إبالة السين، وأسس في تلك السنة جريدة الوقائع (إيفينمان)، وكتب عليها «البغض الشديد ~~للفوضوية، والهيام في الشعب والحنو عليه»، وكان يعينه في تحرير الجريدة ابناه شارل ~~وفرنسوا، وأصدقاؤه من أفاضل المحررين مثل بول موريس، وأوغوست فاكيري، وتيوفيل غوتيه ~~والبر لوقروا وغيرهم، وكان المترشح لرئاسة الجمهورية اثنين وهما نابوليون الثالث، ~~والجنرال كافينياك فمالت جريدة الوقائع في خطتها السياسية لنابوليون؛ لأن فيكتور هوكو ~~كان يترنم في قصائد «المدح في العمود»، ويطرب لذكر مجد نابوليون الأول؛ ولذا فإنه أحب ~~في بادئ الأمر ابن أخيه نابوليون الثالث، وظن أنه يتقرب إليه ويكون مستشارا له فرجحه ~~في الانتخاب على الآخر، واكتسب نابوليون الثالث أكثرية الأصوات، وكانت تزيد على خمسة ~~ملايين ونصف مليون، فأعلن رئيسا على الجمهورية، واستلم زمام الإدارة ولم يلتفت ~~لفيكتور هوكو، فلما خاب ما أمله الشاعر انقلب عن أصحاب اليمين إلى أصحاب الشمال، وصار ~~من أكبر رؤساء الحزب المخالف فاتهمه العقلاء بأنه مذبذب يتردد بين اليمين ms015 والشمال، ~~ودافع عنه أصحابه بقولهم: إن الشاعر لا يهتم بالأحزاب، وإنما يرى مصلحة الأمة فيسير ~~معها، وكان كلما خطب في المجلس خطبة شددوا عليه النكير وذكروه بسوابق أعماله وأشعاره، ~~ولما تمت الرئاسة لنابوليون مالت نفسه للبس التاج، وشرع في إعداد المعدات وتهيئة ~~الأسباب، فتظاهر فيكتور هوكو له بالعداوة، ونشر في تقبيح سياسته فصولا، وعرض باسمه ~~في جريدة الوقائع، فسماه نابوليون الصغير فاتهم مراقب الجرائد ابنيه المحررين لتلك ~~الجريدة وحاكمهما وألقاهما في السجن، ثم استبد نابوليون بالأمر وأجرى حادثة 2 ديسمبر ~~سنة 1851، وألقى القبض على زعماء الحزب الجمهوري وجميع المتهمين بمخالفة السياسة ~~الإمبراطورية، وكان اسم فيكتور هوكو في رأس قائمة المتهمين، فساعدته حبيبته الممثلة ~~جوليت دروه على الاختفاء، واستحصلت له على تذكرة مرور، فخرج من باريس فارا؛ وهنا تم ~~الدور الأول من أدوار حياته. # الدور الثاني: وهو مدة وجوده منفيا من سنة 1852 إلى رجوعه لباريس سنة 1870 # بعد أن فر فيكتور هوكو من باريس تجاوز الحدود الفرنساوية، وأتى بروكسل عاصمة ~~البلجيك، وكان في غاية الضيق من قلة النقود، فحرر لزوجته يوصيها بالتدبير والتقتير، ~~ويعرفها بأن مصروفه في الشهر لا يتجاوز مائة فرنك، وأقبل على التحرير، والتأليف وهو ~~يستشيط غضبا فنشر كتابه «نابوليون الصغير»، وكان أول صاعقة من الصواعق التي رماه بها، ~~ثم نشر «تاريخ جرم»، فتهافت الناس في فرنسا وعموم أوروبا على مطالعة هذين الكتابين، ~~فمنع نابوليون دخولهما لممالكه، وأمر سفيره في بروكسل بأن يطلب من حكومة البلجيك إبعاد ~~فيكتور هوكو عنها، فلم تجسر الحكومة على ذلك إلا بعد أخذها قرار مجلس النواب، فدعته ~~للخروج فذهب إلى جزيرة جرسي التابعة لإنكلترة، وهي جزيرة في بحر المانش بين فرنسا ~~وجزائر بريطانيا العظمى، وجلب إليها عائلته، وكانت حبيبته جوليت سبقتهما، وأقامت معه في ~~بروكسل، وشاركته في السراء والضراء، وكان في ضيق من جهة المعاش، ولم يكن معه إلا سبعة ~~آلاف فرنك فعرف الجوع بقوله: «إن المخمصة تثقب في قلب الإنسان ثقبا وتملأه بالحقد»، ~~ونشر كتاب «القصاص» سنة 1853، وكان صاعقة على نابوليون أشد ms016 من الأولى، وراج رواجا ~~عظيما في فرنسا وأوروبا، وربح ملتزم طبعه في بروكسل ربحا وافرا لم يعد منه على ~~المؤلف إلا اليسير . # ولم يزل نابوليون الثالث يضطهد رجال الحزب الجمهوري، وينفيهم من الأرض، فعارضه فيكتور ~~هوكو ونظم عدة قصائد في وصف حالة أولئك المضطهدين الذين أخرجوا من ديارهم ظلما ~~وعدوانا، فطلب سفير فرنسا في لوندره إخراج هوكو من جزيرة جرسي وإبعاده، فأخرجته ~~الحكومة الإنكليزية إرضاء لنابوليون، ولكنها لم تضيق عليه، فذهب إلى جزيرة كيرنيزي وهي ~~بجوار الجزيرة الأولى في بحر المانش وتابعة مثلها للإنكليز، واشترى فيها دارا خربة ~~مهجورة مبنية على صخرة عالية مطلة على الأوقيانوس المحيط، وتسمى «هوت فيل هوس»، فرممها ~~وسكنها واتخذ الطبقة العليا منها غرفة لأعماله، فكان يشتغل فيها بالنظم والتأليف، ويفكر ~~في تقلبات الدهر وأحوال العالم، وبصره شاخص إلى لجة البحر المحيط، وكان يعينه في ~~التحرير والمطالعة ابناه وزوجتاه وصاحبه الشاعر أوغست فاكيري، فنشر سنة 1856 كتاب ~~التأملات، وعرفه بسانحات البال، ثم أخذ يسلي همومه بمطالعة أخبار المتقدمين، ودرس سير ~~الإنسان في مدارج الترقي والعمران، فنشر القسم الأول من كتاب «سير الدهور» سنة 1859، ثم ~~ألف قصته الشهيرة المترجمة ب «البؤساء»، وكان له صديق حميم، وهو موسيو لوقروا ناظر ~~البحرية في الوزارة الفرنساوية السابقة؛ أي وزارة الموسيو ميلين، فكان هذا الأديب يعين ~~الشاعر على طبع مؤلفاته في البلاد الأجنبية، فلما بعث إليه بالمجلدين الأولين من كتاب ~~البؤساء باعهما لملتزم الطبع في إنكلترة بمبلغ قدره 125 ألف فرنك ذهب إنكليزي. # ولما نشر هذا الكتاب سنة 1862 أقبل المترجمون على ترجمته، ونشروه في تسع لغات من لغات ~~أوروبا في آن واحد، وكان أصحاب المطابع تستدعي الموسيو لوقروا من جميع الجهات في ~~إنكلترة، وألمانيا، والنمسا ليشتروا منه حق الترجمة والطبع، ولما ذهب إلى لوندره عند ~~الكتبي الشهير في بترنوستر رود سأله بعنف: كم تطلب بحق نشر كتاب البؤساء في اللغة ~~الإنكليزية؟ # فأجابه: ثلاثة آلاف ليرة إنكليزية، فتناول دفتر الشك، وحرر المبلغ ~~والاسم، وقال له: ~~- خذ نحن على وفاق # فيكتور هوكو ms017 وحفيداه. # فسعد حال فيكتور هوكو من جهة المعاش، وذهب عنه الضيق، فنظم داره، وغرس أرضها ~~بالأشجار والرياحين، وطار ذكره في العالم المتمدن، وقصده الزوار، وكاتبه الرجال، وكان ~~البعض يحرر عنوانه «فيكتور هوكو في الأوقيانوس»، فكانت المكاتيب تصله بهذا العنوان ~~المبهم لسعة شهرته، واشتهر اسمه لاقترانه باسم نابوليون، وكبره البعد والاعتزال في ~~مخيلات الناس حتى اعتقدوه من أكبر العقول البشرية، وكانت العيون ترقب طلوع مؤلفاته كما ~~ترقب شمس الشتاء، وفي سنة 1864 نشر كتاب «وليم شكسبير» في الفلسفة، وبعدها بسنة نشر ~~ديوان «أغاني الشوارع والأحراج»، وفي سنة 1866 نشر قصة «المشتغلين في البحر»، ووصف فيها ~~ما يكابده الفلاحون من المشاق وما يتورطون فيه من الأخطار، وفي سنة 1869 نشر قصة ~~«الإنسان الضاحك»، ولم يأل جهدا وهو في تلك الجزيرة عن الانتصار للأقوام الذين غدر بهم ~~الزمان، ورماهم سوء الطالع بالخسران، وفعل ما فعله فولتير وهو في فيرين، فدافع عن عصاة ~~أيرلاندة وعن مكسميليان إمبراطور المكسيك، وهو أخ إمبراطور النمسا أغراه نابوليون ~~الثالث على لبس التاج، وأمده بالعساكر الفرنساوية ثم تخلى عنه، فحاكمه المكسيكيون ~~وقتلوه. # ثم إن المسائل العائلية أخلت براحة الشاعر وأقلقت أفكاره، وذلك أن ابنته عادلة أحبت ~~قومندان المركب المحافظ على الجزيرة، وتزوجت به رغما عن والدها، وذهبت معه إلى الهند ~~منشأ الطاعون ومهب الريح الأصفر، فمات فيها وعادت لفرنسا مختلة الشعور سنة 1872، ~~فأدخلوها البيمارستان مثل عمها وهي التي ورثت أباها، وفي سنة 1868 توفيت زوجة فيكتور ~~هوكو في بروكسل بعد أن كف بصرها، وذهب ابناه في السنة التالية إلى باريس مع صاحبهما ~~أوغست فاكيري؛ لينشئوا فيها جريدة «رابل» وينددوا بالحكومة الإمبراطورية، وذهب فيكتور ~~هوكو إلى بلاد سويسرا؛ ليحضر مؤتمر لوزان ويخطب فيه خطبته المشهورة، ولما جرت ~~الانتخابات في أوائل سنة 1870 نشر فيكتور هوكو رسالة اعتراضية عنوانها «لا»، ثم انتشبت ~~الحرب بين فرنسا وبروسيا، ودارت الدائرة على نابوليون الثالث، فسلم سيفه في ميدان ~~القتال إلى ملك بروسيا، وطار الخبر إلى باريس، فاجتمع رؤساء الحزب الجمهوري في دار ~~البلدية، وأعلنوا ms018 الحكومة الجمهورية مكان الإمبراطورية في 4 سبتمبر سنة 1870، وهي حكومة ~~الجمهورية الثالثة الحالية، ولم يعد مانع لفيكتور هوكو من الرجوع إلى فرنسا، وبذلك ~~انتهت أيام نفيه. # الدور الثالث من حياة فيكتور هوكو، وهو دور شيخوخته أي: من رجوعه إلى فرنسا سنة 1870 ~~إلى وفاته سنة 1885 # بعد أن أقام فيكتور هوكو في منفاه ثماني عشرة سنة عاد إلى باريس مع من عاد من أركان ~~الحزب الجمهوري، واستقبله أحباؤه وأشياعه، وأنزلوه على الرحب والسعة، فحرر خطابا ~~بليغا للألمانيين يحضهم فيه على الصلح وترك الحرب، وكان من رأيه السياسي وضع اتفاق بين ~~الأمة الفرنساوية والبروسيانية وتقسيم البلاد بينهما؛ فلم يصغ الألمانيون لخطابه وظلوا ~~هاجمين حتى بلغوا خنادق باريس، وألقوا الحصار عليها، فترك فيكتور هوكو القلم من يده، ~~وأمسك السيف، وانتظم في سلك الجنود المحافظين من الأهالي، ودافع عن أوطانه، وتألم بآلام ~~إخوانه، ولما احتلت العساكر البروسيانية باريس هاجر منها أهلها، واتخذت الحكومة ~~الجمهورية مدينة بوردو مركزا لها عوضا عن باريس، وانتخبت أيالة السين فيكتور هوكو ~~مبعوثا لها في مجلس النواب، فلما قام يخطب عارضه أصحاب اليمين، وأكثروا اللغط، وأبوا ~~الإنصات له، فقال لهم: «منذ ثلاثة أسابيع رفض المجلس الإصغاء لغاريبالدي، واليوم يرفض ~~الإصغاء لي فأقدم استعفائي». # وغاريبالدي هو من القواد الذين حاربوا لأجل استقلال إيطاليا، وهاجم رومة العظمى ~~وانتزعها من يد البابا، وسلمها إلى ملك إيطاليا ليتخذها عاصمة للملك، فلما انتشبت الحرب ~~بين فرنسا، وبروسيا دخل متطوعا في العسكر الفرنساوي، ودافع عن فرنسا أشد المدافعة، ~~فانتخب مبعوثا في مجلس النواب مع كونه طلياني الأصل، وكانت الأكثرية في المجلس من حزب ~~الملوكيين والرهبانيين فاتهموه بالكفر والإلحاد لتجاوزه على رومة، ونزعه سلطة البابا ~~منها؛ ولذا لم يصغوا لكلامه. # وفي ذاك التاريخ أعيد طبع كتاب «القصاص» نكالا من حزب الإمبراطورية، وكان يباع ~~بالمائة ألف نسخة معا، ولما كان ابن فيكتور هوكو المسمى شارل في بوردو دخل عند صاحبة ~~له يقضي ليلته، فتوفي فجأة في فراشها وحزن أبوه حزنا شديدا، فجاء بجثته إلى باريس، ~~ودفنها يوم ms019 حدوث ثورة الكومين، وانعطف بالحنو والرأفة على ولديه الأصغرين وهما جورج ~~وجان، وبالغ في دلالهما حتى أثر هذا الدلال في أخلاقهما، وأصبحت جان لا تستطيع معاشرة ~~زوجها حتى طلقها لشدة ميلها إلى اللهو والخلاعة، وبعد وفاة شارل تزوج الموسيو لوقروا ~~بزوجته لتربية الولدين لإحياء بيت فيكتور هوكو، فتبناه الشاعر وأحبه حبا ~~شديدا. # ولزم فيكتور هوكو الحيادة في المسائل السياسية لحزنه على ولده، وفلذة كبده. غير أنه ~~لم يطق الصبر على ما شاهده من فظائع الرعاع، فلامهم على قلبهم العمود المنصوب لنابوليون ~~الأول، كما لام حكومة فرسايل على إطلاقها القنابل على قنطرة النصر المنصوبة له، وبرأ ~~نابوليون الأول مما جناه ابن أخيه على البلاد من الحرب التي جلبت عليهم الويل والدمار، ~~وذهب هوكو في أثناء تلك المعامع إلى بروكسل وإلى لوندره، ونشر كتابه المعنون «بألسنة ~~المهولة» وشدد فيه النكير على دخول الأجانب لفرنسا، وعلى الفظائع التي أجراها الرعاع ~~والسفلة وهم الكومين. # ثم عاد فيكتور هوكو لباريس وأنشأ فيها جريدة سماها «الشعب الحاكم»، وجعل ثمنها خمسة ~~سنتيمات لكل نسخة ليتمكن الفقراء من مطالعتها، ولم يهدأ بال الشاعر برجوعه لأوطانه، ~~واجتماعه على أحبائه وخلانه إلا وأصيب بموت ابنه الثاني فرانسوا، فصبر على مصائب ~~العمر ونكبات الزمان، وسلم الأمر لله؛ لأنه كان من الموحدين، وعكف على النظم والنثر ~~فنشر سنة 1874 قصة عنوانها «ثلاث وتسعون»، وتكلم فيها عن الانقلاب الفرنساوي الكبير، ~~وفي سنة 1875 انتخب فيكتور هوكو عضوا لمجلس الأعيان (سينا)، فجلس في نهاية أصحاب ~~الشمال، ولم يتكلم في المجلس إلا قليلا مثل طلبه العفو عن مجرمي الكومين؛ والكومين هم ~~القوة المحزبة، أو الإدارة العرفية التي تتشكل في العاصمة وتحدث انقلاب الدولة، ويحصل ~~بسبب ذلك من تعدي الرعاع وتسلط السفلة ما تقشعر من سماعه الجلود، وقد تأسست هذه الإدارة ~~المرهبة في باريس مرتين إحداهما سنة 1792 والأخرى سنة 1871، واستمرت هذه السنة من 18 ~~مارس إلى غاية مايو، وجرى في أثناء ذلك كثير من التعديات والمظالم، فكان فيكتور هو يشير ~~في المجلس بالعفو عما مضى ms020 ولم يظهر له اقتدار كبير في السياسة، ولا في فن الخطابة مثل ~~غامبتا وأمثاله من فحول السياسيين، وإنما صرف كل قواه في الاشتغال بعلوم الأدب ~~والتاريخ، ونشر «الأقوال والأعمال»، و«أولادي»، و«معرفة ما يكون به الإنسان ~~جدا». # وفي سنة 1877 نشر القسم الثاني من «سير الدهور»، و«الأملاك العمومية التي تدفع ~~الرسوم»، ونشر من سنة 78 إلى سنة 1881 أربع منظومات فلسفية وهي «البابا»، و«الرحمة ~~العالية»، و«الأديان والدين»، و«الحمار». # وحاز في شيخوخته احتراما كبيرا وثروة عظيمة زادت على ثلاثة ملايين فرنك، ولما بلغ ~~الثمانين من عمره احتفل به أهالي باريس احتفالا عظيما، وزينت له المدينة في 26 شباط ~~سنة 1881، ووفد عليه المهنئون من جميع الولايات والنواحي، وأكثر الممالك الأجنبية ~~فاستقبلهم وهو واقف بين حفيده جورج وحفيدته جان وكان مغرما في حبهما، وفي حب جميع ~~الأطفال، وقد خصهم بالذكر في أشعاره وتغزل بهم؛ ولذا كان في جملة الوفود المهنئين وفد ~~من أجمل الأطفال الصغار يحملون له باقات الأزهار، ولم يبق أحد في باريس إلا ومر ~~ببابه، وصاح جمهورهم بالدعاء له فوقف في نافذته وحياهم كما يحيي الملك شعبه، ودموعه ~~تذرف من شدة التأثر والإشفاق، وكان مشاهير الرجال وأمراء الناس وأعيانهم كلما جاءوا ~~باريس زاروه في داره وحضروا مجلسه، وكان في جملة من زاره إمبراطور البرازيل، فكان ~~الاحتفال ببلوغه الثمانين من أجمل الاحتفالات التي لم يسبق مثلها إلا للشاعر الفيلسوف ~~فولتير قبل موته بقليل. # ونشر فيكتور هوكو في آخر أيامه منظومة طويلة سماها «رياح العقل الأربع»، ورواية ~~«توركماده»، والقسم الثالث من «سير الدهور»، و«أرخبيل بحر المانش»، وغير ذلك من الآثار ~~التي نشرت بعد وفاته، وسيأتي وصفها في أواخر هذا الكتاب. # ولما توفي فيكتور هوكو سنة 1885 لبست باريس عليه أثواب الحداد، والتبس فيها الأمر على ~~الغرباء حتى لم يعلموا هل القوم في مأتم عظيم أم في عيد كبير، وجيء بجثته فوضعت في ~~تابوت عال تحت قنطرة النصر بعد أن كسيت بالسواد، وزينت بالأزهار والرياحين، واصطف ~~الشعراء حولها صفوفا، واحتاط بهم الفرسان يحملون بأيديهم المشاعل، ms021 وسهروا عليه طول ~~ليلتهم والناس يمرون أمام تابوته أفواجا أفواجا، ولما أصبح الصباح اجتمعت الجموع، ~~وزينت الصفوف، وكانت أكثر المدن الفرنساوية والممالك الأجنبية قد بعثت بالوفود ~~والأكاليل، فحملوا الجنازة من تحت قنطرة النصر إلى البانتيون ، وصار له مشهد لم يسبق ~~لشاعر قبله ولا لفولتير، وكانت وصية هوكو أن لا يحضر جنازته راهب ولا أحد من الأكليروس ~~وأن يدفن كالفقراء؛ ولذا كانت العربة التي حملوه عليها من عربات الفقراء لا تناسب دبدبة ~~هذا الاحتفال، ولم يجر له احتفال ديني بل كان الاحتفال بجنازته أهليا. ا.ه. # | فيكتور هوكو: علم الأدب عند الإفرنج والعرب # أدب كل لسان ما حصل فيه الإجادة من الكلام المنظوم والمنثور، ويشتمل على فنون الشعر ~~والأغاني، والروايات والقصص، وضروب الأمثال والحكم والنوادر، والحكايات والمقامات، والتاريخ ~~والسياسة والرحلة وغير ذلك. وقد جمع نخبة من كلام العرب المتقدمين كتاب مجاني الأدب المطبوع ~~في بيروت، والأصل في الكلام للمعاني لا للألفاظ؛ لأن اللفظ قالب أو ظرف للمعنى يتخذه ~~المتكلم أو الكاتب لسبك ما يصوره في نفسه، ويشكله في قلبه من المعاني فينقل بذلك مقصوده ~~للسامع، أو القارئ حتى يعلمه كأنه يشاهده، قال الشاعر: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما # جعل اللسان على الفؤاد دليلا # فالاقتدار على الإبانة عن المعاني الكامنة في النفوس يسمى «الفصاحة» و«البيان»؛ لأن ~~المتكلم يفصح عما في ضميره ويبينه بكلمات عذبة سلسة، وبعبارات جلية خفيفة على القلب ~~واللسان، فالمتكلم على هذا النسق «فصيح» وكلامه ملفوظا كان أو مكتوبا «كلام فصيح»، وحيث ~~كان المعنى سابقا للفظ وجب أن تكون الألفاظ تابعة للمعاني وخادمة لها، وليس المعنى تابعا ~~للفظ كما حكي عن بعض الأمراء أنه ولى أحدهم قضاء «قم»، وهي من مدن العراق العجمي بين ~~طهران، وكاشان ثم كتب إليه بلا سبب موجب: «أيها القاضي بقم قد عزلناك فقم» يعني بلفظ «قم». ~~فقال القاضي: والله ما عزلني إلا محبة الأمير في التزام السجع. # فيكتور هوكو. # ولا يكمل علم الأدب للمتبحر فيه إلا بعد أن ينظر في أدب الأمم المتمدنة، ولو نظرة ~~عامة ms022 يطلع بها على مجمل تاريخ أدبهم، وعلى بعض ما ترجم من مؤلفات المشاهير من كتبهم، فيقف ~~على ما عندهم من سعة الفكر، وسمو الإدراك وبلاغة المعاني، ويعرف أساليبهم في النظم والنثر ~~وتصرفهم في الكلام، ويميز بين طرق المتقدمين والمتأخرين منهم. # فإذا أحاط علمه بذلك فهم الغرض الذي يتطلبه أئمة البلاغة من أي لسان وملة، ورأى الهدف ~~الذي يروم كل منهم إصابته، فيصوب نحوه القلم عسى أن يكون له مع الخواطئ سهم صائب؛ لأن ~~البلاغة لا تختص باللسان العربي وحده، وكلما ارتقت الأمة في سلم الحضارة كان لسانها أبلغ ~~وأدبها أوسع وأكمل لتهافت أدبائها على تنميق الكلام، وتهذيب مناحيه وفنونه؛ فيدركون ~~بالتدريج حقائق المعاني التي ربما استعملها آباؤهم وأجدادهم في غير مواضعها بسبب الجهل ~~الناشئ من ضيق العمران، وقلة العلوم، ويفرغون ما أوجدوه وما أصلحوه من المعاني في قوالب ~~تناسبها من الألفاظ والتراكيب، «فالبلاغة» هي مطابقة اللفظ للمعنى من جميع وجوهه بخواص تقع ~~للتراكيب في إفادة المعنى المقصود الذي يقتضيه الحال والمقام، وفي المثل لكل مقام مقال، ~~سواء كان المقال؛ أي اللفظ عربيا فصيحا بإعراب، أو حضريا بلا إعراب، أو أعجميا بأن ~~كان عثمانيا، # 1 # أو إنكليزيا، أو فرنساويا، أو فارسيا، أو غير ذلك، فالمتكلم بلسان العرب ~~والبليغ فيه يتحرى التركيب المفيد لمقصوده على أساليب العرب وأنحاء مخاطباتهم، وينظم الكلام ~~على ذلك الوجه قدر ما يتيسر له، فإذا لازم قراءة الطبقة العالية من كلام العرب الأقدمين ~~حصلت له ملكة فيه، وسهل عليه التركيب على أسلوبهم حتى لا يكاد ينحو فيه غير منحى البلاغة ~~التي للعرب، وإن سمع تركيبا غير جار على ذلك المنحى نبا عنه سمعه، وإذا كثر اشتغاله ~~بالترجمة والكتب المترجمة كانت أساليبه أعجمية مع بقاء الألفاظ في كلامه عربية، كما يتضح ~~لمن أمعن النظر في رسائل ابن رشد المطبوعة في أوروبا، ومنها ما طبع في مصر، وفي رسائل غيره ~~من فلاسفة الإسلام وأهل المنطق، فإنه يرى فيها الأساليب الأعجمية واللهجة التي لم يلهجها ~~أدباء الجاهلية. # وامتاز لسان العرب وخصوصا ms023 لغة مضر بخاصتين: الأولى تشمل حركات الإعراب في أواخر الكلم، ~~وكيفية تركيب الألفاظ، فالحركات هي التي تدل في لغة مضر على تعيين الفاعل أو المفعول، وأما ~~في غيرها من لغة الحضر وبقية اللغات، فيدل على ذلك التقديم والتأخير، أو القرائن المبنية ~~لخصوصيات المقاصد، وخواص التركيب هي التي تدل في لغة مضر على ما تقتضيه الأحوال من التأكيد، ~~والتعريف، والتنكير مثل تقديم لفظ، أو تأخيره لوصف المعنى وتكييفه، ومثل زيادة حرف أو ~~تنقيصه لزيادة شيء في المعنى الأصلي؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى كقولنا: زيد ~~قائم، وإن زيدا قائم، وإن زيدا لقائم، وفي القرآن الكريم حكاية عن الرسل قولهم في المرة ~~الأولى: «إنا إليكم مرسلون»، وفي المرة الثانية «ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون»، فالألفاظ ~~بأعيانها تدل على المعاني بأعيانها في كل لسان، وخواص التركيب في لغة مضر من تقديم وتأخير، ~~وزيادة حرف تدل على الأحوال المكتنفة بذلك المعنى. # وأما في لغة الحضر وفي الألسن الأعجمية فأكثر ما يدل على هذه الأحوال بألفاظ وكلمات ~~مخصوصة؛ ولذا كان الكلام العربي أوجز، وأقل ألفاظا وعبارة من غيره؛ ولهذا أشار نبينا محمد ~~- عليه السلام - بقوله: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا.» على أن بقية ~~الألسن لم تخل بالكلية من هذه الخاصة الأولى للسان مضر، وحركات الإعراب موجود منها في ~~اللسان العثماني تقول: «زيد كلدي» بسكون آخر زيد ومعناه: جاء زيد، و«زيدي جلب ايتدم» بكسر ~~آخر زيد ومعناه جلبت زيدا، وإن لم يكسر آخر زيد لا يستقيم المعنى. # وأما في لغات أوروبا فالإعراب من خصائص اللغتين اليونانية، واللاتينية، واللغة الألمانية، ~~غير أن هذه الخاصة ربما كانت في لسان مضر أكثر وأعرف وأثبت، وإذا لم يراع الإنسان هذه ~~الخاصة في اللسان الذي يتكلمه وقع له ما وقع للوليد مع الأعرابي، وذلك أن الوليد بن عبد ~~الملك بن مروان كان لحانا، وكان أبوه عبد الملك فصيحا فعرف بلحن ابنه، وقال له: إنك يا ~~بني لا تصلح للولاية على العرب وأنت تلحن، وجعله في بيت وجعل ms024 معه من يعلمه الإعراب، فمكث ~~كذلك مدة ثم خرج وهو أجهل مما دخل، فلما بويع الوليد وجلس على كرسي الخلافة دخل عليه أعرابي ~~يشكو صهرا له. # فقال الوليد: ما شانك؟ (بفتح النون). # فقال الأعرابي: أعوذ بالله من الشين. # فقال سليمان بن عبد الملك: أمير المؤمنين يقول لك: ما شأنك (بضم النون). # فقال الأعرابي: ختني ظلمني. # فقال الوليد: من ختنك؟ (بفتح النون). # فقال الأعرابي: إنما ختنني الحجام ولست أريد هذا. # فقال سليمان بن عبد الملك: أمير المؤمنين يقول: من ختنك (بالضم). # فقال: هذا، وأشار إلى خصمه. # والخاصة الثانية هي ما في لسان مضر من الاستعارات، والتشبيهات، والمجازات، وأنواع البديع ~~من الكلام، وورد أحسنه في القرآن الكريم مثل: «اشتعل الرأس شيبا»، ومنه في الشعر كقول ابن ~~المعتز: «والشمس كالمرآة في كف الأشل»، فجميع ذلك أتم وأكمل في لسان العرب. ويعدون من ~~الكلام البديع لفيكتور هوكو تشبيهه موج البحر بقطيع الغنم وقوله: غنم البحر، وقول كمال بك ~~إمام الأدب في اللسان العثماني: «برق الحقيقة يلمع من تصادم الأفكار»، فهذه البلاغة والبيان ~~ديدن العرب، وفي كلامهم كثير من البديع أتوا به بغير تكلف ولا تعمل، وبعضهم تصنع له وتكلف ~~ظنا بأنه أساس البلاغة، والمقصود منها بالذات فملأوا بالبديع والاستعارات النظم والنثر، ~~وصرفوا الذهن وأجهدوا العقل حتى قالوا: # مودته تدوم لكل هول # وهل كل مودته تدوم # وتغافلوا عن إيضاح معنى المودة، وهو من المعاني الكلية الجليلة التي أوضحها أدباء ~~اليونان، والرومان، والإفرنج فيما ألفوه من الروايات المضحكة، أو الفاجعة وعرضوه في ~~المراسح على أنظار الجمهور فقدره الخواص حق قدره، واستفاد منه العوام. # على أن تلك الحسنات البديعة والخصائص اللسانية؛ وإن كان لها تأثير عظيم على النفس، فهي لم ~~تزل في نظر العقلاء كالحلي والمصوغ للعروس، فالعاقل يجتهد بأن تكون عروسه من ربات الجمال ~~والدلال والأدب والكمال، فإن وجد معها شيء من الحلي فنعم، وإلا فالمقصود منها هو نفسها ~~وذاتها، فهي الضالة التي ننشدها ونأتي بها ولو من جبال القوقاس فنعلمها لساننا، ونلبسها ما ~~عندنا من ms025 اللباس، ونتمتع بها فهذا أولى من إلباس الجارية السوداء الحلي والحلل، وصرف النقد ~~والوقت في تزيينها، وللناس فيما يعشقون مذاهب. # فالتكلف في زماننا لتقليد الإنشاء العالي، ونظم قصيدة ثامنة للمعلقات السبع، أو سجع ~~مقامات ثالثة لمقامات الحريري، والهمذاني ليس فيه كبير فائدة ما دام الأصل في الكلام ~~للمعاني والمقصود من المعاني إظهار أسرار هذا الكون الذي نصبح فيه، ونمسي ونحن غافلون عن ~~كثير من حقائقه، ولا ندري بأية عبارة نترجم عنها، ولا كيف نوضح شعورنا وإحساسنا بهذا الوسط ~~الذي نحن فيه وهو سجن لنا، والدنيا سجن المؤمن. فهذه المعاني البليغة العالية ينبغي لأدباء ~~العصر سبكها في السهل الممتنع من الكلام الفصيح بغير تهافت منهم على الكلمات اللغوية، ~~والمحسنات اللفظية من جناس وطباق، وقراءة الكلام طردا وعكسا، وأمثال ذلك مما يعده العقلاء ~~من الملاعب الصبيانية إذ ليس هذا غاية الأدب والغرض منه. # وخير اللفظ ما جاء بالطبع والبداهة بلا تكلف، ولا تحر في القواميس والمنشآت، فخطبة ناظر ~~المعارف الفرنساوية الذي تلاها بمناسبة يوبيل الكيماوي برتلو هي نموذج في بلاغة المعاني ~~لمطابقتها لمقتضى الحال، وإيجاب المصلحة وهي من أحسن ما يقال في مثل تلك الجلسة، وفي مناسبة ~~ذاك الاجتماع، غير أن ذوقنا ربما يمجها لركاكة الترجمة، فإن الألفاظ وإن كانت عربية فتركيب ~~هذه الألفاظ بعضها مع بعض لم يجر على أسلوب قس بن ساعدة، أو سحبان وائل، ولا على طريقة ~~الجاحظ إمام الأدب، ولا يشبه رسائل عبد الحميد، أو ابن العميد اللذين قال فيهما الثعالبي: ~~«فتحت الرسائل بعبد الحميد، وختمت بابن العميد»، بل جرى تركيب ألفاظ تلك الخطبة على أسلوب ~~الفرنساوي المترجمة عنه، فأكثر الألفاظ في موضوعاتها التي وضعها فيه العرب الأولون. # والركاكة بالنظر إلى التراكيب؛ وربما كانت بالنظر إلى بعض المفردات أيضا؛ لأن مفردات ~~ألفاظها لم تنتخب من القاموس المحيط ببلاغة هذا اللسان كالذي ألفه الزمخشري، وسماه أساس ~~البلاغة، وطبع بمصر. # ثم هناك أسباب أخرى أيضا تحول بيننا وبين إدراك بلاغة تلك الخطبة، وهي عدم وقوفنا على ~~دقائق تاريخ القوم، وعلى ms026 مزايا لغتهم وتعبيراتهم، وفقداننا الملكة في هذا الأسلوب من ~~الخطابة؛ ولذا ينبو سمعنا عما لم يأت على أساليب بلغاء العرب، وعما لم يحرر على وفق ~~مذاهبهم في فنون الأدب، حيث لكل قوم منهج معروف ومسلك مألوف، بل كل إمام في الأدب من أية ~~أمة كان يذهب فيه مذهبا جديدا، ويستخلص لنفسه طريقة مخصوصة يخالف فيها طرق المتقدمين ~~ومذاهبهم؛ ولذا فأهل الذوق في الكلام إذا عرض عليهم شيء منه قالوا: هو على طريقة فلان ~~وأسلوب فلان، وهو من إنشاء فلان دون فلان، كما لو عرضت خمر من خمور بوردو على أهل الذوق ~~المشهورين باسم «ديكوستاتور» لقبض الواحد منهم بكفه على الزجاجة حتى إذا سخنت بحرارة اليد، ~~وفاح منها الشذا المعروف عندهم باسم «بوكه» هزها، ونظر فيها فإذا الخمر في الزجاجة ياقوتة ~~سيالة، ثم جرع منها جرعة ذاقها بطرف لسانه، وقال: لك هي من كرم «شاتولافيت» أو «شاتولاتور» ~~أو «شاتومارغو»، وفي هذه الثلاثة انحصرت الطبقة العليا من طبقات الخمر المعصور بأرض ~~«ميدوق»، واتفق أهل الذوق، والطب على أنها من أطيب البقاع وأبركها لإنبات هذا الشراب الذي ~~فيه منافع للناس وإثمه أكبر من نفعه؛ لأنه من جهة ترياق نافع، ومن أخرى سم ضار. ~~••• # والشعر كالنثر لا يختص بلسان العرب فقط، بل يوجد في كل لسان من ألسن الأمم المتمدنة، ~~والهمجية فإن لأهالي أفريقيا أشعارا يمدحون بها على آلات طربهم ويرقصون على أنغامها. وكان ~~في الأمم السالفة شعراء مجيدون مثل فياسه صاحب ديوان ماهابهاراته، ومثل فالميكي صاحب ديوان ~~رامايانه وهما من شعراء الهند وكهنتها نظما الديوانين المذكورين باللسان السانسكريتي قبل ~~الميلاد بقرون كثيرة، وترجمهما العلماء في زماننا إلى أكثر اللغات الأوروبية، فوجدوا ~~أشعارهما حماسية دينية، وفي الديوان الأول نحو مائتي ألف بيت أو قطعة، وهما عند الهنود ~~بمثابة ما عند اليونان من الإيلياذة والأوديسة نظم هوميروس الشاعر الشهير. ولعل البستاني ~~يتحفنا بنشر ما جناه من أدبه، # 2 # فإن هوميروس شيخ الشعراء بأجمعهم. ومثل شعراء الروم الذين كانوا في ~~القسطنطينية، وما حولها من أرض الروم ms027 قبل أن يفتحها الفاتح. وشعراء الرومان اللاتينيين، ~~وشعراء الفرس وإمامهم الحسن بن إسحاق الفردوسي ناظم الشهنامه في القرن الرابع للهجرة، وهو ~~عند العجم كهوميروس عند اليونان، وفرجيل عند الرومان، ودانتي عند الطليان، وميلتون عند ~~الإنكليز. وتشتمل الشهنامه على تاريخ أكاسرة الفرس وأخبارهم، وقد طبعت مرارا في الفارسية ~~وترجمت للإنكليزية والفرنساوية، وترجمها نثرا للعربية الفتح بن علي البنداري الأصبهاني، ~~وقدمها لخزانة أحد الملوك الأيوبية. # ذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين «أن الفارسي سئل فقيل له: ما البلاغة؟ فقال: معرفة ~~الفصل من الوصل، # 3 # وسئل اليوناني عنها فقال: تصحيح الأقسام واختيار الكلام، وسئل الرومي عنها، ~~فقال: حسن الاقتضاب عند البداهة والغزارة يوم الإطالة، وسئل الهندي عنها، فقال: وضوح ~~الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة، وقال مرة: التماس حسن الموقع، والمعرفة بساحات ~~القول.» # وفي الأمم الأوروبية، والأميركية اليوم شعراء أعلى طبقة، وأبلغ كلاما ممن تقدمهم من ~~شعراء الأمم السالفة. وموازين الشعر في جميع اللغات على نسبة واحدة في أعداد المتحركات ~~والسواكن، والشعر الفرنساوي تبنى أعاريضه على عدد الهجاء، فالبحر الإسكندري (ألكساندرين) ~~على اثني عشر هجاء في الأصل، والروي أي: القافية - وهو الحرف الأخير من كل بيت - موجود في ~~لسان العرب وفي ألسن غيرهم، ولكن الفرنساويين قبل اختلاطهم بعرب الأندلس لم يكن لأشعارهم ~~روي ولا قواف، فأخذوا عن جيرانهم الأندلسيين علم القوافي كما سيجيء تفصيله. فقبل الشروع في ~~بيان الطريقة التي سلكها فيكتور هوكو في علم الأدب، وشرح أساليبه في النظم والنثر، وفي ~~تصوير القصص والروايات نذكر شيئا من أخبار العرب ليتبين لنا التأثير الذي أثره أدبهم على ~~أشعار الإفرنج وقوافيهم بوجه العموم، وعلى فيكتور هوكو بوجه الخصوص؛ لأن هذا الشاعر الحكيم ~~نفح بنفحة من النفس الأندلسي، واغتذى بلبان من ارتضع قديما ثدي الأدب العربي، وبيان ذلك ~~أن مدينة بيزانسون التي ولد فيها فيكتور هوكو دخلت في حوزة الإسلام، حينما قطع أهله جبال ~~البيرينة، وأغاروا على مملكة أكيتانيا، وليون وفتحوا ما في شمالها من المدن مثل ماقون، ~~وديجون، ثم دخلت بيزانسون في طاعة شارلكان صاحب ms028 الوقائع الشهيرة مع فرانسوا الأول ملك ~~الفرنساويين، ومع معاهده وحاميه السلطان سليمان القانوني، وذلك في القرن السادس عشر ~~للميلاد، فنقل الإمبراطور شارلكان عائلات كثيرة من الإسبان وأنزلهم بيزانسون، فاستمروا ~~زمنا طويلا وامتزجوا بأهلها، ولم يزل لأهل بيزانسون شبه بالإسبان في ملامح الوجوه وفي ~~اللهجة، وفي كثير من الكلمات والتعبيرات مع أن مدينتهم لا تبعد عن باريس أكثر من أربعمائة ~~كيلومتر، وقد أشار فيكتور هوكو إلى ذلك في القصيدة الأولى من ديوان أوراق الخريف، ووصف ~~بيزانسون بالمدينة القديمة الإسبانية فذهبت مثلا، وصار الكتاب لا يفترون عن وصفها بهذا ~~الوصف، وعلاقة الإسبان بالعرب وباللسان العربي معلومة لا تحتاج إلى إيضاح. ~~••• # أما العرب فلو نظرنا إلى تاريخ أدبهم لوجدنا في مقدمته أشعار الحماسة كما نجد ذلك عند ~~بقية الأمم كالفرنساويين مثلا، فإن النظم في لسان أدبهم دون قبل النثر؛ لأن النظم يحصل ~~التأنق في تأليفه والعناية في جمعه فيضم أطراف الكلام وحواشيه، ويكون في بادئ الأمر أبلغ ~~مما عاصره من النثر فيحفظ في الصدور ويتداول على الألسنة، ثم تزيد العناية به فيدون بالنقش، ~~أو الكتابة ويعلق على الجدران.وهذا معنى قولهم: النظم في تاريخ لأدب سابق للنثر. # وإلا فأول ما يبدأ من الكلام بالنثر لقرب تناوله وسهولة استعماله، ذكر الباقلاني في ~~إعجاز القرآن المطبوع في مصر أن العرب بدءوا بالنثر وتوصلوا منه إلى الشعر، وكان عثورهم ~~عليه في الأصل بالاتفاق غير مقصود إليه، فلما استحسنوه واستطابوه ورأوا الأسماع تألفه ~~والنفوس تقبله؛ تتبعوه وتعلموه وتكلفوا له، فنبغ فيهم الشعراء وأقبل الناس رجالا ونساء على ~~حفظ أشعارهم ورواية أخبارهم، والتفاخر بإنشاد القصائد الكثيرة في المواضيع المختلفة، ~~والاستشهاد بكل بيت من أبياتها عند الحاجة، فجعلوا الشعر من بين الكلام ديوان علومهم ~~وأخبارهم وحكمهم، وشاهد صوابهم وخطائهم، وأنزلوا الشاعر البليغ منزلة الإمام العالم الذي ~~يهتدى بنبراس قريحته، ويفزع لرأيه في مشاكل الأقضية ومعضلات الأمور، فكانت كلمة الشاعر هي ~~الكلمة العليا، وقوله: أمضى من السيف، وأحد من السنان وحكمه نافذ كحكم الشرع في ~~القضاء. # وربما رفع الشاعر بالبيت الواحد ms029 عز القبيلة أو هدمه، كما وقع لشاعر قبيلة أنف الناقة بعد ~~أن كان اسمها مجلبة للعار بين القبائل. وكان السجع من الكلام يجري على ألسنة الكهان، ~~والحكماء، والعرافين، وأهل الزحر # 4 # والفال، وأنواع الحكم والطب مثل شق، وسطيح، وحنظلة بن صفوان كاهن حمير، وخالد ~~بن سنان العبسي الذي قالت ابنته حينما سمعت قراءة # قل هو الله ~~أحد ~~: كان أبي يقرأ مثل هذا، وأمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان افتتاح كلامه ~~«باسمك اللهم» وقس بن ساعدة ورباح بن عجلة عراف اليمامة والأبلق الأسدي عراف نجد ~~وغيرهم. # غير أن تاريخ أدب العرب قبل الإسلام لم يزل في حيز الخفاء؛ لعدم تمكن العلماء من درس ~~اللغات، أو اللهجات العربية السابقة على لغة مضر كلغة حمير مثلا، فإنه لم يشتهر عندنا من ~~قواعدها أكثر من حديث «ليس من امبر امصيام في امسفر» حيث استعمل فيه (ام) عوضا عن (ال) ~~التعريف، ولا يكشف الغطاء عن هذا القسم من تاريخ الأدب إلا بعد استخراج ما في أرض اليمن من ~~الألواح التي تدعى بالمسند الحميري، وما في خرائب مدائن صالح، وأرض الحيرة وسائر جزيرة ~~العرب من الآثار القديمة العادية التي كان لأصحابها نصيب من الحضارة، وكان لأدبهم تأثير على ~~أدب مضر. # وقد تفرغ نخبة من مستشرقي الإفرنج للبحث عن تلك المستندات والآثار القديمة العربية؛ ~~ولعل التشبث بإتمام السكة الحديدية الحجازية يسهل لهم هذا البحث، فممن عرفت من أولئك ~~المستشرقين إيدوارد غلازر من الألمانيين، وكان أطلعني ونحن في الأستانة على ما اكتشفه من ~~المسند الحميري وجاء به من أرض اليمن، والمسند لوح من الحجر عليه كتابة بأحرف مقطعة قائمة ~~الزوايا وبعضها مدور كالدائرة، وحدثني هذا المستشرق الفاضل عن رحلته في جزيرة العرب، وهو ~~يتكلم العربية بلهجة يمانية بدوية. # وفي سنة 1895 نشر في ميونيخ كتابا بالألمانية عن مأرب، وحمير، والحبشة، ثم نشر كتابا ~~آخر في برلين وقدمه لمؤتمر المستشرقين الحادي عشر المنعقد في باريس سنة 1897، ولما أتيت هذه ~~المدينة حضرت الأستاذ هارتويغ ديرنبورغ في الصوربون، وهو يلقي دروسه ms030 في اللغة الحميرية، ~~ويفسر المسندات ويترجمها للفرنساوية، وله رسالة ترجم فيها ما في متحف اللوفر من آثار حمير ~~وسبأ، ومن المشتغلين باللسان الحميري هاليفي الفرنساوي مدرس اللغة الحبشية في الصوربون، وله ~~مقالات في المجلة السامية بحث فيها عن اتفاق الحبشة مع أهل سبأ على أهل حمير النازلين في ~~شرقي حضرموت. # وللعلماء اشتغال بهذه اللغة في إنكلترة وإيطاليا أيضا؛ لاهتمام الأولى بجمع ما يتعلق ~~بالعالم الإسلامي والعربي، ولمناسبة بين الثانية وبين الحبشة واختلاط تاريخ الحبشة بتاريخ ~~حمير، إلا أن هذا العلم لم يزل في النشأة الأولى محتاجا للتدقيق، والتمحيص حتى يتيسر ~~للعلماء أن يوضحوا لنا كيف كان اللسان الحميري مع اللسان المضري، فإن ابن خلدون يقول في ~~مقدمته: «ولقد كان اللسان المضري مع اللسان الحميري بمثابة ما هو اليوم اللسان المضري مع ~~لغة العرب لهذا العهد - وهي التي بدون إعراب، فقد منها دلالة الحركات على تعيين الفاعل من ~~المفعول وعوض عنها بالتقديم والتأخير، وبقرائن تدل على خصوصيات المقاصد - وتغيرت عند مضر ~~كثير من موضوعات اللسان الحميري، وتصاريف كلماته. تشهد بذلك الأنقال الموجودة لدينا خلافا ~~لمن يحمله القصور على أنها لغة واحدة، ويلتمس إجراء اللغة الحميرية على مقايس اللغة المضرية ~~وقوانينها، كما يزعم بعضهم في اشتقاق القيل في اللسان الحميري أنه من القول، وكثير من أشباه ~~هذا وليس ذلك بصحيح، ولغة حمير لغة أخرى مغايرة للغة مضر في الكثير من أوضاعها، وتصاريفها ~~وحركات إعرابها كما هي لغة العرب لعهدنا مع لغة مضر، إلا أن العناية بلسان مضر من أجل ~~الشريعة؛ أي القرآن والسنة حمل ذلك على الاستنباط والاستقراء، ولعلنا لو اعتنينا بهذا ~~اللسان العربي لهذا العهد واستقرينا أحكامه نعتاض عن الحركات الإعرابية في دلالتها بأمور ~~أخرى موجودة فيه، فتكون لها قوانين تخصها، ولعلها تكون في أواخره على غير المنهاج الأول في ~~لغة مضر.» ا.ه. # فأخذ ذلك المستشرقون من الإفرنج واعتنى بعضهم بتدوين اللسان العامي واستقراء أحكامه، كما ~~فعل موسيو هوداس الفرنساوي في لغة الجزائر العربية ونشر فيها كتابا، ولم يزل يدرسها في ms031 ~~مدرسة الألسن الشرقية في باريس، كما تدرس أيضا في مدرسة المستعمرات وفي المدارس العسكرية ~~بباريس وغيرها، ولهم في ذلك مآرب سياسية لا نخوض فيها، إلا أن تدوين اللغات العامية - ~~بالنظر إلى انتشار العلم وتوسع الحضارة - له محاذير كثيرة وموجب للتفرقة، ونصب الحواجز بين ~~أمم هذا العالم العظيم الممتد من المحيط الغربي إلى بلاد العجم والهند، والعلماء في عصرنا ~~يجتهدون في إزالة الموانع التي استلزمها تباين اللغات بين الأمم ويسعون في إيجاد لغة عامة ~~لعموم بني البشر، وفي جميع أفراد الإنسان على لسان واحد، فكيف يجوز حينئذ تفريق لسان أمة ~~كبيرة إلى ألسنة همجية عامية ووضع لسان مخصوص لكل من الجزائر، وتونس، ومصر، وسوريا، وبغداد، ~~والموصل، والزنجبار، والهنزوان، ثم لمراكش وغيرها من المتكلمين بلسان جزيرة العرب، وتدوين ~~كل واحد من هذه الألسن التي يراد وضعها كما تدون الألسن الجديدة الهمجية مثل لسان حوصه ~~وغيره من لغات أفريقيا. # وإنا نجد اللغة الفرنساوية على ما فيها من التباين بين ما يتكلمه سكان المدن، وما يتكلمه ~~أهل القرى وعدم فهم الباريزي ألسن الباتوا التي يتكلمها القاطنون في جبال البيرينة، ~~وأوفيرنيه، وفي الأيالات الغربية والجنوبية من أراضي فرنسا لم يجوزوا فيها تدوين لغة ~~الأيالة بروفانس، أو بريطانيا مثلا، ولا سمحوا بإنشاء جريدة فيهما، وانتهى بهم التعصب إلى ~~محو ما كتب بلسان الباسك، وهم سكان جبال البيرينة من جهة المحيط مع أن المتكلمين بها ~~يفتخرون بقدمهم على سائر الأمم الأوروبية، فكيف يصوغ إذن تدوين لغة الجزائر وأهلها لا ~~يتعذر عليهم فهم «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» لاستعمالهم مواد هذه الكلمات الأصلية من ~~وقوف، وبكاء، وذكر، وحب، ونزول؟ وإذا لم يفهموا ما بعد ذلك فالقصور ناشئ من الجهل ~~بالجغرافية لا بأصل اللغة التي لم يزل لهم بأصولها وموادها ملكة راسخة، فإن سقط اللوى، ~~والدخول، وحومل، وتوضح، والمقراة المذكورة في قول امرئ القيس: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # بسقط اللوى بين الدخول فحومل # فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها # لما نسجتها من جنوب وشمأل # هي أماكن معروفة ms032 عند أهل الحجاز كما أن مقرة، ومقطع الحديد من الأماكن المعروفة عند أهل ~~الجزائر لشهرتها باستخراج معدن الحديد. فبدلا من تدوين لغة الجزائر العامية كما دونت لغة ~~حوصه، ومن نشر المؤلفات والمطبوعات فيها والإجبار على تعليمها في المدارس للأطفال؛ لو سعى ~~أهل العلم وأرباب القلم في التقرب من لغة مضر المدونة، وأزالوا منها «العامية» كما أزيلت ~~«الباتوا» من اللغة الفرنساوية، وهذبوها من الجناسات والتشابيه الغامضة، واختاروا فيها ~~السهل من الألفاظ والتراكيب، وأصلحوا إملاءها وكتابة أسماء الأعلام فيها؛ لكان فعلهم على ما ~~نظن أسهل وأنجح من تدوين لسان عامي، بل ألسن همجية وإقامة الحواجز بين المتكلمين بها، مع أن ~~ازدياد وسائط النقل والمخابرة يستدعي كثرة اختلاط بعضهم ببعض. وعما قريب سيتم مد الخطوط ~~الحديدية، ويصبح السفر من مراكش إلى بغداد والهند، أو إلى الحجاز أسهل مما كان قديما بين ~~مصر القاهرة والإسكندرية، فلا يحتاج المسافر إلى استصحاب كتاب (جامع اللغات)؛ ليعلم منه ~~ألسن الجزائر، وتونس، وطرابلس، ومصر، وفلسطين، وسوريا، وبغداد، والحجاز، أما انتشار ~~المطبوعات العربية فهو آخذ بالترقي، ونجد لمطبوعات مصر رواجا في تونس والجزائر، ولا بد أن ~~تمتد يوما على عموم سكان القارة الأفريقية. # أما لغة مضر فبدون أن نقف على حقيقة الأدوار التي دارت عليها، ولا على الأطوار التي تقلبت ~~فيها نجدها في العصر السابق للإسلام على جانب من الفصاحة والبلاغة مشتملة على أنواع التشبيه ~~والاستعارة والبديع، وأكثرها حماسية وفيها من التصورات البديعية، والتخيلات الشعرية واللطف ~~والرقة والأدب؛ ما يدلنا على أن اللغة لم تكن إذ ذاك في عهد الطفولية، فإن الفرق بين أشعار ~~المعلقات، وبين أشعار «التروبادور» الفرنساوية عظيم لما في الأخيرة من الخشونة وعدم الرقة، ~~وإذا غازل شاعر الجاهلية فتاة الحي حسبته أديبا من أدباء باريس ... # ونجد للعرب قبل الإسلام أنواعا كثيرة من فنون الأدب والشعر منها القصيد، والرجز، ~~والأغاني، ومنها ما ينشد في الحرب على الدفوف، ومنها ما يحدى به للعيس أو يغنى به للرقص ~~وتسكيت الأطفال، ومنها السجع، والترسل، والخطب، والرسائل، وضروب الأمثال والحكم، والحاصل ms033 ~~كانت فنون أدبهم أتقن من معيشتهم البدوية، وكان لهم مؤتمر وأكاديمية للتفاخر باللسن ~~والفصاحة، وكانوا يقيمون لذلك المواسم والأعياد فيجتمعون أولا في سوق عكاظ، وهو واد بين ~~مكة والطائف فيه ماء وظل وخضرة فيقيمون فيه شهرا، ويذهبون منه إلى سوق مجنة ثم إلى سوق ذي ~~المجاز وهما بناحية مكة، ثم يذهبون في ذي الحجة إلى البيت الحرام موضع حجهم، فكان أدباؤهم ~~وهم ذوو الرئاسة والمكانة فيهم يتنافسون بالآداب والحكم، ويقفون بهذه الأسواق لإنشاد الشعر ~~وإلقاء الخطب، فإذا اجتمعوا بسوق عكاظ ضربت قبة لأكبر الشعراء في عصره كالنابغة الذبياني ~~الذي سمي أشعر العرب فجلس في القبة، وجاءته الشعراء كما جاءه حسان مثلا وعرضوا عليه أنفس ~~أشعارهم، وقام الحارث بن حلزة يتبختر بين الجموع بتبختر الجاهلية، ويقول: # آذنتنا ببينها أسماء # رب ناء يمل منه الثواء # بعد عهد لها ببرقة سمرا # ء فأدنى ديارها الخلصاء # حتى يأتي على آخر همزيته فيحكم في مقاله أولو الذوق الصحيح، والطبع السليم، ويميزون فيه ~~بين الغث والسمين، ويقابلونه بغيره من كلام المعلقات. ثم وقف قس بن ساعدة على بعير له أحمر، ~~وقال: «أيها الناس اجتمعوا، وإذا اجتمعتم فاسمعوا، وإذا سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فقولوا، ~~وإذا قلتم فاصدقوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت»، فيكون الناس قد اجتمعوا ~~حوله فيبدأ لهم في الخطبة بقوله: «أما بعد ... إلخ» كأنه خطيب فرنساوي بل إنكليزي يخطب في ~~هايدبارك. # وكان لكل شاعر مبلغ يبلغ عنه الجمهور وراوية يروي له الأشعار، فكانت الرواة في أيامهم ~~كالجرائد في يومنا؛ ولذا كانت الأشعار تنتشر وتشتهر في مدة قليلة بين جميع القبائل في جزيرة ~~العرب، وانتهوا في العصر السابق للهجرة إلى المناغاة في كتابة قصائدهم بالذهب، وتعليقها ~~بأركان الكعبة كما فعل أصحاب المعلقات السبع، وهم: (1) امرؤ القيس واسمه جندح بن حجر ~~الكندي، وكان أبوه يملك في جهة الحيرة على بني أسد، ويضرب المثل في شهرة معلقته، فيقال: ~~«أشهر من قفا نبك»، وله غيرها ديوان مشروح ومطبوع ومترجم إلى اللغات الأوروبية، ويقال: ms034 إن ~~أحسن ما في شعره وصفه الفرس؛ # 5 # ولذا ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب. وقيل: ~~إن امرء القيس توفي سنة 540م وكان مغرما باللهو، والزهو، والخمر، والنساء وكلامه في ~~المعلقة منادمة ومداعبة، ومدح في شعره تغلب على بكر. ~~(2) طرفة بن العبد وديوانه ترجم للفرنساوية في الصوربون، وطبعه الموسيو سليغصون # Seligsohn ~~، ومعلقته تبحث في النساء والخمر واللهو وطيب ~~العيش. ~~(3) عمرو بن كلثوم و(4) الحارث بن حلزة اليشكري من قبيلة بكر بن وائل، وله ديوان وفي ~~معلقته الهمزية، وفي معلقة عمرو المذكور خبر حرب البسوس التي وقعت بين بكر وتغلب. ~~(5) زهير بن أبي سلمى و(6) عنترة بن شداد وفي معلقتيهما ذكر حرب داحس التي وقعت بين عبس ~~وذبيان، وقصة عنتر الشهيرة المطبوعة في بيروت ومصر، ترجمها سابقا للألمانية المستشرق ~~النمساوي همر # Hammer # صاحب تاريخ الدولة العثمانية، وتاريخ ~~الأدب العثماني، وتاريخ الأدب العربي. ثم ترجم شيئا من قصة عنتر للفرنساوية مارسل ~~ديفيك # Devic # معلم العربية في كلية مون بيليه وهي من ~~أقدم مدارس الإفرنج، وكان أطباء العرب واليهود المستعربون يدرسون فيها الطب. ~~(7) لبيد بن ربيعة العامري القائل: «ألا كل شيء ما خلا الله باطل»، وفي كلامه كثير من ~~الحكم، ووصف في أشعاره أخلاق عرب البادية وأطوارهم وعوائدهم، وله غير المعلقة ديوان أشعار ~~طبع منه الجزء الأول في فينا عاصمة النمسا الشيخ يوسف ضياء الدين باشا الخالدي المقدسي سنة ~~1880، وجعل له مقدمة وشرحا فنرجو منه إتمامه. # وظهر من فطاحل الشعراء غير من ذكر النابغة الذبياني، وطبع ديوانه الأستاذ هارتولغ ديربنورغ # H. Derenbourg # سنة 1869 وفسره وحشاه، ومنهم حاتم ~~طي الشهير بالسخاء، وقد جمع أشعاره غضبان أفندي وطبعها في لوندره، وسماها ديوان حاتم طي، ~~ومنهم دريد بن الصمة، والشنفرى الأزدي، والأعشى الأكبر، وتأبط شرا وكثير غيرهم. # يحكى عن حماد الراوية أنه أنشد بحضرة الوليد من كلام الجاهلية مائة قصيدة لكل قافية من ~~قوافي الحروف العربية لا تنقص القصيدة عن عشرين بيتا، وفيها ما يربو على المائة بيت، فمهما ms035 ~~بالغ الحاكي لا تنكر كثرة ما قرض من الشعر على عهد الجاهلية، ولهم غير الشعر والرجز خطب ~~ورسائل، وكثير من ضروب الأمثال التي نقلت عنهم ودونت في المجاميع. # وسمي كلام هذه الطبقة من الأدباء «كلام الجاهلية» لجهلهم بما جاء به الإسلام، وإلا فهم ~~أئمة في الأدب يقتدى بهم؛ ولذا اتخذ من جاء بعدهم كلامهم منوالا نسجوا عليه مثله، وقالبا ~~أفرغوا فيه شبهه من الألفاظ والتراكيب، ولم يزل الأدباء على ذلك إلى يومنا هذا كما فعل ~~أصحاب «عكاظ الأدب» المطبوع في الأستانة عقب الحرب اليونانية الأخيرة. # وإذا تأملنا كلام الجاهلية نجدهم وصفوا الطبيعة أحسن وصف، وصوروها أكمل تصوير بالنسبة ~~لحالتهم البدوية، ولصحاريهم الرملية فميزوا بين أنواع الرمل، وسموا كل نوع باسم مخصوص مثل ~~«الخفف» وهو الرمل المنفرج، و«العقنقل» الرمل المنعقد الداخل بعضه في بعض، و«البطن» من ~~الأرض، و«الخبت» من الأرض، كل ذلك من أشكال الأرض المختلفة كما قال امرؤ القيس في ~~معلقته: # فقمت بها أمشي تجر وراءنا # على أثرنا أذيال مرط مرجل # فلما أجزنا ساحة الحي انتحى # بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل # والمرط نوع من أثوابهم يقال: لو شبه الترجيل حسب «مودة» ذاك الزمان، فوصفوا في هذا النمط ~~جميع ما شاهدوه في الطبيعة، ونطقوا بما شعروا به في قلوبهم ووجدوه في أنفسهم من التأثر ~~الحسي، وإن ذكروا بعيرا أو فرسا لم يتركوا شكلا إلا شرحوه شرحا مفصلا. فحيث كانت ~~الفصاحة هي الاقتدار على الإبانة عن المعاني الكامنة في النفوس كانت غاية الأديب منهم إثبات ~~اقتداره على إيراد صور مختلفة للشيء الواحد، وإظهار تعمقه في معرفة اللغة، وحسن تصرفه في ~~استعمال الكلمات المترادفة المتقاربة، وكان لهم نظر جيد في العوالم والكائنات كقول قس في ~~بعض الروايات: «ليل داج وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر وبحار تزخر، وجبال مرساة وأرض مدحاة، ~~وأنهار مجراة إلخ.» ولهم أساليب بديعة في ذكر البرق والسحاب والمطر، وسائر التغيرات الجوية، ~~وكذا في ذكر الرسوم والطلل والمنازل والروض والأشجار ومنابت العشب، إلى غير ذلك مما هو ~~مذكور في كتبهم ms036 ومعروف. # ولغزارتهم وتمكنهم من اللغة لم يكونوا يتصنعون لتأليف المحاسن البديعة في الكلام إنما ~~كانت نوابغ الكلم تتفق لهم اتفاقا، وتطرد في كلامهم اطرادا بخلاف من أتى بعدهم، فإنهم ~~صنفوا المحاسن البديعة تصنيفا وتحروا عليها، ومع ذلك فالبليغ من الكلام لم يصدر من أفواه ~~الجاهلية إلا بعد التروي، والتصنع، والتنقيح، والتهذيب وقد تعبوا وكدوا أنفسهم وجاهدوا ~~خواطرهم، وكان زهير يسمي كبير شعره الحوليات المنقحة. # وقال عدي بن الرقاع: # وقصيدة قد بت أجمع بيتها # حتى أقوم ميلها وسنادها # نظر المثقف في كعوب قناته # حتى يقيم ثقافه منآدها # وقال سويد بن كراع: # أبيت بأبواب القوافي كأنما # أصادي بها سربا من الوحش نزعا # وسموا زهيرا والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر؛ لأنهم نقحوه ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين، ~~قال الباقلاني: «وكانت العرب تعلم أولادها قول الشعر بوضع غير معقول يوضع على بعض أوزان ~~الشعر كأنه على وزن «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل»، ويسمون ذلك الوضع الميتر واشتقاقه من ~~المتر، وهو الجذب والقطع، يقال: مترت الحبل بمعنى قطعته أو جذبته»، والفرنساويون يسمون ~~العروض ميتر وميتريك ويقولون: إنه مشتق من معنى القياس باليونانية، وله دروس مخصوصة، ~~وأساتذة في الصوربون، وألف في العروض العربي المستشرق إستانسلاي كوبار معلم العربية في ~~(كلية فرنسا) عدة رسائل، واستنبط فيه قواعد جديدة نال عليها الجائزة وثناء العموم. # وعبر العرب عن قول الشعر ونظمه بالقرض، وعن الشعر بالقريض، ومعنى القرض القطع؛ لأن الشعر ~~مفصل قطعا قطعا متساوية في الوزن متحدة في الحرف الأخير من كل قطعة. وكانت عنايتهم في ~~الجاهلية مصروفة للكلام على المنظوم من شعر وسجع؛ لأن تأثيره في النفوس أشد لما يحدثه من ~~النغمة التي تطرب لها الأذن، وتلهو بها عن تمحيص الحق من الباطل في الكلام، وذلك أن الطرق ~~التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم؛ أي المسبوك تنقسم إلى أعاريض الشعر على اختلاف ~~أنواعه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع، ثم ~~إلى معدل موزون غير مسجع، ثم إلى ما يرسل إرسالا وتطلب ms037 فيه الإصابة والإفادة، وإفهام ~~المعاني على وجه بديع وترتيب لطيف، وهذا القسم الأخير شبيه بالكلام الذي لا يتعمل ولا يتصنع ~~له، بخلاف القصيد من الشعر فإنه يلتزم فيه قافية واحدة إلى آخر الكلام، ويشترط أن يكون كل ~~بيت كلاما وحده مستقلا عما قبله وما بعده، وإذا أفرد كان تاما في بابه في مدح، أو ~~غزل، أو رثاء، أو هجاء، أو حماسة، والرجز ضرب من الشعر ولو لم يلتزم فيه أن يكون على قافية ~~واحدة. # والسجع يلتزم في كل كلمتين منه قافية واحدة، ويذمون كل سجع خرج عن اعتدال الأجزاء، ~~والمقفى قد انتصر له في زماننا عبد الحق حامد بك مستشار السفارة العثمانية في لوندره وألف ~~فيه رواية باللسان التركي على الطرز الجديد. وأما المرسل فهو الذي يرسل فيه الكلام إرسالا ~~بدون تقييد بقافية أو سجع أو وزن، أو شيء ما بل يطلق إطلاقا. ويتأتى في هذا القسم من ~~الفصاحة، والبلاغة ما لا يتأتى في السجع ولا في الشعر؛ لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه ~~اللفظ الذي يؤدي السجع أو القافية، وكذلك الشعر يضيق نطاق الكلام ويمنع القول من انتهائه ~~ويصده عن تصرفه على قواعده، ومن يلتزم في كلامه السجع أو الوزن أو القافية فهو يلفق بهما ما ~~ينقصه من تطبيق الكلام على المقصود ومقتضى الحال، ويجبره بذلك القدر من التزيين بالأسجاع ~~ورن الصوت بالوزن والنغمة كما يزينه ببقية الصنائع البديعية، ويغفل عما سوى ذلك من بلاغة ~~المعاني، فلما سلك الشعراء في الجاهلية حفظ الألفاظ، وتصنيعها دون ضبط المعاني وترتيبها؛ ~~عرض بهم القرآن الكريم، فقال: # والشعراء يتبعهم ~~الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون ~~، قال الباقلاني: ~~«فأخبر أنهم يتبعون القول حيث توجه بهم، واللفظ كيف أطاعهم، والمعاني كيف تتبع ألفاظهم، ~~وذلك خلاف ما وضع عليه الإبانة عن المقاصد بالخطاب.» ولما شرعت دية الجنين جاء بعض العرب ~~إلى النبي - عليه السلام - وكلموه في هذا الشأن، ولفقوا كلامهم بالسجع ليجعلوا فيه قوة ~~الحجة الدافعة، والبرهان القاطع، ms038 فقالوا: كيف ندي من لا أكل ولا شرب ولا صاح فاستهل أليس ~~دمه قد بطل؟ # فقال: أسجاعة كسجاعة الجاهلية؟ أسجعا كسجع الكهان؟ # نعم إن الشعر إذا تهذب ووفي له بجميع الأسباب لم يقاربه من كلام الآدميين كلام، ولم ~~يعارضه من خطابهم خطاب، ولكن قلما يفلح الشاعر المجيد إلا في بعض الأبيات سيما في الشعر ~~العربي حيث ضيق فيه النطاق على الشعراء، وألزموا باتباع القواعد التي تخطاها شعراء ~~الإفرنج، على أن أكثر فحول الأدب في البلاد المتمدنة صارفو عنايتهم في يومنا إلى النثر ~~المرسل دون النظم، كما فعل فيكتور هوكو في آخر عمره، وكما يفعل اليوم أميل زولا وغيره مثل ~~تولستوي أديب الروس. ~~••• # ثم ظهر الإسلام وجاء القرآن بأفصح لفظ، وأبلغ معنى على أسلوب جديد يخالف أساليب العرب في ~~النظم والنثر، فلا هو مرسل ولا مسجع، بل تفصيل آيات ينتهي إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء ~~الكلام عندها، ثم يعاد الكلام في الآية الأخرى من غير التزام حرف يكون سجعا أو قافية، ~~وسميت آخر الآيات فواصل؛ لأنها ليست أسجاعا ولا التزم فيها ما يلتزم في السجع، ولا هي ~~أيضا قواف، ووقع اللفظ في القرآن تابعا للمعنى؛ ولذا فاق كلام الكهان وأهل الرجز والسجع ~~والقصيد وغير ذلك من أنواع بلاغتهم؛ لأن الواحد منهم إن برع في فن من فنون النظم أو النثر ~~قصر فيما دونه، والقرآن أبدع في جميع ضروب الكلام وطرق الإفادة، واشتمل على قصص وأخبار، ~~وشرائع، وأحكام، ووعد، ووعيد، وترهيب، وترغيب، وتنزيه، وتحميد، وحجج على التوحيد وأمثال ~~سائرة ومواعظ زاجرة وأصول إدارية وسياسية، وغير ذلك مما لم يحط بنصفه، بل ولا بربعه أديب من ~~الأدباء، ولا شاعر من الشعراء، وناضل عن الحرية وخفف أذى العبودية، وندد بالظلمة وتوعدهم ~~بما تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، فقال في الوعيد: # وسيعلم ~~الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ~~، وبين استبداد المستبدين من ~~الملوك والسلاطين وكيفية إيقاعهم التفرقة بين رعاياهم، ثم إيصال الجور والأذى إليهم فرقة ~~بعد أخرى، كما كانت سياسة فراعنة مصر ونماردة بابل وقياصرة ms039 الرومان والروم وأكاسرة الفرس، ~~فقال في تصوير هذا الاستبداد: # إن فرعون علا في الأرض ~~وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ~~ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين * ~~ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في ~~الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا ~~يحذرون ~~. # قال الباقلاني: # 6 ~~«ذكر العلو في الأرض باستضعاف الخلق بذبح الولدان، وسبي النساء وإذا تحكم في ~~هذين الأمرين فما ظنك بما دونهما؛ لأن النفوس لا تطمئن على هذا الظلم، والقلوب لا تقر على ~~هذا الجور، ثم ذكر الفاصلة التي أوغلت في التأكيد وكفت في التظلم، وردت آخر الكلام على ~~أوله، وعطفت عجزه على صدره. # ثم ذكر وعده تخليصهم وجعلهم مستقلين بأمرهم وارثين لأرضهم»، ومما ورد في القرآن الكريم في ~~السياسة والمناسبات الدولية التي كانت بين مملكة فلسطين وعاصمتها، إذ ذاك أورشليم، وبين ~~مملكة سبأ وعاصمتها مأرب، وما كتب به سليمان بن داود - عليهما السلام - إلى بلقيس، وما ~~اشتغلت به من التدبير والمشورة، واستطلاع عواقب الأمور وإرسال الهدية لفك عراقيل السياسة ~~بالوسائط الديبلوماتية إلى غير ذلك ما نصه: # 7 # قال: # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ~~ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون ~~. # قالت: # أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ~~* إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم * ألا تعلوا علي وأتوني ~~مسلمين ~~. # قالت: # يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت ~~قاطعة أمرا حتى تشهدون ~~. # قالوا: # نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر ~~إليك فانظري ماذا تأمرين ~~. # قالت: # إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ~~وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون * ~~وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع ~~المرسلون ~~. فلما جاء سليمان قال: # أتمدونن ~~بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم ~~تفرحون * ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا ~~قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون ~~- ~~إلى آخر القصة - وترى فيها مجئ أهل سبأ مسلمين إلى أورشليم والاحتفال باستقبالهم، وإرائتهم ~~عز الملك وارتقاء الصنائع، وما أتى به الذي ms040 عنده علم من الكتاب من عرش لملكتهم حتى قيل: # أهكذا عرشك قالت كأنه هو ~~، واصطناعهم ~~لها صرحا يذكرنا قصر الزجاج الذي أنشئ في معرض باريس الأخير، و # قيل ~~لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ~~ساقيها ~~، قال: # إنه صرح ممرد من ~~قوارير ~~. # قال الباقلاني؛ وهو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الأشعري المعروف بابن الباقلاني، وكان ~~ملك الإسلام في بغداد عضد الدولة من آل بويه أرسله سنة 371ه سفيرا إلى قيصر الروم في ~~القسطنطينية، وهو قسطنطين التاسع من سلالة مكدونيا، وكانت السفارة في جواب رسالة وردت عليه ~~منه - قال: «متى تهيأ للآدمي أن يقول في وصف كتاب سليمان - عليه السلام - بعد ذكر العنوان ~~والتسمية هذه الكلمة الشريفة العالية # ألا تعلوا علي ~~وأتوني مسلمين ~~، والخلوص من ذلك إلى ما صارت إليه بلقيس من التدبير، ~~واشتغلت به من المشورة، ومن تعظيمها أمر المستشار، ومن تعظيمهم أمرها، وطاعتها بتلك الألفاظ ~~البديعة والكلمات العجيبة البليغة، ثم كلامها بعد ذلك لتعلم تمكن قولها: # يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة ~~أمرا حتى تشهدون ~~، وذكر قولهم: # قالوا نحن ~~أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا ~~تأمرين # لا تجد في صفتهم أنفسهم أبدع مما وصفهم به وقوله: # الأمر إليك # تعلم براعته بنفسه، وعجيب معناه، وموضع اتفاقه ~~في هذا الكلام، وتمكن الفاصلة وملاءمته لما قبله، وذلك قوله: # فانظري ~~ماذا تأمرين # ثم إلى هذا الاقتصار وإلى البيان مع الإيجاز، فإن الكلام قد ~~يفسده الاختصار ويعميه التخفيف منه والإيجاز، وهذا مما يزيده الاختصار بسطا لتمكنه ووقوعه ~~موقعه، ويتضمن الإيجاز منه تصرفا يتجاوز محله وموضعه. # وكم جئت إلى كلام مبسوط يضيق عن الأفهام، ووقعت على حديث طويل يقصر عما يراد به من ~~التمام، ثم لو وقع على الأفهام ... فما يجب فيه من شروط الإحكام كله، أو بمعاني القصة وما ~~تقتضي من الإعظام، ثم لو ظفرت بذلك كله رأيته ناقصا في وجه الحكمة، أو مدخلا في باب ~~السياسة، أو مصفوفا في طريق السيادة، أو مشترك العبارات ms041 إن كان مستجود المعنى، أو جيد ~~البلاغة مستجلب المعنى، أو مستجلب البلاغة جيد المعنى، أو مستنكر اللفظ وحشي العبارة، أو ~~مستبهم الجانب مستكره الوضع، وأنت لا تجد في جميع ما تلونا عليك إلا ما إذا بسط أفاد، وإذا ~~اختصر كمل في بابه وجاد ، وإذا سرح الحكيم في جوانبه طرف خاطره وبعث العليم في أطرافه عيون ~~مباحثه لم يقع إلا على محاسن تتوالى وبدائع تترى، ثم فكر بعد ذلك في آية آية أو كلمة كلمة ~~في قوله: # إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ~~وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون # هذه ~~الكلمات الثلاث كل واحدة منها كالنجم في علوه ونوره، وكالياقوت يتلألأ بين شذوره. ثم تأمل ~~تمكن الفاصلة وهي الكلمة الثالثة، وحسن موقعها، وعجيب حكمها، وبارع معناها، وإن شرحت لك ما ~~في كل آية طال عليك الأمر، ولكن بينت بما فسرت وقررت بما فصلت الوجه الذي سلكت فيه، والنحو ~~الذي قصدت، والغرض الذي إليه رميت، والسمت الذي إليه دعوت، ثم فكر بعد ذلك في شيء أدلك ~~عليه، وهو تعادل هذا النظم في الإعجاز في مواقع الآيات القصيرة، والطويلة والمتوسطة، فأجل ~~الرأي في سورة سورة، وآية آية، وفاصلة فاصلة وتدبر الخواتم، والفواتح، والبوادي، والمقاطع، ~~ومواضع الفصل والوصل، ومواضع التنقل والتحول، ثم اقض ما أنت قاض وإن طال عليك تأمل الجميع ~~فاقتصر على سورة واحدة أو على بعض سور، ما رأيك في قوله: # إن ~~فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة ~~منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من ~~المفسدين # هذه تشتمل على ست كلمات سناؤها وضياؤها على ما ترى، وسلاستها ~~وماؤها على ما تشاهد، ورونقها على ما تعاين، وفصاحتها على ما تعرف، وهي تشتمل على جملة ~~وتفصيل وتفسير ذكر العلو في الأرض ... إلخ.» ا.ه. # ومن ذلك يعلم اقتدار هذا السفير الكبير في «الانتقاد الأدبي» # 8 # الذي له المقام الأسمى بين علوم الأدب، وللإفرنج فيه عناية زائدة، وجرائدهم ~~تنشر فيه المقالات الضافية، ولجريدة الطان محرر ماهر في «الانتقاد الأدبي»، وهو «غاستون ~~ديشان»؛ ms042 وإذا أمعنا النظر في القرآن الكريم نجده مملوءا بالمحاسن والبلاغة، ولكننا نتلوه ~~في الغالب تلاوة تعبد بدون نظر في حقائق معانيه وتاريخه، وإلا تأمل قوله: «لهم ما لنا ~~وعليهم ما علينا» تجد في هاتين الكلمتين من البلاغة والفصاحة ما لم يأت بمثله غابرييل ~~هانوتو على ما هو عليه من الاقتدار في الأدب، والعلم، والسياسة، والحرية الفرنساوية، وما ~~أدراك ما الحرية الفرنساوية؛ هي الحرية التي أنقذت أمما كثيرة من الظلم والاستبداد، وجل ما ~~أتى به في الخطبة التي خطبها أخيرا في الجزائر عن سياسة الاستعمار في إفريقية، وعما يجب ~~على الدولة المتمدنة في جانب أهاليها المسلمين قوله: «يجب لهم علينا الأمن، يجب لهم علينا ~~العدل، يجب لهم علينا كذلك التساهل» أي بالدين. # وقد نشر ملخص هذه الخطبة في جريدة طرابلس الشام في نيسان هذه السنة، فقابل بين تينك ~~الكلمتين، وبين هذه الكلمات الثلاث وحكم ضميرك الحر إن كنت من الأحرار، واحكم بعد ذلك بما ~~شئت، لو قرأنا القرآن وفهمناه كما ينبغي لوجدنا فيه مقاومة شديدة للظلم والاستبداد، وميلا ~~زائدا للعدل والحرية، ولقد رفع الاستبداد بسببه يوما، ولكن الأمم الآسيوية والأفريقية أبت ~~الخروج من تحت نير العبودية، أو كما عبر أحد الأفاضل بقوله: «لما ساد عليهم الجهل ولم ~~يستطيعوا أن يصعدوا إلى القرآن بعقولهم أنزلوه من مكانه الرفيع، ووضعوه مع جهلهم في مستوى ~~واحد.» ~~••• # وبظهور الإسلام ظهرت طبقة جديدة من الأدباء قيل لهم: أهل الطبقة الإسلامية، وهم الذين ~~كانوا صدر الإسلام وأيام الدولة الأموية التي امتدت إلى سنة 129ه، وفي أوائل الدولة ~~العباسية، وسمي المتأخرون منهم شعراء الدولتين الأموية والعباسية، ولخص حسان بن ثابت شاعر ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # الطريقة المثلى في الشعر بقوله: # وإنما الشعر عقل المرء يعرضه # على البرية إن كيسا وإن حمقا # وإن أحسن بيت أنت قائله # بيت يقال إذا أنشدته صدقا # وفي مقدمة هذه الطبقة عمر بن أبي ربيعة كبير قريش، وكان له في الشعر مقامات عالية وطبقة ~~مرتفعة، وكان كثيرا ما يعرض شعره على ابن عباس ms043 فيقف لاستماعه معجبا به. ومنهم الحطيئة ~~العبسي المشهور في الهجاء وحكم عليه بقطع اللسان في خلافة عمر (رضه) ثم عفا عنه. وكان ~~جرير، والفرزدق، والأخطل من أعظم شعراء الدولة الأموية وحصل بينهم محاورات ومهاجاة، وكان ~~لكل منهم فرقة من الناس تفضل شعره وتطرب لقوله وتنتصر لرأيه، وكثيرا ما كان يفضي بينهم ~~الجدال على تفضيل الشعر إلى القتال، والمشهور بين الأدباء أن جرير مرجح على الفرزدق في أكثر ~~أنواع الشعر، وعلى الأخطل في جميع أنواعه. وكان الفرزدق والأخطل متفقين على هجاء جرير ~~ومعاداته، واستخرج المستشرق بوشه من مكتبة جامع أيا صوفيا بالأستانة ديوان الفرزدق، وطبعه ~~وحشاه وترجمه للفرنساوية وحرر شيئا عن عروة بن الورد أيضا. # وممن عاصر الفرزدق غيلان ذي الرمة الثقفي صاحب مي بنت مقاتل، ومن هذه الطبقة نصيب. وبشار ~~المتوفى سنة 167ه وهو القائل: «والأذن تعشق قبل العين أحيانا»، وكثير غيرهم، ويجمع كلامهم ~~كتاب الأغاني الذي ألفه أبو الفرج الأصفهاني المتوفى سنة 356ه. وكان من نسل مروان الحمار ~~آخر ملوك بني أمية، وكتابه هذا مطبوع في بولاق، ومختصره أي رواياته مطبوع في بيروت. وممن ~~اشتهر بالنثر وكتابة الرسائل عبد الحميد الكاتب، وكان كاتبا لمروان الحمار فمات منكوبا ~~حينما انقرضت الدولة الأموية، وجمعت رسائله في كتاب. # فأهل هذه الطبقة وإن نسجوا على منوال شعر الجاهلية، فكلامهم أعلى طبقة في البلاغة ~~وأذواقها من كلام الجاهلية في منظومهم، ومنثورهم، وخطبهم، وترسيلهم، ومحاوراتهم للملوك، ~~والسبب في ذلك حصول الانقلاب في الأمة، وتأسس الملك والدولة وتوسع حدود المملكة بالفتوحات، ~~واختلاط الأقوام بعضها ببعض فاتسعت بذلك دائرة العقول، ونهضت طباع أهل الطبقة الإسلامية، ~~وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم، فكان كلامهم في نظمهم، ونثرهم أحسن ديباجة ~~وأرصف مبنى وأعدل تثقيفا بما استفاده من انفتاق الذهن وتوسع دائرة الفكر، وبما سمعوه من ~~الكلام العالي الطبقة في القرآن والحديث. ~~••• # ثم حصل انقلاب كبير في الأمة وقامت الدولة العباسية مقام الدولة الأموية، وترجمت كتب ~~العلم والحكمة عن خمس لغات أعجمية، وهي: ~~(1) # الفارسية والبهلوية. ~~(2) # الهندية والسنسكرية. ~~(3) # السريانية. ms044 ~~(4) # العبرانية، وسمي المترجم عنها بالإسرائيليات. ~~(5) # اليونانية. # وعكف أهل العلم والفضل على النظر في هذه الكتب، ونقلوا للعربية شيئا قليلا من أدب ~~اللغات الأعجمية، وكان في مقدمة الناقلين ابن االمقفع (109-145ه)، واسمه عبد الله بن داذبه، ~~وأصله من مجوس الفرس، أسلم ودخل في خدمة عيسى بن علي عم السفاح أول الخلفاء العباسيين، ~~واشتهر ابن المقفع بالفصاحة، والبلاغة حتى قيل بأنه ألف كتابا يعارض فيه القرآن كما فعل ~~المتنبي. قال الباقلاني: «فليس يوجد له كتاب يدعي مدع أنه عارض فيه القرآن، بل يزعمون أنه ~~اشتغل بذلك مدة ثم مزق ما جمع واستحيى لنفسه من إظهاره ... إلخ. ثم ذكر له الدرة اليتيمة، ~~وقال إنهما كتابان أحدهما يتضمن حكما منقولة عن كتاب بزرجمهر في الحكمة، والآخر في شيء من ~~الديانات، وقد تهوس فيه بما لا يخفى.» ا.