######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0036616 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: 1332هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1332 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الجرح والتعديل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم الحديث #META# 022.BookVOLS :: 1. #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0036616 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-36616 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/36616 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مؤسسة الرسالة (1399 هـ - 1979 م) #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # الجرح والتعديل للشيخ جمال الدين القاسمي # هذا بحث جليل، ومطلب خطير، طالما جال في النفس التفرغ لكتابة شيء فيه ~~يكون لباب اللباب في هذا الباب الذي اختلف فيه الناس، لما غلب التعصب على ~~النفوس ونبذوا مشرب كبار المحدثين رواة السنة، وهداة الأمة، حتى سنحت لي ~~فرصة كتبت فيها ترجمة حافلة للإمام البخاري جعلتها مفصلة بتراجم منوعة كان ~~منها (تخريج البخاري عمن رمي بالابتداع) وهم الذين أسميهم (المبدعين) (1) # ذكرت ثمة ما يناسب تأليف الترجمة، ثم رأيت أن المقام PageV01P003 # يستدعي زيادة بسط وإسهاب، ودرأ شبه واحتمالات أوردها بعض الفقهاء خالف ~~فيها الحقيقة، فخشيت أن يطول بإيرادها - في ترجمة البخاري - الكلام، ويشبه ~~الخروج عن الموضوع فأفردت تتمة هذا البحث في مقالة خاصة تحيط به من أطرافه، ~~وترده على أنحائه وهذا البحث من جملة المباحث العلمية التي نسيها الخلف أو ~~أضاعوها، ولا غرو أن يذهل عن الغايات من يقصر في البدايات، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله. ### $ 1 - منشأ النبز بالابتداع: # من المعروف في سنن الاجتماع أن كل طائفة قوي شأنها وكثر سوادها، لا بد أن ~~يوجد فيها الأصيل والدخيل، والمعتدل والمتطرف، والغالي والمتسامح، وقد وجد ~~بالاستقراء أن صوت الغالي أقوى صدى وأعظم استجابة؛ لأن التوسط منزلة ~~الاعتدال، ومن يحرص عليه قليل في كل عصر ومصر، وأما الغلو فمشرب الأكثر، ~~ورغيبة السواد الأعظم، وعليه درجت طوائف الفرق والنحل، فحاولت الاستئثار ~~بالذكرى، والتفرد بالدعوى، ولم تجد سبيلا لاستتباع الناس لها إلا الغلو ~~بنفسها، وذلك بالحط من غيرها، والإيقاع بسواها، حسب ما تسنح لها الفرص، ~~وتساعدها الأقدار، إن كان بالسنان، أو اللسان. # وأول من فتح هذا الباب - باب الغلو في إطالة اللسان # PageV01P004 # بالمخالفين - الخوارج فأتى قادتهم عامتهم من باب التكفير، لتستحكم النفرة ~~من غيرهم، وتقوى رابطة عامتهم بهم، ثم سرى هذا الداء إلى غيرهم، وأصبحت ~~غلاة كل فرقة تكفر غيرها وتفسقه أو تبدعه أو تضلله لذاك المعنى نفسه، حتى ~~قيض الله تعالى من الأئمة من قام في وجه أولئك الغلاة، وزيف رأيهم، وعرف ~~لخيار كل فرقة ms01 قدرهم، وأقام لكل منهم ميزان أمثالهم. ### $ 2 - من شهر الرواية عن المبدعين، وقاعدة المحققين في ذلك: # كان من أعظم من صدع بالرواية عنهم الإمام البخاري - رضي الله عنه -، ~~وجزاه عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء، فخرج عن كل عالم صدوق ثبت من أي ~~فرقة كان، حتى ولو كان داعية، كعمران بن حطان وداود بن الحصين. # وملأ مسلم " صحيحه " من الرواة الشيعة (1) فكان الشيخان عليهما الرحمة ~~والرضوان بعملهما هذا قدوة الإنصاف