ه. # على أن الكتاب المشهور لابن المقفع هو كتاب كليلة ودمنة المطبوع في بيروت، وهو قصة أدبية ~~فلسفية سياسية أول من وضعها أحد أدباء الهند وفلاسفتها ويدعى بيدبا أو بيدبائي، وحررها ~~باللغة الهندية، فترجمت عنها إلى اللغة البهلوية على عهد أنوشروان، ثم جاء ابن المقفع ~~وترجمها للعربية نثرا، ثم ظهر على عهد هارون الرشيد إبان بن عبد الحميد من شعراء العرب، ~~وانتسب للبرامكة وغمر بإنعامهم ونظم لهم كتاب كليلة ودمنة فقال بعد المقدمة: # هذا كتاب أدب ومحنه # وهو الذي يدعى كليلة ودمنه # فيه احتيالات وفيه رشد # وهو كتاب وضعته الهند # وكان له نظر جيد في العلم والحكمة، ونظم قصيدة فلسفية في مبدأ العالم نسبت لأبي ~~العتاهية. وكان أبو نواس يأنف من مشاعرته؛ لأن كلامه كلام فلاسفة، وحكماء لا كلام شاعر أديب ~~متخصص بعلم الأدب، واسترحم إبان بن عبد الحميد يوما من يحيى بن خالد البرمكي بإدخاله على ~~الرشيد، وعرض أشعاره عليه فأشار عليه يحيى بنظم قصيدته السياسية التي قال فيها: # نشدت بحق الله من كان مسلما # أعم بما قد قلته العجم والعرب # أعم رسول الله أقرب زلفة # لديه أم ابن العم في رتبة النسب # وأيهما أولى به وبعهده ms045 # ومن ذا له حق التراث بما وجب # فإن كان عباس أحق بتلكم # وكان علي بعد ذاك على سبب # فأبناء عباس هم يرثونه # كما العم لابن العم في الإرث قد حجب # فلما سمعها الرشيد تهلل وجهه بالبشر، وأنعم على الشاعر بعشرين ألف درهم. # ثم ظهر سهل بن هارون الكاتب، وصنف للمأمون كتاب قله وعفره يعارض به كتاب كليلة ودمنة في ~~أبوابه وأمثاله، ويزيد عليه في حسن نظمه، ثم جاء ابن الهبارية واسمه الشريف أبو يعلي محمد ~~بن محمد، ونسبه يتصل بعبيد الله بن عباس - رضي الله عنه - وكان ابن الهبارية من شعراء نظام ~~الملك وزير ألب أرسلان ثم انتسب لابنه ملكشاه ومدحهما بقصائد، ونظم كليلة ودمنة وسماه ~~«نتائج الفطنة في نظم كليلة ودمنة». وله كتاب آخر على هذا الأسلوب سماه «الصادح والباغم» ~~ونظم فيه ألفي بيت، وأشعاره سلسلة سهلة ومنها: # يقول أبو سعيد إذ رآني # عفيفا منذ عام ما شربت # على يد أي شيخ تبت قل لي # فقلت على يد الإفلاس تبت # توفي سنة 504 هجرية. # وترجم غير كتاب كليلة ودمنة من لغات الأعاجم أمثال لقمان الحكيم، ولطائف الوزراء ولطائف ~~الملوك، وكثير من النصائح والمشورات السياسية والإدارية، وشيء من كتاب زرادشت وكتاب ماني؛ ~~قال المسعودي في مروج الذهب: «وانتشر بأيدي الناس في ذاك الوقت كتاب أصله من بلاد العجم، ~~واسمه ألف ليلة وليلة غير أن حكاياته لا تشبه حكايات الكتاب المعروف بهذا الاسم المتداول ~~بيننا». واشتهر في الكتابة والإنشاء أيضا الجاحظ (165-255ه)، وهو أبو عثمان الكناني الليثي ~~البصري، وله طريقة في الإنشاء يقال لها طريقة الجاحظ، كما أن له مذهبا في الفلسفة، وقيل ~~لأتباعه: الجاحظية. # وله مؤلفات كثيرة في الأدب منها كتاب البيان والتبيين، وكتاب الأمصار، وكتاب الحيوان وقد ~~اختصر المؤلف هذا الكتاب الأخير، ويوجد نسخة من المختصر في مكتبة أسكوريال بإسبانيا، وهي ~~التي طبع فهرست كتبها المستشرق الأستاذ هارتويغ ديرنبورغ، ويوجد نسخة أصلية من كتاب الحيوان ~~في مكتبة هامبورغ، وقد سلك مسلك الجاحظ وأخذ طريقته، ولم يقصر عنه أبو الفضل ms046 محمد بن العميد ~~(توفي 360ه)، وكان مؤدبا لعضد الدولة، ومن أعظم وزراء آل بويه، وله رسائل كبيرة وأشعار، ~~وكتاب «الخلق والخلق» لم ينقحه. وأثنى عليه الباقلاني فقال: إنه يأخذ في الرسالة الطويلة ~~فيستوفيها على حدود مذهب الجاحظ، ويكملها على شروط صنعته ولا يقتصر على أن يأتي بالأسطر من ~~نحو كلامه؛ كما ترى الجاحظ يفعله في كتبه متى ذكر من كلامه سطرا أتبعه من كلام الناس ~~أوراقا؛ وإذا ذكر منه صفحة بنى عليه من قول غيره كتابا، وكان ابن عباد وزير فخر الدولة ~~يصحب أبا الفضل بن العميد؛ ولذا قيل له: الصاحب بن عباد. # وممن اشتهر من الشعراء أبو تمام حبيب بن أوس الطائي (190-231ه) وهو ميال للتصنع والتكلف ~~والتعويص في المعاني، وأحسن ما ألفه كتاب الحماسة، وهو مختار من كلام الشعراء المتقدمين ~~ومطبوع، وله أيضا كتاب فحول الشعراء وكتاب الاختيارات. ومنهم أبو نواس (توفي 195ه)، وله ~~سبك جيد وحلاوة ورقة. ومنهم ابن الرومي وابن المعتز وأشعرهم البحتري (204-284ه)، وفضله ~~الباقلاني على جميع أهل عصره لبهجة كلامه، وبديع رونقه، وديباجة شعره، وكثرة مائه. وقال ~~المعري: أبو تمام والمتنبي من الحكماء، وأما الشاعر فهو البحتري، قالوا: والبحتري يغير على ~~أبي تمام إغارة ويأخذ منه صريحا وإشارة ويستأنس بالأخذ منه بخلاف ما يستأنس بالأخذ من ~~غيره، وقد طبعت الموازنة بينهما في مطبعة الجوائب. # وكان الخلفاء، والرؤساء يشوقون شعراء الطبقة الإسلامية، ويجيزونهم بأعظم الجوائز كما يفعل ~~في يومنا الإفرنج، ولو كان فعلهم مقيدا بالقواعد والنظامات، فإن الأكاديميات تحكم في كل ~~سنة بتوزيع الجوائز النقدية التي تقرر صرفها نظارة المعارف، أو يتبرع بها أصحاب الخير ومحبو ~~العلم من ذوي الثروة، فهذا الأمر شائع بينهم وله دائما ذكر في جرائدهم. وكان للخلفاء معرفة ~~بفنون الأدب وتبصر بجيد الكلام ورديئه ويحفظون أشعارا كثيرة، ويعانون النظم والنثر لتقوى ~~ملكتهم في اللغة حتى إذا رقوا منابر الخطابة، أو تكلموا في صدور المحافل تمكنوا من استمالة ~~الناس إليهم، وألفوا بين قلوبهم كما يفعل ملوك الإفرنج في زماننا، ولا سيما خطيبهم ms047 الشهير ~~إمبراطور ألمانيا، فإنه من أبلغ الخطباء في الملوك. وهكذا كان الخلفاء يستجلبون القلوب ~~ببليغ الكلام لا بحد الحسام. وظهر في ذوي الرياسة فحول من الأدباء مثل ابن الخليفة العباسي ~~المعتز بالله بن المتوكل، واشتهر بابن المعتز (247-296ه)، وتولى الخلافة يوما واحدا وقتل ~~وهو أفضل شعراء بني هاشم. ومثل أبي فراس الحمداني ابن عم ناصر الدولة، وسيف الدولة من آل ~~حمدان المنتسبين لبني تغلب من قبائل العرب، وامتدت حكومة آل حمدان في حلب والموصل نحو 60 ~~سنة، ومن شعر أبي فراس الحمداني قوله: # نطقت بفضلي وامتدحت عشيرتي # وما أنا مداح وما أنا شاعر # وطبع ديوانه في بيروت وكان المتنبي يفضله على نفسه. # وممن اشتهر في الأدب أبو بكر الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني وكلاهما من أدباء القرن ~~الرابع للهجرة، ونشرت الجوائب رسائلهما، ونسج الحريري على منوال الهمذاني في تأليف مقاماته ~~المشهورة، ولم تزل تدرس في الصوربون، وقد شرحها شيخ المستشرقين في فرنسا سيلفيستر دوساسي، ~~وينتقد عليها أدباء الإفرنج من جهة قصر المقامات وعدم اعتناء المؤلف في تصوير الحكايات، ~~وتشخيصها على نسق ما ألفه الإفرنج أو اليونان قديما، وإنما صرف الحريري عنايته إلى سبك ~~الألفاظ وتصنيعها، وكانت ولادته في البصرة ثم نفي إلى مشان بقرب البصرة (446-515ه). # ومن المعلوم أن إيراد خلاصة تاريخ أدب اللسان العربي، وذكر المشاهير من الأدباء وتعيين ~~طبقاتهم ليس بالأمر السهل؛ ولذا نكتفي بالإشارة إلى بعض من دون أخبار الشعراء، فمنهم ابن ~~قتيبة المروذي (213-276ه) صاحب «أدب الكاتب»، وله «ديوان الكتاب» و«طبقات الشعراء» وغير ~~ذلك، ومنهم المبرد الأزدي (210-286ه)، وله كتاب الكامل، والمقتضب، والروضة، ومنهم ابن ~~المنجم (241-300ه)، وكان أبوه من كتاب المأمون ومن نسل يزدجرد آخر ملوك فارس فألف هو في ~~تاريخ الأدب كتاب الباهر، أو البارع في أخبار الشعراء. ثم جاء أبو منصور الثعالبي ~~(350-429ه)، وهو عربي النسب نيسابوري المولد، وكان يحترف بعمل فراء الثعالب، فوضع للكتاب ~~المذكور ذيلا في 4 مجلدات سماه «يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر»، وجمع فيه أخبار شعراء ~~زمانه، ونوادرهم، وأشعارهم، ms048 ثم جاء أبو الحسن علي الباخرزي نسبة لباخرز ناحية بالقرب من ~~نيسابور بخراسان، وكان من ذوي المراتب العالية وأهل الديوان، وتوفي مقتولا سنة 467ه فحرر ~~ذيلا ليتيمة الثعالبي سماه «دمية القصر وعصرة أهل العصر» ومنه نسخة في الأستانة. وزاد عليه ~~أبو الحسن بن زيد البيهقي - وبيهق ناحية بالقرب من نيسابور أيضا - ذيلا سماه «وشاح ~~الدمية» ثم جاء عماد الدين الكاتب الأصفهاني (519-597ه) وزير السلطان صلاح الدين الأيوبي، ~~وألف كتاب «خريدة القصر وجريدة العصر» ومنه نسخة في الأستانة وأخرى في باريس، وفيه تراجم ~~الشعراء وأشعارهم من سنة 500 إلى سنة 572ه. وألف أيضا كتاب «السيل على الذيل» وجعله ~~ذيلا لخريدة القصر. ثم جاء الوراق وهو أبو المعالي سعد بن علي الأنصاري المتوفى سنة 568ه، ~~وذيل ما تقدم بكتابه «زينة الدهر وعصرة أهل العصر». # فهذه المدونات من أهم الأجزاء في تاريخ الأدب العربي، ويمكن إتمامها باختيار ما يروق من ~~مؤلفات أبي شامة (596-665ه) وأبوه المقدسي، نشأ هو في مصر، وكتابه «كتاب الروضتين في أخبار ~~الدولتين النورية والصلاحية» يدرس في الصوربون وطبع في مصر، ومن مؤلفات الكاتب الدمشقي ~~(700-759ه) وكتابه مسالك الأبصار في الممالك والأمصار، لا يقتصر على التاريخ والجغرافيا، بل ~~فيه كثير من التراجم أيضا ومجلداته نحو ثلاثين وقيل أربعين، وهو مرقم في كتبخانة أيا صوفيا ~~في الأستانة من عدد 3415 إلى 3439، ومنه نسخة في مكتبة باريس الأهلية والهمم جارية في ~~طبعه. # ولما كنت في الصيف الماضي بالأستانة شاهدت في كتبخانة الكوبريلي - أحد المستشرقين من ~~الإنكليز - يستنسخ بآلة التصوير الشمسي كتابا كبير الحجم حسن الخط ليس فيه من التراجم إلا ~~حرف العين، فسألت فإذا هو «إرشاد الألباء في معرفة الأدباء» تأليف ياقوت الحموي الرومي ~~(574-626ه) صاحب معجم البلدان، الذي طبعه المستشرق ووستنفلد في ليبزيك سنة 1869 في أربعة ~~مجلدات، وطبع حاشية له في مجلد خامس. وللحموي من المؤلفات النافعة: معجم الأدباء، ومعجم ~~الشعراء، وكتاب أخبار المتنبي، وعنوان كتاب الأغاني، ومجموع كلام أبي علي الفارسي ... فإذا ~~كان حرف العين من ذاك السفر الجليل ms049 لم يكمل في مجلد ضخم، فما بالك في بقية أجزاء هذا ~~الكتاب، ومما يمكن مراجعته من الكتب في هذا الموضوع: نزهة الألباء في طبقاب الأدباء لمحمد ~~بن شاكر الأنباري ونسخته في الأستانة، وكتاب ريحانة الألباء المطبوع في بولاق، ونفحة ~~الريحانة في طبقات الشعراء للمحبي، ووفيات الأعيان لابن خلكان، وفوات الوفيات للكتبي، ~~والوافي بالوفيات لصلاح الدين بن بيك الصفدي، وأعيان العصر وأعوان النصر له أيضا، ثم تاريخ ~~المحبي في أعيان القرن الحادي عشر، والمرادي في أعيان القرن الثاني عشر، وهكذا ينتهي الباحث ~~إلى العصر الذي نحن فيه فيجد شيئا من آثار المعاصرين في الجزء الأول من عكاظ الأدب المطبوع ~~في الأستانة عقب الحرب مع اليونان. # وقد استعار صاحب عكاظ، وهو أبو النصر السلاوي باشا لكل واحد من شعراء العصر لقبا من ~~ألقاب المتقدمين، وسمى به أصحاب معلقات هذا القرن الرابع عشر للهجرة، فامرؤ القيس الثاني ~~لنقيب الأشراف السيد توفيق أفندي البكري، وأبي العلاء الثاني للأستاذ عبد الجليل أفندي ~~براده المدني، ونابغة العراق لجميل أفندي الزهاوي، ونابغة مصر لأحمد بك شوقي، وزهير البلاغة ~~لمحمد ولي الدين بك يكن، وصاحب المعجز لأحمد محرم أفندي، وحسان الموصل لشاعر العراق عبد ~~الباقي أفندي العمري، وشيخ الأدباء لأحمد عزت باشا الفاروقي الموصلي، ولبيد العصر للفيلسوف ~~يوسف ضياء الدين باشا الخالدي، ودريد الحكم لحسن حسني باشا الطويراني، وأبو الثناء للشيخ ~~محمود قبادو التونسي. # وأما اللغويون والنحاة فأحسن جامع لأخبارهم ما ألفه جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة ~~911ه، وسماه «بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة»، ورأيت نسخة منه في مكتبة يكي جامع، ~~وهي عند الجسر في الأستانة العلية، وطبع في مصر وسوريا وأوروبا كثير من مؤلفات الأصمعي وأبي ~~زيد الأنصاري البصري، وأبي عبيدة النحوي، وابن السكيت وغيرهم من اللغويين الأفاضل. ~~••• # لما حدث الانقلاب الكبير في انتقال الخلافة الإسلامية من الأمويين إلى العباسيين، وترجمت ~~كتب العلم والحكمة إلى لسان العرب قرأ أدباء المسلمين كتاب المنطق لأرسطو، ورأوا فيه ذكر ~~أوميروس الشاعر والثناء عليه فلم يحفلوا بشعره، ولا بشعر أحد ms050 من الأعاجم، ولا التفتوا إلى ~~أساطير اليونان ولا لما وضعوه من الروايات الشخصية، ولا قدروا حرية فكرهم ولا ذوقهم في ~~الكلام حق قدره؛ لاشتغالهم عن ذلك بما لديهم من فنون الشعر، وأنواع الخطب، والرسائل، ~~والدواوين، والمعلقات سيما ما أدهشهم من كلام الحديث والقرآن فترجموا كتب المنطق، والنجوم، ~~والطبيعيات، والطب، والهندسة، ولكنهم لم يترجموا لأديب من أدباء اليونان، ولا أدباء الرومان ~~لا قصيدة ولا خطبة ولا رواية ولا حكاية من حكايات أساطيرهم. ولعلهم خافوا على الناس من ~~الرجوع إلى عبادة الأوثان إن بحثوا لهم في آلهة اليونان، ومع ذلك فترجمة كتب العلم، والحكمة ~~إلى لسان العرب ظهر لها تأثير في توسيع أفكار الشعراء الإسلاميين، وظهر فيهم طبقة جديدة هي ~~طبقة المتنبي، والمعري في الشرق، وابن هاني في إشبيلية وهو المسمى بمتنبي الغرب، فحيث كان ~~لأهل هذه الطبقة نظر في كتب العلم والحكمة، فكلامهم أبلغ معنى وأكثر فوائد لاشتماله على ~~آراء فلسفية، وسياسية ومباحث عقلية، وعلمية غير أنهم خرجوا عن أساليب الشعر القديم ووضعوا ~~من عندهم أساليب مخصوصة، فقام عليهم المتعصبون لأساليب العرب الأقدمين وسلقوهم بألسنة حداد، ~~وشددوا عليهم النكير كما فعل أصحاب طريقة كلاسيك مع فيكتور هوكو حينما شهر طريقة ~~«رومانتيك». # فالمتمسكون بالأساليب القديمة من أدباء العرب يقولون: إن نظم المتنبي والمعري ليس من ~~الشعر في شيء؛ لأنهما لم يجريا على أساليب العرب المخصوصة، إذ ليس كل كلام منظوم عند العرب ~~يسمى شعرا، بل الشعر هو «الكلام البليغ والمبني على الاستعارة والأوصاف والمفصل بأجزاء ~~متفقة في الوزن والروي، ومستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على ~~أساليب العرب المخصوصة»، فلا بد أن تجتمع هذه القيود في الكلام المنظوم حتى يسمى شعرا، فما ~~خلا عن الاستعارة، والأوصاف مثل منظومات المتون العلمية المدرسية، والأرجوزات الأخلاقية، ~~وقول العامي: «أغلق الباب وائتني بالطعام»، أو ما خلا عن تساوي الأوزان واتحاد الروي ~~كقولهم: «رب أخ كنت به مغتبطا أشد كفي يغري صحبته تمسكا مني بالود، ولا أحسبه بغير العهد ~~ولا يحول عنه ms051 أبدا فخاب فيه أملي ...» لأن الوزن لم تتساو أجزاؤه في الطول، والقصر، ~~والسواكن، والحركات، أو لم يجر على أساليب العرب المعروفة فهو حينئذ لا يكون شعرا، وإنما ~~هو كلام منظوم. أما الأسلوب في عرفهم فهو القالب الذي يفرغ فيه الشعر، أو المنوال الذي ينسج ~~عليه، وذلك أنهم يقولون: إذا أراد الطالب قرض الشعر ينبغي له أن يكثر من مطالعة أشعار العرب ~~الأقدمين، وأن يحفظها ويرتاض فيها حتى تصير له ملكة في كلامهم فحينئذ يحصل في ذهنه قالب كلي ~~من التراكيب التي رآها في كل شعر من أشعارهم، وهذا القالب الكلي ينطبق على جميع تلك ~~التراكيب، فسؤال الطلول قالب كلي يكون بخطاب الطلول كقوله: «يا دار مية بالعلياء فالسند»، ~~ويكون باستدعاء الصحب للوقوف والسؤال كقوله: «قفا نسأل الدار التي خف أهلها»، أو باستبكاء ~~الصحب على الطلل كقوله: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل»، أو بالاستفهام عن الجواب لمخاطب غير ~~معين كقوله: «ألم تسأل فتخبرك الرسوم»، وكذا تحية الطلول قالب كلي يكون بالأمر لمخاطب غير ~~معين بتحيتها كقوله: «حي الديار بجانب الغزل»، أو بالدعاء لها بالسقيا كقوله: # 9 # أسقى طلولهم أجس هذيم # وغدت عليهم نضرة ونعيم # أو بسؤاله السقيا لها من البرق كقوله: # يا برق طالع منزلا بالأبرق # واحد السحاب لها حداء الأنيق # وكذا التفجع في الجزع قالب كلي يكون باستدعاء البكاء كقوله: # كذا فليجل الخطب وليقذع الأمر # وليس لعين لم يفض ماؤها عذر # أو باستعظام الحادث كقوله: # أرأيت من حملوا على الأعواد # أو بالتسجيل على الأكوان بالمصيبة لفقده كقوله: # منابت العشب لا حام ولا راع # مضى الردى بطويل الرمح والباع # أو بالإنكار على من لم يتفجع له من الجمادات كقول الخارجية: # أيا شجر الخابور مالك مورقا # كأنك لم تجزع على ابن طريف # أو بتهنئة فريقه بالراحة من ثقل وطأته كقوله: # ألقى الرماح ربيعة بن نزار # أودى الردى بفريقك المغوار # وأمثال ذلك ... فمن أراد قرض الشعر كان هو كالبناء، أو النساج والصورة الذهنية المنطبقة في ~~ذهنه كالقالب الذي يبنى فيه، أو المنوال ms052 الذي ينسج عليه، فإن خرج عن القالب في بنائه أو ~~عن المنوال في نسجه كان فاسدا؛ ولذا رأى أهل الذوق في قول الشاعر: # لم أدر حين وقفت بالأطلال # ما الفرق بين قديمها والبالي # كلام فقيه لقوله: ما الفرق بين قديمها؛ لأن هذا من تعبيرات الفقهاء واصطلاحاتهم لا من ~~تعبيرات الأدباء مع ما فيه من الوقوف بالأطلال. فلم يستحسن أهل الذوق هذا البيت، ولا وجدوا ~~فيه رقة، ولا بهجة، ولا ماء؛ ولذا لم يستحسنوا في الأدب كلام الفقهاء ولا الفلاسفة مع ما ~~في كلامهم من المنطق والحكمة؛ لخلوه عن هذا النور الذي يتلألأ في كلام الأدباء، ويخرج من ~~نفس الأديب ومن قلبه وروحه، وأما كلام الفقيه، أو الفيلسوف فيخرج من عقله ومحاكمته ~~ومقايسته، فهو وإن كان برهانه قاطعا؛ إلا أن تأثيره على النفوس أقل من تأثير كلام الأديب. ~~ومن كثرة حفظهم لأشعار المتقدمين رسخت لهم ملكة في كلامهم حتى كاد ذوقهم يمج الأسماء التي ~~لم ترد في أشعار الجاهلية. روي أن جرير أنشد بعض خلفاء بني أمية قصيدته: # بان الخليط برامتين فودعوا # أو كلما جدوا لبين تجزع # كيف العزاء ولم أجد مذ بنتم # قلبا يقر ولا شرابا ينفع # قال: وكان الخليفة يزحف من حسن هذا الشعر حتى بلغ قوله: # وتقول بوزع قد دببت على العصا # هلا هزيت بغيرنا يا بوزع # فقال الخليفة: أفسدت شعرك بهذا الاسم؛ لأن سمع الأديب لم يألف اسم بوزع كما ألف هند ومي ~~أو فاطم، التي مشى بها امرؤ القيس حتى أجاز ساحة الحي وهي تجر أذيال المرط الموشى بالذهب، ~~ولا مشية فيكتور هوكو بمعشوقته جوليت في مراقص باريس ومراسحها. ولم يزل الأدباء يبنون ~~كلامهم في ذاك القالب، وينسجونه على ذاك المنوال حتى يومنا هذا كما فعل أصحاب المعلقات ~~السبع التي نشرها صاحب عكاظ، وكلماتهم السبع التي خصت بكرامة التعليق هي: كلمة نقيب الأشراف ~~السيد توفيق أفندي البكري ومطلعها: # أما ويمين الله حلفة مقسم # لقد قمت بالإسلام عن كل مسلم # وكلمة عبد الجليل أفندي برادة المدني: # كذا ms053 فليكن ما يحرز المجد والفخر # كذا فليكن ما يجمع الفتح والنصر # وكلمة جميل أفندي الزهاوي البغدادي: # هو الفتح ألقى في قلوب العدى هولا # وأثبت أن الحق يعلو ولا يعلى # وكلمة أحمد شوقي بك المصري: # بسيفك يعلو الحق والحق أغلب # وينصر دين الله أيان تضرب # وكلمة محمد ولي الدين بك يكن المصري: # أبت ضيمها في الناس كيف أضيمها # حياة تساوى بؤسها ونعيمها # وكلمة أحمد محرم أفندي المصري: # منازل سلمى لا عدتك الغمائم # ولا درست بالجزع منك المعالم # وكلمة أبي النصر السلاوي باشا المصري: # على مثلها فلتحمد الهمم الغر # فما هي إلا الحرب أعقبها النصر # فالمتنبي والمعري خرجا عن هذا القالب، وذاك المنوال الذي وضعه شعراء الجاهلية، وجعل كل ~~منهما له مذهبا مخصوصا في الأدب وأساليب معروفة في الشعر؛ ولذا قال ابن خلدون: «وكان ~~الكثير ممن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة الأدبية يرون أن نظم المتنبي والمعري ليس هو من ~~الشعر في شيء؛ لأنهما لم يجريا على أساليب العرب.» # وبعد أن كان حسان يقول: # وإن أحسن بيت أنت قائله # بيت يقال إذا أنشدته صدقا # وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: كان زهير لا يمدح الرجل إلا بما فيه - صار أهل هذه ~~الطبقة من الشعراء المستنيرين بنور ما ترجم من كتب العالم يمدحون بأشعارهم أمراء العجم، ~~الذين لا يفقهون دقائق البلاغة العربية طالبين معروفهم فقط لا سوى ذلك من الأغراض كما فعله ~~حبيب، والبحتري، والمتنبي، وابن هاني ومن بعدهم، فإن حبيبا الملقب بأبي تمام ولد في قرية ~~بجوار دمشق، ونشأ في مصر، وطاف الشام، والعراق، وخراسان ومدح الخلفاء والملوك والأمراء ~~بقصائد كثيرة. والبحتري ولد في قرية بجوار حلب ثم ذهب لبغداد، ومدح الخليفة المتوكل، ثم طاف ~~بلاد الشام ومدح الأمراء، واجتمع في حمص على أبي تمام. والمتنبي ولد في الكوفة وأبوه سقاء ~~من قبيلة جعف فجاء دمشق ومدح سيف الدولة من آل حمدان، ثم ذهب لمصر ومدح كافور الإخشيدي ~~الخصي الأسود، ثم ذهب لبغداد، وخراسان ومدح عضد الدولة من آل بويه ms054 وغيرهم، وهو ممن حاول أن ~~يأتي بمثل القرآن كابن المقفع، ولكنهما عجزا وأبطلا ما كتباه؛ ولذا هجا بعضهم المتنبي، ~~فقال: # أي فضل لشاعر يطلب الفض # ل من الناس بكرة وعشيا # عاش حينا يبيع في الكوفة الما # ء وحينا يبيع ماء المحيا # وكذا ابن هاني - متنبي الغرب - ولد في إشبيلية، وطاف بلاد أفريقية، ومدح أمراء البربر وهو ~~القائل في المعز لدين الله: # ما شئت لا ما شاءت الأقدار # فاحكم فأنت الواحد القهار # فصار عرض الشعر في الغالب إنما هو الكذب والاستجداء لذهاب المنافع، التي كانت فيه ~~للأولين، وصار يقال: أحسن الشعر أكذبه. وقلد شعراء العرب العجم في مبالغاتهم وغلقهم للأمراء ~~دفعا للشر واستجلابا للإحسان والخير، واستبد الرؤساء بالأمر وقويت فيهم الشوكة والسلطة، ~~فلم يبق بهم لاستعمال فن الخطابة، وطلاقة اللسان لاجتذاب قلوب الأمة إليهم، بل رأوا من ~~المصلحة الذاتية قهرهم بالقوة، وإرهابهم بحد السيف فاستخفوا بالأمة، وبالرأي العام. # وتمثلوا بقول أبي تمام: # السيف أصدق إنباء من الكتب # وبقول عمارة اليمني السياسي: # وشفرة السيف تستغني عن القلم # 10 # وفعلوا بالأمة ما قاله لها الحجاج سابقا: لأعصبنكم عصب السلمة، وألحونكم لحو العصا، ~~ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، إني ~~والله سمعت لكم تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به الله في الترغيب، ولكنه التكبير الذي ~~يراد به الترهيب، يا عبيد العصا، وأشباه الإماء إنما مثلي ومثلكم ما قاله ابن براقة ~~الهمداني: # وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم # فهل أنا في ذا يا أهل همدان ظالم # متى تجمع القلب الذكي وصارما # وأنفا حميا تجتنبك المظالم # وقال المعتضد عند وفاته في سنة 289ه، وهو سادس عشر الخلفاء العباسية، ولعله ندم على هذا ~~الاستبداد: # ولا تأمنن الدهر إني أمنته # فلم يبق لي خلا ولم يرع لي حقا # قتلت صناديد الرجال ولم أدع # عدوا ولم أمهل على طغيه خلقا # وأخليت دار الملك من كل نازع # فشردتهم غربا ومزقتهم شرقا # فلما بلغت النجم عزا ورفعة # وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا # رماني الردى ms055 سهما فأخمد جمرتي # فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ألقى # ولكن الرؤساء من الأعاجم فعلوا فعلا بلا قول لعجمة لسانهم، وأصبح تعاطي الشعر هجنة في ~~الرئاسة، ومذمة لأهل المناصب الكبيرة، وقدموا الجهلاء على الشعراء ودعوهم بالظرفاء، وأهملت ~~فنون الأدب وبلغ التفريط في جانب الفصاحة اللسانية إلى درجة كاد فيها الرؤساء لا يفوهون ~~بكلمة في المجالس، ويعتبرون السكوت عين الأدب؛ وإذا اجتمعوا في حفلة اكتفوا بسماع الدعاء ~~المأثور، وكثيرا ما يتلوه أجهل المجتمعين ويكون قد حفظ الدعاء من الصغر بالسماع. # شاهدت أحد الولاة انخدع بمن يتلو الدعاء المأثور؛ وظنه من العلماء لطول لحيته وكبر عمته ~~فأراد تعيينه في منصب فقيل له أمي، فلم يصدق، ودعاه ليلة وطلب منه أن يقرأ عليه ما كتبته ~~جريدة الجوائب إذ ذاك، فلما أمسك الجريدة بالعكس فهم الوالي وتلاهى عنه ولم يعينه. # ولقد دقق في هذا المبحث عبد الرحيم أفندي أحمد مبعوث مصر في مؤتمر المستشرقين الحادي عشر ~~المنعقد في باريس سنة 1897، ووجد نسبة تامة بين الحرية، وبين ارتقاء لسان العرب، فكلما اتسع ~~نطاق الحرية في الدولة اتسع معه نطاق الأدب في العربية، وزادت فصاحة هذا اللسان وبلاغته، ~~وكلما زاد الاستبداد تقيدت عقول الأدباء بالسلاسل، وصاروا ينطقون بما يوافق الزمان والمشرب، ~~لا بما يشعرون به ويعلمونه ويرونه. # قال مبعوث مصر المشار إليه: ولقد لاحظت في المتكلمين بلسان العرب أن الحرية إذا فقدت منهم ~~كثر في كلامهم تكرار (اللازمة)، مثل نعم، فاهم، هكذا أحلم يا سيدي، الخلاصة، النتيجة ... ~~وأمثال ذلك من الكلمات التي يرددها المتكلم، هذا في المخاطبات بين اثنين. وأما في ~~الاجتماعات العمومية كالأفراح، والعزاء، واستقبال الولاة والقضاة، فإما أن ينقضي الاجتماع ~~بالسكوت والهمس، أو بتلاوة الدعاء المأثور. وإن جعل للأدب حرمة فيتلى في ذاك الاجتماع قصيدة ~~مدح أو تبريك أو عزاء، وينفض الجمع بغير أن يفوه الرئيس بما يقتضيه الحال والمقام، ويصور ~~بكلامه حالة تلك الهيئة المجتمعة. ~~••• # أما أهل الأندلس فلما وجدوا في جزيرتهم سماء صافية وأرضا طيبة، وهواء نقيا، وأشجارا ~~مزهرة، وأنهارا جارية، وجبالا ms056 راسية، وسهولا واسعة اتسعت أفكارهم واستبحر عمرانهم، وراقت ~~أشعارهم ورقت معانيهم وتهذبت فنون الشعر ومناحيه في قطرهم، وبلغ التنميق فيه الغاية وكثر ~~فيهم الأدباء والشعراء، فوسعوا دائرة الأدب ونظموا الشعر في جميع الأعاريض المعروفة عند ~~العرب، وأتوا بالمطولات في جميع مذاهب الشعر وأغراضه من نسيب، ومدح، ورثاء، وهجاء. ثم لم ~~يكتفوا بكل هذا بل وجدوا الزمان والمكان يقتضي لهما فنون جديدة من الشعر ينسج على منوال غير ~~المنوال الذي وضعه عرب الجاهلية، ويقرض في عروض غير عروضهم، فغيروا أسلوب الشعر وعروضه كما ~~فعل فيكتور هوكو، وأهل طبقته في تغيير عروض الشعر الفرنساوي. واستحدث المتأخرون من ~~الأندلسيين الموشح، والزجل، والمربع، والمخمس، والمعصب على أربعة أجزاء، والمزدوج، والكاري، ~~والملعبة والغزل، وعروض البلد، والأصمعيات، والحوراني، والمواليا، والدوبيت وهما لأهل الشرق ~~وغير ذلك من التفنن الذي لا يدخل تحت حصر، فأول من وضع الموشح مقدم بن معافر الضريري من ~~شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني وأخذ ذلك عنه أبو عبد الله أحمد بن عبد ربه ~~(246-348ه) صاحب كتاب العقد الفريد. # وقد انتشر هذا الكتاب انتشارا عجيبا، ولم أدخل مكتبة من مكتبات الأستانة # 11 # إلا وأجد فيها نسخة أو أكثر من هذا المؤلف، ثم شاع استعمال الموشح في الأندلس ~~واستظرفه الناس، ونظم فيه كثير من الأدباء، ونسج على منوالهم أدباء الشرق وطبع كثير من ~~الموشحات واشتهر؛ فمنها ما نظمه الوزير أبو عبد الله بن الخطيب شاعر الأندلس والمغرب، وكان ~~معاصرا لابن خلدون، وكأنه ندب حضارة الأندلس بمطلع هذا الموشح حيث قال: # جادك الغيث إذا الغيث هما # يا زمان الوصل بالأندلس # لم يكن وصلك إلا حلما # في الكرى أو خلسة المختلس # ومن أبدع ما أتوا به في الموشحات قول بعضهم: # كحل الدجى يجري # من مقلة الفجر # على الصباح # ومعصم النهر # في حلل خضر # من البطاح # ثم نسج أهل الأمصار على منوال الموشح، ونظموا مثله بلغتهم الحضرية من غير التزام إعراب، ~~وسموا هذا النوع من الموشح بالزجل، وأول من أبدعه أبو بكر بن قرمان، ومع أنه ms057 قرطبي الدار ~~كان يتردد كثيرا إلى إشبيلية مركز الأدباء ومجمع الظرفاء، وهي على نهر الوادي الكبير تشبه ~~حمص القريبة من نهر العاصي؛ ولذا أطلقوا عليها اسم حمص. فكان أبو بكر بن قرمان يركب مع ~~أصحابه في النهر للنزهة، والصيد وتدور بينهم المحاضرات الشعرية والمحاورات الأدبية وهم في ~~الزورق، وقد استخرج صاحب جريدة الأرز من مكتبة في رومة شيئا من زجل الأندلسيين ونشره في ~~مجلد. وأما الأصمعيات فهي الشعر البدوي، وسميت أصمعيات نسبة للأصمعي راوية العرب ~~(122-216ه)، وهي قصيدة طويلة بلا إعراب بل هي بلغتهم الدارجة، ويبتدأ فيها غالبا باسم ~~الشاعر وفيها كثير من البلاغة والفوائد التاريخية. والمعصب يجيئون فيه على أربعة أجزاء ~~يخالف آخرها الثلاثة في رويه، ويلتزمون القافية الرابعة في كل بيت إلى آخر القصيدة. ~~والحوراني نسبة لحوران بأرض الشام، ولا نطيل الكلام ببيان هذه الفنون وأقسامها، وفيها من ~~البلاغة والفوائد التاريخية ما لا ينكر، بخلاف ما أحدثوه من الصنائع اللفظية. # وبيان ذلك أن أدباء العرب في الجاهلية والإسلام صرفوا عنايتهم في النظم والنثر إلى ~~الألفاظ لا إلى المعاني، فالهدف الذي كان الأديب منهم يروم إصابته هو التفنن في طرق ~~الإفادة، وبيان المعنى الواحد بأساليب مختلفة من الكلام، وشبهوا المعنى بالماء والألفاظ ~~والتراكيب بالإناء؛ فمنه آنية الذهب والفضة والصدف والزجاج والخزف، فغرض الشاعر منهم إسقاء ~~سامعه الماء الواحد الذي لا يختلف ولا يتغير بأجمل إناء يصوغه له حسب قدرته، ولم يكن غرضه ~~إسقاء سامعه أنواع المياه الخفيفة المهضمة من منابع مختلفة معدنية، ولا إسقاءه أنواع الخمور ~~أو المرطبات والبزورات بأي إناء كان؛ ولذا أظهر الأدباء كل مهارتهم في الألفاظ وبينوا ~~اقتدارهم في معرفة اللغة، وحفظ الأسماء الكثيرة والمترادفات، وإفادة المعنى الواحد بطرق ~~مختلفة، فكانت الألفاظ طوع قريحتهم يتصرفون بها كما يتصرف الصائغ في سبك الفضة، فألفوا في ~~الألفاظ المهمل، والمنقوط، والمشجر وما يقرأ طردا وعكسا، ولزموا في القوافي ما لا يلزم ~~ونظموا الخالية وأمثالها؛ يروى عن أديب أنه أجاب من شتمه بقوله: الكلب من لا يعرف للكلب ~~مائة اسم. ms058 وحفظوا أسماء كثيرة للبعير والناقة والسيف، ولكل ما اشتهر بالخسة والشرف، ~~وقالوا: كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى أو خسته. # ونجد امرأ القيس إذا وصف الفرس لم يدع عضوا من أعضائه إلا شرحه تشريحا، وألفوا كتبا ~~كبيرة من الأحرف المهملة أو المعجمة؛ مثل التفسير الذي ألفه مفتي الشام السابق المرحوم ~~محمود أفندي حمزه بالحروف المهملة، ولما طبع هذا التفسير بدمشق بعثني والدي بنسخة منه إلى ~~المرحوم مفتي الخليل التميمي، وكان علامة الديار المقدسية، فنظر في التفسير طويلا ثم رده ~~إلي وقال: لو لم يقيد قلمه بالأحرف المهملة لأفادنا بأكثر من هذا. وكتاب عنوان الشرف ~~المشتمل على عدة علوم في متن واحد يقرأ بصور مختلفة وهو مطبوع في مصر، وعلى نسقه كتاب آخر ~~مطبوع في الأستانة. ولما قال العماد الكاتب: «سر فلا كبا بك الفرس» أجابه القاضي الفاضل: ~~«دام علاء العماد»، والجملتان مما يقرأ طردا أو عكسا. وكان القاضي الفاضل رئيسا ~~للمراسلات السياسية عند السلطان صلاح الدين الأيوبي، والعماد الكاتب بمعيته رئيسا لقلم ~~المصالح الشامية، وكتابه الفتح القدسي طبع في السنين الأخيرة. وقال أبو عبد الله بن بيس من ~~علماء الأندلس، وهو شيخ لسان الدين بن الخطيب المشهور: # أساجعه بالواد بين تبوئي # ثمارا جنتها حاليات خواضب # دعن ذكر روض زانه سقي شربه # صباح ضحى طي ظباء عصائب # غرام فؤادي قاذف كل ليلة # متى ما نأى وهنا هواه يراقب # فجمع في أول الكلمات حروف الهجاء من الألف إلى الياء على الترتيب. # فأدباء الإفرنج يقولون: نعم، إن الشعر العربي فيه كثير من الصنائع البديعية وله رونق ~~وبهجة، وفيه تهييج للمسامع وهو على أسلوب التوراة، وعلى نسق اللغات السامية، ولكن الكلام ~~الذي فيه تصنع في الألفاظ، وتعمل في الشكل الخارجي لا يكون فيه حركة ذهنية ولا تخيل ~~فكري، وما لم يكن فيه ذلك ليس فيه إحساس ولا عظمة مطلقا، وإذا ارتفع نفس الشاعر أو الكاتب ~~في الكلام الذي فيه تصنع، وتعمل لم يبق على ارتفاعه بل ينقطع حالا، وينتقل إلى غير ما هو ~~فيه، ms059 بخلاف الشعر اليوناني، أو الإفرنجي كرواية إيرناني مثلا، فإن فيكتور هوكو نظمها على ~~نفس واحد ونسق واحد، وأبدع فيها بما قاله عن لسان شارلكين من الكلام العالي الملوكي، فإذا ~~نطق به المشخص على مرسح التشخيص أخذ بمجامع القلوب، واستمر المشخص يهدر كما يهدر النهر حتى ~~يصل كلامه لأعماق أفئدة السامعين، ويؤثر فيها تأثيرا عظيما. # ومن قاس بنظره بين مقامات الحريري، وبين رواية مضحكة من روايات موليير التشخيصية فهم معنى ~~اعتراضهم وحقيقة انتقادهم على مقامات الحريري والهمذاني وأمثالهما. وينتقدون على المقامات ~~أيضا من جهة التهتك بالأخلاق، والتغزل بالبنين كالتغزل بالبنات ووضع الحب في غير موضعه ~~الطبيعي مما لم نعهده في كلام أدباء الإفرنج المشهورين، إلا من ندر منهم مثل الأديب ~~الإنكليزي الذي حكم عليه منذ سنوات في لوندرا، ودافع عن نفسه بمشروعية هذا الحب في أصل ~~الخلقة والطبيعة وبوجوده عند اليونان والرومان. # والحق أن هؤلاء الأفاضل لم يقصدوا بتأليف المقامة تصوير رواية مضحكة على أسلوب الكوميدية، ~~ولا رواية محزنة على نسق التراجيدية، وإنما قصدوا إظهار المقدرة على تصنيف الكلام وتدبيجه ~~بديباج الاستعارات، وإلباسه حلل التشابيه، وترصيعه بلآلئ البديع كقول الحريري في وصف ~~الخطيب: «يختلب الأسماع بجواهر لفظه، ويجتذب القلوب بزواجر وعظه» من الكلام المدبج المصنع ~~المرصع الذي لو نطق به على مرسح التشخيص لا يفهمه العوام، ويحتاج الخواص إلى النظر في ~~صنائعه وإعمال الفكر في بدائعه، وإلا لو صرف الواحد من أولئك الأفاضل عنايته لتصوير رواية ~~على نسق روايات اليونان أو الرومان أو الإفرنج لسقانا بكأس من الزجاج الشفاف أطيب الخمور ~~وأعلاها طبقة. ولكنه أراد أن يغترف من ماء البحر بإناء صاغه لنا من الذهب الخالص وطلاه ~~بالمينا الثمينة ورصعه فوق ذلك بعروق وأوراق من الجواهر واللآلئ؛ ليخفي لنا الماء بأبهى ~~إناء ويرينا أحسن المصوغ والمجوهر. # وقد يغرق فكر الكاتب الغربي الملتزم للصنائع البديعية في لجج تلك الاستعارات والجناسات، ~~ويحتاج في استخراجه إلى غواص ماهر له ملكة راسخة في اصطلاحاتهم؛ لأن الكاتب منهم لم يكتب ~~للعوام وأهل السوق، وإنما يكتب للخواص ms060 من علماء الرجال وأدبائهم ولأصحاب الذوق منهم في ~~الكلام وفي معانيه؛ ولذا فهو يتجنب الكلمات السوقية المبتذلة، وينتقي أعلى طبقات الكلام ~~وأعوصها في اللغة. فالمعري على ما له من جلالة القدر في الأدب لم يسقنا الحكمة من كأسه إلا ~~وهو يغوص في المباحث اللغوية، ويأتي بالشواهد والأمثال كما يتضح لمن طالع رسالة الغفران، ~~وهي التي شبهها مندوب مصر في مؤتمر المستشرقين الحادي عشر برسالة الجحيم التي ألفها الشاعر ~~دانتي الطلياني. ومن طالع رسالة دانتي أو ترجمتها رآها تسيل على نسق واحد كما يسيل الماء ~~ليس فيها تصنع في الألفاظ والتراكيب، ولا فيها احتياج إلى تفسير الألفاظ اللغوية، ~~والاستشهاد بالكلام المعترض. # فالأندلسيون أصلحوا كثيرا من الخلل الموجود في أدب العرب، وجاءوا بالمطولات في فنون ~~كثيرة من الشعر والنثر، وأوجدوا فنونا مستحدثة، واتبعوا في الكلام شعورهم وإحساسهم القلبي، ~~فطافوا على قرائهم بصحاف من ذهب، وأكواب فيها بعض ما تشتهي الأنفس، ونرى في توصيفهم المناظر ~~الطبيعية، وتصويرهم وجوه الأرض مشابهة بأشعار الإفرنج كوصف حمدونه، وهي من بنات الأندلس ~~الشواعر لوادي آش وهو في أيالة غرناطة قالت: # وقانا لفحة الرمضاء واد # سقاه مضاعف الغيب العميم # 12 # حللنا # 13 # دوحه فحنا علينا # حنو المرضعات على الفطيم # وأرشفنا على ظماء زلالا # ألذ من المدامة للنديم # تروع حصاه حالية العذارى # فيلمس جانب العقد النظيم # وقال أبو الفدا: لا بل الأبيات لأحمد بن يوسف المنازي، المتوفى سنة 437ه وزير أبي نصر ~~أحمد بن مروان الكردي صاحب ديار بكر وترسل إلى القسطنطينية، ومر في بعض أسفاره بوادي بزاعا ~~فأعجبه حسنه فقال فيه الأبيات. ووادي بزاعا في ولاية حلب وإليه ينسب أبو فراس الحمداني ~~وغيره من الشعراء. # ولو طال على الأندلسيين الأمد في الحضارة، وتعاقبت الأدوار على اللغة، وتوالت عليها ~~الانقلابات لأتوا بأحسن مما جاء به فيكتور هوكو وأميل زولا من محصول العقل ومجتنى الفكر ~~البشري، ولكن عاجلهم الانقراض وفاجأهم الاستبداد فأمحلت عقولهم وسدت قرائحهم، وقد اجتمعت في ~~باريس بوفد السلطنة المراكشية، وهو ذاهب لحضور الاحتفال بيوبيل فيكتوريا ملكة الإنكليز، ms061 ~~فوجدت رئيس الوفد الذي هو السفير الكبير أميا. # ثم إن العارفين باللغات نصوا على أن لأدب اللسان العبراني تأثيرا على أدب العرب قبل ~~الإسلام وبعده، وذكروا مشابهة وتواردا في الخواطر بين ما جاء في شعر امرئ القيس الذي يضرب ~~فيه المثل إذا ركب، وبين ما ورد في سفر أيوب من التوراة في وصف الفرس، ونقل بعد الإسلام من ~~العبرانية إلى العربية ما سمي بالإسرائيليات مثل التواريخ، وقصص الأنبياء، ومناقب الصالحين ~~مما هو في التوراة والتلمود، وكان نقلها عن أحبار اليهود الذين أسلموا مثل كعب الأحبار، ~~ووهب بن منبه وأمثالهما - رضي الله عنهم. # وقد رأينا فيما سبق كيف ترجم عن اللغة الفارسية والهندية كتاب كليلة ودمنة وما شابهه، ~~وكيف نسج الأدباء على منواله واعتنوا بنظمه؛ مما كان له مفعول قوي في الحركة الذهنية ~~والتصورات الأدبية والاختلاقات الفكرية. ومع ذلك فجميع ما ذكر لم يكن له كبير تأثير على ~~الشعر العربي، ولم يغير شيئا من أساليبه القديمة، ودامت أساليب شعراء الجاهلية هي الهدف ~~الذي يصوب نحوه كل شاعر بالعربية في قديم الزمان وحديثه. # فيتضح مما تقدم أن العرب لم يأخذوا من الأمم الذين ترجموا كتبهم، إلا العلم والحكمة فقط ~~ولم يحفلوا بشعر اليونان، ولا برواياتهم الشخصية، ولا بشعر اللاتين وخطبهم، ولا ترجموا ~~شيئا من ذلك، مع أنهم رأوا في كتاب المنطق لأرسطو ثناء طيبا على أوميروس الشاعر اليوناني، ~~ولكنهم لم يقلدوه ولا اتبعوه ولا نهجوا منهجه في شيء، ولم يكن للكتب المترجمة تأثير على ~~طبقة المتنبي، والمعري وابن هاني، إلا من جهة إفادتهم الآراء الفلسفية لا من جهة إفادتهم ~~أساليب النظم وطرق الكلام. # ومن فحول هذه الطبقة أبو العتاهية، وكان في أيام المهدي، وهارون الرشيد، والمأمون وأكثر ~~في أشعاره من ذم الدنيا لغدرها بأبنائها، ومن تذكير الغافلين بالموت ولم يشوق للآخرة ~~ونعيمها، ومن لطيف شعره: # ألا أننا كلنا بائد # وأي بني آدم خالد # وبدؤهم كان من ربهم # وكل إلى ربه عائد # فيا عجبا كيف يعصى الإل # ه أم كيف يجحده الجاحد # وفي ms062 كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # ومن فلاسفة الشعراء أيضا ابن الشبل أبو علي حسين بن عبد الله البغدادي، المتوفى سنة ~~474ه، وكان له وقوف على كثير من علوم الحكمة والفلسفة، وله ديوان وقصيدة فلسفية يقول ~~فيها: # بربك أيها الفلك المدار # أقصد ذا المسير أم اضطرار # مدارك قل لنا في أي شيء # ففي أفهامنا منك انبهار # وفيك نرى الفضاء وهل فضاء # سوى هذا الفضاء به تدار # وعندك ترفع الأرواح أم هل # مع الأجساد يدركها البوار # إلخ. # ولابن سينا والرازي أشعار فلسفية، وقصيدة ابن سينا في النفس مشهورة ومنها: # هبطت إليك من المحل الأرفع # ورقاء ذات تعزز وتمنع # محجوبة عن كل مقلة عارف # وهي التي سفرت ولم تتبرقع # وصلت على كره إليك وربما # كرهت فراقك وهي ذات تفجع ~~... إلخ. # وله أشعار بالفارسية أيضا يرد بها على من اتهمه بالكفر والإلحاد. ومن كلام أبي بكر ~~الرازي محمد بن زكريا قوله: # لعمري ما أدري وقد آذن البلى # بعاجل ترحال إلى أين ترحالي # وأين محل الروح بعد خروجها # من الهيكل المنحل والجسد البالي # إلى غير ذلك مما أتى على هذا النسق من كلام أهل هذه الطبقة. # فإن لم يكن لفنون الأدب الأعجمية كبير تأثير على شعر العرب ونثرهم، فهل لفنون الأدب ~~العربي تأثير على شعر الإفرنج؟ # بينا أبحث عن جواب هذا السؤال، وإذ رأيت في جريدة طرابلس الشام عدد 462 مقالة في الزجل ~~والتوشيح وكتاب العذارى المائسات، الذي استخرجه صاحب جريدة الأرز من سفر قديم العهد مخطوط ~~بالحرف المغربي المثبج عثر عليه في خزانة كتب بدير القديس أنطونيوس للرهبانية الحلبية في ~~رومة، وقال فيه: فتصفحته فإذا فيه طائفة كثيرة من الشعر الفائق مقطعات ومختارات، خرج بها ~~ناظموها عن أوزان الشعر العربي المعينة، وأجزاء بحوره المفروضة، وأحكام أعاريضها وضروبها ~~المطردة بيد أنهم أجادوا في ذلك منتهى الإجادة، فانتقيت مما عثرت عليه كل نفيس ... خدمة لأهل ~~الأدب وإثباتا لسبق العرب إليها؛ وبعد أن ذكر صاحب المقالة تعريف الموشح، والزجل وعروض ~~البلد، والمزدوج، والكاري، والملعبة، ms063 والغزل وغير ذلك قال: # وقد استحسن شعراء الإفرنج من الإسبان، والألمان، والطليان، والفرنساويين هذه ~~الضروب من فنون الشعر العربي، ونسجوا على منوالها كما يرى ذلك من دواوين شعرائهم، ~~ولا مراء بأن ذلك انتقل إليهم من العرب حيث لم يأنسوا بأنوار هذه المستحدثات، إلا ~~في أواخر القرن الثالث عشر. والمتصفح لكتب العرب والإفرنج يرى شذرات من هاتيك ~~العذارى، ولكن قل أن يراها مجتمعة في صفحات عديدة أو كتاب واحد مع أنها في درجة ~~عليا من الحسن والجودة، وتطريب السامع. ~~(انتهى). # فإيضاحا لمجمل هذا القول رأينا أن نبحث في منشأ الأدب الإفرنجي، وفي دخول العرب بلاد ~~الإفرنج. ~~••• # كانت فرنسا في قديم الزمان تسمى أرض الغول، وكان يسكنها قبائل الغولوا والسلت (القلت) من ~~البربر المتوحشين، فلما استبحر عمران الرومانيين في رومة وقويت شوكتهم ساقوا العسكر من ~~إيطاليا على سواحل فرنسا الجنوبية، واستولوا على إسبانيا لجياده الهواء والأرض فيها وشكلوا ~~في أطراف مرسيليا، ومصب نهر الرون ولاية سموها بروفانس، ومعناها الأيالة وجعلوا عاصمتها ~~مدينة إكس، وهي في شمالي مرسيليا، وبنوا على الحدود الإسبانية مدينة نربون بالقرب من مستنقع ~~على شاطئ البحر، واتخذوها محطا لرحالهم في سفرهم إلى إسبانيا وإلى الحمامات المعدنية التي ~~في جبال البيرينة. # وقبل الميلاد بخمسين سنة تعين يوليوس قيصر واليا على بروفانس، فوسع حدود الولاية وفتح ~~أرض الغول، وألحقها بأملاك الدولة الرومانية فصارت الولاة ترسل إليها من رومة، ومعهم ~~العسكر والمأمورون؛ فنظموا إدارتها وفتحوا طرقها، وعمروا فيها القلاع والحصون والمدن، ~~ونشروا فيها شيئا من حضارتهم ومن لغة عوامهم وهي اللغة اللاتينية الدارجة، وأدخل المبشرون ~~بالمسيحية الدين فيها فصارت اللاتينية لغة الدين والدولة، واستمرت بلاد الغول في أيدي ~~الرومانيين نحو أربعمائة سنة، وحينما انقسمت دولة الرومان إلى شرقية مقرها القسطنطينية، ~~وإلى غربية مقرها رومة وذلك في سنة 395م؛ كانت فرنسا في قسمة الغربية ضرورة غير أن تسبب ~~الولاة، وضعف قوتهم العسكرية أباح لقبائل الجرمان التجاوز على أرض الغول والاستيطان فيها، ~~كما استوطن من قبلهم قبائل القوط، والفاندال أرض إسبانيا وسموا الأندلس باسمهم، ms064 فقالوا: ~~فاندالوسيا، أو أندالوسيا. ففي أوائل القرن الخامس للميلاد نزلت قبائل الويزي قوط في جنوب ~~نهر لوار المار في وسط فرنسا، والمنصب في المحيط بالقرب من مدينة نانت، ونزلت قبائل ~~البورغوند في وادي الرون وجبال جورا، ونزلت قبائل الفرنك في شمالي أرض الغول؛ أي في بلاد ~~البلجيك. ونزلت الألمان على ضفاف الرين العليا، واستمرت حكومة الرومانيين محصورة وسط بلاد ~~الغول على ضفاف نهر السين، غير أن القبائل النازلة سالموا الحاكم الروماني وقاتلوا تحت ~~قيادته قبائل الهون الآسيوية، وكانت قد هجمت على غربي أوروبا وخربت البلاد وأراقت الدماء، ~~فهزموا رئيسهم أتيلا سنة 450م أمام مدينة شالون التي على نهر مارن، فلمت قبائل الهون شعثها ~~وجمعت جموعها وفاضت على الممالك الرومانية في إيطاليا كالسيل الجارف، واستولوا على رومة سنة ~~476م وأبادوا ملكها، فتفردت قياصرة الروم في القسطنطينية بالحكم على الرومانيين، واستقلت ~~القبائل النازلة في أرض الغول، وكان أشجعهم وأقدرهم قبائل الفرنك فاستبدوا بالأمر وطرد ~~رئيسهم قلوفيس الوالي الروماني، وقام مقامه في حكومة الغول، وتزوج بمسيحية من البورغوند ~~فنصرته هو وقومه، ونصره الرهبان على قبائل البورغوند، والويزي قوط؛ فحكم عليهم وأسس سنة ~~481م الدولة التي سميت باسم جده «ميروفة»، فقيل لها: «ميروفينجيان» أي آل ميروفة، وهي أول ~~دولة من الإفرنج ودام حكمها ثلاثة قرون. وحيث كان ملوك الإفرنج يقسمون الملك بين أولادهم ~~انقسمت دولة الميروفينجيان إلى أقسام متفرقة، فضعفت قوتها وتضعضعت وأصبحت، أيام دخول العرب ~~إليها، منقسمة إلى أربع ممالك يملكها ملوك من آل ميروفة: ~~(1) # أوستراسيا؛ أي المملكة الشرقية، وهي عبارة عن الألزاس، واللورين وما جاورهما ~~من ضفاف نهر الرين، ولم يكن لملكها من آل ميروفة نفوذ فيها، بل كانت الكلمة ~~فيها لأعيانها وكبيرهم دوق أوستراسيا ومقرهم مدينة مج. ~~(2) # نوستريا؛ أي المملكة الغربية، وهي على ضفاف السين إلى أورليان جنوبا ~~وعاصمتها باريس، وكذا أورليان والمالك عليها من سلالة ميروفنجيان أصحاب الملك ~~الشرعي على عموم فرنسا. ~~(3) # بورغونيا، وهي على ضفاف الرون والسون، وعاصمتها ديجون. ~~(4) # أكيتانيا، وهي ما بين جبال البيرينة ونهر غارون المنصب في ms065 المحيط بعد مروره ~~بطولوز وبوردو، وكانت إذا ذاك تحت حكم الدوق أود الملقب بدوق أكيتانيا، وهو من ~~نسل ميروفه ومقره طولوز، وتسمى الأيالة المحيطة بها لانغيدوق وما في جنوبها ~~سبتيمانيا، كما يسمى القسم الذي على ساحل الأوقيانوس المحيط غسكونيا، وأطلق ~~عليه في كتب العرب أرض غشكونية. # ففي سنة 687م تداخل دوق أوستراسيا المسمى ببين دريسنال في شئون مملكة نوستريا لغفلة ~~ملوكها من آل ميروفة، وإهمالهم مصالح الملك حتى أطلق عليهم اسم الملوك البطالين لقعودهم ~~وتخنثهم، وجعل ببين نفسه مشيرا للملك في باريس وأميرا للأمراء في المملكة على مثال ما حدث ~~في عهد الخلفاء العباسيين، ثم انضمت إليهم بورغونيا فصار لدوق أوستراسيا نفوذ في أكثر ~~المملكة، وهيأ الأمر لابنه شارل مارتل صاحب الوقائع مع العرب، ولحفيده من بعده، فحقد على ~~ببين الأمراء من آل ميروفة لا سيما أود دوق أكيتانيا لتفوقهم عليه في الأصالة وشرف ~~النسب. # وقبل دخول الرومانيين أرض الغول كان لسكانها من قبائل الغولوا، والسلت النازلين أرض ~~بريطانية ألسن مخصوصة همجية، فلما انتشر بينهم عسكر الرومانيين، ومأموروهم ومن تبعهم من ~~التجار والسوقة صاروا يتكلمون لغة عوام اللاتين وسوقتهم؛ أي اللاتينية الدارجة ويلوكون بها ~~ألسنتهم كما يلوك الزنجي لسانه بالعربية أو السنغالي بالفرنساوية، فلما استولت قبائل الفرنك ~~على أرض الغول، وطردوا منها والي الرومان اقتبسوا لسان أهلها، وما لديهم من الحضارة ~~الرومانية وضموا إلى هذه اللاتينية المحرفة كلماتهم الفرانكية البربرية، فظهر من هذا ~~الاختلاط لغة سميت «رومان»، وهي لاتينية سوقية تحرفت بلسان الغولوا، والسلت ثم امتزجت بلسان ~~الفرانك، وحيث كان اللسان والدولة تابعين لقانون واحد في الترقي والانحطاط والانقسام انقسمت ~~لغة رومان بانقسام الدولة إلى قسمين؛ أحدهما كان يتكلم به أهل الجنوب، ويسمى «أوق»، ومنه ~~لسان بروفانسال المنسوب لأيالة بروفانس وهو أقرب للسان الطليان والإسبانيول منه إلى اللسان ~~الفرنساوي الجديد، والثاني كان يتكلم به أهل الشمال ويسمى «أويل»، ثم انقسمت لغة أهل الشمال ~~إلى لهجات متعددة غلبت على الجميع لهجة جزيرة فرنسا، وهي الأيالة التي عاصمتها باريس، ~~وتعممت في الولايات ms066 الشمالية حتى صارت اللغة الفرنساوية الحالية، ثم انتشرت في الأيالات ~~الجنوبية حينما استولى عليها سنة 987م هوغ قابت مؤسس الدولة الثالثة من دول الإفرنج في ~~فرنسا. # ولم تزل الحكومة الفرنساوية تسعى في نشرها وتعميمها وإصلاحها إلى يومنا هذا، ومع ما تصرفه ~~من العناية في تعليمها لم يزل في أهل القرى من لا يعرف منها الكلمة الواحدة، ونزلت ذات يوم ~~قرية من قرى الفرنساويين في جبال البيرينة، فلم أستطع التفاهم مع أهلها حتى جاءني رجل من ~~القرية المجاورة، وله تردد على الأمصار الفرنساوية ومدنها العامرة. # فالفرنساويون أخذوا لسانهم من قوم ليس لهم به قرابة جنسية، وسموا أنفسهم باسم قبيلة ~~أجنبية من قبائل الجرمان الذين خرجوا من ألمانيا، وتغلبوا على فرنسا، وأسسوا فيها حكومتهم ~~وسموها باسمهم، وتناسوا اسمها القديم وهو أرض الغول واسم سكانها الغولوا. # ولما دخل العرب فرنسا كان أهلها يتكلمون لغات كثيرة همجية غير مدونة؛ إذ كانت القراءة ~~والكتابة باللسان اللاتيني الفصيح في فرنسا، وفي عموم أوروبا الغربية بما فيه إنكلترة. فمن ~~تلك اللغات التي لم تدون حينئذ لغة الباسك، وكان يتكلم بها قبائل الواسكون سكان البلاد في ~~قديم الزمان، ومنهم سميت إكيتانيا بأرض غسكونية، ولم يزل من المتكلمين بلسان الباسك نحو ~~120000 في فرنسا، ونصف مليون في إسبانيا. ومنها لغة بروفانسال، ولم يزل لها عدة لهجات ~~(باتوا) يتكلم بها أهل القرى في الولايات الجنوبية وفي ضواحي مرسيليا، ومنها لغة بريتون وهي ~~بقية لغة القلت أو السلت، ولم يزل من المتكلمين بها نحو مليون ونصف في شبه جزيرة بريطانيا ~~غربي فرنسا، ومنها لغة فلاماند وهي نوع من الألمانية ولم يزل يتكلم بها نحو 165000 من سكان ~~الحدود الشمالية. وغير ما ذكر من اللغات التي انقرضت بدون أن يبقى لها أثر في اللغة ~~الفرنساوية كلغة أكيتانيا، أو بقي لها أثر فيما يسمونه باتوا من لغات أهل القرى؛ إذ لكل ~~ناحية باتوا مخصوصة بها لا يفهمها أهل الناحية الأخرى بخلاف اللغة العربية الدارجة؛ فإن ~~المرسيني، والإسكندروني، والبيروتي، واليافي، والإسكندري، والطرابلسي، والتونسي، والجزائري، ms067 ~~والطنجي يفهم بعضهم بعضا بأدنى تأمل وأقل فكر مهما تحرفت كلماتهم، وكذا أهل المدن في داخل ~~تلك السواحل، فلا يتعذر عليهم فهم لهجات بعضهم بعضا مع أنه لم يحصل عناية ولا همة في نشر ~~اللغة العربية وتعليمها، بل الهمم مصروفة في تلك البلاد العربية لنشر غير العربية من اللغات ~~الأعجمية كالفرنساوية، والإنكليزية، والطليانية، والتركية. فبينما كانت فرنسا متفرقة الكلمة ~~لغة وسياسة إذ دهما العرب واستولوا على أكثرها. ~~••• # لما جلس الوليد بن عبد الملك بن مروان (ولد 48-96ه) سادس الخلفاء الأمويين والثالث من آل ~~مروان، كانت ولاية إفريقية ملحقة بولاية مصر ، والعامل عليهما عبد العزيز بن مروان، فلما ~~أتاه الحسن بن النعمان بالغنائم التي غنمها من البربر طمع فيه، فشكاه الحسن بن النعمان إلى ~~الوليد، ففسخ عن مصر إفريقية وولاها موسى بن نصير، وكانت مملكة القوط في اختلال من استبداد ~~رودريك بالأمر، وتغلبه على طليطلة عاصمة الملك، وظلمه في قبائل الغوط وتسلطه على أعراض ~~بناتهم، فاستجار الإسبانيول بالعدالة الإسلامية واغتنم موسى الفرصة، وكتب للخليفة يستأذنه ~~في فتح بلاد أطيب هواء من الشام، وأخصب أرضا من اليمن، وأعطر زهرا من الهند. وبعد ~~استحصاله على إذن الخليفة سير طارق بن زياد بجيش من البربر، فاجتاز بحر الزقاق على ~~المراكب من أضيق محل فيه، ونزل بساحل أوروبا عند صخرة هائلة كأنها الجبل فسميت باسمه، وقيل ~~لها: جبل الطارق وقيل لمجمع البحرين المكتنفين بها: بوغاز جبل الطارق (جبل التار)، وكان ذلك ~~سنة 92 للهجرة، وسنة 710م، وألف عبد الحق حامد مستشار سفارة لوندره رواية تشخيصية باللسان ~~العثماني سماها طارق، وأبدع في نظمها ونثرها، وبين فيها هذا الفتح المبين، فانتصر طارق في ~~محاربة وادي ليتة بالقرب من جزيرة قادس، ولحقه موسى بن نصير بجيوش من العرب وأشراف قريش، ~~وفتحوا مالقة وإشبيلية، وهي على شاطئ الوادي الكبير، وقرطبة، وطليطلة عاصمة ملوك القوط، وهي ~~على نهر باجة المسمى بنهر تاج، وظلوا سائرين حتى بلغوا أسفل جبال البيرينة الفاصلة بين ~~إسبانيا، وفرنسا وفتحوا أستورغة، وهي في أسفل تلك الجبال. ms068 وهذه أول مرة رأى فيها القرشيون ~~جبال البيرينة، وهم تحت قيادة موسى بن نصير وسموها «جبل البرنات» بكسر الراء؛ هذا من جهة ~~الغرب. # وأما من جهة الشرق فسير الحجاج والي العراق جيشا عقد لواءه لابن عمه محمد بن القاسم ~~الثقفي تجاوز به نهر السند وفتح الهند، وسير جيشا آخر تحت قيادة قتيبة بن مسلم تجاوز به ~~نهر جيحون من خراسان، وفتح ما وراء النهر وتقدم حتى بلغ كاشغر، وأخذ الجزية من ملك الصين. ~~وأصبح ما بين المشرق والمغرب تابعا للوليد، وهو منعم في قصره لم يخرج في غزوة، واستوثقت ~~له الأمور ولم تتغلل عساكره المنصورة إلا في بلاد الترك، وهي في قيادة الحجاج وفي بلاد ~~الروم، وهي في قيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك. وبلاد الترك هي تركستان وما بين بحر الخزر، ~~وبحر خوارزم (بحيرة أرال) وما في شمالها من أراضي سيبريا، وكانت في حكم خاقان الترك كما هي ~~اليوم في حكم قيصر الروس. وبلاد الروم هي بر الأناضول والروم إيلي، وكانت تابعة لقيصر ~~الروم؛ أي لدولة الرومان الشرقية كما هي اليوم من أجزاء الممالك العثمانية، ومن حسن حظ ~~الوليد توفقه لبناء المسجد الأقصى، ومسجد المدينة، وجامع دمشق، وفي كل بنيان منها دليل شاهد ~~على حضارة ذاك الزمان، وترقي أهله في الصنائع والعمران. # ثم جلس على كرسي الخلافة أخوه سليمان (54-99ه) ابن عبد الملك بن مروان، وجازى قتيبة بن ~~مسلم فاتح الشرق بما جازى به أخوه الوليد فاتح الغرب، وهو موسى بن نصير. وهكذا كانت الخلفاء ~~تجازي فاتحي الممالك الإسلامية بأشنع مما جوزي به سنمار، فماتوا منكوبين قهرا لا يملكون ~~شيئا مما جنته أيديهم من أموال الغنائم. وزادت نكبة موسى بن نصير بقتل ولده عبد العزيز ~~مكافأة على حسن إدارته في ولاية إشبيلية. وكان موسى متأهبا للإغارة على الأمم التي بين ~~جبال البيرينة وخليج القسطنطينية، وإدخالها جميعا في الإسلام كما دخلت أمم آسيا وأفريقية ~~ولم يكن هذا الأمر على موسى بعزيز لوجود الاختلاف والتفرقة بين أمراء الإفرنج، وعدم النجابة ~~في ms069 ملوكهم الملقبين بالبطالين، ولكن سوء تدبير الأمويين صده عن هذا العمل العظيم، ومكن ~~الإفرنج في فرنسا مما لم يتمكن منه القوط في إسبانيا من الائتلاف والاتحاد وصد هجمات ~~العرب. # وبسوء تدبير الخلفاء أيضا وعدم غرسهم المعروف في أهله، وعدم مكافأتهم المخترعين، ~~والمكتشفين كما كانوا يكافئون الشعراء والمغنيين التحق البعلبكي مخترع النار اليونانية ~~بقيصر الروم، وأسر إليه كيفية عمل هذه النار، فأمر باصطناعها في معامل القسطنطينية برا ~~وبحرا؛ لأن مسلمة بن عبد الملك أخا الخليفة اخترق بعسكر الإسلام بر الأناضول وعبر من مضيق ~~الدردنيل المسمى «بوغاز چنا قلعه»، وطلع لأوروبا واتبع ساحل بحر مرمرة حتى وصل أسوار ~~القسطنطينية، ووضع الحصار عليها كما حاصرها من قبل سفيان بن عوف الأزدي في خلافة معاوية سنة ~~48ه، واستشهد إذ ذاك 30 ألفا من أهل الإسلام وفيهم خالد أبو أيوب الأنصاري، ولم يزل ضريحه ~~يزار في الحي المنسوب إليه على ساحل الخليج المسمى بقرن الذهب، وبينما كانت عساكر مسلمة ~~تحاصر من جهة البر كان أسطول الإسلام المجهز في سواحل سورية ومصر من خشب أحراج لبنان راسيا ~~في مياه القسطنطينية، فالذي منع العرب من فتح القسطنطينية هي النار اليونانية؛ لأنها أضرت ~~بعسكر المسلمين وأحرقت مراكبهم، وكانت عدتها ألف وثمانماية مركب، والكبار منها عشرون مركبا ~~أمام عاصمة الروم كأنها ألغاب من الصواري والكماة فيها كالأسود، فاحترقت بأجمعها ولم يعد ~~منها للإسكندرية سوى خمسة مراكب؛ فالمخترع لهذه النار السيالة - على ما ذكره المؤرخ ~~الإنكليزي جيبون - هو رجل من بعلبك يسمى كالينيقوس كان يصطنعها من النفط، والكبريت، وفحم ~~الصنوبر بطريقة مخصوصة ومقدار معين، فكانت تشتعل في الماء والهواء، وتدمر ما تنصب عليه؛ ~~ولذا سميت أيضا النار البحرية. # وما زال العسكر في الحرب يعولون عليها ويتقون ضرها إلى أن اكتشف العرب على ما يظن بارود ~~المدافع بإضافتهم إلى مسحوق الفحم والكبريت ملح البارود، ونقله عنهم في القرن الثالث عشر ~~للميلاد روجر باكون الإنكليزي (1214-1294م) وغيره من كيماويي الإفرنج، واشتهر استعمال ~~البارود في المدافع سنة 1346 في المحاربة التي وقعت بين ms070 فرنسا وإنكلترة في قريسي، وهي في ~~شمال باريس على نهر صوم، فكان ملك الإنكليز إدوارد الثالث يقود العساكر هو وابنه البرنس ~~دوغال، وكانوا مسلحين بالقوس والنشاب ومعهم بعض المدافع التي ظهر استعمالها في ذاك الوقت، ~~فغلب الإنكليز مع قلة عددهم بسبب الانتظام والترتيب العسكري، فهذه أول محاربة في أوروبا ~~استعملت فيها المدافع، ولكن المظنون أن العرب استعملوها قبل هذا التاريخ أي في أواخر القرن ~~الثالث عشر للميلاد في محاصرتهم جزيرة صقلية سنة 672ه؛ وعلى كل فلا ندري كيف ترك هذا ~~الكيماوي البعلبكي خدمة الخلفاء الأمويين والتحق بقيصر الروم، وفي الدولة الأموية في ذاك ~~العصر من يحرص على الكيمياء ، وعلى تفرعات مسائلها مثل خالد وجعفر وجابر، ومن أخذ ~~عنهم. # توفي سليمان بن عبد الملك مرابطا في مرج دابق من أرض قنسرين وأخوه مسلمة منازل ~~القسطنطينية، ثم جلس عمر (61-101ه) ابن عبد العزيز بن مروان، وأبقى ابن عمه مسلمة على حصار ~~القسطنطينية، وتجاوزت عساكر الأندلس إلى وراء جبال البيرينة من أرض فرنسا ليحققوا آمال موسى ~~بن نصير في الذهاب برا إلى القسطنطينية. وكانت مدينة نربون تفوق مرسيليا في العمران، ~~وتتصل في البحر الشامي بترعة طولها ثماني كيلومترات، فتدخلها المراكب كما تدخل اليوم حاضرة ~~تونس الخضرا، فحاصرها علقمة بجيوش المسلمين من البر والبحر، وامتد الحصار سنتين لتحصنها ~~بالمستنقعات وبالقلاع الرومانية. # ثم جلس يزيد (76-105) ابن عبد الملك بن مروان تاسع الأمويين وسادس المروانيين، وفي أيامه ~~دخل علقمة بالسيف إلى نربونه فرممها وزاد في تحصينها، واتخذها مركزا لحركاته العسكرية في ~~فرنسا وصار العرب يسمونها أربونة، وافتتحوا ما حولها من القرى والقصبات التي في أرض ~~سبتمانية، وظلوا سائرين حتى دخلوا أيالة لانغيدوق وألقوا الحصار على مدينة طولوز (طلوشه)، ~~وكانت إذ ذاك مقر دوق أكيتانيا المسمى أود، فخرج لهم الدوق بجيوشه من الويزي قوط، ~~والواسكون، والفرانك واقتتلا قتالا شديدا قتل فيه كثير من الجانبين، وكان علقمة يستشيط ~~غيرة وحمية ويكر بنفسه ويشجع الأبطال بكلامه، فأصابه سهم قضى به نحبه وافترق الجمعان، وكان ~~ذلك في شهر مايس ms071 سنة 721م وسنة 103ه، فاستلم قيادة الجيش عبد الرحمن وكان من ذوي الحمية ~~والاقتدار، ومن أصحاب عبد الله بن عمر، وانقلب راجعا إلى ضواحي نربون وإلى مصب نهر ~~الرون. # وفي سنة 105ه أو سنة 724م توفي يزيد بن عبد الملك حزنا على حبابة، فجلس على كرسي الخلافة ~~أخوه هشام (70-125ه) ابن عبد الملك بن مروان، وعين واليا على الأندلس عنبسة فأراد الأخذ ~~بثأر سلفه علقمة، وتجاوز بالعساكر جبال البيرينة ونزل أيالة سبتمانية وهي اليوم ولاية ~~البيرينة الشرقية، وولاية أود وما جاورها، وافتتح مدينة قرقسون وسموها «قرقشونة»، وهي في ~~غرب نربون وعلى سكة الحديد الواصلة بين مرسيليا، وطولوز، وبوردو، وتقدم عنبسة بالعسكر فجاءه ~~أهل مدينة نيم ، وهي في الشمال الغربي من مرسيليا وطلبوا منه الأمان، فأمنهم ودخل مدينتهم ~~بالصلح وسموها نيمة، وأخذ أبناء أعيانها رهنا على طاعة آبائهم وحفظهم في برشلون (برشلونة)، ~~وهي على ساحل البحر الشامي في أيالة قطالونيا المشرفة عليها جبال البيرينة، وتقدمت جيوش ~~عنبسة على ضفاف الرون حتى دخلت مملكة برغونية وغزت مدينة أتون سنة 107ه، وسنة 725م، وفي هذه ~~السنة قتل عنبسة في إحدى المعارك، وبلغ ما غنمه المسلمون في زمن ولايته ضعف ما غنموه في ~~السنين السابقة من بلاد فرنسا، واستلم قيادة الجيش بعده حديثة ورجع بالعسكر إلى الحدود ~~الإسبانية، فلاقى بها المدد الذي بعث به المرابطون في الأندلس فكر بهم على بلاد الإفرنج، ~~وألقى الرعب في قلوب أهلها، وأوغل في الأرض الشمالية وفي مملكة برغونية. # ويزعم مؤرخو الإفرنج أن العرب أكثروا في هذه الحروب من إراقة الدماء، وهدم البناء، وإحراق ~~الكنائس، والأديرة وتخريبها وإتلاف الأموال وغصبها، ومنهم من يعترف بأن العرب أخف وطأة على ~~بلادهم من قبائل الهون الآسيوية الذين أتوهم من الشمال الشرقي تحت قيادة أتيلا، ودمروا ~~بلادهم تدميرا. # ولم يزل الفرنساويون ينسبون إلى العرب تخريب كل خرابة يشاهد أثرها في الأراضي الجنوبية من ~~فرنسا، ويظهر من تواريخ الإفرنج أن العرب بعد فتحهم هذه البلاد قسموها إلى أيالات، وجعلوا ~~الأرض التي على جانبي البيرينة ms072 في فرنسا، وإسبانيا من جهة البحر الشامي المتوسط ولاية اسمها ~~سيردانية، وهي اليوم عبارة عن قطالونيا في إسبانيا وعن ولاية البيرينة الشرقية في فرنسا، ~~وكان الوالي عليها قائدا من البربر مثل طارق بن زياد يسميه الإفرنج مونيزا، فاتفق الدوق ~~أود مع هذا القائد المسلم وزوجه بنته وعاهده على عدم الغزو في بلاده، فأصبح في جبال ~~البيرينة حاجزا أمام غزاة المسلمين، فاغتاظوا من هذا الاتفاق وأظهروا ميلهم لعبد الرحمن ~~الذي كان استلم قيادة الجيش بعد قتل علقمة. # وكان عبد الرحمن من أصحاب عبد الله بن عمر متخلقا بأخلاق الخلفاء الراشدين، وأكابر ~~الصحابة والتابعين حريصا على إعلاء كلمة الله، وعلى نشر الدين في جميع أقطار الأرض، فكان ~~يجتهد في تحقيق آمال موسى بن نصير والاستيلاء على أوروبا والوصول منها إلى القسطنطينية، ~~فعينه الخليفة هشام واليا على الأندلس سنة 112ه، أو سنة 720م فدخل بالعسكر مدينة بويسردا ~~وهي عاصمة ولاية سيردانية، وقتل القائد المتفق مع أود وبعث بزوجته وهي بنت الدوق إلى دمشق، ~~وقيل: بل انتحر هذا القائد المسمى مونيزا خزيا وحياء، وكانت مدينتا نيم ومون بيليه؛ ~~تابعتين للمسلمين فتقدم عبد الرحمن بالعسكر إلى ضفاف الرون وعبر إلى شاطئه الأيسر، وألقى ~~الحصار على مدينة آرل فأنجدها الفرنساويون بمفرزة من العسكر، وحميت نار الحرب وكثر فيها عدد ~~القتلى حتى امتلأ النهر بأجسادهم، ثم سار على ضفاف نهر الرون صاعدا في الشمال وألقى الحصار ~~على مدينة أفينون وافتتحها، وهذه المدينة هي التي صارت في القرن الرابع عشر للميلاد مركزا ~~للبابوية بدلا عن رومة، واستمرت تابعة للباباوات إلى ما بعد الانقلاب الكبير؛ أي لسنة ~~1791م. # وكانت فرنسا إذ ذاك في حكم الملوك الذين هم أواخر سلالة ميروفينجيان، ويلقبون لبطالتهم ~~وعطالتهم «فينيان» أي الذين لا يعملون شيئا بل كانوا يملكون بلا حكم ولا قدرة ويموتون بلا ~~عز ولا نصرة كما وصفهم المؤرخون. # وكانوا يقيمون في قصر بجوار مدينة قومبينيه، وهي في شمال باريس وفيها حصلت ملاقاة قيصر ~~الروس في زيارته الأخيرة لفرنسا، فكانوا كأنهم في حبس لا ms073 يأتون عاصمة الملك إلا مرتين في ~~السنة مرة في شهر مارس، وأخرى في مايس؛ لحضور المجلس المؤلف من أعيان الإفرنج، أو لملاقاة ~~السفراء فإذا انعقد المجلس أركب الملك في كارة يجرها ستة رءوس من فحول البقر لا من عدم وجود ~~الخيل والبغال؛ وإنما للراحة وعدم الانزعاج بكثرة الحركة والجري، وأتى به إلى المجلس ليصدق ~~على المقررات التي يتخذها ناظر السراي أو أمير الأمراء، وهو في ذاك التاريخ دوق أوستراسيا ~~المسمى شارل مارتيل، وكانت بقية الأمراء أشبه بالمستقلين في إماراتهم يبغضون بعضهم بعضا ~~وكلمتهم متفرقة، ولو دخل عليهم موسى بن نصير سنة 92ه حينما افتتح إسبانيا لامتلك أوروبا ~~بأجمعها؛ ولأدخل جميع القبائل الجرمانية الوثنيين في الدين الإسلامي. # غير أن الإفرنج لما سمعوا بظهور العرب ومحاصرتهم القسطنطينية، وكانوا يترقبون ورودهم من ~~شرق أوروبا فلما رأوهم نازلين عليهم من جبال البيرينة أخذهم الرعب فانضموا بأجمعهم إلى أمير ~~الأمراء شارل مارتيل، وكان أشدهم بأسا وأدهاهم سياسة وأحسنهم رأيا وعقلا، فلم يدر عبد ~~الرحمن بأن الوقت فات على فتح بلاد الإفرنج، وأخذ يتأهب لقتالهم وحشد العساكر من الشام، ~~ومصر، وإفريقية، والمغرب وسار بهم من جهة المحيط لا من جهة البحر الشامي المتوسط على سابق ~~العادة في دخول غزاة المسلمين لفرنسا ومر بهم من رونسيفو، وهو ممر ضيق في جبال البيرينة ~~تمر منه جيوش الفاتحين في قديم الزمان وحديثه، فمنه مر هنيبال القائد القرطجني، ومنه ~~مرت جيوش شارلمان حينما قاتل العرب، ومنه مرت جيوش نابوليون حينما فتح إسبانيا، ومنه مر ~~فيكتور هوكو في ذهابه لإسبانيا وإيابه منها، فممر رونسيفو واقع بين مدينتي بامبلونه في ~~إسبانيا، وبايون في فرنسا وهي التي سماها العرب «ببونة»، ويقطع المسافر منها بالقطار ستين ~~كيلومترا إلى منتهى الحدود الفرنساوية، ثم يسير على الخيل والعجل 15 كيلومترا أخرى فيصل ~~حلق الوادي المسمى رونسيفو، فسار عبد الرحمن في هذا الطريق وخرج لأرض غسكونيا التي سموها ~~«غشكونية» وهي سهول واسعة كثيرة المياه والأحراج، والقسم الساحلي منها أشبه بتهامة من جزيرة ~~العرب؛ ولذا سماها بعض الجغرافيين ms074 تهامة الإفرنج. غير أن الوديان التي تسيل في تهامة العرب ~~تبتلعها الرمال المحرقة، وأما المياه التي تسيل في رمال تهامة الإفرنج التي تدعى «لاند» ~~فتروي أرضها وتكثر عشبها وأشجارها. # فظل عبد الرحمن سائرا في هذه الأراضي المخصبة آمنا على عسكره ودوابه من العطش؛ حتى بلغ ~~نهر غارون المار لطولوز وبوردو، وعرضه ربما يقرب في بعض الأماكن من عرض النيل، وطول الجسر ~~الذي عليه في مدينة بوردو 487 مترا، فهو أطول من جسر القاهرة الذي على النيل نحو ماية متر. ~~فلقي عبد الرحمن على ضفاف النهر الدوق أود بما جمعه في العسكر من قبائل الواسكون، وبقية ~~أهالي أكيتانيا وانتشب القتال بين الفريقين، وكانت معركة شديدة انجلت عن انهزام الدوق ~~وعسكره، وتحصنهم في قلعة بوردو فلحقهم عبد الرحمن وحصر المدينة، وفتحها بالسيف وأباح الغزو ~~فيها لعسكره فكانوا يسمونها مدينة «برغشت»، وأصبح ما بين مصب نهر غارون في المحيط، وما بين ~~مصب نهر الرون في البحر الشامي دارا للإسلام تلقن فيه الشهادة ويعلم القرآن، وهذا القسم ~~العظيم من أوروبا قد أصبح اليوم جزيرة بسبب قناة الجنوب التي أنشأها الفرنساويون، ويسمونها ~~أيضا قناة لانغيدوق باسم الأيالة القديمة، والبضاعة الواردة من البحر المحيط تدخل نهر ~~غارون وتمر ببوردو، ثم تدخل هذه القناة عند طولوز على مراكب مخصوصة تسير موازية لنهر أود ~~حتى تخرج في شمال نربون للبحر الشامي. # وهم يتحدثون اليوم في توسيع هذه القناة وجعلها صالحة لسير السفن الكبيرة لتمر منها، وهي ~~آتية من قنال السويس وتستغني عن المرور في جبل طارق والطواف حول إسبانيا. # فانتشر خبر فتح بوردو في بلاد الإفرنج، ودخل الرعب في قلوب الناس، وفرح أكثرهم بفشل الدوق ~~أود لمظالمه؛ لأن المظلومين من الأهالي يفرحون دائما بنكبة الجبابرة المستبدين، الذين ~~يحكمون فيهم ولا يراعون حقوقهم، ويسومونهم أنواع العذاب لمنافعهم وأغراضهم؛ ولذا كان الكثير ~~منهم يهرعون لعبد الرحمن ويشوقونه للدخول في بلادهم، وإجراء العدالة الإسلامية فيما بينهم، ~~أما الدوق أود فلما رأى ذهاب ملكه هضم نفسه، واستجار برقيبه شارل مارتيل، وطلب نصرته ms075 رغم ~~بغضه إياه؛ لأن الدوق أود، وإن لم يرق إلى رتبة ملك إلا أنه كان مستبدا في أكيتانيا ~~كالملك يفعل فيها ما يشاء ويختار، وهو ذو أصالة، وينتسب إلى قلوفيس مؤسس سلالة ميروفينجيان ~~صاحبة السيادة والحق الشرعي في الملك على قبائل الإفرنج وعموم فرنسا، فأصالته كانت فائقة ~~على أصالة شارل مارتيل؛ لأن شارل لم يولد من زوجة شرعية، وإنما زنى بأمه ببين دوق أوستراسيا ~~فولدته وكبر حتى خلف والده في مسنده، وتغلب على ملوك واستراسيا، ونوستريا، وبورغونيا من آل ~~قلوفيس حفيد ميروفة، وكان في الظاهر أمير الأمراء وناظر السراي الملوكية، وفي الباطن صاحب ~~الأمر والنهي في عموم فرنسا سيما بعد استيلاء العرب على مملكة أكيتانيا. # فلما استجار الدوق أود بشارل أجابه: «دعهم الآن فإنهم كالسيل الجارف لا يصطدمون بشيء إلا ~~أبادوه، وفيهم حمية تغنيهم عن التدرع بالدروع، وفيهم شجاعة تكفيهم عن التحصن في داخل ~~القلاع، ولا يزالون على ذلك إلى أن تمتلئ أيديهم بأموال الغنائم، فإذا تنعموا بنعيم الدنيا ~~وذاقوا لذائذ الحياة وقع الطمع في رؤسائهم، فانقسموا وتفرقوا فحينئذ نهاجمهم ونخرجهم من ~~ديارنا.» # وكان الأمر كما قال، فإن عبد الرحمن بعد فتحه بوردو رأى الأهالي مائلة إليه، ووعدوه ~~بالتسليم والانقياد وشوقه بعض رؤسائهم إلى فتح تور وبوانيه لما فيهما من الأموال والخيرات؛ ~~لأن البلاد لم تكن في ذاك الوقت غنية ومعمورة كما هي اليوم، وإنما الأموال كانت مدخرة في ~~الكنائس، والأديرة، وقصور الحكام الجبابرة، فتجاوز عبد الرحمن بالعسكر نهر غارون ووطئ بخيله ~~ورجله تلك الأراضي الخصبة، والكروم التي يعصر فيها أحسن خمر في الدنيا، وعبر نهر دوردونيا ~~وهو يجتمع في نهر غارون بقرب بوردو، ويسميان حينئذ نهر جيروند كما يجتمع الفرات، ودجلة ~~ويقال لمجتمعها: شط العرب. ويصب لاجيروند في المحيط الغربي عند مدينة روايان الشهيرة ~~بحماماتها البحرية، والتي ينسب إليها سمك روايان المشابه للسردين. وتسمى ضفة لاجيروند ~~اليسرى من بوردو إلى البحر أرض ميدوق، وفيها شاتو لافيت، وشاتو لاتور، وشاتو مارغو وجميع ~~كروم العنب والقصور التي يعصر فيها أطيب الخمر، ms076 وتتلى أسماؤها المتنوعة على الزجاجات التي ~~تباع في أوتيلات الأزبكية، وتفتح على موائد أعاظم الرجال، وعلى شاطئ نهر غارون قبل دخوله ~~بوردو أرض سوتيرن، وفيها شاتو أبكيم وبقية القصور التي يعصر فيها الخمر الأبيض، الذي يشرب ~~في أوائل الطعام عند أكل لحوم السمك. # ولما وصل عبد الرحمن مدينة أنكوليم وجد جيشا من الإفرنج، ففرق جمعهم ودخل المدينة ~~منصورا ظافرا، وفي غربيها مدينة كونياك المنسوب إليها خمر الكونياك المعروف، وظل عبد ~~الرحمن سائرا بعساكره المظفرة في تلك المروج والغابات الكثيرة المياه، وكانت كجنات تجري من ~~تحتها الأنهار بالنسبة لصحاري أفريقية ولجزيرة العرب، والفرسان ترتع وتلعب على خيولها ومعهم ~~نساؤهم وأولادهم، حتى وصلوا مدينة بوانيه ففتحت لهم أبوابها، ويزعم مؤرخو الإفرنج أن العرب ~~سلبوا ما في كنيستها من أواني الذهب والفضة والأقمشة المزركشة، والمنصفون من هؤلاء المؤرخين ~~يعترفون للعرب بالعدل والحق، والرفق بالمغلوبين. ثم عبر عبد الرحمن نهر فينا المار بأيالة ~~فينا وهي التي مركزها بوانيه بخلاف فينا عاصمة النمسا التي حاصرها الأتراك، وأقاموا عساكرهم ~~المظفرة على أبوابها. وفي جنوب أيالة فينا أيالة أخرى يقال لها: فينا العليا ومركزها ليموج، ~~وما زال عبد الرحمن يتقدم حتى وصل مدينة تور وهي على نهر لوار المنصب في المحيط، وألحق أكثر ~~من نصف فرنسا بممالك الدولة الأموية الحاكمة إذ ذاك على الهند وما وراء النهر إلى كاشغر، ~~والصين، وتركستان، وكان الفاتح لها سنة 119ه أسد بن عبد الله القسري، فإنه دخل بغزاة ~~المسلمين بلاد الترك، وقتل ملكهم خاقان وغنموا شيئا كثيرا. # فمنتهى الحدود التي وصل إليها العرب في أوروبا، هي نهر لوار ومدينة تور وفي شرقيهما مدينة ~~ديجون ثم مدينة بزانسون، فالخط المار بهذه النقط يقسم فرنسا إلى قسمين شمالي وجنوبي، ~~والجنوبي بأجمعه دخل في ملك المسلمين، وأقاموا في بعضه قليلا وفي بعضه كثيرا، واستسلموا ~~كثيرا من أهله وتزوجوا ببناتهم وأعقبوا منهم، ولم يزل لأهل الجنوب من الفرنساويين شبه ~~بالعرب في سيماء الوجوه. # قال المؤرخ الإنكليزي جيبون في ذكر حوادث سنة 742م: «تقدم العرب في ms077 أوروبا أكثر من ~~ثلاثمائة مرحلة # lieues # من صخرة جبل الطارق إلى مصب نهر لوار ~~كلها مظفرات، ولو تقدموا ثلاثماية مرحلة أخرى لوصلوا حدود بولونيا في شرق أوروبا أو جبال ~~أيقوس من إنكلترة ولسهل عليهم عبور نهر الرين المار بألمانيا، كما سهل عليهم عبور الفرات ~~والنيل، ولكان الأسطول العربي من جهة أخرى دخل نهر التميس بلا محاربة بحرية - لعدم وجود ~~أسطول إنكليزي في ذاك الوقت يضاهي أسطول مصر، وسورية أو أسطول تونس - ولرأينا اليوم علماء ~~يفسرون القرآن في مدارس أوكسفورد، ويفقهون أفراد أمة الإنكليز المختتنين، ويشرحون لهم وهم ~~مرتفعون على كراسي الوعظ معجزات النبي العربي، فالذي خلص العالم المسيحي من ذلك هو ابن ~~الزانية شارل مارتيل ناظر سراي الملوك الفرنساويين من سلالة ميروفينجيان.» ا.