وأسوة الحق الذي يجب الجري عليه، لأن ~~مجتهدي كل فرقة من فرق الإسلام مأجورون أصابوا أو أخطأوا بنص الحديث ~~النبوي. # ثم تبع الشيخين على هذا المحققون من بعدهما حتى قال شيخ PageV01P005 # الإسلام الحافظ ابن حجر في " شرح النخبة ": التحقيق أن لا يرد كل مكفر ~~ببدعته، لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر، فلو أخذ ~~ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف (قال): والمعتمد أن الذي ترد ~~روايته من أنكر أمرا متواترا من الشريعة معلوما من الدين بالضرورة، واعتقد ~~عكسه. وأما من لم يكن كذلك، أو ينضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه ~~فلا مانع من قبوله. اه. # * * * ### $ 3 - آفات الجرح إلا بقاطع: # قال الإمام ابن دقيق العيد: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على ~~شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام. # وقال الإمام النووي في " التقريب "، وشارحه السيوطي: أخطأ غير واحد من ~~الأئمة بجرحهم لبعض الثقات بما لا يجرح، كما جرح النسائي أحمد بن صالح ~~المصري بقوله: غير ثقة ولا مأمون. وهو ثقة إمام حافظ احتج به البخاري ووثقه ~~الأكثرون، قال ابن الصلاح: وذلك لأن عين السخط تبدي مساوئ، لها في الباطن ~~مخارج صحيحة، تعمي عنها بحجاب السخط، لا أن ذلك يقع منهم تعمدا للقدح مع ~~العلم ببطلانه. اه. # وقال الإمام ابن دقيق العيد: والوجوه التي تدخل الآفة # PageV01P006 # منها خمسة: # (أحدها) الهوى والغرض وهو شرها، وهو في تاريخ المتأخرين كثير. # (الثاني) المخالفة في العقائد. # (الثالث) الاختلاف بين المتصوفة وأهل علم الظاهر. # (الرابع) الكلام بسبب الجهل بمراتب ms02 العلوم وأكثر ذلك في المتأخرين، ~~لاشتغالهم بعلوم الأوائل، وفيها الحق والباطل. # (الخامس) الأخذ بالتوهم مع عدم الورع. وقد عقد ابن عبد الرؤوف بابا لكلام ~~الأقران المعاصرين بعضهم في بعض، ورأى أن أهل العلم لا يقبل جرحهم إلا ~~ببيان واضح (1) ### $ 4 - الوجوه التي يعرف بها ثقة الراوي: # قال السيوطي: قال في " الاقتراح ": (2) تعرف ثقة الراوي بالتنصيص عليه من ~~راويه، أو ذكره في تاريخ الثقات، أو تخريج أحد الشيخين له في الصحيح، وإن ~~تكلم في بعض من خرج له فلا يلتفت إليه، أو تخريج من اشترط الصحة له، أو من ~~خرج على كتب الشيخين. اه. فتمت النعمة بتعديل رجال " الصحيحين " ونبذ كل ~~وهم سواه، وبذلك عرف للرجال فضلهم، ولأولي العلم قدرهم، وسن للناس طرح ~~التعصب والتحزب، والتصافح PageV01P007 # على الأخوة الإيمانية، وتبادل الآراء والأفكار، واستماع الحكم ومدارك ~~الاستنباط والاجتهاد من ذويها، على هذا جرى أئمة الحديث، وقادة الروايات، ~~الذين جمعوا ما جمعوا لدلالة الأمة على هدي نبيها وسنة رسولها - صلى الله ~~عليه وسلم - في أقواله وأفعاله، حتى أصبحت مرجع الفروع والأحكام، ومعول ~~الأئمة الأعلام. ### $ 5 - زيادة إيضاح في حكمة التخريج عن المبدعين وفوائد ذلك: # إن تخريج أئمة السنة وحفاظ الهدي النبوي - حديث من نبذوا بالابتداع على ~~طبقاتهم - فيه حكمة بليغة، وفائدة عظيمة، ألا وهي النهم بالعلم، والسعي ~~وراءه والجد في طلبه، والتنبه لحفظه من الضياع، وسن نبذ التعصب، والتشيع ~~والتحزب، والتقاط الحكمة من أي قائل. قال حافظ المغرب الإمام ابن عبد البر ~~في كتاب " جامع العلم وفضله " في (باب جامع في الحال التي تنال بها العلم) ~~ما مثاله: # وروينا عن علي - رحمه الله - أنه قال في كلام له: «العلم ضالة المؤمن، ~~فخذوه ولو من أيدي المشركين، ولا يأنف أحدكم أن يأخذ الحكمة ممن سمعها ~~منه». وعنه أيضا أنه قال: «الحكمة ضالة المؤمن يطلبها ولو في أيدي الشرط». ~~اه، فأئمة الحديث رأوا أن السنة من الحكمة بل هي الحكمة - في تفسير الإمام ~~الشافعي كما أوضح ذلك في " رسالته " # PageV01P008 # الشهيرة (1) في (باب بيان ما فرض ms03 الله من اتباع سنة نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم -) فلذا عمدوا إلى تلقيها من كل ذي علم، واشترطوا للعناية بها أن تكون ~~من مسلم عدل صدوق، ثبت في روايته، ولم يبالوا بما غمز أو نبز أو رمي به، ~~علما بأن المسائل النظرية، أو التي دخل على أصولها تأويل بنظر المأول هي من ~~المجتهد فيها، والمجتهد مأجور أصاب أو أخطأ، فعلام يترك الأخذ عن المأجور، ~~وقد يكون رأيه هو الحق، ومذهبه هو الأدق - ما دام الأمر فيه احتمال ولا ~~قاطع، أو اعترض النص ما رجعه ظاهرا - كما يعلمه من أعار نظر الإنصاف مآخذ ~~الأئمة ومداركهم - وقد أوضح جملا من ذلك الإمام تقي الدين ابن تيمية في ~~كتاب " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " (2) فكان أئمة الحديث بهذا - أعني ~~التلقي عن كل عالم ثبت - مثال الإنصاف وكبر العقل، وقدوة كل من يلتمس ~~الحكمة، ويتطلب العلم، فجزاهم الله أحسن الجزاء. ### $ 6 - عقوق الخلف بهجر مذهب السلف: # سبق أني قلت في هذا المعنى كلمة في كتابي " نقد النصائح PageV01P009 # الكافية " (1) بعد أن سبرت رجال من خرج لهم الشيخان أو أحدهما في " ~~صحيحيهما " - ممن نبز بالابتداع - وهي قولي: فترى من هذا أن التنابز ~~بالألقاب والتباغض لأجلها الذي أحدثه المتأخرون بين الأمة عقوا به أئمتهم ~~وسلفهم - أمثال البخاري ومسلم والإمام أحمد بن حنبل، ومن ماثلهم من الرواة ~~الأبرار، وقطعوا به رحم الأخوة الإيمانية الذي عقده تعالى في كتابه العزيز، ~~وجمع تحت لوائه كل من آمن بالله ورسوله، ولم يفرق بين أحد من رسله، فإذن كل ~~من ذهب إلى رأي محتجا عليه، ومبرهنا بما غلب على ظنه، بعد بذل قصارى جهده ~~وصلاح نيته في توخي الحق فلا ملام عليه ولا تثريب؛ لأنه مأجور على أي حال، ~~ولمن قام عنده دليل على خلافه، واتضحت له المحجة في غيره، أن يجادله بالتي ~~هي أحسن ويهديه إلى سبيل الرشاد، مع حفظ الأخوة، والتضافر على المودة ~~والفتوة: هذا ما قلته ثمة مما يبين أنه لو كانت الفرق التي رميت بالابتداع ~~تهجر لمذاهبها وتعادى ms04 لأجلها لما أخرج البخاري ومسلم وأمثالهما لأمثالهم. ~~نعم إن هؤلاء المبدعين وأمثالهم لم يكونوا معصومين من الخطأ حتى يعدوهم ~~الانتقاد، ولكن لا يستطيع أحد أن يقول: إنهم تعمدوا الانحراف عن الحق، ~~ومكافحة PageV01P010 # الصواب عن سوء نية، وفساد طوية، وغاية ما يقال في الانتقاد في بعض ~~آرائهم: إنهم اجتهدوا فيه فأخطأوا، وبهذا كان ينتقد على كثير من الأعلام ~~سلفا وخلفا لأن الخطأ من شأن غير المعصوم، وقد قالوا: المجتهد يخطئ ويصيب، ~~فلا غضاضة ولا عار على المجتهد إن أخطأ في قول أو رأي، وإنما الملام على من ~~ينحرف عن الجادة عامدا متعمدا، ولا يتصور ذلك في مجتهد ظهر فضله وزخر علمه. ### $ 7 - رد القول بمعاداة المبدعين: # قدمنا أن رواية الشيخين وغيرهما عن المبدعين تنادي بواجب التآلف ~~والتعارف، ونبذ التناكر والتخالف، وطرح الشنآن والمحادة، والمعاداة ~~والمضارة، لأن ذلك إنما يكون في المحاربين المحادين، لا في طوائف تجمعها ~~كلمة الدين، ومن الأسف أن يغفل عن هذا الحق من غفل، ويدهش لسماعه المتعصبون ~~والجامدون، ويحق لهم أن يذعروا لهذا الحق الذي فاجأهم لأنه مات منذ قضى عصر ~~الرواية والرواة، وانقضى زمن المحدثين والحفاظ، ودال الأمر بعد الأخبار ~~النبوية للآراء والأقوال، وصار الحق - بعد أن كانت الرجال تعرف به - يعرف ~~بالرجال، وأصبح مشرب أمثال البخاري وغيره نسيا منسيا، ونشر لواء التعادي ~~والتباغض في الأمة وكان مطويا، وسبب على الأمة من التفرق والانقسام، ما ~~أورثها الضعف # PageV01P011 # والانفصام، فبعد أن كان التسامح في التلقي عن الحكماء والفضلاء من أي ~~طبقة - ركنا ركينا في حضارة الإسلام، خلفه التخاذل والتدابر والتعصب ~~والملام، ولم يكف ذاك حتى ادعي أنه من الدين، مع أن الدين يأمر بالتآخي ~~ونبذ التفرق في محكم كتابه المبين. # (ومن العجب) أن يقول قائل: لا يلزم من الرواية عنهم عدم معاداتهم، أي ~~يجوز أن نروي عن راو، مع التدين بمعاداتنا له، وبغضنا إياه! # (فنجيب عنه) بأنا لا نعرف من قال ذلك من السلف، ولا من ذهب إليه من ~~الأئمة، والرواية يراد بها هنا تلقي أقوال النبي - صلى ms05 الله عليه وسلم - ~~وسنته، وهديه، وتشريعه، وأقضيته، وفتاويه وشمائله، لتتخذ دينا يدان الله ~~به، وشريعة يقضى بها في التنازع، ومرجعا تحل به المشكلات، فهل يتلقى ذلك ~~عمن يجب علينا معاداته في الدين؟ وكيف يتصور أن نأخذ الدين عمن نرى أنه عدو ~~للدين؟ سبحان الله ما هذا التناقض، إن من يأمرك الدين بأن تعاديه لا يبيح ~~لك أن تأخذ دينك وشريعتك وعقيدتك عنه، ومن المسلم بأن هذا الراوي أداه ~~اجتهاده إلى ما رأى، ومن أداه اجتهاده إلى ما رأى كيف يعادى، وقد بذل قصارى ~~جهده، وليس قصده إلا الحق، والتقرب إلى الله - سبحانه وتعالى -، وكيف يعادى ~~من أثبت له الشارع الأجر ولو # PageV01P012 # كان مخطئا؟ وإنما يعادى الآثم لا المأجور. ### $ 8 - رد القول بتفسيق المبدعين: # أغرب من ذلك قول البعض بتفسيق من يبدعه، وإن بلغ ذروة الاجتهاد، وأصبح ~~معذورا لا ملام عليه عند الله والملائكة والنبيين، لا بل قد تفضل عليه ~~الشارع بالأجر. ومتى عهد تفسيق مجتهد إذا أخطأ في المسائل الاجتهادية؟ وهل ~~يمكن لمثل البخاري - وهو ما هو في نقد الرجال - أن يضم إلى " صحيحه " من ~~مجتهدي الفرق من كان فاسقا ليصبح جانب من كتابه مرويا للفسقة وقد جمعه ~~ليجعله حجة بينه وبين ربه؟ وهل يعقل أن يجعل رواية الفاسق حجة عند المولى؟ ~~هذا ما يلزم من تفسيق من يفسق من الرواة فليحكم المتعصب النظر، وليتدبر في ~~المآل، قبل أن يأخذ في المقال. # نعم: ذهبت طائفة إلى تفسيق من خالفهم في شيء من مسائل الاعتقاد - كما ~~نقله الإمام ابن حزم في كتابه " الفصل " (1) إلا أنه قول مردود؛ ولذا قال ~~الإمام ابن حزم - رضي الله عنه -: «وذهبت طائفة إلى أنه لا يكفر ولا يفسق ~~مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا، وإن كل من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما ~~رأى أنه PageV01P013 # الحق فإنه مأجور على كل حال: إن أصاب الحق فأجران، وإن أخطأ فأجر واحد». ~~قال: «وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن ~~علي - رضي ms06 الله عن جميعهم -، وهو قول كل من عرفنا له قولا في هذه المسألة ~~من الصحابة - رضي الله عنهم -، لا نعلم منهم في ذلك خلافا أصلا». اه كلامه. # فأين هذا من التسرع في التفسيق، وتقليد من قاله من المتأخرين المقلدين، ~~الذين ليسوا بأئمة متبوعين، ولا قولهم حجة في الدين، ولا استندوا إلى دليل ~~أو برهان {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} (1). ### $ 