ه. # وذلك أن شارل المذكور لما رأى المسلمين لم يبق بينهم وبين باريس إلا 234 كيلومترا حشد ~~إليه العساكر الجرارة من القبائل الشمالية الألمانية، وهم يمتازون عن سكان الأيالات ~~الجنوبية في فرنسا بطول القامة، وزرقة الأعين، وشقرة اللون وبالصبر في الحرب والمهارة في ~~الطعن والضرب، ولم يزالوا متصفين بهذه الأوصاف إلى يومنا هذا؛ ولذا اختار مقام السرعسكرية ~~منهم المعلمين للمكاتب الحربية في الأستانة مثل غولج باشا، وقبله مولتكه باشا مرتب حركات ~~الجيش في حرب السبعين الفرنسوية. # وكان عبد الرحمن نازلا بالعسكر أمام مدينة تور في الوادي الذي يجري فيه نهر لوار، ويحيط ~~به سلسلتان من التلال تتقاربان كلما قربتا من المدينة، فبغت شارل مارتيل المسلمين وهم في ~~هذا الموقف الحرج، وحاربهم من أعالي التلال، وانتشب القتال بين الفريقين، وأظهر عبد الرحمن ~~من المهارة في حركات الجيش، وسوق الفرسان ما حير أخصامه وانجبر أخيرا على الخروج من ذاك ~~الموقع الضيق والرجوع إلى سهول بواتيه وفيها التقى الجمعان، واصطف الجيشان في محل لم يزل ~~يقال له إلى يومنا: (موسه-لا-بانايل)، ويراه المسافر من بوردو إلى باريس في القطار الحديدي ~~على بعد عشرين كيلومترا عن بواتيه شمالا؛ أي على الضفة اليمنى لنهر كلين المنصب في نهر ~~فينا المنصب في نهر لوار، واستمر ms078 الفريقان بضعة أيام على أهبة الحرب والطعان، وشارل لا يجسر ~~على الهجوم خدعة منه وحذرا، ففتح عبد الرحمن الحرب وأنزل للميدان مفرزة من فرسانه، ودام ~~القتال ستة أيام والنصر فيها للمسلمين، وفي اليوم السابع هجمت عساكر شارل هجمة اليأس ~~والقنوط على مكان الحريم والغنائم، فانشغلت أفكار المسلمين على أموالهم، وعيالهم وقتل عبد ~~الرحمن على رواية مؤرخي الإفرنج بعد مقاومة شديدة، وكان ذلك في شهر تشرين أول سنة 732م وسنة ~~114ه، ورجعت بقية السيوف من أهل الإسلام لا عن طريق رونسيفو بل عن طريق طولوز، وقرقسون، ~~ونربون لرسوخ قدمهم في تلك الجهات. # ولحقهم شارل مارتيل واسترجع مدينة أفينيون، ولم يقدر على استرجاع نربون فهدم ما في شمال ~~نهر أود من الحصون والقلاع، وصيره قفرا لكيلا يطمع فيه العرب، وقد نظم أحد شعراء ~~الفرنساويين المسمى «قارل دوسنت غارد» في حدود سنة 1684 ديوانا عنوانه «إخراج العرب من ~~فرنسا»، وجعل فيه البطل المغوار في هذه الحروب شيلوبرانداخ شارل مارتيل، فنكت عليه الشاعر ~~بوالو وجهله على مدحه بطلا لم يحقق التاريخ وجوده بين أبطال تلك الحروب. # فاشتهر شارل في البلاد وصار الناس يتحدثون به في فرنسا، وإيطاليا، وعموم أوروبا ويروون عن ~~شجاعته أحاديث ملفقة، ويزعمون أن بلطته أو فأسه المسمى مارتو أو مارتل قتل ما يربو على ~~ثلاثمائة ألف من العرب، غير أن واقعة بواتيه على التحقيق لم يكن فيها تغلغل كبير على عساكر ~~الإسلام، ولو بقي في شارل بعدها قوة لأخرجهم من ناربون ورمى بهم إلى ما وراء جبال البيرينة، ~~وحصن منافذ الجبال وجعلها مانعة لهجومهم ولكنه لم يستطع ذلك، واستمر العرب في جنوب فرنسا ~~حقبة من الزمان سيما في أطراف مارسيليه، ولم نزل نشاهد في متحف نربون كثيرا من آثارهم ~~وأوانيهم الخزفية، وإليهم تنسب «جبال المور» # 14 # وهي في شمال طولون ومارسيليه، كما نسبت إليهم قسطل سارازين، وهي مدينة بين ~~بوردو، وطولوز، والقسطل هو الحصن أو القلعة، ولم يزل في ضواحي القدس قرية يقال لها: القسطل، ~~فقسطل سارازين معناها حصن العرب وقيل ms079 غير ذلك، والله أعلم. # شارل مارتيل يحارب العرب في فرنسا. # وكان هشام بن عبد الملك عاشر الخلفاء الأمويين قد عين على إفريقية عبيدة بن عبد الرحمن ~~بعد استشهاد واليها بشر بن صفوان الكلبي في فتح صقلية، وهي جزيرة سيسليا التابعة اليوم ~~لإيطاليا، غير أن ولاية عبيدة لم تطل بل عزل ونصب مكانه عبيد الله بن الحبحاب، وهو الذي ~~زين تونس بالمباني الفاخرة وأنشأ في ساحلها دار صناعة للسفن؛ أي (ترسانة) كما يسميها ~~الأتراك، أو «شانية» كما يقول الإفرنج، فلما بلغ عبيد الله وفاة عبد الرحمن في واقعة بواتيه ~~بعث واليا على جزيرة الأندلس عبد الملك بن قطن، فأصلح حال الجيش وزوده وساقه على فرنسا سنة ~~117ه سنة 735م، فاستردوا الأيالات الجنوبية التي في أطراف نربون وقرقسون وعلى ضفاف أود، ~~وعبروا نهر الرين وضبطوا أيالة بروفانس بأجمعها سنة 120ه، أو سنة 737م من حاكمها مورونت ~~ومركزه إكس في شمال مرسيليه، وظلوا سائرين على سواحل البحر الشامي حتى دخلوا إيطاليا، ~~وأغاروا فيها على مملكة لومبارديا التي عاصمتها ميلان فاتفق ملكها لوي بران مع المتغلب على ~~ملك الإفرنج، وهو شارل مارتيل دوق أوستراسيا وناظر السراي الملوكية، وأرجعا العرب إلى قرب ~~جبال البيرينة سنة 122ه أو سنة 739م، ولم يقدرا على إخراجهم من نربون ولا من قرقسون. # ثم إن عبيد الله بن الحبحاب والي إفريقية عين عقبة بن الحجاج على الأندلس، فحضر إليها ~~واستلم زمام الأمر فحصلت فتنة، وتغلب عليه عبد الملك بن قطن الفهري فذهب عقبة بن الحجاج إلى ~~قرقسون في فرنسا، وكانت عامرة بالمسلمين وبقي هناك إلى أن مات ودفن في تربة قرقسون. فغضب ~~هشام وعزل عبيد الله وولى مكانه كلثوم بن عياض واليا على إفريقية وبعث معه اثني عشر ألف ~~فارس من فرسان الشام يقودهم بلج بن بشر، فقتل كلثوم في المغرب الأقصى في واقعة جرت له مع ~~البربر، ودخل بلج بن بشر بعسكره جزيرة الأندلس، وقاتل عبد الملك بن قطن وتولى مكانه، فبعث ~~هشام لإفريقية حنظلة بن صفوان الكلبي والي ms080 مصر فجاء القيروان سنة 124ه أو سنة 741م، وأصلح ~~ما فسد في قبائل إفريقية والمغرب الأقصى، وبعث أبا الخطار الكلبي واليا على الأندلس فورد ~~إليها ونزل قرطبة وفرق عساكر الإسلام في البلاد، فأنزل الدمشقيين في البيرة (ألويره)، وهي ~~الولاية التي عاصمتها غرناطة وتكثر فيها المياه والغوطات والرياض، ومدينة غرناطة مبنية على ~~ثلاث تلال يمر من وسطها نهر حداره (دارو) المنصب في نهر شنيل، وهو ينصب في الوادي الكبير ~~(غواد الكفير) المار بإشبيلية؛ ولذا دعاه العرب نهر إشبيلية. # وفي غرناطة قصر الحمراء الشهير، وغرناطة في جنوب مادريد وعلى خط الطول المار منها، وأما ~~خط الحديد بينهما فمسافته 696 كيلومترا؛ لذا أطلق على البيرة وغرناطة دمشق، وأنزل الحمصيين ~~في إشبيلية (سفيلة) ويمر منها الوادي الكبير وفيها القصر المشهور عند الإفرنج باسم ~~«القازار»، وكان دار الملك بني عباد؛ ولذا أطلق على إشبيلية حمص، وأنزل أهل قنسرين على ضفاف ~~الوادي الأبيض (غواد لفياد) المنصب في البحر الشامي قرب بلنسية فأطلق على تلك النواحي ~~قنسرين، وأنزل أهل الأردن في مالقة (مالاغة)، وهي على ساحل البحر الشامي شرقي جبل طارق ويمر ~~منها «وادي المدينة»، وإليها ينسب الخمر المعروف باسم «مالاغة»، وأنزل أهل فلسطين في ~~سيدونيا؛ أي مدينة شريش (أكسيرس) وما جاورها، وهذه المدينة بالقرب من قادس على مسافة 22 ~~كيلومترا عن البحر المحيط، وإليها نسب كثير من الأدباء فقيل لهم: الشريشي، ومنهم شارح ~~المقامات، وكتابه مطبوع في مصر وينسب إليها اليوم الخمر المشهور باسم «شري» و«إكسبرس»، ~~وفيها فاز طارق بن زياد على رودريك ملك القوط وشتت عساكره وأخذ ملكه. وأنزل أبو الخطار ~~الكلبي المصريين في تدمير، وهي الأيالة المشتملة على مرسية، وهي على نهر سفورة تبعد عن ساحل ~~البحر الشامي المتوسط بين البحور 35 كيلومترا، وبجانبها سهول هوثرتة المشابهة لوادي النيل ~~في بركة المحصول وقوة الإنبات؛ ولذا أطلق عليها مصر. ولم يزل فيه بقايا الترع العربية ~~والقنوات، وبينما كان المسلمون في الأندلس ينظمون شئونهم ويستعدون لفتح بلاد ~~الإفرنج، # 15 # ونشر الدين الإسلامي فيها، وإذ ظهر الفساد ms081 في دمشق عاصمة الممالك الإسلامية ~~ودار خلافتها، واختلت أمور الدولة بعد وفاة هشام وجلوس الوليد (84-126ه) ابن يزيد بن عبد ~~الملك بن مروان حادي عشر خلفاء بني أمية، وجلس بعده في تلك السنة يزيد (80-126ه) ابن الوليد ~~بن عبد الملك ثم أخوه إبراهيم، ثم رابع عشر خلفاء بني أمية وآخرهم وهو مروان الحمار ~~(70-132ه) ابن محمد بن مروان بن الحكم، ولم ينتظم الأمر ولا لواحد منهم بعد موت هشام، ولا ~~سكنت الفتن في أيامهم؛ ولذا لم تتقدم الفتوحات في بلاد الإفرنج. ~~(1) داخلية أوروبا بعد رجوع العرب عنها # أما فرنسا فاستيقظت بسبب هذه الحروب من غفلتها، واجتمعت كلمتها على شارل مارتيل ناظر ~~سراي الملوك من آل قلوفيس حفيد ميروفه، فاستبد بالأمر وصار الآمر الناهي في المملكة، ~~وزال نفوذ الملوك من سلالة ميروفينجيان، وأصبحوا كالخلفاء العباسيين في آخر أمرهم، ولم ~~يستطع شارل مارتيل أن يملك على الفرنساويين لشدة ظلمه وسوء سيرته وتعديه على أملاك ~~الأديرة والرهابين، ولكنه هيأ الملك لولده ولحفيده من بعده، وأما هو فلم يرض بعمله ~~المسلمين ولا النصارى؛ لأنه ضبط أوقاف الأديرة، والكنائس ليجهز العساكر ويقوم بنفقات ~~هذه الحروب العظيمة، فأغضب بذلك الأساقفة والرهابين المتمتعين بهذه الأموال، فلم يغفروا ~~له هذه السيئة، وأغمضوا العين عن جميع حسناته عليهم وحكموا في مجتمعهم الرهباني (قونصل) ~~في فرنسا بكفره وخلوده في نار جهنم، ورآه أحد أوليائهم بعين الكشف وهو يعذب في النار ~~والأفاعي تنهش في جثته المنتنة، فشارل مارتيل واضع أساس الدولة الثانية في ملك الإفرنج ~~لم يرض عنه المسلمون ولا النصارى، ولما مات قام بالأمر بعده ابنه بيبن القيصر وحارب ~~قبائل الجرمان في ألمانيا وقبائل اللومبارد في إيطاليا، وكانوا معادين للباباوات في ~~رومة فاكتسب بذلك نفوذا وقوة، وانتخبته قبائل الإفرنج ملكا عليها، وأمر البابا بدهنه ~~بالزيت المقدس وتتويجه فدهنه، وتوجه القديس بونيفاس أسقف مايانس سنة 752، وانقرضت دولة ~~ميروفينجيان بعد أن ملكت (448-752م) ثلاثة قرون، وسميت الدولة الثانية قارلوفينجيان ~~نسبة إلى شارلمان بن بيبن القيصر وحفيد شارل مارتيل. # وملكت الدولة الثانية (752-987م) ms082 قرنين ونصف قرن تقريبا، وفي سنة 760م أو سنة 143ه ~~أغار بيبن القيصر على بلاد المسلمين، واسترجع منهم نربون وجميع أيالة سبتمانيا فلم ~~يستطيعوا الدفاع عنها؛ لاشتغالهم بما حدث عندهم من الانقلاب العظيم بسبب انقراض الدولة ~~الأموية، وقيام الدولة العباسية مقامها، فقتلوا بني أمية واستخفى من سلم منهم، فهرب عبد ~~الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، ودخل الأندلس سنة 139ه أو 25 ~~أيلول (سبتمبر) سنة 759م، فأطاعه بعض المسلمين فيها واستولى على إشبيلية وجعل قرطبة دار ~~المملكة وأخضع لحكمه جميع جزيرة الأندلس، ونكل بالمتشيعين منهم للخلفاء العباسيين؛ ~~فيفهم السبب الذي مكن الإفرنج من استرجاع نربون وقرقسون. # ولما مات بيبن سنة 768م وسنة 151ه جلس مكانه على كرسي ملك الإفرنج ابنه شارلمان (سنة ~~742-814م)، ومعناه شارل الكبير فنسبت إليه السلالة الثانية من سلالات ملوك الإفرنج، ~~وقيل لها: «قارلو فينجيان» أي آل قارلو؛ لأن اسم شارل يلفظ بصور مختلفة حسب اللغات ~~واللهجات، فالألمان يلفظونه قارل وعند الإسبانيول قارلوس، وعند الإنكليز چارلس بالجيم ~~الفارسية، ففتح شارلمان ممالك لومبارديه وعاصمتها ميلان، وهي القسم الشمالي من إيطاليا، ~~وكان بين ملوكها وبين باباوات رومة ضغائن وعداوة؛ فامتن البابا من ذلك وبارك شارلمان ~~ورضي عنه، ثم فتح بافاريه وصاقسونيا، وهما من ممالك ألمانيا وأخضع أيالة أكيتانيا التي ~~كانت ميدانا ترمح فيه غزاة المسلمين، فجمع شارلمان في حكمه بين فرنسا، وألمانيا، ~~وإيطاليا ومزج الأقوام الجرمانية بالأقوام الرومانية، وهم الذين كانوا في حكم دولة ~~الرومان. # ولما تولى شارلمان كان مشتركا في الملك مع أخيه اتباعا للقواعد المرعية في ذاك ~~الزمان، وهي تقسيم الملك بين الأولاد، ففي سنة 771م استقل بالملك وجعل عاصمته إكس ~~لاشابل، وهي على نهر الرين في ألمانيا وزينها بالمباني والقصور؛ ولذا يعتبره الألمانيون ~~في عداد ملوكهم كما يعتبره الفرنساويون، وفي سنة 778م، وسنة 162ه تجاوز شارلمان بعساكره ~~جبال البيرينة من ممر رونسيفو الذي مر منه عبد الرحمن حينما فتح بوردو وبوانيه وتور، ~~ومر منه قبلا هنيبال القائد القرطاجني حينما قهر ms083 الرومانيين، وهو ممر صعب في جبال ~~البيرينة قريب من البحر المحيط؛ ولذا لم يرجع العرب منه بل كانوا يتجاوزن على فرنسا من ~~جهة البحر الشامي عن طريق «بويسيردا» و«نربون»، فضبط شارلمان ولاية نافار وولاية ~~قطولونيا وتقدم على ضفاف أيبر حتى بلغ مدينة سرقسطة مركز ولاية أراغون وألقى الحصار ~~عليها، وكانت بيد المسلمين، فبعث إليه عبد الرحمن الأول سنة 113-171ه (731-787م) الملقب ~~بالعادل، بجيش منظم طرد عساكر شارلمان من إسبانيا وأرجعها إلى ما وراء البيرينة، وكان ~~المسيحيون من النفاريين والواسكون؛ أي الباسك متفقين مع المسلمين حبا في العدل ~~الإسلامي، وكرها في ظلم شارلمان لوطئه بالعسكر بلادهم وقتله رجالهم وأولادهم؛ ولذا ~~رجحوا الاتفاق مع المسلمين مع أنهم على غير دينهم، وانتقموا من شارلمان وجنوده وهو يدين ~~بما هم يدينون به. # والدين إنصافك الأقوام كلهم # وأي دين لآبي الحق إن وجبا # والمرء يعيبه قود النفس مصحبة # للخير وهو يقود العسكر اللجبا # فلما ارتدت جنود شارلمان على عقبها خاسرة اغتنم أهالي نافارا وغسكونيا المسيحيون هذه ~~الفرصة، وانقضوا عليهم وهم في ممر رونسيفيو وأبادوهم عن آخرهم، وقتل في هذه المعركة ~~رولان قائد الجنود البريطانية نسبة إلى أيالة بريطانيا في غرب فرنسا ورفيقه أوليفيه، ~~ونظمت في هذه الواقعة أغاني رولان الآتي ذكرها، وهي عند الفرنساويين كقصة عنتر عندنا لا ~~بل كقصة بني هلال أو الزير، واسترد عبد الرحمن العادل، وهو المعروف بالداخل ولاية ~~أراغون وقطالونية واسترد ابنه هشام (140-180ه) مدينة جيرونية ونربون وجميع أيالة ~~سبتمانيا سنة 792م (سنة 176ه)، واستخدم الأسرى في بناء جامع قرطبة، وكان أبوه قد باشر ~~عمارته، فنصب شارلمان ابنه لويس ملكا على أكيتانيا وأمره بمحاربة العرب، فكانت بينهما ~~حروب على سفح جبال البيرينة من سنة 180ه (796م)، وهي السنة التي توفي بها هشام، وجلس ~~فيها ابنه الحكم خلفا له وخرج عليه عماه سليمان، وعبد الله ابنا عبد الرحمن وتحاربوا ~~مدة، وكان النصر للحكم على عميه ودامت الحروب مع الإفرنج إلى سنة 197ه (812م)، وأخذ ~~الإفرنج في هذه الحروب ولاية نافارا وسبتمانيا وجزءا ms084 من قطالونيا، وهو المشتمل على ~~مدينة برشلونة التي على ساحل البحر الشامي، فشارلمان لم يتمكن من إسبانيا، ولكن حكمه ~~كان نافذا في عموم أوروبا الغربية، وكان البابا وعموم الكهنة يميلون إليه ويرغبون في ~~إعادة نفوذ إمبراطورية الرومان الغربية؛ ليضاهوا بذلك الإمبراطورية الشرقية القائم بها ~~قياصرة الروم، ويحصلوا على العز الذي حصل عليه بطاركة القسطنطينية وكهنتها المنشقون؛ ~~ولذا دهن البابا شارلمان بالزيت المقدس، وألبسه تاج الإمبراطورية في آخر القرن الثامن؛ ~~أي سنة 800م (سنة 184ه). # وكانت الخلافة العباسية في بغداد بلغت منتهى العز وأوج الرفعة على عهد الرشيد، فأخذ ~~شارلمان يتقرب منه، وبعث إليه بسفارة مؤلفة من سفيرين فرنساويين يصحبهما يهودي اسمه ~~إسحق، وكان الخليفة يحارب قيصر الروم فرأى من السياسة التمايل إلى الإفرنج أعداء ~~الأمويين، فأحسن ضيافة الوفد الإفرنجي وأكرم مثواه وأجاب طلبه بالرخصة لحجاجهم في زيارة ~~بيت المقدس، وبعث إلى شارلمان بهدية فاخرة منها سرادق كبير من الحرير، وساعة دقاقة، ~~وشطرنج لم يزل بعض أحجاره محفوظة في المكتبة الأهلية بباريس، وهي من العاج دقيقة الصنعة ~~والقطعة منها كبيرة الحجم، وكان ذلك قبل موت الرشيد بسنة؛ أي في سنة 192ه (807م)، وتوفي ~~شارلمان بعد ذلك بسبع سنين؛ أي سنة 814م وجلس في مقامه ابنه لويس إلى سنة 840م، ثم ~~انقسمت المملكة إلى ثلاثة أقسام ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا وضعف حال ملوك فرنسا وهجم ~~عليهم الأقوام الشمالية الذين يسمونهم نورمان من بلاد أسوج، ونوروج، والدانيمارك وأسسوا ~~في شمال فرنسا دوقية نورماندية، وانقسمت المملكة إلى دوقيات وكونتيات، وكان حكامها أشد ~~نفوذا من الملك، وصارت السلالة الثانية من سلالات ملوك الإفرنج إلى ما صارت إليه ~~السلالة الأولى، فاستبد بالأمر دوق فرنسا كما استبد قبله دوق أوستراسيا، وفعل هوغ قابت ~~ما فعله ابن شارل مارتيل وأحدث السلالة الثالثة في مملكة الإفرنج، وهي سلالة ~~قابتيان. # وملكت هذه السلالة الثالثة من سنة 987م إلى سنة 1428م، وفي زمنها ظهرت فرنسا للوجود، ~~وسميت مملكة فرنسا نسبة إلى هوغ قابت دوق فرنسا وانتقل الملك بعد ذلك إلى فرع ثان ms085 من ~~تلك السلالة، وهو المسمى فالوا ثم إلى فرع ثالث، وهو آل بوربون. ~~(2) فتوح المسلمين في جنوب أوروبا والحروب الصليبية # ثم إن المسلمين عدلوا عن فتح فرنسا، ولعلهم فعلو ذلك لشدة البرد في الأقاليم ~~الشمالية، وعدم توسع العمران فيها إذ ذاك، ولصعوبة المرور من جبال البيرينة وهي أشد ~~بردا من جبال لبنان التي يقول فيها المتنبي: # وجبال لبنان وكيف بقطعها # وهي الشتاء وصيفهن شتاء # ومالوا إلى فتح جزر البحر الشامي، فاستولوا على جزائر باليار، وهي مايورقة، ومينورقة، ~~وأفبس وما يتبعها سنة 820م (سنة 205ه)، وكانوا يسمونها «مايرقة» و«منرقة» ويابسة، ~~واستمروا فيها إلى سنة 1232م، واستولوا سنة 226ه على جزيرة قورسيقة فبقيت مستقلة عن ~~غيرها بالحكم إلى سنة 236 (850م)، وأغاروا على سواحل مرسيليا مرارا وأسسوا سنة 276ه ~~(889م) مستعمرة فراقسينة فيما بين وينيس طولون، وكان الفينيقيون أسسوا قبلهم مستعمرة في ~~جوار موناقو، ومكث المسلمون في فراقسينة طول القرن العاشر، وتزوج بعضهم بنساء تلك ~~الأيالة الفرنساوية، واشتغلوا بفلاحة أرضها حتى أصبحت زاهية بحضارتهم، ثم جالوا سنة ~~324ه (935م) في إقليمي تارنتيزه، ووالس ثم في بلاد السويس (سويسرا) التي نهبها المجر ~~قبل ذلك، ومدوا نفوذهم سنة 331ه (942م) على فريجوي، وطولون وجميع سواحل البحر الشامي في ~~فرنسا، ولم يزل يقال للجبال التي في شمال مرسيليا، وطولون «جبال المور» ومدوا نفوذهم ~~على إيطاليا أيضا، فإن بني الأغلب استولوا على جزر سيسيليا، (صقلية) ومالطة وسردانية، ~~وجميع القسم الجنوبي من إيطاليا في حدود سنة 213ه (828م) إلى سنة 265ه (878م) ورسخت لهم ~~قدم في جميع هذه البلاد واستبحر فيها عمرانهم وحسنت بهم الزراعة والصناعة، وكانت مدينة ~~أمالفي ومدينة ساليرم، وهما في جنوب نابولي (وكتبوها نابل) زاهيتين بحضارتهم، وهما ~~اليوم قريتان خربتان لم يزل يشاهد فيهما آثار العرب وبقايا الطواحين التي عمروها ولسان ~~الحال يقول: إن آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار، واستولوا على أوستيه، وكانت ~~مينا رومية العظمى، وهي بقرب مصب نهر التيبر وعلى بيزا ذات البرج المائل، وكانوا ~~يسمونها «بيش» وعلى جنوة التي ms086 في شمالها، وبقي المسلمون في جزيرة «سردانية» سردينية إلى ~~سنة 408ه (1017م) وفي طارانت التي في جنوب إيطاليا إلى سنة 435ه (1043م)، وفي سيسيليا ~~إلى سنة 1071م، وفي بيزا إلى سنة 396ه (1005م)، وفي جين (جنوة) إلى سنة 325ه (936م)، ~~(انظر خريطة مملكة العرب في أطلس شرادر الفرنساوي المطبوع أخيرا في باريس). # واختلف المؤرخون في التاريخ الذي أغار فيه العرب على ليون وما في شمالها من الأيالات ~~الفرنساوية - لا ليون التي في شمال إسبانيا الغربي وتكتب # Léon ~~، ويكثر ذكرها في تواريخ العرب - هل كان في عهد ~~شارل مارتيل فقط أم في عهده، وبعد ذلك أيضا حينما دخلوا من سواحل طولون، وتقدموا في ~~الشمال حتى بلغوا بلاد السويس، ولكن المؤرخين متفقون على أن المسلمين ضبطوا أيالة ~~دوفينة، وهي في شمال بروفانس على ضفة الرين اليسرى وضبطوا في شمالها أيضا أيالة ~~بورغونية، وسموها «أرض بورغونة»، وأيالة فرانش كونتة وأيالتي فينا - وفينا؛ هذه أيالة ~~في وسط فرنسا الغربي بخلاف سميتها عاصمة أوستريا، والمجر وكان حاصرها الأتراك - وضبطوا ~~في فرنسا جميع ضفاف الرون، وغزوا القرى والمدن التي في تلك الأيالات، وأمهات هذه المدن ~~هي؛ ليون وهي على نهر الرون وأول مدينة في فرنسا بعد باريس، ثم ماقون وإليها ينسب الخمر ~~المسمى باسمها من خمور بورغونيه، وشالون التي على نهر السون، وبون وسماها العرب «بونة»، ~~وأوتون واحترقت فيها كنيستان عظيمتان حينما هاجمها العرب، كنيسة سان ناظير، وكنيسة سان ~~جان وكذا دير سان مارتن، وديجون وهي منتهى ما أخذوه في الشمال من المدن العظيمة، وفي ~~شرقي ديجون وبالقرب منها مدينة بيزانسون التي ولد فيها فيكتور هوكو. # وجميع هذه المدن هي في ممر السكة الحديدية من باريس - ليون - البحر المتوسط؛ أي ~~مرسيليا وما جاورها من المواني البحرية، ولم يجد العرب أموالا كثيرة في غزواتهم؛ لأن ~~البلاد لم تكن في الثروة والعمران التي هي عليها اليوم، ولكن مقصدهم الأصلي كان إعلاء ~~كلمة التوحيد ودعوة الأمم بقولهم: # تعالوا إلى كلمة ~~سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك ms087 به ~~شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله ~~. # الحروب الصليبية # فجميع الحروب التي وقعت بين المسلمين والنصارى من ابتداء ظهور الإسلام بمكة، وفتح ~~المسلمين للقدس على عهد ثاني الخلفاء الراشدين هي من نوع الحروب الصليبية، إلا أن ~~المؤرخين اصطلحوا على إطلاق هذا الاسم على الحروب التي وقعت بين المسيحيين من الأمم ~~الأوروبية، وبين المسلمين من الأمم الشرقية وامتدت من القرن الحادي عشر إلى القرن ~~الثالث عشر للميلاد، وكان الباعث عليها التعصب الديني، والغاية منها تخليص قبر ~~السيد المسيح - عليه السلام - واتخذ المحاربون من الأمم الأوروبية الصليب شعارا ~~لهم، ونقشوه على أثوابهم وجلودهم؛ ولذا قيل لهم: الصليبيون، وعدة الحروب الصليبية ~~ثمانية وهي؛ # الأولى: ~~(1096-1099م): الحرب التي دعا إليها بطرس الناسك، وقرر أجراها ~~البابا أوروبين الثاني في المجمع الروحاني المنعقد سنة 1095م في ~~مدينة كليرمون فيران، وهي بالقرب من مدينة ليون في فرنسا، وكانت ~~النتيجة إرسال جيشين للشرق أحدهما تحت قيادة بطرس الناسك والقائد ~~غوتيه، وكان مؤلفا من أناس لا خبرة لهم في الحرب ومعهم نساؤهم ~~وأولادهم بغير تأهب للسفر، فمات أكثرهم في الطريق وقتل آخرهم ~~السلجوقيون في بر الأناضول. والثاني جيش متأهب للسفر ومتسلح للحرب ~~تحت قيادة غود فروا دوبوليون دوق أيالة اللورين، عبروا بوغاز ~~لدردنيل واستولوا في بر الأناضول على أزنيق وطرسوس وهي مينا أطنة، ~~وعلى أنطاكية، وكانت هذه المدن تابعة للدولة السلجوقية ومركزها ~~قونية، ثم استولوا على القدس، وكانت تابعة لخليفة مصر العلوي، ~~وقتلوا فيها كثيرا وألبسوا غودفروا تاج الملك، وذهب المستنفرون ~~إلى بغداد فلم يستطع أهلها غير البكاء وقال المظفر الأبيوردي ~~أبياتا منها: # وكيف تنام العين ملء جفونها # على هفوات أيقظت كل نائم # وإخوانكم بالشام يضحى مقيلهم # ظهور المذاكي أو بطون القشاعم # الثانية: ~~(1147-1149): الحرب التي دعى إليها القديس برنار وقادها قونراد ~~الثالث إمبراطور ألمانيا، ولويس السابع ملك فرنسا، فوصلوا دمشق ~~الشام وحاصروها ورجعوا عنها. # الثالثة: ~~(1189-1193م): الحرب التي دعى إليها غليوم أسقف صور بسبب استرداد ~~صلاح الدين الأيوبي للقدس، وقادها فريدريك بارباروس إمبراطور ~~ألمانيا من ms088 جهة، وفيليب أوغست ملك فرنسا وريشار قلب الأسد ملك ~~إنكلترة من جهة أخرى، فالأول غرق في النهر بعد أخذه قونية، ~~والآخران أخذا قلعة عكا وعقدا الصلح مع صلاح الدين. # الرابعة: ~~(1202-1204م): الحرب التي دعى إليها فولك وقادها بغدوين، وهو ~~بودوين التاسع كونت أيالة فلاندر، وكانت أيالة مستقلة بين فرنسا ~~وبلجيكا، فلما وصلت هذه البعثة إلى فينيسية (البندقية) استدعاها ~~قيصر الروم في القسطنطينية لنصرته على أخيه، وكان قد أراد التغلب ~~عليه فأجابت دعوته وأيدته على كرسي مملكته، وبعد وفاته انتخب ~~الصليبيون مكانه بودوين المذكور بعد أن خربوا المدينة، وأتلفوا ما ~~فيها من الآثار النفيسة والمباني الظريفة، واستمرت دولة اللاتين في ~~القسطنطينية 57 سنة (1204-1261). # الخامسة: ~~(1217-1221): الحرب التي أشهرها جان دوبريين ملك القدس وأندره ~~الثاني ملك هونغارية، وذهبوا فيها إلى مصر وعادوا منها ~~خائبين. # السادسة: ~~(1228-1229م): الحرب التي قادها فريدريك الثاني إمبراطور ألمانيا ~~لادعائه بميراث مملكة القدس عن جان دوبريين، فعقد مع الملك الكامل ~~معاهدة الصلح واستلم بموجبها القدس. # السابعة: ~~(1248-1254م): الحرب التي قادها لويس التاسع ملك فرنسا إيفاء ~~بنذر نذره، فخرج لمصر، وغلبه الملك الكامل خامس الملوك الأيوبية في ~~محاربة المنصورة، وأسره فأخلى دمياط وسلمها للمسلمين فكاكا ~~لأسره. # الثامنة: ~~(1270م): الحرب التي قادها لويس التاسع ملك فرنسا الملقب بالقديس ~~لويس، ومات فيها أمام أسوار تونس الخضرا، فاسترجع المسلمون حينئذ ~~مدن فلسطين وسوريا من الإفرنج واحدة بعد الأخرى، وكان آخرهن فتح ~~عكا سنة 1291م، وانتهت بذلك الحروب الصليبية. # وكان لهذه الحروب نتيجتان إحداهما مادية عسكرية، والأخرى معنوية أدبية، فالنتيجة ~~المادية رجوع الإفرنج عن الغنيمة بعد الكد بالقفل وتخليتهم القدس، وجميع ما ملكوه ~~في الشرق، والنتيجة المعنوية انتباههم من الغفلة التي كانوا فيها بمخالطتهم ~~المسلمين، وأهل الشرق وسلوكهم منذ ذاك التاريخ سبيلي «الانتظام» و«الترقي»، ~~ويسميهما الإفرنج (أوردر وبروغرة)، قال رينان: «حدث بعد الحرب الصليبية الثامنة ~~التي قام بها لويس التاسع، ومات على أبواب تونس حركتان واضحتان من جهتين مختلفتين، ~~الأولى انحطاط العالم الإسلامي والأخرى نهوض العالم المسيحي؛ لأن العلوم الإسلامية ~~لما لقحت ms089 جراثيم الحياة في جسم البلاد الأوروبية انطفأت جراثيم حياتها، وأخذ ~~العالمان يسيران في وجهتين متعاكستين علوا وهبوطا.» # سارت مشرقة وسار مغربا # شتان بين مشرق ومغرب ~~(3) ما اقتبسه الإفرنج من قواعد الشعر العربي # فيتضح لك من هذه النبذة التاريخية المعترضة في هذه الرسالة أن الاختلاط بين العرب ~~والإفرنج لم ينقطع لا في الحروب الصليبية، ولا قبلها حينما دخل العرب أرض فرنسا، ~~وتوطنوا في جنوبها، وحرثوا أرضها، وتزوجوا ببناتها، وتاجروا مع أهلها، وعمروا مدن نربون ~~(نربونة)، وقرقسون (قرقشونة)، وفراقسينة وأخذوا الأسرى من الإفرنج وشغلوهم في عمارة ~~جامع قرطبة القائم ليومنا هذا على ألف وثلاثة وتسعين عمودا، وفي غيره من المباني ~~الفاخرة كالقصر والزهراء والحمراء والقنطرة، فكانت الأفكار تتبادل بين الفريقين ضرورة، ~~ولو كانا على طرفي نقيض. # وحيث كان المسلمون في ذاك العصر أرقى حضارة، وأدبا من جيرانهم المسيحيين كانت ~~الإفرنج تقتبس من معارف المسلمين، وتحصل العلم في مدارسهم وجوامعهم كما فعل البابا ~~سيلفستر الثاني، واسمه الذي سماه به أبوه جربر (930-1004م)، فإنه بعد أن حصل مبادئ ~~العلوم اللاهوتية باللغة اللاتينية في مدينة أورياق التي ولد فيها، وهي بالقرب من طولوز ~~وفي شمالها الشرقي ارتحل في طلب العلم إلى الأندلس، فقطع عقاب البيرينة والوادي الكبير ~~المار بجوار قرطبة، ومن إشبيلية والمنصب في خليج قادس من المحيط غير بعيد عن شريش، ~~وجاور في مدرسة إشبيلية ثلاث سنين وعاد لأوروبا متبحرا في العلوم والمعارف حتى حسبه ~~الناس ساحرا واتخذه الملوك مؤدبا لأولادهم، وتقلب في المناصب حتى أحرز رتبة ~~الباباوية، وقيل: إنه أول من أدخل لبلاد الإفرنج ما يسمونه الأرقام العربية، ونسميه ~~الأرقام الهندية، وهي التي تدل بذاتها على عدد، وبمنزلتها على عدد آخر، وكانوا لذاك ~~العهد يستعملون الأحرف اللاتينية التي هي بمثابة الحروف الأبجدية. # واقتفى طلاب العلم أثر هذا البابا الحكيم، وكذا المنتحلون منهم للشعر والأدب كانوا ~~يقلدون شعراء العرب وأدباءهم. وكان المجاورون للعرب من أهالي فرنسا، وشمال إسبانيا ~~يحيدون عن تعلم أشعار اللاتين، ويكبون على تعلم أشعار العرب وأزجالهم، وكان فقراؤهم في ~~القرن الحادي ms090 عشر للميلاد ينشدون الأناشيد والمدائح العربية، وهم يستعطون على الأبواب ~~وفي الطرقات، فيستمع الناس لهم ويتصدقون عليهم، لا لفهمهم ما يقولون وإنما شوقا منهم ~~وحنانا للألحان والأنغام والقوافي الرنانة، كما كانت العربية هي اللسان الرسمي في ~~صقلية على عهد رجار، ومن خلفه من الملوك بعد انقراض الحكومة الإسلامية منها، وكانوا ~~يحررون بالعربية على المباني العمومية في تلك الجزيرة. # وذكرنا فيما تقدم أن لغة «رومان»، وهي لاتينية سوقية محرفة بكلام الغولوا، والفرنك ~~انقسمت إلى شعبتين: (1) لسان أوق تكلم به أهل الجنوب لا سيما سكان بروفانس (2) لسان أويل ~~تكلم به أهل الشمال لا سيما سكان جزيرة فرنسا، وهي الأيالة التي عاصمتها باريس، وكان في ~~الشمال شعراء يقال لهم «تروفير»، وفي الجنوب شعراء يقال لهم «تروبادور». # فالتروبادور الذين كانوا في أيالة بروفانس هم صنف من المداحين يطوفون من قصر لقصر، ~~ومن قلعة لأخرى يغنون قصائدهم ويمدحون الأمراء وذوي الوجاهة، ويسمون أدبهم بالعلم ~~المطرب، ولم تكن أشعارهم ذات قواف كأشعار العرب، وإنما لها بدل القافية مراكز ومواقف ~~كالأشعار التي يتغنى بها رعاة الغنم، وكان لهم فن من الشعر يسمونه تنسون # Tenson # على شكل المخاطبات يشابه ما أوجده الأندلسيون من ~~الفنون الشعرية. # وأجمع العارفون على أن القوافي أول ما ظهرت في الشعر البروفانسال، وأنها مأخوذة من ~~العرب، فالقافية عند الفرنساويين هي اتحاد الأحرف الصوتية الأخيرة وما يتبعها من الأحرف ~~الساكنة في نهاية كل بيتين، أو قطعتين من الشعر مثل ساج ~~وباج # Sàge, Pàge ~~، فالذي أخذوه عن العرب بالسماع والتقليد هو علم القوافي، وكانوا ~~يستعملون قبل ذلك عوضا عن القافية ما يسمونه «أسونانس»، وهو اتحاد الأحرف الصوتية ~~الأخيرة بقطع النظر عما بعدها من الأحرف الساكنة في نهاية كل بيتين مثل ساج # Sàge # وآرم # àrme ~~. # وكان استعمالهم للقوافي في القرن الثالث عشر، وأخذوا عن العرب في المنظوم أنواع ~~المدح، والغزل، والنسيب، والهجو، والهزل؛ أي ما يسمونه ليريك وما يسمونه ساتيريك، كما ~~أخذوا عنهم في المنثور القصص، والملح وضروب الأمثال ومنها ما نقلوه نثرا ثم نظموه في ~~لغتهم، ms091 وجاروا العرب في الفكاهات أيضا فألفوا حكايات وتظريفات على أقسة القرى، وخدمة ~~الكنائس؛ ليضحكوا منهم الأمراء والفرسان الذين يسمونهم «شيفاليه»، وفي هذه الحكايات ~~والنوادر المأخوذة عن العرب ما أصله الأول من حكايات الفرس والهنود، وترجمت إلى العربية ~~ثم نقلت للإفرنجية، فلو كان الحكم والغلبة لأهل الجنوب المجاورين للعرب وللغتهم المسماة ~~«أوق» لوجدنا في اللغة الفرنساوية الحالية شيئا كثيرا من فنون الأدب العربية، ولكن ~~الحكم والغلبة كانتا لأهل الشمال وللغتهم المسماة «أويل»، وكان شعراؤهم التروفير لا ~~يعرفون غير أشعار الحماسة، وقصائدهم قصيرة والبيت مؤلف من عشرة هجاءات ليس له قافية، ~~وإنما له «أسونانس» كما في أغاني رولان الآتي ذكرها، واستمروا على هذا النظم إلى آخر ~~القرن الثاني عشر. # وفي القرن الثالث عشر أخذ شعراء الشمال وهم التروفير ينسجون على منوال «التروبادور»، ~~وتعلموا منهم القوافي ورقة الغزل واللحن الموسيقي، وصار فرسان الإفرنج يقلدون فرسان ~~العرب في انتحال الشعر، فكانت فضائل الفارس المهارة في الفروسية، وحفظ الشعر والتمثل به ~~وفي لعب الشطرنج، فتحسن الشعر الإفرنجي بإدخال القوافي العربية فيه، وباقتباس أدب ~~الأندلسيين ورقة غزلهم. ~~(4) اقتباس الإفرنج أقاصيصهم عن العرب # والحاصل أن الرومانيين لما فتحوا أرض الغول أدخلوا إليها مدنيتهم ولغة عوامهم، وهي ~~اللاتينية الدارجة فلما استولى قبائل الإفرنج على أرض الغول أخذوا ما وجدوه فيها من ~~اللسان والمدنية، فنتج من هذا الاختلاط لغة جديدة قيل لها : «رومان»، وأقدم المدونات في ~~هذه اللغة هريمين ستراسبورغ، وهو صورة القسم الذي أقسم به العسكر لأحفاد شارلمان حينما ~~عقدوا معاهدة فيردون، وقسموا مملكة شارلمان إلى ثلاثة أقسام فرنسا وجرمانيا وإيطاليا، ~~وأخذ كل منهم قسما وذلك في سنة 843م، وسنة 229ه؛ أي في خلافة الواثق بالله هارون بن ~~المعتصم بن هارون الرشيد في بغداد، وعبد الرحمن بن الحكم في قرطبة، فهذه أول مرة دونت ~~فيها لغة رومان، وقامت مقام اللغة اللاتينية، ثم انقسمت لغة رومان إلى لسان أويل، وإلى ~~لسان أوق، وانقسم لسان أويل وهو لسان الشمال إلى لهجات غلب على الجميع لهجة جزيرة فرنسا ~~- وهي الجزيرة المحاطة ms092 بالأنهار المشتملة على باريس وما في جوارها - فصارت اللغة ~~الفرنساوية. ثم عم استعمال هذه اللغة في الأيالات الجنوبية، وغلبت على لسان أوق سنة ~~987م حينما تأسست الدولة الثالثة من دول الإفرنج، وهي الدولة التي دامت إلى حدوث ~~الانقلاب الكبير، وظهور الحكومة الجمهورية، وكان مؤسس الدولة الثالثة هوغ قابت دوق ~~جزيرة فرنسا، فأطلق هذا الاسم على عموم المملكة وعلى اللغة. # ولما كان اتساع دائرة النظم في تاريخ الأدب سابقا لاتساع دائرة النثر، كان الكلام ~~المنظوم أساسا للأدب الفرنساوي، وأقدم نظم فيه هو «أغاني رولان» وتاريخ نظمها في النصف ~~الأخير من القرن الحادي عشر وناظمها أو ناظموها مجهولون، ولا دليل على أنه تيرولد ~~المذكور اسمه في آخر بيت منها، ورولان هو قائد جنود شارلمان الذين حاربوا الأندلسيين، ~~وذلك أن شارلمان لما فتح الفتوحات العظيمة، وتتوج بتاج الإمبراطورية واستحصل من الخليفة ~~العباسي على الإذن لحجاج النصارى في زيارة بيت المقدس طار له ذكر في الآفاق، وتحدث ~~الناس به، ونظموا فيه القصائد، وقصوا عنه القصص والحكايات وأنشدوا الأناشيد، وفعل ~~الإفرنج له ما فعله العرب لهارون الرشيد، غير أن فنون الأدب الإفرنجية لم تكن زاهرة ~~كفنون الأدب العربية، بل كانت حديثة النشأة لم تهذب بعد، وكانوا يكتبون باللغة ~~اللاتينية ما يحتاجون إلى كتابته وتدوينه، ولم يكن الملوك والأمراء ولا الرعية يفهمون ~~اللاتينية الفصحى، وإنما كان يفهمها بعض الأساقفة والرهابين، فنظمت «أغاني رولان» و«حج ~~شارلمان» باللسان الفرنساوي الذي كان يتكلمه أهل ذاك العصر؛ أي بعد شارلمان بأكثر من ~~قرن. # وفي أغاني رولان من المبالغات ما في قصة عنتر، وجسمت فيها الحرب التي حصلت بين ~~الإفرنج وعرب الأندلس، وجعلت رولان عنتر زمانه وألحقته بنسب شارلمان وادعت بأنه ابن ~~أخيه وذراعه اليمنى، وذكر في هذه الأغاني أن سبب هزيمة رولان هو خيانة غانيلون، وذلك أن ~~رولان بعث بتابعه غانيلون إلى والي سرقسطة - مركز ولاية أراغون - بمهمة حربية، وكان في ~~ذهابه إليها خطر على حياته، فاغتاظ هذا المأمور من آمره وانضم إلى المسلمين ودبر في قتل ~~رولان وانهزامه، فلما ms093 رجع رولان ببقية الجنود إلى فرنسا، ووصل مضيق رونسيفو في جبال ~~البيرينة هجم عليهم أهالي نافارا وغاسكونية المتفقون مع المسلمين في جيوش جرارة عدتها ~~أربعماية ألف فارس، وكان لرولان مستشار ورفيق اسمه أوليفيه فنصحه بالاستمداد من شارلمان ~~واستدعائه لنجدته، فلم يصغ في بادئ الأمر لمقاله، ولما أراد أن يعمل برأي أوليفيه ~~العاقل ويتبع مشورته فات الوقت وذهب الأوان وغلبهم العدو بكثرة عدده، وأمسوا مختبطين في ~~ظلام النقع وقتل بعضهم بعضا، وضرب أوليفيه صاحبه رولان بالسيف ضربة خطاء لا عمد ~~فجرحته وسببت موته، فصورت تلك الأغاني موت رولان، ثم موت أوليفيه وطلب كل منهما السماح ~~من الآخر ومباركة الأسقف توربين عليهما وغفران ذنوبهما. # وأراد رولان قبل موته أن يكسر سيفه المسمى «دوراندال»؛ لئلا يقع في أيدي أعدائه، أو ~~يصل إلى مارسيل # Marcile # والي المسلمين في سرقسطة فلم ~~يستطع كسر هذا السيف؛ لأنه من السيوف التي لا تكسر ولا تفل، ولعله من المعدن المسبوك ~~منه صمصامة عنترة، وذو الفقار علي - رضي الله عنه - وهو الذي قيل فيه: لا سيف إلا ذو ~~الفقار، وقد تهور الإفرنج في وصف «دوراندال» كما تهورت الشيعة في وصف ذي الفقار، وجعلوا ~~القوة والشجاعة بأجمعها في السيف حتى لم يبق منها شيء لصاحب السيف، ولم يزل أثر الضربة ~~التي ضرب بها رولان الصخرة بسيفه باقيا إلى يومنا هذا يشاهده السائحون والمارون بمضيق ~~رونسيفو، كما يشاهدون تل العلائف في جوار قرية أريحا من فلسطين، وهو التل الذي أحدثه ~~على زعمهم جيش أبي زيد الهلالي حينما مروا بقرية أريحا وأرادوا الصعود إلى جبل القدس، ~~فنفضوا مخالي الشعير في أسفل العقبة فتكوم من الغبار الذي فيها هذا التل العظيم؛ لأنهم ~~كانوا لا يحصون عدا لكثرتهم، هذا ما تتناقله الألسنة ويرويه الآباء عن الأجداد. ولعل ~~الباحثين في الآثار القديمة لو حفروا في تل العلائف لوجدوا فيه أثرا من الآثار، كما لو ~~بحث العارفون بطبقات الأرض وبشكل الجبال لذكروا سببا «لضربة رولان» في صخرة ~~رونسيفو. # ولرولان حصان كأنه هو وأبجر عنترة بن شداد ms094 فرسا رهان، ولم يفت ناظم أغاني رولان ذكر ~~الملائكة، وكيفية نزولهم واصطفافهم حوله لقبض روحه، فصور في منظومته الجهاد المسيحي ~~وجعل فضائل المجاهدين الشجاعة العسكرية، والطاعة لأولي الأمر وهم «السوزيرين» من لم ~~يعتقدوا بما أمر به وينتهوا عما نهى عنه بغضا لوجه الله لا لعداوة دنيوية، ولا لمال ~~ودولة. # وهذه الأغاني مطبوعة ومترجمة للفرنساوية العصرية، ومنها يظهر اعتقاد الإفرنج إذ ذاك ~~في الإسلام والمسلمين، فإنهم كانوا يحسبون المسلمين دعاة إلى عبادة الأصنام ويعدون من ~~أصنامهم أبولون، ولم يزل الكثير من أهل القرى الفرنساوية يعتقدون هذا الاعتقاد إلى ~~يومنا هذا، كما تبين لي من محادثة الكثيرين منهم، وكان لأغاني رولان شأن في عموم أوروبا ~~وفي إنكلترة، وترجمت في القرن الثاني عشر للميلاد للغة الألمانية، ولغة السويد ~~والنوروج. # ومما نظم على نسق أغاني رولان حج شارلمان إلى بيت المقدس، وقصائد وحكايات كثيرة في ~~الحروب الصليبية ربما يعتني في المستقبل بترجمتها ومطالعتها المشتغلون بالتاريخ العربي، ~~كما يعتني الإفرنج في زماننا في استخراج الكتب العربية وطبعها وترجمتها؛ ليقفوا منها ~~على حقيقة تاريخية يوضحون فيها ما غمض من تاريخهم، وفي أواخر القرن الثاني عشر وأوائل ~~القرن الثالث عشر أقبل شعراء الشمال ينسجون على منوال شعراء الجنوب، ويقتبسون منهم ~~المحسنات الشعرية ورقة الغزل والقوافي العربية، ووضعوا الألحان الموسيقية وتغزلوا بها ~~وطبع من ذلك دواوين ورسائل كثيرة لا حاجة لذكرها. # ثم ظهرت الأشعار الهجوية، والهزلية، والملح، والفكاهات مما هو على نسق كليلة ودمنة ~~وضروب أمثال لقمان، وبقية الحكايات المؤلفة على ألسنة الحيوانات، فمن ذلك «رومان ~~الثعلب» و«أمثال أيزوب» و«رومان روز» وغير ذلك، وقيل للمنظوم من ذلك: «الأغاني» أو ~~«أغاني القصص». ~~(5) اقتباس الإفرنج العلوم عن العرب # ولما اختلط ملوك أوروبا وأمراؤها بملوك الشرق، وأمراء المسلمين في أثناء الحروب ~~الصليبية رأوا بأعينهم أدباء العرب، وشعراءهم، ومؤرخيهم، وأطباءهم، وحكماءهم سيما من ~~كان منهم بمعية صلاح الدين الأيوبي مثل القاضي الفاضل والعماد الكاتب وعمارة اليمني ~~الشاعر، والطبيب الحاذق الذي طبب ريشار قلب الأسد فقدروا الأدب حق قدره، واعترفوا بلزوم ~~وضع تاريخ ms095 لدولتهم، فألف بعض الرهبان السالكين طريقة القديس ديني # St. Denis # تاريخا لدولة الإفرنج، وكان ذلك على عهد لويس التاسع ~~الملقب بالقديس، وهو المتوفى سنة 1270م في تونس أثناء الحرب الصليبية الثامنة، فكان هذا ~~التاريخ أول سجل لضبط وقائع ملوك الإفرنج، وتاريخ جلوسهم، ووفاتهم، وذكر شيء من أخبارهم ~~وحروبهم، وداموا على هذا السجل إلى أن ملك لويس الحادي عشر المتوفى سنة 1483، وأنشئوا ~~في مدينة مون بيليه مدرسة للطب، وذلك في القرن الثالث عشر، وهي أقدم مدرسة طبية في ~~أوروبا بعد مدرسة ساليرن التي بجوار نابولي، وكانت الأندلس في منتهى عزها وحضارتها، ~~فجلبوا منها لمدرسة مون بيليه المعلمين والمدرسين من العرب واليهود المستعربين، وفي سنة ~~1323م أنشئوا في مدينة طولوز جمعية أدبية دعوها مدرسة العلم المفرح # Collége du gai sçavoir ~~، وجعلوا جوائز ~~الشعر أزهارا مصوغة من الذهب والفضة تفرق على نوابغ الشعراء بعد تقدير الجمعية ~~وحكمها. # وفي أواخر القرن الخامس عشر للميلاد أوقفت إحدى المحسنات من نساء طولوز أموالها على ~~هذه الجمعية، فاتسعت ثروتها وزادت رغبة الشعراء فيها وأقبلوا على انتحال فنون الأدب، ~~وحسنوا المنطق والكلام باللسان الفرنساوي، ولم تزل هذه الجمعية الأدبية زاهرة إلى يومنا ~~هذا، وتسمى جمعية أو «أكاديمية لعب الأزهار»، وتتألف من أربعين محافظا ومن معلمين ~~كثيرين. وسمي أعضاء هذه الجمعية بالمحافظين إشارة إلى ما يجب عليهم بحسب قانونهم من ~~المحافظة على قواعد اللسان وفنون أدبه، ويحتفلون في اليوم الثالث من الشهر مايو في كل ~~سنة، ويوزعون الجوائز والنقود على مستحقيها، ولهم تسع جوائز من الذهب والفضة كل جائزة ~~على شكل زهرة مخصوصة مثل الأقحوان، والياسمين، والسوسن ومنها ما هو للشعر، ومنها ما هو ~~للنثر والخطب - ورأينا فيما سبق كيف نال فيكتور هوكو جائزة هذه الجمعية. # وفي القرن الرابع عشر للميلاد ترجم الإفرنج الكتب اللاتينية للفرنساوية، ونقلوا علوم ~~اليونان وفلسفتهم عن العرب، ولم يكن لهم معرفة باللغة اليونانية، ولا بما دون فيها ~~فترجموا كتب أرسطو عن اللاتينية المترجمة عن العربية، والعربية مترجمة من اليونانية أو ~~السريانية، ثم ظهر فن ms096 التشخيص وكان منشأه من الكنيسة، ومن تشخيص آلام المسيح - عليه ~~السلام - وما شبه لهم فيه من القتل والصلب، فهذا أساس فن التشخيص ثم وسعوا دائرة هذا ~~الفن ووضعوا فيه المؤلفات الكثيرة، واستحدثوا فيه أنواعا مختلفة وطرقا متنوعة، ~~وأقبلوا على درس أدب اللغة اللاتينية وأدب اللغة اليونانية، وتبحروا فيهما فانتقشت ~~أساليب هاتين اللغتين في نفوسهم، وحذوا حذو شعراء الرومان واليونان، واتخذوا أشعارهم ~~ورواياتهم منوالا نسجوا عليه أمثالها من كلمات أخرى فرنساوية، ولم يزالوا كذلك حتى ~~بلغوا شأوا كبيرا على عهد لويس الرابع عشر (1638-1715م) الملقب بالكبير، وأصلحوا فنون ~~الأدب وهذبوها، وفتحت الماركيزة رامبويه دارها للأدباء من سنة 1635 إلى سنة 1665م، ~~وكانت تستقبلهم هي وبناتها ويعقدون في حضرتها منتدى أدبيا يحضره الشعراء، والأدباء، ~~والظرفاء ويتسامرون فيه وينشدون الأشعار، ويقصون القصص والنوادر الأدبية والعلمية، فكان ~~هذا أول ناد في باريس خدم انتشار الأدب والمعارف، وساعد على ترقي اللغة وعلى اجتماع ~~الرجال بالنساء في جلسة أدبية محترمة، وتقرب الأدباء من الأمراء وأرباب الوجاهة بعد أن ~~كانوا مختصرين لا يحترفون بالأدب إلا لاستجداء المعروف وطلب الإحسان. وصارت السيدات ~~الفرنساويات يقلدن الماركيزة في الإقبال على تحصيل الأدب والمعارف، وفتح أبوابهن ~~للشعراء والكتبة، وأرادت بعض سيدات الأستانة في عصرنا تقليد الماركيزة في حماية الأدب ~~والمعارف، فنجح عملهن مدة ثم أقفلت دورهن. # وفي سنة 1635 أسس الكاردينال ريشيليو الأكاديمية الفرنساوية من أربعين عضوا وفوض ~~إليهم جمع قاموس اللغة الفرنساوية، ثم أسست أكاديمية الفنون والآداب واشتغلت بالتاريخ ~~والآثار القديمة، ثم أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية واشتغلت في الفلسفة وعلوم ~~الاقتصاد، ثم أكاديمية العلوم الرياضية والطبيعية، وأكاديمية الصنائع النفيسة وغير ذلك ~~من المؤسسات العلمية النافعة، وظهر من الأدباء بالزاق وفولتير وديكارت (1596-1650م)، ~~وهو الذي أحيا الفلسفة وأوجد التعبيرات الفلسفية في اللغة الفرنساوية، وكان إماما في ~~الأدب فسلك فيه مسلكا جديدا، واتخذ لنفسه طريقة مخصوصة تنسب إليه وتسمى باسمه. # ثم أنشأ ألكساندر هاردي مرسحا في باريس شخص فيه روايات كثيرة أخذ موضوعها من إسبانيا ~~لتقدم فنون الأدب فيها لسبب مجاورتهم للعرب. ms097 وظهر من فحول الأدباء بيرقورنيل ~~(1606-1684م) صاحب رواية هوراس التي صور فيها فضائل الرومان ومحبتهم لأوطانهم وبذلهم ~~دونها المال والبنين. وأبدع ما في هذه الرواية حديث المرأة التي أتت شيخا من قبيلة ~~هوراس تخبره بموت ابنيه في حرب لهم مع قبيلة كورياس وبنجاة ولده الثالث بالفرار من ~~ميدان الحرب، فتجلد الشيخ على موت ابنيه وغضب من فرار ولده الثالث، فقالت له المرأة: ~~«ماذا تريد أن يفعل وهو وحده مع ثلاثة من أعدائه؟» فأجابها الشيخ: «أريد أن ~~يموت.» # ومن أئمة الأدب المؤسسين لطريقة «كلاسيك» راسين (1649-1699) وكان معاصرا لقورنيل ~~ورقيبا له، نظم رواية أندروماخه ونسجها على منوال رواية بهذا الاسم لأحد شعراء اليونان ~~الأقدمين، ثم درس تاريخ العبرانيين ونظم رواية «أستير» ورواية «أتالي» التي قال فيها ~~فولتير: بأنها أحسن ما ألفه العقل البشري، وسموا هذا النوع من الروايات الفاجعة ~~التاريخية «تراجيدي»، ومن مشاهير أدبائهم المتقدمين بوالو الشاعر الهجاء مؤلف الهزليات ~~وصاحب المذهب في فن الأدب، ومولير مؤلف المضحكات المسماة كوميدي، وفنلون مؤلف تيلماك ~~المترجم للعربية والمطبوع في بيروت، وترجمه للتركية يوسف كامل باشا بألفاظ لغوية وعبارة ~~عويصة، وترجمه أحمد وفيق باشا بألفاظ سهلة. ولافونتين مؤلف الحكايات المنظومة على ألسنة ~~الحيوانات، وكانت المدارس الابتدائية تعول عليها في تدريس اللغة الفرنساوية وتحفظها ~~للأطفال، وأما اليوم فقلت الرغبة فيها. # ثم ظهر مونتسكيو مؤلف «أسباب اعتلاء الرومانيين وسقوطهم» و«روح القوانين» و«الرسائل ~~العجمية»، وبوفون مؤلف التاريخ الطبيعي، وفولتير الشهير الذي لم يدع بابا من أبواب ~~الكتابة، وفنون الشعر والإنشاء إلا طرقه، وديدرو صاحب الإنسكلوبيديا، وجان جاك روسو ~~الذي هيج الأفكار بمؤلفاته، وهيأ حدوث الانقلاب الكبير، وبرناردن دوسن بير مؤلف بول ~~وفيرجيني وغيرها من القصص والسياحات. ~~(6) الطريقة المدرسية والطريقة الرومانية في أدب الإفرنج، وما أخذوه من ذلك عن ~~العرب # أدب كل لسان - كما لا يخفى - هو مجموع ما حصلت الإجادة في تأليفه بذلك اللسان من فني ~~المنظوم والمنثور، فمن أمعن النظر في أدب اللسان العربي وجد فيه طرقا كثيرة ومذاهب شتى ~~للكلام، ورأى فريقا من الذين أحرزوا ms098 قصب السبق في أدب العرب يتوخى حفظ الألفاظ ~~وتصنيعها، وفريقا آخر يختار ضبط المعاني وترتيبها، وعلم أن لكل واحد من أئمة البلاغة ~~وأمراء الفصاحة منهاجا معروفا وطريقة مألوفة، فلو راجعنا البصر في رسائلهم المنثورة ~~وتأملنا طرز إنشائها لتبين لنا أن منهم من سلك طريقة الأصل، أو طريقة السجع، أو طريقة ~~الجاحظ إمام الأدب، ومنهم من جمع بين طرق المتقدمين وطريقة المتأخرين حتى خلص لنفسه ~~طريقة. ثم لو أعدنا النظر ثانية في نظم أشعارهم لظهر لنا أن منهم من نسج على منوال شعر ~~الجاهلية، ولم يخرج عن الأساليب التي راعوها، ومنهم من لم يجر على أساليب العرب ~~المتقدمين كالمتنبي والمعري، بل اتخذ كل منهما منوالا خاصا لنسج كلامه، وأوجد قالبا ~~جديدا لبناء شعره فأصبح في الأدب إماما يقتدى به. ثم إذا بحثنا في مؤلفات أولئك ~~الأئمة باعتبار آخر رأينا منهم من أطلق العنان للمخيلة الشعرية، فأتى بالمعجز من آيات ~~البيان، ومنهم من استغرق في الحب استغراق ابن الفارض وتجليه، وإذا وصفوا الأمكنة ~~والأشخاص أو المواد والمعاني، منهم من يصور لك الموصوف على حقيقته بلا خلف فيه، ومنهم ~~من يجعل وصفه يربو على الموصوف ويتعداه أو يقصر عنه، ثم إذا استقصينا البحث نجد طائفة ~~من أمراء البلاغة قد تركوا لغة مضر وما فيها من الإعراب، ونظموا أشعارهم بلسان الحضر، ~~وهي اللغة الدارجة في أمصارهم؛ لأن البلاغة لا تختص بلسان مضر، بل توجد فيه وفي لسان ~~الحضر وفي غيرهما من الألسن الأعجمية، ونجد منهم أيضا طائفة أخرى في الأندلس وغيرها ~~خرجوا عن أوزان العروض المعروف عند العرب إلى أعاريض مختلفة ومقاطيع متفاوتة، إلى غير ~~ذلك مما هو مفصل في مواضعه ومعلوم عند أربابه سيما بعد طبع كتب الباقلاني والجرجاني، ~~وغيرهما من الأئمة الواضعين لفن الانتقاد الأدبي. # فالأمم الأوروبية على اختلاف قومياتهم، وتفرق لغاتهم ظلوا لأواخر القرن الحادي عشر ~~للميلاد محرومين من الأدب وفنونه، ولم يكن فيهم إلا أفراد من القسوس، والأساقفة يحفظون ~~في الأديرة شعر فرجيل اللاتيني ولا يفهمون مغزاه كما يحفظ مشايخ ms099 الأعاجم في زماننا شعر ~~المتنبي والمعلقات، ففي أوائل القرن الثاني للهجرة والثامن للميلاد أخذت الأفكار تتبادل ~~بين المسلمين وبين أمم أوروبا من الإسبانيين، والطليان، والإفرنج ودامت الصلات لا تنقطع ~~بين الفريقين المتحاربين لا في الحرب - بواسطة الأسرى والسفراء - ولا في السلم بسبب ~~الأخذ والعطاء، وكان الأرسخ قدما في الحضارة يكسب جاره أدبا وعرفانا. وفي القرن ~~العاشر للميلاد تغلب البابا سيلفستر الثاني على التعصب الديني، وخرج من مدينة أورياق ~~مسقط رأسه، وقطع عقاب البيرينة ومياه الوادي الكبير، وجاور في إشبيلية ثلاث سنوات، وفتح ~~لقومه باب العلم والمعارف فدخلوه طوعا أو كرها، وارتحل الإفرنج في طلب العلم إلى ~~مدارس الأندلس، وحضروا على مشايخها، وعادوا لأوطانهم متنورين يلقون الدروس في ساحات ~~المدن الكبيرة، وتجتمع حولهم الطلبة والعوام على مألوف العادة الجارية ليومنا في ~~المدارس والجوامع الإسلامية، فأدرك الناس فوائد العلم، وقرب الملوك والأمراء منهم علماء ~~المسلمين، وأغدقوا عليهم، فكان الشريف الإدريسي صاحب الجغرافية عند رجار المعروف عندهم ~~بروجر الثاني ملك صقلية ونابولي، وهو من سلالة الملوك النورمانديين، وكان أحفاد ابن رشد ~~المتضلعون في علم الحيوان والنبات عند خلفاء رجار في مملكة صقلية، ونابولي المعبر عنهما ~~بالصقليتين، فكان مثل هؤلاء كمثل الأوروبيين المستخدمين اليوم في الممالك ~~الشرقية. # وظل الإفرنج بعد استرداد صقلية يكتبون بالعربية على المباني العمومية والعمارات ~~الملوكية، واستعمل علماؤهم اصطلاحات العرب العلمية في جميع أوروبا، وفي القرن الثالث ~~عشر للميلاد فتحوا مدرسة للطب والعلوم في مدينة مون بيليه القريبة لمرسيليا، وجاءوا لها ~~بالمعلمين من عرب الأندلس ويهودها المستعربين، فكانت تلك المدرسة أقدم المدارس في ~~أوروبا بعد مدرسة ساليرن القريبة لنابولي، ولم تزل مدرسة مون بيليه عامرة يقصدها طلبة ~~العلم من الأستانة ومصر وغيرهما من بلاد الشرق، ثم في سنة 1323 أنشأ أدباء الإفرنج في ~~مدينة طولوز التي فتحها العرب سابقا جمعية أدبية لم تزل زاهرة إلى يومنا هذا، وتسمى ~~جمعية «لعب الأزهار»، وتفرق في كل سنة على نوابغ الشعراء عشر جوائز مصوغة من الذهب ~~والفضة على هيئة الأزهار، وكان لفيكتور هوكو منها ms100 أوفر نصيب كما تقدم، ومعلوم أن العرب ~~أقاموا مدة بتلك الأصقاع، وحرثوا أرضها، وتزوجوا بناتها وعمرت بهم مدينة أربونة ~~(ناربون) وقرقشونة (قرقسون) وفراقسنة، وكانت مستعمرة للعرب في شرق مرسيليا، وقسطل ~~سارازين ومعناها قلعة العرب، وهي في الشمال الغربي من طولوز. # فتعلم الإفرنج من العرب القوافي، ورقة الغزل، وآداب النظم والنثر، وتلحين الأغاني ~~والشعر ونقلوا عنهم القصص والحكايات والنوادر، وضروب الأمثال، والحكم المنقولة عن الفرس ~~والهنود كما هو مفصل في تواريخ الأدب الفرنساوي، وإلى ذلك أشار الموسيو رينه دوميك في ~~كتابه المتداول بأيدي طلبة العلم في عموم المدارس الفرنساوية، وبعد أن اطلع الإفرنج من ~~كتب الإسلام على ما عند اليونان من الفلسفة والحكمة أقبلوا على درس اللغة اليونانية، ~~ولم يهملوا كتب أدبها كما أهملها العرب من قبلهم، بل تهافتوا على درس أدب اليونان ~~واللاتين وعلى حفظ أشعارهم والتمثل بها، وهاموا في قص قصصهم وفي تشخيص رواياتهم؛ لأن فن ~~التشخيص أو التمثيل كان شائعا عند اليونان والرومان وألف أدباؤهم كثيرا من الروايات ~~واشتهر منها مؤلفات أوريبيد وسيما رواية «أندروماق» التي نسج راسين على منوالها، ولا ~~يزال السياح يشاهدون في أتينة على سفح الجبل تحت قلعة الأقروبول آثار المرسحين العظيمين ~~اللذين هما من بقايا التمدن القديم. # وكان أسبق أمم أوروبا إلى تحصيل فنون الأدب الإسبانيول، والطليان المجاورون للعرب، ~~فظهر في الأولين من فحول الشعراء لوب دوفيكه، ونظم نحو ألف وثمانماية رواية تمثيلية، ~~وظهر فيهم أيضا الشاعر قالديرون ولوقين وغيرهم، وفي الطليان ظهر الشاعر دانتي ~~(1265-1321م)، وطار له ذكر في العالم، وهو يعد في مصاف أكبر شعراء الأمم القديمة ~~والحديثة، وسبب شهرته كتابه الموسوم بالكوميدية الإلهية - ديفين كوميدي - ألفه في غضون ~~سنة 1300م، وجعله على ثلاثة أبواب باب في جهنم، وباب في الأعراف، وباب في الجنة، وسمى ~~الباب منها بالنشيد وقسمه إلى مائة غناء، كل غناء يشتمل على 130 أو 140 بيتا، وافتتح ~~كتابه بباب جهنم، وصور نفسه مشرفا على غابة مظلمة تقشعر الجلود من سماع وصفها، وهم ~~بدخولها لو لم يعترضه ثلاثة سباع ms101 كاسرة. وبينما هو بين أظفار المنية وإذ ظهر له فرجيل ~~الشاعر اللاتيني، وعرض عليه أن يكون قائدا له في الأعراف والسعير فقط؛ لأنه لا يستطيع ~~دخول الجنة ولا وطء عتابها لكونه من عبدة الأوثان، فقبل دانتي بقيادة فرجيل له وسارا ~~معا في عالم أهل النار، وأطنب الشاعر في وصف أصحاب السعير، وصور عذاب الذين مر بهم من ~~الظلمة والجبارين، وأتى على قصة أيكولين، وكان جبارا عنيدا في مدينة بيزا فوقع بأيدي ~~أعدائه فوضعوه مع أولاده في برج، وسدوا عليهم جميعا فاشتد به الجوع وأكل أولاده ثم ~~هلك. # فوصف دانتي جميع ذلك بصورة هائلة على الأسلوب المعروف بالدراماتيقي، ولما أدته خاتمة ~~المطاف إلى الجنة وجد ببابها بياتريس، وكانت من ربات الجمال المشهورات بمدينة فلورانسا، ~~وقيل كانت معشوقته فتلقته واخترقت به طبقات الجنة المسيحية، أو طباق السموات فلقي فيها ~~كثيرا من الأبرار، والقديسين، والملائكة المقربين وباحثهم بالمسائل اللاهوتية والعلوم ~~الإلهية والكلامية. وجمع دانتي في مؤلفه علوم العصر وآدابه ومعارفه، ووضع به أساس اللغة ~~الطليانية، فكان كتابه كدائرة المعارف والآداب، ولم يزل يستوقف أنظار الأدباء بحسن ~~ترتيبه وجودة سبكه وبما فيه من المهارة العجيبة في التنقل من مبحث إلى آخر، فالكوميدية ~~أو المضحكة الإلهية أشبه برسالة الغفران التي حررها المعري قبل تأليف الكوميدية بأكثر ~~من قرنين وقدمها جوابا لرسالة وردت عليه من أحد أصحابه الأفاضل في حلب، وانتقل فيها ~~لذكر الجنة ونعيمها ولذكر من دخلها من الشعراء الذين يتبعهم الغاوون وفي كل واد يهيمون، ~~وما كانوا يدخلونها إلا بعمل صغير كان له عند الله أجر كبير، فغفر لهم ما تقدم من الذنب ~~وما تأخر، وقالت لهم الملائكة: طبتم فادخلوها خالدين. # واقتفت الأمم الأوروبية أثر الإسبانيين والطليان في العدول عن اللغة اللاتينية إلى ~~وضع لغاتهم القومية وتدوينها، وأقبل الأدباء في إنكلترة على التأليف باللغة الإنكليزية. ~~وأصلح الفرنساويون لسان رومان وهذبوه فأصبح اللغة الفرنساوية. واقتفى الألمان أثر من ~~ذكر من الأمم، ودونوا لغتهم الألمانية، وكان فن الأدب منحصرا في الخواص شأنه عند العرب ~~ولا نظر ms102 للعوام فيه؛ ولذا اختار الأدباء اصطلاحات مخصوصة من اللغة وتصنعوا في كلامهم ~~وتعملوا له؛ لأن الخواص من الناس يأنفون من استماع الكلام السوقي المبتذل، ويألفون ~~الغوص على المعاني وإعمال الذهن في استخراجها، ثم ظهر في فرنسا ألكسندر هاردي، وهو أول ~~من أصلح فن التمثيل واللعب على المراسح، واتخذ الروايات الإسبانية نموذجا له، ونظم على ~~منوالها كثيرا من الروايات الفرنساوية وشخصها على مرسح باريس في حدود سنة 1600م. وفن ~~التمثيل كما لا يخفى هو من أكبر العوامل على ترقي فنون الأدب وإصلاح طرق النظم والنثر؛ ~~لأن الأديب يخاطب بهذا الفن الجمهور، وأصناف الناس فيتحرى في كلامه التعبير الذي ~~يستطيعون فهمه، والأساليب التي لها وقع في نفوسهم بخلاف من يؤلف كلامه للخواص، فإنه ~~يتعمل في التأليف ويتصنع ليظهر تفننه واقتداره على إيراد النكت والدقائق التي لا يفهمها ~~إلا أصحاب الغوص على المعاني. # والتمثيل كما لا يخفى مشتق من ضرب المثل، فإن الرواية التمثيلية ما هي إلا ضرب مثل ~~جامع للأطراف والتفاصيل، وأحسن ضروب الأمثال وأبدعها وردت في القرآن الكريم الذي تحدى ~~به النبي - عليه السلام - العرب، وقال أتوني بسورة من مثله فقالوا: أنت تعرف من أخبار ~~الأمم ما لا نعرف فذاك يمكنك ما لا يمكنا، قال: فهاتوها مفتريات. فالرواية هي أسلوب من ~~أساليب المفتريات، وأساس فن التمثيل عند الأوروبيين مستفاد من أعمال المتعبدين في ~~الكنائس، ومن تشخيص ما شبه لهم في المسيح ابن مريم - عليهما السلام - من القتل والصلب، ~~ومن تمثيل آلام الذين اقتدوا به من القديسين والشهداء في سبيل النصرانية، ولما درس ~~الإفرنج اليونانية واللاتينية وانتشقت أساليب هاتين اللغتين في نفوسهم حذوا حذو شعراء ~~اليونان والرومان، واتخذوا رواياتهم منوالا نسجوا عليه أمثالها من كلمات أخرى ~~فرنساوية، وربما ترجموا أبيات شعرهم وسرقوا معانيهم وصاغوها في ألفاظ فرنساوية من ~~الطبقة العليا وتأنقوا فيها نهاية التأنق، وراعوا قواعد النحو والصرف والعروض، وبقية ~~علوم الآلات المدرسية والأساليب المتعارفة، فجاءت أبياتهم متينة وقوافيهم عامرة وكل بيت ~~منها كلام تام في مقصوده، ويصلح أن ينفرد دون ما ms103 سواه. # ولم تحصل الملكة في ذلك إلا لمن هو على جانب من العلم، وله الحظ الأكبر من الذوق ~~السليم لاحتياجه إلى تلطف كثير في استحصال الملكة حتى يفرغ الكلام الشعري في قوالبه ~~التي عرفت له، وبلغ الأدب الفرنساوي في عصر لويس الرابع عشر؛ أي من سنة 1600 إلى سنة ~~1715 أوج الكمال ومنتهى البلاغة، وأصلح الأدباء فنون الأدب ورتبوها على القواعد، ~~وهذبوها ووضعوا المؤلفات الجليلة والروايات البديعة، وظنوا بأنهم لم يتركوا شيئا ~~للمتأخرين. فكان عصر لويس الرابع عشر في الأدب عصرا مدرسيا (كلاسيك) أشبه بعصر ~~أغسطوس عند الرومان، وبعصر بيرقلس عند اليونان. ونبغ من شعراء الفرنساويين في فن ~~الفاجعات (تراجيدي) الأديب بيير قورنيل، والشاعر المفلق راسين، ونبغ في فن المضحكات ~~(كوميدي) الأديب مولير، ونبغ في فن الهجويات (ساتير) الأديب المدقق بوالو، فهؤلاء من ~~نوابغ العصر المذكور الذي بلغ اللسان فيه منتهى الفصاحة والبلاغة، ومن أحسن مؤلفات بيير ~~قورنيل رواية السيد، والكلمة عربية لقب بها أحد أبطال الإسبانيين في القرن الحادي عشر ~~للميلاد، وبيان ذلك: أن العرب بعد استيلائهم على جزيرة الأندلس # 16 # التجأت بقية السيوف من القوط إلى جبال أستوريا، وتحصنوا فيها ولموا شعثهم ~~وشكلوا حكومات، وإمارات صغيرة فلم يعبأ بهم العرب وحسبوهم من قطاع الطرق المتشردين في ~~الجبال، وتشاغلوا عنهم بإعمار تلك السهول وتمنعوا برياضها الغناء، فمن الإمارات التي ~~أسسها القوط في شمال الأندلس أستورية، وليون، وقشتالة، وكان المالك عليها في ابتداء ~~القرن الحادي عشر للميلاد فرديناند الأول فأوصى بتقسيم الملك بعد وفاته بين أولاده ، ~~فكان ابنه ألفونس السادس على ليون الإسبانية، وابنه الثاني سانش على قشتالة، فالسيد ~~صاحب الرواية ولد سنة 103 وسمي رودريك، وكان أبوه الدون ديغوا من أشراف القوط فأدخله في ~~سراي فرديناند الأول، وبعد وفاته دخل في خدمة ابنه سانش، ولما اقتتل الأخوان وانهزم ~~سانش في إحدى المواقع قوى السيد عزمه، وأشار عليه بالمشورات الحسنة فاتبع رأيه، ~~وانتصر على أخيه وحبسه وتفرد بالملك على ليون وقشتالة، فكان السيد له نديما ووزيرا ~~وناصحا ومشيرا، ثم حدثت ms104 فتنة وقتل سانش في محاصرة زامورة وخلفه أخوه ألفونس السادس، ~~فأمن السيد وأقسم له الأيمان المغلظة بأنه لا مدخل له في قتل أخيه سانش، وقربه منه ~~وزوجه بواحدة من قريباته، وكانت على رواية التاريخ عجوزا شنعاء، ولم يتزوجها السيد إلا ~~طمعا في مالها. وبعد أن تم الأمر لألفونس السادس وأمن غوائل الرقباء فعل بالسيد ما ~~يفعله المستبدون من الملوك، وصادره وأراد الفتك به ففر من ملكه إلى الحدود الإسلامية، ~~وعمر قلعة بالقرب من سرقسطة (ساراغوس) بين دارقة والقنيز، ولم يزل أثر تلك القلعة على ~~صخرة عالية تسمى صخرة السيد كما تنسب الصخرة التي في رونسيفو؛ أي في مدخل جبال البيرينة ~~إلى رولان. # واستقل السيد بحكمه في تلك القلعة، وكان يتعيش هو ورجاله من النهب والغارة على القرى ~~المجاورة، ومن قطع الطرق على القوافل الإسلامية والمسيحية، فاشتهر خبره وتحدثت الركبان ~~بشجاعته ثم اتفق مع أمير سرقسطة وأمير البراسين، وهما من أمراء المسلمين، وقاتل معهما ~~أمير أراغون المسيحي، وحارب كذلك عسكر ألفونس السادس والمتفقين معه من أمراء المسلمين؛ ~~لأنهم كانوا متفرقي الكلمة يقاتل بعضهم بعضا، فجاءهم يوسف بن تاشفين بعساكر المرابطين ~~من إفريقية ووحد كلمة الإسلام في عموم جزيرة الأندلس مع أنه كان أميا بربريا، فوقف ~~السيد أمام المرابطين ودفع هجماتهم عن بلنسية، ولم يمكنهم من الاستيلاء عليها إلا بعد ~~وفاته في سنة 1099م. فتحدث القريب والبعيد بشجاعة السيد وثبات عزمه وطار له ذكر بين ~~الفرسان، ونظمت فيه القصائد العنترية أو الهلالية بلسان رومان، ثم جاء قورنيل ونظم فيه ~~روايته المشهورة بدون التفات للتاريخ ولا تعمق فيه، بل نسج على منوال القصائد الرومانية ~~وتخيل فيها تخيلاته الشعرية، وجعل تلك المرأة التي تزوجها السيد بديعة الحسن والجمال، ~~ولما عشقها وعشقته اتفق أن والدها أهان والده، فانقض عليه السيد وقتله، وتمكن من تسليط ~~إرادته على عشقه، أما اسم السيد فأطلق عليه حينما كان متفقا مع أمير سرقسطة وأمير ~~البراسين وحارب معهما، ولم نتعمق في التاريخ لنفهم هل دخل السيد في الإسلام أم لا، ومن ms105 ~~أبيات قورنيل في روايته المذكورة قوله: «كلاهما سمياك سيدهما بحضوري؛ لأن السيد بلسانهم ~~تعادل كلمة سنيور.» # أما ما ألفه راسين من الروايات الموافقة تماما للقواعد المدرسية، فأحسنها رواية ~~«أندروماق»، ونسجها على منوال سميتها الرواية اليونانية المؤلفة قبل الميلاد بأربعة ~~قرون، وتخالف رواية السيد في وحدة الزمان وفي أخلاق بطلها لتغلب العشق عليه، وانتصاره ~~على إرادة العاشق. ومن روايات راسين «أستير» الإسرائيلية ويشخصها أحيانا طلبة المدارس ~~في بيروت، ورواية «أتلي» وهي من الإسرائيليات أيضا؛ قال فولتير: إنها أحسن محصولات ~~العقل البشري. ومن أحسن ما ألفه مولير في المضحكات رواية «تارتوف»، وهو رجل مراء في ~~نسكه وعبادته أغفل بخبثه أحد المتولين من البسطاء، واستولى على أمواله وعياله فصار اسم ~~تارتوف كناية عن الرياء والخبث، وقد أتى المعري بأبيات كثيرة تشتمل على مضمون هذه ~~الرواية كقوله: # وليس عندهم دين ولا نسك ~~«فلا تغرك أيد تحمل السبحا» # وكم شيوخ غدوا بيضا مفارقهم # يسبحون وباتوا في الخنا سبحا # وألف بوالو كتاب الهجويات (ساتير) ووضع في قواعد الشعر كتابا سماه الفن، أو الصناعة ~~الشعرية (آربويتيك) وأنكر الشعر والشعراء في المتقدمين، وقال: لم تأت فرنسا بشاعر قبل ~~«ماليرب»؛ أي إن الشعراء الذين جاءوا قبل دخول القرن السابع عشر لا يستحقون الذكر في ~~مصاف الشعراء؛ لعدم إتيانهم بالكلام المدرسي المنتظم المعقول، ولتهافتهم على التصنع ~~البارد في الكلام وإظهار الرونق الكاذب فيه، وبيان مهارتهم وعلمهم بكل ما هو من فضول ~~الكلام؛ ولذا فكلامهم لا طعم له وفيه كثير من الغرور والإعجاب. فبوالو بالغ في كلامه ~~وحط كثيرا من كرامة المتقدمين، ولكنه أصلح أساليب الشعر الفرنساوي كما أصلح باسكال ~~أساليب النثر، وكان باسكال إماما في العلوم الرياضية والطبيعية، واقتفى أثر بوالو في ~~انتقاد كلام المتقدمين لوزير ضيا باشا، وألف مجموعة سماها الخرابات خرب فيها كثيرا من ~~أشعار الفرس والترك والعرب المتقدمين عليه، وكانت وفاته في بروسة سنة 1295ه فجاء كمال ~~بك إمام الأدب في اللسان العثماني، وكتب عليه انتقادا سماه تخريب الخرابات، ونشره في ~~مطبعة أبو الضياء فالغاية التي يتطلبها ms106 أئمة الأدب العثماني كاللذين ذكروا عبد الحق ~~حامد بك مستشار سفارة لوندره، وأكرم بك، وسعيد بك من أعضاء الشورى، والمعلم ناجي أفندي ~~المتوفى منذ بضع سنين وبقية النشأة الجديدة؛ هي تخليص لسانهم من مبالغات الفرس الأعاجم ~~والسلوك فيه منهج بوالو، وراسين، وقورنيل، ومولير وبقية أدباء عصر لويس الرابع عشر؛ لأن ~~هؤلاء الأدباء يذهبون إلى أن التخيل الشعري ينبغي أن يكون مقرونا بالتعقل، فعندهم أن ~~الشعر ليس أعذبه أكذبه، بل أحسنه أصدقه كما قال حسان: # وإن أحسن بيت أنت قائله # بيت يقال إذا أنشدته صدقا # واشترطوا في الروايات التمثيلية ثلاثة شروط: # وحدة الزمان. # وحدة المكان. # وحدة العمل. # أي إن الحادثة الممثلة على المرسح يشترط تصور حدوثها في زمن واحد؛ أي في ظرف 24 ساعة ~~مثلا؛ ليكون التمثيل أقرب إلى الحقيقة، وأشبه بالواقع؛ لأن حوادث الأربعة والعشرين ~~ساعة يمكن اختصارها وتمثيلها في ساعتين، فراسين راعى هذا الشرط في رواية أندروماق، ~~وقورنيل خالفه في رواية السيد، ونقل بطل الرواية من سنة إلى أخرى، فالقائلون بهذا الشرط ~~تنقبض نفوسهم من تمثيل الحوادث التي حدثت في أزمان متطاولة، وقصدهم من وحدة المكان ~~اشتراط وقوع الحادثة في مكان واحد؛ لئلا ينتقل ذهن السامع من مكان لآخر، فيبتعد بذلك عن ~~الحقيقة؛ ولذا كانت مراسح القائلين بهذا الشرط ثابتة المناظر من أول اللعب إلى آخره، ~~بحيث إذا رفع الستار عن مكان يبقى المكان بعينه في الفصل الثاني وما بعده من فصول ~~الرواية لمراعاة شرط وحدة المكان، والمراد من الشرط الثالث أن يكون بطل الرواية واحد ~~وعروسها واحدة، ثم السعي وراء عمل واحد، وهو الحب مثلا وينتهي بفناء المحبين، أو ~~أحدهما، أو انتصارهما أو تغلب إرادة العاشق على عشقه كما فعل السيد، وقتل أبا معشوقته ~~أخذا بثأر أبيه، أو بالعكس كما قتل سفير اليونان زوج محبوبته في رواية أندروماق وخان ~~بذلك وطنه، ولم يرع عهد من ائتمنه، كل ذلك مرضاة لمعشوقته. # فمصدر هذه الشروط والقيود وأمثالها هو التعقل في الكلام الأدبي، وتحكيم الذوق السليم ~~في فنونه، ولم يكن الأدباء ms107 قبل عصر لويس الرابع عشر يتعقلون في نظمهم ونثرهم، ولا ~~يحكمون الذوق السليم فيها؛ ولذا كانت فنون أدبهم مشحونة بالخرافات والأباطيل، وبما هو ~~خارج عن الطبيعة والاعتدال وخارق للعادة، ومشتمل على المبالغات العجمية وعلى زخرف ~~القول، فلما تعقل الأدباء في كلامهم وجدت الطريقة المدرسية التي قيل لها: «كلاسيك»، ~~والكلمة كما هو معلوم مشتقة من الصف والدرس والمدرسة؛ لأن السالكين هذه الطريقة لا بد ~~لهم من درس آثار الواضعين لقواعدها والارتياض في كلامهم لتحصل لهم ملكة في النظم ~~والنثر، وإمام الطريقة المدرسية وشيخها الأكبر راسين. ~~(7) الطريقة المدرسية عند الإفرنج # فروايات الأدباء والشعراء المتقدم ذكرهم يقال لها روايات مدرسية، كما يقال للكتاب ~~الذي يدرس في المدارس: كتاب مدرسي، ويقصد به الكتاب الأقرب إلى مرتبة الكمال في الفن ~~الذي هو مؤلف فيه، فرتبة الكمال يمكنا تصورها والإحاطة بها في العلوم المدرسية كالنحو ~~والصرف، والبيان، والمعاني، والعروض أو الفقه والحساب. # ولكن في الأدب وفي الروايات التمثيلية ليت شعري ما هي مرتبة الكمال؟ ففي جواب هذا ~~السؤال وقع الاختلاف بين مشايخ الطرق الأدبية من مدرسية ورمانية وحقيقية، أو طبيعية وفي ~~نهايتهم الطريقة الإنسانية، وهي موضوع حديث القوم في يومنا بسبب كتاب نشره الموسيو ~~فيكتور بيرار مستشار نظارة البوستة والتلغراف، وبحث فيه عن الأوديسة التي نظمها أوميروس ~~الشاعر اليوناني، وكان الموسيو بول آدم بحث عن هذه الطريقة الأدبية الجديدة في مقدمة ~~قصته التي عنوانها «أسرار الجمهور» (مستير دوفول)، وبول آدم يحرر اليوم في جريدة ~~الجرنال الباريسية. # فأصحاب الطريقة المدرسية يذهبون إلى أن مرتبة الكمال في الأدب ، هي «أولا» تمام ~~النسبة التي بين أساس الفكر وبين شكل التعبير؛ أي بين المعاني التي يختلقها الشاعر وبين ~~قوالب الألفاظ التي يسكب تلك المعاني فيها، فعلى مذهبهم لا يكفي أن يكون المعنى حسنا ~~بل ينبغي أن يكون الحسن أيضا في كيفية أداء هذا المعنى، فالكلام الجاري على الطريقة ~~المدرسية هو معنى بديع في لفظ حسن، # 17 # فهذه الموازنة التي بين أساس الفكر وشكل التعبير، هي الخاصة المميزة ~~لمؤلفات العصور المدرسية ms108 كعصر لويس الرابع عشر، وعصر أغسطوس، وعصر بيرقلس. والعصر ~~المدرسي لا يوجد عند جميع الأقوام، بل بعض الأمم ليس لهم عصر مدرسي ولا أدب مدرسي ~~مطلقا، ولا يتيسر لهم الوصول إلى مرتبة الكمال في الأدب أبدا؛ لأنهم إذا تمكنوا من ~~الإتيان بالمعاني البديعة، فلا يتمكنون من أداء هذه المعاني بالألفاظ الحسنة، ولا ~~يقدرون على الترجمة عن أفكارهم حق الترجمة لأحد السببين: # إما أن اللسان الذي يتكلمون به لم يزل على خشونته، ولم يكتسب بعد الشكل ~~البديع. # وإما أن تكون أساليب الفن ولوازم الصناعة الأدبية لم تعرف بعد عند المتكلمين ~~به. # ثم إنهم يشترطون في التأليف المدرسي أن يكون ظهوره في الزمن الذي بلغت اللغة فيه أوج ~~الكمال، ويقولون لا بد من هذا الشرط، ويعترضون على أصحاب الطريقة الرومانية؛ لأنهم ~~تجاوزوا النسبة التامة التي بين أساس الفكر وشكل التعبير، ولم يكتفوا بالتعبير البسيط ~~الذي يؤدي معانيهم تمام الأداء، بل أرادوا زيادة عن هذه النسبة التامة، بل تطلبوا أزيد ~~من ذلك أيضا، فأرجعهم تهافتهم إلى الوراء، وساقهم إلى الأساليب الأجنبية، وأوصلهم إلى ~~طريقة لوب دوفيكه الإسباني، وإلى طريقة بايرون، وشكسبير الإنكليزيين. # ويذهب أصحاب الطريقة المدرسية إلى أن مرتبة الكمال في الأدب هي، «ثانيا» وجود موازنة ~~بين التخيل الشعري وبين التعقل، بل يشترطون وجود هذه الموازنة بين جميع الحواس، فإذا ~~كان التخيل الشعري في التأليف الأدبي منافيا للعقل، فلا يعتبرون ذلك التأليف على نهج ~~الطريقة المدرسية، مثال ذلك مبالغات شعراء الفرس ومن خالطهم من شعراء الترك والعرب. ~~ومبالغات العرب أقل من غيرها لا سيما في كلام الجاهلية، وأهل الطبقة الأولى من ~~الإسلاميين الذين لم يكثر اختلاطهم بالأعاجم، ولا حصلت لهم ألفة بفنون أدب الفرس ولا ~~بتعبيراتهم، ومن هذه المبالغات قول المتنبي في صباه يصف ما فعل به العشق: # أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني ... # إلى أن قال: # لولا مخاطبتي إياك لم ترني # فهذه المبالغة لا تنطبق على العقل ولا تحدث في العادة، والمتنبي ولد في الكوفة وذهب ~~إلى فارس واختلط بأدباء العجم. ومن ms109 مبالغات نفعي كبير شعراء الترك المتقدمين (القرن ~~الحادي عشر للهجرة) قوله بالألفاظ الفارسية، والتركيب، والتركي يصف يوما شديد الحر: «... ~~كيم برمور بردم كرم أيله إيلريدى درياي سراب»، ومعناه: أن النملة بنفس حار تجعل ~~السبع البحور سرابا، ومن قرأ ديوان نفعي حسب ناظمه من زمرة عوج بن عناق وظن تمثال رودس ~~الذي كانت المراكب تمر من بين ساقيه صورة له، ومنها قول ضيا باشا - وهو في مقدمة أدباء ~~النشأة الجديدة العثمانية، وله وقوف على الفرنساوية - باللسان العثماني الجديد الذي ~~يكثر فيه استعمال الألفاظ العربية، «سرولر أفلاكه سرچكمش مثال قديار»، ومعناه مثل قد ~~الحبيب كأشجار سرو تناطح برءوسها الأفلاك، ويذكرني هذا ما قاله أحد الواعظين في جامع ~~أيا صوفيا بأن من صام كذا، وصلى كذا، وسبح كذا في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ~~رزقه الله في الجنة حورية طولها ما بين بعد المشرقين، فإن كنا نستهجن طول الآنسة ~~إيلابوين أطول نساء العالم، ولا تتوق النفس إلى قربها وهي لا تزيد عن الطول المعتاد ~~بأكثر من قدمين، فما بالك أن زاد قد عروسنا الميال عن ذلك. # ويقسم علماء المعاني المبالغة إلى ثلاثة أقسام: وهي ما كان وقوعها جائزا عقلا وعادة ~~ويقال لها: التبليغ، ومعقولة وهي ما كان وقوعها جائزا عقلا لا عادة ويقال لها: ~~الإغراق، وغير معقولة وهي ما لا يجوز وقوعها العقل ولا العادة، ويقال لها: الغلو، فأهل ~~الطريقة المدرسية يرفضون الغلو والإغراق في الكلام، ويقولون: بأن بعض الأمم أو بعض ~~العصور في الأمة الواحدة لها تخيل شعري وليس لها تعقل. # وقد جاءت هذه الأمم، أو هذه العصور بكثير من المؤلفات البديعة التي لا تخلو من ~~الفوائد، ولكن مؤلفاتهم ليست بمدرسية لوجود التخيل الشعري فيها بدون تعقل، كما هو الحال ~~في ماها بهاراته، ورامايانه من أشعار الحماسة الهندية وفي الشعر الفارسي والتركي القديم ~~وبعض أشعار العرب المخالطين للعجم. فمن خصائص العصور والآداب المدرسية تحكيم الذوق ~~السليم في مؤلفاتها والذوق السليم لا يميل طبعا إلا للجمال، والتناسب، والقياس، ولا ~~وجود ms110 لما ذكر في زمن تشكل اللسان، ولا في زمن انقراضه. # ولأصحاب الطريقة المدرسية مسألة ثالثة أيضا، وهي محبتهم الصدق والحقيقة، فهم يذهبون ~~إلى أن أحسن الشعر أصدقه لا أكذبه، ولكنهم لا يقصدون باتباع الحقيقة تصوير الحقيقة ~~بعينها تصويرا تاما كما ذهب إليه أصحاب الطريقة الحقيقية، وورد في مؤلفات إمامهم ~~إميل زولا، كل بل يقولون فقط بلزوم ارتباط التصوير الذهني بالشيء الحقيقي، وبأن التصوير ~~الذهني وحده في الشعر لا يكفي. # وعندهم أيضا أن التآليف المدرسية يجب أن تكون منحصرة في تصوير الجميل والبديع، ~~فالتآليف المغايرة للآداب الأخلاقية، والموجبة لاشمئزاز النفس يندر فيها الجمال فلا ~~تكون مدرسية، فهم لا يطالبون الكاتب الذي يسلك طريقتهم بأن لا يحرك قلمه إلا في المواعظ ~~الحسنة والأخلاق المستحسنة، ولا يصور فيها شيئا غير الجمال، ولكنهم ينذرونه بسقوط ~~مؤلفاته إن ملأها بوصف الأشياء القبيحة والأفعال الشنيعة، كما فعل زولا في كتاباته، ~~وصور فيها بؤس المعيشة وسفالة الحياة. # ونظم أحد الأدباء في العام الماضي رواية صور فيها الأمراض الزهرية، والعلل الإفرنجية ~~التي تحدث من الانهماك في العهر وشرح ذلك على مرسح اللعب شرحا أليق أن يكون في غرفة ~~الطبيب المخصصة لمعاينة الأمراض السرية، فمنع المراقب تمثيلها في باريس كما منع رقصة ~~الشربة والشمعة من المرسح المصري في المعرض الأخير، ويقال: بأن الرواية المذكورة في ~~غاية من البلاغة وباعثة على التعفف. # ويشترطون في الطريقة المدرسية شرطا أخيرا وهو أن تكون المؤلفات فيها ملية قومية؛ أي ~~مصورة لأفكار القوم الفلسفية ولأحوالهم الاجتماعية، فإن كان التأليف الأدبي وضع تقليدا ~~للأجانب فلا يكون مدرسيا، فبناء عليه يكون هذا الشرط مرعيا في المؤلفات التي استخرج ~~صاحب مجاني الأدب زبدتها في كتابه؛ لأنها من المؤلفات المختصة بالعرب قبل الإسلام ~~وبعده، بخلاف المؤلفات العربية الموضوعة في زماننا على الأسلوب الإفرنجي، وربما كانت ~~مترجمة عن لسان من الألسنة الأجنبية، فإنها ليست على وفق الطريقة المدرسية، مع ما فيها ~~من الفوائد التي سنذكرها في بحث الطريقة الرومانية. # فهذه زبدة الأقوال وخلاصة القواعد التي أسست عليها الطريقة المدرسية، ms111 فكان من أتى من ~~الأدباء بعد عصر لويس الرابع عشر، وهو القرن السابع عشر الذي بلغ اللسان الفرنساوي فيه ~~درجة الكمال، لا يخرجون في النظم والتأليف عن الأساس الذي وضعه مشايخ الطريقة المدرسية، ~~ولا عن الأساليب التي راعوها، ويتكلفون لذلك الصعاب ويعانون طول الدرس ومراعاة القواعد؛ ~~ليتمكنوا من تحسين العبارة، ومن تطبيقها على ما يتخيلونه من التشابيه والاستعارات ~~ويلتزمون عدم الخروج عن أوزان العروض المصطلح عليها بين قومهم وجماعتهم، ويجعلون كل بيت ~~في الغالب كلاما تاما، ولا يأتون بشيء من الكلام السوقي المبتذل ولا يصورون رذيلة ~~من الرذائل، ولا سوأة من سوآت الإنسان وعوراته، ولا يصفون شيئا من بؤس المعيشة، أو ~~سفلة الحياة الدنيا، وينتخبون مواضيع مؤلفاتهم من تواريخ القرون الأولى أي: من تاريخ ~~اليونان، والرومان، والعبرانيين، فكان كلامهم مشتملا على التخيل الشعري وعلى التعقل ~~المشروط وجودهما في الطريقة المدرسية، ولكنه بارد ممل بسبب ما فيه من التصنع والتعمل، ~~ومن مراعاة تلك الشروط والقيود التي قيدت عقول أصحابه ومنعتهم عن الخوض في مضمار الوسط ~~الذي هم فيه، ويشعرون به ويريدون البحث عنه فيمنعهم مراعاة تلك القواعد والأساليب ~~الإنشائية، فمؤلفاتهم مع استيفائها للشروط المدرسية لم تحدث تأثيرا على النفس، ولا ~~تهييجا للعواطف كمؤلفات الطريقة الرومانية لعدم مراعاة شرط الإحساس القلبي فيها؛ ولذا ~~قالوا: بأن راسين، وقورنيل، ومولير وأهل طبقتهم لو أطلقوا العنان لأقلامهم ولم يقيدوها ~~بسلاسل تلك الشروط المدرسية لأتوا بأحسن مما جاءوا به من درر الألفاظ، وغرر ~~المعاني. # فهذا ما كان عليه فن الأدب الفرنساوي قبيل الانقلاب الكبير؛ ولذا كان الكثير من ~~الكتبة لا سيما النشأة الجديدة يتذمرون من تقيدهم بتلك القيود المدرسية، ويرون أنفسهم ~~كالمقعد الذي يروم النهوض ولا يستطيعه لفقدان القدرة عليه، فكان مثلهم كمثل غلام في ~~مكاتبنا أراد التحرير لوالديه فلم ير أمامه من نموذج الإنشاء سوى ما طبع في الأستانة من ~~رسائل الخوارزمي، والبديع الهمذاني، وكانت هذه النشأة الجديدة ترى أيضا قصور الطريقة ~~القديمة عن حقيقة البلاغة، وهي مطابقة الكلام للواقع ومقتضى الحال؛ لأن أصحاب الطريقة ms112 ~~المدرسية مع محافظتهم على التعقل في الكلام كادوا بكثرة تشابيههم واستعاراتهم لا يسمون ~~الأشياء بأسمائها الحقيقية، ويستعملون الحشو ويتكلفون للعبارات التي لا لزوم لها، فإذا ~~أراد أحدهم أن يعين الوقت وهو يكتب قصة أو رواية، ويقول مثلا قبل مرور ساعة من الزمان ~~دبج عباراته وكثر استعاراته، وقال: «قبل أن يتم العقرب خطاه المنظومة، وينقل على مينا ~~الساعة المجلاة ستين خطوة موزونة ...» إلخ. # كما فعل الشاعر الفرنساوي أندره شينيه، وهو خاتمة الشعراء السالكين منهج الطريقة ~~المدرسية وأبلغهم كلاما، وكانت ولادته في الأستانة وأمه رومية، فارتحل إلى باريس وصار ~~فيها إمام أهل طبقته، فلما قتل سنة 1794م مع من قتل من أفاضل الرجال وأكابرهم بآلة ~~الكيليوتين انقرضت الطريقة المدرسية بعد أن كانت قواعدها وأساليبها هي المرعية بين ~~الأدباء، يتبع فيها الخلف أثر السلف، ومع اعتراف النشأة الجديدة بما فيها من القصور ~~والخلل لم يقدم أحد منهم على تركها، ولا الخروج عنها لأوائل القرن التاسع عشر. # فقبل هذا التاريخ كان جمهور الناس، وعوام الأمة في تسيب وغفلة لا يقيدون على المصالح ~~انتظمت أو لم تنتظم، ويدعون الأمور تجري في مجراها حسنا كان، أو قبيحا، نافعا أو ~~مضرا، كما يجري الماء في الأرض الطيبة بدون حفر النهر ولا كريه، وكانوا يستعملون هذا ~~التعبير «ليسه أله» كما نستعمل تعبير «طيب معليش»، ولا يهتمون بالمسائل العمومية ~~والاجتماعية كأنها لا تعنيهم ولا يعود خيرها وشرها عليهم، فلما حدث الانقلاب الكبير في ~~فرنسا سنة 1779م تغيرت البلاد، ومن عليها في بضع سنين، وانقلبت أفكار الناس وعاداتهم ~~وأخلاقهم، وزال عنهم التسيب والغفلة والكسل والرخاوة، وشغفوا بحب الانتظام والدقة، ~~فتقيدوا بالمسائل وتبصروا بالأمور، وكانوا صامتين ناصتين، مفكرين متعقلين لا يضيعون ~~أوقاتهم في ما لا فائدة فيه، ولا يشتغلون بالعبث من اللهو واعتادوا على الآداب العسكرية ~~في انتظام الحركات والسكنات؛ لأن الأمة بأسرها حتى النساء والصبيان كانوا بأجمعهم تحت ~~السلاح الكامل يكرون ويفرون من غرب أوروبا إلى شرقيها، ومن قارة إفريقيا إلى قارة آسيا؛ ~~أي من مصر إلى سوريا، فكان الواحد ms113 منهم لا يهمل في قيامه وقعوده أمرا ولا يغفل في ~~ملابسه عن زر، ولا يترك فيها فتقا بغير رتق وإذا وقف استقامت قامته؛ لأن الإنسان ~~مستقيم القامة، وإذا مشى أو ركب لا يتوكأ على الخدم كما تفعل أكابر بعض الأمم دلالا ~~وعظمة، بل اعتمد في حركاته على نفسه، وانتزع من عقولهم أكثر الخرافات والأباطيل التي ~~تتولد في الإنسان عادة، ويكبرها الوهم في مخيلته ما دام في مكانه لا يخرج منه، ولا يسيح ~~في الأرض فينظر كيف كانت عاقبة المتقين. # فانقلاب الأخلاق، والعادات، والأطوار استلزم انقلاب اللهجة وتغيير التعبيرات؛ ولذا ~~كان العصر الجديد مفتقرا لأسلوب جديد في النظم، والنثر وكان رجال العصر يترقبون حصول ~~انقلاب في الأدب كما حصل في السياسة والعادات، فولد فيكتور هوكو وللعصر الجديد سنتان، ~~وصار رجل هذا الانقلاب الأدبي. ~~(8) الطريقة الرومانية # أسلوب الطريقة الرومانية ابتدأ ظهوره في مؤلفات شكسبير إمام الأدب وأمير البلاغة، ثم ~~نسج على منوال هذه الطريقة أدباء الألمان وراجت بضاعتهم فيها، ثم جاء فيكتور هوكو وكشف ~~أساس الطريقة، وأوضح مزاياها وصار إمامها المشار إليه بالبنان. # الأدب عند الإنكليز # فالإنكليز كانوا في مقدمة الأمم الأوروبية التي انتبهت من غفلة القرون الوسطى، ~~وبادرت إلى إصلاح لسانها ووضع فنون الأدب والعلم فيه، وقبل ظهور الأدب الإنكليزي ~~كان الإنكليز أنفسهم يعتنون بأشعار المداحين، وشعراء الربابة من الفرنساويين، وكانت ~~اللغة الفرنساوية لسانهم الرسمي على عهد ملكهم كليوم الفاتح (1027-1087)، ومن خلفه ~~عليهم من السلالة النورماندية؛ ولذا بقيت الكلمات الفرنساوية مستكثرة في اللغة ~~الإنكليزية شأن الكلمات العربية في التركية والفارسية، ثم اشتغل الإنكليز بتهذيب ~~لغتهم وإصلاحها، فأصبحت اليوم من أغنى اللغات الجديدة أدبا بعد اللسان الفرنساوي، ~~ونبغ فيهم وليم شكسبير (1564-1616م)، وجمع في مؤلفاته ما تفرد به قورنيل، وراسين من ~~فن المبكيات وما اختص به مولير وبومارشه # 18 # من فن المضحكات، وصار إماما في كثير من الفنون الأدبية كفن التراجيديا ~~التاريخية، والدرام، والكوميديا، والأغاني المعبر عنها بالشعر الموسيقي (ليريك)، ~~فكان في أفانين الأدب كما قال الشاعر: # وليس على الله بمستنكر ms114 # أن يجمع العالم في واحد # وألف شكسبير نحوا من 35 رواية ترجمت لجميع اللغات الأوروبية، وترجمها ~~للفرنساوية فرانسوا بن فيكتور هوكو وطبعت في 18 مجلدا. ولم تزل رواياته تمثل على ~~مراسح الفرنساويين، والطليان وغيرهما من الأمم، وتمثل أحيانا في الأستانة، وأزمير، ~~ومصر، والإسكندرية أيضا، وأشهر ما يمثل منها «روميو وچوليت»، وهما فتى وفتاة ~~تحابا حبا شديدا، وقاسيا تباريح الجوى بسبب العداوة التي بين أهل الفتى المحب ~~وبين أهل محبوبته، على مثال ما يقع بين قبائل العرب من العداوات التي تحول بين ~~العاشق والمعشوق، بل على مثال ما يحدث في سوريا وفلسطين بين العائلات والبيوت ~~القديمة من العداوات الجاهلية المانعة لوصال المتحابين ليومنا هذا. # ففي أواخر القرن التاسع عشر للميلاد حدث في طرابلس حادثة هائلة تشابه عشق روميو ~~وچوليت من وجوه، لا سيما في اقتران المحبين سرا بمعرفة فقيه من المشايخ، كما ~~اقترن روميو بچوليت على يد الراهب لورانس، وأفضى الأمر إلى هلاك المحبين في ~~الحادثتين هلاكا تذرف الدموع لقص خبره، وتنفطر القلوب لمشاهدة تمثيله. فالتهويل ~~بالموت في الحادثة الممثلة مما يجعلها من فن المبكيات. وتزيين المجلس بظرف الراهب، ~~أو لطف الفقيه مما يقرب الحادثة الممثلة لفن المضحكات الذي مثلناه فيما سبق برواية ~~تارتوف؛ لأنها أحسن نموذج لهذا الفن، ولكن الفرق عظيم بين تارتوف وبين لورانس؛ لأن ~~تارتوف تمثال مجسم للرياء، والمكر يخدع الناس بحمل السبحة بيده ويصيد قلوب المغفلين ~~بإظهار النسك وكثرة العبادة، وليس فيه شيء من الظرف والمجون، ولا العلم والأدب ~~المتصف بهما أبو زيد السروجي بطل مقامات الحريري. بخلاف الراهب لورانس أو الشيخ ... ~~فاتيما من ذوي الناموس والوجدان. ولم يتداخل كل منهما في الحادثة التي تخصه إلا ~~لإصلاح ذات البين، فيظهر الواحد منهما على المرسح بهيئة الكمال والوقار، وعيون ~~المتفرجين ترمقه بالاستحسان والاعتبار، ومع ذلك فوجوده في الرواية مما يقربها لفن ~~المضحكات. # ومن روايات شكسبير المشهورة أيضا هاملت، وهو اسم ولد لملك من ملوك الدانيمارك في ~~قديم الزمان، وخلاصة الرواية أن أم هاملت اتفقت مع عمه، وهو أخ ms115 الملك وكان شابا ~~حسن المنظر فسقى الملك سما وتولى مكانه وتزوج أم هاملت فانتقم هاملت من عمه ~~وقتله. وكان لهاملت معشوقة بديعة الحسن تلاهى عنها بتدبير الحيل في طلب الانتقام ~~فماتت كمدا. وأبلغ ما في الرواية حديث هاملت مع حفار القبور وهم يحفرون قبر ~~معشوقته ويشربون من القرعة ويتنادمون. # فالنكات الفلسفية التي يفوه بها حفار القبور مما يقرب الرواية لفن المضحكات، مع ~~أنها من أبكى المبكيات، وقتل الملك على الوجه المتقدم له أمثال في التاريخ، منها ~~قتل أم خالد بن يزيد لمروان بن الحكم في الدولة الأموية. ولم تزل الممثلة الشهيرة ~~سارة برنار تمثل على المراسح دور هاملت بطل هذه الرواية، وتلبس لباس الرجال كما ~~تمثل دور النسير، وهو ابن نابوليون الأول، وحفيد إمبراطور النمسا في رواية «ليكلون» ~~التي نظمها شاعر العصر أدمون روستان. # ومن روايات شكسبير أيضا «ماقبت»، وهو قائد لجيوش دونقان ملك أيقوسيا من بلاد ~~الإنكليز، قتل سيده وتغلب على ملكه وحكم من سنة 1049 إلى سنة 1057م، فصور الشاعر ~~قصته في تلك الرواية، وخلاصة الكلام فيها: أن ماقبت اجتاز يوما مع رفيق له بمفازة ~~مقفرة، فمرا بثلاث عجائز ساحرات كأنهن جنيات، فقالت إحداهن: السلام عليك يا ~~ماقبت يا أمير غلاميس. # وقالت الثانية: السلام عليك يا ماقبت يا أمير قاودور. # وقالت الثالثة: السلام عليك يا ماقبت يا من سيكون ملكا على أيقوسيا. # فقال رفيقه بانقو: أعوذ بالله منكن، أي النسوة أنتن؟ أمن الإنس أم من الجان؟ ~~تفاءلتن بكل خير لرفيقي ولم تنبئنني بشيء. # فقالت كبراهن: أما أنت فنخبرك بأحسن مما أخبرنا به رفيقك؛ لأن عاقبته مشئومة ~~ويموت بلا ولد يخلفه في الملك، وأما نسلك فسيملك على أيقوسيا ويمتد الملك فيهم، قلن ~~ذلك واختفين كلمح البصر، وكان الأمر كما تنبأن به. # ففي يوم من الأيام نزل الملك دونقان مع بعض خواصه عند ماقبت، فبالغ لهم في ~~الضيافة والإكرام، وفرش للملك في مخدع، ولقرنائه في الغرفة المجاورة، وكانت زوجة ~~ماقبت حريصة على تحقيق ما أخبرت به الساحرات، فحرضت زوجها على ms116 قتل ضيفه وسيده، فدخل ~~في ظلام الليل الحالك وأخذ خنجرا لأحد القرناء وهم غارقون في النوم وغطسه في صدر ~~الملك، فلما قتله أخذته الرهبة واستولى عليه الخوف والدهشة من هذا الجرم وغاب عن ~~رشده. فتداركت زوجته الأمر ودخلت المخدع وغرفت بيدها من دم المقتول، ولطخت وجوه ~~قرنائه وأيديهم لاتهامهم بإيقاع الجرم. # فتمت الحيلة وجلس ماقبت وزوجته على سرير الملك، ولكن لم يهدأ روع ليدي ماقبت ولا ~~استراح ضميرها، فصور الشاعر ندامتها في الفصل الأخير من روايته بأبدع أسلوب وأبلغ ~~تعبير، وأخرجها على المرسح حاملة مشعلا وهي لا ترى في عينيها إلا الظلام، وتفرك ~~بيديها كأنها لم تنق من لطخ الدماء، ولا ذهبت الرائحة منها مع ما تطيبت به من طيب ~~جزيرة العرب وعطرها المشهور، وتحسب زوجها معها فتقول له: اغسل يديك والبس ثوب النوم ~~وقلل من اصفرار لونك ... إلخ. # ومن روايات شكسبير أيضا «أوتيلو» بين فيها غيرة الزواج وشدته على زوجته، ~~وترجمها نظما للفرنساوية ألفرد دوفينيه، وله غير ذلك من الروايات. # وجل شكسبير في تصوير أخلاق الرجال وتوصيفهم، وبيان المزايا الخاصة بكل فرد من ~~أفرادهم، فسلك في الأدب طريقة مستحدثة حاد فيها عن لهجة القدماء المؤسسة على أساليب ~~اليونان والرومان، ونبذ وراء ظهره قواعد الطريقة المدرسية، ولم يلتفت في الرواية ~~إلى وحدة الزمان والمكان، ولا تصنع في الإنشاء، ولا تقصد فيه إيراد البديع من ~~الكلام، ولا تهافت على التشابيه والاستعارات، بل أخذ ما يلهمه إياه الوجدان ويمليه ~~عليه الضمير ويصور الإحساسات الباطنية والآداب الاجتماعية بلهجة مألوفة للعموم آخذة ~~بمجامع القلوب يتقلب فيها من طور الحلم، والجود، والكرم، إلى طور الغضب ، والبطش، ~~والاستبداد، وبين عوامل الحب، والبغض، واليأس، والقنوط، والحسد، والطمع، وحب ~~الانتقام، والتكبر، والتجبر، والتفاخر، والتكاثر، إلى غير ذلك مما هو مغروس في طينة ~~الإنسان من الأخلاق والطبائع، ويظهر تأثيرها على النفس بعبارات سلسة جلية ليس فيها ~~تصنع ولا تعمل. # ثم نبغ في الإنكليز الشاعر ميلتون 1608-1674م، وكان كاتبا لقرومويل الشهير فلما ~~مات وانقرضت دولته غدر الزمان بالشاعر وعمي بصره، ms117 وذهب ماله فأملى على زوجته وبنتيه ~~كتاب «الجنة الضايعة»، وهو في الحماسة المسيحية نظمه سنة 1658 بشعر لا قافية له، ~~ورتبه على اثني عشر غناء فجاء من أحسن أبنية الشعر الإنكليزي، ومن أبدع ما ألفه ~~شعراء الأمم الأوروبية بعد كتاب «المضحكة الإلهية» المشابه لرسالة الغفران. # فتحسنت اللغة الإنكليزية واتسعت دائرة الأدب والتخيلات الشعرية فيها، ومال ~~أدباؤها لقراءة الأشعار القومية الدارجة التي نظمها في القرون الوسطى التروبادور، ~~والزوفير وهم من شعراء الربابة المعاصرين لعرب الأندلس، وأوجدوا للشعر شكلا جديدا ~~وأسلوبا مبتكرا، ونبغ فيهم مثل شلي (1792-1822م) وزوجته، واللورد بايرون، وكان ذا ~~نفس عال وتخيل واسع، فنظم القصائد المعروفة بالشرقيات، وتشيع فيها لليونان تشيع ~~العجم للسادات، وتفانى في حبهم ولم يزل غرام العشق يلعب برأسه أثناء حرب المورة إلى ~~أن حطه العشق والهيام من أعلى قصور لوندره إلى أسفل أكواخ ميسولونكي، وهي قرية على ~~ساحل خليج قورنت الفاصل بين شبه جزيرة المورة وبقية بلاد اليونان، وبسبب وخامة تلك ~~القرية وعدم نظافتها كان هواؤها فاسدا، فأصابت الحمى الشاعر الإنكليزي، وعجلت ~~بروحه إلى الآخرة ونقلت جثته إلى إنكلترا، وأقيم له في ميسولونكي تمثال يشاهده ~~السائح في تلك البقاع. # فاللورد بايرون هو مؤسس الطريقة الرومانية باللغة الإنكليزية، وله في الشعر ~~الدراماتيقي رواية ما تفرد نظمها في إيطاليا على نسق رواية فوست، وذكر فيها السحر ~~والأرواح وخوارق الطبيعة، وله أيضا رواية «دون جيان» نظمها على أسلوب مبتكر، وكلتا ~~الروايتين تمثلان الآن على المراسح الباريزية. # ومن مشاهير أدباء الإنكليز والترسقوت (1771-1832) كتب بالإنكليزية أكثر من سبعين ~~قصة تاريخية بين سني 1814 و1832 كلها في غاية التدقيق عول عليها المؤرخون، ومنهم ~~ميشله المؤرخ الشهير ؛ لأن صاحب القصص له في الوقائع التاريخية نظر دقيق، وشروح ~~وافية قلما يتيسر للمؤرخ الإحاطة بها ونسج على منوال والترسقوت في القصص التاريخية ~~وليم غودوين، ثم ظهر في عالم التحرير المؤلف التحرير والديبلومات الشهير بنيامين ~~الإسرائيلي صاحب القصص السياسية، وهو اشتهر في التاريخ باسم اللورد بيونسفيلد، ونبغ ~~في فنون الأدب والسياسة، وساح سنة 1829 ms118 في إيطاليا، واليونان، وبلاد الأرناؤوط، وبر ~~الأناضول، وسوريا، ومصر، والحبشة ونشر كتب سياحاته على طرز قصصي وبين فيها آراءه ~~السياسية، وعرب المقتطف بتصرف، قصة سياحته في سورية وفلسطين، وله قصة أخرى ~~عنوانها «إسكندر بك الأرناؤوط»، وصار هذا الإسرائيلي رئيسا لوزارة المحافظين، وكان ~~مخالفا في السياسة لغلادستون رئيس حزب الأحرار، فثبت بيقونسفيلد أمام مطامع روسيا ~~وعارض في إجراء معاهدة أباستافانوس سنة 1877، ولكنه طمع في الأجرة على هذه الخدمة ~~وربح أكثر من اللازم في تجارته، وتوفي سنة 1881. # فيفهم مما تقدم أن أول واضع لأساليب الطريقة الرومانية وليم شكسبير، ولكن أول ~~ناسج على منوال هذه الطريقة، ومظهر لمزاياها هم شعراء الألمان، وجميعهم من إنكليز، ~~وألمان، وفرنساويين اقتبسوا أفانين الأدب من الإسبانيين، والطليان المخالطين للعرب ~~في القرون الوسطى. ~~(9) الطريقة الرومانية عند الألمان والفرنساويين # أما الألمان فأقدم تأليف أدبي لهم أغاني هيلدبراند نظمت في القرن التاسع للميلاد ~~بلسان الألمان، كما نظمت أغاني رولان بلسان رومان، وفي القرن الثالث عشر جمع ديوان ~~نيبلونجن كما جمعت قصة عنتر، وذكر فيه الحروب التي حدثت بين قبائل نيبلونجن، وبين أتيلا ~~الذي هجم عليهم من الشرق وأبادهم. فهذا الديوان هو كتاب الحماسة الألمانية، ثم حدث ~~الانقلاب الديني وظهر لوتر مؤسس أحكام الديانة البروتستانتية، وترجم للألمانية الكتب ~~المقدسة فاتسعت بذلك اللغة وتهذبت نوعا ما وظهر نفر من الكتاب والشعراء والعلماء، ومع ~~ذلك استمر الألمان للقرن الثامن عشر للميلاد محرومين من فنون الأدب المعتبرة عند ~~الأدباء، وكان الأمراء والأعيان في ألمانيا مكبين على تحصيل الأدب الفرنساوي، وعلى حفظ ~~الأشعار الفرنساوية والتمثل بها، والتكلم بالفرنساوية في نوادي سمرهم، ومجتمعاتهم، ~~وضيافاتهم تشبها بملوك بروسيا وبما في القصر الملوك ببرلين إذ الناس على دين ملوكهم، ~~وكان لفريدريك الثاني ملك بروسيا إعجاب شديد بالشاعر الحكيم فولتير الفرنساوي، فقربه ~~إليه وأحله في قصره محلا رفيعا. والحاصل كانت بضاعة الأدب الفرنساوي رائجة عند ~~الألمانيين كرواجها عند الروس، وكرواجها أيضا بعد حرب القرم في الأستانة العلية، ومصر ~~القاهرة. # حضرت يوما في مدرسة العلوم السياسية بباريس امتحان طالب تركي إستانبولي ms119 أجاب جوابا ~~مقبولا عن أكثر الأسئلة التي ألقيت عليه بما يتعلق بأحوال فرنسا وشئونها الداخلية ~~اللازم معرفتها لأبنائها، فلما انتبه له المعلم وسأله عن البوسنة والهرسك، وعن أحوال ~~مسلميها وجده لا يعرف شيئا عنهما، ولا يدري إن كان فيهما مسلمون أم لا. # ورأيت في باريس تلميذا مصريا يحسن التكلم والكتابة بالفرنساوية ويتكلم العربية ولا ~~يكتبها، وله والدة تركية تحرر له المكاتيب باللغة العثمانية، ولم يكن هو يعرف اللغة ~~العثمانية لا تكلما ولا كتابة سوى بعض عبارات متعارفة ربما كانت والدته تعرف قدر ذلك ~~من العربية، فيتيسر لهما التفاهم والتكالم باللغة العربية التركية، وأما المخابرة ~~التحريرية فلم يتمكنا منها إلا بواسطة الترجمان والكاتب مع أن كليهما ليسا بأميين، ~~بل هما على جانب من العلم والأدب، فالانهماك باللغة الأجنبية أدى إلى أن الولد أصبح لا ~~يعرف لغة أمه كما تجب معرفتها أدبيا وطبيعيا؛ لأن لغة الأم هي اللغة الطبيعية التي ~~يسميها الفرنساويون «لانغ ماترنيل»، ويسميها الأتراك «لسان مادر زاده» ومادر هي الأم ~~بالفارسية. # وهكذا كانت الحال في ألمانيا بسبب تهافتهم على أدب اللغة الفرنساوية، ففي الثلث ~~الأخير من القرن الثامن عشر؛ أي ما بين سنة 1770-1780م جاء أدباء الألمان بطرز جديد من ~~الأدب كان له رواج على مراسح اللعب، وأقبل الناس عليه إقبالا عظيما، مع أن الطرز ~~الجديد الذي جاءوا به كان عاريا عن تلك الصور والأساليب البديعة التي في مؤلفات أهل ~~الطريقة المدرسية، وخاليا عن ذاك التصنع أو التعمل الذي كانوا يتكلفون له، ومجردا عن ~~تلك المحاسن التي كانوا يؤلفونها تأليفا، وإنما كان كلام الأدباء الألمانيين في هذا ~~الطرز الجديد صادرا عن تأثر وتهيج وانفعال في النفس، وعن إحساس في القلب، فنفخ هذا ~~الانفعال والإحساس الروح في كلامهم، وصيره كلاما حيا تألفه أرواح المستمعين وتحن ~~إليه، ولم يقصد أدباء الألمان فيما ألفوه الامتياز بالفضل والعلم بين الخواص، وإنما ~~كانت غايتهم إفهام كلامهم لعوام الناس ولجميع الأصناف من أولاد البلد الذين يقال لهم: ~~«بورجوا»، فمن أجل هذا عدلوا عن الأخذ بعالي الطبقة ms120 من الإنشاء المصنع، واستعملوا ~~اللهجة المألوفة بين قومهم وأبناء بلدهم، وجعلوا اهتمامهم في نفخ روح الحياة في كلامهم ~~وأدخلوا فيه كل ما يحدث انفعالا في النفس، وتهيجا في العواطف بغير تهافت على البديع ~~من الألفاظ ولا على رعاية القواعد، وصوروا في كلامهم الغرائب والعجائب التي تتشوق ~~الأسماع لاستطلاع حقائقها، ولا تطمئن القلوب إلا بعد الوصول لنهايتها. فإن الأذن تعشق ~~بطبعها الأخبار؛ ولذا نرى عوامنا في كل قطر وبلد يدورون وراء القصاص (الحكواتي) من قهوة ~~إلى أخرى، ويتلذذون بسماع ما يتلوه عليهم من أخبار عنترة بن شداد، والزير أبي ليلى ~~المهلهل، والزناتي خليفة، وعلي الزيبق عايق زمانه، وقصة الملك سيف، والملك زاد بخت بن ~~شهرمان وجميع ما ورد في ألف ليلة وليلة من الحكايات. وإذا بات بطل الرواية في ضيق وكرب ~~لا يهدأ بالهم ولا تنام أعينهم، إلا بعد تمام الخبر وفهم ما جرى له. # وكان أدباء الألمان إذا ألفوا رواية فاجعة أخذوا موضوعها مما يرونه في قومهم ~~ويشاهدونه في بلادهم، وإذا بحثوا عن الوقائع التاريخية اختاروا مباحثهم من تواريخ ~~القرون الوسطى لا سيما من القصص والحكايات الدارجة على ألسنة الأمم الألمانية، ~~والجرمانية ترجيحا لها على تواريخ القرون الأولى وعلى قصص اليونان والرومان، كما فعل ~~كوته 1749-1833م شيخ أدباء الألمان، فإنه اختار فوست بطلا لروايته الشهيرة بهذا الاسم، ~~وتداول اسم فوست على ألسنة العامة في ألمانيا وفي إنكلترة قبل تأليف هذه الرواية ~~الألمانية، واشتهرت سيرته بين الناس بأنه من السحرة الذين باعوا الدنيا بالآخرة، ~~واشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم ولا كانوا مؤمنين، واختاروا بطلا لرواية أخرى ~~«أكمون»، وهو أمير في البحر هولاندي الأصل اشتهر في تاريخ الألمان بخدمته لشارلكين ~~وانتصاره على الفرنساويين وعلى ملكهم فرانسوا الأول المستنجد بالسلطان سليمان القانوني. ~~ومن بديع ما ألفه أيضا الشاعر كوته قصة وارتر، ثم ديوان الشرقيات «ديفان أورينتال»، ~~وهو مجموع أشعار نظمها على أسلوب غريب قلد فيها ديوان الحافظ الشيرازي أحد مشاهير شعراء ~~العجم المتوفى سنة 794ه، أو 791 هجرية، وكان الحافظ ممن اجتمع ms121 بتيمورلنك حينما ضبط ~~شيراز، وجرى بينهما لطائف مشهورة. # وقد ترجم ديوان الحافظ للغات الأوروبية كما ترجمت مؤلفات الأكابر من شعراء الفرس مثل ~~الفردوسي صاحب الشهنامة المتقدم ذكرها، ومثل الشيخ مصلح الدين سعدي صاحب الكلستان ~~والبستان، وترجمه إلى الفرنساوية الموسيو باربيه دومينار مدير مدرسة الألسنة الشرقية ~~بباريس. والكلستان مترجم إلى العربية والتركية، ويدرس في عموم المكاتب العثمانية، وكان ~~الصليبيون قد أسروا مؤلفه وحبسوه في طرابلس الشام، وشغلوه في بناء الأبراج المحيطة بها ~~من جهة البحر، فرق له أحد الأغنياء من أعيان حلب وافتداه بمال وخلصه من الأسر، وكانت ~~وفاته سنة 691ه. فإفرنج زماننا يحترمون سعدي قدر ما احتقره أسلافهم، وذكره فيكتور هوكو ~~في مؤلفاته ونقل عنه. # ومن مشاهير أدباء الألمان شيلر (1759-1805م) وكان معاصرا لكوته ورفيقا له، فاتخذ ~~وليم تل بطلا لروايته المشهورة بهذا الاسم، وكان وليم تل المذكور رئيسا للعصبة التي ~~خرجت في بلاد السويس على حكامها من النمساويين، وحررت البلاد من قيد أسارتهم سنة 1307م. ~~والمذكور من خبره في التاريخ أن الدوق؛ أي والي بلاد السويس المعين من قبل إمبراطور ~~الألمان نصب ذات يوم عمودا في ساحة المدينة، ورسم في رأسه تاج الدوقية، وأمر الناس ~~بالخضوع أمامه، فرفض وليم تل الانقياد لهذا الأمر الذي فيه التحقير والإذلال لنوع ~~الإنسان مع ما اختصه الله به من الكرامة، وورد في القرآن الشريف: # ولقد كرمنا بني آدم ~~، # 19 # وكان وليم تل من أشد الأبطال بأسا وأمهرهم رميا بالنبل، فغضب عليه الوالي ~~وأحضره بين يديه وحكم عليه بوضع تفاحة على رأس ولده، وفلذة كبده ورميها بالقوس والنشاب، ~~ففعل ذلك وقلبه يتميز من الغيظ وأصاب الهدف بعد أن كان الخطاء أقرب إليه من الصواب، ~~فصور الشاعر هذه القصة التاريخية ، وبين فيها عوامل الاستبداد وعدم صبر النفس الأبية ~~على الظلم والجور والاستعباد، وكان شيلر يلقب بشاعر النساء والشبان لتأثير أقواله فيهم ~~أكثر من تأثيرها في المتأدبين من الرجال المائلين إلى التعمل والتصنع في الكلام وإلى ~~الإنشاء العالي الطبقة؛ لأن كلامه كان سهلا بسيطا خاليا مما ms122 في الطريقة المدرسية من ~~أصول الصك والسبك، ومن أنواع البديع والاستعارات، وفيه كثير من الألفاظ العامية ~~والتراكيب المتداولة، ولكنه كان على السامع أشد تأثيرا وأخذا بمجامع القلوب. # فبعد أن كان الألمان في الأدب عيالا على الفرنساويين وليس عندهم من المؤلفات الأدبية ~~إلا ما هو ترجمة، أو تقليد لما حرر بالفرنساوية على نهج الطريقة المدرسية صاروا أئمة في ~~الأدب يقتدى بهم وينسج على منوالهم، واشتهرت الطريقة التي سلكها كوته، وشيلر، وليستغ ~~ومن اقتفى أثرهم بالطريقة الرومانية نسبة للغة رومان - وهي اللاتينية الدارجة التي جاء ~~بها جنود الرومانيين وموظفوهم إلى بلاد الغولوا، والسلت؛ أي لفرنسا فتحرفت فيها وامتزجت ~~بلسان الفرانك، وانقلبت إلى اللغة الفرنساوية الحالية. فكلمة رومان كانت تطلق في القرون ~~الوسطى على ما دون بلسان رومان من فني المنظوم والمنثور، وذلك مثل يمين ستراسبورغ وهو ~~أقدم الأبنية في لسان رومان، ومثل رومان رولان ويقال لها أيضا: أغاني رولان ورومان ~~أرثور، ورومان المائدة المستديرة، ورومان الثعلب، ورومان السيد وكثير غير ذلك فكانت ~~المحررات الرومانية؛ أي المدونة بلغة رومان تعتبر من التآليف الجاهلية بالنسبة للمحررات ~~اللاتينية، وهي ما حرر باللغة اللاتينية من التواريخ المقدسة وسير الصالحين، ~~والقديسين، والصلوات الدينية، فاللسان اللاتيني كان إذ ذاك لسان المدارس والكنائس ~~والمعول عليه في العلم والدين، وكان في سبكه تصنع وتعمل ومراعاة لقواعد الغراماطيقي ~~والعروض وبقية علوم الآلات المدرسية، ويبلغون علوم الآلات في العربية إلى اثني عشر ~~علما كما لا يخفى. # فلغة رومان لم يكن فيها شيء من ذلك بل كانت على فطرتها الطبيعية، وليس في سبك ~~عباراتها أدنى تصنع ولا تهذيب، فلما اختار أدباء الألمان مواضيع رواياتهم من رومان ~~القرون الوسطى، ورجحوه على مؤلفات اللاتين واليونان سميت طريق أدبهم بالطريقة ~~الرومانية ، وأطلقت كلمة «رومانتيك» الفرنساوية على الأدب المستحدث تسمية له باسم أجنبي، ~~كما أطلقت كلمة «فرانك» الجرمانية على قبائل الغولوا والسلت، وقيل لهم ~~فرنساويون. # فطريقة رومانتيك المنسوبة لفيكتور هوكو تولدت في ألمانيا، واشتهرت برقابتها للطريقة ~~المدرسية، وبميلها لإظهار قريحة القرون الوسطى، وتصوير أخلاق أهلها وعوائدهم وحماسة ms123 ~~فرسانها وصلابتهم في الدين، وتعصبهم للمذهب وتهورهم في المسائل، ومبالغتهم في الأخبار، ~~وتصديقهم بالخرافات والخزعبلات، وأراد أهل الطريقة الرومانية الفوز على أهل الطريقة ~~المدرسية - لا بانتقاء الألفاظ، وسبك العبارات وانسجام المعاني ومراعاة القواعد - بل ~~بالإتيان بكل ما يحدث انفعالا في النفس، ويفتح مجالا للتصور والخيال؛ ولذا عمدوا إلى ~~القصص الدارجة على الألسن والمنقولة عن الأسلاف والجدود، ووضعوها في قالب شعري وألفوا ~~بها رواياتهم، وأهملوا أساطير القرون الأولى من الإسرائيليات، والخرافات اليونانية ~~والرومانية، وجاء الفيلسوف الألماني هكل وفسر تفسيرا فلسفيا حقيقة الطريقة ~~الرومانية، وهو يبحث في الصور المختلفة التي تغلب فيها العقل البشري، فوجد فيها ثلاث ~~طرق في صناعة الأدب منذ نشأته الأولى إلى زمانه وهي: ~~(1) # الطريقة الرمزية (سيمبوليك). ~~(2) # الطريقة المدرسية. ~~(3) # الطريقة الرومانية كما سنذكره. # ويظهر الفرق بين الطريقة المدرسية، والطريقة الرومانية لكل مدقق حضر تمثيل رواية ~~مؤلفة على نهج الطريقة المدرسية مثل مؤلفات راسين، ومنها رواية «أندروماق» اليونانية، ~~و«أستير» و«أتالي» الإسرائيليتين، ومثل مؤلفات قورنيل، ومنها «هوراس» وهي رواية الإخوة ~~الثلاثة الرومانيين، ثم حضر في مراسح الأستانة وأزمير أو مراسح مصر، وأوروبا تمثيل ~~رواية فوست مثلا. فأول ما يشاهد عند رفع الستار شيخ عليه الهيبة والوقار جالس على كرسي ~~في غرفة المطالعة، وأمامه مائدة تراكمت فوقها الكتب، والدفاتر، والأقلام، والمحابر وهو ~~يفكر فيما يكون إليه المرجع والمآب، ويقلب على ضوء السراج أوراق الكتاب الذي خط فيه ~~جابر ومسلمة علوم السحر والكيمياء، ويتلهف على أيام الشباب وزمن التصابي، ويقول: # إذا كان علم الناس ليس بنافع # ولا دافع فالخسر للعلماء # وبعد أن يستولي اليأس على هذا الشيخ الفاني ينفخ في رأسه الوسواس الخناس الذي يوسوس ~~في صدور الناس، ويحرضه على دعوة الشيطان إليه وتلاوة العزائم عليه فبأسرار التلاوات ~~وخواص الطلسمات يظهر صاحب الاسم والعزيمة المتوسل بها، وهو خادم من الجنة ويعلمه ما ~~أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا ~~تكفر، وهكذا يقول الخادم للشيخ فيبيع الآخرة بالدنيا ويشتري الضلالة بالهدى، ويتعلم منه ~~ما يعيد ms124 الشباب والغناء، ولعل ذلك بواسطة الأكسير الذي من خواصه إعادة الشباب وقلب ~~المعادن إلى الذهب على زعم المتقدمين، فينهمك الشيخ فوست في اللذات، ويغرق في الهناء ~~والمسرات، ويعشق بنتا يقال لها: مارغريت فيراودها عن نفسها ويفرق بسحره بينها وبين ~~أمها، ويستهويها بالجواهر واللآلي ويطغيها الشيطان ... فتستحق لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين، فيغتاظ أخو مارغريت من عهر أخته ويقف لعاشقها بالمرصاد ويبارزه بالسيف، فيقتل ~~بوخزة خفية من ذاك الخادم الجني المرافق لفوست، فتستحيي مارغريت من هذه الفضائح ويذهب ~~الرشد منها فتقتل الولد الذي حملت به من فوست، ويأخذها حاكم البلد بما جنت يداها ~~ويلقيها في السجن فيأتي عاشقها لتهريبها، وهذه أشد ساعة على مارغريت حيث يتنازع قلبها ~~عوامل الحب من جهة، وعوامل الندامة من أخرى فلا تجد لها ملجأ غير رحمة الله التي وسعت ~~كل شيء فتحول وجهها عن عاشقها، وتتوب إلى الله توبة خالصة. # وإذا ~~جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ~~ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا ~~بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور ~~رحيم ~~، # 20 # فيغفر الله لها ما تقدم من الذنب وما تأخر، ويقبضها إليه فتخر ميتة، وتذهب ~~نفسها الناطقة الخالدة إلى عالم الأرواح على شكل الحمامة التي وصفها ابن سينا ~~بقوله: # هبطت إليه من المحل الأرفع # ورقاء ذات تعزز وتمنع # وتنشق في آخر الليل سماء المرسح وتظهر مارغريت بأبهى الحلي والحلل في أعلى عليين ~~بجانب أخواتها تحف بهن الملائكة المربون، وفوست ينظر إليها والعبرات تسيل من عينيه، ~~واختلفوا في فوست فقالت طائفة: بأنه من الهالكين، ومقره في الدرك الأسفل من النار، ~~وقالت طائفة أخرى: لا بل استشهد في الحب وتاب إلى الله فتاب الله عليه والله خير ~~التوابين، # واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ~~فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا ~~رحيما * إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب ~~الله عليهم وكان الله عليما حكيما ~~. # 21 # ويرى المتفرج على هذه الرواية أفعال السحر والسحارات ms125 المكارات اللواتي يطبخن المواد ~~السحرية في القدر، ويصببنها بين المفارق ليسحرن المارين في الطرق، ويرى أيضا أعمال ~~الشيطان الرجيم وغوايته لمن يتبعه من الإنس ومقدرته على خرق العوائد، وإظهار العجائب ~~وحكمه في هذه الدنيا الدنية الفاسدة، وكيفية استعاذة النصارى منه بالصليب؛ ولذا جعل أهل ~~القرون الوسطى قبضات سيوفهم على شكل الصليب؛ ليتعوذوا بها من شر الشيطان الرجيم، وبهذا ~~يكون السيف قاطعا بقبضته في الروحانيات، وبحده في الماديات. # ولما ذهب نابوليون الأول بعساكره إلى بروسيا اجتمع في برلين بالشاعر كوته مؤلف رواية ~~فوست المذكورة وحادثه طويلا، وعجب به وأحسن عليه بنيشان الافتخار فاتجهت نحو مؤلفاته ~~أفكار الأدباء من الفرنساويين، كما اتجهت قبلا أفكار أدباء الألمان نحو مؤلفات فولتير ~~حينما كان في سراي برلين من المقربين، وكانت أساليب الطريقة الرومانية دخلت فرنسا على ~~عهد نابوليون الأول بواسطة شاتوبريان وما دام دوستايل. # أما الأول فهو الإمام الذي اقتدى به في الأدب فيكتور هوكو، وقال: «إما أن أكون ~~شاتوبريان أو لا شيء»، واسمه فرانسوا رينه فيقونت دو شاتوبريان نسبة لشاتوبريان أي: ~~لقصر بريان المشيد على نهر لوار بالقرب من نانت، وحيث كان من أشراف العائلات ذهب أيام ~~الانقلاب الكبير إلى أميركا وساح بين أهاليها المتوحشين، وعاد منها لإنكلترة ثم لفرنسا ~~ونشر قصة «أنلا» وذكر فيها ما شاهده في سياحته من عجائب الأمم المتوحشة، ثم نشر قصة ~~«رينه» وقص فيها أخبار نفسه وبين أفكاره وانفعالاته بسبب ما كشف له من الحقائق ~~المزعجة، وامتاز بين الكتاب برونق الإنشاء، وكثرة التصورات والإحساسات، وبشدة الهيام، ~~وفصاحة الكلام فراجت بضاعته في الأدب ونشر حينئذ «حكمة الديانة المسيحية»، وأقبل على ~~تدقيق هذا الدين وخرج لمشاهدة الأماكن التي ظهر فيها، والبلاد التي انتشر بين أهاليها، ~~فساح في أقطار فلسطين، وسوريا، ومصر، وبر الأناضول. ونشر سنة 1809 كتاب الشهداء وبين ~~فيه كيفية ظهور الدين المسيحي على الدين الوثني، ونشر سنة 1811 «دليل السياحة من باريس ~~إلى القدس»، وعرف الفرنساويين بشئون القرون الوسطى بعد أن كان أدباؤهم مشغوفين بتعريف ~~القرون الأولى وبتقليد أدباء ms126 اليونان والرومان، وكانت جريدة الديبا المشهورة بحسن ~~الإنشا وجودة التحرير حديثة الظهور، فأقبل على التحرير فيها وبرع في قوة التصوير والوصف ~~والتلوين، وكان لكلامه تأثير على النفوس فصار لمؤلفاته دخل كبير في ظهور أساليب الطريقة ~~الرومانية، ودخل شاتوبريان الوزارة الخارجية وتعين سفيرا، ثم ناظرا للخارجية. # أما المادام دوستايل فهي بنت الوزير نيكر الشهير، اشتغلت بالعلوم والمعارف كما هي ~~عادة سيدات النساء في ذاك العصر، ونبغت في فنون الأدب، وأصبحت عالمة فاضلة يشار إليها ~~بالبنان، فحررت سنة 1810م كتابا مفيدا عن ألمانيا، وكتبت عن الأدب باعتبار ما له من ~~العلائق بتشكيل الهيئة الاجتماعية، فدرست درسا فلسفيا أدب اليونان واللاتين، وبينت ~~مدخل الدين المسيحي في تقريب عقول أهل الشمال من عقول أهل الجنوب، وذكرت الخواص المميزة ~~لكل من الأدب الطلياني، والإسباني، والإنكليزي، والألماني، وما لكل منهم من العلائق ~~بالفكر السياسي والأدبي، وشرحت تأثير الدين والأخلاق والشرائع على فنون الأدب، واستنتجت ~~من تدقيقاتها العميقة أن الفكر البشري تابع لناموس الارتقاء مع المعاني الأخلاقية، ~~والفلسفية، والعلمية، والسياسية ... إلخ ولكنه لم يتبع ناموس هذا الارتقاء في التخيلات ~~الشعرية ولا في التصورات الخيالية، فعندها أن الشاعر كوميروس مثلا لا يذهب رونق كلامه ~~وطلاوته ولا في عصر من العصور، ولا يسمح به الدهر مرة أخرى. # ثم ظهر لامارتين الشاعر السياسي الشهير، ونظم ديوان «التفكرات الشعرية»، فكان أول ~~بناء من أبنية الشعر الجديد الموسيقي (ليريك)، وخالف فيه أساليب من تقدمه، كما خالف ~~المتنبي أساليب الشعراء الجاهلية، واشتمل ديوان لامارتين على تمجيد الله الذي شرف عن ~~التمجيد وعلى استغراقات في الحب وتجليات لطيفة، ووصف مظاهر الكون وعالم الطبيعة وصفا ~~بديعا. # ومن أحسن ما نظمه قصيدة «البحيرة» التي ترجمها نظما للسان العثماني سعد الله باشا ~~سفير الدولة العلية في فيانا، وباريس سابقا، وفهمت بأن أحمد بك شوقي شاعر الحضرة ~~الخديوية ترجم القصيدة المذكورة للعربية. # وساح لامارتين في الشرق وأحسن عليه ساكن الجنان السلطان عبد المجيد خان بمزرعة «جفلك» ~~في ولاية أزمير، فمكث فيها وفي ربى لبنان، وحرر سياحته الشرقية وتاريخ ms127 الدولة ~~العثمانية في ثمانية مجلدات، ونظم ديوان الألحان الشعرية والدينية وغيرها. ~~(10) ظهور فيكتور هوكو # فجميع من ذكرناهم من الشعراء الفرنساويين وغير الفرنساويين تقدموا على فيكتور هوكو أو ~~عاصروه، ومهدوا له طريق الأدب الجديد، وكانت النفوس في ابتداء القرن التاسع عشر تائقة ~~لرؤية أسلوب مستحدث في النظم والنثر، ولحصول انقلاب في الأدب كما حصل انقلاب في ~~السياسة؛ لأن النشأة الجديدة من الخواص كانوا نافرين من قيود الطريقة المدرسية، وجمهور ~~العوام كانوا متألمين من استبداد أصحاب الانقلاب الكبير باسم الحرية، فإن رؤساء هذا ~~الانقلاب لم يكتفوا بتغيير شكل الحكومة بل هدموا أساس الدين، وسببوا حدوث الفوضوية في ~~الأمة؛ أي إنهم فرطوا في جانب الدين، والسياسة كما فرط قبلهم ذوو التيجان من الملوك ~~المستبدين، فكان الجمهور يترقب ظهور إمام في الأدب يعيد لهم الرجاء والأمل بالله، ~~والشعراء يترقبون ظهور هذا الإمام ليخلص فن الأدب من القيود الذي قيده بها بوالو في ~~كتابه المسمى «آربوثتيك» أي صناعة الشعر، فكانوا يتمنون كسر هذه القيود وإعطاء الحرية ~~التامة للفكر، كما كسرت سلاسل الاستبداد وهدم بيت المظالم، ألا وهو حبس الباستيلية ~~الشهير، وأطلق سراح المحبوسين فيه ظلما وعدوانا. # فظهر فيكتور هوكو وبرع في اللغة الفرنساوية وفي طرق الإفادة بها، وفضلا عن معرفته ~~بالمفردات والتراكيب اللغوية، صار له خبرة بما للكلمات من القيمة الموسيقية؛ أي بالنغمة ~~التي تحدثها كل كلمة والتأثير الذي يحصل من جمع نغمات الكلمات وألحانها؛ لأن الكلمة عند ~~خروجها من الفم لها نغمة مخصوصة، ولحن بحسب مخارج الحروف، وتختلف المخارج باختلاف ~~الألسنة؛ ولذا ورد في الحديث الشريف «اقرءوا القرآن بلحون العرب». # وقد عبر أئمة البلاغة من العرب عن هذه القيمة الموسيقية «بأجراس الكلم»، ولا يخفى ما ~~في هذا التعبير من الحلاوة؛ لأن الصوت يرن بالألفاظ رنة الجرس، وصار لفيكتور هوكو أيضا ~~مهارة بعلم القوافي، فقوافيه عامرة مختلفة ليس فيها ما هو مكرر أو مبتذل، بل جميعها ترد ~~على غير ما ينتظره السامع. # والخلاصة كان يعرف أي كلمة يلزم وضعها في أي بيت وأي بيت يقتضي ms128 انتقاؤه لأي موضوع، ~~وساعده الحظ في السفر إلى رياض الأندلس التي تتغذى القرائح بنفحات أزهارها، وتقر العيون ~~بحسن مناظرها، فصار ذهنه كأنه آلة بديعة تفي بوظيفة السينماتوغراف والفوتوغراف معا، ~~فيصور ما يمر به من مشاهد الكون ويطبع ما يسمعه من حوادث الدهر، ويعرضه على القراء ~~والمستمعين بدون أن يضيع منه خبرا أو يغفل منظرا، فصور في أشعاره الخمائل وهي الشجر ~~المجتمع الكثيف، وكيفية تلاعب النسيم بأوراقها والأغصان الملتفة، وما ترسمه على بساط ~~المرج الأخضر من الظل الظليل والجبال الراسية وما ينحدر عنها من الماء السلسبيل ~~والأنهار الجارية، وما ينعكس على مرآة سطحها من ضياء القمر وشعاع الشمس، ووصف صفير ~~البلابل وهديل الحمام وبغام الظباء، وسجع اليمام وذكر غدوها ورواحها ما بين الرياض ~~المزهرة والأشجار المثمرة، والجداول المنحدرة وصور غير ذلك أيضا تصويرا حقيقيا ~~بأوضح بيان، وأفصح تعبير حتى يخال لمن يقرأ أشعاره أنه ينظر إلى لوح من الألواح المصورة ~~بقلم الرسام وفرشاته، ويسمع خرير الماء وصوت مزمار الراعي وهو يتناقص كلما ابتعد مع ~~محبوبته في جوف الغابة، وجعل الألفاظ تلبس المعاني كما يلبس على الجسم، فجاءت ألفاظه ~~طبقا على معانيه، وكان بمجرد نظره في المواد تتفجر المعاني من قريحته، فيزنها بميزان ~~الحس ويصوغ لها على قدرها قوالب من الألفاظ والتراكيب كأحسن صائغ للحلي وأمهر سباك ~~للمعادن، فكانت طريقته بادئ الأمر عبارة عن وصف الطبيعة ومناظرها البديعة، ثم هجم على ~~قواعد المتقدمين وأساليبهم هجمة الأمة المستيقظة من غفلتها، وكسر القيود التي قيد بها ~~بوالو عقول الشعراء، ونبذ قواعد الطريقة المدرسية وراء ظهره، وأصلح عروض الشعر ~~الفرنساوي وغير تركيبه بمقاطيع مختلفة وجوز تكميل معنى البيت بالبيت الذي بعده، فوضع ~~الجملة الواحدة في بيتين مما لم يجوزه المتقدمون، وجعل نظم الشعر موافقا لاحتياجات ~~الفكر، وفتح لإخوانه من ذوي النشأة الجديدة طريقة مستحدثة في الأدب كانوا هائبين ~~اقتحامها والولوج فيها. # فأوجد فيكتور هوكو بذلك الطريقة الرومانية، وحاد فيها عن استعارات الطريقة المدرسية ~~وتشبيهاتها القديمة، ولم يتخذ كلام المتقدمين منوالا لينسج عليه كما فعل أندره ms129 شينيه ~~خاتمة أهل الطريقة المدرسية، بل اتخذ السوق الطبيعي والإحساس الباطني دليلا له في ~~النظم والنثر كما فعل المتنبي والمعري، وأهل طريقتهما الخارجين عن أساليب العرب ~~المتقدمين، فكلما شعر فيكتور هوكو بشيء صوره بقلمه كما يحس به في قلبه بدون تهافت منه ~~على ترصيع الكلام بجواهر البديع وتدبيجه بحلل المجاز والتشابيه، فإن أتى بشيء منها في ~~كلامه عفوا بلا تصنع ولا تكلف فنعم، وإلا فهو لا يهتم إلا بالمعاني وبما يتخيله ~~فيها من حقائق الشعر. وإذا أراد تعيين الزمان مثلا لم يتكلف ترتيب تلك الجمل المصنعة، ~~ولم يذكر حركات العقرب على مينا الساعة، ولا شبه ذلك بدوران الفلك ولا بمنازل الشمس، ~~بل قال بسوقه الطبيعي: «غدا اليوم الخامس والعشرون من حزيران سنة ألف وستمائة وسبع ~~وخمسين ...» كما ورد في مطلع رواية قرومويل وهي من الروايات التشخيصية المنظومة شعرا، ~~فهذا مقتضى البلاغة في تعيين الزمان، وهذه الشطرة المطابقة الحال أبلغ من سواها، ومن ~~المثال السابق الذي مثلنا به من كلام أندره شينيه، فكان السالك نهج هذه الطريقة إذا عطش ~~قال: هات اسقني كما قال أبو نواس: # ألا فاسقني خمرا وقل لي: هي الخمر # ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر # وأما السالك نهج الطريقة المدرسية، فكان يحيد عن السوق الطبيعي ويصنع كلامه، ويقول: ~~«ألا ماء بارد نطفي به حرارة جوفنا»، كما قال ذاك البارد المتنحي. # فإيضاحا لحقيقة الطريقة الرومانية لا نرى بدا من تلخيص القواعد التي أوردها بوالو ~~في صناعة الشعر، ثم تلخيص القواعد التي ذكرها فيكتور هوكو في مقدمة رواية كرومويل، ~~وعارض فيها بوالو وجميع المنتسبين للطريقة المدرسية. ~~(11) طريقة بوالو # نظم الشاعر الفرنساوي بوالو كتابه الموسوم بصناعة الشعر سنة 1674م، وهي أرجوزة طويلة ~~محكمة البناء عالية النفس جامعة لقواعد الشعر وأنواعه، اعتنى الشاعر في إنشائها كثيرا ~~وفكر فيها طويلا لتكون قاعدة ونموذجا في الشعر، واقتفى في نظمها وتأليفها أثر الشاعر ~~اللاتيني هوراس، وهو نقل عن أرسطوطاليس في كتابه الموسوم بصناعة الشعر ولأرسطوطاليس في ~~الشعر كتاب آخر لخصه القاضي أبو الوليد بن ms130 رشد، وطبع التلخيص المستشرق فوستولازينو في ~~مدينة فلورانسه من إيطاليا سنة 1873، ولا نظن بوالو اطلع على قصيدة ابن رشيق ولا على ~~مؤلفاته في هذا المبحث؛ لأن الإفرنج لم يكن لهم ألفة بأدب العرب في القرن السابع عشر، ~~وإنما كانت عنايتهم باللغة العربية قبل ذلك حينما ترجموا كتب علمها إلى اللاتينية، ولم ~~يعودوا لدرسها إلا في أواخر القرن الثامن عشر حينما نبغ شيخ المستشرقين سيلفستر دوساسي ~~في باريس، وشرح مقامات الحريري وألف الكتب المعتبرة. # ولما ظهر ضيا باشا من متأخري الأدباء العثمانيين، وقرأ العربية ثم الفرنساوية اقتفى ~~أثر بوالو ونظم بالتركية كتابه المعروف بالخرابات، وانتقد فيه على كثير من شعراء الترك ~~والفرس والعرب، فجاء كمال بك وانتقد عليه في رسالة سماها تخريب الخرابات وخطأه في كثير ~~من مباحثه. # فالفصل الأول من كتاب بوالو في صناعة الشعر يشتمل على تفصيل القواعد التي جملناها في ~~الكلام على الطريقة المدرسية، وأكثر المؤلف في هذا الفصل من الحض على مراعاة قواعد ~~النحو والصرف والمعاني وغير ذلك من علوم الآلات، وحذر كثيرا من الابتعاد عن سلامة ~~الذوق ولو قدر شبر. وشرع في الفصل الثاني والثالث في تطبيق هذه القواعد العمومية على ~~أفانين الشعر المختلفة، وعرف كل فن منها على حدته، وبلغت فنون الشعر عنده إلى نحو أربعة ~~عشر فنا، منها أنواع الغزل والتشبيب والمرقصات والمطربات، وما احتوى على ذل العشق ~~ورقة الكلام والأدوار المنسوجة على منوال شعراء التروبادور المعاصرين للأندلسيين، ومنها ~~أنواع المدح وأنواع الهجاء والهزل والسخرية والذم المشابه للمدح، ومنها أنواع الرثاء ~~ونحو ذلك. # وتكلم أيضا عن الروايات التمثيلية وهي «التراجيديا» أي: الفاجعات و«الكوميديا» أي: ~~المضحكات، وعرف كلا منهما وبين الشروط المقتضى مراعاتها في تأليف الرواية ~~التمثيلية، ولزوم وحدة الزمان والمكان والعمل، وعرف الشعر الموسيقي وهو النشيد والتلحين ~~المسمى عندهم «ليريك» من كلمة لير وهي العود الذي يغنى عليه، وعرف أيضا الشعر الحماسي ~~المسمى عندهم «إيبوبه»، ومعناها في الأصل الخطبة التي يقولها الخطيب. # فالشعر الموسيقي يمتاز عن الشعر الحماسي بخاصته الشخصية أو الفردية؛ أي المتفردة ms131 في ~~ذات صاحبها، وذلك أن الشاعر يرى الحسناء فيشعر بالحب وبأمل الوصال، ويظهر له رقيب فيشعر ~~ببغضه وبانقطاع رجائه من الوصال، وينال معروف الكريم فيشعر بالشكر له، ويموت صديق له ~~فيشعر بالتفجع عليه، فبسبب هذه المشاعر تفيض نفس الشاعر بالغزل والنسيب والمدح والهجاء ~~والرثاء، ويشاهد أيضا بدائع المخلوقات وينظر في خلق الأرض والسموات، فتفيض نفسه ~~بالتسبيح والتهليل والتقديس والترتيل، فكل واحد مما ذكر فن من أفانين الشعر الموسيقي، ~~ويختلف عروض كل منها وقوافيه باختلاف المشاعر التي يشعر بها، واختلاف الإلهام الذي يهبط ~~عليه، ويعتريه من ذلك دهشة أو انذهال وحيرة وسرور وانشراح أو انقباض وحزن، فيظهر أثر ما ~~ذكر في نظمه وشعره. # وأما الشعر الحماسي فهو رواية الوقائع العجيبة التي يقوم بها الشجعان، فقولنا: رواية ~~أي خبر يفصل هذا النوع من الشعر عن الشعر الموسيقي؛ لأنه نشيد وغناء، وعن الشعر ~~الدراماتيقي أي الدرام؛ لأن أساسه العمل. ولا يلتبس بالتاريخ الذي هو خبر ورواية أيضا؛ ~~لأن موضوع التاريخ الوقائع الصحيحة بلا إطراء ولا غلو، وأما الشعر الحماسي فموضوعه ~~الوقائع الملفقة المشتملة على غرائب الشجاعة ونوادر الفروسية، وأشهر كتب الحماسة ~~«الإيلياذة والأوذيسة» لهوميروس اليوناني، و«أنيبد» لفرجيل اللاتيني، و«الكوميدية ~~الإلهية» لدانتي الطلياني، و«الجنة الضائعة» لملتون الإنكليزي، و«تخليص أورشليم» لطاسو ~~الطلياني و«هانرياد» لفولتير الفرنساوي و«الحماسة النابوليونية» لفيكتور هوكو. # وعند أهل الشرق «ماهابهاراته ورامايانه» للهنود و«الشهنامه» للفرس، وكتب الحماسة ~~للعرب وأشهرها كتاب «الحماسة» لأبي تمام حبيب بن أوس الطائي، وقد طبعه مع شرح أبي زكريا ~~يحيى بن علي التبريزي عليه المستشرق الألماني فريتغ سنة 1828 في مطبعة مدينة بونه، ~~والجزء الأول من عكاظ الأدب هو في الحماسة الحميدية فهو «إيبوبة» الحرب اليونانية ~~الأخيرة، كما حرر فيكتور هوكو الإيبوبة النابوليونية، ومن أمعن النظر في الشعر العربي ~~وجد أكثره من قبيل الشعر الموسيقي؛ أي النشيد والأغاني وهو الممتاز بخاصته الشخصية، ~~وبإظهار الحواس الباطنة، ووجد فيه أيضا من الشعر الحماسي، وهو الذي روى فيه أخبار ~~الحروب وأطنب بشجاعة الشجعان، ووجد المقامات تشابه ما عند الإفرنج من فن الكوميديا، ms132 غير ~~أن صاحب المقامات جعل اهتمامه في انتقاء الألفاظ وبلاغة التعبير، ولم يلتفت كصاحب ~~الكوميديا لدرس أخلاق الرجال، وبيان المزايا الخاصة بأفراد القوم أو الهيئة ~~الاجتماعية. # وكان الباحثون في أدب العرب لا يجدون فيه مثالا «للدرام» الآتي تعريفه، فجاء عبد ~~الرحيم أفندي أحمد، وعرض على المستشرقين في المؤتمر الحادي عشر المنعقد سنة 1897م في ~~باريس رسالة الغفران للمعري، وبين مشابهتها بالكوميديا الإلهية ووعد بنشرها، وكان يوسف ~~ضيا باشا الخالدي استنسخ رسالة الغفران المذكورة سنة 1307ه من النسخة القديمة المحفوظة ~~الآن بمكتبة الكوپريلي، وهي تجاه نظارة المعارف وتربة السلطان محمود في الأستانة، وهم ~~إذ ذاك بطبعها فحال دونه سفره لبلاد الأكراد واشتغاله السنين الطوال بترتيب القاموس ~~الكردي، وتدوين قواعد هذا اللسان الذي نبغ من أبنائه أمثال صلاح الدين الأيوبي صاحب ~~الفتح القدسي. فإذا نشرت رسالة الغفران كما تطبع ترجمة الإيلياذة الآن في مطبعة الهلال ~~تمكن قراء العربية من الاطلاع على فن جديد في أدب العرب غير الشعر الموسيقي والشعر ~~الحماسي، والمأمول ممن ينشر رسالة الغفران أن يقابل بين النسخة المصرية والنسخة ~~الإستانبولية؛ لكيلا يقف ذهن المطالع كما حصل في المثال المنقول سابقا من كتاب إعجاز ~~القرآن للباقلاني بسبب وجود بياض في الأصل، ومن دقق النظر في لزوميات المعري عرف ما هو ~~عليه هذا الشاعر الحكيم من علو الفكر، واتساع القريحة ولم يشتبه في أن كتابه الموسوم ~~بالأيك والغصون لم يغادر صغيرة ولا كبيرة من فنون الشعر والأدب إلا أحصاها. # وقد أطنب المؤرخون في كلامهم على كتاب الأيك والغصون، وزعموا أنه في ماية مجلد، ولكن ~~إذا نظرنا في قولهم: إن اللزوميات في خمسة مجلدات ثم رأيناها مطبوعة في الهند في مجلد ~~واحد وفي مصر في مجلدين حملنا ذلك على الظن بأن المائة مجلد من كتاب الأيك والغصون هي ~~بمثابة عشرين مجلدا من اللزوميات طبعة الهند أو أربعين مجلدا طبعة مصر. وعلى كل فهو ~~من أعظم دوائر المعارف الأدبية في لسان العرب، ولا يعجز عن الإتيان بمثلها رهين ~~المحبسين. والأيك هو الشجر الكثيف ms133 الملتف، فكأنه أشار بهذا الاسم إلى أن الكتاب شامل ~~لأصول الأدب وفروعه. # ثم إن بوالو بعد ما فرغ من بيان القواعد العمومية للشعر وبيان فنونه، ولزوم اتباع ~~الصدق والحقيقة فيه ذكر في الفصل الرابع من كتابه في صناعة الشعر ما ينبغي أن يتخلق به ~~الشاعر من الأخلاق الحميدة، وما يجب أن يحض عليه من الخير والمعروف، فاعترضوا عليه ~~بذلك، وقالوا: بأن هذا الفصل من مباحث علم الأخلاق لا من مباحث الشعر والأدب، ولاموه ~~أيضا على اعتباره الشعر في مجرد قوالب الألفاظ، وعلى تحديده بالحدود والتعاريف، وإلزام ~~الشاعر بمراعاة هذه الحدود في كل فن من فنونه وعدم الخروج عنها، وقالوا: بأن الشعر هو ~~إلهام من الله والطبيعة، ونور يفيض على القريحة التي فيها استعداد طبيعي لقبوله، ولا ~~يمكن تعليم ذلك ولا تحديده بالحدود والتعاريف. # والصحيح أن بوالو يعترف بأن أساس الفكر؛ أي المعاني الشعرية لا يمكن تعليمها ~~بالقواعد، ويقول بأنها هبة من الله واستعداد فطري وغريزي في قريحة الشاعر، وإنما الذي ~~يدخل عنده تحت القواعد المذكورة هو شكل التعبير؛ أي قوالب الألفاظ التي تقاد بها تلك ~~المعاني الشعرية. ~~(12) هوكو والأدب الفرنساوي # ولما ألف فيكتور هوكو رواية كرومويل التمثيلية سنة 1827، وضع لها مقدمة بين فيها ما ~~هو الأساس الذي أنشأ عليه أبنية أوراقه، وما هو أصل الشجرة التي أثمر فرعها فاكهة ~~روايته، كما وضع المعري مقدمة للزوم ما لا يلزم وافتتحها بقوله: «كان من سوالف الأقضية ~~أني أنشأت أبنية أوراق توخيت فيها صدق الكلمة، ونزهتها عن الكذب والميط.» ثم ذكر ~~القواعد التي راعاها في تأليف هذا الكتاب، وبين اللوازم التي تلزم القافية بدون أن ~~يفتقر إليها حشو البيت وأتى لها بالأمثال والشواهد المعتبرة من كلام الحكمة والموعظة ~~الحسنة، كما هو مفصل في بابه. فخلاصة مقدمة كرومويل أن الإنسان منذ النشأة الأولى إلى ~~الزمان الحاضر تقلب باعتبار التمدن؛ أي الحضارة والعمران في ثلاث أدوار: ~~(1) # القرون الابتدائية. ~~(2) # القرون القديمة. ~~(3) # القرون الأخيرة. # وحيث كان الشعر سابقا على الاجتماع الإنسان وملازما له، فقد تقلب معه أيضا ms134 في ~~ثلاثة أشكال: ~~(1) # الشعر الموسيقي؛ أي الغناء # 22 ~~(ليريك). ~~(2) # الشعر الحماسي؛ أي الحماسة (إيبيك). ~~(3) # الشعر الدراماتيقي؛ أي الهائلة (دراماتيك). # وذلك أن الإنسان لما انتبه في القرون الابتدائية لعوالم الموجودات - وكانت قريبة عهد ~~بالحدوث - انتبه معه الشعر، فانبهر من رؤية بدائع المخلوقات وأسكرته الدهشة حتى لم يكن ~~أول كلامه إلا «هيللة»، وكان تفكره تجليا وجذبا وتصوره وحيا لقربه من موجد الكائنات ~~وهو الله، فكان يناجي بقلبه ويهلل بلسانه كما يتنفس برئتيه. ولم يكن لعوده إلا ثلاثة ~~أوتار الخالق والنفس والمخلوقات، # 23 # غير أن هذا السر المثلث يشمل كل ما في الوجود، وكانت الأرض مقفرة تقريبا ~~وليس عليها من بني آدم إلا بطون وفصائل، ولم توجد بعد القبائل ولا الشعوب وكان لهم آباء ~~لا ملوك، وكل عرق من عروق البشر متمتع ببقائه ولا معرفة لأفراده بالملكية ولا بالشريعة، ~~ولا بالخصومة ولا بالحرب، بل الكل لكل واحد وللكل، فكان الاجتماع الإنساني شركة لا شيء ~~فيها يضايق أفراد الإنسان، فكانوا يعيشون عيشة الرعاة والبداوة التي ابتدأ منها كل تمدن ~~وعمران، وهذه المعيشة أوفق ما يكون لسائحات الفكر وهواجس القلب، فكانت نفس الإنسان ~~سائحة على جناح الأهواء سابحة في بحر الخيالات وفكره أشبه بسحابة تسيرها الرياح، وتغير ~~شكلها ووجهتها بحسب مهبها. فهذا هو الإنسان الأول، وهذا هو الشاعر الأول، فهو شاب ~~وموسيقي، ودينه الصلاة بمعناها اللغوي فقط وهو الدعاء وشعره الغناء، فهذا الشعر وهذا ~~الغناء الذي للقرون الابتدائية هو «سفر التكوين». # ثم زال عن الإنسانية هذا الشاب رويدا رويدا، واتسعت فيها جميع الدوائر، وصار البطن ~~قبيلة والقبيلة شعبا وأمة، واحتشد كل مجتمع من هذا الاجتماع الإنساني العظيم حول مركز ~~مشترك وتأسست الممالك، وحلت طبيعة العمران محل طبيعة البداوة، وتبدلت الخيام بالقصور ~~ومحطات الرجال بالمدائن وتابوت العهد بالهيكل، وأصبح رؤساء هذه الدول المستحدثة رعاة - ~~للمواشي - بل للشعوب والأمم، وتبدلت عصا الرعاية بصولجان الملك، ووقف كل شيء وتعين، ~~وأخذ الدين شكلا مخصوصا وانقلبت الصلاة من المعنى اللغوي إلى المعنى المصطلح عليه عند ~~أهل كل مذهب، وتعينت أقوالها ms135 وأفعالها بحسب ذاك المذهب، وضرب الاعتقاد نطاقه على ~~العبادة، وعلى هذا الوجه اقتسم الكاهن والملك أبوة الشعب، وعلى هذا الوجه قامت مقام ~~الشركة الأبوية الجمعية الثيوقراتية وهي الدولة الجامعة أحكامها بين الديانة ~~والسياسة. # وازدحمت الشعوب والأمم على سطح الكرة، فتضايقوا وتخاصموا وانتشبت بينهم الحروب ~~واصطدمت الممالك بعضها ببعض، وطغى قوم على قوم فأوجب هذا الطغيان مهاجرة الشعوب والأمم، ~~وتغريبهم ورحلاتهم وتصور الشعر هذه الوقائع العظيمة، وانتقل بذلك من الأفكار إلى ~~الأشياء وتغنى بالقرون والشعوب والممالك وصار حماسة وولد هوميروس. فهذا الشاعر في ~~الحقيقة أحسن معرف للاجتماع الإنساني في القرون القديمة، وكل ما في هذا الاجتماع بسيط ~~وحماسي، والشعر عندهم دين والدين شريعة؛ أي قانون، فبعد بكارة الدور الأول ظهرت طهارة ~~الدور الثاني من أدوار الإنسانية، واستولى نوع من الوقار والاحتشام على الأخلاق البيتية ~~والأخلاق العمومية، ولم تحفظ الشعوب من عوائد بداوتها إلا حرمة الغريب ورعاية ابن ~~السبيل، وصار للعائلة وطن يربطها ونشأت محبة الوطن والدار وزيارة القبور، فالتعبير عن ~~مثل هذا التمدن لا يمكن أن يكون بأشعار الحماسة. # وتقلبت أشعار الحماسة في أشكال كثيرة بدون أن تضيع خاصتها المميزة لها، فإذا تأملنا ~~كلام الشاعر اليوناني بندار، وهو من أهل القرن الخامس قبل الميلاد والملقب بأمير ~~الشعراء الغنائين لجودة قريحته في الشعر الموسيقي نجد كلامه كهنوتيا أكثر مما هو أبوي ~~وحماسيا أكثر مما هو موسيقي، وفي هذا الدور الثاني من أدوار العمران ظهر المؤرخون، ~~وجمعوا الآثار وأرخوا القرون ومع ذلك فظهور التاريخ لم يستلزم محو الشعر من الوجود، بل ~~استمر التاريخ حماسة وكان المؤرخ هيرودوس كأنه هوميروس ثان، ومن نظر في روايات ~~التراجيديا القديمة التي ألفها شعراء اليونان ومثلوها على مراسحهم تبينت له جليا ~~أساليب شعر الحماسة ، ورأى علوهم في كل شيء وتجاوزهم الحد في العظمة والجبروت والهيبة ~~والفخامة، فالأشخاص الممثلة في هذه الروايات هم من الجبارين وأنصاف الآلهة والآلهة، ~~ومواضيع الروايات أحلام وهواتف ومقدرات وألواحها تعداد نفوس وتشييع جنازات وحروب ~~وغارات، وما كان ينشده الرواة من الأشعار كان يشدو به ms136 الممثلون، ففن التمثيل عند ~~اليونان كان مقتصرا على هذا فقط. # وكانوا يبنون مراسحهم على سفح الجبل بلا سقف يقي حر الشمس ومطر السماء، وإنما هي ~~درجات بعضها فوق بعض على شكل نصف الدائرة المسمى عندهم (أمفيتياتر)، وموضع التمثيل على ~~الأرض في صحن المرسح وهو غاية في السعة والجسامة، ويستوعب تمثيل معبد بفنائه وسراي ~~بدوائرها وقصورها وأبراجها ومدينة بأسواقها، ومعسكر بمهماته وكذا محل المتفرجين يستوعب ~~ثلاثين ألف متفرج، مع أن مراسح الأوروبيين لا تستوعب الأربعة آلاف، والمرسح الفرنساوي ~~في باريس لا يستوعب إلا 1400 ومرسح الأوبرة فيها يستوعب 2200، ومرسح الشاتلة وهو أكبر ~~المراسح في باريس يستوعب 3600، وكان التمثيل عند اليونان يبتدئ في الصباح، ولا ينتهي ~~إلا في المساء، وربما مثل في المرة الواحدة روايتين أو أكثر، وكان الممثلون يفخمون ~~أصواتهم، ويعظمون قيافاتهم ويتبرقعون بالبراقع المناسبة للرواية حتى يحاكي الواحد منهم ~~الجبار العنيد، أو البطل الصنديد الذي يمثل دوره، فيمثل برومته بن تيتان وهو مقيد ~~بالسلاسل فوق جبل قفقاس والنسر يأكل في أحشائه؛ لأنه صور من طين الأرض على هيئة الإنسان ~~ثم أراد أن يأخذ من نار السماء أو نورها؛ لينفخ فيه الروح فأغضب الآلهة وجازاه كبيرهم ~~بذاك الجزاء على ما اقترفت يداه. # ويمثل أيضا أنتيغون وهي في أعلى الأبراج تفتش عن أخيها الذي كان في معسكر الأعداء من ~~الفينيقيين، وقد ذكر خبرها الشاعر سوفوقل في رواية نظمها قبل الميلاد بأربعمائة سنة، ~~وسماها «أديب الملك»، ونسج على منوالها الشاعر الفرنساوي فولتير، وسمى روايته ~~الفرنساوية بهذا الاسم أيضا، وأديب هذا ابن ملك من ملوك اليونان قتل أباه وملك على ~~قومه، وتزوج بأمه بدون علم منه، فلما وقف على حقيقة الأمر لم يتحمل هذه المصيبة، فقلع ~~عيني نفسه بيديه وخرج من ملكه هاجا وابنته أنتيغون تقود به. # ويمثل الممثلون أيضا على مراسح اليونان مركبا كبيرا ينزل منه خمسون أميرة بما ~~يتبعهن من الخدم والحشم، كما في الرواية التي ألفها الشاعر أيشيل قبل الميلاد بخمسة ~~قرون، فكان يجتمع على مراسحهم فخامة البناء مع فخامة الكلام، ms137 ويمتزج التاريخ بالدين، ~~وكان أول المضحكين عندهم من الكهان، وكانت ألعابهم احتفالات دينية ومواسم أهلية. # فجميع الروايات المحزنة اليونانية هي من أشعار الحماسة، وجميع الشعراء المتقدمين عيال ~~على هوميروس ورواياتهم مستنتجة من الإلياذة والأوذيسة، ومواضيع الجميع منها يعود إلى ~~محاصرة تروادة. ~~(13) الديانة المسيحية والأدب # ثم أخذ هذا الدور الثاني من أدوار الشعر يتقلص، ويعتق كما تعتق العمران القديم، وجاء ~~الرومانيون، ونسجوا على منوال اليونانيين، ونسخ شاعرهم فيرجيل عن هوميروس وانتهى دور ~~الشعر الحماسي وفتح دور جديد للشعر والتمدن بظهور الديانة المسيحية، فالديانة الوثنية ~~مادية ظاهرية والديانة المسيحية روحانية باطنية، فلما حلت إحداهما محل الأخرى، ودخل ~~الإيمان بالمسيح قلب التمدن القديم قتله، ووضع في جنازته المتعفنة جرثومة التمدن ~~الحديث، وثبت بتعاليمه دعائم الأخلاق، وأول حقيقة جاء بها هذا الدين هي القول؛ بوجود ~~حياتين للإنسان: إحداهما فانية والثانية خالدة. إحداهما على الأرض والثانية في السماء، ~~وأعلم الإنسان بأنه مركب من حيوانية ونطق؛ أي من جسد ونفس، وأنه نقطة الفصل المشترك وهو ~~في علم الهندسة النقطة المشتركة بين خطين، والخط المشترك بين سطحين، والسطح المشترك بين ~~جسمين، أو بأنه الحلقة المشتركة بين سلسلتين من المخلوقات إحداهما تتألف من الماديات، ~~والثانية من الروحانيات، إحداهما تبتدي من الجماد وترتقي للإنسان، والثانية تبتدي من ~~الإنسان وتصعد إلى الله. # ربما فقه بعض الحكماء المتقدمين شيئا من هذه الحقائق، ولكن من أوضحها وجلاها الإنجيل ~~الشريف. فأصحاب الديانة الوثنية خبطوا خبط عشواء وساروا في ظلام الليل على غير هدى، ولم ~~يفرقوا في طريقهم بين الحق والباطل، والبعض من فلاسفتهم أفاض من نبراس حكمته على ~~الأشياء نورا طفيفا لم يضئ منها إلا الجانب الأصغر، وزاد في الظل الممتد وراء جانبها ~~الأكبر، فنشأ من ذلك جميع تلك الأشباح والخيالات التي وردت في فلسفة المتقدمين ~~وأساطيرهم؛ لأن إضاءة تلك الأشياء بتمامها لا يتيسر إلا بنور الحكمة الإلهية، فلما جاء ~~أمر الله قام النور الإلهي مقام هاتيك الأنوار المرتجة التي أتت بها الحكمة الإنسانية؛ ~~وكان فيثاغورس وبقراط وسقراط وأفلاطون سرج الليل، فجاء المسيح ms138 ابن مريم (عليهما السلام) ~~ضوءا للنهار، فحيث كانت عبادة الأوثان ديانة مادية لم يخطر على بال الأقدمين التفريق ~~بين الروح والجسد كما في الديانة المسيحية؛ بل أوجدوا شكلا وهيئة لغير الماديات وشخصوا ~~المعنويات، فكل شيء عندهم مرئي، محسوس، متجسد، وآلهتهم مفتقرون لسحابة يختفون فيها عن ~~الأبصار، فهم يأكلون ويشربون وينامون، وتصيبهم الجراح فتسيل منهم الدماء، ويلقى بهم من ~~السماء إلى الأرض فيتحطمون كما حدث لفولكين إله النار حينما حملت به أمه من «جوبيتر» ~~المشتري كبير الآلهة، ووضعته في أشنع صورة فاستنكفت منه أن يكون ابنها، ورمت به إلى ~~الأرض فهبط على جزيرة ليمن من جزر الممالك العثمانية وانكسرت رجله، وذهب لبركان أتنا ~~ووضع فيه كور الحديد؛ فهو يعرج من وقعته ويشتغل في صنعته أبد الآبدين ودهر ~~الداهرين. # ومن هؤلاء المعبودات ما هم آلهة، ومنهم ما هم أنصاف آلهة فقط، ودنياهم معلقة بسلسلة ~~من الذهب يمسكها كبير الآلهة، وشمسهم يجرها في مركبه أربع رءوس من جياد الخيل، وجهنمهم ~~هاوية عميقة يعين الجغرافيون فوهتها على سطح الكرة، وجنتهم على جبل أوليمبوس في تساليا ~~يسكنها الآلهة ويتلذذون بنعيمها، فالديانة الوثنية عجنت جميع المفتريات من أساطيرها في ~~طينة واحدة، وصغرت آلهتها وكبرت أوادمها حتى تشابه الفاني بالحي الذي لا يموت، فالأبطال ~~الذين تكلم عنهم هوميروس في أشعاره كادوا يكونون أقرانا للمعبودين. # فأبو الفوارس أجاكس غضب على جوبيتر وهو راجع من محاربة تروادة، وأعلن الحرب عليه وعلى ~~جماعته، وأشيل عنترة الحروب اليونانية يضاهي في القوة والشجاعة المريخ (مارس) إله الحرب ~~وجلاد الفلك، بخلاف الدين المسيحي فإنه فرق بين المادة والروح، وحفر واديا عميقا بين ~~الجسد والنفس، وواديا آخر بين الإنسان والآلهة، فبظهور النصرانية وبنشر تعاليمها دخل ~~قلب الناس شعور جديد لم يكن معروفا للمتقدمين، واتسعت دائرة هذا الشعور عند المتأخرين ~~اتساعا غريبا. فهذا الشعور هو الماليخوليا؛ أي السوداء، وهي أشد من الوقار المستولي ~~على قلوب القدماء وأخف من الحزن. فالنصرانية وضعت في طبع المتدينين بها المزاج ~~السوداوي، وجعلت الصلاة للفقير كالغنى للغني، وأسست بين الناس ms139 المساواة والشفقة ~~والحرية، فمنذ أدخل الإنجيل النفس بين الحواس ووضع الخلود وراء الحياة أصبح المتمسكون ~~به يرون الأشياء بشكل جديد. # وعدا هذا ففي التاريخ الذي انتشرت فيه الديانة المسيحية حدث في العالم انقلاب كبير لم ~~يتيسر معه أن لا يحصل انقلاب في العقول؛ لأن الانقلابات التي حدثت قبل ذاك التاريخ كانت ~~عبارة عن سقوط دولة، وقيام أخرى ولم يكن لذلك تأثير كبير في قلوب العموم؛ بل المصيبة ~~الحاصلة من تلك الانقلابات كانت كالصاعقة لا تصيب إلا الأماكن العالية، والمقامات ~~المرتفعة فعبروا عنها بأشعار الحماسة. # ففي الاجتماع الإنساني القديم كان الفرد سافلا حتى كانت المصائب لا تؤثر عليه؛ إلا ~~إذا نزلت بيته وأصابت أهله، ولا يعرف الواحد من أهل تلك القرون الخالية البؤس ولا ~~التعاسة خارج الآلام البيتية، ولا كان يسمع في تلك الأجيال بأن المصائب العمومية ~~الحادثة في المملكة تمس المعيشة الفردية؛ فلما حدثت تلك الانقلابات الكبيرة إبان انتشار ~~الديانة المسيحية، وأصبحت الأمم الأوروبية في هرج ومرج يتلاطمون كالأمواج في البحر ~~العجاج، وانقرض التمدن القديم باستيلاء الأقوام البربرية على ممالك الرومان حدث من ذلك ~~تأثير في قلوب العامة، وانفعال في نفس كل فرد من أفرادهم، وأخذوا يفكرون في مصائب الدهر ~~ومرارة الحياة، وعرفوا بأن هذه الدنيا الفانية ما هي إلا هزر ولعب وكدر وتعب لا ينبغي ~~للعاقل أن يغتر بها. فهذا الشعور الذي ولد اليأس في قلوب المشركين كما علم من حال ~~الأديب الروماني قاتون، ولد في قلوب المنتصرين الماليخوليا وهي السوداء. # وفي ذاك التاريخ أيضا تولد فكر التجسس والاختبار؛ لأن تلك الوقائع العظيمة كانت أشبه ~~برواية كبيرة مثلت على مرسح الدنيا، وشهد المتفرجون عواقبها المدهشة، فهذه الوقائع ~~عبارة عن وثبة وثبها الشمال على الجنوب، وتغير بسببها شكل العالم الروماني، فأصبح يقاسي ~~نزاع الموت وبلغت روحه التراقي، فلما مات هذا العالم قام جمهور من النحويين والبيانيين ~~والسفسطائيين يتقاتلون على جنازته، ويقلبون جسده الذي لا حراك به، ويشرحون ويفسرون ~~ويعبرون ويحللون ويناقشون، ويجادلون كأنهم ذباب يتساقط على جيفة التمدن القديم، فمن ms140 ~~سعادة هؤلاء المشرحين للعقول، وحسن حظهم أنهم وجدوا جيفة يجرون عليها أول تجاربهم، ~~ويسبرون قروحها بمسبارهم، فكان أول جسد شرحوه جسد أمة ميتة. # وعلى هذا الوجه نرى الآن ظهور جنية الماليخوليا، والتفكر بجانب عفريت التحليل ~~والتضاد، ونجد في أحد طرفي هذا الدور الانتقالي البياني الشهير لونجين (210-273م)، ولد ~~في حمص من سوريا، وألف باليونانية في علم البيان رسالة الإعجاز التي ترجمها بوالو ~~للفرنساوية. # ونجد في الطرف الآخر القديس أوغوستين (354-430م) صاحب المؤلفات اللاتينية، فجميع ~~أدباء القرون الوسطى استقوا أفانين العلم والأدب من حياض الروم في القسطنطينية، ولا ~~يجوز لنا احتقار هذا الدور الانتقالي من أدوار الأدب؛ لأن فيه النطفة التي تخلقت وولدت ~~وكبرت حتى صارت عروسا نتمتع اليوم ببديع جمالها. فكتبة ذاك الدور - ونرجو هضم هذا ~~التعبير الحر مع أنه سوقي مبتذل - زبلوا رياض الأدب ليجتني المتأخرون ثمارها. # فحيث كان هناك دين جديد، وأمة جديدة اقتضى أن ينشأ على هذين الأساسين أبنية جديدة في ~~الشعر؛ لأن شعر المتقدمين كان حماسة صرفا، وبسبب تأثير الدين الوثني والفلسفة القديمة ~~كان الشعراء لا يدرسون من الطبيعة الواجب عليهم تقليدها إلا وجها واحدا وهو وجه ~~الجمال، وينبذون وراء ظهورهم جميع ما لا علاقة له بشيء من نموذج الجمال بدون أن تأخذهم ~~رأفة على صناعة الأدب المقتضى لها تقليد ما في الطبيعة من خير أو شر، فهذه الطريقة كانت ~~في بادئ أمرها معتبرة. ولكن باضطرادها على قياس واحد زال رونقها وذهبت طلاوتها، ونقصت ~~قيمتها كما هو شأن كل ما اضطرد على وتيرة واحدة، فلما ظهر الدين المسيحي جر الشعر إلى ~~الحقيقة ووضعه في مكانه، وصارت قريحة الشاعر النصراني ترى الموجودات بعين أوسع وأرق مما ~~كانت تراها قريحة الشاعر الوثني، فشعرت هذه القريحة الجديدة بأن المخلوقات ليست كلها ~~جميلة باعتبار الإنسان، بل الشنيع منها بجانب الجميل والمستظرف بقرب المستقبح، والشر ~~أكثر من الخير، والظلام سابق النور، والجد مخلوط بالهزل، وكلام السخرية وراء الإعجاز ~~بالفصاحة، فقالت القريحة في نفسها: # أحكمة الشاعر النسبية الجزئية أحسن من حكمة الخالق ms141 المطلقة الكلية؟ # أبلغ من حد الشاعر أن يقوم ما اعوج على زعمه من خلق الله؟ # وهل الأبتر والأجدع والأجذم أجمل من كامل الأعضاء؟ # وهل يحق لصناعة الأدب أن تنزع بطانة الثوب الذي تردت به الإنسانية، والحياة ~~والمخلوقات؟ # وهل يجوز نزع عضلة من الجسم، أو لولب من الدولاب إن أريد انتظام ~~دورانه؟ # وهل من الواجب على المطرب أن لا يعرب؟ # ثم نظرت هذه القريحة الجديدة في وقائع العالم فوجدتها مضحكة مرهبة معا، واعتراها ~~المزاج السوداوي بسبب الاعتقاد المسيحي، وأثر عليها أيضا الانتقاد الفلسفي المستفاد من ~~ذاك الدور الانتقالي، فخطت في الأدب خطوة كبرى زلزلت بها العالم العقلي، وقلبت عاليه ~~سافله وحذت في الشعر حذو الطبيعة، وخلطت في اختلاق المعاني النور مع الظلام، وكلام ~~السخرية مع الإعجاز بالفصاحة بدون أن تمزج أحدهما بالثاني، وبتعبير آخر جمعت في الشعر ~~بين النفس والجسد وبين الحيوانية والنطق؛ لأن الشعر والدين متلازمان، والنقطة التي يسير ~~منها أحدهما يسير منها الآخر؛ فأوجدت في الشعر نموذجا جديدا وأسلوبا غريبا بالنظر ~~للمتقدمين، وشرطت فيه شرطا قلب شكله وأصلح قالبه، فهذا النموذج وهذا الشرط هو كلام ~~السخرية الذي يظهر في قالب الكوميدية، فهذا هو الفرق الذي يفرق في نظرنا بين صناعة ~~الأدب الجديدة، وصناعة الأدب القديمة، وبين الشكل الجديد الحي، والشكل القديم الميت، أو ~~بتعبير أشهر من هذا ولو كان مبهما، هذا هو الفرق بين أدب الطريقة الرومانية، وأدب ~~الطريقة المدرسية. # فيقول لنا حينئذ أهل الطريقة المدرسية: ها نحن أمسكناكم، وأخذناكم بألسنتكم، أنتم ~~تتخذون من القبيح نموذجا للتقليد ومن كلام السخرية أسلوبا لصناعة الأدب؟ ولكن أين ~~اللطافة في ذلك أين حسن الذوق؟ أما تدرون أن صناعة الأدب ينبغي لها أن تقوم ما اعوج ~~من الطبيعة؟ أما تعلمون أن الواجب عليها إعلاء شأن الطبيعة؟ أما تعلمون أن الأجدر بها ~~انتخاب الأحسن مما في الطبيعة؟ هل أدخل المتقدمون القبيح أو السخرية في كلامهم؟ هل ~~مزجوا الكوميديا بالتراجيديا؟ فاتبعوا يا سادة أساليب المتقدمين، واقتفوا في فنون الأدب ~~أثر أرسطو وبوالو ولاهارب ... إلخ. # وفي ms142 الواقع أن حجج أهل الطريقة المدرسية دامغة، ولكن لسنا مكلفين بالرد عليهم؛ لأننا ~~لا نريد وضع قواعد جديدة ولا تقييد العقل بالعقال كما قيدوه؛ إذ حمانا الله من القواعد ~~... وإنما نحن حققنا وجود أمر، فنحن مؤرخون ولسنا منتقدين ولا مشرعين، فهذا الأمر موجود ~~سواء أعجبهم أو لم يعجبهم، فقريحة الشعر الجديد تولدت من انضمام نموذج السخرية بالكلام ~~إلى نموذج الإعجاز بالفصاحة، وهي غريزة المنبع في ابتكاراتها مختلفة الأشكال في ~~تصويراتها، بخلاف الشعر القديم فإنه وحيد الشكل وحيد الأسلوب لبساطته واضطراده على ~~وتيرة واحدة، فهذا هو الفرق الحقيقي والأساسي بين أدب الطريقتين الرومانية ~~والمدرسية. # نعم إن المتقدمين لم يجهلوا بالكلية حقيقة الكوميديا، ولا السخرية التي نحن بصددها إذ ~~لا بد لكل شيء من أصل، وجرثومة الدور الثاني لا بد أن تكون في الدور السابق عليه، ففي ~~الإيلياذة كل من «فولكين» و«نيرميت» نموذج لهذه السخرية والكوميديا، والأول مثال للآلهة ~~وقد مر ذكر السبب في عرجه، وليس على أعرج من حرج، والثاني مثال للبشر، ووصف هوميروس في ~~الفصل الثاني من الإيلياذة هذره في المنطق، وهذيانه في الكلام، وبين كثرة جلبته ~~واستهزائه بجميع الناس حتى بالملوك، فكان في محاربة تروادة مضحكة اليونان يسخر بهم ~~ويسخرون منه؛ لأن فيه جميع النقائص والعيوب، ومن أمثلة السخرية أيضا مكالمة منيلاس مع ~~بواب القصر في رواية «هيلانه» التي نظمها الشاعر اليوناني أوريبيد في القرن الخامس قبل ~~الميلاد. # ومن السخرية أيضا ما نراه عند اليونان من الأشخاص الخارقة للطبيعة كالذي نصفه الواحد ~~إنسان ونصفه الآخر سمكة، والذي بعين واحدة في جبهته، وعرائس الجن اللواتي يظهرن على ~~الإنس كأنهن حور الجنان، كل واحد من ذلك نموذج للسخرية، غير أن أدباء اليونان الأقدمين ~~لم يتمكنوا من إيفاء هذا الموضوع حقه بسبب ما في أشعار حماستهم من الفخامة، وما في ~~رواياتهم من العظة والجلالة، فالسخرية في كلامهم ليست في موقعها؛ لأنها مستورة بجلالة ~~الشكل الحماسي، وأسلوب الحماسة يفوق فيها على أسلوب السخرية ويمنعها من الظهور والبيان، ~~بخلاف الأدباء المتأخرين فإن أسلوب السخرية ms143 له في شعرهم ورواياتهم موقع مهم، وهو في كل ~~موضع من كلامهم. ويصورون بهذا الأسلوب الشناعة والفظاعة من جهة، والهزر واللعب من جهة ~~أخرى، ويلحقون به في الدين ألف وسوسة وأباطيل غريبة، وفي الشعر ألف معنى مبتكر وتصور ~~بديع فأسلوب السخرية هو الذي أوجد في القرون الوسطى جميع هذه المخلوقات التي اعتقد ~~الناس وجودها بين الإنسان، والله من عوالم الجن والروح والملك، وملئوا بها الهواء ~~والماء والأرض والنار فلم يبق محل في الفضاء إلا وهي ساكنة فيه. ومنها من هو على ~~أكتافنا يكتب أعمالنا، ومنها من يأكل ويشرب معنا من طعامنا وشرابنا، ومنها من يلبسنا ~~لبس الجلد على اللحم، ولا يخرج منا إلا بالضرب الشديد والتعذيب، وهذه السخرية هي التي ~~جعلت لشيطان النصارى قرون التيس، وأرجل الخنزير وأجنحة الخفاش، وجرت الشاعر دانتي ~~الطلياني وملتون الإنكليزي إلى تصوير تلك الصور الجهنمية العجيبة ووصفها بالأوصاف ~~الهائلة والأشكال المخيفة، حتى جاء في القرن السادس عشر المصور الشهير ميكل أنجلو ونقش ~~على جدار كنيسة في الفاتيكان الذي يسكنه البابا صورة مفخة بديعة سماها اليوم الآخر وهو ~~يوم العرض والحساب، ولو قرأ القرآن الكريم لصور جهنم ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة ~~صفر. # ومن أمثلة هذه السخرية أيضا الخادم الجني ميفستوفلس المرافق لفوست في الرواية ~~المتقدم ذكرها، ومنها الساحرات التي مركزهن في رواية ماقبت وأنواع كثيرة من الخدام ~~والرصد القائمين على حفظ الكنوز المخفية، والعيون الجارية والأشجار الكبيرة، وكذا الحوت ~~الذي يظهر في البحر كالجزيرة المعشبة، والثعابين التي تحاكي في الضخامة الفيلة، وتحرق ~~بنفسها كل مخضر ونحو ذلك. فالمتأخرون عبروا عن جميع ما ذكر بكلام أفصح، وأبلغ من كلام ~~المتقدمين. # فأسلوب السخرية ما هو في نظرنا إلا ضد قام بجانب أسلوب الإعجاز بالفصاحة ليميزه ~~ويظهره؛ لأن الأشياء تتميز بضدها، فهو أغزر المنابع التي فتحتها الطبيعة لصناعة الأدب، ~~فطريقة المتقدمين أورثت الملل والكلال باضطرادها على نسق واحد، ومراعاتها لأسلوب واحد ~~وهو أسلوب الإعجاز؛ لأن الإعجاز على الإعجاز، والبلاغة وراء البلاغة، والبيان تلو ~~البيان متعب للفكر مجهد للذهن، ms144 فإذا فصل بينهما بكلام السخرية تفكه العقل وارتاح مما ~~أجهده وأضناه، واستأنف السير نحو الإعجاز وهو في نشاط وارتياح بسبب توقفه بكلام السخرية ~~والهزل، ثم لا يخفى أن الجميل إذا قرن بالقبيح زاد جماله رونقا وصفاء، وتلألؤا ~~واعتلاء؛ ولذا كانت الجنة التي وصفها ميلتون ألذ وأشهى من جنان الإيليزة التي وصفها ~~هوميروس وفرجيل؛ لأن ميلتون صور تحت جنة عدن جهنم أشد دهشة ونكالا من «تارتار» ~~المتقدمين، ولو لم يصف لنا دانتي حبس ذاك الجبار العنيد في برج مدينة بيزه، وسد باب ~~البرج عليه حتى هلك جوعا بعد أن أكل أولاده لما وجدنا طلاوة لحسن فرانسواز دوريمني، ~~ولا لجمال بياتريس التي دخلت به جنان النعيم، إذ لو لم يكن في كلامه تلك الشدة والقسوة ~~والعذاب الأليم لما كان فيه تلك الحلاوة الرائقة والعذوبة السائغة. # ففي شعر المتأخرين الإعجاز بالفصاحة يشبه النفس الناطقة المطمئنة بتعاليم النصرانية، ~~والسخرية؛ أي الهذر بالكلام يشبه الجسد الحيواني الذي في الإنسان، فالنموذج الأول ~~بتجرده من الهذيان، وسلامته من العيوب حاز كل الحسن والجمال والرشاقة والاعتدال والجذب ~~واللطافة والرقة والحلاوة، وأخرج من خدور الأفكار عرائس مثل جوليت وأوفيليه اللتين ~~صاغهما شكسبير في رواية روميو وجوليت ورواية هاملت، ولعلهما تشبهان ليلى التي افتتن بها ~~قيس العامري على عهد الدولة الأموية، ولقب لأجلها بمجنون ليلى، وفاطمة التي هام بحبها ~~أمرؤ القيس، وقال لها: «أفاطم مهلا بعض هذا التدلل». # والنموذج الثاني ظهرت فيه جميع العيوب، والعلل واتصف بالبشاعة، والشناعة، والهذيان، ~~والانهماك في الشهوات الحيوانية، والرذائل الدينية وفي جر المنافع ولو بإيقاع المفاسد ~~والجنايات، فهو فسيق، دني، شره، مهذار، بخيل، طماع، مرائي، مفسد، مفتن، قواد، غدار، ~~كذاب، محتال، ويتمثل في صورة باصيل وفيغارو وتارتوف وهارباغون، والأول اسم راهب يحب ~~مسايرة العاشقين على أهوائهم ولكنه كثير الطمع في أموالهم، والثاني اسم خادم نشيط ظريف ~~قواد لسيده أوصله إلى معشوقته، ومكنه من وصالها بمهارة حيله ودسائسه، وهما من الأشخاص ~~التي أوجدها مارشه في رواية «حلاق إشبيليه» و«زواج فيغارو»، ونكت بها على أخلاق ~~المعاصرين من ms145 الفرنساويين قبل الانقلاب الكبير؛ أي في عهد لويس السادس عشر، والخامس ~~عشر، وبين إسرافهم واستهزأ بأفعالهم، وفي سنة 1854؛ أي في عهد الإمبراطورية الثانية ~~أنشأ أحد الكتبة جريدة هزلية سماها «فيغارو» إشارة إلى أنها تخدم خدمة فيغارو مع ~~التنكيت والتبكيت، وعدم المبالاة بشيء ولا التعصب لأمر، فأصبحت جريدة الفيغارو اليوم من ~~أعظم الجرائد اليومية في باريس، و«تارتوف» نموذج الرياء، و«هارباغون» نموذج البخل وهما ~~من أشخاص روايات مولير، ويمكن أن يعد من هذا القبيل أيضا أبو زيد السروجي في وعظه ~~للناس بالمواعظ الحسنة، ثم جمعه الفلوس واشترائه اللحم والخمر والجلوس للمنادمة مع ~~غلامه كما هو موضح في مقامات الحريري. # فالجميل ليس له إلا نموذج واحد، والقبيح له ألف نموذج؛ لأن جمال الجميل ما هو إلا ~~نسبي بالنظر إلى الإنسان وباعتبار تركيب أعضائه، والقبيح له نسبة وعلاقة مع غير ~~الإنسان، فهو جميل بالنسبة إلى عموم المخلوقات، وقبيح بالنظر للإنسان وحده. # ففي القرون الوسطى نرى لكلام السخرية موقعا بجانب الإعجاز بالفصاحة، وكثر استعمال ~~السخرية في الأدب في الرسم والتصوير والحفر، وفي الأخلاق والعادات كالرسوم التي أحسن في ~~تصويرها المصور الشهير ميكل أنجلو الطلياني، والمصور مويلو الإسباني وأبدع ما أتت به ~~قريحته الراسمة التي نقش فيها كيفية الصعود إلى السماء، ثم ظهر شكسبير وصار ملك الشعراء ~~كما قال دانتي عن هوميروس، ومزج كلام السخرية بكلام الإعجاز وصاغ منهما الدرام، فشكسبير ~~هو أبو الدرام والدرام هو الخاصة المميزة للدور الثالث من أدوار الشعر والأدب العصري، ~~وهو جامع للمرهب والمضحك من الكلام؛ أي للكوميديا وللتراجيديا. ~~(14) الإجمال # فإجمالا لما تقدم لنا ذكره نقول: إن الشعر له ثلاثة أدوار وهي الغناء والحماسة ~~والدرام، ولكل منها مناسبة بدور من أدوار الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، ~~فالقرون الابتدائية غناءة، والقرون القديمة حماسية، والقرون الجديدة درامية، والغناء ~~يترنم في الأزل، والحماسة تحتفل بالتاريخ، والدرام يصور حياة الإنسان، وخاصة الأول ~~السذاجة، وخاصة الثاني البساطة، وخاصة الثالث الحقيقة. # فرواة اليونان - ويسمونهم رايزود، وهم أشبه برواة العرب الذي جاء منهم حماد الراوية، ~~وكانوا يطوفون ms146 القرى ويروون أشعار بندار وهوميروس وأيشيل - يدلون على دور الانتقال من ~~الشعراء المغنيين؛ أي الناظمين لشعر الأغاني إلى الشعراء الحماسيين. والرومانيون؛ أي ~~مؤلفو الرومانات وهي الأقاصيص الموضوعة يدلون على دور الانتقال من الشعراء الحماسيين ~~إلى الشعراء الدراميين، وبظهور الدور الثاني ظهر المؤرخون، وبظهور الدور الثالث ظهر ~~الباحثون في حكمة التاريخ وبيان أسباب الوقائع وعللها. # وأشخاص شعر الأغاني عظام الأجسام طوال القامات والأعمار مثل آدم، وقابيل، وهابيل، ~~ونوح، ويدخل في زمرتهم عوج بن عناق، وأشخاص شعر الحماسة من القوم الجبارين وهم أقوياء ~~أشداء؛ مثل أشيل بطل الحروب اليونانية، وأستره آلهة العدل، وأوريست بن أغا ممنون الذي ~~ألف فيه شعراء اليونان رواياتهم ثم جاء فولتر ونسج على منوالها روايته المشهورة باسم ~~أوريست. ويدخل في زمرتهم عنترة بن شداد. وأشخاص الدرام هم بشر على الصورة الحقيقية ~~للإنسان مثل هاملت، وماقبت، وأوتيلو الذين صورهم شكسبير في رواياته المشهورة بهذه ~~الأسماء، وربما دخل في زمرتهم أبو زيد السروجي في مقامات الحريري، والشيخ علي بن منصور ~~الحلبي في رسالة غفران المعري، ومنبع الأغاني الوهم والخيال ومنبع الحماسة العظمة ~~والفخامة، ومنبع الدرام الحقيقة، وتتفجر هذه الينابيع الثلاثة من ثلاثة بحور كبيرة ~~التوراة وهوميروس وشكسبير. # فهذه هي أشكال الفكر المختلفة بحسب اختلاف القرون التي تقلب فيها الإنسان والعمران، ~~وهي في ثلاثة أدوار الشباب والكهولة والشيخوخة، فسواء نظرنا في أدب أمة على حدتها، أو ~~في أدب البشر على وجه العموم، فالنتيجة التي نستنتجها من جميع ذلك واحدة؛ وهي تقدم ~~الشعراء المغنين أو الغنائيين، وهم الناظمون أشعار الأغاني على الشعراء الحماسيين؛ أي ~~الناظمين شعر الحماسة وتقدم الشعراء الحماسيين على الشعراء الدراميين، ففي فرنسا ماليرب ~~(1555-1628م) سابق على شابلين (1595-1674م) وشابلين سابق على قورنيل (1606-1684م)، ~~والأول هو الشاعر الغنائي «ليريك» الذي أصلح اللغة الفرنساوية، وقال فيه بوالو: «وفي ~~النهاية أتى ماليرب ...» فذهبت مثلا. # وأما الثاني فانتقد عليه بوالو في الشعر وسخر به حتى جعله أعجوبة وهزءا، ويلقب ~~الثالث بأبي التراجيديا وهي الروايات الفاجعات، وكذا الحال عند قدماء اليونان، فشاعرهم ~~المسمى «أورفيوس» ms147 متقدم على هوميروس، وهوميروس متقدم على «أيشيل» الملقب بأبي ~~التراجيديا اليونانية. وفي كتاب العهد القديم؛ أي التوراة سفر التكوين متقدم على سفر ~~الملوك، وسفر الملوك متقدم على سفر أيوب - عليه السلام - وإذا نظرنا في أدب البشر على ~~وجه العموم نرى التوراة قبل الإيلياذة، والإيلياذة قبل شكسبير. # ولا غرو في ذلك فإن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم يبتدئ في الترنم بما ~~يتخيله، ثم يقص ما يعمله، ثم يصور ما يفتكره، فالدرام بجمعه بين الأوصاف المتضادة كان ~~أوعب للأفكار الفلسفية والتصورات العميقة، وكل ما في الطبيعة وما في الحياة يتقلب في ~~هذه الأشكال الثلاثة، وهي الغناء والحماسة والدرام؛ لأن كل ما في الوجود يولد ويعمل ~~ويموت. ولو أبيح التعبير عن الحقائق البرهانية بالتخيلات الشعرية لقال الشاعر بلسان ~~الشعر: إن الشمس عند طلوعها ترنم بالغناء، وعند القائلة؛ أي الظهيرة تفاخر بالحماسة، ~~وعند الغروب تفجع بالمصيبة وهي الدرام، فهذا التعبير هو من باب الشعر، وربما كان ضربا ~~من الجنون، انتهى كلامه ببعض تصرف وزيادة. # ثم شرع صاحب مقدمة كرومويل في الرد على أصحاب الطريقة المدرسية في تقسيمهم الشعر إلى ~~الأجناس، التي سبق ذكرها في الكلام على بوالو وفي تحديدهم كل جنس منها بالحدود ~~والتعاريف، وفي تفريقهم بين التراجيديا والكوميديا، وأبطل قولهم: بلزوم وحدة الزمان ~~والمكان في الروايات التمثيلية، ولم يقبل من وحداتهم الثلاثة إلا وحدة العمل. وقد ضربنا ~~صفحا عن إيراد كلامه في هذه المباحث لعدم التطويل؛ ولأن الروايات التمثيلية على ما ~~فيها من الفوائد الجليلة في أساليب البلاغة لم تشتهر لهذا الزمان بين المتكلمين ~~بالعربية، ولا اعتنى فحول أدبائنا في تأليف الروايات لا بالنظم، ولا بالسجع، ولا بالنثر ~~كما فعلت النشأة الجديدة من أدباء اللسان العثماني. # وقد حض فيكتور هوكو في تلك المقدمة على تأليف روايات «الدرام» بالشعر لا بالنثر، ~~وقال: بأن بيت الشعر يحيط بالمعنى إحاطة الثوب الإفرنجي بالبدن، ويضيق عليه ويوضحه ~~معا، ويعطيه شكلا ألف وأدق وأتم من شكل النثر، ويديره علينا كأنه نوع من أنواع ~~الأكسير الذي استخرجه الكيميائيون ms148 من خمير الذهب، وزعموا أن فيه لذة للشاربين وشفاء ~~للأجسام من جميع العلل والأسقام، فبيت الشعر على رأي فيكتور هوكو هو القالب الشفاف ~~للمعنى، وإذا تلطف الشاعر في نظمه وإنشائه أكسب المعنى رونقا لولا بيت الشعر لمر ذاك ~~المعنى غير ملتفت إليه. # فالشعر هو العقدة التي تربط سلك المعاني، أو المنطقة التي تضم حواشي الهدم على الجسم ~~وتطويه طيات متناسبة بالهندام. والشعر يزيل من الألفاظ ما هو سوقي مبتذل، أو عامي سخيف ~~ويكسب المعاني حلاوة وطلاوة ورشاقة، سيما إذا اقتصر الشاعر على استعمال الألفاظ ~~المتعارفة بين الناس المتداولة على الألسن، وترك ما كان وحشيا غريبا في ~~اللغة. # وعرض فيكتور هوكو بالذاهبين إلى أن «أعذب الشعر أكذبه» بقوله: ليت شعري ما الذي ~~يضيع من الشعر إن دخلت فيه الطبيعة والحقيقة؟ وهل تنقص الخمر صفة من أوصافها إن وضعت في ~~أباريق الزجاج وختم عليها؟ كلا بل تصير رحيقا معتقة ختامها مسك يتنافس بها المتنافسون. ~~وختم المؤلف مقدمة كرومويل ببيان المقتضى للشاعر من النسج على منوال الطبيعة (لأن كل ما ~~في الطبيعة هو في صناعة الشعر)، وإن كان الشاعر جيد القريحة فلا حرج عليه في شيء من ~~القواعد، وله الحرية المطلقة في التصرف بجميع أفانين الشعر على حسب ما يرتئيه. # فهذه خلاصة مقدمة كرومويل الشهيرة بين الأدباء على اختلاف لغاتهم وتباين مذاهبهم، ~~ومنها يفهم أن الطريقة الرومانية أرجعت الشعر إلى الحقيقة، والطبيعة، والحياة وتركت فيه ~~التصنع وزخرفة الكلام وأجراس الألفاظ، ولم تلتفت إلى زعم أهل الطريقة المدرسية بأن زخرف ~~القول من مقتضى الذوق السليم للشاعر، وأزالت جميع الحواجز التي تعرض أما سجية الطبع، ~~وتصد الفكر عن تصور الحقيقة والطبيعة، وتوصيف الموجودات بحسب ما هو مغروس في جبلة كل ~~منها سواء كان من صفات القبح، أو صفات الجمال بلا تفريق بينهما؛ ولذا نكتت بعض الجرائد ~~بقولها على سبيل التقريظ والتبكيت: «فليعش الإنكليز والألمان، فلتعش الطبيعة الهمجية ~~الوحشية التي نشاهد جمالها في أشعار فيكتور هوكو وإخوانه من أهل الطريقة الرومانية.» ~~إشارة إلى أن أساليب هذه ms149 الطريقة أول ما ظهرت في أدب الإنكليز والألمان، كما تقدم ~~بيانه، وعرف بعضهم الروماني؛ أي السالك نهج الطريقة الرومانية «بأنه رجل ابتدأ عقله ~~في الاختلال.» # فمن أمعن النظر في المبحث الأخير من تلك المقدمة وجده مطابقا لما ذكره أئمة البلاغة ~~والأدب في لسان العرب، كأبي بكر الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني وابن خلدون وأمثالهم، ~~ولا حاجة لإيراد أقوالهم في هذا الباب، فإنها معلومة ومحصلها وجوب نصرة المعنى على ~~اللفظ؛ لأن الألفاظ خدم المعاني، قال الباقلاني: «والشعر وإن ضيق نطاق القول فهو يجمع ~~حواشيه، ويضم أطرافه ونواحيه، فهو إذا تهذب في بابه، ووفى له جميع أسبابه، لم يقاربه من ~~كلام الآدميين كلام، ولم يعارضه من خطابهم خطاب.» وقول فيكتور هوكو: بأن الخاصة المميزة ~~لأدب الطريقة الرومانية عن غيره هي الجمع بين نموذج السخرية ونموذج الإعجاز بالفصاحة ~~أشبه بقول المتنبي: «وبضدها تتميز الأشياء»، ولعل السبب الذي حمل المتنبي والمعري على ~~ترك أساليب الجاهلية، والنسج على منوال جديد هو الذي ذكره فيكتور هوكو من أن أساليب ~~المتقدمين كانت معتبرة في بادئ أمرها، ثم باضطرادها على قياس واحد مراعاة للقوانين ثقلت ~~على السمع وملها الطبع، وسترى حقيقة ذلك في التعريف الآتي للطريقة الرومانية. # أما عدم تعرض فيكتور هوكو لأدب العرب كما تعرض لأدب الأمم الأوروبية ولأدب الفارسية ~~العذبة؛ فهو لجهله - سيما في ذاك التاريخ الذي ألف فيه مقدمته - بفصاحة العرب، وإعجاز ~~القرآن، وحضارة الإسلام، فإن التمدن العربي لم يدرس حق درسه ليومنا هذا. ولم يزل صاحبنا ~~المستشرق البودابستي العلامة كولدزير يحض المستشرقين من كل أمة على التعاون، والاشتراك ~~في تأليف دائرة للمعارف الإسلامية، فإن تم هذا المشروع وأنجزت ترجمة المهم من كتب ~~الأدب العربية ربما تيسر بعد ذلك للباحث الاطلاع على كنه العلوم والآداب الإسلامية، ولم ~~يزل المستشرقون يترجمون في الصوربون القرآن الكريم، وتفسير البيضاوي ترجمة صحيحة مدققة، ~~ولا يكملون في كل سنة أكثر من بضع صحائف، ولم يترجم من كلام المعري سوى وريقة فيها نحو ~~مائتي بيت نشرت بالألمانية في فيينا عاصمة النمسا سنة ms150 1888م، فهم يتقربون من فهم حقيقة ~~الأدب العربي رويدا رويدا. # وقد رأينا فيما تقدم أن صاحب أغاني رولان يعتقد بأن الإسلام فرع من عبادة الأصنام، ~~ويحسب أبولون من جملة أوثان المسلمين، ولو علم فولتير من أحوال الشرق ما يعلمه علماء ~~هذا العصر لاستحى من نفسه، ومزق الرواية التي حررها باسم «محمد النبي» - عليه السلام - ~~وقدمها للبابا بنوا الرابع عشر بعد أن سجد لديه وقبل قدميه. # 24 # ولما ذهب فيكتور هوكو لإسبانيا رأى آثار العرب في المباني والقصور ~~والقناطر، وقدرها حق قدرها ولكنه لم يفهم من الآيات والأبيات المنقوشة على جدرانها ~~أكثر مما نفهمه من أحرف الصين المنقوشة على البضائع الصينية، وسيما على علب الشاي. ولما ~~ظهر رينان وصار شيخ العلماء في عصره درس أدب العرب الأندلسيين من حيث الفلسفة، ولخص ما ~~حققه في كتاب سماه «ابن رشد»، فقام اليوم البارون قرادوفو معلم العربية في الأنستيتو ~~الكاثوليكية بباريس، ونشر كتابين أحدهما «ابن سينا»، والثاني «الغزالي»، ودرس في الأول ~~أدب العرب وفلسفتهم الشرقية، وفي الآخر علومهم الكلامية والإلهية، فالكتب الثلاثة ~~المذكورة من أحسن ما حرر في هذا الصدد، ولكن الموضوع محتاج إلى تعميق وتدقيق، ولا يتيسر ~~ذلك إلا بعد استخراج الكتب العربية وفهمها، وقد خبط رينان في بعض ما حرره عن الإسلام ~~خبط عشواء، وفتح لشارل ميزر وأمثاله بابا للاعتراض عليه، كما أن البارون الكاثوليكي ~~تعصب على ابن سينا والغزالي في ما حرره، ومع هذا قال رينان في الخطاب الذي نشره سنة ~~1883: «بأن أوروبا ظلت منحطة في العلم والأدب عن العالم الإسلامي وخاضعة فيهما إليه حتى ~~أوائل القرن الثالث عشر، وفيه أخذ العالم المسيحي يرقى درجات العلم والعمران، والعالم ~~الإسلامي يهبط في الدرك الأسفل من الجهل وانحطاط الحضارة، واندثرت علوم العرب بعد ما ~~لقحت جراثيم الحياة في جسم العالم اللاتيني الغربي، واستمر المترجمون من سنة 1130م إلى ~~سنة 1150 يترجمون في مدينة طليطلة كتب العلم من العربية إلى اللاتينية، وهم تحت حماية ~~الأسقف ريموند، وفي السنين الأولى من القرن الثالث عشر شرعت ms151 مدرسة باريس الكلية في ~~تدريس كتب ابن رشد أرسطوطاليس العرب، أما ارتحال البابا سيلفتر الثاني لطلب العلم في ~~إشبيلية؛ وإن كان مشكوكا فيه فقسطنطين الإفريقي علامة عصره لا شبهة في أخذه العلم عن ~~المسلمين.» ا.ه. # وقسطنطين الإفريقي الذي يذكره رينان ولد سنة 1015م في قرطاجنة، وبعد أن حصل علوم الطب ~~والحكمة صار كاتبا لأحد الأمراء، ثم دخل سلك الرهبنة في إيطاليا وأدخل فيها علوم ~~العرب، وله مجموعتان كبيرتان باللاتينية طبعتا في بال سنة 1539م. # ودام قول فيكتور هوكو هو المعول عليه في الطريقة الرومانية إلى أن اشتهرت الطريقة ~~الطبيعية (ناتوراليزم) في سنة 1860 على عهد الإمبراطورية الثانية، وقام أصحابها يناقشون ~~فيكتور هوكو وشيعته وينتقدون عليهم، على أن الرجل وإن ظهرت له معجزات في آيات البيان، ~~فهو ليس بنبي ولا تجب له العصمة عن الخطأ والنسيان، ومن هو الرجل الذي تحمد كل سجاياه؟ ~~ومن هو المبرأ من كل عيب؟ وكفاه نبلا أنه خطا في الأدب خطوة للأمام ومهد الطريق لمن ~~أتى بعده، ولولا ظهور الطريقة الرومانية لما ظهرت الطريقة الطبيعية، ولا حصل ارتقاء ~~ونهضة في الأدب، ثم إن مقدمة كرومويل وإن بحث فيها المؤلف عن تاريخ الأدب، وبيان الخاصة ~~المميزة لأدب الطريقة الرومانية عما سواه، فهي أحق بأن تكون تعريفا لنوع الدرام وحده، ~~وهو فن من فنون الشعر والأدب. # وأما التعريف الشامل لجميع ما حرر من فنون الأدب على نهج هذه الطريقة المستحدثة ~~منظوما كان أو منثورا، فهو ما يأتي: إذ من شرط التعريف أن يكون جامعا للأفراد مانعا ~~من دخول الأغيار فيه، ولا يكفي أن يكون منطبقا على فرد من الأفراد فقط. # وتعريف الطريقة الرومانية تعريفا جامعا مانعا ليس بالأمر السهل، ولا يتيسر إلا ~~بالنظر في الخواص الظاهرة والمشتركة بين جميع فنون الأدب المنسوجة على أساليب الطريقة ~~الرومانية والمنشأة في قوالبها. ~~(15) تعريف الطريقة الرومانية # الطريقة الرومانية هي أدب يبحث فيه عن مشاعر النفس وبدائع المخلوقات، وهذا الأدب من ~~قسم الشعر الموسيقي أو الغنائي الممتاز بخاصته الشخصية كما سبق تعريفه، وبيان ms152 الفرق ~~بينه وبين شعر الحماسة والدرام، فإذا نظرنا في أعراض النفس نجدها على نوعين أحدهما ~~أعراض قائمة بالنفس كالشعور بالحب والرجاء، والشعور بالبغض واليأس، والشعور بالفرح ~~والطرب والابتهاج، أو بالحزن والغم والانقباض ... والثاني انفعالات تحصل للنفس بواسطة ~~الحواس الخمس وهي البصر، والسمع، والذوق، والشم، واللمس، فهذه الحواس منها ما هو حائز ~~على الصفة التمثيلية للعالم كالبصر والسمع وهما بهذه الصفة آلات يبني الإنسان بها ~~العالم الخارجي الذي يحمل صورته في نفسه، ومنها ما لم يحز على هذه الصفة التمثيلية ~~بسهولة وبلا واسطة، كبعض الانفعالات العضلية وحاستي الشم والذوق عند أكثر الناس. # فأهل الطريقة الرومانية اكتفوا بالتعبير عن النوع الأول وعن القسم الأول فقط من النوع ~~الثاني، وصوروا بدائع المخلوقات بصور يخال منها للقارئ أنه يسمع ويرى، كما يتضح لمن ~~طالع وصفا من أوصاف فيكتور هوكو في مناظر الطبيعة وأصواتها، وفي بيان حنين النفس ~~وانفعالاتها، وتركوا التعبير عن القسم الثاني من النوع الثاني؛ أي عن الحواس التي لم ~~تحز الصفة التمثيلية لخلفائهم من المتأخرين، وهم أهل الطريقة الطبيعية الذين قادهم إميل ~~زولا، فصور هذا الإمام في الأدب حقيقة كل ما بحث فيه وتكلم عنه ومثله تمثيلا حقيقيا، ~~وعبر عن حاسة الشم بما كتبه عن الهال وهو سوق الخضر في باريس، وجعل القارئ يشم ما فيه ~~من روائح السمك والقديد، فضلا عما يسمعه من جلبة البائعين والمشترين، ويراه من السلع ~~والمركبات، وانهماك الغادي والبادي في الأخذ والعطاء. # ثم إذا نظرنا فيما حرره الشعراء والأدباء من أية أمة، وفي أي لسان نجد منهم من يتكلم ~~عن شعور وتصور، ومنهم الذين يقولون ما لا يفعلون، وينظمون قصائد الغزل والرثاء، وهم لا ~~يشعرون بشيء من الغرام أو التفجع، ويمدحون الممدوح قبل معرفته، ويصفون الحبيب قبل ~~مشاهدته، ويهيمون في ذكر الطلول والرسوم وفي التشبيه بالشمس والقمر والترشيح بكثرة ~~الرماد، وطول النجاد حتى يلتبس الأمر على السامع، فلا يدري هل القائل من أهل القرن ~~الرابع عشر للهجرة أم من الذين مضوا قبل البعثة، فمن شرط السالك نهج ms153 الطريقة الرومانية ~~أن يتكلم عن مشاهدة وتصور وشعور وإحساس وانفعال، وتأثر واعتقاد واقتناع، وإذا سمع ~~العامي شيئا من كلامه في الحب مثلا قال: هذا كلام عاشق محروق. # وإلى ذلك أشار ابن رشيق فيما نقل عنه من كتاب العمدة بأن من بواعث الشعر العشق ~~والانتشاء، ومن شروطه الخلوة واستجادة المكان المنظور فيه من المياه والأزهار، وكذا ~~المسموع من غناء البلابل وطنين الأوتار، فاهتمامنا بانفعالات الشاعر التي ليست ~~بانفعالاتنا، وبإحساسه الذي ليس بإحساسنا إنما هو لكوننا بشرا، والشاعر بشر مثلنا، ~~فبيننا وبينه مشاركة في الطبيعة وفي منبع الحس والانفعال، ويزيد الشاعر عنا باقتداره ~~على الإبانة عن المعاني الكامنة في نفسه ونفوسنا؛ لأن له سجية الشعر وملكة راسخة في ~~التعبير عن شعوره وإحساسه. ولعل هذا مقصد ابن خلدون في قوله: «المعاني موجودة عند كل ~~واحد، وفي طوع كل فكر منها ما يشاء ويرضى فلا يحتاج إلى صناعة، وتأليف الكلام للعبارة ~~عنها هو المحتاج للصناعة، فالذي في اللسان والنطق إنما هو الألفاظ، وأما المعاني فهي في ~~الضمائر.» قال الفيلسوف الألماني هيكل: «لا تكون شهوات النفس وعواطف القلب من معاني ~~الشعر إلا إذا كانت عامة، متينة، دائمة.» بحيث يكون الشعر المشتمل على شهوة من شهوات ~~النفس، أو عاطفة من عواطف القلب مؤثرا في كل من قرأه أو سمعه، ويكون هذا التأثير ~~دائما في جميع الأزمان مثل الإيلياذة والأوذيسة وماها بهاراته ورامايانا المؤلفة قبل ~~الميلاد بقرون كثيرة، ولا يكفي أن يكون الشعر مؤثرا على فرد أو أفراد معدودة في مجلس ~~أو مجالس محدودة، وقول امرئ القيس: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» يؤثر على جميع ~~الخبيرين بلسان العرب في عصرنا هذا وفي العصور الآتية، كما أثر على آبائنا الأولين في ~~العصور الحالية، فالكلام العالي المتين المنسوج على منوال الطريقة الرومانية هو الذي ~~تشخص فيه الإنسانية، وتأثيره على السامعين إنما هو من جهة عمومه وشموله في تصويره ما في ~~سويداء القلب من العشق والغرام والهموم والأحزان، وفي وصفه المناظر المبهجة التي في ~~الطبيعة، وبيان ما لها من ms154 الأشكال الغريبة البديعة، وفي استطلاعه حالة الإنسان وحظه من ~~هذا العالم على حد قول الشاعر العربي: # سبحان من قسم الحظوظ # فلا عتاب ولا ملامه # أعمى وأعشى ثم ذو # بصر وزرقاء اليمامة # فالسالك نهج الطريقة الرومانية لا يكتفي بقوله: لا عتاب ولا ملامه؛ بل يسأل في كل ~~موضع من كلامه من نحن؟ إلى أين ذاهبين؟ ويفكر في هذا السراج الذي يضيء فينا مدى العمر ~~ثم ينطفئ بالموت، وفي أمر هذه الحياة التي تجري كالسيل ثم تنقطع، فيستفهم عن هذه ~~الأنانية المختفية فينا وعن معنى «أنا»؟ ويقول: ما هو هذا الموت الذي يطفئ سراج العمر، ~~ويقطع مجرى الحياة؟ هل هو نهاية، أو وقفة، أو باب تمر به من برزخ لبرزخ؟ ماذا يوجد ~~وراء ذلك؟ والحاصل ما هو السبب؟ ما هو سبب «أنا» الموجود؟ ما هو سبب هذا العالم الذي ~~أعكسه في نفسي؟ فإن كان المفكر بما ذكر قادرا على تأليف شيء موافق لأساليب الطريقة ~~الرومانية، فهو يفتش عن هذا الشيء في خفقان قلبه، وفي مناظر الطبيعة. فأدب الطريقة ~~الرومانية تشف معانيه عن الخشية الحاصلة لأصحابه مما وراء الطبيعة، وهذه هي الخاصة ~~المميزة له والمظهرة لعظمته واعتلائه، وفي تصويره الإحساس الباطني، وتوصيفه مناظر ~~الطبيعة يعطي الإنسان فكرا عن الأمر الكلي ويرمز له عن المجهول. # فموضوع أدب الطريقة الرومانية هو مجموع هذه الانفعالات الشخصية المختصة بكل فرد من ~~أفراد الإنسان، وتلك الشروط الضرورية للمجتمع الإنساني، فهذا جل ما يبحث فيه السالكون ~~نهج الطريقة الرومانية، ويبقى عليهم ما ذكرناه في قواعد الطريقة المدرسية من تمام ~~النسبة بين أساس الفكر وشكل التعبير؛ أي فصاحة اللفظ وبلاغة المعنى، ووجود الموازنة بين ~~التخيل الشعري وبين التعقل، واتباع الصدق والحقيقة في الشعر. فأهل الطريقة الرومانية لا ~~يهتمون لا بالقواعد التي وضعها علم الروح (بسيكولوجي) ولا بالحقائق العلمية، وليس لهم ~~عناية لا بصناعة التفكر ولا بصناعة التعقل؛ وإنما دليلهم في النظم والنثر الإحساس، ~~بخلاف أهل الطريقة المدرسية فإن دليلهم في ذلك العقل والذوق السليم، وهذا ما جعل ~~لمؤلفاتهم التي ألفوها ms155 في القرن الثامن عشر، وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر ~~فائدة وقيمة وندرة، فالطريقة الرومانية تتميز عن الطريقة المدرسية بأمرين أحدهما نفي، ~~والثاني عكس قضية: # أما النفي فهو عبارة عن حذف القواعد التي أسست عليها المؤلفات الأدبية ونفيها عن ~~الأدب، وكانت هذه القواعد على ثلاثة أنواع: (1) تعريف كل من الفنون الأدبية على حدته ~~كالغزل والمدح والرثاء والهجاء ... إلخ والتفريق بينهما تفريقا لا اتصال فيه. (2) وضع ~~قواعد لكل فن من هذه الفنون من شأن هذه القواعد توحيد النموذج وتغليبه على جميع الأمزجة ~~المختلفة. (3) قواعد الذوق وهي التي تعين حدا للشاعر في اختيار أساليب التقليد، ~~وكيفيات التعبير وتحصر فكره. # وأما عكس القضية فهو عبارة عن العمل بضد ما عمل به أرباب الطريقة المدرسية، فأدب ~~القرن الثامن عشر في جميع أوروبا كان على أساليب أدباء الفرنساويين الذين نبغوا في عصر ~~لويس الرابع عشر؛ أي في القرن السابع عشر مثل قورنيل، وراسين، وبوالو، ومولير وهؤلاء ~~نسجوا على منوال المتقدمين من اليونان والرومان، واختاروا مواضيعهم من القرون القديمة، ~~كما هو الحال في رواية «استير» و«اتالي» و«اندروماق» إلخ. وأما أهل الطريقة الرومانية، ~~فاتخذوا مواضيعهم من القرون الوسطى والبلاد الأجنبية، وتاريخ النصرانية كما هو الحال في ~~رواية «فوست» و«كليوم تل» وجميع روايات فيكتور هوكو التمثيلية. # فالطريقة الرومانية وسعت أولا دائرة الأدب، أو بالحري نقلت هذه الدائرة من مركزها ~~لمركز آخر، ثم مزجت أساليب الفنون الأدبية من تراجيديا وكوميديا بعضها ببعض؛ فنشأ عن ~~ذلك تشويش في بادئ الأمر ثم ظهر من هذا التشويش ترتيب جديد، وجاء الأدباء بشعر موسيقي ~~وأدب مبهج وتاريخ حي، فالطريقة الرومانية أزالت تلك الأساليب المعينة المحدودة التي من ~~شأنها أن تمنع الشاعر من أن يتصرف فيها بفكره واختياره، كما أنها أزالت عن السبك ~~والإنشاء هاتيك العوائد الاستبدادية التي من خصائصها أن تصفي إلهامات الشاعر وترفع منها ~~الغرابة، فبتغييرها أساليب الفنون والقواعد والذوق واللغة والعروض، وضعت الأدب في قالب ~~غير معين، وساقت أدباء العصر الجديد للتحري بكل حرية على أساليب وقواعد وفنون جديدة، ~~فعثروا ms156 أول الأمر على قواعد الطريقة الطبيعية، وهم الآن شارعون في وضع قواعد للطريقة ~~الإنسانية، ويقربون بذلك إلى الكمال شيئا فشيئا، ويرقون معارج البلاغة درجة ~~فدرجة. # فإذا تأملنا كلام المعري ومن سلك مسلكه من الشعراء نجد فيه اهتماما زائدا بأمر ~~الآخرة وبما بعد الموت، وتفكرا عميقا في خلق السموات والأرض، ودهشة مقلقة وحيرة زائدة ~~وانفاعالا نفسانيا وإحساسا غريبا، فكان كلامه يدخل تحت التعريف المتقدم ذكره ~~للطريقة الرومانية، ولكن بسبب فقده حاسة البصر التي لها المكان في هذه الطريقة لم يتيسر ~~له وصف الطبيعة وصفا لائقا بها وبفصاحة لسانه، ولا حاجة لإيراد مثال من كلام المعري، ~~فإن كل كلمة من اللزوميات تشعر بهذه الدهشة والخشية والحيرة والانفعال والإحساس والتألم ~~ألما يهون معه الموت، ولا يحسب بجانبه مصيبة، وهذا بخلاف الجاحظ الذي يقول في أول كتاب ~~الحيوان: «جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة سببا، وبين ~~الصدق نسبا، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك ~~عز الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذل اليأس، وعرفك ما في الباطل من الذلة، ~~وما في الجهل من القلة.» فهو بعيد عن القلق والحيرة متثبت في الفكرة، وتأليف الكلام على ~~هذا النمط يسمى طريقة الجاحظ وهي مخالفة لطريقة السجع. # وقد تصدى ابن رشيق (390-469ه) لما تصدى إليه بوالو ووضع كتابا في قواعد الشعر سماه ~~«العمدة». قال ابن خلدون: «وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وأعطاها حقها، ولم يكتب ~~فيها أحد قبله ولا بعده مثله»، فليت شعري هل اطلع على شيء من مؤلفات اليونان في قواعد ~~الأدب والبيان، كالذي ألفه أرسطوطاليس، وترجم شيئا منه ابن رشد في القرن السادس ~~للهجرة، والذي ألفه البياني لونجين الحمصي، وترجمه بوالو للفرنساوية وسماه «رسالة ~~الإعجاز »، فإن أدباء العرب كان لهم عناية بالقواعد الأدبية باعتبار أنها من جملة المنطق ~~والفلسفة؛ وإن لم يعتنوا بأشعار اليونان ورواياتهم التمثيلية. وكان ابن رشيق في ~~القيروان فلما حدثت فيها الفتنة فر منها إلى جزيرة صقلية ونزل مدينة «ميزر»، ms157 وأقام بها ~~إلى أن توفي ودفن بمقبرتها. وكان الإفرنج مستولين على بعض الجزيرة والمسلمون في بعضها ~~الآخر، ولعل ذلك كان على عهد رجار الأول (روجر)، ونظن البعوض آذى ابن رشيق أيام فراره ~~ومحنته حتى قال: # يا رب لا أقوى على دفع الأذى # وبك استعنت على الضعيف الموذي # ما لي بعثت إلي ألف بعوضة # وبعثت واحدة إلى نمروذ # وله غير كتاب العمدة أيضا «الأنموذج» وكتاب «الشذوذ»، وهو جامع لشواذ اللغة و«قراضة ~~الذهب»، وقد تصدى لوضع قواعد الشعر وبيان أساليبه كما يفهم من القصيدة الآتية المفردة ~~له، وهي أشبه شيء بقصيدة بوالو التي جمعت فأوعت قال: # لعن الله صنعة الشعر ماذا # من صنوف الجهال منه لقينا # يؤثرون الغريب منه على ما # كان سهلا للسامعين متينا # ويرون المحال معنى صحيحا # وخسيس الكلام شيئا ثمينا # يجهلون الصواب منه ولا يد # رون للجهل أنهم يجهلونا # فهم عند من سوانا يلامو # ن وفي الحق عندنا يعذرونا # إنما الشعر ما يناسب في النظم # وإن كان في الصفات فنونا # فأتى بعضه يشاكل بعضا # وأقامت له الصدور المتونا # كل معنى أتاك منه على ما # تتمنى ولم يكن أو يكونا # فتناهى من البيان إلى أن # كاد حسنا يبين للناظرينا # فكأن الألفاظ منه وجوه # والمعاني ركبن فيها عيونا # فإذا ما مدحت بالشعر حرا # رمت فيه مذاهب المشتهينا # فجعلت النسيب سهلا قريبا # وجعلت المديح صدقا مبينا # وتعليت ما يهجن في السمع # وإن كان لفظه موزونا # وإذا ما عرضته بهجاء # عبت فيه مذاهب المرقبينا # فجعلت التصريح منه دواء # وجعلت التعريض داء دفينا # وإذا ما بكيت فيه على العا # دين يوما للبين والظاعنينا # حلت دون الأسى وذللت ما كا # ن من الدمع في العيون مصونا # ثم إن كنت عاتبا جئت بالوع # د وعيدا وبالصعوبة لينا # فتركت الذي عتبت عليه # حذرا آمنا عزيزا مهينا # وأصح القريض ما قارب النظم # وإن كان واضحا مستبينا # فإذا قيل أطمع الناس طرا # وإذا ريم أعجز المعجزينا # فذكر ابن رشيق من صنوف الشعر أو فنونه المدح، والنسيب، والهجاء بالتصريح أو ms158 بالتعريض، ~~والرثاء، وفرقة الأحباب، والعتاب بالوعد أو بالوعيد ... وذكر غيره من هذه الصنوف بكاء ~~الديار وأهلها، فقال: # وإذا بكيت به الديار وأهلها # أجريت للمحزون ماء شوونه # فبوالو ذكر هذه الأجناس أو الأنواع في قصيدته «صناعة الشعر»، وزاد عليها التراجيديا، ~~والكوميديا، والأيبوبة، وعرف كل نوع منها وجعل له أحكاما وقواعد كما مر، وتوسع في هذا ~~البحث حتى تألف من كلامه رسالة مطولة. ~~(16) مؤلفات فيكتور هوكو # طبعت مؤلفات فيكتور هوكو مرارا عديدة في قطع متفاوت في الصغر والكبر، ومنها ما هو ~~مزين بالتصاوير والرسوم البديعة ومنها ما هو على أجمل ورق تمكنت المعامل الأوروبية من ~~طبخه وصقله، وآخر طبعة طبعت للجمهور في أجزاء صغيرة الحجم (قطع 32) يقرب عددها من ~~ثلاثمائة جزء ثمن الجزء 25 سنتيما، وأواسط هذه الطبعات ما كان بالقطع المثمن في 48 ~~مجلدا ثمن المجلد عشرة فرنكات يضاف إليها اثنا عشر مجلدا طبعت بعد وفاة المؤلف، فيبلغ ~~بذلك عدد المؤلفات ستين مجلدا، منها 16 مجلدا في الشعر وهي: ~~(1) المدائح والمطربات. ~~(1) الشرقيات. أوراق الخريف. ~~(1) أغاني الشفق. الأصوات الداخلية. الأشعة والظلال. ~~(1) القصاص. (2) التأملات أي سانحات الفكر. ~~(4) سير الدهور. ~~(1) أغاني الشوارع والأحراج. (1) السنة المهولة. ~~(1) صناعة كون الإنسان جدا. ~~(1) البابا. الرحمة العالية. الأديان والدين. الحمار. ~~(1) رياح العقل الأربع. # ومنها خمسة مجلدات في الروايات التمثيلية المنظومة وتسمى «درام» وهي: ~~(1) هان الاسلاندي. ~~(1) كرومويل. ~~(1) إيرناني. ماريون دولورم. الملك تيسلي. ~~(1) لوكريس بورجيا. أنجلو. ماري تيدور. ~~(1) روى بلاس. أسميرالده. بورغراف. ~~(1) توركماده. امي روبار. # ومنها أربعة عشر مجلدا في القصص، وتسمى «رومان» وهي: ~~(1) هان الإسلاندي. ~~(1) بوغ جارغال. آخر يوم من أيام المحكوم عليه أو قلودكو. ~~(2) نوتردام دوباري أو كنيسة باريس الجامعة. ~~(5) البؤساء. ~~(2) المشتغلون في البحر وفي مقدمته أرخبيل بحر المانش. ~~(2) الإنسان الضاحك. ~~(1) ثلاث وتسعون. # ومنها ثلاثة مجلدات في التاريخ وهي: ~~(1) نابوليون الصغير. ~~(2) تاريخ جرم . # ومنها مجلدان في السياحة عنوانهما «نهر الرين». # ومنها مجلدان في الفلسفة أحدهما أدب وفلسفة، والآخر وليم شكسبير. # ومنها ستة مجلدات في الأقوال والأعمال وهي: ~~(1) قبل النفي. ~~(1) مدة النفي. ~~(1) بعد النفي. ~~(2) فيكتور هوكو تاريخه. # هذا ما سلمه ms159 الشاعر بعد التنقيح والتهذيب للطبع فنشر في حياته، وله مؤلفات أخرى جمعت ~~من التساويد التي سودها، والأوراق التي تركها، وطبعت بعد وفاته بغير تصحيح في اثني عشر ~~مجلدا، وهي: (1) الأشياء المرئية. (1) الله. (1) عاقبة الشيطان. (3) كل العود. ~~(1) المرسح الحر. (1) التوائم. (1) مراسلات الخطيبة. ~~(1) السياحة في فرنسا والبلجيك. (1) السياحة في جبل الألب وفي جبل البيرينة. ~~(1) السنون المشئومة. # فما ينشر بعد موت المؤلف يسمى Posthumes ~~، ويجوز فيه ~~التنقيح والتهذيب عند إعادة طبعه، والذي ينشر في حياة المؤلف يسمى # ne ~~Varietur # أي الذي لا يتغير ولا يجوز التبديل فيه بعد وفاة صاحبه، ~~ولا تحريف الكلم عن مواضعها، ولو وجد من يتحرى في أوراق فيكتور هوكو لربما تمكن من ~~استخراج مجلد أو مجلدين أيضا. كما جمعت أخيرا المكاتيب التي حررها العلامة رينان ~~لأمه وهو في المدرسة حديث السن وطبعت في مجلد. ولعل القارئ يستكثر عدد هذه المؤلفات ~~التي لا يجد الإنسان وقتا لمطالعتها فضلا عن تحريرها، وسبك إنشائها سيما ما يحتاج ~~منها لدقة وتلطف؛ كقرض الشعر ونظم الروايات التمثيلية، ولكن إذا تأمل في همة رجال العلم ~~والأدب، وإقدامهم زال استغرابه، وعلم أن ملكتهم رسخت في النظم والإنشاء حتى صار التحرير ~~طبيعة ثانية لهم كالكلام. وإنا نشاهد المبعوثين في مجلس نواب الأمة يتكلم الواحد منهم ~~الساعات الطوال بدون أن يتلعثم، ويضبط كلامه بالأصول المعروفة بالاستنوغرافيا، وينشر في ~~جرائد المساء فيملأ الأعمدة الكثيرة والصحائف الكبيرة. وقد بلغنا عن مبعوث في بلاد ~~المجر أنه تكلم في موضوع اثنتي عشرة ساعة، بحيث إنه بدأ في الصباح وبعد استراحة الظهر ~~عاد لموضوعه، وأكمل بحثه في اليوم الثاني، فتألف من كلامه مجلد ضخم، ولو قرأنا فهرست ~~الكتب التي ألفها الكندي، والرازي، وأصحاب المعاجم والتآليف الضخمة لوجدناها تقارب هذا ~~المقدار أو تزيد عليه، ورأينا فيما تقدم ما ألفه العرب في أفانين الأدب من المؤلفات ~~الكبيرة ككتاب الأيك والغصون للمعري ونحوه. على أن لفيكتور هوكو معينين في أعماله، ~~فتاريخ فيكتور هوكو في مجلدين حررته زوجته الشرعية الشاهدة على حياته، وكانت الممثلة ~~البارعة جوليت دروه ms160 تنسخ له وهو يملي عليها. وربما كتب له أيضا الشاعر أوغوست فاكيري، ~~وحرر ابنه فرانسوا من جزيرة كيرنزي لأحد أصحابه في فرنسا يقول: # نحن كلنا نشتغل، والدي يتمم نظم الحماسات الصغيرة، وشارل يصنف رومان، وأنا ~~أتحف فرنسا بشكسبير وأجتهد بأن أكون ترجمانا صادقا لهذه القريحة ~~الواسعة. # وفي الحقيقة أن فرانسوا هوكو ترجم مؤلفات شكسبير أحسن ترجمة، فطبعت في ثمانية عشر ~~مجلدا بعد أن عرضها على أبيه، واستكتبه عليها المقدمات والحواشي، فجميع المؤلفات كانت ~~تعرض على فيكتور هوكو، وبعضها يطبع باسمه؛ لأنه كان رأس هذه العصبة ومدير هذه الجمعية ~~المؤلفة من زوجته وصاحبته وأولاده وأصحابه، ولم يزل صغار الكتبة والشعراء في أوروبا ~~ينسبون مؤلفاتهم وأشعارهم إلى مشاهير الرجال ترويجا لها وإنفاقا لبضاعتهم في سوق ~~العلم والأدب. فإن المؤرخ الشهير الفرنساوي ميشله المستند في مؤلفاته على القصص ~~التاريخية، التي ألفها والترسقوت الإنكليزي نسب لنفسه في التاريخ الطبيعي الكتب الأربعة ~~التي عنوانها الطير، الحشرة، البحر، الجبل مع أن المحرر الحقيقي والمصنف لهذه الكتب ~~النفيسة على ما يقال هي زوجته المادام ميشله، وكانت من الفاضلات. ووجد المحققون في ~~تاريخ الكيمياء أن بعض كتبها القديمة حررها أصحابها في القرون الوسطى، وعزوها إلى جابر ~~وهرمس تقوية لسندها وإقناعا بصحتها، فانتحال الشعر أو الكتاب المصنف شائع بين الكتاب ~~والشعراء، وتارة يكون برضاء المؤلف الحقيقي، وتارة يكون بغير رضائه وهو السرقة. وقد ~~يكون السارق المنتحل أشعر وأقدر من صاحب الشعر والتصنيف، ولكن وقته لم يسمح له بالإتيان ~~بمثل ذاك المؤلف؛ ولذا اتهمت الأكاديمية فيكتور هوكو بسرقة القصيدة التي عرضها على لجنة ~~التحكيم والمسابقة، وسماها «فوائد المطالعة» ولم يعطوه الجائزة التي استحقها. # وكان يحدث أمثال ذلك في أيام العرب وفي حضارة الإسلام كما اتهم الحريري في مقاماته، ~~وكان قد عمل مقامة واحدة على مقامات البديع الهمذاني ، وعرضها على أنوشروان بن خالد بن ~~محمد وزير السلطان محمود السلجوقي، وكان الحريري خصيصا به، فأمره الوزير بإنشاء ~~المقامات وإتمامها فصنف أربعين مقامة، وأتى بها من البصرة محل تحصيله العلم إلى بغداد ~~ونزل ms161 في الحريم، وهي سرة العاصمة والمحلة المشتملة على دار الخلافة وقصور الأمراء ~~والأعيان، وكان ذلك في خلافة المقتدى بالله سابع وعشرين الخلفاء العباسيين، فاستحسن ~~الأدباء طرز المقامات، وحسدوه عليها واتهموه بسرقتها، ولما امتحن سد عليه ولم تجد ~~قريحته بشيء، وهو في الحريم وسط تلك العاصمة الكثيرة الزحام والجلبة فنفي إلى المشان، ~~قرية بقرب البصرة مشتملة على نخل وزرع، ولكن هواءها فاسد بسبب المستنقعات، وكان إذا غضب ~~على شخص نفي إليها، فألف الحريري في المشان عشر مقامات أخرى، وكملت مصنفاته خمسين مقامة ~~فقال فيه ابن جكينا يهجوه: # شيخ لنا من ربيعة الفرس # ينتف عثنونه من الهوس # أنطقه الله بالمشان وقد # ألجمه في الحريم بالخرس # وكان الحريري ينتسب إلى ربيعة الفرس وهي قبيلة من قبائل العرب على حدود فارس، وكان ~~أولع بنتف لحيته والعبث بها، ووعده أحد الأمراء يوما بولاية على شرط أن يترك نتف ~~لحيته، فامتثل برهة ولم يستطع الصبر، فقال: «أحب إلي أن تعاد لي الولاية على لحيتي من ~~كل ولاية.» ونشأ الحريري في مجمع العلماء والأدباء، وإليهم نسبت الأقوال الكثيرة في ~~النحو، فقيل: مذهب البصريين ومذهب الكوفيين وكانت ولادته في البصرة، وقيل: لا بل ولد ~~بالمشان المجاورة لها (446-515ه). وكانت السلطة والنفوذ في ذاك العصر للدولة السلجوقية ~~التي ظهرت في العراق العجمي، واتخذت مدينة الري عاصمة لها ويقال للمنسوب لها: الرازي ~~وقد صار علما على كثير من العلماء والفلاسفة، ولم تزل خرابات الري مشاهدة بظاهر طهران ~~عاصمة الدولة الإيرانية، ويقال لها عبد العظيم نسبة لأحد الأولياء المدفون فيها، وهناك ~~كان مقتل الشاه السابق، وسميت ملوك هذه الدولة السلجوقية بسلاجقة إيران تمييزا لهم عن ~~سلاجقة الروم الذين اتخذوا قونية عاصمة لهم، وعن سلاجقة كرمان الذين حكموا في الجنوب ~~الشرقي من بلاد العجم، وظهر في سلاجقة إيران 14 ملكا في ظرف 161 سنة، وأعظمهم ثالثهم ~~ملكشاه (445-447ه) ابن ألب أوسلان ويسمى أبا الفتح جلال الدين، وإليه ينسب التاريخ ~~الجلالي الذي وضعه عمر الخيام الأديب الفلكي الشهير، وكان وزيره نظام الملك صاحب ms162 ~~المدرسة النظامية في بغداد، فيفهم من ذلك أن ملوك هذه السلالة ووزراءها، وأمراءها كلهم ~~حريصون على تعزيز جانب العلم والأدب، ولا غرو أن أتى الأدباء في زمانهم بمثل المقامات ~~الحريرية، وألف كمال بك إمام الأدب في اللسان العثماني رواية بليغة سماها «جلال»، وجعل ~~لها مقدمة يعدها الأدباء من أبلغ ما حرر في اللسان العثماني على الأسلوب الجديد. # فيتضح مما سبق أن مؤلفات فيكتور هوكو على نوعين؛ منظوم ومنثور، وكل واحد منهما يشتمل ~~على فنون ومذاهب في الكلام، فالمنظوم منه ما هو شعر ويشتمل على فنون كثيرة مثل الأود ~~والبلاد والإيليجي ... إلخ ولكل منها عروض مخصوص، ومنه ما هو روايات تمثيلية تتلى على ~~المراسح كما يتلى النثر المرسل بغير التفات إلى أوزان النظم ولا قوافيه؛ أي بلا ترنم ~~ولا تطريب ولا تغريد ولا ترخيم في الصوت، ولا وقوف على القافية، ونظمت هذه الروايات ~~التمثيلية التي يقال لها درام على عروض البحر الإسكندري في الغالب، وهو المبني على اثني ~~عشر هجاء. # فإذا جرى التوقيع بالروايات الدراماتيقية على آلات الطرب، ولحن فيها على طريق الصناعة ~~الموسيقية سميت «أوبرة»؛ ولأجلها بنيت المراسح الكبيرة التي يقال لها أوبرة؛ كالأوبرة ~~الخديوية في القاهرة، والمرسح الذي بني في الأستانة، ثم احترق ولم يجدد بناؤه، ويقال ~~لأوبرة باريس أكاديمية الموسيقى؛ لأنها شعبة من شعب أكاديمية الصنائع النفيسة التي هي ~~في عداد الأكاديميات الخمس الشهيرة في باريس، ومثال ذلك أوبرة فوست التي صنف قصتها ~~الدراماتيقة الأديب الألماني كوته، ثم جاء الملحن الفرنساوي كونو ووفق ترجمة كلامها على ~~صناعة الألحان، وكذا رواية عائدة (آيده) التي وضعها على صناعة الألحان الملحن الشهير ~~الطلياني فردي، ثم نظمها بالفرنساوية أديبان من أدباء الفرنساويين، وأول ما مثلت هذه ~~الرواية الأخيرة في الأوبرة الخديوية بالقاهرة سنة 1871، ثم مثلت في باريس على المرسح ~~الطلياني سنة 1876، وتمثل اليوم على جميع المراسح الفرنساوية في العاصمة والإيالات، وفي ~~أكثر المدن الأوروبية ولعل هذه الرواية هي التي ترجمت للعربية باسم «عائدة». # فالأوبرة هي تأليف دراماتيقي اجتمع فيه الشعر والموسيقى؛ ولذا ms163 فهي تشتمل على أوزان ~~العروض وأنغام المزامير وأقاويل الشعر؛ أي ما فيه من التشبيه والتخييل، فإن دخل في ~~الأوبرة مع الكلام المنظوم كلام منثور أيضا سميت أوبرة «كوميك كرواية كرمن»، وإن لم ~~يكن موضوع الرواية دراما؛ أي فاجعة، بل كان كوميديا مضحكة سميت «بوف» و«بوفون» ~~و«أوبيريت» تصغير أوبرة. واجتهد بعض الأدباء الترك في التأليف بين الشعر والموسيقى في ~~اللسان العثماني، فترجموا رواية كرمن نظما للتركية، وشخصوها مع الأنغام الموسيقية على ~~المراسح المتخذة من الأخشاب في محلة أقسراي، وفي متنزهات ضواحي الأستانة، ومع أن ~~مشروعهم ابتدائي فالتمثيل كان لا بأس به رغما عن حداثة نشأته، فلو حصلت عناية في تنشيط ~~هذا المشروع بقوة المال، وهمة الرجال لنجح ولا شك باللغة التركية، وباللغة العربية ~~أيضا. فإن دوائر البلدية في مدن أوروبا الثانوية فضلا عن العواصم تنفق النفقات ~~الباهظة في كل سنة لإعانة المراسح؛ لأن ما يجمع من أجرة الدخولية لا يكفي لتحسين ~~المراسح إلى الدرجة التي بلغتها مراسح أوروبا، وكان لعلماء العرب وفلاسفتهم المتقدمين ~~اهتمام بعلم الموسيقى، وللفارابي فيه اليد الطولى ومما ألفه كتاب الموسيقى الكبير، ونقل ~~صاحب الأرز في ما نشره من الأزجال والموشحات عبارة عن ابن رشد وردت له في تلخيصه كتاب ~~أرسطوطاليس في الشعر الذي طبعه المستشرق فوستو لازينو في مدينة فلورنسه سنة 1873 قال ~~ابن رشد: «المحاكاة في الأقاويل الشعرية تكون من قبل ثلاثة أشياء، من قبل النغم المتفقة ~~ومن قبل الوزن ومن قبل التشبيه نفسه. وهذه قد يوجد كل واحد منها مفردا عند صاحبه مثل ~~وجود النغم في المزامير والوزن في الرقص والمحاكاة في اللفظ، أعني الأقاويل المخيلة ~~الغير الموزونة، وقد تجتمع هذه الثلاثة بأسرها مثل ما يوجد عندنا في النوع الذي يسمى ~~الموشحات والأزجال، وهي الأشعار التي استنبطها في هذا اللسان أهل هذه الجزيرة؛ أي ~~الأندلس » ا.