9 - خطر النبز بالفسق ومعنى الفسق: # إن النبز بالفسق ليس بالأمر السهل، لأن الفسق كثيرا ما جاء في القرآن ~~الكريم مقابلا للإيمان - كآية: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا} (2) ~~وأمثالها، ولذا قيل بأن عطف قوله تعالى {والفسوق} على قوله {الكفر} عطف ~~تفسير - في آية: {وكره إليكم الكفر والفسوق} (3) وإن احتمل أن يكون غيره ~~إشارة إلى نوع آخر، إلا أن النظائر والأشباه في موارده في التنزيل تدل على ~~أنه عطف تفسير، وهب أنه كان غير الكفر فهو شيء قريب منه، ونوع أنزل منه ~~بدرجة، وناهيك به. PageV01P014 # فسق فسوقا من باب قعد خرج عن الطاعة والاسم الفسق ويفسق بالكسر لغة حكاها ~~الأخفش فهو فاسق والجمع فساق وفسقة # وإليك ما قاله فيه أئمة اللغة وفلاسفتها. ققال الجوهري في " الصحاح ": ~~«فسق الرجل فجر، وفسق عن أمر ربه أي: خرج». # وفي " المصباح ": «فسق فسوقا: خرج عن الطاعة، خرج عن الطاعة والاسم الفسق ~~... ، ويقال أصله خروج الشيء من الشيء على وجه الفساد. يقال: فسقت الرطبة ~~إذا خرجت من قشرها». # وفي " القاموس ": «الفسق، بالكسر: الترك لأمر الله تعالى، والعصيان، ~~والخروج عن طريق الحق، أو الفجور، كالفسوق». # وقال الإمام الراغب الأصفهاني في " مفرداته ": «فسق فلان: خرج عن حجر ~~الشرع، وذلك من قولهم: فسق الرطب: إذا خرج عن قشره. وهو أعم من الكفر». ~~(قال): «والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكن تعورف فيما كان كثيرا، ~~وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر به، ثم أخل بجميع أحكامه أو ~~ببعضه. وإذا قيل للكافر الأصلي فاسق - فلأنه أخل بحكم ما ألزمه العقل ~~واقتضته الفطرة». (إلى أن قال): «[فالفاسق] أعم ms07 من الكافر». اه. # وقال الإمام محمد بن مرتضى اليماني في كتابه " إيثار الحق " في (فصل في ~~الفسق) ما نصه: «وأما العرف المتأخر: فالفسق يختص بالكبيرة من المعاصي مما ~~ليس بكفر، والفاسق يختص بمرتكبها». اه. # فأنت ترى من هذا كله أن الفسق مدلوله الكبائر والمعاصي # PageV01P015 # العظائم لأنه دائر بين الكفر وما يقرب منه، وإذا كان هذا مدلوله الشرعي، ~~ومعناه العرفي، فكيف يجوز أن يوصف به عالم ثبت ثقة من ذوي الألباب وأولي ~~الاجتهاد لمجرد أنه أداه اجتهاده إلى رأي يخالف غيره مع أنه لم يقصد إلا ~~الحق، ولم يتوخ إلا ما رآه الأوفق، إذ لم يأل جهدا في اهتمامه بما يراه ~~الصواب، وإن كان في نظر غيره على خلاف ذلك، إذ هذا من لوازم المسائل ~~النظرية، ومتى عهد أن يفسق المخالف فيها أو يضلل، لا جرم أنه بدعة قبيحة، ~~وجناية في الدين كبيرة. # وقد قال كثير من أئمة التفسير في قوله تعالى: {ولا تنابزوا بالألقاب} (1) ~~هو قول الرجل للرجل: يا فاسق. رواه ابن جرير عن مجاهد وعكرمة. وقال قتادة: ~~«يقول تعالى: لا تقل لأخيك المسلم: ذاك فاسق، ذاك منافق، نهى الله المسلم ~~عن ذلك وقدم فيه» (2). وقال ابن زيد: «هو تسميته بالأعمال السيئة بعد ~~الإسلام، زان فاسق» (ثم قال ابن جرير): «والتنابز بالألقاب هو دعاء المرء ~~صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعم الله بنهيه ذلك ولم يخصص به بعض ~~الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه، أو صفة ~~يكرهها». (ثم قال): «وقوله تعالى: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} (3) أي ~~ومن لم يتب من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه من الألقاب، أو لمزه إياه أو ~~سخريته