ه. ولا شبهة في أن أعاريض الموشحات والأزجال من أنسب العروض لنظم روايات ~~الأوبرة لسهولة التوقيع بها على آلات الطرب بخلاف البحور الستة عشر في العربية، أو ~~البحور الثمانية عشر ms164 بالفارسية والتركية، ولا نطيل الكلام في هذا المبحث، فإن أهله أولى ~~بالبحث فيه والتفتيش عن دقائقه وخوافيه ونعود للصدد الذي كنا فيه. # وأما النثر الذي ألفه فيكتور هوكو، فكله من قبيل المرسل وهو الذي يطلق فيه الكلام ~~إطلاقا، ولا يقطع أجزاء بل يرسل إرسالا من غير تقييد بقافية ولا غيرها، وليس عند ~~الإفرنج سجع، وهذا المنثور على أقسام وفنون شتى منها القصص التي يقال لها «رومان» وهي ~~ما صور فيها مؤلفها غرائب الوقعات، وعجائب الاتفاقات، واستلفت نظر القارئ أو السامع ~~بمفترياته واختلاقاته وتخيلاته البديعة، وسميت هذه القصص رومان أو رومانس باسم اللغة ~~القديمة التي كتب فيها رومان رولان، وأمثالها من القصص والحكايات المنظومة والمنثورة ~~والرومانات على أقسام كثيرة منها الرومان التاريخي والغرامي، أو الإحساسي والروحاني ~~والفني والسياسي إلخ، ومن منثور فيكتور هوكو أيضا التاريخ والسياحة والفلسفة والأقوال ~~والأعمال والرسائل والخطب والسياسات وغير ذلك. ~~(17) نظم فيكتور هوكو # قرض فيكتور هوكو الشعر في أعاريض مختلفة، منه ما هو على وزن البحر الإسكندري المنسوب ~~لأحد الشعراء اليونانيين، أو المدينة الإسكندرية التي زهت فيها العلوم والمعارف والآداب ~~اليونانية على عهد البطالسة. ويتألف عروض البحر الإسكندري من اثني عشر هجاء إذا كانت ~~القافية مذكرة، ومن ثلاثة عشر إذا كانت مؤنثة، ويقسم كل بيت إلى شطرين بوقفة # Césure # تأتي بعد الهجاء السادس المساواة للشطرين، والنظم ~~في هذا البحر صعب يحتاج إلى نفس عال وتلطف كثير ومهارة زائدة، وبه تظهر قوة الشاعر ~~واقتداره على التصرف في الكلام؛ ولذا اختص بالمواضيع الجدية العالية لقصائد الحماسة ~~وروايات الفاجعة. واختاره فيكتور هوكو لنظم روايات الدرام التمثيلية المذكورة في الكتب ~~الخمسة المتقدم بيانها ولنظم غيرها من الأشعار الحماسية والتاريخية، ولكنه غير فيه ~~كثيرا ولم يراع الوقوف على الهجاء السادس بل قسم البيت إلى شطرين غير متساويين، وجوز ~~تكميل معنى البيت الأول بألفاظ من البيت الثاني، مع أن العرب يشترطون أن يكون كل بيت من ~~أبيات الشعر تاما في بابه مستقلا في معناه، ويمكن تشبيه البحر الإسكندري بالبحور ~~العربية الستة عشر، أو ms165 البحور الفارسية الثمانية عشر. # ومن شعر فيكتور هوكو ما هو على أوزان متخالفة متألفة من ستة أو ثمانية أو عشرة هجاءات ~~نظمت أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا، وجعل لها أدوارا ولازمات على نسق ما استحدثه ~~الأندلسيون، وبقية شعراء العرب المتأخرين من الموشحات والأزجال، وهي أسهل طريقة وأقرب ~~تناولا من البحر الإسكندري كما أن الموشحات والأزجال العربية أسهل من بقية البحور، ~~ولها عند الإفرنج أسماء بحسب أجناسها مثل أود وبالاد وروندو وإيليجي إلخ، ولها أدوار ~~تسمى قوبله وستروف ولها أيضا لازمات # refrain # إلخ. ~~واقتبس الفرنساويون هذه الأعاريض من شعراء تروبادور تلقوها عن عرب الأندلس، كما أخذوا ~~عنهم علو القوافي، فإن شعراء الإفرنج على الإطلاق لم يكن لهم معرفة بالقوافي، وإنما ~~كانوا يعتاضون عنها في أشعارهم بما يسمونه «أسونانس»، وهو شبه القرادي والعتابي كما مر ~~ذكره، ومثلنا فيما سبق للقافية بكلمتي «ساج» و«باج»، ولما يسمونه أسونانس بكلمتي «ساج» ~~و«ترم». والإفرنج لا يلتزمون في القصيدة أو المنظومة قافية واحدة أو رويا واحدا كما ~~يفعل العرب، ففيكتور هوكو لم يلتفت كثيرا لأوزان العروض التي نظم فيه من تقدم عليه من ~~الشعراء، بل تساهل جدا في جانب الألفاظ واستحدث من عند نفسه أنواعا جديدة، ووضع هذه ~~القاعدة، وهي «أن الشعر ليس في قوالب المعاني، وإنما هو في المعاني نفسها، فالشعر هو ~~الأمر الباطني لكل شيء في الوجود.» # فهذه القاعدة ليست مجهولة بالتمام عند أدباء العرب، ولعل ابن رشد أشار إليها في ~~العبارة السابقة بقوله عن المحاكاة في اللفظ: «أعني الأقاويل المخيلة الغير الموزونة.» ~~وحكي عن حسان بن ثابت حينما أتاه ابنه عبد الرحمن وهو صبي يبكي، ويقول: لسعني ~~طائر. # فقال حسان: صفه يا بني. # فقال: كأنه ملتف في بردي حبرة، وكأن لسعه زنبور. # فقال حسان: قال ابني الشعر ورب الكعبة. # فمقصود الصبي أن الطائر الذي لسعه يشبه في أجنحته وشكله المنقش العجيب الشخص الملتف ~~برداء موشى ومصبغ، وقول حسان حجة على أن الشعر لا ينحصر في الكلام المقفى الموزون، ~~وإنما حقيقة الشعر في المعاني والتخيل، وفيما ms166 يحدثه على النفس من التأثير، ولكن درج ~~تعريف الشعر على الألسنة بأنه كلام مقفى موزون، وسبق لنا ذكر تعريف ابن خلدون للشعر ~~بأنه «الكلام البليغ المبني على الاستعارة أو الأوصاف، المفصل أجزاء متفقة في الوزن ~~والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب ~~المخصوصة.» وعلى هذا التعريف يكون كلام المتنبي والمعري ليس من الشعر في شيء. وقال أبو ~~الفداء عن المعري: «وطبق الأرض ذكره ... وأكثر مصنفاته ركيكة فهجرت لذلك.» والصحيح أن ~~كلا منهما إمام مجدد في الأدب خرجا بالكلام عن تلك القيود المدرسية، وأطلقا للقريحة ~~عنان الحرية، وكان النوع المعروف بين الأدباء هو نوع القصيد، وله أساليب معروفة عندهم ~~تختص بمطلع القصيدة، وبيت التخلص والختام وذكر الأطلال والرسوم والراحلة والسفر، ~~فالمعري والمتنبي خرجا عن هذه الأساليب، ولكنهما أفرطا في إيراد التشابيه الغامضة، ~~والألفاظ اللغوية واحتاج شعرهما إلى شرح طويل وتفسير، ثم صار هو أيضا شعرا مدرسيا ~~بسبب نسج المتأخرين على منواله، وتهافتهم على التشابيه الغامضة. وقال فيكتور هوكو في ~~كتابه المسمى أدب وفلسفة: # لا يكفي أن يكون للشعر قالب حسن للألفاظ، بل يلزم أن يحتوي على معنى، أو ~~تشبيه أو إحساس؛ ليكون له رائحة ولون وطعم، تسعى النحلة في بناء الواجهات الست ~~لبيوتها من الشمع، ثم تملأها بالعسل، فهذه البيوت أو الخلايا هي أبيات الشعر، ~~والعسل هو الشعر ا.ه. # فشبه الشعر بالشهد وهو العسل في شمعه، وبالخمر أيضا ولها أوصاف ثلاثة: رائحة تفوح ~~منها كما يفوح المسك، وتسمى باصطلاحهم «بوكه»، ولون كأنه ياقوتة سيالة أو صفراء فاقع ~~لونها، وطعم يعرفه أهل الذوق كما تعرف طعوم المآكل، ويميزون فيه بين الحسن والأحسن ~~والضار والنافع والأنفع. ورأيت في أهل الذوق من رسخت لهم ملكة حتى أصبحوا يعرفون الخمر ~~من أي كرم وقرية، ومن محصول أي سنة بمجرد معاينة أوصافها الثلاثة بالحواس الثلاث حاسة ~~البصر، وحاسة الشم، وحاسة الذوق. وتشبيه الشعر بالخمر والعسل معروف عند العرب، ويقولون ~~فلان من أهل الذوق في الكلام وتقول العامة «كلام ms167 بلا طعم». ومما يؤيد أن الشعر في ~~المعاني قول أبي محمد الخازن من أدباء أصفهان، وكان ينتسب للصاحب بن عباد ويراسل أبا ~~بكر الخوارزمي قال: # لا يحسن الشعر ما لم يسترق له # حر الكلام وتستخدم له الفكر # انظر تجد صورة الأشعار واحدة # وإنما لمعان تعشق الصور # ثم إن تقسيم الشعر عند الإفرنج إلى أود وبالاد وإيليجي ... إلخ، هو تقسيم باعتبار الشكل ~~الخارجي؛ أي باعتبار قوالب الألفاظ وبحور العروض والأدوار ... إلخ. وأما باعتبار المعنى، ~~فيقسم إلى ثلاثة أقسام غرامي وحماسي ودرامي؛ فالغرامي؛ ويسمى الموسيقي أيضا؛ لأن الأصل ~~فيه الإنشاد على نغمات الأوتار؛ هو كل شعر أعرب عن الحواس الشخصية، فمؤلفه يبين فيه ~~إحساسه وعواطفه وحبه وبغضه وشقاءه وسعادته، فإذا جرى التوقيع به على آلات الطرب كان أشد ~~وقعا وتأثيرا على النفوس، والشعر الحماسي هو ما وصف به شجاعة الشجعان، وذبهم عن ~~الحريم والأوطان وفيه أحاديث الشهامة والغيرة والحمية فهو بهذه الصفة تاريخي، والدرام ~~هو ما صور فيه الحياة الإنسانية وتقدم تفصيل الكلام عليه. # فالأود والبالاد والأيليجي ... إلخ يقابلها في العربية المدح، والغزل والرثاء ... إلخ غير ~~أن هذه الأقسام في العربية من الأقسام المعنوية، وأما عند الفرنساويين فهي من الأقسام ~~اللفظية التي لكل منها عروض مخصوص وشكل معروف. ومن هذه الأقسام اللفظية أيضا الشعر ~~الفاجع؛ وهو ما صور فيه الشاعر حادثة مهمة من شأنها تهييج العواطف، وتحريك الغضب ~~واستجلاب الشفقة والرحمة، وتنتهي الرواية الفاجعة في الغالب بمصيبة. فروايات المتقدمين ~~التي على هذا الطراز تسمى تراجيديا، وروايات أصحاب الطريقة الرومانية التي على أسلوبها ~~تسمى درام. # وأما الكوميديا فهي مصورة لأخلاق الهيئة الاجتماعية بمساويهم ومعايبهم بصورة هزلية ~~مضحكة، كروايات مولير ومنها رواية تارتوف وهي مترجمة للتركية، ومنشورة في مطبعة أبو ~~الضياء، وأشعار الهجاء عند الإفرنج تشتمل على الهجو والذم والانتقاد والتعريض ~~والاستهزاء ، وخلط الجد بالهزل ونحو ذلك. # ومن أنواع الشعر عندهم أيضا الشعر البدوي المصور لأخلاق البدو والرعاة، وهم في ~~البادية والجبال، ولقد أحسن لبيد بن ربيعة العامري في تصوير أخلاق البادية والمعيشة ~~البدوية ms168 قبل الإسلام، وديوانه مطبوع في فينا عاصمة النمسا. # ومن الشعر ما تقص فيه الحكايات، وتضرب الأمثال على ألسنة الحيوانات كحكايات ~~لافونتين، ومنه أيضا الشعر الذي على نهج الرسائل والمكاتيب ... وله أمثال عند العرب، ومن ~~شعراء دمشق المتأخرين من نظم حجة شرعية بجميع ما يلزمها من القيود والشروط. # وجل مهارة فيكتور هوكو في الشعر الغرامي أو الموسيقي المعرب عن الإحساس الشخصي، ~~ولشعره نغمة مطربة وقواف عامرة، وألحان تحن لها القلوب وترتاح لسماعها النفوس، وهو ~~الذي أوجد عند الفرنساويين الهجو الموسيقي في المنظومات التي هجا بها نابوليون الثالث، ~~ولم تزل هذه الأنغام والقوافي والألحان هي الباعثة على رواج أشعاره وإقبال الجمهور ~~عليها. # وكما أن فيكتور هوكو غير أفاعيل الشعر وتفاعيله، وأصلح عروضه على المثال المشار ~~إليه آنفا، أصلح كذلك ألفاظ الشعر ومعانيه، وأبطل جميع اصطلاحات الأدباء؛ أي الأساليب ~~والتعبيرات المصطلح عليها بينهم، والتي لا يفهمها إلا أهل الغوص على المعاني وهم خواص ~~الناس، وقال بأن جميع الألفاظ سواء، لا فرق فيها بين اللفظ الذي وقع اختيار الآدباء ~~عليه، وبين اللفظ الذي رفضوه وقالوا عنه: سوقي مبتذل، وجوز للكتبة والشعراء الأخذ بكل ~~واحد من نوعي الألفاظ المختارة والسوقية، واستعمالهما بلا فرق في النظم والنثر # 25 # على شرط توافقهما لقواعد النحو والصرف. وأبطل أيضا ما كان يستعمله الأدباء ~~في كلامهم من المقدمات والدوارات، التي من شأنها تغطية المعنى، والتثقيل عليه وكذا ~~التعبيرات العمومية والإجمالية التي يتلاشى بها المعنى، ويستبهم كما يفعل أدباء العرب ~~في خطبة الكتاب المصنف وفي مقدمته، ولم يرض من جميع ذلك إلا بالتعبير الأصلي، والمعنى ~~الحقيقي الدال على خصوصية الموضوع؛ لأن الغرض من تأليف الكلمات وتصنيف الكلام إنما هو ~~تشخيص الموضوع وبيان مزيته وغرابته، فلا حاجة للاستعارة ولا للمعنى المجازي، ويقوم مقام ~~الاستعارة التشبيه، أو التخيل الذي هو نوع من الإحساس لا التشبيه والتخييل المستفاد من ~~طرز الكتابة، فالواجب على الكاتب أن لا يشغل نفسه بالاستعارات وأنواع البديع، وأن لا ~~يتصنع ولا يتعمل في الكلام، بل ينبغي له أن يهتم ببيان ms169 الموضوع الذي هو فيه، وإيضاحه ~~ووصفه بالأوصاف السديدة المظهرة له ظهور الشمس في رابعة النهار، ويوضح انفعالاته ~~النفيسة في ذاك الموضوع؛ ليكون أشد تأثيرا على السامع، فتأثير الكلام يكون من جهة ~~الانفعال النفسي والتصوير الطبيعي لا من جهة الاستعارات. # غير أن فيكتور هوكو وأهل طريقته لم يمنعوا أنفسهم من استعمال الاستعارات المدرسية، ~~والتعبيرات المصنعة لرسوخ ملكتهم فيها، ومن الاستعارات التي وردت لفيكتور هوكو على ~~الطراز القديم قوله: «نجوم المركبة»، ويريد المصابيح التي تنار بها المركبات ليلا ~~وتظهر عن بعد كالنجوم. # فأدباء العرب قالوا: بأن جل محاسن الكلام إن لم تكن كلها متفرعة عن التشبيه والتمثيل ~~والاستعارة والكناية، وجعلوها أقطابا تدور عليها المعاني؛ ولذا تجد غزلهم مثلا يدور ~~دائما حول التفنن في تشبيه القدود بالأغصان، والنهود بالرمان، والخدود بالورد ~~والجلنار، والعيون بالنرجس ونحو ذلك، على حد قول الشاعر: # قلبي على قدك الممشوق بالهيف # طير على الغصن أم همز على الألف # وهل سويداؤه خال بخدك أم # خويدم أسود في الروضة الأنف # وهي قصيدة غراء من كتاب ريحانة الألباء المطبوع في بولاق، والمراد تشبيه قد المعشوق ~~بالغصن أو بالألف، وقلب العاشق بالطير أو بالهمزة، وفي البيت الثاني تشبيه سويداء ~~القلب، وهي الجنة السوداء التي فيه بالخال الذي على خد المحبوب، وتشبيه الخال بالخادم ~~الصغير الأسود، وهو في الروضة؛ لأن جسد الحبيب في اصطلاحهم بستان فيه جميع الأزهار ~~والفواكه والأشجار والأنهار والتلال والوهاد والأغوار والأنجاد؛ فكأن جميع المخلوقات ~~الطبيعية تتشخص في هذا الجسد، فجميع أشعارهم في الغزل، وجميع تفنناتهم فيه يدور ويرجع ~~لأصل واحد، وأحسن مثال له القصيدة الآتية: # نالت على يدها ما لم تنله يدي # نقشا على معصم أوهت به جلدي # كأنه طرق نمل في أناملها # أو روضة رصعتها السحب بالبرد # خافت على يدها من نبل مقلتها # فألبست زندها درعا من الزرد # مدت مواشطها في كفها شركا # تصيد قلبي به من داخل الجسد # وقوس حاجبها من كل ناحية # ونبل مقلتها ترمي به كبدي # وعقرب الصدغ قد بانت زبانته # وناعس الطرف يقظان على الرصد ms170 # إن كان في جلنار الخد من عجب # فالصدر يطرح رمانا لمن يرد # وخصرها ناحل مثني على كفل # مرجرج قد حكى الأحزان في الخلد # إنسية لو رأتها الشمس ما طلعت # من بعد رؤيتها يوما على أحد # سألتها الوصل قالت أنت تعرفنا # من رام منا وصالا مات بالكمد # وكم لنا عاشق في الحب مات جوى # من الغرام ولم يبد ولم يعد # فقلت أستغفر الرحمن من زلل # إن المحب قتيل الصبر والجلد # وخلفتني طريحا وهي قائلة # ما تنظرون فعال الظبي بالأسد # قالت: لطيف خيال زارني ومضى # بالله صفه ولا تنقص ولا تزد # فقال: خلفته لو مات من ظمأ # وقلت: قف عن ورود الماء لم يرد # قالت: صدقت الوفا في الحب شيمته # يا برد ذاك الذي قالت على كبدي # واسترجعت سألت عني فقيل لها: # ما فيه من رمق دقت يدا بيد # وأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت # وردا وعضدت على العناب بالبرد # ونشدت بلسان الحال قائلة # من غير كره ولا مطل ولا مدر # والله ما حزنت أخت لفقد أخ # حزني عليه ولا أم ولا ولد # فأسرعت وأتت تجري على عجل # فعند رؤيتها لم أستطع جلدي # وأغمرتني بفضل من عواطفها # فعادت الروح بعد الموت للجسد # هم يحسدوني على موتي فوا أسفي # حتى على الموت لا أخلو من الحسد # فهذه القصيدة اشتملت على كثير من التشابيه وعلى شيء قليل من المعاني، وعلى شيء أقل من ~~الإحساس، فشبه النقش الذي تنقشه الماشطة على يد العروس بطرق النمل، وهم ذاهبون لمساكنهم ~~قطارا بجانب قطار، وبالبرد النازل على روضة البقل وبدرع الزرد، وبشرك الصيد؛ أي شبكته، ~~وشبه الحاجب بالقوس، والأهداب بالنبل، والكبد بالهدف، وشبه الشعر الأسود على الصدغ ~~بالعقرب وطرفه الملوي بالزبانة، وزبانتا العقرب قرناها، وشبه الخد بالجلنار وهو زهر ~~الرمان وبالورد أيضا والثدي بالرمان، وشبه نفسه بالأسد، وشبهها هي بالشمس والظبي، وشبه ~~دموعها باللؤلؤ وعينيها بالنرجس وأناملها المصبوغة بالحنا الأحمر بالعناب وأسنانها ~~بالبرد، وردفها بالحزن وهو ما غلظ وارتفع من الأرض، ويسمى الرابية والكثيب ~~أيضا. # وأما المعاني التي في ms171 هذه القصيدة فهي سؤاله الوصل وجوابها بالرد، وصبره وجلده على ~~البعد ووفاه في الحب حتى لم يبق فيه رمق، فشفقت عليه وبكت وحزنت حزن الأخت لفقد أخيها ~~والأم على ولدها، وأتت إليه تجري على عجل، وتعطفت عليه وأنعشته فحسده العوازل. # فأدباء العرب يستعذبون هذا الكلام المصنع المرصع، كما يستحسنون النقش على اليد والصبغ ~~الأحمر على البنان، والفرق بين اليد البيضاء الطبيعية والأنامل المنظفة بالمبرد والمقص ~~وبقية آلات التنظيف، وبين اليد المنقوش عليها نقشا وحشيا والأنامل المخضبة بالحناء ~~لا يخفى على أهل النظر والذوق، والأمم المتوحشة لا يستحلون العرائس إلا إذا كثر على ~~أجسادهن النقش والوشم، وشرحت خدودهن وكسرت أسنانهن ليحصل فيها الفلج، وثقبت أنوفهن ~~وشفاههن وآذانهن ليعلق فيها الأقراط والحلقات فهم يبدلون خلقة الله بما يرونه حسنا ~~بحسب أذواقهم. وكذلك الأدباء يعدلون بالكلام عن السوق الطبيعي إلى تلك التشابيه ~~والاستعارات، وإذا نظرت إلى مدحهم رأيته أيضا يدور حول طول النجاد، وكثرة الرماد ~~كقوله: # طويل النجاد رفيع العماد # كثير الرماد إذا ما شتى # فهذا البيت يليق مدحا حقيقيا بشيخ قبيلة بدوية، أو بملك أمة متوحشة من أمم أواسط ~~أفريقيا لا في كل ممدوح؛ وإذا مدح به ملك أمة لها حظ من الحضارة ينقلب المدح ذما، ~~وهكذا يقال في بقية فنون الكلام وضروبه مثل الهجاء، والرثاء، والاستماحة، والشفاعة، ~~والشكر، والاستعطاف، والافتخار، وبث الشكوى، والمواعظ، والحجج لا سيما الوصف وهو أعمها ~~وأكثرها ضروبا، فإن كل فن من هذه الفنون يدور حول تشابيه معلومة، وأساليب مدرسية يندر ~~فيها الإحساس الشخصي، والإنفعال النفسي؛ وإنما هي تقاليد يتبع فيها الخلف السلف. # ففيكتور هوكو، وأهل طريقته لا يرون شيئا من الحسن في هذه التشابيه والاستعارات ~~المدرسية، ولا يستعذبون معنى من تلك المعاني التي ليست بطبيعية؛ بل يجدونها من المعاني ~~السخيفة الغير المعقولة، خرج بها أصحابها عن الذوق السليم وعن دائرة الطبيعة، وشوهوا ~~وجه الكلام بتلك الاستعارات كما سخموا وجه العروس وبدنها بالنقش والوشم والصبغ، ثم ~~جاءوا يقولون: «نالت على يدها ما لم تنله يدي»، ورأينا في معرض ms172 بارنوم الذي يطوف به ~~صاحبه مدن العالم القديم والجديد شخصا من المتوحشين وشم جميع بدنه فكان يتجلى أمام ~~الناظرين، كأنه لابس ثوبا مبرقشا، والوشم هو أن يغرز الجسد بإبرة ثم يذر عليها النئور ~~وهو النيلج (نبات النيلة)، وفي الحديث: لعن الله الواشمة والمستوشمة. # المدائح والمطربات # هو أول ديوان نشره فيكتور هوكو في الشعر، وافتتحه بمقدمات نثرية بليغة ترجمنا ~~إحداها لمناسبتها المقام، ومنها يعلم أن تعبيرنا عن الأود والبالاد بالمدائح ~~والمطربات فيه تساهل؛ لأن قصائد هذا الديوان لا تقتصر على المدح والغزل، بل فيها ~~أيضا الرثاء والهجاء ممزوجة بعضها ببعض. # قال فيكتور هوكو: # هذا ديوان في الشعر الموسيقي (الغرامي)، فيه نوعان من أفانين الشعر ~~أحدهما «أود» ويدخل تحته جميع المنظومات المشتملة على إلهامات دينية أو ~~مطالعات قديمة، أو المترجمة عن واقعة عصرية، أو عن تأثر شخصي. والثاني ~~«بالاد» وهو نوع مخالف للفرع المتقدم، ومنظوماته إنما هي مسودات فن هوائي، ~~وهي عبارة عن ألواح مصورة وخيالات وأحلام ومناظر بديعة، وحكايات دارجة ~~وأحاديث خرافة وأساطير ووسوسة، والقصد من نظمها إعطاء فكر عن ماهية الأشعار ~~والقصائد التي نظمها في القرون الوسطى شعراء التروبادور المتقدمون الذين هم ~~رواة الشعر في عالم النصرانية. وكانوا لا يملكون من الدنيا إلا السيف ~~والرباب، ويطوفون على الأمراء في قلاعهم وقصورهم، ويتضيفون على موائدهم ~~وينشدونهم الأشعار استجداء لإحسانهم. ولو لم يكن في التعبير فخفخة لقال ~~المؤلف: بأنه وضع روحه في الأود وتخيله في البالاد، على أنه لا يعبأ بتقسيم ~~الشعر إلى أنواع وأفانين، ولا بتصنيفه أصنافا متباينة؛ لأن حقيقة الشعر ~~واحدة مهما اختلفت عروضه وأدواره؛ ولذا فهو لا يبالي باعتراض من يزعم أن ما ~~ورد في هذا الكتاب ليس هو في شيء من الأود ولا من البالاد - كما قيل عن شعر ~~المتنبي والمعري؛ لأنهما لم ينسجا على منوال شعر الجاهلية، ولا حافظا على ~~الأساليب القديمة - فدعهم يقولون ما يشاءون ويسمونها بما يشتهون من ~~الأسماء. # فإن العبرة للمسمى لا للاسم، ونسمعهم يتشدقون كل يوم بصلاحية الفن ~~الفلاني من فنون الشعر، وأوفقية ms173 الفن الآخر، ويقولون بمحدودية هذا وبوسعة ~~ذاك. # ويمنعون في فن التراجيديا ما يجيزونه في فن الرومان، ويسمحون في نوع ~~الغناء بما يحظرونه في نوع الأود ... إلخ، فمن سوء حظ هذا أنه لا يفهم شيئا ~~مما يقولونه، ويفتش في كلامهم عن المعاني ولا يرى فيه إلا التشدق بالألفاظ، ~~فالذي يظهر له أن ما هو في الحقيقة ونفس الأمر جميل صحيح يكون جميلا ~~وصحيحا في كل مكان، وما كان دراماتيقيا؛ أي فاجعا في قصة من القصص يكون ~~دراماتيقيا أيضا في رواية ممثلة على المرسح، وما كان موسيقيا؛ أي ~~غراميا في دور (قويله) من أدوار الشعر يكون موسيقيا أيضا في سمط ~~(سنروف) من أسماط الشعر المنظوم أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا، والحاصل ~~التمييز الوحيد الحقيقي في محصولات الفكر إنما هو التمييز بين الحسن ~~والقبيح، والفكر أرض مخصبة لم تفتلح تبغي محصولاتها النماء فيها بحرية، ~~أعني حسب التصادف بدون أن تصنف صنفا صنفا، أو تجعل صفا صفا في أحواض ~~مصنعة كما جعلت الأزهار في البستان الصناعي، أو كما جمعت نوابغ الكلم في ~~رسائل البيان، وقيدت المنتخبات في سفائن الأشعار. # ومع ذلك فلا ينبغي لك أن تظن هذه الحرية مستلزمة للتشويش، كلا بل هي ~~بالعكس باعثة على حسن الانتظام. وإيضاحا لذلك نقول: تأمل في الحديقة ~~الملوكية التي في قصر فيرسايل بالقرب من باريس تجدها في غاية من التسوية، ~~والتعشيب، والتقضيب، والتنظيف، والجرف، والكري، والترميل مشتملة على كثير ~~من الشلالات الصغيرة، والبحيرات الصغيرة، والروضات الصغيرة، وفيها من ~~التصاوير النحاسية ما هي على هيئة آلهة البحر، نصفها سمكة والنصف الآخر ~~إنسان، وهي سابحة على الماء، ومتجمعة فوق بحار صناعية جلبت من نهر السين ~~بصرف النفقات الباهظة، وفيها من تماثيل المرمر والرخام ما هو على صورة آلهة ~~اليونان والرومان، وهم يغازلون حور الجنان، ويعزفون بالمزامير والعيدان، ~~وقد أحدقت بهم أشجار السرو العالية على هيئة رمزية، وترى شجر اللبان في شكل ~~أسطواني، وشجر الليمون في شكل كروي، وشجر الآس في شكل منحرف، وأشجارا ~~كثيرة لم تكن في أصل خلقتها الطبيعية ms174 على أشكال منتظمة، ولكنها اقتضبت بمقص ~~البستاني وهندمت بآلاته الزراعية، ثم قايس بفكرك بين هذه الحديقة المصنعة ~~وبين غابة عذراء من غاب العالم الجديد تجد فيها أشجارا ونباتات على سائر ~~الأشكال من غياض، وآجام، وآيك، ودوح، وكلاء، # 26 # وحشيش، وعشب طويل، ونبات متعرش بلبالب وشوك وأوراق مختلفة، ~~وفيها مروج نضرة كأنها بين تلك الأشجار الصلبة الشامخة شوارع، أو طرق واسعة ~~لا يسقط فيها نور الشمس، ولا يمتد ظل الشجر إلا على بساط من الخضرة، ويطير ~~في تلك الغابة ألف نوع من الطير بألف لون من الريش، وتجري فيها أنهار كبيرة ~~تقتلع الأشجار وتسحب جزرا مكللة بالأزهار، وتتدفق المياه الجارية من مكان ~~أعلى إلى مكان أسفل فتحدث الشلالات، ويتخلل الضياء بين تلك المياه الساقطة ~~فينقلب إلى قوس قزح، ويتألف من هذا الهدير والخرير والتغريد والزئير ألحان ~~وحشية لا مثيل لها؛ فنحن لا نقول أين العظمة؟ أين العزة والجبروت؟ أين ~~الجمال الحقيقي؟ بل نسأل فقط أين الانتظام وأين عدم الانتظام؟ فهناك مياه ~~حبست وحولت عن مجراها الطبيعي؛ لتتدفق من ينابيع صناعية وتركد في حياض ~~محتفرة ثم تنتن فيها. وهناك أيضا آلهة تحجرت، وأشجار قلعت من الأرض التي ~~أنبتت فيها، ونقلت من الإقليم الذي ربيت فيه، وحرمت من شكلها الطبيعي، ومن ~~ثمارها الطيبة، وأكرهت على تحمل منجل البستاني يفعل فيها حسب أهوائه ~~ومشيئته، ويدبرها كيف دار حبل استقامته، فالانتظام الطبيعي مضاد، معكوس، ~~مقلوب، مخروب. # وأما هنا فبالعكس كل شيء خاضع لناموس لا يتغير، وفي كل شيء آية على وجود ~~إله حي، # 27 # وقطرات الماء تنحدر في مصبها، وتجري أنهارا تجتمع وتصير ~~بحارا، وبذور النبات يختار الأرض الصالحة له أو يصير أحراجا، وكل ~~نجم # 28 # وكل شجرة صغيرة أو كبيرة تنبت في فصلها، وتنمو في أرضها وتثمر ~~ثمرتها فتنضج في أوانها، فكل ما في هذه الغابة جميل حتى الشوك، فنسأل أيضا ~~أين الانتظام؟ # فاختر إذن بين أحسن ما أتت به الصناعة البستانية وبين مصنوعات الطبيعة، ~~بين ما هو جميل بحسب الاصطلاح وبين ما هو ms175 جميل بغير القواعد الاصطلاحية، ~~بين أدب مصنع مرصع، وبين شعر مبتكر لم ينسج على منواله أحد. # ربما قال معترض بأن الغابة العذراء البعيدة عن الناس قد يربض فيها ألف ~~حيوان مفترس، وأما حياض الحديقة الصناعية التي استنقعت المياه فيها، فلا ~~تحتوي في الغالب إلا على قليل من الضفادع المستقذرة، فهذا الاعتراض وارد مع ~~الأسف. ولكن إذا خيرنا فنحن نفضل التمساح المفترس على الضفدع القذر، كما ~~نفضل بربرية الشاعر الإنكليزي شكسبير على خسافة عقل الشاعر الفرنساوي ~~قاميسترون (ولد في طولوز 1656-1723م). # ومن المسائل المهمة المقتضى بيانها هو أن الانتظام يمتزج بالحرية في ~~الأدب، كما يمتزج بها في السياسة؛ لا بل الانتظام نتيجة للحرية فيهما ~~جميعا، ولكن ينبغي التفريق بين الانتظام وبين رعاية القواعد، فرعاية ~~القواعد أمر لا يتعلق إلا بالشكل الخارجي، وأما الانتظام فينتج في باطن ~~الأشياء؛ أي من ترتيب العناصر الأصلية التي في الموضوع المبحوث عنه ترتيبا ~~يستحسنه الذوق، فرعاية القواعد هو تأليف مادي ووضع إنساني، وأما الانتظام ~~فهو أشبه بالأمر الإلهي، فهاتان الخاصتان المتخالفتان في ذاتهما كثيرا ما ~~توجد إحداهما بدون الأخرى، فالكنيسة المبنية على القالب القوطي يظهر لنا ~~فيها انتظام بديع رغما عن سذاجتها وعدم رعاية قواعد البناء فيها، وأما ~~الأبنية الفرنساوية الحديثة التي بنيت على قوالب أبنية اليونان والرومان، ~~وقلد البناءون في بنائها تقليدا أعجميا بغير ذوق، ولا مهارة فتظهر لنا ~~غير منتظمة رغما عما في بنائها من رعاية القواعد المعمارية، فالمؤلف ~~العادي لا يتعذر عليه تصنيف تأليف على حسب القواعد، وأما وضع الانتظام في ~~التأليف فلا يتيسر إلا لذوي العقول الكبيرة من المؤلفين؛ لأن ~~الخلاق # 29 # الذي ينظر من الأعلى ينظم، والمقلد الذي ينظر من القرب يطبق ~~على القواعد، فالأول يعمل بمقتضى ناموس طبيعته، والثاني يتبع قواعد طريقته، ~~فالصناعة إلهام للأول، وعلم للثاني، والحاصل رعاية القواعد هي ذوق ~~التوسط، # 30 # والانتظام هو ذوق القريحة؛ ومن هنا يفهم الفرق بين أدب الطريقة ~~الرومانية وبين أدب الطريقة المدرسية. # واعلم أن الحرية في هذا المقام لا ينبغي أن تصل ms176 إلى الفوضوية، وأن الخروج ~~عن الأسلوب لا يقتضي أن يكون وسيلة لتجويز التخن والغلظ، فبقدر ما يتهور ~~المؤلف في الخروج عن الأسلوب يلزم أن لا يكون في تأليفه لومة للائم؛ لأنه ~~إذا أراد التفوق في حق واحد على غيره يجب أن يكون معه عشرة حقوق زائدة ~~عليه، وبقدر ما يهمل علم البيان والمعاني يجب عليه أن يراعي علم النحو ~~والصرف، ولا يجوز له خلع أرسطوطاليس البياني # 31 # إلا إذا أجلس مكانه فوجيلاس النحوي، # 32 # وتنبغي محبة «صناعة الشعر» التي ألفها بوالو لأجل إنشائها على ~~الأقل إن لم يكن لأجل ما فيها من القواعد. فالكاتب الذي له أقل اهتمام بما ~~يكتبه يجتهد دائما بأن يصفي منطقه بدون أن يمحو الصفة الخصوصية التي يفصح ~~بها تعبيره عن شخصية فكره، فإدخال التعبيرات الجديدة في الكلام ما هو إلا ~~دليل على عدم المقدرة. واللحن في الإعراب لا يأتي بمعنى جديد، # 33 # فالإنشاء مثل الزجاج كلما صفا تلألأ. # ربما أوضح مؤلف هذا الكتاب في غير هذا المحل كلما أشار إليه هنا، ولكنه ~~قبل أن يختم كلامه يستميح القراء في بيان أن رأي التقليد (أي: رعاية ~~الأسلوب) الذي وصى به المتقدمون باتباعه حفظا للطرق الأدبية، ظهر له ~~دائما بأنه بلاء على صناعة الأدب، فهو لا يجوز للكتبة التقليد ولا لأساليب ~~الطريقة الرومانية فضلا عن الطريقة المدرسية؛ لأن الذي ينسج على منوال ~~شاعر من شعراء الطريقة الرومانية يصير بالضرورة مدرسيا ما دام أنه يقلد، ~~فسواء عليك كنت صدى الشاعر الفرنساوي راسين، أم كنت انعكاسا لنور الشاعر ~~الإنكليزي شكسبير، فما أنت أبدا إلا صدى وما أنت إلا انعكاس، ولو تيسر لك ~~النسخ بالتمام على صورة شاعر من ذوي القريحة، تفوتك دائما غرابته # 34 # أي: قريحته، فلنعجب بأكابر الشعراء ولا نقلدهم، ولنعمل بطريقة ~~أخرى فإن نجحنا فنعم؛ وإن سقطنا فما الأهمية؟ # يوجد مائعات للتصبير إذا غطست فيها زهرة ، أو ثمرة، أو عصفورة وتركتها مدة ~~تكسوها قشرة سميكة حجرية، وتحفظ في الحقيقة أشكالها الأصلية، ولكن رائحة ~~العطر، ولذة الطعم، وحركة ms177 الحياة فقدت، فالتعاليم المتشدق بها، والقياسات ~~المنطقية الاسكولاستيقية، وسريان داء العادة، وجنون التقليد ينتجن عين هذه ~~النتيجة، فإذا دفنت فيهن قواك الغريزية وتخيلك وفكرك، فلا تخرج منهن أبدا، ~~وما تستخرجه منهن ربما تجده محافظا على شيء من ظاهر العقل والقريحة ~~والذكاء، ولكنه يكون متحجرا كتلك الأشياء المصبرة. # فأصحاب الطريقة المدرسية يقولون: «يحيد عن طريق الحقيقة والجمال كل من لم ~~يتبع الأثر الذي طبعه بأقدامهم السالكون قبله في هذا الطريق» فهذا خطأ، ~~وأصحاب الطريقة المدرسية يخلطون بين العادة والدأب وبين صناعة الأدب، ~~ويمشون على أثر العجلات توهما بأنها الطريق. # فالشاعر لا ينبغي أن يكون له إلا نموذج واحد وهو الطبيعة، ودليل واحد وهو ~~الحقيقة، ولا ينبغي له أن يكتب مع ما كتب بل مع نفسه وقلبه، ومن جميع الكتب ~~المتداولة بأيدي الناس ينبغي له درس كتابين فقط، أوميروس والتوراة، فهذان ~~الكتابان المحترمان - اللذان هما أول الكتب تاريخا وقيمة، وكادا يكونان ~~قديمين كالدنيا - هما في حد ذاتهما علنان للمعاني، ويجد فيهما الكاتب بنوع ~~ما الخليقة بأجمعها مصورة في شكل مضاعف، ففي أوميروس مصورة بقريحة الإنسان، ~~وفي التوارة بإلهام الله. # انتهى في أكتوبر سنة 1836 # وبعد المقدمات النثرية البليغة ورد في هذا الديوان المنظومات، وهي تزيد على خمسين ~~منظومة بديعة أظهر فيها من رقة الألفاظ، وجودة المعاني وقوة التخيل والتصور ما حمل ~~أدباء العصر وشعراءه على الإقرار، والاعتراف له بالفضل والشاعرية، وبالقبض على زمام ~~الصناعة الأدبية، وأحسن هذه المنظومات المنظومة التي عنوانها «فانده» وهو اسم أيالة ~~على شاطئ البحر المحيط في شمال بوردو اشتهرت أيام الانقلاب الكبير بالحرب الأهلية، ~~التي حدثت فيها بين حزب الجمهورية وبين المنتصرين للملوك من الأعيان والرهبان. وكذا ~~المنظومة التي عنوانها «عذارى فيردون» وفيردون مدينة على الحدود الألمانية، ومشهورة ~~في التاريخ قديما وحديثا، وأبدع فيكتور هوكو في رثاء الذين قتلوا ونكبوا في تلك ~~الحروب الأهلية، وكان إذ ذاك على مذهب الكاثوليكيين وسياسة الملوكيين، ومن قصائد ~~هذا الديوان ومنظوماته البديعة «لويس السابع عشر» و«إعادة تمثال هانري الرابع» ~~و«موت دوق بري» ms178 و«ولادة دوق بوردو» و«تعميد دوق بوردو» و«جنازة لويس الثامن عشر» ~~و«تتويج شارل العاشر» و«إلى عمود ميدان فاندوم» و«إلى والدي» و«حرب إسبانيا» ... ~~إلخ. # الشرقيات # افتتح الشاعر هذا الديوان بمقدمتين، وختمه بشروح مفيدة، وأورد فيه إحدى وأربعين ~~منظومة وقال: بأن الباعث على نظمها اتجاه أنظار الأدباء نحو الشرق بعد أن كانوا منذ ~~عهد لويس الرابع عشر لا يبحثون إلا في آداب اليونان والرومان ومعارفهم، ففي القرن ~~التاسع عشر أقبلوا على درس لغات الشرق وآدابه وتاريخه وعلومه، فوجدوا فيه الأفكار ~~والتخيلات عبرانية، تركية، يونانية، فارسية، عربية، إسبانية؛ لأن إسبانيا جزء من ~~أفريقيا وأفريقيا جزء من إسبانيا لوجود مشابهة وعلاقة بين كل منهما والأخرى، وشبه ~~ما في هذا الديوان من المعاني والتخيل بمدن إسبانيا القديمة المشادة على نمط المدن ~~الشرقية، ووصفها بأن فيها منتزهات لطيفة تظللها أشجار الليمون وتجرى من تحتها ~~الأنهار، ويسطع نور الشمس على ميادينها الواسعة المعدة للاحتفال بالمواسم والأعياد، ~~وأزقتها ضيقة موصلة بعضها مظلم، وبعضها غير نافذ ولا مستقيم، وأبنية دورها من جميع ~~الأزمان وعلى سائر الأشكال، منها العالي والمنخفض والمسود والمبيض والمصبوغ ~~والمنحوت والمنقوش، واتصلت العمارات بعضها ببعض من دور وقصور وفنادق وأديرة وثكنات ~~للعساكر، وكل منها يختلف عن الآخر في طرز البناء والأسلوب المعماري، ويدل على نوع ~~غريب قائم بذاته، وأسواقها غاصة بالأنام يعلو فيها الصياح والخصام. وإذا دخل ~~الأحياء مقابرها وقفوا سكوتا كأنهم أموات، وفيها المراسح والكنائس والمشانق التي ~~بقي أثرها من الأزمان الغابرة. وفي وسط كل مدينة كنيستها الجامعة مبنية على القالب ~~القوطي المعروف، وهناك أيضا الجوامع قائمة بين أشجار النخيل والجميز، وفيها مغشاة ~~بالنحاس والقصدير وأبوابها مصبغة وحيطانها مجلاة منقشة ونوافذها عالية، وعلى كل باب ~~كتبت آية قرآنية، ورصفت الأرض ورصعت الجدران بالفسيفساء، فأصبح كل جامع من هذه ~~الجوامع كأنه زهرة كبيرة تفتحت في نور الشمس وفاج طيبها في الجو. # وكان تأليف هذا الديوان في أثناء حرب المورة واستقلال اليونان؛ لأن الثورة ظهرت ~~سنة 1821 في المورة، وسرت إلى بقية الولايات والجزر اليونانية، واستولى الثائرون ~~على ms179 أثينا، وأسسوا فيها حكومتهم وعينوا ماورو قورداتو رئيسا عليهم، وكان من جملة ~~زعماء الثورة ربان سفينة يونانية يدعى قناري هجم ليلة 18 و19 حزيران سنة 1822 على ~~الأسطول العثماني الراسي على جزيرة ساقز وأحرق بعض مراكبه، فساقت الدولة العلية على ~~اليونان رشيد باشا من الروم ايلي وإبراهيم باشا من مصر، وكانت العساكر المصرية ~~مدربة على النظام الجديد، فخرجت بالمراكب إلى شبه جزيرة المورة وأخمدت ثورتها، ~~واسترد رشيد باشا أثينه، وكادت الفتنة تنام لو لم توقظها أوروبا بإحراق المراكب ~~العثمانية، وذلك أن الإفرنج لما رأوا انخماد ثورة اليونان قامت الجرائد والشعراء ~~تهيج الأفكار العمومية في أوروبا على العثمانيين، وتنتصر لأرباب الفساد والعصيان من ~~اليونانيين، فتداخلت في المسألة إنكلترة وروسيا وفرنسا، وبعثوا أساطيلهم فأحرقت ~~الأسطول العثماني وأغرقته بدون إعلان حرب على الدولة العلية، ولا مراعاة للحقوق ~~المتعارفة بل الملل والأمم، وجرت هذه الحادثة المؤلمة بتاريخ 20 تشرين أول سنة 1827 ~~أمام فرضة نافارين في جنوب المورة، واشتهرت في التاريخ بواقعة نافارين، ثم انتشبت ~~الحرب بين الدولة العلية وروسيا، وأخلت العساكر العثمانية بلاد اليونان وعاد ~~إبراهيم باشا لمصر، وصارت اليونان أيالة ممتازة تحت سيادة الباب العالي، ثم أعلن ~~استقلالها تماما. # فشعراء الإفرنج لم يقتصروا كشعراء العرب على مدح الأمراء والتغزل والرثاء، بل هم ~~يبحثون في السياسة الداخلية والخارجية، ويروجون الرأي الذي يرونه؛ ولذا اتبع فيكتور ~~هوكو في السياسة خطة أستاذه شاتو بريان وخطة اللورد بايرن. وهذا الشاعر الإنكليزي ~~بعد أن خدم السياسة اليونانية بقلمه أراد أن يجرب فيها سيفه، ويثبت اقتداره في ~~ميدان الحرب، كما أثبته في ميدان الأدب، فنزل من قصور لوندره إلى أكواخ ميسولونكي ~~من بلاد اليونان ومات فيها بالحمى، وتهور في فعله وخاطر بنفسه كما خاطر المتنبي ~~حينما خرج قاصدا الكوفة سنة 354، فلقيه أعراب من عشيرة فاتك بن الجهل الأسدي ~~وأخذوا ما معه وانصرفوا، فقال له مفلح وكان من أتباعه ألست القائل: # فالخيل والليل والبيداء تعرفني # والسيف والرمح والقرطاس والقلم # فقال: بلى؛ وأظهر الشجاعة حيث ينبغي إظهار الحزم والرأي، وكر ms180 على الأعراب كرة ~~الفوارس فقتلوه وقتلوا ابنه معه. # وأسس الإنكليز جمعية دعوها جمعية بايرن (بايرن سوستي)، وغايتها حماية المسيحيين ~~في الممالك العثمانية كما هو مقاصد هذا الشاعر وأمانيه، ولهذه الجمعية شعبة في ~~الأستانة وأخرى في أثينه وغيرها، ولها علاقة بالمسألة المكدونية كما كان لها علاقة ~~بالمسألة الكريدية. # وتوهم شعراء الإفرنج في انتصارهم لليونان أن الموجودين في هذه العصور هم من نسل ~~أولئك الأبطال والفلاسفة الذين انقرضوا في القرون الغابرة، وأورثوا المسلمين علومهم ~~وفلسفتهم، فهذا هو السبب الذي حمل فيكتور هوكو على التعصب لليونان على العثمانيين، ~~وعلى تحريضه أمم النصارى على قتال المسلمين، ومناداته بالحرب الصليبية، وكان لم يزل ~~في سن الشباب، وعلى سياسة المذهب الكاثوليكي والحزب الملوكي، ولم يك بعد اهتدى ~~للتوحيد الفلسفي، ومحبة الإنسانية ولا لاتباع الإنصاف الذي ذكره المعري ~~بقوله: # والدين إنصافك الأقوام كلهم # وأي دين لأبي الحق إن وجبا # وفعل الإفرنج ما فعلوه من الانتصار لليونان بلا مشوق ولا مستصرخ فظن الأرمن، ~~والبلغار في يومنا بأنهم يتمكنون من استمالة أوروبا إليهم بالاستصراخ والتصويت، ~~والأناشيد الحماسية فعقدوا في أوروبا المجتمعات، وخطبوا فيها الخطب المهيجة على غير ~~فائدة. وبعد انقضاء المعرض الأخير بباريس بعث المقدونيون شاعرهم المفلق ميخايلوفسكي ~~مع وفد من أدبائهم لأمهات مدن أوروبا، فكان يكثر من إنشاد القصائد الشرقيات لفيكتور ~~هوكو، ومن إنشاد أشعار بايرون الإنكليزي، ومن تنظير هذه القصائد والنظم على منوالها ~~باللسان البلغاري، ثم ترجمتها للفرنساوية وتلاوتها على الحاضرين في المجالس بكل شوق ~~وحماسة وطنية وهيجان عظيم، ومع ذلك لم تنفعل أوروبا ولا تأثرت الأفكار العمومية ~~فيها كما تأثرت أيام استقلال اليونان لأسباب كثيرة منها أن الجمال لا يتكرر، والأمم ~~أصبحت تنظر لمنافعها الاقتصادية والتجارية أكثر من التفاتها للحماسة ~~الجاهلية. # وتوهم شبان مصر ما توهمه هؤلاء أيضا أيام بعثوا صاحب جريدة اللواء إلى باريس ~~يحمل صورة عظيمة تمثل مصر، وهي في الأسر وتحتها أبيات عربية تستغيث فيها من مجلس ~~النواب الفرنساوي كما هو معلوم ومطلع الأبيات: أفرنسا يا من نصرت البرايا ... انصري ~~مصر إن مصر ms181 بسوء ... إلخ. # أما عنوان المنظومات التي في هذا الديوان، فهي «الصاعقة» و«قناري» سمى هذه ~~المنظومة باسم أحد زعماء الثورة المتقدم ذكره، ووصف بها المحاربات البحرية، وصور ~~فيها أعلام الدول وهي تخفق على المراكب الحربية، وقصيدة «رءوس السراي» نظمها سنة ~~1826 على أثر الإشاعة الكاذبة التي أشاعتها الجرائد عن موت قناري بقنبلة أصابته في ~~محاربة ميسولونكي، وعن إرسال رأسه مع رءوس رفائقه إلى الأستانة. ووصف في هذه ~~المنظومة السراي وما فيها من السراري والطواشية والبذخ والقصف، ورثى قناري ورفيقين ~~له أفجع رثاء، وحرض أمم النصارى على قتال المسلمين، و«نافارين» صور فيها محاربة ~~نافارين العدوانية، وأظهر الشماتة بحرق المراكب العثمانية ومن أبياتها قوله: «مضت ~~ست سنوات ونحن نرى أفريقيا تركض لمساعدة آسيا على أمة تعلمت كيف تموت، وإبراهيم ~~الذي لا يسكنه شيء طار من البرزخ إلى السطح كأنه صقر بلا وكر، كأنه ذئب يحكم في ~~حظيرة الغنم، فهو يجري إلى حيث تستدعيه الغنيمة، فإذا عاد إلى خيمته رمى بيده ~~الرءوس إلى السراي.» # ومن منظومات هذا الديوان أيضا «حض المفتي على الجهاد» و«كدر الباشا» صور فيها ~~جلوس الباشا في دائرة الحرم حزينا، وارتباك رجال المعية والخدام والخصيان، ~~وتساؤلهم عن سبب حزنه وعما ينقصه من النعم التي هو غريق فيها بين رقص الجواري، ~~وغناء الغانيات في قصور عاليات مفروشة بالحرير والديباج تعبق فيها روائح المسك ~~والعنبر ودهن الورد، فوجدوا كدره لا على خراب البلاد ونهب العباد، وكثرة الظلم ~~والاستبداد؛ وإنما هو على موت خصيه الحبشي. # ومن هذه المنظومات أيضا «أغاني قرصان البحر» صور فيها كيف كانت المراكب تجري في ~~البحر المتوسط، وتغير على ما في سواحله من بلاد الإفرنج، وتأسر البنات والغلمان، ~~وتبيعهم في السرايات وللباشاوات، ومنها «الأسيرة» و«ضياء القمر» و«النقاب» صور في ~~هذه المنظومة غيرة الإخوة على أختهم، وقتلها لانكشاف الحجاب عنها بسبب الهواء، وهي ~~مارة في الطريق أمام باب الجامع، وبعد قتلها كفنوها، وقالوا لها: هذا حجاب لا يكشف ~~ستره، ونحو ذلك من القصائد. # ولم يدع مدينة من مدن الشرق المشهورة إلا ms182 وذكرها في هذا الديوان، وأكثر من ذكر ~~مدن إيطاليا وإسبانيا إدخالا لهما في الشرق، وكان لهذا الديوان رواج عظيم حينما ~~نشر لعلاقته إذ ذاك بالمسائل السياسية الحاضرة، أما اليوم فقد ذهبت طلاوته وزال ~~رونقه وقلت الرغبة فيه؛ لأن فيكتور هوكو فضلا عما كان عليه إذ ذاك من التغرض ~~والتعصب الأعمى لم ير الشرق بعينه، ولا عرفه إلا بدرس الكتب ومطالع ما نظمه الشعراء ~~مثل شاتوبريان وبايرون وكوتيه ناظم «ديوان أورينتال» وأمثالهم، وطالع أيضا ما ترجم ~~من كلام الحافظ الشيرازي والشيخ سعدي صاحب الكلستان، ومن شروط أهل الطريقة ~~الرومانية الكتابة والنظم عن رؤية وانفعال نفسي؛ ولذا يجدون شعور فيكتور هوكو في ~~الشرقيات مبهما وكلامه مصنعا لا طبيعيا، بخلاف القسم المتعلق بالأندلس وإسبانيا ~~من هذا الديوان، فلم يزل له رونق واعتبار عند أدباء الإفرنج؛ لأن الشاعر زار ~~إسبانيا في صباه وقرأ مع أولادها في المدرسة، فساعدته ذاكرته على وصف ما فيها بأحسن ~~صورة وأبدع أسلوب، ومنظومته التي عنوانها «غرناطة» هي السحر الحلال كأنها كتاب في ~~الجغرافية أفرغ في قالب شعري، ومنها يتضح تبحر الشاعر في علوم الجغرافيا والتاريخ ~~والآثار القديمة والفلسفة، وقد ترجمنا هذه القصيدة بالحرف لتعلم أساليب الشعر ~~الإفرنجي ومناحيه. # غرناطة # لا توجد مدينة لا بعيدة ولا قريبة، لا عربية ولا إسبانية تنازع غرناطة الجميلة في ~~تفاحة الحسن، # 35 # ولا تظهر أكثر منها أبهة شرقية ولا رشاقة تحت سماء ألطف من سمائها، ~~قادس فيها النخل، مرسية فيها أشجار البرتقان، جيان فيها القصر القوطي ذو القلل ~~الغريبة، أغريدة فيها الدير الذي بناه القديس أدمون، سيغوفه فيها الهيكل الذي تقبل ~~أعتابه وفيها قناة قائمة على ثلاثة صفوف من القناطر تجر إليها المياه من قمة الجبل، ~~ليير فيها الأبراج، برشلونه فيها عمود على رأسه منارة مطلة على البحر، تودله ~~(تطيله) راعية لصداقتها لملوك أراغون، وهم في قبورهم العتيقة وحافظة لصولجانهم ~~الحديد، طلوشه فيها سوق الحدادين المظلم كان دكاكينه في الدجا منافس على ~~جهنم. # السمكة التي شفت في غابر الأزمان عين توبيا من العماء تلعب ms183 في جوف الخليج، الذي ~~رقدت فيه «فونتارابي»، # 36 # اليقانت تمتزج فيها المآذن بالجرسيات، قومبو ستله فيها قديسها، قرطبة ~~فيها الدور العتيقة وفيها الجامع الذي تحار العين في عجائبه، مادريد فيها نهر ~~مانزانارس، بلباو تغطيها أمواج البحر ويكسي المرج الأخضر سورها المسود من الهرم، ~~مدينة ذات الشجاعة العظيمة تخفي فقرها من كبرها تحت رداء دوقاتها، وليس لها شيء سوى ~~شجر الجميز؛ لأن قناطرها الجميلة من بقايا العرب وقنواتها من بقايا الرومان، بلنسية ~~فيها جرسيات كنائسها الثلاثمائة، القنطرة ذات التقى أسلمت لهبوب النسيم رايات الترك ~~المعلقة على عواميدها، # 37 # سلمنكه تجلس وهي ضاحكة على ثلاث تلال، وتنام على نغمات الأوتار، ~~وتستفيق مذعورة من جلبة أولاد المكاتب الصغار، طرطوشة غالية على القديس بطرس، ~~بويسرده الغنية فيها المرمر مثل الأحجار، تويه تفتخر بقلعتها المثمنة الشكل، ~~طراكونة تفتخر بأسوارها التي بناها أحد الملوك، سموره يجري من تحتها نهر دورو، ~~طليطلة فيها القصر العربي، إشبيلية فيها جيرالدة، برغه وضعت ثروتها على قمتها، ~~بيتافلور مركيزه، جيرونه دوقة، بيغاره كأنها زهدت في الحلي الفخيمة، بامبلونه ~~المظلمه متهيئة دائما للحرب، وقبل أن تنام على ضوء القمر تقفل الأبراج المحاطة بها ~~كالمنطقة. # فهذه المدن الإسبانية إما منثرة في السهول، أو مرتفعة على الجبال، وفي جميعها ~~قلاع لم تضرب يد الأعداء فيها بالنواقيس، وفي جميعها كنائس جامعة لها جرسيات ~~حلزونية الشكل، # 38 # ولكن غرناطة فيها الحمراء. # الحمراء وما أدراك ما الحمراء قصر زوقته الجن وملأته بالمحاسن كأنما هو في الحلم، ~~بل وقلعة ذات شرف مخرمة، مقلبة إذا جن الليل سمعت منها أصواتا سحرية، وإذا طلع ~~القمر من وراء أقواسها العربية الكثيرة، وانعكس نوره على الجدران أحدث عليها نقوشا ~~بيضاء عجيبة، غرناطة فيها من العجائب أكثر ما في الرمانة من الحب الذي لونه كلون ~~العقيق، وينبت الرمان في وديانها بكثرة، غرناطة اسم على مسمى، غرناطة إذا اشتعلت ~~نار الحرب فقعت في وجوه أعدائها أشد من فقع القنبلة الحمراء بمائة مرة. # إذا أجابت «فيفاتوين» (فيقاقونلد) بدفها المزين بالأجراس، أو تتوجت (جنة العريف) ~~بالنور ms184 وأمست كأنها خليفة، ورفعت في ظلام الليل قمتها المضيئة، فلا شيء أجمل من ذلك ~~ولا شيء أعظم من ذلك، وتعزف الأبواق من «أبراج العقيق» كأنها جمهور نحل تسوقه ~~الرياح، وفي القوافة نواقيس مهيئة دائما لإعلان الأفراح، وتطنطن في أبراجها ~~الأفريقية لتوقظ من في البيضاء، غرناطة لا تجاريها الرقباء ولا في شيء، غرناطة تغني ~~الأغاني الرقيقة بأرق مما هي، وتصبغ دورها بأبهى الألوان، ويقال: بأن النسيم تحبس ~~أنفاسها إذا نثرت غرناطة في ليلة من ليالي الصيف نساءها وأزهارها في سهولها. # جزيرة العرب جدتها، والعرب الرحل المقتحمون إنما قطعوا آسيا وإفريقيا من أجلها ~~فقط، ولكن غرناطة كاثوليكية، غرناطة ضحكت منهم، غرناطة تلك المدينة الظريفة لو ~~أمكنها أن تكون اثنتين لكانت إشبيلية أخرى. انتهى. # فإن كان هذا وصف غرناطة عند فيكتور هوكو، فكيف يكون وصف إشبيلية، ولا يخفى ما في ~~تعداد هذه المدن الإسبانية من الأهمية في تاريخ آداب العرب لانتساب الكثير من ~~العلماء والأدباء إليها، كالشريشي شارح المقامات والشاعر الإشبيلي والشاطبي ناظم ~~الشاطبية، وكثير من أمثالهم، وأما قوله: إذا أخرجت غرناطة نساءها وأزهارها للسهول ~~تحبس النسيم أنفاسها، فهو من تشابيه أصحاب الطريقة المدرسية على حد قول العرب: إذا ~~برزت الحسناء احتجبت الشمس خجلا ونحو ذلك. # أما غرناطة فهي في أسفل جبال نفاده (سيبرانفاده)، وعلى مجتمع نهري دارو وجنيل ~~المنصب في الوادي الكبير، وهي مبنية على ثلاث تلال يمتد تحتها سهل واسع من أجمل ~~السهول يسمى لافيكه، وغالب أبنيتها من القرميد الأحمر رصفت بعضها فوق بعض، فأشبهت ~~الرمانة الملفوفة؛ ولذا سميت غرناطة ومعناها الرمانة. وأشهر أبنيتها الحمراء وهي ~~على تلة يجري من تحتها نهر دارو، وفيها برج عظيم على رأسه شرف ولونه عقيقي؛ ولذا ~~قيل له «ثورفيرمبل»، وتجاه الحمراء «البايسين» أي البيضاء وهي حارة من حارات ~~غرناطة، وهي مشتملة على دور لطيفة للسكن، وبقرب الحمراء جنة العريف (جنراليف) وهي ~~قصر للصيف من أبدع القصور مرتفع على قمة عالية، وسميت الحمراء؛ لأنها مبنية ~~بالقرميد الأحمر، ومنظرها الخارجي ليس بعجيب فإذا دخل الزائر من بابها ms185 انبهر مما ~~يراه داخلها من التزيين والنقش العربي (أرابسك) والتزويق والترصيع بالفسيفساء، ~~والتصفيح بأنواع المرمر والقيشاني وكتبت عليه آيات قرآنية وعبارة «لا غالب إلا ~~الله»، وفي كل زينة من تزيناتها أو تزويقة من تزاويقها دليل على سلامة الذوق ~~والمهارة التامة في الصنعة وحسن الانتخاب. # ومشتملات الحمراء دوائر كثيرة وساحات ومخادع وأروقة، وجنات تجري من تحتها ~~الأنهار، وفيها جامع وحمامات وأشهر مشتملاتها حوش السباع؛ وهي ساحة سماوية مبلطة ~~بالرخام الأبيض يقرب طولها من 30 مترا، وعرضها 16 مترا وعلى جوانبها أروقة قائمة ~~على عمدان من الرخام وأقواس بديعة، وفي وسط الساحة قصعة بيضاء قائمة على اثني عشر ~~سبع من المرمر الأسود يتفجر الماء من أفواهها، ويجري في قنوات مكشوفة إلى البيوت ~~والمخادع، ولكن الماء منقطع اليوم عنها. ومن مشتملاتها الظريفة قاعة السفراء وقاعة ~~الأختين وغير ذلك، وقد مثلت الحمراء في كثير من المدن الأوروبية، ومثلت في معرض ~~باريس الأخير أحسن تمثيل. # وتغزل شعراء العرب في غرناطة بأشعار كثيرة، ونظم رئيس كتابها عبد الله بن زمرك ~~موشحات لطيفة منها: # لازمة # نسيم غرناطة عليل # لكنه يبري العليل # وروضها زهرة بليل # ورشفه ينقع الغليل # دور # عقيلة تاجها السبيكة # تطل بالمرقب المنيف # كأنها فوفه مليكه # كرسيها جنة العريف # تطبع من عسجد سبيكه # شموسها كلها تطيف ~~... إلخ. # وقال أيضا ووجه بها من فاس إلى غرناطة: # لازمة # أبلغ لغرناطة سلامي # وصف لها عهدي السليم # فلو رعى طيفها ذمامي # ما بت في ليله السليم # دور # أعندكم أنني بفاس # كابد الشوق والحنين # أذكر أهلي بها وناسي # والليل في الطول كالسنين # الله حسبي فكم أقاسي # من وحشة الصحب والبنين # لازمة # مطارحا ساجع الحمام # شوقا إلى الإلف والحميم # والدمع قد لج في انسجام # منتثرا عقده النظيم # دور # يا ساكن جنة العريف # أسكنتم جنة الخلود # كم ثم من منظر شريف # قد حف باليمين والسعود # ورب طود به منيف # أدواحه الخضر كالبنود ~~••• # والنهر قد سل كالحسام # لراحة الشرب مستديم # والزهر قد راق بابتسام # مقبلا راحة النديم # ولد هذا الأديب في غرناطة واتصل بواسطة ms186 لسان الدين بن الخطيب الشهير إلى أميرها، ~~وأحرز منه على رئاسة الكتاب، وترجمة لسان الدين في كتابه «الإحاطة»، وأثنى عليه ~~وقيل: بأن ولده كتب هامشا على ترجمة عبد الله بن زمرك، وطعن فيه وقال بأنه تقرب ~~للأمير بالإفساد والوشاية على والده لسان الدين، وتوفي ابن زمرك مقتولا سنة 755ه ~~قتلته زوجته مع ولدين له. ومما قاله أيضا في غرناطة: # غرناطة منزل الحبيب # وقربها السؤال والوطر # تبهر بالمنظر العجيب # فلا عدا ربعها المطر ~~••• # عروسة تاجها السبيك # وزهرها الحلي والحلل # لم ترض من عزها شريك # بحسنها يضرب المثل # أيدها الله من مليك # يملك المجد للدول # بدولة المرتجى المهيب # الملك الطاهر الأغر # تختال من بردها القشيب # في حلة النور والزهر ~~••• # كرسيها جنة العريف # مرآتها صفحة الغدير # وجوهر العلي عن شنوف # تحكمه صنعة القدير # والأنس فيه على صنوف # فمن هديل ومن هدير # كم خرق الزهر من جيوب # وكلل القضب بالدرر # فالغصن كالكاعب اللعوب # والطير تشدو بلا وتر # وهي طويلة اقتصرنا منها على ما يناسب المقام، فجنة العريف التي أكثر الشعراء من ~~ذكرها هي أشبه بقولنا اليوم بلديز. ونظم في باربة أيضا موشحات لطيفة، ووصف قصرها ~~العجيب، فقال: # عليك بارية السلام # ولا عدا ربعك المطر # مذ حل في قصرك الإمام # فقربك السؤل والوطر ~~••• # عروسة أنت يا عقيله # تجلى على مظهر الكمال # مدت لك ألف مستقيله # تمسح أعطافك الشمال # والبحر مرآتك الصقيله # يشف من ذلك الجمال # إلى آخره، وقال أيضا في هذا القصر من موشح آخر: # يا حبذا مبناك فخر القصور # بروجه طالت بروج السما # ما مثله في سالفات العصور # ولا الذي شاد ابن ماء السما # كم فيه من مردى بهيج وقور # في مرتقى الجو به قد سما # إلخ. # ومما ورد على منوال منظومة فيكتور هوكو القصيدة الشهيرة التي مطلعها «لكل شيء إذا ~~ما تم نقصان» حيث ورد فيها: # فاسأل بلنسية ما شأن مرسية # وأين شاطبة أم أين جيان # وأين قرطبة دار العلوم فكم # من عالم قد سما فيها له شان # وأين حمص وما تحويه من ms187 نزه # ونهرها العذب فيضان وملآن # قواعد كن أركان البلاد فما # عسى البقاء إذا لم تبق أركان # تبكي الحنيفية البيضاء من أسف # كما بكى لفراق الإلف هيمان # على ديار من الإسلام خالية # قد أقفرت ولها بالكفر عمران # حيث المساجد قد صارت كنائس ما # فيهن إلا نواقيس وصلبان # حتى المحاريب تبكي وهي جامدة # حتى المنابر ترثي وهي عيدان # يا غافلا وله في الدهر موعظة # إن كنت في سنة فالدهر يقظان # وماشيا مرحا يلهيه موطنه # أبعد حمص تغر المرء أوطان # وحمص هي إشبيلية وهي على الضفة اليسرى للنهر؛ أي الوادي الكبير المنصب في المحيط ~~عند خليج قادس، وارتفع وراء المدينة جبل؛ ولذا قال فيها أحد واصفيها: # ذكرتك يا حمص ذكر هوى # أمات الحسود وتعنيته # كأنك والشمس عند الغروب # عروس من الحسن منحوته # غدا النهر عقدك والطود تا # جك والشمس أعلاه ياقوته # وهذا أشبه بقول الشريف العقيلي المنتسب لعقيل بن أبي طالب في مدينة الفسطاط قاعدة ~~الديار المصرية في أوائل الإسلام: # تبدت عروسا ومقطم تاجها # ومن نيلها عقد كما انتظم الدر # ونظموا في إشبيلية كثيرا من الأشعار؛ لأنها كانت دار أنسهم وسرورهم، ومركز عزهم ~~وحضارتهم، وكان أهلها يزيدون على أربعمائة ألف نفس، وأما اليوم فلا يبلغ سكانها ~~المائة وخمسين ألفا، وفيها القصر الشهير المعروف عند الإفرنج باسم «القازار»، ~~وفيها منارة جيرالده وارتفاعها (94) مترا، وكان يرصد فيها الأفلاك، ومما قيل في ~~بلنسية المعروفة بمدينة فالانس، وهي على شاطئ البحر المتوسط عند مصب «غواد الأفيار» ~~وإليها ينسب كثير من الأدباء: # بلنسية جنة عاليه # ظلال القطوف بها دانيه # عيون الرحيق مع السلسبيل # وعين الحياة بها جاريه # قاله أبو العباس أحمد بن الزقان، ومدحها بأشعار كثيرة، ومما قيل في قرطبة ~~أيضا: # بأربع فاقت الأقطار قرطبة # وهن قنطرة الوادي وجامعها # هاتان ثنتان والزهراء ثالثة # والعلم أفضل شيء وهو رابعها # وقرطبة كما تقدم على نهر الوادي الكبير والزهراء مارة من حاراتها. # أوراق الخريف # افتتح الشاعر هذا الديوان بمقالة أدبية تاريخية سياسية نظر فيها نظرة عامة إلى ~~الأحوال الجارية في سنة ms188 1831 وإلى المسائل الخارجية، وشبه القرن السادس عشر للميلاد ~~بصراط مرت عليه الأمم الأوروبية من الجامعة الدينية والسياسية إلى حرية الضمير، ~~وحرية المدنية؛ أي استقلالها بإدارة بلديتها، ومن الفلسفة المنطقية الرهبانية إلى ~~الفلسفة الحسية التحليلية المؤسسة على البحث والتفتيش، ومن الدين الكاثوليكي إلى ~~الدين البروتستانتي، ومن أفانين الصناعة القوطية إلى أفانين الصناعة المدرسية، وهي ~~المستفادة من درس آثار الرومان واليونان، قال: ولم يكن حينئذ في أوروبا إلا حروب ~~دينية، وحروب أهلية، وحروب على الاعتقاد بالسر المقدس وعدم الاعتقاد به، ولم يكن ~~يسمع فيها إلا صليل السيوف ولغط العلماء المتعصبين، فظهر لوتر مؤسس الدين ~~البروتستانتي وظهر ميكل آنج مصور «اليوم الآخر» وهو شيخ المصورين وإمامهم، وحدث ~~انقلاب وتبدل في أوروبا، ولكن القلب الإنساني مثله كمثل الأرض، يتيسر لك حرثها ~~وزرعها وبناء ما تريد بناءه عليها، ومع ذلك لا تنفك عن إنبات العشب المغروس في ~~طبيعتها وبزوره في داخل جوفها، ولا يتمكن المحراث من الوصول إلى أعماقها ولا قلب ~~سافلها لعاليها، وكذا القلب الإنساني لم يزل مغروسا فيه شيء من الأفكار العتيقة، ~~ولا تزول هذه الأفكار تماما إلا بهدم القلب الإنساني؛ إذ لا يكفي أن يقلب عاليه ~~سافله فقط، فالذي يهدم القلب الإنساني هو الشعر. # وترنم الشاعر في هذا الديوان بمحبة الوالدة، وبذكر المعاهد البيتية وأحوال ~~الطفولية، وعبر عما يجده في نفسه، ويحس به في قلبه؛ ولذا كان تأثيره على نفوس ~~القراء أشد من تأثير ديوان الشرقيات، غير أن الشرقيات أكثر سناء وضياء من أوراق ~~الخريف. # أما المنظومة الأولى فمطلعها «كان لهذا العصر سنتان» يعني حينما ولد سنة 1802، ~~فشخص كيفية ولادته وحضانة أمه وحنوها ورأفتها عليه، وذكر في القصيدة الثانية بيت ~~أبيه، وكيفية الذهاب إليه وما في طريقه من المدن وما حوله من الرسوم والأطلال، وما ~~أبقاه في ذهنه من التصور والخيال، وقال في منظومة أخرى: «حينما يولد الطفل تهتف ~~العائلة بأصوات الفرح وتقر عيونهم جميعا برؤية لحظه اللطيف اللامع، وتتهلل وجوههم ~~بالبشر مهما كانت حزينة أو عبوسة ... وأطنب في وصف ما ms189 يتعلق بالمولود ومحبة أمه له ~~وخفقان قلبها عليه، وكيفية نومه وقعوده وبكائه وأكله، وصور جميع ذلك بأسلوب بديع ~~يخال منه للقارئ كأنه في دار الولادة يسمع ويرى ما يحدث فيها من الاحتفال بالمولود. ~~وعلى منوالها منظومة أخرى مطلعها «ما أجمل الطفل وهو يبتسم»، وكان تزوج وولدت ~~زوجته، فاختبر لذة العائلة وعرف محبة الأولاد؛ ولذا خالف في هذا الموضوع المعري ~~القائل: # على الولد يجني والد ولو أنهم # ولاة على أمصارهم خطباء # وزادك بعدا عن بنيك وزادهم # عليك حقودا أنهم نجباء # يرون أبا ألقاهم في مؤرب # من العقد ضلت حلة الأرباء # وله أيضا: # أبوك جنى شرا وإنما # هو الضب إذ يسدي العقوق إلى الحسل # وهو ولد الضب؛ ولذا كني أبا حسل ويقال في المثل: هو أعق من الضب. # وهو القائل في اللزوميات أيضا من قصيدة غراء مطلعها: # ترنم في نهارك مستعينا # بذكر الله في المترنمات # ومنها: # ولا ترجع بإيماء سلاما # على بيض أشرن مسلمات # إلى أن قال: # خمور الريق لسن بكل حال # على طلابهن محرمات # ولكن الأوانس باعثات # ركابك في مهالك مقتمات # صحبنك فاستفدت بهن ولدا # أصابك من أذانك بالسمات # ومن رزق البنين فغير ناء # بذلك عن نوائب مسقمات # فمن ثكل يهاب ومن عقوق # وأرزاء يجئن مصممات # وإن تعط الإناث فأي بؤس # تبين في وجوه مقسمات # يردن بعولة ويردن حليا # ويلقين الخطوب ملومات # ولسن بدافعات يوم حرب # ولا في غارة متغشمات # 39 # ودفن والحوادث فاجعات # لإحداهن إحدى المكرمات # وقد يفقدن أزواجا كراما # فيا للنسوة المتأيمات # يلدن أعاديا ويكن عارا # إذا أمسين في المتهضمات # يرعنك إن خدمن بغير فن # إذا رحن العشي مخدمات # 40 # ومنها: # وما الجارات إلا جاريات # بعيبك إن وجدن مهيمات # فلا تسأل أهند أم لميس # ثوت في النسوة المتخيمات # ولا ترمق بعينك رايحات # إلى حمامهن مكممات # إلى أن قال: # وساو لديك أتراب النصارى # وعينا من يهود ومسلمات # ومن جاورت من حنف وسرب # صوابي # 41 # فليبن مكرمات # فإن الناس كلهم سواء # وإن ذكت الحروب مضرمات # ومنها: # وواحدة كفتك فلا تجاوز # إلى ms190 أخرى تجيء بمولمات # إلخ. # وفي هذا المعنى أبيات من قصيدة لعلقمة بن عبدة من شعراء الجاهلية، مدح بها الحرث ~~الغساني وأولها: # طحا بك قلب في الحسان طروب # بعيد الشباب عصر حان مشيب # تكلفني ليلى وقد شط أهلها # وعادت عواد بيننا وخطوب # ومنها: # فإن تسألوني بالنساء فإنني # بصير بأدواء النساء طبيب # إذا شاب رأس المرء أو قل ماله # فليس له في ودهن نصيب # يردن ثراء المال حيث وجدنه # وشرخ الشباب عندهن عجيب # فكأن فيكتور هوكو عارض المعري، وصور في هذا الديوان سرور العائلة بالأولاد، وكان ~~لما نظمه في زهو الشباب، فالشاعران في هذا المبحث على طرفي نقيض، ولكنهما يتفقان ~~«في تمجيد الله الذي شرف عن التمجيد، ووضع المنن في كل جيد»، وفي الحيرة، وهي مذهب ~~الذين قالوا: رب زدني فيك تحيرا، كما قال ابن الفارض: # زدني بفرط الحب فيك تحيرا # وارحم حشا بلظى هواك تسعرا # فأظهر فيكتور هوكو حيرته في منظومة عنوانها «ما يسمع على الجبل»، قال فيها: بأنه ~~صعد على جبل مشرف على المحيط الغربي، ووقف صامتا ساكنا يرى السماء فوقه والماء ~~تحته، ويسمع تلاطم الأمواج، وتضارب الرياح وامتزاج أصوات البر بأصوات البحر، ~~وصعودهما إلى الملأ الأعلى، فالصوت الذي يصعد من البحر فيه جلالة وسرور وهو من ~~تلاطم الأمواج والهدير، والصوت الذي يأتي من البر فيه كآبة وحزن، وهو من تضارب ~~الرياح وتأفف الإنسان من مصائب الحياة، فالبحر يرتل آيات الفرح والسلام كترتيل ~~المزامير في صهيون، ويحمد الخالق على ما أبدعه من جمال المخلوقات، فيصعد كلامه ~~الطيب إلى الله، وكلما فرغت موجة من تسبيحها قامت وراءها موجة أخرى تسبح الله، وأما ~~البر فينادي بأصوات الويل والحرب، ويصرخ ويشتم ويلطم؛ فهذا الصراخ والعويل إنما هو ~~بكاء الأرض وصراخ الإنسان، وهذان الصوتان أحدهما يقول: «الطبيعة»، والثاني يقول: ~~«الإنسانية»، قال الشاعر: وتأملت طويلا في هذا المنظر الباهر وفكرت في لج البحر ~~الذي تعلوه الأمواج فانفتح في قلبي لجة عميقة لا قعر لها، وقلت في نفسي: لم نحن ~~هنا؟ ما هو الغرض من كل ms191 هذا؟ ما تصنع النفس؟ أيهما أحسن البقاء أم الفناء؟ والله ~~الذي يقرأ وحده في لوحه المحفوظ لأي سبب يمزج على الدوام غناء الطبيعة ببكاء الجنس ~~البشري: قال المعري: # أرى الخلق في أمرين ماض ومقبل # وظرفين ظرفي مدة ومكان # إذا ما سئلنا عن مراد الهنا # كنى عن بيان في الإجابة كان # ونظم فيكتور هوكو في هذا المعنى قصيدة أخرى عنوانها «الشموس الغاربات» صور فيها ~~غروب الشمس، وظهور الشفق، وتكاثف الغيام على الأفق، واستدل بنظره في المخلوقات على ~~وجود الخالق، # إن في خلق السماوات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ~~ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار # فأولو الألباب من الشعراء لا سيما الذين نهجوا منهم نهج الطريقة الرومانية لا ~~يفترون عن التفكير في هذا الأمر، ومما في منظومة الشموس الغاربات من لطائف الأبيات ~~قوله: «هذه السحب المتلونة بألوان الرصاص والذهب والنحاس والحديد تسكن فيها الزوبعة ~~والإعصار والصاعقة والجحيم وتدمدم دمدمة خفية، فهو الله الذي يعلقها جميعا في ~~السموات العميقة كما يعلق الفارس على أوتاد البيت أسلحته المتصلصلة.» # 42 # ومما ورد لفيكتور هوكو في هذا الديوان من القصائد البديعة، التي سماها «الدعاء ~~للجميع» قال: يا بنتي قومي للصلاة؛ انظري قد عسعس الليل، ونزل الضباب على الأفق، ~~وطلع النجم من وراء السحاب كأنه دينار، أنصتي لم يبق إلا مركبة تكر في الظلام على ~~بعد، والكل دخل ليستريح، والشجرة التي على الطريق نفضت غبار النهار بريح المساء ~~«وهي الدبور». # زحزح الشفق على النجوم ستار الليل وفجر كل نجم كالشرارة الحامية، ورقق المغرب ~~حاشيته الحمراء، وفضض الليل في الدجا وجه الماء، وامتزجت أتلام المحراث بالمسالك ~~وبما حولها من الشوك، واختفى الجميع عن العيان، والتبست الطريق على ابن ~~السبيل. # النهار للأذى والتعب والبغض، فلنشرع في الصلاة حيث دخل الليل، ما أصفى الليل وما ~~أوقره! الراعي يعود والماشية تجأر، والريح تعزف في نوافذ البرج، والمياه تركد في ~~المستنقعات، والجميع يتألم ويشكو؛ لأن ms192 الطبيعة من شدة تعبها أمست في احتياج للنوم ~~والصلاة والحب. # هذه الساعة هي التي يتكلم فيها الأولاد مع الملائكة، وأما نحن فنهرع فيها ~~لملاهينا الغريبة، فجميع الأولاد الصغار يدعون في آن واحد بدعاء واحد وهم راكعون ~~على الأرض، وأعينهم شاخصة إلى السماء، وأيديهم مضمومة وأرجلهم حافية، ويطلبون لنا ~~الرحمة من الله تعالى. # ثم ينامون - وحينئذ تتناثر أحلامهم الذهبية في حندس الليل بعد أن تتولد من هوشات ~~آخر النهار، فإذا رأت عن بعد أنفاسهم متصاعدة وشفاههم محمرة طارت إلى ناموسياتهم ~~كما يطير النحل إلى الأزهار ورفرفت حولها. # فيا عجبا لنوم السرير! ويا عجبا لدعاء الصغار! فهو صوت حنو ورأفة لا عدوان فيه، ~~وما أحلى هذا الدين الذي يقر العين ويضحك السن! هذا مطلع النشيد في ليلة السعود، ~~فينيم الولد عقله الصغير في الدعاء كما يضع الطير رأسه تحت جناحه. ~~••• # يا بنتي قومي للصلاة - وادعي أولا وخاصة للتي هزت الليالي الطوال في سريرك، للتي ~~التقطتك من عالم الذر وأنت نفس لطيفة، ووضعتك في الدنيا وصارت لك أما شفوقة وقسمت ~~لأجلك نصيبها من هذه الحياة المرة إلى قسمين، فشربت الحنظل وأسقتك العسل. # ثم ادعي لي، فإني أحوج منها لدعائك؛ لأنها هي مثلك صالحة، بسيطة، صادقة، قلبها ~~صاف، ووجهها راض، شفقت على كثيرين ولم تحسد أحدا، عاقلة، حليمة، صابرة على غصص ~~الحياة، متحملة للشر بدون أن تعرف فاعله. # طالما قطفت الزهور ويدها الطاهرة لم تمس قشر الشجرة المنهي عنها، # 43 # ولم تقع بالفخ مع ضحكة سنها، وتنسى دائما كل ما سلف ومضى، ولا تعرف ~~الأفكار الخبيثة التي تمر في الذهن كما يمر الظل على الماء. # تجهل - واجهلي مثلها دائما - ما في هذا العالم من الشقاء الملوث للنفس، ~~والحظوظ الكاذبة، والأباطيل الفانية، وكل ما عاقبته الندامة وتبكيت الضمير، ~~والشهوات التي ترغي على القلب كالرغوة، وخواطر الخجل والمرارة الباعثة على احمرار ~~الوجه. # أنا أخبر بالحياة ويمكنني أن أقول لك: متى كبرت واقتضى تعليمك بأن الجري وراء ~~السلطنة والسعادة والتفنن هو جنون ودناءة، وبأن كأس # 44 # الانتخابات ms193 تدور علينا وتسقينا الخزي بدلا عن الفخار، وبأن الإنسان ~~يخسر نفسه في لعب هذا القمار. # كلما عاشت النفس تعطشت، والأمور وإن شفت بدايتها عن نهايتها وظهرت أسبابها في ~~عاقبتها؛ فالإنسان مع ذلك يشيب على الرذيلة، وعلى الضلال المنفور منه، من كثرة ~~المشي يتيه الإنسان ويداخل عقله الشك، والكل يترك شيئا على شوك الطريق التي سلكها، ~~فالغنم تترك صوفها والرجل يترك فضيلته. # قومي إذن وادعي لي، وقولي في مقام كل دعاء: «يا الله يا الله يا ربنا أنت أبونا ~~فارحمنا إنك أنت الرحيم، فارحمنا إنك أنت العظيم.» ودعي قولك يذهب إلى حيث ترسله ~~نفسك، ولا تقلقي فلكل شيء طريق، فلا تقلقي على الطريق التي يذهب فيها. # لا شيء في هذه الدنيا إلا وله مجرى، فالنهر يجري ملتويا بين السهول حتى يصب في ~~البحر، والنحلة تعرف الزهرة التي فيها العسل، وكل طائر يطير ويقع دائما على غرضه، ~~فالنسر يطير ويرتفع نحو الشمس، والعقاب يهبط على المقبرة، والخطاف (السنونو) يطير ~~في الربيع، والدعاء يصعد إلى السماء. # فإذا ارتفع صوتك إلى الله بالدعاء لي أكون كالعبد الذي جلس في الوادي بعد أن حط ~~حمله على حافة الطريق، وأشعر بخفة نفسي؛ لأن دعاءك يأخذ بيده وهو صاعد جميع ما يثقل ~~على عاتقي من الآلام والأوزار والخطايا. # قومي ادعي لأبيك؛ لأصير أهلا لرؤية طيف ملك يمر في المنام كطير الحمام، ولتشتعل ~~نفسي مع اشتعال البخور، امحي خطاياي بنفسك الطاهر؛ ليصير قلبي معصوما نقيا كأنه ~~صحن الهيل الذي يغسل في كل مساء. ~~••• # ادعي أيضا لجميع من يمر على هذه الأرض من الأحياء، ولجميع الذين اندثرت مآثرهم ~~بهبوب الرياح وتلاطم الأمواج عليها، وللأحمق الذي يفرح بلمعان الحرير وبسرعة عدو ~~الخيل، ولكل من يتألم ويشتغل سواء كان غاديا أو باديا، سواء عمل خيرا أو ~~شرا. # ادعي للمنهمك في اللذات والعاكف على القبلات إلى الصباح، ولمن يتخذ وقت الصلاة ~~ليلهو بالرقص أو الجلوس على المائدة، ويشتغل بالفحشاء في الساعة التي تتلو النفس ~~الزكية فيها دعاء المساء، وإذا فرغت من دعائها ms194 رجعت خائفة من أن الله لم يسمع ~~رجاءها. # يا ولدي ادعي للعذارى المستورات، وللمحبوس في القلعة، وللعواهر اللواتي يبعن اسم ~~الحب الغالي، وللعاقل الذي يستغرق في مطالعاته ويتفكر في الخلق، وللكافر الملعون ~~الذي يطعن في الشريعة المقدسة - لأن الدعاء لا نهاية له؛ لأنك تؤمنين عن الذي يجحد ~~والطفولية تقوم مقام الإيمان. # ادعي أيضا للذين هم راقدون تحت حجر القبر، يا لها من حفرة سوداء تفتح أمامنا في ~~كل آن، جميع هذه النفوس الهالكة مفتقرة لمن يزيل عنها صداء الجسم # 45 # هل سكوتها دليل على أنها لا تتألم؟ يا أولادي لننظر تحت الأرض؛ لأن ~~الشفقة على الأموات. ~~••• # اركعي اركعي اركعي على الأرض؛ حيث وضع أبوك أباه، حيث وضعت أمك أمها، حيث يرقد كل ~~من عاش عليها رقدة عميقة حفرة يمتزج فيها الغبار بالغبار، ويجد الإنسان تحت أبيه ~~آباء، كاللج تحت اللج في بحر لا قعر له. # يا ولدي حينما تنامين تتبسمين، فيأتي الطيف وهو فرح في الظلام الذي غطست فيه، ~~فيجفل من نفختك ثم يعود إليك أيضا، وفي النهاية تفتحين عينيك الإلهيتين اللتين ~~أحبهما، في الوقت الذي يفتح فيه الفجر على الأفق جفنه، وله أهداب ذهبية فإن الفجر ~~عين إلهية أيضا. # ولكن الأموات لو تعلمين أي نوم ينامون! فراشهم باردة وثقيلة على عظامهم؛ ولذا ~~شنعتهم، والملائكة لا يسبحون وهم مجتمعون حولهم وطيف الخيال يثقل عليهم بجميع ما ~~جنته أيديهم، ليلهم ليس فجر، والندامة تنقلب دودا في القبر وتفتت قلوبهم. # يمكنك بكلمة يمكنك بقول أن تجعلي ندامتهم تتخذ لها جناحا وتطير، وأن تبعثي ~~بحرارة لطيفة تلذذ عظامهم، وأن تجعلي الشعاع يصيب أيضا أجفانهم الغامضة، وأن ~~توصلي لهم خبرا من النور والحياة، وشيئا من الرياح والأحراج والمياه. # قولي لي حينما تذهبين وأنت طفلة متفكرة تدورين على شاطئ البحر المتلاطم، أو تحت ~~الشجر الذي يملأ القلب مهابة بظله، وبتضارب الرياح عليه، ألا تسمعين صوتا يقول لك: ~~يا بني حينما تدعين ألا تدعين لي؟ # هذه شكوى الأموات! فالأموات الذين يدعى لهم ينبت على قبرهم نبات ms195 أشد اخضرارا ~~وأكثر أزهارا، ولكنهم منسيون وا حسرتاه! حتى الشيطان لا يضحك لهم ولا ضحكة ~~استهزاء، ليلهم بارد مظلم، وبعض الشجر الهائل الذي يظلل قبورهم يغرس دائما عروقه ~~في قلوبهم بلا شفقة عليهم. # ادعي! حتى إن الأب والعم والأجداد الذين لا يطلبون منا إلا الدعاء فقط، يهتزون في ~~قبورهم عند سماع ذكرهم، ويعلمون أن على وجه الأرض من يتذكرهم بعد، ويشعرون بحصول ~~دمعة في عينهم الفارغة، كما أن ثلم المحراث يشعر بتفتح الزهرة. ~~••• # يا حمامتي، لا ينبغي لي أنا أن أدعي لجميع الهالكين، ولا للأحياء المارقين من ~~الدين، ولا لجميع الذين ضمهم القبر، والقبر أصل المعابد. # لا ينبغي لي أنا الذي نفسه فانية، مملوءة بالخطايا، وفارغة من الإيمان، أن أدعي ~~للجنس البشري؛ لأن صوتي يكاد لا يكفي ليستغفر الله عن ذنوبي. # كلا بل لو أمكن أحد أن يدعي اليوم لهذه الأرض الفاسدة لكان أنت، أنت الذي صوتك ~~يسبح، ودعاؤك الطاهر يا ولدي يمكنه أن يتكلف بالآخرين. # اسئلي هذا الأب العظيم الذي يبسم في أفقك لماذا الشجرة الكبيرة تخنق الشجرة ~~الصغيرة؟ ومن الذي يميل بالعقل البشري عن الحق إلى الباطل. # اسئليه هل الحكمة لا تختص إلا بالأزلية؟ لماذا نفخته تحطنا؟ لماذا تحشر الإنسانية ~~في القبر بلا انقطاع؟ # الأولاد يسهرون في المكان المقدس على الذين أفناهم الإثم، فهم أزهار يعطرونهم وهم ~~بخور يفوح عليهم، وهم أصوات ترتفع إلى الله. # فلنترك هذه الأصوات العالية تفعل، ولنترك الأطفال جاثين على الركب، أيها المذنبون ~~كلنا ولنا ذنوب، كلنا على شفا جرف هار، فينبغي للطفولية أن تدعو لنا. ~~••• ~~... إلخ ... إلخ. # وقصيدة الدعاء للجميع طويلة ومشتملة على قواعد الإنسانية، والفلسفة الاجتماعية ~~التي شرعها وأوضحها في كتاب البؤساء؛ لأن النثر أوسع مجالا من الشعر الذي يضيق عنه ~~الكلام ولا يتيسر فيه إلا الرمز للمسائل والإشارة إليها، واللبيب تكفيه الإشارة، ~~وإنما أوردنا منها ما ذكر لتعلم الأساليب الشعرية التي جرى عليها المؤلف في النظم ~~على نهج الطريقة الرومانية ولتظهر أفكاره في الموجودات، وكان نظمه لهذه القصيدة، ~~وهو في سن ms196 الشيخوخة؛ أي في سنة 1880 وهي معتبرة من أبلغ كلامه. # وعساه اتبع في هذا الدعاء الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي - عليه ~~السلام. # قيل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة؟ # قال: أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك ثم أدناك. # ومما ورد في القرآن قوله تعالى: # واخفض لهما جناح ~~الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني ~~صغيرا ~~. # وقال المعري في اللزوميات: # وأعط أباك النصف حيا وميتا # وفضل عليه من كرامتها الأما # أقلك خفا إذا أقلتك مثقلا # وأرضعت الحولين واحتملت تما # وألقتك عن جهد وألقاك لذة # وضمت وشمت مثل ما ضم أو شما # والنصف هو النصفة والإنصاف، وأقل بمعنى حمل، واحتملت تما؛ أي أتمت أيام حملها ~~وولدت لتمام. ولو تتبعنا كلام المعري أو ما ورد على شاكلته من الشعر العربي لوجدنا ~~فيه أكثر المعاني الواردة في قصيدة الدعاء للجميع. # أغاني الشفق # ويشتمل هذا الديوان على نحو خمسين قصيدة بديعة أبلغها المنظومة التي عنوانها «إلى ~~العمود»، وهو المركون في ميدان فاندوم بباريس، وكان نصب على عهد الإمبراطورية ~~الأولى تذكارا لانتصارات نابوليون الأول على النامساويين والروسيين، واغتنامه منهم ~~الغنائم الكثيرة، وفي جملتها 1200 مدفع فبني العمود بالأحجار وصفح بنحاس المدافع ~~المغتنمة بعد أن نقش عليه صور المحاربات على الأسلوب المعروف عند الرومان، وبقية ~~الأمم الفاتحة القديمة التي نصبت المسلات والأعمدة والأهرام، وصورت الصور على جدران ~~المعابد والقبور، وعدد الشاعر في هذه المنظومة مظفريات نابوليون ومآثره ومفاخره، ~~وقال: بأن يد قدرته شيدت هذا العمود بالمجد والنحاس، والقصيدة من أبلغ أشعار ~~الحماسة، وقد صدرت من أفصح شاعر في حق أعظم فاتح. # ومن قصائد هذا الديوان المنظومة التي عنوانها «نابوليون الثاني»، ومطلعها: ألف ~~وثمانمائة وإحدى عشرة، وهي السنة التي ولد فيها الممدوح، وهذا المطلع من أساليب ~~الطريقة الرومانية، وليس فيها تعمل ولا تصنع كما في مطلع القصائد المنظومة على نهج ~~الطريق المدرسية، ونابوليون الثاني هو ابن نابوليون الأول وحفيد إمبراطور النامسا ~~ويسمى دوق ريشتاد، وكانت نشأته في فيينا عند أمه، ms197 وألف فيه شاعر العصر أدمون روستان ~~رواية بديعة سماها النسير (ليكلون) تصغير نسر، وتمثل في يومنا على المراسح. # وفي هذا الديوان أيضا منظومتان عنوانهما «قناري»، وهو بطل اليونان المتقدم ذكره ~~في ديوان الشرقيات، وكانت ولادته سنة 1792 في جزيرة إبصاره المجاورة لجزيرة ساقز، ~~ووفاته سنة 1877، وكان رئيسا على مركب صغير وبعد استقلال اليونان صار رئيسا ~~للأسطول، وناظرا للبحرية ثم رئيسا للوزارة. # وفيه أيضا قطعة عنوانها «الرجاء بالله»، ومنها يعلم حسن اعتقاد الرجل وإن كان من ~~أهل الحيرة. وهي: ضع يا ولد أملك في الغد، ثم في الغد أيضا، ثم في الغد دائما، ~~ولنعتقد في المستقبل، ضع أملك وكلما طلع الفجر لنكن هناك حاضرين لنستغفر كما أن ~~الله حاضر ليغفر، خطايانا ياحبيبي وملكي هي المسببة لآلامنا، فلعلنا إذا أطلنا ~~القعود على الركب يغفر الله لنا بعد فراغه من الغفران لجميع المعصومين ولجميع ~~التائبين. # الأصوات الداخلية # نقل المؤلف في مقدمة هذا الديوان عن شكسبير أنه قال في بعض مؤلفاته: بأن كل إنسان ~~في داخله موسيقة فتبا لمن لا يسمعها، وأورد في هذا الديوان اثنتين وثلاثين قصيدة ~~غراء، ومن أبلغها قصيدة «البقرة»، صور فيها قرية بما حولها من الدجاج والكلاب، ينبح ~~هؤلاء والناس نيام، وتصرخ أولئك عند طلوع الفجر، فالديوك حراس النهار والكلاب حراس ~~الليل، وفي تلك القرية بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين وقفت بكل هيبة ووقار لا ~~تعبأ بالذين حولها، وجاء صبية بشعور مغبرة وأطمار بالية، وأسنان حادة وصحة تامة، ~~وهم في صراخ وجلبة يزاحم بعضهم بعضا، وينادي كل فريق منهم رفاقه، واغتنموا فرصة ~~غياب اللبان، وانقضوا على البقرة يعصرون ثديها بأصابعهم، ويلتهمون حلماتها الكثيرة ~~بأفواههم ويمتصون حليبها، وهم متكأكئون حول أحشائها وهي غير مكترثة بما يفعلون، ~~وشاخصة ببصرها تنظر إلى بعض النقاط حولها. # فمثل هذه البقرة كمثل الدنيا أم المخلوقات وملجأهم الوحيد يلتقطون العشب واللبن ~~من تحت أحشائها الأبدية، قال المؤلف: فنحن معشر العلماء والشعراء تعلقنا بثديك ~~المتين أيتها الطبيعة وارتوينا بما أدره علينا، فكان لبنك دما وروحا لنا، ~~واستفدنا ms198 من نورك وحرارتك وأوراق شجرك ومن جميع ما عليك من الجبال الراسية والأنهار ~~الجارية، والمروج الخضراء والسماء الزرقاء، وأنت تفكرين بربك ولا تنزعجين ~~منا. # فبقرة فيكتور هوكو أشبه بأم دفر المعري حيث قال: # دنياك تكنى بأم دفر # لم يكنها الناس أم طيب # والدفر هو النتن والتعفن، ولا تخفى مناسبته في تكوين الحيوان والنبات، ولكن بقرة ~~فيكتور هوكو تدر على أبنائها بلبن سائغ للشاربين، والمعري: # يحلف ما جادت الليالي # إلا بسم لنا قطيب # والقطيب الممزوج. # الأشعة والظلال # افتتح هذا الديوان بمقالة أدبية نثرية قال فيها: # كتب شاعر عن جنة عدن الضائعة، وكتب شاعر آخر عن النار، فالدنيا بين الجنة ~~والنار، والحياة بين البداية والنهاية، والإنسان بين أول إنسان وآخر إنسان، ~~فالإنسان موجود باعتبارين أحدهما بالنظر للجمعية، والثاني بالنظر للطبيعة، ~~ووضع الله الشهوة في الإنسان، ووضعت الجمعية فيه العمل، ووضعت الطبيعة فيه ~~الخيال، فمن الشهوة الممزوجة بالعمل؛ أي من الحياة في الحاضر ومن التاريخ ~~في الماضي تولد «الدرام»، # 46 # ومن الشهوة الممزوجة بالخيال تولد الشعر بمعناه الأصلي، فإذا ~~نزل توصيف الماضي إلى التفصيلات العلمية، وإذا نزل توصيف الحياة إلى ~~التشريحات الدقيقة صار الدرام رومانا، فالرومان ما هو إلا درام مفصل تارة ~~بالفكر، وتارة بالقلب تفصيلا لا يليق بالتمثيل على المراسح، وعدا هذا ~~فالشعر فيه درام، والدرام فيه شعر، فالدرام والشعر ينفذ كل منهما في الآخر ~~كما تنفذ الحواس في الإنسان، أو كما ينفذ النور في الأجسام، والعمل فيه ~~أحيانا خيال، مثال ذلك ما قاله السيد في الرواية التي ألفها قورنيل: «هذا ~~النور المظلم الذي يهبط من النجوم.» # لا أحد في هذا الكون يتخلص من السماء الزرقاء والشجر الأخضر، والليل ~~المظلم والرياح العاصفة والطيور المغردة، وليس من مخلوق يقدر على التجرد من ~~الخليقة - على حد قول المعري: أأخرج من تحت هذي السماء، فكيف الأباق وأين ~~المفر - ومن جهة أخرى الخيال فيه أحيانا عمل ... لأن الواحد يتمم الآخر ~~والشيء يكمل بعضه البعض، فالجمعية تقوم في الطبيعة والطبيعة تظرف ~~الجمعية. # فالشاعر تنظر إحدى عينيه للإنسانية ms199 والأخرى للطبيعة، والعين الأولى تسمى ~~الملاحظة، والأخرى تسمى التصور، فمن هاتين العينين الشاخصتين في موضوعهما ~~يتولد في مخ الشاعر إلهام يقال له: القريحة ... إلخ. # ثم افتتح المؤلف هذا الديوان بقصيدة عنوانها «وظيفة الشاعر»، وكان تكلم على هذه ~~الوظيفة في مقدمة الديوان الأول، وقال: ينبغي للشاعر أن يكون للأمة نورا يسعى بين ~~يديها، ويريها طريق الصواب، ويقودها إلى المبادئ الحسنة، وهي الانتظام والشرف ~~ومكارم الأخلاق؛ ولتكون سلطة الشاعر هينة على الأمة يلزم أن يهتز بين أصابعه جميع ~~ألياف القلب الإنساني كما تهتز أوتار العود، ويلزم أن لا يكون كلام الشاعر صدى ~~لكلام أحد سوى كلام الله تعالى، وينبغي للشاعر أن يذكر الأمة بأن لها دينا وأن ~~لها وطنا، وهذا ما أغفل ذكره المتقدمون، وأن ينشر دائما بأشعاره ما يكون لبلاده ~~من الإقبال والإدبار، وما في دينه من الزهد والاستغراق في الحب حتى ينال المتقدمون ~~عليه والمعاصرون له شيئا من قريحته ومن روحه وحتى لا يقول عنه من يأتي بعده في ~~المستقبل بأنه كان ينشد أشعاره بين قوم جاهلين. # وبين فيكتور هوكو في القصيدة التي عنوانها وظيفة الشاعر أفكاره، وشرحها أحسن ~~شرح وشبه الطبيعة بعود كبير وشبه الشاعر بريشة إلهية يضرب بها على أوتار هذا العود، ~~فالشاعر يلهم الشعر وهو يسبح بين غياض الأشجار، وعلى سواحل البحار ويسمع هدير ~~الماء، وتلاعب النسيم بالأوراق. # وقال في آخر القصيدة الرابعة: انشر أيها الشاعر نشيدك الديني بين العائلات وبين ~~الصبيان والبنات وبين الشيوخ، وأرد بإصبعك الساحل للذين سارت بهم السفن في لج البحر ~~والأرياح متغيرة، # 47 # وأرد للعذارى العصمة وهي كوكب السعد والشرف، وأرد للجمهور المحراب ~~الذي غطاه الكفر، وأرد للشبان المستقبل وللشيوخ الخلود، وصب دليلك في عقول الرجال ~~والنساء، وأرد لكل منهم الصحيح من الجهة المقنعة حتى يجد عندك كل مفكر ما يفتش ~~عليه، أغرس محبة الله في القلوب والق في كل نفس كلمة إلهية من جنس ما تشعر به ... ~~إلخ. # وهذا ما أشار إليه المعري في مقدمة لزومياته، حيث قال: أنشأت أبنية أوراق ms200 توخيت ~~فيها صدق الكلمة ونزهتها عن الكذب، فمنها ما هو تمجيد لله وبعضها تذكير للناسين، ~~وتنبيه للرقدة الغافلين وتحذير من الدنيا الكبرى التي عبثت بالأول، واستجيبت فيها ~~دعوة جرول إذ قال لأمه: # جزاك الله شرا من عجوز # ولقاك العقوق من البنينا # فهي لا تسمح لهم بالحقوق وهم يباكرونها بالعقوق ... إلخ. # فهذه صفة الشاعر الذي ينبغي الاقتداء به والنسج على منواله، لا الشعراء الذين ~~يتبعهم الغاوون، وفي كل واد يهيمون ويقولون ما لا يفعلون حتى صار لهم الكذب خلقا، ~~والتملق للأمراء سجية استجداء لمعروفهم وطلبا لإحسانهم. # وأرق ما في هذا الديوان المنظومة التي عنوانها «حزن أوليمبيو» كني بهذا الاسم عن ~~نفسه، وقايس فيها بين جلال الطبيعة وجمالها، وبين قلة حظ الإنسان وقصر أيام سعادته ~~وليالي أنسه، وانقضاء شهواته وفناء لذاته؛ إذ كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو ~~الحلال والإكرام، قال فيكتور هوكو في آخر هذه القصيدة: يقرضنا الله المروج النضرة، ~~والعيون الجارية، والأشجار الملتفة، والصخور الوعرة، والسموات الزرق، والبحيرات، ~~والغدران، والسهول لنضع فيها قلوبنا وأمانينا وأشواقنا، وهذا القرض لأجل مسمى، ثم ~~يسترد جميع ذلك منا ويطفئ سراجنا، ويغمس في الليل المغارة التي كنا مستنيرين ونحن ~~فيها، ويقول للوادي الذي انطبعت عليه روحنا أن يمحى أثرنا وينسى ذكرنا، فلا حيلة، ~~انسينا أيتها الدار والبستان والظل والخضرة، وابلي بأعتابنا، واخف بالشوك أثر ~~أقدامنا وغردي يا طيور، واجري يا أنهار وانمي يا أوراق، فإن الذين نسيتموهم لا ~~ينسونكم أبدا ... إلخ. وهي طويلة محزنة، وفي هذا المعنى أو ما يقاربه قصيدة المعري ~~التي يقول فيها: # للمليك المذكرات عبيد # وكذاك المؤنثات إماء # فالهلال المنيف والبدر والفر # قد والصبح والثرى والماء # والثريا والشمس والنار والنثر # ة # 48 # والأرض والضحى والسماء # هذه كلها لربك ما عا # بك في قول ذلك الحكماء # خلني يا أخي استغفر الله # فلم يبق في إلا الذماء # ويقال: الكرام قولا وما في العص # ر إلا الشخوص والأسماء # وأحاديث خبرتها غواة # وافترتها للمكسب القدماء # وهي طويلة مدروجة في اللزوميات وكلها حكم، ونفس المعري ms201 ونفس فيكتور هوكو ~~يتقاربان، ولكن الأول أعمى والثاني بصير يرى بهجة الطبيعة وزينتها، فيظهر وصفها في ~~شعره، ويزيد فيكتور هوكو على المعري بأنه من أهل عصر جديد بزغت في أفقه شمس الحرية ~~والمدنية، واتسع فيه نطاق العلوم، وأفانين الصناعات، فارتفعت مدارك الشاعر. # ويشبهون قصيدة «حزن أوليمبيو» # 49 # بقصيدة البحيرة التي نظمها الشاعر الشهير لامارتين، وترجمها للسان ~~العثماني سعد الله باشا سفير الدولة العلية في ويانة وباريس سابقا. ورأيت في كتاب ~~فرنساوي نشر حديثا بأن أحمد بك شوقي شاعر الحضرة الخديوية ترجم قصيدة لامارتين ~~المذكورة للعربية، ومؤلف هذا الكتاب الفرنساوي فرديناند دي مرتينو وعبد الخالق بك ~~ثروت، وعنوانه منتخبات من غزل العرب ترجما فيه من كلام الجاهلية، وأهل الطبقة ~~الإسلامية ومن أقوال المعاصرين أيضا مثل حسن حسني ومحمود باشا سامي البارودي ~~وإسماعيل باشا صبري وحفني بك ناصيف. ~~••• # هذا ما نظمه فيكتور هوكو من الشعر الموسيقي في الدور الأول من حياته، وأما ما ~~نظمه في الدور الثاني؛ أي في منفاه فهو أعلى طبقة وأحسن ديباجة، وأشد تأثيرا ~~وإهاجة وأكثر توقدا وتوهجا؛ لأن قريحته نضجت في شمس الغربة، وهو معتزل عن الناس ~~بتلك الجزيرة، واستبحر فكره بمجاورته المحيط الغربي؛ لأن للجوار حقا، فنظم أحسن ~~مؤلفاته وهي ديوان القصاص وديوان التأملات وديوان سير الدهور، فأبلغ هجاء لفيكتور ~~هوكو ما هجا به نابوليون الثالث في ديوان القصاص، وأفجع رثاء له ما رثى به بنته في ~~ديوان التأملات، وأحسن شعر حماسي له ما ورد في ديوان سير الدهور، كما قرره العارفون ~~بكلامه. # القصاص # ألف فيكتور هوكو ديوان القصاص بعد انقلاب الجمهورية الثانية إلى الحكومة ~~الإمبراطورية، وذلك أن البرنس لويس نابوليون بونابرت ابن لويس بونابرت الذي كان ~~ملكا على هولاندا وأخ نابوليون الأول انتخب رئيسا للجمهورية لأربع سنوات ختامها ~~سنة 1850، فحلف أمام مجلس نواب الأمة، وبحضور فيكتور هوكو الذي كان عضوا فيه على ~~أن لا يبدل القوانين الموضوعة، ولا يخالف أحكام القانون الأساسي، ولا يخون عهد ~~الجمهورية، ثم صارت الأكثرية في المجلس لحزب الأورليانيين، وأرادوا تولية كونت ms202 ~~باريس وهو شاب من العائلة الملوكية في فرنسا، وكان يعارضهم حزب الوارثين الذين ~~يقولون بأن حق الوراثة في الملك إنما هي لكونت شامبور، فهو الذي ينبغي توليته على ~~سرير الملك الفرنساوي، فاغتنم رئيس الجمهورية هذه الفرصة؛ وكان حق الوراثة في ~~الإمبراطورية التي أسسها نابوليون الأول منتقلا إليه لوفاة نابوليون الثاني عند ~~أهل أمه في فيينا، وهو الملقب بليكون؛ أي النسير ودوق ريشتاد. وكان لنابوليون ~~الأول شهرة عظيمة واعتبار زائد في نظر أفراد الأمة، فأخذ رجال المعية وحاشية القصر ~~يشوقون ابن أخيه على الاستبداد بالأمر كما يفعل المقربون من أولي الأمر في كل جيل ~~وفي كل أمة، وكما فعلت بطانة هارون الرشيد ودسوا للمغنيين الشعر المهيج، واحتالوا ~~على سماعه للخليفة تحريضا له على البرامكة، ومن هذا الشعر قولهم: # ليت هندا أنجزتنا ما تعد # وشفت أنفسنا مما تجد # واستبدت مرة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد # فلما سمعها الرشيد قال: إي والله، إني عاجز حتى بعثوا إلي بأمثال هذا، وهكذا ~~كانت بطانة البرنس بونابرت رئيس الجمهورية يغرونه على الاستبداد، ونكث العهد وقلب ~~الحكومة. # ففي 2 ديسمبر سنة 1851؛ أي قبل حلول الأجل المضروب لانتهاء رئاسته نكث الأيمان ~~الذي حلفها وغير القانون الأساسي الذي تعهد برعاية أحكامه وعدم تغيير مضمونه، ~~وبدله بقانون أساسي آخر يخوله حق البقاء في رئاسة الجمهورية عشر سنين، ثم أبدله ~~أيضا بقانون أساسي ثالث أعلن به الحكومة الإمبراطورية بدل الحكومة الجمهورية، ~~وصدقت الأمة على هذين القانونين، وكان عدد أصوات المصدقين يزيد على 7 ملايين صوت، ~~فأعلن لويس نابوليون إمبراطور على فرنسا، وتلقب بنابوليون الثالث، وشرع في اضطهاد ~~المخالفين لسياسته وتعذيبهم، ففر فيكتور هوكو من بطشه وبعث يقول له بما ~~معناه: # وحلفت أنك لا تميل مع الهوى # أين اليمين وأين ما عاهدتني # فأجاب لسان الحال عن نابوليون الثالث: # والظلم من شيم النفوس فإن تجد # ذا عفة فلعلة لا يظلم # وخرج مشير القصر الإمبراطوري يجول بالعساكر في شوارع باريس، ويقول بما ~~معناه: # إن المعالي عروس غير وامقة # ما لم تخلق ردايها برشح ms203 دم # وكان أول هذا الملك من رجل # سعى إلى أن دعوه سيد الأمم # فهذا الرجل هو نابوليون الأول الذي لا يختلف في شجاعته ومهارته اثنان؛ ولكن عساكر ~~الإمبراطورية الثانية لم تظهر البسالة على قول فيكتور هوكو إلا في طرق باريس ~~وميادينها بقتل أحرار الرجال، بل النساء والأطفال ونفيهم من الأرض، وتغريبهم على ~~الجواري المنشآت في البحر، ولما انتشبت الحرب بينهم وبين جيرانهم ولوا مدبرين؛ ~~ولذا كان يقول لهم الشاعر متهكما: «أسد علي وفي الحروب نعامة». على أنا نحن معشر ~~العثمانيين لا ننكر بسالة عساكر الإمبراطورية، ولا شجاعة ماقمهون حينما صعد على ~~قلعة مالاكوف في مدينة سباستابول من شبه جزيرة القرم فقيل له بأن الروس وضعت تحت ~~البرج بارودا لتطيره، فأجاب «أنا هنا واقعد هنا»، فذهبت مثلا وكان ذلك في الحرب ~~التي حدثت بين الدولة العلية والروسيا سنة 1855، وكانت فرنسا وإنكلترة متفقتين مع ~~العثمانيين. # يشتمل ديوان القصاص على نحو مائة منظومة تفجرت منها سهام السخط والغضب، وتساقطت ~~كالرجوم والشهب على نابوليون الثالث، وعلى أشياعه وأحزابه ولم يدع منهم أحدا إلا ~~وعرض به، ورماه بنبال هجوه فندد بأعضاء «مجلس المبعوثان» # 50 # و«مجلس الأعيان» لتصديقهم على لائحة القانون الأساسي للحكومة ~~الإمبراطورية، وبالذين نفذوا هذا القانون من الوزراء وأمراء العسكر، وسائر رجال ~~الدولة والمعية، وبالذين تملقوا لرجال القصر الإمبراطوري، وقبلوا أعتابهم جرا ~~لمغنم أو دفعا لمغرم، وبالحكام الذين راعوا خواطرهم في الأحكام، وحكموا على أحرار ~~الرجال بل والنساء بالحبس والنفي والإعدام، وبالأقسة والرهبان الذين دعوا في ~~كنائسهم بتأييد عز الدولة الإمبراطورية، وسلق الجميع بألسنة حداد، وكلما ذكر سيئة ~~أو رذيلة لنابوليون الثالث قارنها بحسنة أو فضيلة من حسنات نابوليون الأول وفضائله؛ ~~ولذا لقب الأول بالكبير والثالث بالصغير فورد في أشعاره كثير مما يسميه أدباؤنا في ~~فن البديع بالطباق، وهو الجمع بين متضادين سيما في الهجوية التي عنوانها الاستغفار، ~~أو تكفير السيئات فإنه جعلهما فيه على طرفي نقيض، فأهاجي ديوان القصاص تتخللها ~~أشعار المدح والحماسة. # وفي هذا الديوان أيضا «رثاء في الذين قتلوا في حادثة ms204 4 ديسمبر»، وتحانين الذين ~~أخرجوا من ديارهم ونفوا بعيدين عنها، وأناشيد «الذين سفروا على البحر ووصف حالة ~~أولئك المصابين والمحكومين والمنفيين، وحنينهم إلى أوطانهم وشوقهم لمن تركوه فيها ~~من الأرامل والأيتام ومن الأخوات والبنات، أو الآباء والأمهات اللواتي يبكين عليهم ~~بكاء الخنساء على أخيها مما تنفطر له القلوب، وتتفتت الأكباد لا سيما من قرأ شعره ~~وهو يتألم بلدغة الاستبداد». # فمما ورد في هذا الديوان من بدائع المعاني القصيدة الثالثة من الفصل الثاني، ~~وعنوانها «تذكار ليلة 4»، وهي الليلة الثانية من جلوس نابوليون على تخت ~~الإمبراطورية، نظمها الشاعر ليلة عيد الجلوس سنة 1852، وصور فيها ما شاهده في تلك ~~الليلة وجسم الحادثة بكيفية بديعة، ومضمونها أن صبيا يتيما حسن الصورة حسن ~~الأخلاق كان يلعب مع الصبيان أمام دارهم فأصابته رصاصتان من بنادق عسكر ~~الإمبراطورية، وهم يتجولون في شوارع باريس لإرهاب الناس وتسكينهم؟ ولم يكن لهذا ~~الصبي المقتول إلا جد وجدة طاعنان في السن ليس لهما وارث سواه، فأدخلته جدته الدار ~~والدم يسيل من جراحاته ومات بين يديها، فأخذت تنوح وتلطم وتقول: وا سوأتاه! وا ~~حسرتاه! كيف أعيش بعدك يا ولدي ومهجة كبدي، لم تخلف لي أمك سواك، أفهموني أنتم يا ~~حاضرون لماذا قتلوه؟ أريد أن تعرفوني السبب، الصبي لم يصرخ لتحي الجمهورية. # قال الشاعر: أما نحن فكنا واقفين صامتين مدهوشين وفرائصنا ترتعد أمام هذا المأتم ~~الذي لا عزاء له ... إلى أن قال لها مخاطبا: أيتها الجدة إنك لا تفهمين السياسة ~~أبدا، الموسيو نابوليون - وهذا اسمه الصحيح - فقير بل وأمير أيضا (برنس)، يحب ~~القصور ويقتضي أن يكون له خيل وخدم، ونقود للعب القمار ولسفرة الطعام ولخزائن ~~الملبوسات وللخروج للصيد، وبهذه الوسيلة يخلص العائلة والكنيسة والجمعية، ويريد أن ~~يكون قصر سن كلو مملوءا بالورد طول الصيف لتأتي إليه ولاة البلاد وأعيانها ويسجدوا ~~له، فهذا هو السبب الذي أوجب الجدات العجائز أن يخطن بأصابعهن المرتجفة من الهرم ~~أكفان صبيان لم يتجاوزوا من العمر سبع سنين. # والقصيدة السادسة من الفصل الثالث عنوانها «الشرقية» قال فيها : # لما رأى ms205 عبد القادر وهو في سجنه قد دخل عليه ذاك الرجل الضيق العينان، ~~الذي يسميه التاريخ نابوليون الثالث قال مزدريا: من يكون هذا الرجل؟ رأى ~~وهو في نافذته رجل قصر الإيليزة الأحول يمشي وخلفه قطيع كالغنم في خدمته، ~~أما هو فكان أسد الصحراء والسلطان الذي ولد تحت أشجار النخيل، وصاحب السباع ~~الكاسرة، فهو الحاج النافر وعيناه هاديتان، والأمير المفكر الشديد الرحيم، ~~وهو رجل عابس متشائم وشبح أصفر في برنس أبيض، وثب وهو خمران بمداومة الحرب ~~ثم وقع في الظل على الركب، وهو الذي يصلي على قارعة الطريق، ويجلس في ~~الخباء المرفوع الأطناب ويري النجوم يديه المصبوغتين بدم الإنسان وهو ساكن ~~الجأش، وهو الذي يسقي السيوف ويجلس على الرءوس المقطوعة مفكرا في بديع خلق ~~السموات، فلما رأى لحظ هذا الرجل الخائن المحتال وجبهته المظلمة من الخجل ~~أحجم عنه هو العسكري الجميل، والشيخ المهيب الجليل ونفر من شاربي ذاك ~~الشنيع. # 51 # فقيل له: انظر أيها الأمير بلطاة العساكر وهي مارة، فهذا الرجل هو قيصر ~~الحرامي، اسمع هذه الشكايات المرة وهذا الصراخ المتعال، فهذا الرجل الذي ~~لعنته الأمهات ولعنته الزوجات؛ لأنه رملهن وكسر قلوبهن، وأخذ فرنسا ~~وقتلها وهو الآن يلغ في دمها، فحينئذ سلم عليه الحاج عبد القادر، ولكنه في ~~الباطن احتقر هذا الدني الدموي. فهذا النمر الأشم الأنف شم ذاك الذئب وهو ~~مستخف به ا.ه. # نظم فيكتور هوكو هذه الهجوية، وهو في جزيرة جرسي في نوفمبر سنة 1852، وكان ~~الإمبراطور نابوليون بعد جلوسه يذهب للاصطياف في مدينة بو التي هي من أجمل المدن ~~الفرنساوية على حدود جبال البيرينة، وفي مدينة بياريس التي على ساحل المحيط الغربي ~~بالقرب من الحدود الإسبانية، فزار في إحدى سفراته الأمير عبد القادر الجزائري ولطفه ~~وأطلق سراحه. # فإن هذا الأمير الخطير بعد أن ثبت أمام الفرنساويين 15سنة، وأظهر من البسالة ~~والدراية في الحرب ما لا مزيد عليه اضطر سنة 1264 على تسليم نفسه، فسيره الدوق ~~دومال والي الجزائر في ذلك الحين إلى فرنسا، فأنزل في قصر لا مانع من مدينة ms206 طولون، ~~ثم نقل منه إلى قصر مدينة بو ويسمى قصر هنري الرابع، وهو من أحسن القصور بناء ~~وزينة، ولم يزل السائح يشاهد فيه الدائرة التي سكنها الأمير عبد القادر سنة 1848م، ~~ثم نقل منه إلى قصر إمبواز وهو بالقرب من مدينة تور، التي انتهت إليها فتوحات العرب ~~في أوائل القرن الثاني من الهجرة، وفي سنة 1269ه حضر الأمير عبد القادر للأستانة، ~~ونال التفات السلطان عبد المجيد وذهب يقيم في مدينة بروسه، ولما حصلت فيها الزلازل ~~ارتحل عنها إلى دمشق سنة 1272ه، وتوفي سنة 1300ه في قصره الذي بقرية دامر فنقل نعشه ~~إلى الصالحية، ودفن بتربة محيي الدين بن العربي - رحمهم الله جميعا - والأمير عبد ~~القادر هو رب السيف والقلم، وله تآليف معتبرة مطبوعة وترجم إحداها للفرنساوية ~~الموسيو دوغا، وكان الأمير عضوا فخريا في الجمعية العلمية الفرنساوية. # ومما في هذا الديوان من الأهاجي والمناجات البليغة المنظومة الثالثة من الفصل ~~السادس، وعنوانها «دعاء المغربين»، وفيها توسلات إلهية ومخاطبات لحمام الوادي، ~~ونسيم الصبا كأنها مترجمة عن العربية قال فيها: # يا الله يا كبير إليك ترتفع أكفنا، ونحوك تشخص أبصارنا، اللهم إن هؤلاء ~~المكبلين بالحديد وعبراتهم تسيل على الخدود لهم أشد الممتحنين بلاء، مع ~~أنهم أصلح الناس حالا، أيتها الطيور المارة إن هناك منازلنا، أيتها الرياح ~~الجارية إن هناك أخواتنا وأمهاتنا يبكين ليلا نهارا، بلغيهم يا طير ~~بؤسنا، واحمل إليهم يا نسيم الصبا أشواقنا، وأنت يا الله نرسل إليك فكرنا، ~~ونسألك أن تنسى هؤلاء المحكوم عليهم بالقتل ظلما، ولكن أن تجعل مجدهم ~~لفرنسا المهانة، وأن تتركنا نحن المظلومين نموت في هذا العذاب الأليم ... ~~إلخ. # وهذا يذكرنا بقول ابن المعتز حينما أخد ليقتل: # يا نفس صبرا لعل الخير عقباك # خانتك من بعد طول الأمن دنياك # مرت بنا سحرا طير فقلت لها: # طوباك يا ليتني إياك طوباك # إن كان قصدك شوقا بالسلام على # شاطئ الفرات أبلغي إن كان مثواك # من موثق بالمنايا لا فكاك له # يبكي الدماء على إلف له باكي # ولا أدري إن كان لها ms207 بقية أم لا، ولكن الغالب في الشعر العربي أن يعلو به النفس، ~~ثم ينقطع قبل أن يشفى غليل النفس بذكر الوسط الذي يقوم فيه الشاعر وشرحه وتوصيفه ~~بجميع ما فيه، كما يفعل شعراء الإفرنج، نعم إن شعراء الجاهلية ومن نسج على منوالهم ~~شرحوا أوصاف الفرس أو الناقة مثلا، وأطنبوا في ذلك، ولم يتركوا عضوا ولا حركة ~~ولا هيئة إلا ذكروها، وتخيلوا فيها ولكنهم مع ذلك حصروا نظرهم في نقطة واحدة، ولم ~~يلتفتوا يمينا وشمالا إلى ما حولهم من مناظر الطبيعة وبدائع المخلوقات. # وابن المعتز أشعر بني هاشم وهو ابن الخليفة العباسي المعتز بالله بن المتوكل، ~~ويسمى خليفة يوم؛ لأنه ولي الخلافة يوما واحدا، ثم خانته الأيام وغدرت به السياسة ~~فسلم لمؤنس الخادم فقتله. وتشبيهات ابن المعتز وأشعاره مشهورة ومن مؤلفاته كتاب ~~الزهر والرياض، كتاب البديع، كتاب مكاتبات الإخوان بالشعر، كتاب الجوارح والعين، ~~كتاب السرقات، كتاب أشعار الملوك، كتاب الآداب، كتاب حلي الأخبار، طبقات الشعراء، ~~كتاب الجامع في الغناء، أرجوزة ذم الصبوح، ومن قوله: # سقى الحظيرة ذات الظل والشجر # ودير عبدون هطال من المطر # فطالما نبهتني للصبوح بها # في غرة الفجر والعصفور لم يطر # ومن كلامه البديع قوله: أنفاس الحي خطاه إلى أجله. وكان مستجمعا للكمالات ~~الإنسانية، وقيل في رثاه: # ما فيه لولا ولا ليت فتنقصه # وإنما أدركته حرفة الأدب # قرأ على المبرد وثعلب، وتاريخ ولادته (247-296ه). # والفصل السابع من هذا الديوان هجوية عنوانها «هاتين قدوركن يا ساحرات شكسبير» ~~إشارة إلى رواية ماقبت التي ألفها شكسبير وما فيها من خبر الساحرات اللواتي يطبخن ~~السحر في القدور، ويفتحن للنساء الفال، فقال فيكتور هوكو: هاتين قدوركن يا ساحرات ~~شكسبير، وخذن عني يا ساحرات ماقبت كل الإمبراطورية من قديمة وحديثة، وضعن في كانون ~~واحد برجه السمين والكونت فروشو، وفلان وفلان ... وعددا كثيرا من رجال نابوليون إلى ~~أن قال: واحنين رءوسكن وانفشن شعوركن وحملقن عيونكن، واكشفن نحوركن وانفخن بملء ~~رآتكن على النار التي تحت القرعة، وانظرن؛ فإن الصغير يخرج من الكبير، وصيرن باروش ~~وطالبران بخارا، ms208 وكذا ابن الأخ الذي يهبط بينما أن العم يعلو، فما الذي بقي في قعر ~~الإنبيق؟ العار. # فكان فيكتور هوكو وهو في جزيرة جرسي كلما سمع بنفي المتهمين بالسياسة لبلاد ~~الجزائر أو لأميركا؛ يفور غضبه، ويشتد غيظه، ويهدر كهدير البحر. وشبه السفن التي ~~تحمل المنفيين بالبوم التي تنادي على خراب البلاد بإبعاد نخبة الشبان الأحرار منها، ~~ولكنه مع ذلك لم ينقطع رجاه ولا خابت أمانيه، بل كلما نظر في المستقبل لاح له قبس ~~الفلاح ولمع في عينيه نور الصباح، وراقت أشعاره وصفا كلامه؛ ولذا شبهوه بالبحر الذي ~~يهيج تارة ويسكن أخرى، وله في البحر تشابيه واستعارات لم يسبق إليها. # وقال في خاتمة هذا الديوان بأنه سوف ينبلج صبح العدل، ويزهق ليل الباطل إن الباطل ~~كان زهوقا، وأنذر باستيقاظ الأمة من رقدة الغفلة، ومجازاتها الظالمين المستبدين ~~المجرمين، إن المجرمين في ضلال وسعر. # إن الذين كفروا ~~وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم ~~طريقا ~~، ولو اطلع السيد عبد الله نديم على ديوان القصاص لما حرر كتاب ~~المسامير. # ديوان التأملات # وعرف هذا الديوان بتسميته أيضا «سانحات الفكر»، ولخص فيه أعمال ربع قرن من ~~حياته، وما شعر به من فرح وترح، وقال في مقدمته: بأنه تاريخ حظ من الحظوظ البشرية ~~في شقائه وسعادته، أو هو ديوان الحياة الإنسانية منذ خرجت من معمي المهد إلى أن ~~نزلت في معمي اللحد، وأبواب هذا الكتاب هي: الفجر، النفس الزاهرة، التنازع ~~والأماني، في المسير، على ساحل اللامتناهي، ومنها يفهم فكر الشاعر في ترتيب المنازل ~~التي يقطعها المسافر في طريق الحياة، وأجاد في وصف المناظر الطبيعية وتصوير وجوه ~~الأرض على حد قول أبي تمام: # يا صاحبي تقصيا نظريكما # تريا وجوه الأرض كيف تصور # تريا نهارا مشمسا قد زانه # زهر الربا فكأنما هو مقمر # ومن ذلك أيضا قول القاضي عياض وقد تولى قضاء سبتة وغرناطة: # انظر إلى الزرع وخاماته # تحكي وقد ماست أمام الرياح # كتيبة خضراء مهزومة # شقائق النعمان فيها جراح # وأبدع ما في هذا الديوان الرثاء الذي رثى بنته ms209 حينما أنشبت فيها المنية أظفارها ، ~~وهي في ريعان الشباب وأشهر العرس، وأتى بالبدائع والعجائب في وصف قلب الوالد على ~~ولده، وما يكابده بسبب موته من آلام الحياة وعذابها، ولعله تابع في النظم شعوره ~~وإحساسه، فجعل أول المراثي تفجعا وبكاء، ثم ارتفع صوته بالنحيب والعويل، ثم زاد ~~ألم الرزيئة عليه، وكبرت المصيبة في عينيه فصار يهدر كما يهدر المجنون، ولا يعي ما ~~يقول فطورا يقاتل القضاء، وتارة يلعن القدر وانقطع من الدنيا وزال رجاؤه بالآخرة، ~~ويئس من هذه الحياة الفانية. # ثم برد قلبه شيئا فشيئا، وهدأ باله رويدا رويدا، فصار يندب ميته ويعدد ~~محاسنها، ويتذكر زمان طفوليتها وشبابها وعرسها، وكل ذاكرة منه تسيل من عينيه عبرة، ~~وتودع في قلبه حسرة، ولم ير له ملجأ إلا في تسليم الأمر لله والرضاء بما قدره ~~وقضاه فصبر على البلاء، ورجع بانكسار وتزلل إلى الله، وانكب على أعتاب مراحمه كأنه ~~عمل بنصيحة الشيخ محمد عليش حيث قال: # الزم باب ربك واترك كل دون # واسئله السلامة من دار الفتون # لا يضيق صدرك فالحادث يهون # الله المقدر والعالم شئون # لا تكثر همك ما قدر يكون # نحن والخلائق كلنا عبيد # والإله فينا يفعل ما يريد # همك واغتمامك ويحك لا يفيد # القضا تحكم فالزم السكون # لا تكثر همك ما قدر يكون # ومنها أيضا: # مولاك المهيمن إنه يراك # فوض له أمورك وأحسن في الظنون # ومنها: # الرضا فريضة والسخط حرام # والقنوع راحة والطمع جنون # وأفجع رثاء وأحسن توسل لفيكتور هوكو ما جاء في المرثية التي عنوانها «إلى ~~فيلكيه»، وهي المدينة التي غرقت بقربها ليوبولدين، وهي تتنزه مع زوجها في زورق على ~~نهر السين، وقد أتينا على ترجمتها بالحرف بيانا لأسلوبه في التفجع والرثاء، قال ~~فيكتور هوكو وكان خرج من باريس، وذهب إلى جبال البيرينة وسواحل المحيط الغربي: # إلى فليكيه # الآن باريس وطرقها وجدرانها وضبابها وسطوحها بعيدة عن عيني، الآن أنا ~~تحت غصون الأيك وأستطيع التفكر في حسن السموات، الآن خرجت مصفرا من ~~المأتم الذي أظلمت منه روحي، وشعرت بأن سلام الطبيعة ms210 الكبرى دخل ~~قلبي. # الآن استطعت أن أجلس على شاطئ البحر متأثرا من هذا الأفق اللطيف الهادي، ~~وأن أفحص في ضميري عن الحقائق الغامضة، وأن أنظر إلى الأزهار وهي في ~~الحدائق. # الآن يا ربي، حصلت لي سكينة محزنة أستطيع بسببها أن أرى بعيني رأسي ~~الحجر، الذي أعرف أنها نامت في الظل تحته نومة أبدية. # الآن قد رقت عواطفي بهذه المناظر الإلهية ما بين سهول وغابات، وصخور ~~وأودية ونهر كالفضة. # ولما رأيت عجزي، ورأيت معجزاتك رجع لي عقلي أمام جلالك، فجئت إليك يا ~~الله يا من يجب علينا الإيمان به، وأحضرت لك قطع هذا القلب الذي ~~كسرته وهو مملوء بحمدك. # جئت إليك يا الله، معترف بأنك رءوف رحيم حليم وبأنك إله حي. وأقر بأنك ~~وحدك تعلم ما تصنعه، وبأن الإنسان ما هو إلا ريشة في مهب الريح. # أقول: بأن القبر الذي ينغلق على الأموات يفتح الفلك الأعلى، وأن ما نحسبه ~~في هذه الدنيا نهاية هو البداية. # أقر أيها الإله العظيم وأنا راكع بأنك وحدك مالك لما هو حقيقي، مطلق، ~~لا نهاية له، أقر بأن انجراح قلبي هو خير وهو عدل؛ لأن الله أراد ~~ذلك. # لا أعترض أصلا على جميع ما أصابني بإرادتك، فالنفس تتدحرج في الأبدية من ~~مأتم لمأتم والإنسان يتدحرج من ساحل لساحل. # لا نرى من الأشياء إلا طرفا واحدا والطرف الآخر غاطس في سر ليل مرعب. ~~فالإنسان يتحمل الأذى بدون أن يطلع على الأسباب، وجميع ما يراه قصير، زائل، ~~لا فائدة فيه. # أنت تلقي الإنسان دائما في طريق الشك، ولم ترد أن يكون له على هذه ~~الأرض يقين ولا سرور. # لا يملك الإنسان خيرا إلا ويسترده القدر منه، فهو لم يعط شيئا في ~~أيامه السريعة الزوال؛ ليتمكن أن يتخذ له مسكنا، ويقول: هنا بيتي وأرضي ~~وأحبائي. جميع ما تراه عيناه ينبغي أن يراه في مدة قليلة، ثم يهرم وتخور ~~قواه، فما دامت هذه الأشياء واقعة وأنا أقر بأنها حدثت كما يلزم أن ~~تحدث. # 52 # يا الله! العالم مظلم، والحانة التي ms211 لا تتغير مؤلفة من ~~البكاء ومن الغناء أيضا، والإنسان ما هو إلا ذرة في هذا الظلام الغير ~~المتناهي، فهذا ليل يصعد فيه الأبرار ويهبط الأشرار. أعرف بأن لك يا الله ~~أشياء أخرى كثيرة تشتغل بها عوضا عن أن تشفق علينا جميعا، وبأن الولد ~~الذي يموت ويخلف الحزن لأمه لا يضرك منه شيء. # أعرف بأن الثمر يسقط من الريح الذي يهزه، وبأن الطير يفقد ريشه والزهر ~~يفقد رائحته، وبأن الخليقة دولاب كبير لا يمكنه أن يدور بدون أن يسحق ~~أحدا. # الشهور، والأيام، وأمواج البحر، والعيون الذارفة بالبكاء تمر جميعا تحت ~~السماء الأزرق. أعرف يا ربي أنه يلزم للعشب أن ينبت وللأولاد أن يموتوا، ~~لعلك في سمواتك ما وراء طبقة الغيم، وفي أعماق هذه الزرقة النائمة التي لا ~~تتحرك تصنع أشياء مجهولة يدخل فيها ألم الإنسان كأنه عنصر من ~~عناصرها. # لعل هلاك الأشخاص الملاح بتيار المصائب فيه فائدة لمقاصدك التي لا تحصى، ~~طوالع نحوسنا تسير تحت نواميس واسعة لا يغيرها شيء، ولا يرقق عواطفها ~~شيء، وليس في الإمكان أن تأتي المراحم الإلهية فجأة وتغير ناموس ~~العالم. # أتوسل إليك يا الله بأن تنظر لنفسي، وتعتبر بأني أتيت لعبادتك خاضعا ~~خضوع الصبي ولينا لين المرأة. # واعتبر أيضا بأني منذ طلوع الفجر اشتغلت، وقاتلت، وافتكرت، وسعيت، ~~وجادلت وأنا أفسر الطبيعة للناس الذين يجهلونها، وأنير كل شيء بنورك، وأني ~~عملت الواجب علي في هذه الدنيا وأنا أقتحم المهالك والمخاطر، ولا يمكني ~~أن أنتظر هذا الجزاء ولا أقدر أن أتأمل بأنك أنت أيضا تنزل يد بطشك على ~~رأس المنحني، وبأنك أنت الذي ترى قلة حظي تأخذ أيضا ولدي على عجل، وأعتبر ~~بأن النفس التي أصيبت بمثل هذه المصيبة هي مدفوعة على الشكوى، وبأني اجترأت ~~على سبك وعلى رفع صوتي عليك كالولد الذي يرمي البحر بحجر، اعتبر يا ربي بأن ~~المرء قد يشك في الله حينما يشتد عليه الألم، وأن العين التي تبكي كثيرا ~~تعمى في النهاية، وأن الشخص الذي يلقيه مأتمه في أظلم هاوية لا يمكنه أن ms212 ~~يضرع إليك وهو لا يراك. # اليوم وأنا ضعيف القلب كالوالدة أنحني على أعتابك تحت سمواتك المنكشفة، ~~وأشعر في مرارة ألمي بأني استنرت بنظرة وقعت مني على العالم. # يا ربي، أنا أعترف بأن الإنسان إذا جسر على الشكوى منك فهو في حالة ~~الجنون، فها أنا تركت الشكوى وتركت السب، فدعني أبكي، وا حسرتاه! دع ~~الدموع تجري في جفوني؛ لأنك خلقت البشر لذلك، دعني أنحني على هذا الحجر ~~البارد، وأقول لولدي: أتشعرين بأني هنا؟ # دعني أكلمها في المساء حينما يسكن كل شيء وأنا منحن على ما بقي من ~~جسدها، وهي كأنها ملك ينصت لي وكأنها تفتح في الليل عينيها ~~السماويتين. # وا حسرتاه! لم يبق في الدنيا شيء يسليني، فالتفت نحو الماضي بعين ~~الاشتياق، ونظرت إلى تلك اللحظة من حياتي فرأيتها تفتح جناحيها وتطير، ~~وسأرى تلك اللحظة حتى مماتي، تلك اللحظة التي فاضت فيها دموعي وصرخت ~~قائلا: ماذا إذن الولد الذي كان لي الآن فقدته بالكلية! # لا تغضب علي يا ربي إن قلت هذا؛ لأن جرحي سال دمه زمانا طويلا والضيق ~~في نفسي لم يزل شديدا، وقلبي وإن خضع لكنه لم يسلم ولم يرض. # لا تغضب يا ربي! حيث يصعب علينا أن نخرج نفسنا من هذه الأكدار العظيمة، ~~أنت يا ربي أعلم بأن أولادنا لازمون لنا، إذا رأى الإنسان ذات يوم في حياته ~~وهو بين أكداره وأتعابه وفقره، والبلاء الذي رمته به أقداره قد ولد له ولد ~~جميل ضاحك بشوش يخال أنه رأى باب السموات فتح له، فإذا رأى مدة سبع عشرة ~~سنة ولده الذي هو قطعة من جسده يكبر وينمو ويعقل، وإذا عرف أن هذا الولد ~~الذي يحبه هو نور في قلوبنا وضياء في بيوتنا، وأنه هو السرور الوحيد الذي ~~لنا من جميع ما نتمناه في هذه الدنيا، فلا يخفى عليك يا ربي أنه إذا فقد ~~منا يكون حزننا عليه عظيما ا.ه. فيلكيه في 4 سبتمبر سنة 1847. # وبعد أن طال رثاء فيكتور هوكو وندبه حصلت له ألفة بالموت واعتاد عليه، فانحنى على ms213 ~~القبر كأنه يريد انتزاع السر المكنون فيه ونظم قصائده التي عنوانها «كلام على ~~الكثيب» و«وقفة في المسير» و«ما هو الموت»، ولكن لم يتيسر له رفع الستر عن القبر ~~ولا إزالة الحجاب عن هذا الباب، وأكثر في كلامه من توحيد الله وذكر الآخرة وخلود ~~النفس. # ومن القصائد المشهورة في رثاء الأولاد القصيدة العينية، التي نظمها أبو ذؤيب ~~الهذلي المتوفى سنة 27 للهجرة، وكان مات له في سنة واحدة خمسة أولاد في الطاعون ~~الذي حدث بمصر، ومطلع قصيدته: # أمن المنون وريبه تتوجع # والدهر ليس بمعتب من يجزع # ومنها: # أودى بني فأعقبوني حسرة # عند الرقاد وعبرة لا تقلع # فالعين بعدهم كأن حداقها # كحلت بشوك فهي عور تدمع # وفي أشعار فيكتور هوكو ما يحاكي كلام أم حكيم زوجة عبيد الله بن عباس والي اليمن ~~من قبل علي - رضي الله عنه - حينما أتاهما بشر بن أرطاة قائد عساكر معاوية، وذبح ~~لها ابنين صبيين فلم تملك أمهما نفسها، ولا قدرت أن تقر في مكانها، بل كانت تحوم ~~حوم الطير حول وكر صغارها، وقد ذهب عقلها وفرغ صبرها، فقالت تبكيهما وتولول: # ها من أحس بابني اللذين هما # كالدرتين تشظى عنهما الصدف # ها من أحس بابني اللذين هما # قلبي وسمعي فقلبي اليوم مختطف # ها من أحس بابني اللذين هما # مخ العظام فمخي اليوم مردهف # من ذل والهة حيرى مدلهة # على حبيبين ذلا إذ غدا السلف # خبرت بشرا وما صدقت ما زعموا # من إفكهم ومن القول الذي اقترفوا # أنحي علي ودجى ابني مرهفة # مشحوذة وكذاك الإثم يقترف # ومثل ذلك مراثي شواعر العرب وجمع كلامهن أحد أفاضل العلماء ونشره في بيروت، وسيدة ~~شواعر العرب الخنساء القائلة: # أعيني جودا ولا تجمدا # ألا تبكيان لصخر الندى # ألا تبكيان الجريء الجميل # ألا تبكيان الفتى السيدا # ومن شواعر العرب برة بنت عبد المطلب جد النبي - عليه السلام - قالت في وفاة ~~أبيها: # أعيني جودا بدمع درر # على طيب الخيم والمعتصر # على ما جد الجد واري الزناد # جميل المحيا عظيم الخطر # والبكاء على الأموات وندبهم من ms214 عادة نساء العرب؛ ولذا نبغت فيه الشواعر منهن سيما ~~وأن قلب المرأة أرق وأحن؛ ولذا قال فيكتور هوكو: بأنه صار ضعيف القلب ~~كالوالدة. # ومما ورد للعرب في هذا المعنى قول أبي بكر بن زهر الأندلسي: # ولي ولد مثل فرخ القطا # صغير تخلف قلبي لديه # وأفردت عنه فيا وحشتا # لذاك الشخيص وذاك الوجيه # تشوقني وتشوقته # فيبكي علي وأبكي عليه # وهذا الشاعر الرقيق اشتهر بفن الطب وعلم الأدب، وسارت الركبان بموشحاته وهو حفيد ~~أبي العلاء بن زهر الطبيب المشهور، وكان صاحب هذه الأبيات بعث به إلى مراكش وسمم ~~فيها فمات سنة 596ه، وله بنت وأخت ماهرتان في الطب والقيلة نفيتا أيضا إلى مراكش، ~~وقتلتا مثل أخيهما بالسم، وأبقى ولده في الأندلس، فقال الأبيات المذكورة ~~متشوقا. # سير الدهور # ديوان جليل ملأه الشاعر بالحكمة والفلسفة فأحوج مطالعه إلى الدقة والتبصر فيه، ~~ومراجعة كتب التاريخ والفلسفة لفهم دقائق معانيه، كما يحتاج لذلك قارئ اللزوميات ~~ورسالة الغفران، وأشباههما من كتب الأدب والفلسفة التي خفيت وقائعها على كثيرين ~~فنسبوا لها الركاكة. ومن هذه الكتب أيضا ما ألفه الصفدي شرحا على الطغرائي صاحب ~~لامية العجم والقصائد المعروفة في الكيمياء. ومنها أيضا ما ألفه أبو بكر بن ~~الوحشية صاحب الفلاحة النبطية سنة 904م، ومنها نسخة في مكتبة أيا صوفيا، وزعم ~~المستشرق الروسي شولسن # 53 # بأن لابن الوحشية معرفة بعلوم الأراميين والبابليين وفنون أدبهم، ومن ~~منظوماته «الشوق المستهام» تكلم فيه عن خطوط المتقدمين وكتاباتهم، وله أيضا «سدرة ~~المنتهى» بحث فيها عن مواضيع دينية فلسفية، ومثل ذلك أيضا «أزهار الأفكار في ~~المعادن والأحجار» لشهاب الدين أبي العباس التفاشي، المتوفى سنة 1253م تكلم فيه عن ~~المعادن والأحجار الثمينة، وطبعه المستشرق رافيوس # 54 # في أوتراخت من هولانده سنة 1784م ثم طبعه كليمان # 55 # موله سنة 1868م، ومن ذلك أيضا «ديوان شذور الذهب» لبرهان الدين بن أرفع ~~رأسه من مدينة جيان في إسبانيا، المتوفى سنة 1197م في فاس. وغير ذلك. # وجمع فيكتور هوكو في هذا الديوان سيرا حماسية انتخبها من تاريخ البشر في القرون ms215 ~~الأولى والوسطى والأخرى، وصورها في ألواح معظمة وسبكها في قوالب مكبرة، وقصها قصصا ~~مفجعة شرح فيها سير الإنسان في مراقي العمران وخروجه من الظلمات إلى النور، ومن قيد ~~العبودية إلى سراح الحرية، وجعل الحق للأمم والقوة للملوك الجبابرة المستبدين ~~بالرعية، وبين كيفية تغلب الحق على القوة كلما خطا الإنسان خطوة في التاريخ، وارتقى ~~درجة في سلم الحضارة. وبذلك قاعدة «الحكم لمن غلب» من بين الأمم شيئا فشيئا ويعلو ~~الحق، وينتصر رويدا رويدا؛ لأن الحق يعلو ولا يعلى عليه. # فنظم فيكتور هوكو في تصوير القرون الأولى قصيدة «تيتان»، وسلك فيها طريقة الشاعر ~~اليوناني إيشيل مؤلف رواية «برومته» # 56 # المقيد بالسلاسل، وبين فيها ظلم الجبارين ومحاربتهم للآلهة، ثم سقوطهم ~~في مهاوي الخزلان، أما تيتان # 57 # فورد ذكرهم في أساطير اليونان بأنهم من أولاد السماء والأرض، وقيل ~~بأنهم عصوا على الآلهة وأرادوا أن يبنوا لهم صرحا؛ ليبلغوا به أسباب السموات؛ أي ~~نواحيها، فعمدوا إلى الجبال ووضعوا جبلا فوق حتى كادوا يبلغون السماء الدنيا لولا ~~أن كبير الآلهة جوبتير صعقهم بصاعقة دكت الجبال دكا. ~~«ونظم فيكتور هوكو أيضا ضمير قاين»، ويعرف عندنا بقابيل الذي قتل أخاه هابيل، ~~ثم ندم على ما فعل، # 58 # فصور الشاعر ندامته وعين الله ناظرة إليه بالغضب، وعظم هذه القصة ~~وجسمها تجسيما لائقا برجال ذاك العصر الذين منهم عوج بن عناق، ولشعراء الترك ~~والفرس مبالغات عجيبة في تصوير مثل هذا الموضوع، كالشاعر نفعي الذي وصف شدة الحر، ~~وقال: بأن زفرة من زفرات النمل كافية لتنشيف البحور السبع وجعلها سرابا، ووصف شاعر ~~آخر رستم عنترة الفرس، وقال: بأن النبل الذي رمى به من قوسه اخترق السموات السبع ~~ودخل في اللامكان. واستخرج فيكتور هوكو من التوراة والإسرائيليات غير هذا الموضوع، ~~وصوره كذلك في هذا الديوان. # ونظم في تاريخ القرون الوسطى عدة منظومات مثل لاديسلاس، وسيجسموند وغيرهما من ~~الظلمة وقطاع الطرق الذين توصلوا بالقتل والنهب والحيل والدسائس إلى لبس تاج ~~الملك، والجلوس على كرسي الإمبراطورية، وقارنهما بالسيد ورولان، وغيرهما من الفوارس ~~الشجعان الذين ms216 جاهدوا بأنفسهم في سبيل النصرانية، وتفانوا في الغيرة والحمية ~~الدينية. ورولان هو ابن أخ شارلمان وقائد جيوشه ، وشارلمان هو الإمبراطور المعاصر ~~لهارون الرشيد، وتقدم ذكرهم وذكر السيد أيضا وهو عنترة الإسبانيين كما أن رولان ~~عنترة الفرنساويين وكلاهما اشتهرا في الحروب مع مسلمي الأندلس. وصور فيكتور هوكو ~~القرون الوسطى بما فيها من المظالم والجرائم الفظيعة، وإراقة الدماء، والاستبداد، ~~والنخوة الجاهلية، والتعصب الديني وأطنب غاية الإطناب في توصيف ذلك وتعظيمه ~~وتجسيمه. # ونظم في القرون الأخرى مقبرة أيلو، وهو مكان في ألمانيا انتصر فيه نابوليون على ~~عساكر الروس وبروسيا، ونظم فصلا سماه جماعة الظلام وافتتحه بقصيدة عنوانها الحرية ~~قال فيها: بأي حق تضع الطيور في الأقفاص؟ بأي حق تغتصب هؤلاء المغردين وتحرم منهم ~~الغابات والأنهار والفجر والرياح؟ بأي حق تسلب هؤلاء الأحياء حياتهم؟ أتظن أيها ~~الإنسان بأن الله خلق الجناح لتعلقه على مسمار في بيتك؟ ألا يمكنك أن تعيش سعيدا ~~مسرورا بدون ذلك؟ ما الذي فعله هؤلاء المعصومون؛ ليوضعوا في الحبس؟ من يعلم كيف ~~يمتزج حظهم مع حظنا؟ من يعلم إذا كان العصفور الذي ينهب من الأغصان، ومن يعلم إذا ~~كان الأذى الذي تؤذى به الحيوانات، وإذا كان الاستعباد الذي يجري على البهائم بلا ~~فائدة لا ينقلب على رءوسنا ظلما كظلم نيرون؟ من يعلم إذا كان زنجير الحبس لم يخرج ~~مع إرسان الحيوانات ...؟ # خذ حذرك من العدالة الإلهية؛ لأن الله ينظر إلى المكان الذي يبكي الأسير فيه ~~ويصرخ، ألا تفهم أيها الإنسان بأنك ظالم؟ أطلق سراح هؤلاء المحبوسين ودع البلابل ~~تطير في الحدائق، فميزان العدالة وإن اختفى عن الأعين، فله كفتان تزن الأعمال ... إلخ ~~... إلخ. # ونظم قصيدة أخرى عنوانها «الحرامي والملك»، وبين المشابهة بينهما وما يرجح به كل ~~واحد على صاحبه، ونظم قصيدة أخرى عنوانها «للملوك» خاطبهم فيها بكلام ترتعد منه ~~الفرائص، وتقشعر الجلود، فقال لهم: أتظنون أنتم بأننا نحن نحبكم! نحن الذين نشتغل ~~في هذه الأرض ونستخرج ثروتها ونكد، ونجد في حر الشمس وبرد الشتاء ولا ننال من ~~أتعابنا غير الجوع والعطش. ms217 وأنتم على سرر مرفوعة من العز والنعيم، وعلى جانب من ~~التبذير والإسراف والفحش، نحن الخدم وأنتم الملوك . نحن الغنم وأنتم الذئاب، نحن ~~الفريسة وأنتم المفترسون، تبنون القصور والسرايات من أموالنا وأتعابنا وترتعون فيها ~~وتلعبون، ونحن نقاسي نزاع الموت على لقمة، لا شغل لكم إلا الأكل والنوم والسكر ~~والفحش والقتل والظلم، فأنتم لا فرق بينكم وبين الأسود الكاسرة والوحوش الضارية ... ~~إلخ ... إلخ. # وأطنب فيكتور هوكو في بيان الحرية، وتعريفها بأساليب كثيرة وصور مختلفة وأشكال ~~متنوعة، ومن كلامه ما ورد على حد قول المعري في اللزوميات: # يكفيك حزنا ذهاب الصالحين معا # ونحن بعدهم في الأرض قطان # 59 # إن العراق وإن الشام مذ زمن # صفران ما بهما للملك سلطان # ساس الأنام شياطين مسلطة # في كل مضر من الوالين شيطان # من ليس يحفل خمص الناس كلهم # إن بات يشرب خمرا وهو مبطان # تشابه النجر فالرومي منطقه # كمنطق العرب والطائي مرطان # أما كلاب فاغنني من ثعالبهم # كأن أرماحهم في الحرب أشطان # متى يقوم إمام يستقيد لنا # فتعرف العدل أجبال وغيطان # صلوا بحيث أردتم فالبلاد أذى # كأنها كلها للإبل أعطان # وقال أيضا: # مل المقام فكم أعاشر أمة # أمرت بغير صلاحها أمراؤها # ظلموا الرعية واستجازوا كيدها # فعدوا مصالحها وهم أجراؤها # وقال أيضا: # يا ملوك البلاد فزتم بنسء ال # عمر والجور شأنكم في النساء # ما لكم لا ترون طرق المعالي # قد يزور الهيجاء زير نساء # يرتجي الناس أن يقوم إمام # ناطق في الكتيبة الخرساء # كذب الظن لا إمام سوى العقل # مشيرا في صبحه والمساء # فإذا ما أطعته جلب الرحمة # عند المسير والإرساء # إنما هذه المذاهب أسباب # لجذب الدنيا إلى الرؤساء # غرض القوم متعة لا يرقون # لدمع الشماء # 60 # والخنساء # كالذي قام يجمع الزنج بالبصرة # والقرمطي بالإحساء # فانفرد ما استطعت فالقائل الصا # دق يضحى ثقيلا على الجلساء # ومما يحاكي بعض أبيات قصيدة الحرية المتقدم ذكرها قول المعري: # أعاذل إن ظلمتنا الملوك # فنحن على ضعفنا أظلم # توسط بنا سائرات الرف # اق لعل ركائبنا تسلم # إلى أن قال: # فلا تغبطن ذوي ms218 نعمة # فخلفهم وقعة صيلم # تسامت قريش إلى ما علمت # واستأثر الترك والديلم # وهل ينكر العقل أن يستبد # بالملك غانية غيلم # وما ظفر الملك في جيشه # سوى ظفر بالردى يقلم # وقوله: # وأقصاني من الرؤساء كوني # وكونهم لخالقنا عبيدا # وقوله: # قد عمنا الغش وأزرى بنا # في زمن أعوز فيه الخصوص # أن نصح السلطان في أمره # رأى ذوي النصح بعين الشصوص # وكل من فوق الترى خائن # حتى عدول المصر مثل اللصوص # وقوله: # لقد ساس أهل الأرض قوم تفتقت # أمور فما ألفت لهم يد راتق # 61 # هم هتكوا بالراح أستار عاذل # ولم يحفظوا بالنسك حرمة ناتق # إذا جرحوا دنا فلم يرج عندهم # قصاصا أجادوا قتل عذراء عاتق # وصاغوا بما تجني الولاة مراكنا # وزادوا على أسيافهم والمناتق # ولو كان للدنيا لدى الله قيمة # لما نظروا في آهلات الرساتق # وقال أيضا: # صاحب الشرطة إن أنصفني # فهو خير لي من عدل ظلم # من أراد الخير فليعمل له # فعليه لذوي اللب علم # حكم الناس غواة مثلما # حكمت قبل حصاة وزلم # لا تهاون بصغير من عدى # فقديما كسر الرمح القلم # ويعجبني ما قاله في هذا الباب شاعر العصر أحمد شوقي بك من القصيدة التاريخية، ~~التي تلاها في مؤتمر المستشرقين في جنوه (جنيف) سنة 1894م قال: # إن ملكت النفوس فابغ رضاها # فلها ثورة وفيها مضاء # يسكن الوحش للوثوب من الأس # ر فكيف الخلائق العقلاء # يحسب الظالمون أن سيسودو # ن وإن لن يؤيد الضعفاء # والليالي جوائر مثل ما جا # روا وللدهر مثلهم أهواء # أغاني الشوارع والأحراج # وهو ديوان كالذي سبق، ولا حاجة إلى إيراد مثال منه. وأما ما نظمه فيكتور هوكو في ~~شيخوخته فهو: # السنة المهولة # هجا في بعض هذا الديوان نابوليون الثالث، وعد سقوط حكومته الإمبراطورية كفارة لما ~~اقترفه من السيئات على زعمه في حادثة 2 ديسمبر، وبين في بعضه الآخر ما جاد به ~~الفرنساويون من الغيرة والشجاعة في الدفاع عن الأوطان أثناء حرب السبعين الألمانية، ~~وما قاموا به من الثبات في حصار باريس، واعتبر الحرب الفرنساوية الألمانية كأنها ~~آخر ms219 حلقة لسلسلة الحروب التي أثارتها دول القرون الوسطى المعبر عنهم بالقيودالينة، ~~وهم أشبه بما كان في بلادنا من أصول التيمار والزعامة، وبحكومة الأمراء الذين قيل ~~لهم: «درة بك»، وعد انقطاع تلك السلسلة وزوال هاتيك الأفكار العسكرية بظهور الفكر ~~الجديد والتقدم العصري، وتكلم في القسم الثاني من هذا الديوان على ويلات الحرب ~~الأهلية، وما اقترفه الرعاع (كومين) في باريس من الفظائع الدموية، وأظهر حمقهم ~~وجهالتهم في إحراق الديار وذبح الرجال وختمه بطلب العفو عن المجرمين ~~المغلوبين. # صناعة كون المرء جدا # تكلم في هذا الديوان على الأطفال والأولاد، وشبههم بالملائكة، واعتبر وجودهم على ~~الأرض دليلا على رحمة الله، وتأييدا لما يرجوه الناس من الحياة الآخرة، وكان ~~فيكتور هوكو يطرب لبأبأة الأطفال ومناغاتهم، وللعب الصغار وهوشاتهم ويفرح لابتسامهم ~~وضحكهم، وتبريق عيونهم وتهلل وجوههم، ويحصل له من جميع ذلك تجل واستغراق ظهر أثره ~~في نظمه، وبعد ما أصيب في أولاده عكف على حب حفيده جورج وحفيدته حنه (جان)، وشغف ~~بهما شغفا زائدا والتزم تربيتهما بنفسه، فكان يشاهد نشؤهما وتفتح الروح وانفتاق ~~الذهن فيهما، وينظم مطالعاته وما يلهم به من الشعر، فنظم جميع ما يتعلق بالأطفال ~~والأولاد من تهليل وترقيص وتلهية وتلعيب، وصور جميع حركاتهم وسكناتهم ونومهم ~~وقيامهم وجريهم ونطهم ولعبهم، مثال ذلك القصيدة التي عنوانها «أغاني لترقيص الأولاد ~~الصغار في الحلقة»، وكذا المنظومة التي عنوانها أيضا «حنه كانت في الغرفة المظلمة ~~على الخبز الحاف»، وذلك أن مربيتها جازتها بهذا الجزاء تأديبا لها، فجاءها جدها من ~~وراء الباب المقفل وأطعمها الحلواء خفية فقالت له: تبت وما عدت أدخل إصبعي في أنفي ~~ولا أدع الهرة تخمشني، فذهب يتشفع لها عند مربيتها، فاعترض عليه أهل الدار، وقالوا ~~له: أطعمتها كثيرا وأفسدت تربيتها، وكيف ينتظم أمر البيت إن لم يكن فيه وازع ورادع ~~وقانون يتبع، فأقر بخطئه واعترف بأن كثرة المرحمة مضرة بمصلحة العائلة كضررها ~~بمصلحة الأمة، وبعث على انحطاطها وهلاكها، وقال لهم: أنا المخطئ ضعوني مكانها في ~~الغرفة المظلمة على الخبز الحاف، فقالوا له: أنت مستحق لذلك؛ ms220 لأن القانون ينبغي أن ~~ينفذ على الكبير والصغير، فنظرت إليه حنه بعين الشفقة والمرحمة، وقالت له بصوت ~~منخفض: «وأنا أجيب لك الحلواء »، فنظم الشاعر هذه القصة بصورة بديعة وألفاظ عذبة، ~~وهي مثال لمواضيع قصائده، فكان كالصغير مع الصغار؛ ولذا انتقد عليه بعض الأدباء ~~وقالوا: بأن في أشعاره ما هو أشبه ببأبأة الأطفال لا لذة فيه ولا طعم له. # ثم نظم أربعة دواوين صغيرة لخص فيها مسلكه الفلسفي، وجميع معارفه العلمية وأفكاره ~~الدينية وإلهاماته الربانية، وسماها «الأديان والدين»، «البابا»، «الحمار»، «الرحمة ~~العالية»، ونظم فيها شيئا كثيرا مما نقرأه في «لزوميات المعري» على حد قوله: # دين وكفر وأنباء تقص وفر # قان ينص وتوراة وإنجيل # في كل جيل أباطيل يدان بها # فهل تفرد يوما بالهدى جيل # وقوله: # جاء القرآن وأمر الله أرسله # وكان ستر على الأديان فانخرقا # ما أبرم الملك إلا عاد منتقضا # ولا تألف إلا شت وافترقا # مذاهب جعلوها من معايشهم # من يعمل الفكر فيها تعطه الأرقا # ولكن كلام فيكتور هوكو أوضح وأظهر وأجمع وأكثر تفصيلا وترتيبا، وإن كان ~~الشاعران يتفقان كثيرا في أصل الفكرة، وتتوارد خواطرهما على المعاني الواحدة، ~~ويظهر في كلامهما أثر الحيرة والدهشة من النظر في الكون، ولكن فيكتور هوكو لم يستول ~~عليه اليأس، ولا القنوط الذي استولى على أفكار المعري، وأحرمه من نعيم الدنيا ~~ولذائذ الحياة مع ما كان له من سعة الرزق، وكثرة المال، ومما أنشده في ذلك: # واتهامي بالمال كلف أن يطل # ب مني ما يقتضي التمويل # ويقول الغواة: خولك الله # كذبتم لغيري التخويل # عيشة ضاهت الهواذير ما فيها # مفيد وكلها تطويل # إن حباك القدير كالنيل تبرا # فليفضه العطاء والتنويل # إلى أن قال: # وإذا هولت علي المنايا # راقني من وعيدها التهويل # حوليني عن ظاهر الأرض فالقل # ب يسلي همومه التحويل # إلخ. # ووردت ترجمته في بعض الكتب الفارسية، وقيل فيها: بأنه كان من أهل الثروة واليسار ~~مع زهد وتقشف. # الأديان والدين # ديوان مشحون بالحكم، ولكن ضيق الوقت منعنا عن تدقيقه ومقابلته بما ورد على مثاله ~~من شعر ms221 العرب، وهو على خمسة أبواب: باب الجدل، باب الفلسفة، باب لا شيء، باب ~~الأصوات، باب النتيجة، ونظم في باب المجادلات تسع منظومات : (1) يوم الأحد (2) أول ~~التفكر (3) التيولوجي ونسميه المتكلم أو المتكلمون، وهم الباحثون في علم الكلام ~~والتوحيد. (4) للتيولوجي؛ أي خطابا لهم ومطلعها: أيها الرهبان، أيها اللابسون ~~الحرام والطيلسان، سواء عليكم أتعممتم بعمائم البز أو تتوجتم بالتيجان المرصعة ~~بالجواهر واللآلئ، فحيث جعل لكم في هذه الدنيا حق بالحماقة، فأنتم تتجاوزون فيها ~~الحد بشدة لا مثيل لها؛ لأن العلي الأعلى يغض بصره ويصم أذنه عنكم ... إلخ. (5) ~~الاختراع. (6) الأيدي المرفوعة نحو السماء. (7) أحسن الصنع وبين فيها ما يقوله ~~المتكلمون من النصارى في حق الله. (8) بقية. (9) مسائل. # ثم ذكر في الباب الثاني آراء الفلاسفة، وفي الباب الثالث آراء الملحدين الجاحدين ~~الذين يقولون: بعدم وجود شيء، إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا ~~الدهر، وإنما مثلنا كمثل الزجاجة إذا انكسرت لا يعاد لها سبك، وأما الخاتمة فهي ~~منظومة طويلة نظر بها في حسن السماء ونجومها التي هي زينتها، وفي الشمس والقمر ~~ونورهما، وفي الكون بأجمعه وقال في ختامها: هو موجود! هو موجود! انظري أيتها النفس، ~~فله أوج وهو الضمير، وله محور وهو العدالة، وله نقطة اعتدال وهي المساواة، وله فجر ~~واسع وهو الحرية، وشعاعه ينير فينا ما تتصوره النفس فهو موجود! موجود! موجود! بلا ~~نهاية، بلا بداية، بلا كسوف، بلا ليل، بلا فراغ من العمل، بلا نوم. # فارجع يا دودة الأرض عن خلق الشمس، أهو هذا على حد قولنا لا تتفكر في ذات الله ~~وحقيقته، بل تفكر في خلقه ومصنوعاته. # الحمار # أراد المؤلف بنظم هذا الديوان بيان أفضلية الطبيعة، والسوق الطبيعي على العلم لا سيما على العلم الكاذب والأباطيل، وقايس فيه بين صبر الحمار وصلاحه، وبين خشونة ~~الرجل وعبث الصبي؛ لأن الحمار وإن كان في عرفنا كناية عن البلادة والغباوة ومن ~~أوصاف الذم، ولكنه في عرف المتقدمين رمز عن الصبر؛ ولذا سمي مروان الحمار وكان ذا ~~شجاعة وحزم، وسمى اليونان بعض رجالهم ms222 وأظنه أشيل بالحمار أيضا. ففيكتور هوكو سمى ~~حماره الصبر وقايس بينه وبين الفيلسوف كانت، وجعل بينهما مخاطبات فلسفية بديعة، ~~وقال لكانت: ما الذي وجدته بعد خوض بحار العلوم، وما الذي استنتجته من سبر غورها، ~~وإلى أين أوصلتك هذه الكتب والدفاتر، فهي لم تدون ولا وضعت في الكتيبات إلا ~~لترعى في حواشيها الأرضة، وتتخزن فيها الرطوبة، فالعلم الحقيقي هو في وجه الطبيعة ~~والطفولية، وفي الابتسام والصلاح والبشاشة ... إلخ. # الرحمة العالية # صور في هذا الديوان الظلم والاستبداد، وبكاء المظلومين، ولعنهم الظالمين وشخص ~~القوة المستبدة أحسن تشخيص، وبين الحامل للمستبد في أمرهم على الشكوى، ولكن المفكر ~~في باطن الأمر ونفس الحقيقة يرى أولئك الظالمين الملعونين في حاجة وافتقار للشفقة ~~عليهم أيضا؛ لأن حمل الحكومة والدولة من أثقل الأحمال، سيما وأن أولي الأمر وأصحاب ~~الاستبداد محاطون دائما بالمداهنين والمتملقين، فالظالم شنيع ولكن المغري له ~~والمتبصبص أشنع فالمتملقون يفسدون أخلاق الملوك منذ حداثة سنهم، وهم يكررون عليهم ~~في كل صباح ومساء «كل هذه الأمة هي لك»، فحب الملك خصلته كبقية الخصال الإنسانية ~~والملوك يستوون في الخصال مع بقية الناس، ولكنهم يفرقون عنهم بأن الحقيقة تخفى ~~عليهم بالكلية، ولا يطلعون على جلي الخبر فهم أحق وأولى بالرحمة العالية. ~~(18) الدرام # استعملنا هذا الاسم لبينما يضع أدباء العرب اسما مقابلا له، أو يعربوه كما عرب ~~المتقدمون كلمة موسيقى، أو أرتماطيقي ونحوهما من الكلمات اليونانية، والمقتضى لهم إيجاد ~~كلمة تكون على وزن من أوزان الأسماء العربية، ويسهل النطق بها على اللسان؛ لأنا في عصر ~~نحتاج فيه لإدخال كلمات جديدة في لغة العرب كما أدخل السلف فيها الكلمات اليونانية ~~والفارسية، وغيرهما على عهد الخلفاء العباسيين. # كرومويل # أول درام ألفه فيكتور هوكو هو درام كرومويل، وتقدم ذكر مقدمة هذه الرواية في ~~تعريف الطريقة الرومانية، أما كرومويل فهو من أشهر رجال الإنكليز في القرن السابع ~~عشر للميلاد اشتغل بالسياسة حتى صار رئيسا للحزب الجمهوري وأحدث «الثورة» الانقلاب ~~الذي قتل فيه شارل الأول ملك الإنكليز سنة 1649، كما قتل لويس السادس عشر ملك ~~فرنسا ms223 سنة 1793م، واستبد أوليفيه كرومويل بالجمهورية، وصار صاحب الأمر والنهي كأنه ~~ملك، ولم يقنع بما استحوذ عليه من السلطة والنفوذ، بل وسوس له الخناس الذي يوسوس في ~~صدور الناس بأن يتملك على الإنكليز، فأخذ في تهيئة الأسباب وإعداد المعدات كما فعل ~~نابوليون الثالث حينما تتوج بتاج الإمبراطورية، واستعدت بلدية لوندره لتقديم ~~الصولجان له، وتهيأ البرلمان لإلباسه التاج وكاد الاحتفال برسم التتويج يتم في ~~كنيسة وستمنستر حسب الأصول والتقاليد القديمة، ولم يبق بينه وبين الفوز بأمانيه إلا ~~قاب قوسين أو أدنى، فحينئذ اكتشف على عصبة سرية من أصحاب الجمهورية يأتمرون على ~~قتله، ولا يؤخرهم عن الفتك به إلا انتظار رسم التتويج؛ ليغمدوا سيفهم المسلول في ~~قلب ملك لا في قلب رئيس للجمهورية، فخاف ورجع عما تشتهيه نفسه وأظهر ميله للمحافظة ~~على قوانين الجمهورية، وكراهته في لبس التاج والتملك، وأخفى شوقه لعروس المملكة ~~وحرصه الزائد على نيل وصالها؛ لأن الظلم من شيم النفوس. # وكان أوليفيه كرومويل ذا أخلاق غريبة، وطينة عجيبة، وطبيعة متقلبة اجتمع في خصاله ~~الضدان من شهامة ودناءة، وجبن وشجاعة، وشدة ورحمة، ولين جانب وقساوة، وحرية أفكار ~~ونفاق ومجاملة؛ ولذا اتخذه فيكتور هوكو بطلا لروايته وصور أخلاقه تصويرا بديعا ~~وجعل مجرى الرواية في ويت هال سنة 1657، وافتتح الرواية بقوله: «غدا الخامس ~~والعشرون من حزيران سنة ألف وستماية وسبع وخمسين»، وختمها بقول كرومويل: «إذن متى ~~أصير ملكا؟» إشارة إلى شدة حرصه على الملك، فالأدباء الناهجون منهج الطريقة ~~الرومانية يعتبرون هذا المطلع وهذه الخاتمة من أبدع المطالع والخواتم، وأبلغها مع ~~بساطتها وخلوها عن التشابيه والاستعارات المدرسية. ويقولون: بأن إنشاء الرواية من ~~أعلى طبقات الإنشاء، ولكن تمثيلها على المراسح متعسر لطولها وكثرة أشخاصها، فهي ~~أشبه بكتاب تاريخي مدقق منها بالرواية التمثيلية، وعدا هذا فمؤلفها لم يحسن توصيف ~~أخلاق الرجال، ولم يستطع إعطاء كل رجل صفته الحقيقية بدون إفراط ولا تفريط، بل اتبع ~~في الوصف تصوراته وخيالاته، والمطلوب في الرواية التمثيلية تصوير الرجل بذاته ~~وأفكاره بلا غلو ولا إطراء ولا مبالغة، ولكل رجل تاريخي ms224 أحوال مخصوصة تكتنف به ~~ينبغي مراعاتها في تأليف الرواية، فنابوليون مثلا له تعبيرات، وأفكار وأطوار، لو ~~خرج عنها مؤلف الرواية لأفسد تأليفه، وكذا الملك صلاح الدين الأيوبي مثلا. ولكنا ~~لم نزل نجهل حقيقة تاريخنا فضلا عن معرفة أخلاق كل رجل وأطواره. # أما الإفرنج فلكثرة معلوماتهم وسعة اطلاعهم لو حضر أحدهم تمثيل رواية، وكان من ~~أصحاب الذوق في الكلام لا يكتفي بالتبصر في محاسن الألفاظ، وتنسيق الكلام ورونق ~~الأشعار وعلو الإنشاء، بل ينظر مع ذلك إلى الأهم وهو حسن الموضوع، وتصوير أخلاق ~~الرجال واستنتاج النتائج الأدبية الفلسفية الأخلاقية، بخلاف من يتلو منا مقامات ~~الحريري والهمذاني أو يستمع تلحين الأشعار وإنشادها على العود والقانون، فإن طربه ~~في الغالب إنما هو لحلاوة التعبير ويلهو بها عما يحتويه من الفكرة والمعاني، فحلاوة ~~التعبير هي كالديباج والحلي للأفكار والمعاني، وربما يلهو المرء بحلي الغانية ~~وزينتها عن جمالها الحقيقي، كما نشاهد ذلك على المراسح في المشخصات المتوسطات في ~~الحسن إذا برزن بزينة الأميرات وبأثواب الملكات. # إيرناني # وسماها المؤلف أيضا الشرف القشتالي وقشتالة أيالة في وسط إسبانيا، وصور فيها ~~الدولة الإسبانية، وهي في ذرى مجدها وأوج عزها. # وذلك أن العرب بعد فتحهم إسبانيا، وتأسيسهم الدولة الأموية فيها فر بقية أمراء ~~القوط إلى جبال أستوريا في الشمال الغربي من إسبانيا، وأسسوا فيها دولا صغيرة، فلم ~~يعبأ بهم المسلمون وحسبوهم من المتشردين، فلم يستأصلوا جرثومتهم ولا أجلوهم إلى ما ~~وراء جبال البيرينة كما كانت تقتضيه الحكمة السياسية من تحكيم الثغور في هذه ~~الجبال، واتخاذها سدا مانعا لهجوم الأعداء على المملكة الإسلامية، ثم ظهرت ملوك ~~الطوائف من المرابطين والموحدين وبني زيان، وبني هود وآخرهم بنو الأحمر، ومؤسس هذه ~~الدولة عبد الله محمد بن أحمر سنة 633ه، وعدة ملوكها عشرون واستمر ملكهم 265 سنة، ~~وكان آخرهم أبا عبد الله الصغير وكانت عاصمتهم غرناطة. # 62 # فلما ضعف أمر المسلمين وكثر النزاع والجدال بين أمرائهم قويت شوكة المسيحيين في ~~شمال إسبانيا، وكان يوان الثاني حاكما على أراغون، وهي أيالة في شمال إسبانيا على ms225 ~~ساحل البحر المتوسط وعلى صقلية، فزوج ابنه فرديناند بابنة حاكم قشتالة وهي إيزبلا، ~~وتلقب فرديناند بالكاثوليكي، وخلف أباه في الملك واستولى على قشتالة بالوصاية عن ~~زوجته ، وحارب المسلمين وأخذ منهم غرناطة وأخرجهم من إسبانيا، وأخذ من الفرنساويين ~~مملكة نابولي في إيطاليا، وفي أيامه اكتشفت أميركا وحمل ما فيها من الذهب إلى ~~أوروبا، وبعد وفاة إيزابلا انتقل ملك قشتالة بالإرث إلى بنتها حنه المجنونة، وكانت ~~متزوجة بفيليب الجميل أرشيدوق أوستريا، وخلفت منه ولدا اسمه الدون قارلو، فانتقل ~~إليه بالإرث ملك جده فرديناند وجدته إيزابلا، واجتمعت له المملكة الإسبانية بما ~~فيها من الثروة الأميركية، ثم ورث من جده الثاني إمبراطورية ألمانيا، وصار انتخابه ~~لها وتلقب بشارلكين وحاز على جميع الممالك المذكورة في الجدول الآتي: # جدول في بيان ما ورثه شارلكين أي: شارل الخامس من ~~الممالك. ~~(1) آل إسبانيا ~~(2) آل أوستريا # فرديناند الكاثوليكي ملك أراغون ونابولي # تزوج # إيزابلا دي قشتالة ملكة إسبانيا والمستعمرات الإسبانية في أميركا # مكسمليان إمبراطور ألمانيا وأرشيدوق أوستريا # تزوج # ماري دي بورغونيا الوراثة من شارل الجسور (هولانده وارتوا وفرانش كولته) # حنه المجنونة # تزوجت # فيليب الجميل # الدون قارلو وهو شارل دوتريش الذي لقب فيما بعد شارلكين. # أما أوستريا فكانت إحدى الإمارات التي تتألف منها إمبراطورية ألمانيا. # أما إمبراطورية ألمانيا فكانت مجموع إمارات ومدائن حرة، وكانت الإمبراطورية فيها ~~بالانتخاب لا بالوراثة، وذلك أنه عند موت الإمبراطور يجتمع أمراء الإمارات السبعة، ~~وهم أكبر الأمراء الذين تتألف منهم الإمبراطورية؛ ولذا لقبوهم «المنتخبين السبعة»، ~~وانتخبوا إمبراطور من أوستريا في الغالب؛ أي من العائلة التي تملك على إمارة ~~أوستريا، فلما مات مكسمليان إمبراطور ألمانيا سنة 1519م انتخب حفيده شارلكين، وكان ~~فرانسوا الأول ملك فرنسا صاحب عظمة وثروة ونفوذ وعسكر، فكان يسعى مع المنتخبين في ~~انتخاب نفسه، ورشاهم بكثير من الأموال والهدايا، فأخذوا ماله وانتخبوا عدوه شارلكين ~~فاشتدت الرقابة والعداوة بينهما، وكاد شارلكين يتفرد بالملك في أوروبا، ولم يبق له ~~رقيب فيها سوى فرانسوا الأول ملك فرنسا، فحاربه وأسره وأحضره إلى مدريد عاصمة ملكه، ~~وعقد معه معاهدة موافقة ms226 لسياسته، ثم أطلق سراحه، فلما وصل أرض فرنسا نقض العهد، ~~واستمد السلطان سليمان القانوني، وكان أقوى ملوك الأرض قاطبة، وجرت محاربة بحرية في ~~مياه تونس بين أسطول شارلكين وأسطول خير الدين باشا المشهور باسم بارباروس؛ أي ذي ~~اللحية الشقراء، وانتصر فيها العثمانيون، وانتصرت العساكر الإنكشارية أيضا على ~~العساكر الألمانية في محاربة أخرى برية وقعت على حدود النامسا وألمانيا، وكان ~~شارلكين شديد الحرص على التفرد بالملك والسؤدد، فلما لم يستطع إدخال جميع أوروبا في ~~حكمه، وتحت نفوذه استولى عليه اليأس وانقطعت آماله، فتنازل عن ملك إسبانيا لابنه ~~فيليب الثاني، وتفرغ عن إمبراطورية ألمانيا لأخيه فرديناند، واعتكف هو في دير من ~~الأديرة إلى أن مات حزنا وكمدا. # أما موضوع رواية إيرناني فهو أن الدون قارلو قبل أن يصير إمبراطور على ألمانيا، ~~ويتسمى شارلكين كان يهوى في مادريد غانية اسمها الدونة سوله، وكان يهواها أيضا عمه ~~الدوق روى غوميز، أما هي فكانت تعشق شابا من الأشقياء وقطاع الطريق اسمه إيرناني، ~~وكان ثلاثتهم يترددون عليها بدون أن يشعر أحدهم بالآخر، فصادف الدون قارلو عند ~~معشوقته هذا الشاب مرتين، ففي المرة الأولى مكنه من الخروج، ولم يتعرض له وفي المرة ~~الثانية ضيق عليه بالحرس وحصره بالعسكر، وأباح لهم دمه وجعل جائزة لمن يأتيه برأسه ~~ففر إيرناني بكل مشقة من بيت حبيبته واختفى عن الأبصار، فلما انقطع أمل هذه الغانية ~~من الملك ومن حبيبها الشاب ألقت نفسها بين أيدي عاشقها الثالث، وكان شيخا هرما ~~ففرح بها وحملها إلى قصره وأراد الدخول بها، ثم اهتدى إيرناني إلى حبيبته وجاء ~~إليها، وبينما هو يغازلها ويعانقها وإذ دخل صاحب البيت وهو الدوق روى غوميز، ~~ووجدهما متعانقين، ثم جاءهم الملك بغتة وأراد القبض على إيرناني، فامتنع الدوق من ~~تسليمه وعد أخذه من بيته إهانة لشرفه، وأشار إلى صور آبائه وأجداده المعلقة على ~~جدران الغرفة، وهم حماة الملهوفين ومغيثو المستجيرين، فترك الملك إيرناني وأخذ ~~الغانية عوضا عنه وخرج بها من القصر، فلما نجا إيرناني من الهلاك طلب من الدوق أن ~~يطلق ms227 سراحه؛ ليتعقب أثر محبوبته ويخلصها من أيدي الملك، وعاهده على أن يعود إليه ~~متى طلبه، وأعطاه بوقا لينفخ فيه متى أراد أن يستدعيه، فإذا سمع صوت البوق حضر ~~إليه بالحال. # ثم ينتقل مجلس التشخيص إلى إكس لاشابل في ألمانيا، وكانت عاصمة الإمبراطور ~~شارلمان، وفيها قبره ثم جرت العادة بتتويج الإمبراطور في هذه المدينة، فإذا أرادوا ~~تولية إمبراطور اجتمع المنتخبون وهم الملوك أو الأمراء السبعة الذين لهم حق ~~الانتخاب، واختاروا أحدهم وألبسوه التاج وأطاعوه، وكان الدون قارلو مرشحا لهذا ~~الأمر، فائتمرت عصبة على قتله وفيهم عمه الدوق روى غوميز، واختفوا في المحل الذي ~~فيه قبر شارلمان وأخذوا معهم إيرناني ليطعنه بخنجره، فعلم بهم الدون قارلوس ودخل ~~المقبرة، ونزل لقبر شارلمان وفاه بكلام هو من ملول الكلام، ومن أبلغ ما نظمه فيكتور ~~هوكو، ثم أطلقت المدافع ودقت الأجراس إعلانا بانتخابه إمبراطور على ألمانيا وخليفة ~~لشارلمان، وألقى القبض على المتآمرين وأراد قتل إيرناني؛ لأنه ليس من ذوي الرتب ~~والشرف، ولكنه بين نسبه وظهر بأن اسمه الحقيقي هو جان داراغون دوق سيغورب ~~وقاردونيا، فعفى عنه وزوجه بمعشوقته الدونة سوله، فلما أخذها وأراد الخلوة بها في ~~قصره سمع صوت البوق فتذكر عهده، وفضل الموت على عدم الوفاء بالوعد فشرب السم وشربت ~~حبيبته، ثم قتل الدوق روى غوميز نفسه أيضا من شدة حبه لتلك الغانية، فهذه الرواية ~~ليس لها حقيقة تاريخية، وإنما هي من مختلقات الشاعر وتخيلاته، ولكنها في أعلى طبقة ~~من البلاغة والانسجام وحسن الذوق. # روى بلاس # صور المؤلف في هذه الرواية التاريخية انحطاط دولة إسبانيا في أواخر القرن السابع ~~عشر للميلاد، وذلك أنه بعد فيليب الثاني ابن شارلكين، المتقدم ذكره، جلس على كرسي ~~المملكة الإسبانية ابنه فيليب الثالث، ثم فيليب الرابع ثم شارل الثاني آخر ملوك هذه ~~السلالة النامساوية، ولما جلس سنة 1665م كان عمره أربع سنوات، وهو لا يستطيع المشي ~~ولا الكلام فكانت الوصاية لأمه، ثم لأخيه وامرأته ووزراء دولته، وبعد أن كبر أيضا ~~لم يلتفت لمصالح الملك، وأهمل إدارة مملكته وبيته وزوجته، ms228 وكان يقضي أيامه في الصيد ~~والتجول في البراري والغابات وامرأته في هم وكدر من وحدتها، وتكلفها بمراسم ~~التشريفات وبالتقاليد المرعية في قصر الملك، ولم يكن لشارل الثاني ولد فأوصى بالملك ~~لحفيد لويس الرابع عشر ملك فرنسا، وانتقلت دولة إسبانيا من آل أوستريا إلى آل ~~بوربون سنة 1700 وزال نفوذها واعتبارها من بين الدول الأوروبية، ولم تزل في انحطاط ~~لم تتخلص منه للآن، وترى بعين الحسد تهافت الدول الأوروبية على استعمار أفريقيا، ~~ومدهم فيها السكك الحديدية وجرهم المنافع التجارية، وهي شاخصة ببصرها كالمقعد الذي ~~يروم النهوض ولا يستطيعه، وأضاعت بالأمس آخر مستعمراتها في أميركا وهي جزيرة كوبه، ~~ثم جزائر فيلبين، ولم تكسب اليوم من تقسيم البلاد المراكشية إلا جزاء موهوما على ~~ساحل المحيط الغربي يسمى «ريو دورو» أي: نهر الذهب ويشاهد رسمه على الخريطة ~~المرسومة بعد عقد المعاهدة بينها وبين فرنسا، ولا يرى أثر لحقيقة مسماه وجل ما يعلم ~~عنه أن ليس هناك لا نهر ولا ذهب. # فصور الشاعر في هذه الرواية انحطاط المملكة الإسبانية، وشرح أسباب انقراض دولتها، ~~فإذا رفع الستار عن المرسح ظهرت غرفة من غرف قصر الملك في مادريد وفيها وزير ~~المملكة، وقد غضبت عليه الملكة وطردته من القصر؛ لأنه لم يقبل بأن يتزوج بنتا من ~~حاشيتها بعد أن راودها وحظي بها، وقبل أن يخرج من القصر ليلتزم بيته صمم على ~~الانتقام من الملكة، فاستدعى ابن عم له يسمى قيصر، وكان لفقره معاشرا للهمل وقطاع ~~الطريق مع ما له من الحسب والنسب، وأراد أن يتخذه آلة لدسائسه، فاستنكف من ذلك ~~ورد ما عرضه عليه من المال والجاه، فأمر بنفيه للهند فنفي إليها وألبس خادمه روى ~~بلاس لباس الأشراف، ودعاه بابن عمه قيصر وقدمه لرجال الدولة وأعيانها بعد أن ~~استكتبه أوراقا يعترف فيها بأصله، وخدمته له وكان روى بلاس يعشق الملكة، فتقرب ~~منها وحظي لديها بالقبول، وصار من أعظم وزرائها وأكبر مستشاريها، وبينما هو حائز ~~على رضاء الملكة وعلى أعظم مسند في المملكة، وإذ ظهر له سيده وأخذ يتهدد ms229 الملكة ~~ويوبخها على هيامها في خادمه وعلى تفريطها بنفسها، وطلب منها إمضاء ورقة ليتخذها ~~حجة عليها، ولا يبيح بسرها ما دامت مسلمة له زمام الملك، فكادت الملكة تقبل بذلك ~~خوف الفضيحة والعار، ولكن روى بلاس اشتد غضبه حرصا على شرف الملكة محبوبته، وقتل ~~سيده ثم شرب سما، ومات والملكة تندب عليه وتبكي، فهذا محصل الرواية. # وقال فيكتور هوكو في مقدمتها: # جمهور المتفرجين في المراسح على ثلاثة أصناف: أحدها النساء، والثاني ~~الخواص، والثالث العوام، فالذي يتطلبه العوام من التأليف الدراماتيقي بدون ~~استثناء تقريبا هو العمل، # 63 # والذي تتطلبه النساء قبل كل شيء هو الشهوة، والذي يتطلبه ~~الخواص على الخصوص هو الأخلاق، فإذا أمعنا النظر في هذه الأصناف الثلاثة من ~~المتفرجين نجد العوام هائمين بالعمل لدرجة يتساهلون فيها عند اللزوم ~~بالأخلاق وبالشهوات، ونجد النساء مكترثات بالعمل أيضا، ولكنهن مستغرقات ~~بتفاصيل الشهوة حتى يقل انشغالهن جدا بتصوير الأخلاق، ونجد الخواص ~~يتلذذون بمشاهدة الأخلاق؛ أي بمشاهدة الرجال أحياء على المراسح، ويتلقون ~~الشهوة كأنها عارض طبيعي في التأليف الدراماتيقي، ويحصل لهم انزعاج من ~~العمل، والسبب في ذلك أن العوام إنما يتطلبون في حضورهم المراسح الهيجان، ~~والنساء يتطلبن الخلجان، والخواص يتطلبون التفكر، والجميع يبغي لذة ولكن ~~أولئك يبغون لذة النظر، وهؤلاء يردن لذة القلب، والآخرون يبغون لذة العقل، ~~ومن ثم حصل في روايتنا - أي روايات فيكتور هوكو - ثلاثة أنواع مختلفة من ~~التأليف، أحدها عامي سافل، والآخران رفيعان عاليان، ولكن في ثلاثتهم ~~الكفاية لسد الاحتياج. فالعوام لهم الميلودرام (أي: ما كان فيه انتقام وقتل ~~وإذلال وفضيحة)، والنساء لهم التراجيديا التي تشرح الشهوة، والخواص لهم ~~الكوميديا التي تصور الأخلاق الإنسانية. # ربما يتداخل بعض هذه الثلاثة في بعض؛ لأن العوام ربما وجد فيهم من له شوق ~~طبيعي لتطلب الجمال كما له ذوق في الأشياء التافهة، ومن له هيام في ~~التصورات والتخيلات البديعة، كما له إقبال على الأشياء العادية المزدرى ~~بها، وكل واحد من خواص الأدباء البالغين في الأدب رتبة الكمال ينبغي أن ~~يتصف بصفة المرأة من جهة الإحساس القلبي، ms230 كما أن المرأة تتصف أحيانا بصفة ~~خواص الأدباء المفكرين. # فإذا أمعنا النظر في أصناف المتفرجين الثلاثة نراهم جميعا محقين، فإن ~~النساء معهم حق في ابتغائهم خلجان القلب، والخواص معهم حق في ابتغائهم ~~التعلم والاستفادة، والعوام لا لوم عليهم في طلبهم التسلي، فمن هذا الشرح ~~ينتج قانون الدرام. # فالقصد من الدرام والغاية منه هو تصوير الأخلاق؛ أي اختلاق رجال وتمثيلهم ~~على المرسح بمقتضى الشروط المؤلفة من صناعة الأدب ومن الطبيعة، وإلقاء ~~الشهوات في هؤلاء الرجال لبيان أخلاقهم وإيضاحها، ثم استخراج الحياة ~~الإنسانية من تصادم هذه الأخلاق والشهوات بالنواميس الكبرى الإلهية؛ أي ~~استخراج وقائع كبيرة، صغيرة، مؤلمة، مضحكة، هائلة، تشتمل على لذة للقلب ~~يسميها الناس المنفعة، وعلى عبرة للعقل يسميها الناس محاسن الأخلاق، فيتضح ~~من ذلك أن الدرام يخرج من التراجيديا بتصوير الشهوات، ومن الكوميديا بتصوير ~~الأخلاق والصفات، فالدرام هو الشكل الثالث الكبير من أشكال الصناعة ~~الأدبية، ويشتمل على الاثنين الأولين ويجمعهما ويفصلهما. فلو لم يوجد ~~شكسبير بين قورنيل ومولير، ولم يعط يده اليسرى لقورنيل، ويده اليمنى ~~لمولير لبقي كل منهما بعيدا عن الآخر، ولكن بوجوده التقت الكوميديا ~~بالتراجيديا التقاء القطب المثبت بالقطب المنفي من الكهربائية، فحصل من ~~التقائهما شرارة هي الدرام. # ثم انتقل فيكتور هوكو لبيان حقيقة الدرام بالنظر لفلسفة التاريخ، فقال: # إذا اقتربت مملكة من السقوط تمكن الناظر فيها من ملاحظة علائم كثيرة، ففي ~~بادئ الأمر تميل الأشراف للانحلال، وبانحلالها تنقسم على الوجه الآتي: ~~تضطرب المملكة وتنطفي السلالة المالكة، وتزول أحكام القانون، وتتجاذب ~~الدسائس الوحدة السياسية فتمزقها شذر مذر، وتخمد كبار العائلات وتنقرض، ~~ويشعر الجميع في الداخل والخارج بضعف مميت، وتسقط عظائم الأمور التي تقوم ~~عليها الدولة ولا تبقى واقفة إلا على صغائر الأمور وحدها، ويصبح منظرها ~~العمومي محزنا، ولا يبقى فيها لا ضابطة ولا عسكر ولا مالية، وكل واحد يحسب ~~الساعة آتية لا ريب فيها، فمن ذلك يحدث في جميع الأذهان كدر من البارح ~~وخوف من الغد، واحتراس من كل إنسان ويأس من كل شيء ونفرة زائدة، وحيث إن ms231 ~~مرض الدولة في رأسها؛ فأعيان المملكة الذين هم أقرب إلى الرأس يكونون أول ~~المصابين بهذا المرض، فماذا يحدث حينئذ؟ لا يبقى في قصر الملك من الأعيان ~~المقربين إلا الذين هم أقل حياء وأسوأ أخلاقا، وجميعهم على وشك الانقراض، ~~ويضيق الزمان وتنبغي العجلة ويلزم لهم الاستهلاك في جميع المال، والارتقاء ~~لأعلى المراتب والاستفادة من الحال الحاضرة، ولا يفتكر الواحد منهم إلا ~~بنفسه، ويجمع بلا شفقة على الوطن ثروة قليلة خاصة به في قرنة من الفقر ~~العام الكبير، ويصير نديما ويصير وزيرا، ويتهالك على الوصول للسعادة ~~وإنفاذ الكلمة، وينفتق ذهنه باستحضار الأجوبة الظريفة، وينافق ويداهن ~~ويلاطف فينجح، وكلهم يستحوذون على مقامات الدولة ومناصبها، وعلى وساماتها ~~ورتبها وألقابها وأموالها، ويأخذون الجميع، ويتطلبون الجميع، وينهبون ~~الجميع، ولا يعيش الواحد منهم إلا بالحرص والطمع، ويخفون قلاقل المملكة ~~واغتشاشاتها وسوء إدارتها الداخلية تحت مهابة ظاهرية، وتشره نفوسهم للعجب، ~~وتتطاول أعناقهم للعظمة والكبرياء، وحيث كان الشرط الأول في حياة هؤلاء ~~المقربين هو نسيان جميع الحواس الطبيعية، فيصبح الواحد منهم كأنه وحش ~~مفترس، ومتى جاء يوم سقوطه وإبعاده عن مناصب الدولة صار مدهشا عجيبا ~~وانقلب إبليس. # فإذا يئست الدولة من حالتها أبعدت عن مراكزها النصف الثاني من أعيان ~~المملكة، الذين هم أكرم نسبا وأحسن جرثومة، فيلتزمون بيوتهم ويدخلون ~~قصورهم، ويذهبون لبلادهم ومعاقلهم ومصائفهم، وينفرون من مصالح الدولة، ولا ~~يستطيعون تدبير أمر ولا بيدهم حيلة؛ لأن المملكة قد حان موتها ولم يبق في ~~الأيام إلا ذماء، (الذماء بقية الروح في المذبوح) كيف العمل وماذا يجدي ~~التحسر وما ينفع البكاء؟ فينبغي التغافل وإغماض العين، وتسلية النفس ~~بالملاهي واللعب والأكل والشرب والتلذذ والتنعم، من يعلم؟ هل بقي للواحد ~~منهم سنة أو سنتان أمامه؟ فإذا تفوه سادة المملكة وكبراؤها بذلك أو شعروا ~~به، وأحسوا بشيء منه فقط أقبلوا على التهور في مصالحهم، والإفراط في ~~أمورهم، فزادوا في مشترياتهم وفي حلي نسائهم وفي ضيافاتهم، وإتقان مطابخهم ~~وموائدهم، وأسرفوا وبذروا وأهدوا وفرقوا وباعوا، واشتروا ورهنوا واستدانوا ~~وسلموا أنفسهم لآكلي الربا، وأتلفوا مداخيلهم وأضرموا النار ms232 في الجوانب ~~الأربعة من أملاكهم، فيصبح الواحد منهم يوما وقد حلت به المصيبة، ونزل ~~عليه البلاء، وخرب هو قبل خراب المملكة رغما عن سرعة سيرها نحو الانقراض، ~~فينفذ ماله ويحترق كله ولا يبقى من تلك الحياة الزاهرة والطهي والبهرجة، ~~ولا الدخان لأنه طار أيضا، ولم يبق إلا الرماد ولا أكثر من ذلك، فيتركه ~~جميع الناس وينسونه إلا أصحاب الديون، فتصير حالة هذا الشريف المسكين إلى ~~ما يمكن أن تصير إليه، فيصبح بائسا سفيلا من الرعاع ويدور مع الهمل، ~~ويختلط بجمهور العامة ويغيب بين أفواجهم المزدحمة. # ولم يكن خالط العوام قبل ذلك ولا رآهم إلا على أبوابه وأعتابه، فيغطس ~~الآن بينهم ويلتجئ إليهم، ولم يبق معه نضار وإنما بقيت له «الشمس» أي ~~نضارة الحياة وهي ثروة من لا ثروة له، وبعد أن أقام في أعلى طبقات الجمعية، ~~فهو الآن يقيم في أسفل طبقاتها، ويدرب نفسه على الذل بعد العز، ويهزأ ~~بالذين اشتد بهم الحرص والطمع حتى نافقوا وتقربوا من أولي الأمر، وصاروا من ~~الأغنياء النافذي الكلمة، وأما هو فيصير فيلسوفا لا يبالي بالإقبال ~~والإدبار، ويشبه من حوله من رعاع الناس وأوباشهم بحاشية القصر ورجال ~~المعية، ويتخذ منهم جماعة وأخدانا ويترأس عليهم ويراعي النخوة والشهامة في ~~جانبهم، وعدا هذا فهو طيب العنصر جسور القلب مفطور على النجابة والفطنة جمع ~~في أخلاقه وخصاله بين ذوق الأديب الشاعر، ودناءة الصعلوك الفقير، وشهامة ~~الرئيس الأمير، لا يبالي بأمر ويسخر من كل شيء ويشوق رفاقه وأصحابه ~~للسرقة، كما كان يبعث برجاله وأتباعه للنهب والغارة؛ ولكنه لا يتنزل لأن ~~يسرق أو يستعطي بنفسه، تراه رث الظاهر سليم الباطن ذا كرم وسخاء كالأمير، ~~وتهور كتهور اليائس الفقير، لم يبق له من الأصالة إلا شرف النسب الذي ~~يحافظ عليه، والاسم الذي يخفيه والسيف الذي يشهره. # فهاتان الصورتان اللتان رسمناهما ووصفنا بهما قسم المقربين وقسم المبعدين ~~من أشراف المملكة يوجدان في وقت من الأوقات في تاريخ جميع الممالك، ولكنهما ~~في أواخر القرن السابع عشر للميلاد وجدتا في إسبانيا بصورة جالبة ms233 للنظر؛ ~~ولذا شخصنا في هذه الرواية التمثيلية القسم الأول من كبراء إسبانيا في ~~الدون سالوست المقرب من قصر الملك والمنعم عليه، والقسم الثاني في الدون ~~قيصر (سيزار) الذي يرعى مع الهمل مع أن كلا منهما ابن عم للآخر، وعدا ~~هذين الشخصين الذين يتمثل فيهما كبراء المملكة الإسبانية المقربين ~~والمبعدين يوجد تحتهما شيء كبير مظلم مجهول يتموج في جنح الظلام، فهذا ~~الشيء هو الشعب الذي له المستقبل وليس له الحاضر. فالشعب يتيم فقير ولكنه ~~ذو قوة واستعداد وقابلية، يتطلب العلى وهو في الدرك الأسفل، وعلى ظهره ~~علامة الخدمة والاستعباد، وفي قلبه شوق للمعالي، الشعب خادم للسادة ~~الكبراء، وعاشق وهو في الذل والشقاء للصورة الوحيدة التي تتلألأ له وسط هذه ~~الجمعية المنقرضة، كأنها نور إلهي ويتمثل له فيها الحاكمية والشفقة والنمو، ~~فالشعب هو «روى بلاس» خادم الدون سالوست. # فإذا تصورنا هؤلاء الأشخاص الثلاثة على الوجه المشروح، فيقتضي إحياءهم ~~وتمشيتهم أمام أنظار المتفرجين، وندير عليهم أعمالا ثلاثة تتلخص فيها جميع ~~أحوال المملكة الإسبانية في القرن السابع عشر، ويوجد فوق هؤلاء الرجال ~~الثلاثة مخلوقة صافية نيرة، فهذه المخلوقة هي امرأة وملكة، وهي في شقاء من ~~حيث إنها امرأة؛ لأنها لم يكن لها زوج، وهي في شقاء من حيث إنها ملكة؛ ~~لأنها كأن لم يكن لها ملك، ومتعطفة على من تحتها بعاطفة ملكة وقلب امرأة، ~~وناظرة للدرك الأسفل بينما أن روى بلاس الذي تتشخص فيه الأمة ناظر للمقام ~~الأعلى، فبقطع النظر عن الأشخاص الثانوية فهذه الرءوس الأربعة المجتمعة على ~~هذا الوجه هي في نظر المؤرخ الفيلسوف النكات الأصلية لمملكة إسبانيا قبل ~~140 سنة، ويمكن لنا أن نضيف رأسا خامسا لهذه الرءوس الأربعة، وهو رأس ~~الملك شارل الثاني، ولكن شارل الثاني ملك إسبانيا لم يكن شخصا، بل هو في ~~نظر التاريخ ظل؛ ولذا بقي في الدرام ظلا لم يبن شخصه. # فما ذكرناه للآن إنما هو بيان لحقيقة هذه الرواية، وهي روى بلاس بالنظر ~~لفلسفة التاريخ، ويمكننا النظر إليها باعتبار آخر؛ لأن الأشياء في هذا ~~العالم تختلف ms234 أشكالها باختلاف النظر إليها، ومثل ذلك كمثل الجبل الأبيض، إن ~~نظرت إليه من المحل المعروف باسم «فروا دو فليشر» تراه بهيئة غير الهيئة ~~التي تراه فيها لو نظرت إليه من المحل المعروف باسم «سالانش»، ومع ذلك فهو ~~دائما الجبل الأبيض، وكذا الحال في هذا الدرام فإنه يختلف شكله باختلاف ~~النظر إليه، فلو نظرنا إليه باعتبار الإنسانية المحضة لرأينا الدون سالوست ~~يتشخص فيه حب الذات والاهتمام، واشتغال الفكر والتغرض، والدون سيزار بعكسه ~~يتشخص فيه عدم المبالاة وعدم الاهتمام، وراحة البال وعدم التغرض، وروى بلاس ~~يتشخص فيه الذكاء والعشق واقتحام الأخطار والمهالك، والملكة يتشخص فيها ~~الفضيلة المائلة للانتهاك بسبب الملل وضيق الخلق. # وأما باعتبار صناعة الأدب، فيجتمع في هذا التأليف الأنواع الثلاثة من ~~الروايات التمثيلية، الدون سالوست هو الدرام، والدون سيزار هو الكوميديا ~~وروى بلاس هو التراجيديا، فالدرام يعقد العمل والكوميديا تشوشه والتراجيديا ~~تحسمه. # فالموضوع الفلسفي لهذه الرواية هو تطلع الأمة وتطلبها للمقامات العالية، ~~والموضوع الإنساني هو رجل يحب امرأة، والموضوع الدراماتيقي؛ أي الفاجع أو ~~الهائل هو محبة خادم الملكة، فجمهور العوام لا يرون إلا الموضوع الأخير أي: ~~الدراماتيقي الذي هو الخادم، والحق معهم. وهكذا يقال في كل تأليف من هذا ~~القبيل، فترتوف يضحك منه واحد ويرهب منه آخر، فإن ترتوف حية تسعى في البيت، ~~فهو المرائي بعينه، فيكون تارة إنسانا وتارة معنى. وأوتلو هو في نظر ~~البعض أسود يحب بيضاء، وفي نظر البعض الآخر هو وضيع تزوج بشريفة، وفي نظر ~~الآخرين هو غيور أو هو الغيرة على النساء. # ثم إن هذه الرواية لها تعلق من جهة المعنى التاريخي برواية إيرناني، فإن ~~حالة الكبراء في الروايتين تظهر بجانب حالة المملكة، ففي إيرناني لم تكن ~~إسبانيا اكتسبت شكل الحكومة المطلقة؛ ولذا كان الكبراء ينازعون الملك في ~~الأمر ويقوون عليه تارة بالنفوذ وتارة بالسيوف، ويخرجون عليه مرة ويطيعونه ~~أخرى - كما كان الحال في المملكة العثمانية على عهد الجزار صاحب عكا ~~وباشاوات مصر وبكوات تونس، ودايات الجزائر، وبقية الأمراء الذين يقال لهم: ~~درة بك - ففي ms235 سنة 1519م كان الكبراء في إسبانيا يبتعدون عن قصر الملك، ~~ويقيمون في الجبال وفي المعاقل والحصون، ويكونون تارة من قطاع الطريق مثل ~~إيرناني وتارة من الأمراء المستقلين في إدارتهم الداخلية مثل روى غومز كما ~~فصلت أحوالهم في تلك الرواية، ثم بعد مأتى سنة من ذاك التاريخ انقلبت ~~القضية، فصار الكبير الذي كان أشبه بالمستقل في إدارته رجلا من رجال ~~المعية ينافق لينفق، والبعض الآخر من الكبراء سقطوا في الفقر والمذلة، فهم ~~يخفون أسماءهم لا للتملص من سطوة الملك، بل للتملص من أصحاب الديون ~~وإلحاحهم، فالواحد منهم لا يصير قاطع طريق بل يصير نوريا أي: من ~~الرعاع، فيرى من ذلك أن الحكومة المطلقة مرت عن هؤلاء الكبراء أعواما ~~كثيرة، فأحنت رأس هذا وقطعت رأس ذاك. # ثم إن بين رواية إيرناني ورواية روى بلاس مضى على إسبانيا قرنان من الدهر ~~حكم أخلاف شارلكين في غضونهما الدنيا، وكان من الحكمة الإلهية عدم زيادة ~~ساعة، ولا تنقيص ساعة في هذين القرنين؛ لأن شارلكين ولد سنة 1500م، وشارل ~~الثاني مات سنة 1700م، ففي سنة 1700م ورث لويس الرابع عشر شارلكين كما ورث ~~نابوليون سنة 1800م لويس الرابع عشر، فالمؤلف عطف أنظاره نحو التاريخ ونحو ~~ظهور هذه الدول المعظمة فيه، وملأ رواية إيرناني بضياء الفجر، ورواية روى ~~بلاس بظلام الشفق، ففي إيرناني أشرقت شمس آل أوستريا، وفي روى بلاس ~~غربت. انتهى. # باريس في 25 نوفمبر سنة 1838م # فيتضح من هذه المقدمة رغما عما فيها من ركاكة الترجمة؛ لعدم تنقيحها بسبب ضيق ~~الوقت حقيقة الروايات التمثيلية، وكيفية تشخيصها للأخلاق الإنسانية وتصويرها ~~الوقائع التاريخية، كما يظهر الفرق بين أنواع الروايات من درام وكوميديا وتراجيديا، ~~فإن تأليف الروايات له شروط وقواعد وأساليب كما أن له غاية ومقصدا، ويتضح من ذلك ~~أيضا وجه اعتراض الإفرنج على المقامات الحريرية التي أشبه بالكوميديا، ولعل ~~أدباءنا ينهجون هذا المنهج الجديد في التأليفات الأدبية، ولا يقفون عند حد القصيد ~~والرجز أو الرسائل والمقامات والخطب، فإن القرن العشرين مفتقر إلى تصوير الأخلاق ~~الشرقية بأسلوب الروايات ms236 التمثيلية، ومحتاج إلى درس تاريخ الأمم الشرقية درسا ~~مدققا ومعرفة خصال كل رجل من مشاهير رجاله، كصلاح الدين وموسى بن نصير وأمثالهما، ~~ونظم الكونت دوليسل وهو خليفة فيكتور هوكو والمنتخب عوضا له في الأكاديمية قصيدة ~~غراء سماها موسى الكبير، وصور فيها محاكمة موسى بن نصير ووقوفه بين يدي الخليفة ~~الأموي، ومدافعته عما اتهم به كما أن عبد الحق حامد بك ألف باللسان العثماني رواية ~~طارق بن زياد، وهي نثرية تمثيلية وفيها أشعار بديعة. # الملك يتسلى # صور فيها المؤلف فرانسوا الأول ملك فرنسا ومجنونه وتريبوله؛ لأن الملوك كان لهم ~~مجانين ومهرجون ومضحكون، وأقزام قصار القامة ومساخر، ولم يزل يشاهد أثرهم وبقيتهم ~~في بلاد الشرق. ولعهد قريب كان للولاة في بلادنا مساخر ومضحكون يسمونهم المهرج ~~والسوطري، ولم يزل منهم من هو حي ليومنا. # وأما في أوروبا فاعتاضوا عن جميع ذلك بالمراسح وتفننوا في تنويعها، فجعل المؤلف ~~فرانسوا الملك المتكبر الجبار وتريبوله المجنون المضحك الهزئة على طرفي نقيض في ~~مرسح اللعب، ولكن تريبوله مع ما هو عليه من دناءة النفس والتلصص كان أبا حنونا ~~شفوقا على أولاده، فكانت له خصلة حسنة من جهة الأبوة، وقد قام بحقها أحسن قيام ~~وأظهر إحساسه الأبوي على بنته حينما أراد الملك أن يقع بها للتسلية. # لوكريس بورجيا # بورجيا عائلة إسبانية الأصل انتخب منها باباوات أشهرهم البابا إسكندر السادس، ~~وصار لهذه العائلة نفوذ عظيم في رومية وإيطاليا، وجميع العالم الكاثوليكي، وكان ~~للبابا إسكندر السادس أولاد منهم قيصر بورجيا المشهور بارتكاب الأفعال الدنيئة ~~والجنايات الفظيعة، وكان أسقفا وله أخت تسمى لوكريس بورجيا. # فموضوع الرواية أن خمسة شبان من أولاد الكبراء اجتمعوا في البندقية (فينيسيا) في ~~مرقص تستر فيه الراقصون والراقصات بالبراقع، ثم جلس هؤلاء الأصحاب يتسامرون وأفضى ~~بهم الحديث إلى ذكر الفظائع، وتعداد الجنايات التي ارتكبتها عائلة بورجيا، وكان ~~أحدهم القبطان جينارو نام على حديثهم، ثم استفاق على قبلة قبلته إياها في جبهته ~~امرأة مستترة بالبرقع لم يعرفها، فهذه المرأة هي أمه لوكريس بورجيا، وسمعت قذف ~~أولئك الشبان في ms237 حقها وحق عائلتها، ولم يكتف الشبان بالكلام بل مروا بباب دار ~~زوجها الدوق دوفيرار، ومعهم جينارو فتطاول على تاج الدوقية المرسوم على بابه، وطعن ~~في لوكريس بورجيا وفي أخيها وأبيها، فأمر الدوق بإلقاء القبض عليه وحبسه، وطلبت ~~زوجته قتله، ثم لما علمت بأنه ولدها طلبت العفو عنه، فاغتش الدوق دوفيرار من ذلك ~~وظنه واحدا من عشاقها، وأجبرها على سقيه السم، وبعد خروج زوجها من البيت سقت ولدها ~~المسموم ترياقا نافعا ضد السم فشفي، وفتحت له الباب وهربته وهو لا يدري بأنها ~~أمه، ثم أرادت الانتقام من رفاقه الخمسة الذين طعنوا فيها في مرقص البندقية، ~~فاحتالت في دعوتهم عند الأميرة تغروني، وفي سقيهم السم القاتل وبينما هم منهمكون في ~~اللذات على المائدة ومتنعمون بنعيم الضيافة، وإذا سمع النواح ودخل الرهبان بأثواب ~~المأتم، وخلفهم خمس توابيت لحمل الموتى، وظهرت لوكريس بورجيا على المرسح شامتة في ~~أعدائها الخمسة الذين قذفوا في عرضها، والسم يدور في بدنهم ولا يمهلهم إلا برهة ~~قليلة، ولكن جينارو لحق برفاقه وأراد الموت معهم، وشرب من كأسهم ورفض من أمه ~~الترياق الذي ناولته إياه؛ لتنقذه من السم وطعنها بخنجره، وهو لا يدري بأنها أمه ~~فقالت له حينئذ لوكريس بورجيا: «أنا أمك» وختمت الرواية بموتهم جميعا، ومراد ~~المؤلف من هذه الرواية بيان أن أشقى النفوس وأظلمها وأطغاها قد تتجمل بإحساس ~~كالإحساس الناشئ من محبة الوالدة لولدها. # توركماده # وهي من روايات التمثيلية التاريخية، أما توماس توركماده فهو رئيس محاكم التفتيش ~~الديني في إسبانيا، وقد اشتهرت هذه المحاكم بالظلم والعدوان والتعذيب بأنواع آلات ~~العذاب كالضرب الشديد، وشد المعذبين بالمشدات حتى تتخلخل عظامهم، ونتف شعورهم ~~وإلباسهم الطاسات المحمية، ووضعهم في صناديق مسمرة حتى إذا تحرك الموضوع فيها دخل ~~المسمار في بدنه ومزق جلده ولحمه، وغير ذلك من أنواع العذاب والإحراق بالنار أو ~~التغريق في الأنهار والبحار، وعرفت هذه المحاكم باسم «إنكيزيسيون»، وكان أول ~~تأسيسها في قشتالة وأراغون من إسبانيا لمحاكمة المسلمين واليهود، والمشكوك في ~~إيمانهم من النصارى الذين يتساهلون بفرائض الدين الكاثوليكي، وتوفي ms238 توركماده سنة ~~1498م؛ أي عقب إخراج المسلمين من إسبانيا. # بورغراف # وهي من الروايات التمثيلية أيضا، وهذا الاسم يطلق على ذوي الآراء السخيفة لا ~~سيما في المسائل السياسية، والبورغراف هم أمراء البلاد، ومحافظو القلاع كما كان ~~الجزار في عكا وأبو نبوت في يافه، ولم يزل له في يافه سبيل ينسب إليه، ويروى عن ~~هؤلاء الولاة والأمراء الروايات الغريبة، والأقاصيص العجيبة، فصور فيكتور هوكو في ~~رواية بورغراف أخلاق أمراء الألمان وغرائب أحوالهم. # ماري تيد # وهي ملكة الإنكليز (1516-1553م) بنت هانري الثامن، وكانت مخالفة للإصلاحات ~~والنظامات الجديدة شأن المستبدين من الملوك، فألف الشاعر فيها هذه الرواية. # أنجلو # اسم ملك ظالم من ملوك بادو في إيطاليا اتخذه الشاعر موضوعا لروايته. # ماريون دولورم # غانية من غواني باريس كانت على عهد لويس الثالث عشر والكردينال ريشيليو الوزير ~~الشهير، فصورها الشاعر في روايته. # أسمرالده # اسم نورية في باريس ولعلها من الأشخاص الموهومة، واتخذها المؤلف عروسا لهذه ~~الرواية التمثيلية ولقصة «نوتردام دوباري». # امي روبسار # فهذا ما ألفه فيكتور هوكو في الروايات التمثيلية وسماه درام، وأكثر هذه الروايات ~~منظوم ومنها ما هو نثر. ~~(19) نثر فيكتور هوكو # المنثور من كلام فيكتور هوكو على فنون كثيرة، منها فن القصص المعبر عنها بالرومان، ~~ومنها الأدب والفلسفة، والانتقاد الأدبي، والتاريخ، والرحلة والمراسلات، والأقوال ~~والأعمال، والمشهودات ونحو ذلك: ~~(1) # فأشهر القصص التي ألفها هي قصة البؤساء، وذكرنا فيما سبق أن العلامة ~~الفاضل شمس الدين سامي بك الفراشري - وفراشر قرية في ولاية يانيه من بلاد ~~الأرناؤد - ترجم جزءا كبيرا من هذه القصة للسان العثماني، وسماه السفلاء ~~ونشره بمطبعة مهران في الأستانة. ولسامي بك تآليف كبيرة مفيدة مثل قاموس ~~الأعلام في ست مجلدات ضخمة وقواميس صغيرة وكبيرة من التركية للفرنساوية ومن ~~الفرنساوية للتركية، وغير ذلك من المؤلفات النافعة العصرية. # أما الباعث على تأليف هذا الكتاب، فهو ما ذكره المؤلف في مقدمته حيث قال: ~~طالما وجد عذاب اجتماعي بفعل القوانين والعادات، طالما لم تحل الثلاث ~~المسائل العصرية، وهي الحط من كرامة الإنسان بكثرة البؤساء، وسقوط المرأة ~~في العهر ms239 بسبب الجوع، وفقر دم الأولاد باشتداد برد الليل، طالما وجد في ~~الناس جهالة وفقر، فالكتب التي هي جنس هذا الكتاب لا تخلو من الفائدة ~~... # وموضوع الكتاب أن رجلا فقيرا يدعى جان فلجان كسر قفل الخباز، وسرق ~~رغيفا ليطعمه لأولاد أخته الجياع فحكمت عليه المحكمة وفقا للقوانين ~~بالأشغال الشاقة، وألقي في الحبس الذي هو جهنم الهيئة الاجتماعية ولاقى من ~~الآلام والمحن ما لاقاه على زعم النصارى المسيح بن مريم - عليهما السلام - ~~تخليصا للبشر من الخطايا، فكان جان فلجان فداء للأخلاق الإنسانية. وبعد ~~تحمله الآلام والمشاق الكثيرة صعد إلى النور، وكان الأسقف ميريل وهو من ~~أشخاص هذه القصة وعظ هذا الجاني بالصبر على المصيبة، ووضع في نفسه المظلمة ~~شعاعا طفيفا فاستنارت ثم توقدت وتوهجت، فصور الشاعر ما اختلج في صدر هذا ~~المحكوم عليه من الهيجان وعبر عن ذلك بحدوث زوبعة عاصفة في قرعة الرأس، ومن ~~أشخاص هذه القصة وأبطالها البنت فوزيت والبوليس جافر وبين حالة العملة ~~والشغال الذين يلجئهم الفقر والجوع إلى ارتكاب القبائح والجرائم، وحالة ~~البنات الشغالات اللواتي صيرتهن المتربة من العواهر الفاجرات، وصور الفقر ~~المدقع والجوع القتال أحسن تصوير، وفي هذه القصة أيضا أخبار كافروش وهو من ~~رعاع باريس، وما جرى له مع البوليس جافر وقد اشتهر خبرهما حتى ضرب بهما ~~المثل، ومما ذكره المؤلف بطريق العرض في هذه القصة محاربة واترلو التي ~~غنمها نابوليون الأول، ووصفها بكلام نثري أشبه بالشعر الحماسي، وذكر أيضا ~~الفتنة التي حدثت في باريس سنة 1832، أما البوليس جافر فجعله مثالا للطاعة ~~والقيام بأعباء الوظيفة. ~~(2) # نوتردام دوباري، وهي كنيسة باريس الجامعة سمى بها قصته لجريان حوادثها في ~~هذه الكنيسة وفي أطرافها، وهي بنيان ضخم غليظ في وسط باريس بقرب نظارة ~~الضبطية ونظارة العدلية أو الحقانية، وموضوع القصة عبارة عن عشق ضابط ~~فرنساوي يدعى فوبوس لرقاصة نورية تدعى أسميرالده ورقاية راهب الكنيسة لهما ~~وخطف أحد الأشقياء المدعو كازيمودو للبنت، فالموضوع بسيط عادي ومهارة ~~المؤلف تظهر في تصوير الحالة التي كانت عليها باريس في القرون الوسطى، ووصف ~~ما ms240 فيها من الأزقة المظلمة والطرق الغير مستقيمة، ووصف أهلها ما بين بائع ~~وتاجر وصانع وتلميذ وجندي وشريف ووضيع، وهم يمرون أمام الكنيسة أفواجا ~~أفواجا ويروحون ويغدون في فنائها ويستظلون بظلها، وصور جميع ذلك بصورة ~~خيالية وهمية لطيفة تعجب القارئين، وهي مؤلفة على أسلوب اللغة ~~الرومانية. ~~(3) # هان الإسلاندي، وهي قصة مصورة للجمال الذي قد يكون في الشنيع، كما صور ~~محبة الوالدة لولدها وتهافتها على إنقاذه من مخالب الموت في رواية لوكريس ~~بورجيا رغما عن قساوة أخلاقها وسوء أفعالها، وكما صور هذا المؤلف أيضا في ~~رواية الملك تسلي إشفاق الوالد على بنته وغيرته على ناموسها، وسعيه في ~~تخليصها من أيدي الملك مع أن هذا الوالد لا يغار على ناموس نفسه، ولا على ~~شرفها ولا يبالي في ارتكاب أنواع الدناءة والمجون، ومن بديع الحكم التي في ~~قصة هان الإسلاندي ما ذكره في مقدمتها عن «نضج القريحة» قال: # في كل مصنف فكري مثل الدرام والشعر والرومان ثلاثة أشياء: ما شعر ~~به المؤلف، وما نظر فيه المؤلف، وما تنبأ به المؤلف، فليكون ~~الرومان (القصة) حسنا ينبغي أن يكون فيه كثير مما شعر به وكثير ~~مما نظر فيه، وأما الشيء المتنبأ به فيلزم أن يظهر من تمام الشيء ~~الذي شعر به، والشيء الذي نظر فيه بغير احتياج للحل، وإنما ~~بالطبع والبداهة. # فإذا انقضى الفصل الأول من العمر وانحنت الجبهة على الكتاب ~~والكتابة وشعر المرء باحتياجه لعمل شيء آخر خلاف الحكايات الغريبة ~~التي يخوف بها النساء العجائز والأولاد الصغار، واحتك بالحياة ~~احتكاكا خلق ديباج شبابه، يعلم حينئذ أن كل إيجاد وكل اختلاق وكل ~~تنبؤ في هذه الصناعة ينبغي أن يكون أساسه مبنيا على الدرس ~~والنظر، والتفكر والعلم والقياس والمقابلة والتعقل الصحيح، وكمال ~~الدقة في تصوير الأشياء بحسب الطبيعة، ونقدها نقدا خاليا من ~~الغرض والهوى، فالإلهام الحاصل من مراعاة هذه الشروط الجديدة لا ~~يضيع شيئا من هذه الصناعة الأدبية، وإنما يكسب صاحبها نفسا ~~عاليا وجناحا قويا، ويعرف الشاعر بالطريق التي يسلكها حينئذ، ~~وجميع التخيلات الهوائية التي تخيلها في ms241 سني حياته الأولى تجمد على ~~هيئة مخصوصة كما يجمد الجليد، ويتشكل منها فكرة ورأي. فهذا الدور ~~الثاني من حياة المصنف المتفنن هو الزمن الذي يؤلف فيه أحسن ~~مصنفاته ويكون فيه شابا نضيج الرأى، فهذه هي الصحيفة الثمينة ~~والنقطة العليا التي هي الأوج والساعة التي يشتد فيها الحر والضياء ~~من وسط النهار، واللحظة التي يقل فيها الظل إلى أقل ما يمكن، ويكثر ~~فيها النور إلى أكثر ما يمكن ... ا.ه. ~~(4) # بوغ جارغال، حرر فيكتور هوكو هذه القصة وهو في السادسة عشرة من عمره، ~~وطبعها ثم صححها وأعاد طبعها، وموضوعها أنه في سنة 1791؛ أي في أثناء ~~الانقلاب الكبير الفرنساوي كان في جزيرة سن دومينيك من جزر الانتيل ~~الأميركانية عبد أسود يسمى بييرو يخدم عند أوروبي من أغنياء المستعمرين ~~فأحب ابنته مارية حبا شديدا وكانت بديعة الحسن والجمال، ولها خطيب فأخفى ~~العبد حبها ولم يبح لها بشيء، ولكنها كانت تلاحظ حنوه وإشفاقه عليها، ~~وخطيبها كان يرى ذلك، ويعجب من جرأته على محبة خطيبته، ثم حصلت ثورة العبيد ~~السودان على المستعمرين من البيضان، وفي أثناء معامع الثورة خطف أحد ~~السودانيين مارية، وذهب بها إلى مكان بعيد فخرج خطيبها يفتش عنها، فقبض ~~عليه الثائرون وأرادوا قتله، وأحضروه بين يدي بييرو وكان انتخب بوغ ~~جارغال؛ أي: رئيسا للثائرين فحماه من شرهم وجمع بينه وبين خطيبته مارية، ~~ثم إن بوغ جارغال ضحى بنفسه لسلامة معشوقته وخطيبها؛ ولتخليصهما من أيدي ~~العبيد الثائرين، وسلم نفسه لأعدائه البيضان ليقلتوه وأداه حبه إلى فداء ~~روحه في سبيل محبوبته، ومن هذه القصة يظهر اقتدار المؤلف في تصوير الوقائع ~~مع حداثة سنه. ~~(5) # آخر أيام المحكوم عليه بالقتل، ألف فيكتور هوكو هذه القصة سنة 1829، وصور ~~فيها المحكوم عليه بالإعدام وهو في سجنه ينتظر حلول الساعة التي ينقضي فيها ~~أجله وتزهق روحه، وعبر بأسلوب بديع عن بكائه واضطرابه وانزعاجه، وبين جميع ~~ذلك بأساليب شعرية لا وصفية فقط، فكان المؤلف كأنه يشاهد جميع حركات هذا ~~المسكين وارتجافه، واختلاج عضلاته اختلاجا طبيعيا لكسر سلاسل الحديد ~~التي برجليه، والحبل ms242 المربوط بيديه، وكأنه يفهم ما يقوم في ذهنه ويخطر في ~~باله من الأفكار المرعبة، والتصورات الهائلة المدهشة، فحرر جميع ذلك بكيفية ~~مؤثرة محزنة يكاد القارئ يجن من تلاوتها. ففيكتور هوكو أجهد نفسه كثيرا في ~~إبطال الجزاء بقتل النفس، وسعى في إلغاء هذا الجزاء بقلمه ولسانه، وخطب في ~~هذا الموضوع خطبا كثيرة في مجلس النواب، وفي النوادي والمجتمعات، ولكنه لم ~~يتوفق لرفع جزاء القتل من القانون الفرنساوي. ~~(6) # المشتغلون بالبحر، ومقدمتها تبحث عن أرخبيل بحر المانش الفاصل بين فرنسا ~~وإنكلترة، فصور المؤلف في هذه القصة ما يكابده الملاحون، والنوتية من ~~العذاب الأليم، وما يقاسونه من الأهوال، والشدائد عند تخالف الهواء، وحصول ~~الأنواء وتلاطم الأمواج وانكسار السفن، وإشراف من فيها على الهلاك ووقوعهم ~~فريسة لحيوانات البحر، ومنها الحيتان الكبيرة ومنها ما يلتف على الإنسان ~~كما يلتف الحبل ويشد وثاقه شدا محكما حتى لا يستطيع حراكا، ثم يعض بدنه ~~كالعلقة ويمتص جميع دمه، ويسمى هذا الحيوان البحري Pieuvre # هبراو (ربيله)، ومن البلاء ~~الذي يقع فيه الفلاحون وصيادو السمك أيضا رمال المستنقعات التي على سواحل ~~البحار يحسبها الواحد منهم أرضا يابسة، فإذا وطئها غاصت رجلاه في الرمال ~~وكلما تحرك حركة للتخلص منها زاد غطسا فيها إلى رأسه، ويستمر في هذا ~~العذاب الأليم، وهو يشاهد الموت بعينه ولا سبيل للنجاة حتى يغرق ويموت ~~خنقا، فوصف الشاعر مجاهدة المشتغلين بالبحر من أفراد الإنسان، والمعترك ~~الذي يحصل بينهم وبين الطبيعة أتم وصف مما يذكرنا بقصة السندباد البحري، ~~وما لاقاه في أسفاره. ~~(7) # الإنسان الضاحك، ألف فيكتور هوكو هذه القصة سنة 1869، وجعل حوادثها تجري ~~في إنكلترة على عهد ملكتها حنه (آن المعاصرة للويس الرابع عشر في أوائل ~~القرن الثامن عشر للميلاد)، وموضوع القصة أن أحد مرقصي الدبب كان يتجول في ~~جنوب إنكلترة، ومعه دب سماه هومر ومركبة يسكن فيها ويجر أثقاله عليها كما ~~يفعل مرقصو الدبب ليومنا هذا في أوروبا، ولم يزل منهم في جنوب فرنسا، ~~وأكثرهم عثمانيون من أهل البوسنة والهرسك يحملون الباسابورط، ويحتمون ~~بقناصل الدولة العلية، فكان هذا ms243 الرجل يرقص دبه أمام الجمهور ويضحكهم ~~ويسليهم، ويعتاش من إحساناتهم، وعطاياهم وكان صافي النية حسن الطوية مع ~~كونه هزءة ومسخرة للناس، فالتقى ذات يوم بصبي مشوه الخلقة يحسبه الناظر ~~إليه ضاحكا على الدوام، وكان هذا الصبي اختطفه سارقو الأولاد فشوهوا خلقته ~~وتركوه وحده في البراري، فالتقى ببنت حسنة الوجه ولكنها عمياء كانت خرجت مع ~~أمها، فنزل الثلج عليهم وماتت أمها من شدة البرد، فاصطحب الصبي بالبنت ~~وأحبها، ثم إن ذاك الرجل التقى بهما وتبناهما وحملهما معه في مركبته، وطاف ~~بهما البلاد وهو يسترزق من حرفته ويطعمهما، ولم يزل على ذلك إلى أن كبرا ~~وبلغا أشدهما، فذهب بهما الرجل يوما إلى لوندرا، فتعرف أناس على الشاب ~~وأخبروه بأنه هو ابن البارون فلانشارلي من أعيان إنكلترة ولورداتها، فاستلم ~~هذا الإنسان الضاحك ثروة أبيه وملكه، وصار عضوا في مجلس اللوردات بعد تلك ~~السفالة التي قضاها في سني صبوته، وصار لا يتكلم في المجلس إلا بالمحاماة ~~عن البؤساء، والتقريع على الأعيان والكبراء الذين لا ينظرون إلى الضعفاء ~~والمساكين، وكان ذا لهجة شديدة ولكنها غير منتظمة، فكان إذا أتم خطبته ~~استولى الضحك على جميع الأعضاء، ولم يقرروا إجراء شيء من طلباته. # وأورد المصنف في هذه القصة كثيرا من الحكم والفلسفة من ذلك ما قاله عن ~~الطبيعة والحياة: ... بعد كل شيء فالإنسان لا يعيش كثيرا والحياة قصيرة تمضي ~~بسرعة، كلا! بل هي طويلة! لأن الطبيعة أظهرت - ولو بشيء قليل - عنايتها ~~بالإنسان؛ لكيلا تفتر همتنا في غضون ذلك؛ ولكي يكون على بصرنا غشاوة، فنرضى ~~بالبقاء ولا نغتنم الفرص المناسبة لشنق أنفسنا بما أعدته لنا من الحبال ~~والمسامير؛ ولذا أنبتت لنا القمح وأنضجت العنب وأنطقت البلابل وهي مراثية ~~بإنشادها أغاني السرور وإخفائها الكمد، وأرتنا في بعض الأحيان شعاعا من ~~الفجر فهذا ما يسمونه بالسعادة، وما هي إلا طرف رقيق من الخير يحيط بكفن ~~عريض من الشر، فهذا حظنا من الدنيا نسج الشيطان منه السداة واللحمة، ولم ~~يطرز الرحمن فيه إلا أطرافه وحواشيه ا.ه. # قال المعري مخاطبا الدنيا: # يموج ms244 بحرك والأهواء غالبة # لراكبيه فهل للسفن إرساء # إذا تعطفت يوما كنت قاسية # وإن نظرت بعين فهي شوساء ~~••• # فلا تغرنك شم من جبالهم # وعزة في زمان الملك تعساء # نالوا قليلا من اللذات وارتحلوا # برغمهم فإذا النعماء بأساء ~~(8) # ثلاث وتسعون؛ سماه بذلك لأنه بحث فيه عن وقائع سنة 1793، وقص فيه قصصا ~~حكيمة فلسفية موضحة لحقيق الانقلاب الكبير الفرنساوي، وللسبب الحامل ~~لأصحابه على الثورة ومقاومة بعض الأهالي للثائرين؛ لعدم فهمهم المراد من ~~الانقلاب، ومن الإصلاحات الجديدة ولاعتقادهم أن الملك قوة إلهية مفوضة ~~للملك يفعل بمقتضاها ما يشاء برعيته، فهم عبيده يتصرف بهم تصرف المالك في ~~ملكه. فبين المؤلف ذلك بأساليب بديعة يفهمها العوام والفلاحون، وعرفهم بأن ~~القوة الحاكمة ينبغي أن تكون في الأمة، وأن سيد القوم يجب أن يكون ~~خادمهم. # وأما ما ألفه في التاريخ فهو: ~~(1) # نابوليون الصغير، كتبه المصنف بعد لبس نابوليون الثالث تاج الإمبراطورية، ~~وكان هو يستشيط من ذلك غضبا فتهور في الطعن فيه والحط عليه، ولما طبع ~~الكتاب جاء أحد المتبصبصين بنسخة منه للإمبراطور وكان في قصر سن كلو وهو في ~~ضواحي باريس على نهر السين، فنظر فيه طويلا ثم التفت لمن حوله من الوزراء ~~وأمراء العسكرية، وقال لهم باستهزاء وسخرية: انظروا يا سادة هذا نابوليون ~~الصغير ألفه فيكتور هوكو الكبير، فلما بلغ الخبر مسامع فيكتور هوكو هجاه ~~بقصيدة بليغة لم أر لها مثيلا في شعر أهل العصر إلا قصيدة كمال بك كبير ~~الشعراء عن الأتراك. ~~(2) # تاريخ جرم، وهو تاريخ حادثة نابوليون الثالث سنة 1851 ألفه المصنف في ~~خمسة أشهر، ولم ينشر إلا بعد 25 سنة حينما سقط نابوليون الثالث، ويقسم هذا ~~التاريخ إلى أربعة أيام: يوم المكيدة والكمين، يوم الحرب والنزال، يوم ~~الذبح وقتل الأطفال، يوم الفوز بالنصر، ثم أتبعه بفصل خامس عنوانه يوم ~~السقوط، فأوضح المؤرخ في هذا التاريخ صورة الجرم، ثم بين القصاص واستنتج من ~~ذلك وظيفة الفرنساويين وهي العدل والحق. ~~«الرين» وهو عنوان كتاب صنفه فيكتور هوكو في الرحلة والسياحة، وحرر فيه ~~ما وجده في نفسه ms245 من التأثر والإحساس الباطني والانفعال بمشاهدة ضفاف الرين، ~~وهو نهر في أوروبا ينبع من جبال الألب، ويمر من بحيرة قونستانس وبمدينة بال ~~ومايانس وقوبلينتس وقولونيا، وأوترخت وليدن ويصب في بحر الشمال، ومما قاله ~~في هذا التأليف عن الضمير والكائنات: ~~... لا شيء في يعارض كون الشجرة عالمة بثمرها، ولكن من المحقق أن ~~الإنسان لا علم له بالمقدرة عليه، حياة الإنسان وعقله هما على ~~خاطر، وكيف لا أدري أي ماكنة مظلمة يسميها البعض عناية إلهية، ~~والبعض الآخر يسميها صدفة، فهذه الماكنة أو الآلهة تخلط وتمزج ~~وتحلل كل شيء في الوجود، وهي تخفي دواليبها في الظلمات وتعرض نتائج ~~محصولاتها في رابعة النهار، يحسب المرء نفسه يفعل شيئا وهو يفعل ~~شيئا آخر، فالتاريخ مملوء بذلك ... # ولكن بين هذا الاختباط يوجد قوانين، فالاختباط ما هو إلا في الظاهر، ~~والانتظام في الباطن، فبعد انقضاء مدة طويلة ترجع الحوادث المدهشة التي ~~فتحت عيون أجدادنا كما ترجع النجوم ذوات الأذناب من أعماق التاريخ المظلمة، ~~فالفخاخ هي دائما تلك الفخاخ بعينها والسقوط دائما عين ذاك السقوط، ~~والغدر دائما عين ذاك الغدر، والمهالك هي دائما تلك المهالك بعينها، ~~فالأسماء تتغير والأشياء ثابتة على ما هي عليه. # أما ما حرره فيكتور هوكو في الفلسفة فهو: ~~(1) # أدب وفلسفة ممزوج بعضها ببعض، وقد ذكرنا من هذا الكتاب فيما سبق تعريف ~~الشعر، وبأنه لا يكفي وجود الأسلوب الحسن والشكل الظريف في البيت، بل ينبغي ~~أن يحتوي على فكر أو صورة أو إحساس، وشبه بيت الشعر ببيت النحل الذي يتخذه ~~من الشمع والشعر فيه كالعسل. # وقال أيضا في تعريف الإنشاء: # الإنشاء هو الذي يخلد ذكر الشاعر ويبقى تأليفه؛ لأن حلاوة ~~التعبير تزين الفكر كالميناء على السن. # وقال في تعريف الواجب: # ما دام الممكن لم يفعل فالواجب لم يؤد، فهذا فكر من ~~أفكاره. # ومنها أيضا في الزواج: # الزواج هو تطعيم فيه إمساك جيد أو رديء. # وقال في التغير والتقلب: # إذا قلنا عن رجل: «رأيه السياسي لم يتغير منذ أربعين سنة» نكون ~~مدحناه مدحا مذموما؛ لأن قولنا ms246 هذا يؤدي إلى أنه لم يحصل له ~~تجربة في المسائل اليومية، ولا حصل لفكره انعكاس ولا إشعاع على ~~الحوادث، فهذا من قبيل مدحنا الماء بكونه راكدا والشجرة بكونها ~~ميتة، وتفضيلنا ما في الصدف من سمك البحر على النسر الطائر. ~~فبالعكس كل شيء متغير في الرأي، وفي الأشياء السياسية لا شيء مطلق ~~على إطلاقه إلا الأخلاق الباطنية لتلك الأشياء، فهذه الأخلاق هي من ~~خصائص الوجدان وليست من خصائص الرأي ومتعلقاته، فرأي الرجل يمكن ~~حينئذ أن يتغير تغيرا لا يمس بشرفه بشرط أن لا يتغير وجدانه، ~~فالحركة سواء كانت تقدمية أو تأخرية هي في حد ذاتها حيوية، ~~إنسانية، اجتماعية» ا.ه. # وهكذا يقال في صاحب الجريدة كما يقال في رجل السياسة، وقد رأينا في ما ~~تقدم أن رقباء فيكتور هوكو عابوا عليه تقلبه في أحزاب السياسة، وتغير رأيه ~~من الملكية إلى الإمبراطورية إلى الجمهورية. ~~(2) # وليم شكسبير، ومما ورد له في هذا التأليف من الحكم ما ذكره عن التقدم ~~والترقي، قال: # فظاظة التقدم تدعى انقلابات، فإذا تمت الانقلابات اعترف الإنسان ~~بما يأتي وهو: أن النوع الإنساني تألم وترضرض ولكنه مشى. # فالتخريب هو الشغل والتعمير هو العمل (أي: البناء كما في بناء ~~الدار فإن فيها تعميرا مثل رفع الجدران الجديدة، وتخريب مثل هدم ~~الجدران القديم وحفر الأسس، فالتقدم يهدم باليد اليسرى، وأما باليد ~~اليمنى فهو يعمر، فاليد اليسرى تسمى القوة واليد اليمنى تسمى العقل ~~ا.ه. # ففيما ذكر من مؤلفات فيكتور هوكو كفاية لمعرفة ماهيتها ولا حاجة لذكر ~~بقيتها. # | هوامش # | الخاتمة # لا ريب في أن فيكتور هوكو من أكابر الشعراء الذين نبغوا في العالم الإنساني كله في قديم ~~الزمان وحديثه، وهو عند الفرنساويين شيخ الطريقة الرومانية، والشعر الغرامي المعروف باسم ~~«ليريك»، كما أنه من فحول القصاصين ومؤلفي الروايات التمثيلية المشهورة باسم «درام». # غير أن الطريقة الرومانية التي كان لها المقام الأول في صناعة الأدب سقطت بظهور الطريقة ~~الحقيقية التي أمامها إميل زولا. # وروايات فيكتور هوكو التمثيلية لم تبلغ درجة الإعجاز لا بالنظر إلى المؤلفات السابقة ~~عليها، ms247 ولا إلى المؤلفات اللاحقة لها من هذا النوع، لعدم كشف فيكتور هوكو أسرار القلب ~~الإنساني، وإظهار ما فيه من الإحساس الحقيقي، ومع ذلك فهو لم يزل أمام الشعر الغرامي، ومجدد ~~أساليب النظم والنثر؛ ولذا لقبوه بأبي الشعر العصري واقتفى الشعراء أثره وسلكوا مسلكه، وكان ~~الباعث على شهرته في العالم المتمدن كله من أوروبي وأميركي، وما يلحق بهما ثلاثة أمور: ~~أحدها سياسي، وثانيها ديني، وثالثها علمي. نبغ فيكتور هوكو في عصر الانقلاب والتجدد وطال ~~عمره وكثر عمله، وكان لقومه الحظ الأوفر من التقلبات السياسية والتبدلات الاجتماعية، ~~واستوقفوا نحوهم أنظار العالم المتمدن بأسره، فكان هذا الشاعر لسان حال الأمة وترجمانها في ~~كل انقلاب حدث فيها وتبدل طرأ عليها وغير حكومتها من ملكية مطلقة إلى جمهورية مفرطة، إلى ~~إمبراطورية ديموقراطية، إلى ملكية مقيدة بقليل أو كثير من القيود، إلى جمهورية ثانية، إلى ~~إمبراطورية ثانية، ثم إلى جمهورية ثالثة. فهذه التقلبات هيجت الأفكار العمومية، وكثرت ~~الأحزاب السياسية، ودعت إلى استماع قول الشاعر الحكيم والتمثل بأشعاره في نوادي السمر ~~الأدبية والسياسية على اختلاف الآراء وتبدل المشارب، ومتى تحدث أهل العاصمة بأمر سارت ~~الركبان بحديثهم إلى الولايات وأطراف المملكة، ثم فشى في الممالك المجاورة، وجسمه البعد في ~~المخيلات، فأصبح صداه في الخارج أشد من صوته في الداخل، وبعد أن استبد نابوليون الثالث ~~بالحكم مال لأبهة الملك وعظمة السلطنة، وتفاخر بالصيت والشهرة واشتد حرصه على السمعة في ~~البلاد الأجنبية، وانتشرت اللغة الفرنساوية على عهده في أكثر الممالك المتمدنة وصارت اللسان ~~الرسمي المتداول بين الدول في المناسبات الديبلوماتية، وفي الاجتماعات السياسية والأدبية، ~~وفي قصور الملوك والأمراء، وفي حفلاتهم وسهراتهم ومراقصهم، وعلى موائد ضيافتهم، وفي تحرير ~~المراسلات والمعاهدات كما أصبحت اللسان الرسمي في نظارة الخارجية العثمانية، وفي كثير من ~~دوائر الدولة العلية ومعاملاتها، ولم تزل إلى يومنا هذا. # فلما اقترن اسم فيكتور هوكو باسم نابوليون بسبب مدحه نابوليون الأول، وهجوه نابوليون ~~الثالث زاد شوق الناس للاطلاع على أشعاره وقصصه في داخل فرنسا وخارجها، وراجت بضاعته في ~~الأدب فلم يدع ms248 بابا من أبواب الشعر إلا طرقه ولا مسألة إلا بحث فيها، ثم ساعدته الظروف ~~بالانتصار على نابوليون الثالث بعد حرب السبعين الألمانية وتشكل الجمهورية الثالثة فزاد ذلك ~~من أهمية الشاعر، وفي انتشار شعره وبالغ رجال الجمهورية في الاحتفاء به ، والاحتفال له ~~كاحتفال الإمبراطورية بشخص الإمبراطور. # أما السبب الثاني لشهرته فهو سهولة أشعاره ووضاحتها، وتصويرها المسائل العظيمة والأفكار ~~الدقيقة، فأظهر بشعره فرحه وسروره بنعمة الحياة وابتهاجه بالمخلوقات، ورأى في أمنا الدنيا ~~بقرة حلوبا تدور على أبنائها بلبن سائغ للشاربين، وتكلم على أفراح العائلة وزينة البيوت ~~بالأولاد ولذة اجتماع الأهل على المائدة، ومحبة الوالدين وحنوهما، وحض على الإحسان للفقراء ~~والمساكين والشفقة عليهم، وبين اعتقاده بالله الغفور الرحيم ورجاءه بتقدم نوع الإنسان في ~~الحضارة، وبتحسن الحياة البشرية والمعيشة الإنسانية بسبب انتشار الأفكار الجديدة، وتغلب ~~الحق رويدا رويدا على القوة، والنور على الظلمة حتى تتساوى الناس في الحقوق، ويرتفع عنهم ~~الضغط والاستبداد، ويزول من بينهم الظلم والاستعباد، وينتشر العدل ويزهق الباطل إن الباطل ~~كان زهوقا ... # فجميع ذلك مما يرغب الجمهور في تلاوة أشعاره، وتعليمها للأولاد ونشرها في البيوت بين ~~النساء والبنات، بخلاف أشعار المعري التي لا يذكر فيها إلا بخل أم دفر على بنيها بالحقوق ~~ومبادرتهم لها بالعقوق. ولا يرى بقرة فيكتور هوكو تجود إلا بسم قطيب؛ أي ممزوج بحلاوة، ومع ~~غنى المعري وثروته لم يلتذ بالمال والبنين، ولا بشيء من زينة الحياة الدنيا وزهد في أكل ~~اللحوم وشرب المكيفات، وعمى بصره عن مشاهدة المناظر الطبيعية والرياض النضرة، وحيث كان ~~لفيكتور هوكو اعتقاد ثابت في الله، ورجاء كبير في حسن المستقبل، وارتقاء الإنسان إلى دار ~~السعادة عرف وظيفة الشاعر وبين ما يترتب عليه وعلى كل عاقل مفكر في الأمر من نشر الحقائق ~~بين قومه وأبناء لسانه، وزعم أن الشاعر ينبغي أن يكون رسولا للأمة، ونورا يسعى بين يديها ~~ليهديها الصراط المستقيم، فكأني بالمعري يقول له: # وإخوان الفطانة في اختيال # كأنهم لقوم أنبياء # ولم يكن فيكتور هوكو يهوديا ولا نصرانيا، وتبرأ من أصحاب هذين الدينين، ms249 وقال: بأنهم ~~اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، وأوصى بعدم دفنه على سنن واحد منهما وبعدم حضور أحد من رهبان ~~النصارى ولا من أحبار اليهود في جنازته، كما أنه لم يكن يعرف حقيقة الدين الإسلامي، ولا ~~أمعن نظره في آيات القرآن لما قدمنا ذكره من الأسباب وهو عدم توسع دائرة المعارف الإسلامية ~~في عصره، والذي ذكره في شعره من القرآن هو بعض أمثال قليلة نقلها عن غيره بدون أن يبحث فيها ~~بفكره، ومع ذلك ففيكتور هوكو موحد؛ اعترف في كثير من أشعاره باعتقاده بالله، وحسن رجائه ~~باليوم الآخر، واهتدى للتوحيد بنظره في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار كما ~~اهتدى إبراهيم جد الأنبياء - عليه وعليهم السلام: # وإذ قال ~~إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك ~~وقومك في ضلال مبين * وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين * ~~فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما ~~أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر ~~بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس ~~بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم ~~إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين ~~. # وهكذا قال فيكتور هوكو لقومه: إني بريء مما تعبدون، فلم يكن مشركا بالله ولا كان منكرا ~~جاحدا إنكار الشاعر فولتير وجحوده، بل ربما كان حنيفا، والحنيف هو الذي يؤمن بالله ولا ~~يتخذ شكلا مخصوصا للعبادة، وكان منهم أناس في جزيرة العرب قبل الإسلام مثل ورقة بن نوفل ~~وغيره. فإذا أمعنا النظر في كلام فيكتور هوكو نراه من الذين يذكرون الله قياما وقعودا ~~وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض، ونراه أيضا كثير البغض في الجبابرة ~~المستبدين، ويدعو الناس إلى عدم اتخاذ أرباب من دون الله، وقد ورد في القرآن الكريم في سورة ~~آل عمران وهي السورة الثالثة والآية 60 # قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ms250 نعبد إلا ~~الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من ~~دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون * يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما ~~أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون * ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم ~~تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون * ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ~~ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين * ~~إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ~~والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ~~. انظر إلى بلاغة هذا ~~الكلام وتأمل قوله، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله تجد جميع الأدباء من قديم ~~وحديث ومن عربي أو أعجمي عالة عليه في هذه البلاغة التي وصلت أعلى الدرجات، وهي المعبر عنها ~~في صناعة الأدب بالإعجاز، وقد ورد لفيكتور هوكو كلام متشابه يدل على حيرته والحيرة مقام من ~~مقامات العلم بالله، ولكنه لم يفتر عن القول: بأنه موجود موجود موجود، ولما ماتت بنته واشتد ~~حزنه سب الله عدوا بغير علم ثم رجع واستغفر لذنبه وشبه نفسه بالصبي الذي غضب ورمى البحر ~~بحصاة، فهو لم يضر البحر في شيء ولكن فعله دليل على سفاهته وحمقه، فمثل الله كمثل البحر ~~ولله المثل الأعلى، قال الحكيم الفيلسوف أرنيست رينان عن فيكتور هوكو وعن فولتير: بأنهما ~~سارا على قطبين متخالفين ولم يتلاقيا إلا على محبة العدل والإنسانية. # والباعث الثالث على شهرة فيكتور هوكو هو كثرة علمه وغزارة معارفه، وعدا معرفته بدقائق ~~اللغة الفرنساوية، وبعلم القوافي والعروض والموسيقى وما يلزم للشعر كان حكيما فيلسوفا يضع ~~كل شيء في موضعه، وكل معنى في قالبه ولم يغب عن علمه شيء من التاريخ والجغرافيا، وأسماء ~~البلدان وله اطلاع على العلوم الرياضية وجميع المسائل الاجتماعية، وكليات القوانين البشرية ~~والسياسية، وله اقتدار عجيب في التخيلات والتصورات والاختلافات، وإذا نظر في شيء تمكن من ~~رؤيته بعين لم يتيسر لغيره من الشعراء الرؤية بها، فوقف على كنه الأشياء وحقيقتها، وعلى ~~جميع ما يعرض ms251 لها من الصور والأشكال والألوان وبقية الخواص الظاهرة والباطنة، وإذا ذكر ~~إسبانيا مثلا لم يترك فيها مدينة إلا وصفها بالوصف اللائق بها سواء كان وصفا جغرافيا أو ~~طبيعيا أو تاريخيا بالنظر لمن اشتهر فيها، أو لما ينبت في أرضها أو لمرآها الطبيعي ~~ومنظرها الخارجي، وذكر كذلك كثيرا من مدن فرنسا وإيطاليا، وقال في جبل نارها فيزوف: # نابولي مرساها معطر بالأزهار يقف فيه فصل الربيع ولا يمر # وجبل فيزوف الملتهب بالنار يغطيه بتاج متوقد # كأنه فارس من فرسان الحرب كثير الغيرة والحسد شهد عرسا # فحسد أهله على أفراحهم ورمى بقلنسوته الحمراء وسط أزهارهم. # ولا يخفى أن ضباط العساكر الفرنساوية يزينون قلنسواتهم بالرياش الحمراء، وهي على هيئة جبل ~~النار في حالة اشتعاله، وتصاعد الدخان واللهيب من جوفه، ومن عادة الإسبانيين إذا طربوا ~~برؤية وجه حسن أو سماع نغم أو حضور مناطحة الثيران والبقر رموا بقبعاتهم إلى الأرض، ونخروا ~~نخرة أو تأوهوا، وقد شاهدت هذه العادة في شباب بعض المدن الشرقية والسورية، ولعلهم أخذوها ~~عن الإسبانيين بواسطة اليهود الذين لم يزالوا في بلاد الشرق يتكلمون اللغة الإسبانية رغما ~~عن كل ما أجراه الإسبانيون فيهم من النفي والإجلاء والتعذيب في محاكم الانكيزيسيون، فهذه ~~الأبيات على حد قول الشاعر العربي في حمص الأندلس وهي إشبيلية: # غدا النهر عقدك والطود تا # جك والشمس أعلاه ياقوته # وتقدم ذكر الأبيات فيما سبق. # فهذا مثال لأساليب فيكتور هوكو وتشبيهاته، وكان له ولع بالأمور العظيمة والمقامات العالية ~~والمناظر الواسعة، والمعاني الدقيقة، فعرف لج البحر الذي لا يرى ساحله، وبعد الفضاء الذي ~~لا تدرك نهايته، وقلد أصوات الأشياء ووصف الجمادات وصفا يخال منه للقارئ أنها حية تنطق؛ ~~ولذا قالوا: بأن فيكتور هوكو أنطق الجماد ونفخ فيه بأساليبه الشعرية روح الحياة. وله ~~ابتكارات بديعة وتشابيه ظريفة وتعبيرات لطيفة، ونجد لما ورد في كلامه من التشبيه والتخيل ~~والبديع أمثالا كثيرة في الشعر العربي والأندلسي تكلم عليها الباقلاني في إعجاز القرآن، ~~والجرجاني في أسرار البلاغة المطبوع في جريدة المنار، ومن سلك مسلكهما من علماء ms252 اللغة ~~والبلاغة، ولكن فيكتور هوكو يفوق بسعة الاطلاع والإحاطة بالمسائل. وأكثر شعراء العرب انحصرت ~~أقوالهم في الدائرة التي هم فيها، فلم يخرجوا منها ولا تعدوا الأساليب التي وضعها شعراء ~~الجاهلية، والذين خرجوا عن تلك الأساليب، واتسعت مداركهم قليلون مثل المتنبي والمعري الذي ~~تكلم على كثير من المسائل الاجتماعية والسياسية، ونادى بالحرية والمساواة بين أفراد البشر ~~وبين ماهية الحق والعدل، وشرح كثيرا من المسائل الفلسفية، وأظهر شعوره وإحساسه بالوسط الذي ~~ألقينا فيه، فكان سجنا لنا لا خلاص منه إلا بالموت. فهو متحير في هذه العقيدة التي ضلت ~~الأدباء في حلها. # ثم إن أهل النقد الأدبي من بلغاء الإفرنج يقولون: نعم إن فيكتور هوكو أنطق الجماد وتوصل ~~بأساليبه الشعرية إلى وصف المناظر الطبيعية، وتصوير العصور الخالية والهيئة الاجتماعية ~~بأحسن تصوير وأبدع وصف، فهذا لا ينكر، ولكنه لم يتوصل إلى معرفة باطن القلب الإنساني ولا ~~لإيجاد أوصاف حياة تامة ولا حياة طبيعية للأشخاص الذين اختلقهم، وأعاشهم على مرسح التمثيل؛ ~~ولذا لم يكن أوحد الأدباء في تأليف روايات الدرام، فهو وإن أنطق الجماد لكنه أخرس البليغ، ~~مثال ذلك أن أبدع ما في رواية إيرناني التمثيلية هو الفصل المنظوم على لسان الدون قارلو ~~الذي انتخب إمبراطور لإسبانيا، وتلقب بشارلكين، فهذا الفصل هو بيت القصيد من هذه الرواية ~~كما أن فصل القبلة أو النافذة هو بيت القصيد من رواية «سيرانو دو برجيراق»، التي اشتهر ~~بتأليفها شاعر العصر أدمون روستان، وقد انتخب بالأمس عضوا في الأكاديمية الفرنساوية، ~~وموضوع هذا الفصل أن المعشوقة وقفت في النافذة (البالكون) وعاشقها واقف تحت النافذة ~~يغازلها، ويطلب منها قبلة وهو يتلعثم في كلامه ولم يدر كيف يكلمها بلسان الأدب، فالشاعر ~~سيرانو دو برجيراق خاطبها عنه، وأفصح في تعبيره عن حقيقة اللثم والتقبيل حتى لانت بكلامه ~~وانجذبت إليه، وهناك تظهر قوة البيان وإن من البيان لسحرا، فكلام شارلكين في رواية إيرناني ~~هو من كلام الملوك، فينبغي أن يكون من ملوك الكلام، فلما حان زمن انتخاب الإمبراطور وترشح ~~الدون قارلو لهذا المسند العظيم، وحصلت ms253 المؤامرة على قتله بدسائس فرانسوا الأول ملك فرنسا ~~المتطلب أيضا لهذا المسند، واتفق المؤتمرون على الاجتماع في الغار الذي فيه قبر شارلمان ~~بمدينة اكس لاشابل من ألمانيا، اكتشف الدون قارلو؛ أي شارلكين، على مؤامرتهم وسبقهم إلى ذلك ~~الغار، وكان الهيام بمحبوبته آخذا كل مأخذ ومستوليا على جميع حواسه، فكان يتلهب شوقا ~~وغراما إليها وقد قربت ساعة الوصال، ومعشوقة الملوك كما لا يخفى هي المملكة ولا يحبون ~~أحدا سواها، ويضحون كل عزيز عليهم في سبيلها، إذ لا أعز منها عليهم لا دين ولا ولد ولا ~~زوجة ولا أب، فكم قتل الوالد ابنه والابن أباه للتوصل للملك، كما أن معشوقة الراهب العابد ~~هي الكنيسة، وزوج الراهبة العابدة، وحبيب قلبها هو السيد المسيح - عليه السلام - وكذا يقال ~~في الهائمين بحب الله والمفتونين بجمال نبيه المصطفى - عليه السلام - ونظموا في ذلك القصائد ~~والدواوين البديعة، ففيكتور هوكو شخص في روايته إيرناني جميع ذلك، وعندما يرتفع الستار عن ~~هذا الفصل من الرواية يرى الحاضرون الغار الذي فيه قبر شارلمان، وينزل إليه تحت الأرض بدرج ~~متصل إلى بهو كبير عليه قبة، وفيه مخدع جعل فيه قبر شارلمان، ويظهر على المرسح شارلكين ~~بلباسه الملوكي متمنطق بسيفه تلوح على وجهه علائم الاهتمام، فيزور القبر ويتكلم وحده بما ~~يدور في خلده ويخطر في باله، وينظر إلى التاريخ نظرة عامة وإلى الذي ناله شارلمان بلبسه تاج ~~قياصرة الرومان فتتوق نفسه وترتفع حواسه، ويرغي ويزبد كالبحر العجاج المتلاطم بالأمواج، ~~فالحاضرون تشخيص الرواية لا يرون فيها عيبا ولا نقصانا، وأما أهل النقد الأدبي وهم أرباب ~~الذوق في الكلام الذين اعتادوا التفريق فيه بين الغث والسمين كما اعتاد أرباب الذوق في ~~الخمور التفريق بين خمر وأخرى لكثرة ذوقهم وطوافهم على معاصر الخمر وعلى الأقبية المخزون ~~فيها أيضا بوظيفتهم وصنعتهم التجارية يقولون: نعم إن شارلكين في هذه الرواية هو بيت القصيد ~~وهو من ملوك الكلام، ولا ننكر فصاحته وبلاغته وإنما عيبه عندنا هو عدم وجود الروح فيه، فهذه ~~النفس الناطقة التي أرانا إياها الشاعر على ms254 مرسح اللعب والتشخيص هي نفس المؤلف؛ أي نفس ~~فيكتور هوكو وليست نفس المشبه به وهو شارلكين، فالحماسة التي أظهرها المؤلف في شعره ليست ~~بطبيعية، ولا هي حقيقية بل عندية؛ أي من عند الشاعر، ولم تبن على الحجج والبراهين الأدبية ~~التي اشترطها أصحاب الطريقة الحقيقية، وسماها إميل زولا «دوكيمان»، فأصحاب هذه الطريقة ~~الجديدة يلومون فيكتور هوكو على تعظيمه الأمور، ويشبهون قريحته بمرآة مكبرة تكبر الشيء ~~المعكوس فيها وتجسمه تجسيما خارجا عن الحقيقة وعن العرف والعادة، ومن عادة فيكتور هوكو ~~إرخاؤه العنان للقوة الواهمة والخيالية؛ ولذا نجد في مؤلفاته مثل كازيمودو، ومثل الرجل ~~الضاحك من الأشخاص الموهومة التي لا توجد إلا في كتاب ألف ليلة وليلة، وما كان على ~~نسقه. # ومما انتقد فيه على فيكتور هوكو من جهة الأخلاق تبدل رأيه السياسي، وتقلبه من ذات اليمين ~~إلى ذات الشمال من حزب الملكية إلى حزب الجمهورية، ورأينا فيما تقدم جوابه على هذا الاعتراض ~~بقوله: إن مدحنا الرجل بالثبات على رأى واحد في السياسة مدة طويلة ليس بمدح مستحسن، وإنما ~~هو كمدحنا الماء الراكد وتفضيلنا إياه على الماء الجاري. والجواب الصحيح على هذا الاعتراض ~~أن فيكتور هوكو مع ظهور معجزاته في المعاني ما هو إلا بشر غير معصوم تميل نفسه إلى شهواتها ~~التي منها التقرب من الملوك وأولي الأمر، ولكنا نجده محافظا على الاعتدال في أمر الشهوات ~~النفسية صبورا متجلدا عند الحاجة، وبينما نرى أمثاله وأقرانه من أدباء باريس لا يقنع ~~أحدهم بعشر نسوة نجده اقتصر هو على اثنتين؛ أم أولاده والممثلة البارعة جوليت. # ومن غريب أمر هذا الشاعر أنه خالف القاعدة المطردة في عظماء الرجال، فكان في شبابه من حزب ~~الملكيين المحافظين على بقاء الحال على ما كانت عليه، فانقلب من ذلك رويدا رويدا حتى صار ~~في شيخوخته من حزب المفرطين في محبة الحرية المائلين للانقلاب، والارتقاء شديد العداوة ~~للاستبداد وللمستبدين، وهذا خلاف المطرد في أخلاق الرجال، فإنهم كلما تقدموا في السن عدلوا ~~عن حب التجدد والانقلاب والحرية، ومالوا للبقاء على حالتهم الراهنة. ms255 # ومن الأخلاق التي نهى عنها في شعره وأتى بمثلها في عمله أمر تربية الأطفال فإنه حرر ~~كتبا، ونظم أشعارا كثيرة في حقهم، ولكنه لم يحسن ذلك بعمله وفعله، ومع علمه بأن عصى ~~التأديب من الجنة لم يستعملها في تربية أولاده ولا أحفاده، وأطلق العنان لشهواتهم فإحدى ~~بنتيه عرضت نفسها للخطر، فماتت هي وزوجها غرقا، والثانية تزوجت على غير رضاه وسافرت للهند ~~فنكبت وأصيبت بعقلها، وحفيدته لم تطق معاشرة زوجها ولا قدرت أن تصبر على حكمه ففارقته وحكم ~~بينهما بالطلاق، وابنه أفرط في اللذات فمات فجأة عند صاحبة له في بوردو، ولم يزل الناس ~~يشيرون بالبنان إلى البيت الذي مات فيه. # ومما يشابه ذلك ما انتقد فيه على إمام الأدب عند العثمانيين وهو نامق كمال بك، وكان ~~كثيرا ما يلهج بالإصلاحات والحرية، فلما عين متصرفا لجزيرة رودس انتقد عليه رقباؤه بأنه ~~لم يجر فيها من الإصلاحات سوى رفع الكلاب من أزقتها وشوارعها، ومثل ذلك ما ينقل عن ضيا ~~باشا وهو من مشاهير الأدباء العثمانيين، وكان رئيس الكتاب في المابين الهمايوني على عهد ~~ساكن الجنان السلطان عبد العزيز، ثم نال رتبة الوزارة وعين واليا لإحدى الولايات، وله نظم ~~كثير ودواوين شعر من ذلك نظمه قصة المولد الشريف و«ترجيع بند» في التصوف ومحاسن الأخلاق، ~~وكان لأشعاره رواج في الزوايا والتكايا وفي المدارس والجوامع، واتفق أن أحد طلبة العلم ~~الصلحاء في مدينة بروسه كان كثير الإنشاد لها والترنم بها، فعاهد نفسه إذا ذهب إلى الأستانة ~~ليزورن هذا الشاعر الفاضل لا لطلب مأمورية أو إحسان منه، وإنما لمجرد التبرك بلثم يده ~~والاسترشاد بنصائحه والاقتباس من فضائله، فلما جاء الأستانة زار الشاعر الوزير في بيته حتى ~~إذا قارب غروب الشمس، ودخل وقت الكراهة فرأى ما لا يحب رؤيته العلماء المتعففون عن لذات ~~الدنيا ونعيمها، فندم على سعيه وخرج وهو يقول: الشعراء يقولون ما لا يفعلون. # أما الثروة التي تركها فيكتور هوكو فقدرت بأكثر من ثلاثة ملايين فرنك ورث بعضها ولدا ابنه ~~وهما حنه وجورج، والبعض الآخر ms256 ورثته بنته اديل (عادله) التي تزوجت على غير رضاه، وأصيبت ~~بخلل في عقلها، وفوض أمر تنفيذ وصيته إلى أوغست فاكيري الشاعر، وهو أخ لزوج ابنته الثانية ~~التي غرقت مع زوجها، وإلى الأديب بول موريس، وأوصاهما بنشر ما لم يطبع في حياته من ~~مؤلفاته. # حررت هذا الكتاب في بوردو سنة 1902م وقدمته لأمي أيضا ببعض ما لها علي من الحقوق، ~~ورجائي بأن لا تحسب اغترابي عنها من العقوق. ms257