منه، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم PageV01P016 # فأكسبوها عقاب الله بركوبهم ما نهاهم عنه. ولما لم يكن عند من يرمي أخاه ~~بالفسق إلا الظن. جاء النهي عن سوء الظن إثر تلك الآية في قوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ms08 ولا تجسسوا ولا ~~يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن ~~الله تواب رحيم} (1) ولما كان الرمي بالفسق مدعاة لتفرق القلوب، وإثارة ~~الشحناء على عكس حكمة الله تعالى في خلقه الخلق للتعارف والتآلف، جاء ذلك ~~على إثر ما تقدم بقوله سبحانه: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم ~~خبير} (2). فليتدبر المتقي هذه الآيات الكريمة وليقف عند أوامرها وزواجرها، ~~وليعتبر وليستعبر. # قال السيد الطباطبائي في " المفاتيح " (3): «الفسق أن يتحقق بفعل المعصية ~~المخصوصة مع العلم بكونها معصية، أما مع عدمه، بل مع اعتقاد أنه طاعة، بل ~~من أمهات الطاعات فلا. والأمر في المخالف للحق كذلك؛ لأنه لا يعتقد ~~المعصية، بل يزعم أن اعتقاده من أهم الطاعات سواء كان اعتقاده صادرا عن نظر ~~أو تقليد، ومع ذلك لا يتحقق الفسق، وإنما يتفق ذلك ممن PageV01P017 # يعاند الحق مع علمه به، وهذا لا يكاد يتفق، وإن توهمه من لا علم له. اه. # فترى من العجب بعد ما ذكرناه أن يوسم بالفسق من لا يحل وسمه به؛ لأن ~~معناه لا ينطبق عليه بوجه ما، على أنه ورد تسمية رواة الحديث خلفاء فيما ~~رواه الطبراني والخطيب وابن النجار وغيرهم عن علي مرفوعا «اللهم ارحم ~~خلفائي الذين يأتون من بعدي، يروون أحاديثي وسنتي ويعلمونها الناس». # إذا علمت هذا فماذا يقال في هؤلاء المفسقين؟ أجهلوا المعنى العرفي للفسق، ~~أم تجاهلوا؟ أم اجتهدوا فأداهم اجتهادهم أم قلدوا؟ لا غرو أنهم جهلوا ~~وقلدوا، ويا ليتهم قلدوا إماما متبوعا، بل قلدوا أواخر المقلدة الجامدة ~~المتعصبة. ولو نظروا في تراجم الرجال، وتدبروا سيرة كثير من أولئك المبدعين ~~الأبطال، لعلموا أن رميهم بالفسق يكاد أن يهتز له العرش. خذ لك مثلا من ~~شيوخ المعتزلة عمرو بن عبيد، وانظر في ترجمته إلى زهده وتقواه. قال الذهبي ~~في " الميزان ": «وقد كان المنصور الخليفة العباسي الشهير يخضع لزهد عمرو ~~وعبادته يقول شعرا: # [كلكم يمشي رويد] * ... * ... * كلكم يطلب صيد ms09 # غير عمرو بن عبيد # وذكر ابن قتيبة في " المعارف " أن المنصور رثى عمرو بن عبيد فقال شعرا: # PageV01P018 # صلى الإله عليك من متوسد * ... * ... * قبرا مررت به على مران # قبرا تضمن مؤمنا متحنفا * ... * ... * صدق الإله ودان بالقرآن # فلو أن الدهر أبقى صالحا * ... * ... * أبقى لنا حقا أبا عثمان # هذا هو التوثيق - أعني توثيق الملوك - لأن كلام الملوك ملوك الكلام. وما ~~غمز به فكله - إن أنصفت - من عصبية التمذهب، والجمود في التعصب. # نحن لا نقول هذا تحزبا للمعتزلة أو لغيرهم معاذ الله فإنا في الرأي ~~مستقلون، ولسنا بمقلدين ولا متحزبين، ولكن هو الحق والإنصاف، وما قولك في ~~قوم يرون مرتكب الكبيرة كافرا أو مخلدا في النار؟ أليس في هذا نهاية ~~التعظيم للدين، وغاية الابتعاد عن المعاصي، والإشعار بامتلاء القلب من خشية ~~الله بما يزع عن الكذب والافتراء؟ بلى! وألف بلى! فأنى يستجيز عاقل بعد ذلك ~~تفسيقهم وهم على ما رأيت من التمسك بدين الله، والتصلب في المحافظة على ~~حدوده؟ فتدبر وأنصف، على أن خبر الفاسق مرغوب عنه في نظر العقل، ساقط ~~الاحتجاج به في أصول الشرع، ولذا أمرنا بأن نتبينه ولا نلوي عليه بادئ بدء، ~~فكيف يحكم صاحبه في السنة والأحكام؟ # قال الإمام الحجة مسلم في " مقدمة صحيحه " في باب وجوب # PageV01P019 # الرواية عن الثقات، وترك الكذابين، والتحذير من الكذب على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ما مثاله: اعلم وفقك الله أن الواجب على كل أحد عرف ~~التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين - أن ~~لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يبقي منها ما ~~كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع (1) (قال): والدليل على أن الذي ~~قلنا من هذا هو اللازم دون ما خالفه قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم ~~نادمين} (2)، وقال: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} (3)، قال: فدل بما ذكرنا من هذه ~~الآي أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن ms10 شهادة غير العدل مردودة. والخبر إن ~~فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فقد يجتمعان في أعظم معانيها - إذ ~~كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم. ~~ثم روي PageV01P020 # عن سلام قال: بلغ أيوب أني آتي عمرا (1)، فأقبل علي يوما فقال: أرأيت ~~رجلا لا تأمنه على دينه، فكيف تأمنه على الحديث. فدل ذلك على أن من ائتمنه ~~الشيخان على الحديث، فقد ائتمنوه على الدين، ومن ائتمن على الدين فليس ~~فاسقا ولا مبتدعا. # (ثم قال الإمام مسلم): «وإنما ألزموا أنفسهم - يعني العلماء - الكشف عن ~~معايب رواة الحديث، وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا لما فيه من عظيم ~~الخطر، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل، أو تحريم، أو أمر، أو ~~نهي، أو ترغيب، أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ~~ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته ~~كان آثما بفعله ذلك، غاشا لعوام المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك ~~الأخبار أن يستعملها، أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل ~~لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر ~~إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع». اه. # فهل بعد هذا يجوز غمز بعض من روى لهم الشيخان من PageV01P021 # أولئك الأعلام المبدعين؟ لا جرم أنه لأمر ما عني البخاري ومسلم بالتخريج ~~عنهم، وأخذ السنة منهم، وتبليغها للأمة، وجعلها حجة بينه وبين ربه، وما ذاك ~~إلا إجلالا لفضلهم، وإنصافا لقدرهم. # انظر كيف يتحمل مثل البخاري عن أعلام الشيعة، والمعتزلة، والمرجئة، ~~والخوارج، ويجعل حديثهم حجة، ومرويهم سنة، ويفخر بذكر أسمائهم في أسانيده ~~ويخلد لهم أجمل الذكر، في أشرف مصنف. انظر هذا وقابل بينه وبين جمود ~~المتأخرين، ورميهم علماء الفرق بالفسق والابتداع والضلال، وهجرهم لعلومهم، ~~وصد الناس عنهم، حتى فات الناس - وا أسفا - علم جم، وخير كثير، ولئن دون ما ~~دون من معارفهم، فما بقي من فوائدهم ms11 في خزائن صدورهم مما كان يستثار بالأخذ ~~عنهم، وينال بمجالسهم - أوسع وأوفر، أفليس في جمود هؤلاء على ما ذكر عقوق ~~لسلفهم الصالح؟ بلى! وما يضرون إلا أنفسهم لو كانوا يشعرون، بما ذكرناه ~~استبان لك الخطأ في نبز رواة الصحيح بالفسق والابتداع، وأنه تعصب يجب ~~التنبيه له والحذر منه. نحن إنما نصدع بهذا - تفقها من مشرب البخاري ~~ومذهبه، وموافقة له في رأيه الذي لا شك في أنه الصواب الذي تدعو إليه ~~الأخوة الإيمانية، والإنصاف مع كل راو مجتهد من هذه الأمة لا يروم إلا ~~الحق، ولا يسعى # PageV01P022 # إلا إليه، ولا يتحمل الأذى والاضطهاد إلا لأجله - إذ لم يصب من رأيه وما ~~دعا إليه لا دنيا، ولا جاها، ولا ملكا، فأي دليل أدل على حسن نيته من هذا؟ # وبالجملة فتسمية المتفقهة بعض الرواة فسقة جهل بما قاله الأصوليون من أن ~~الفاسق مردود الشهادة والرواية (1) ومن قبل الشيخان وغيرهما خبره وحكموه في ~~السنة، وأخذوا عنه، فهل يكون فاسقا؟ على أن إجماعهم على تلقي " الصحيحين " ~~بالقبول موجب لتعديل رواتهما جميعا؛ لأن التلقي بالقبول فرع صحة الحديث، ~~وهو إنما يكون من صحة سنده، وهو من عدالة رجاله وتوثيقهم. ولذا قالوا فيمن ~~خرج له الشيخان: «جاز القنطرة». بمعنى أنه لا يلتفت إلى ما غمز فيه. ~~وبالجملة فمشرب المحدثين في التسامح ونبذ التعصب هو الذي تقتضيه الأصول، ~~وتقبله العقول، وما أحدث من النبز بالفسوق للبعض فلا سند له - لأن دعوى فسق ~~الإنسان إنما يكون بإتيانه ما فسقه الشارع به، ونص عليه كتاب أو سنة نصا ~~قاطعا لا يحتمل التأويل وأما مسائل الاجتهاد فلا يصح ذلك فيها بوجه من ~~الوجوه. # والحاصل أن لا تفسيق ولا تضليل، مع الاجتهاد والتأويل، PageV01P023 # وإن كان ليس كل اجتهاد صوابا، ولا كل تأويل مقبولا، ولكن كلامنا في ذات ~~المجتهد والمأول. # فمن لم يأل جهدا فلا ملام عليه ولا كلام، لا بل يتحمل منه الدين، ويتلقى ~~عنه الهدي النبوي، ويحكم في السنة، على هذا جرى البخاري ومسلم وغيرهما من ~~أقطاب الحديث والأثر، وهو الصواب، ms12 بلا ارتياب. وقد نقل الغزالي في " ~~المستصفى " (1) عن الشافعي أنه قال: «تقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية ~~من الرافضة لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم في المذهب» (ثم قال): ~~«ويدل [أيضا] على مذهب الشافعي قبول الصحابة قول الخوارج في الأخبار ~~والشهادة وكانوا فسقة متأولين، وعلى قبول ذلك درج التابعون لأنهم متورعون ~~عن الكذب جاهلون بالفسق». اه. # فترى من هذا أن الصحابة قبلوا خبرهم، وما ضرهم تسمية الفقهاء لهم ~~بالفسقة، لأنه فسق بمعنى مخالفة غيرهم، وهذا الإطلاق اصطلاحي للفقهاء، ~~وربما رجع الخلاف - في تسمية أولئك فساقا - لفظيا، وإلا فيستحيل إرادة ~~الفسق الحقيقي المانع للشهادة والرواية - كما قدمنا - ومعلوم أنه لا يكون ~~PageV01P024 # مذهب حجة على مذهب، ولا عرف برهانا على عرف، وإنما الحجة والبرهان قواطع ~~الكتاب والسنة. ولما كان البحث المذكور في غاية من الدقة، ترى الكلام في ~~مطولات الأصول مضطربا متشعب الأقوال، حتى اختلفوا لذلك في ماهية العدالة، ~~ويقرب لمذهب المحدثين فيها قول بعض أهل العراق: «العدالة عبارة عن إظهار ~~الإسلام فقط - مع سلامته عن فسق ظاهر». اه. ### $ 10 - جواب شبهة: # رب قائل يقول: كيف لا يفسق هؤلاء وقد خالفوا بتأويلهم النصوص من الكتاب ~~والسنة؟ # فنقول: قدمنا ما يمنع تسميتهم فسقة شرعا ولغة، ولذا جاء في " مسلم الثبوت ~~" من كتب الأصول، ما مثاله: «لك أن تمنع كون المتدين من أهل القبلة فاسقا ~~بالعرف المتقدم الذي عليه القرآن الكريم، وهو شموله للكافر والمؤمن المرتكب ~~الكبيرة». اه. وقال حجة الإسلام الغزالي في " الإحياء ": «مهما اعترضت على ~~القدري في قوله: الشر من الله، وكذلك في قولك: إن الله يرى، وفي سائر ~~المسائل، إذ المبتدع محق عند نفسه، والمحق # PageV01P025 # مبتدع عند المبتدع، وكل يدعي أنه محق وينكر كونه مبتدعا». اه. # وبالجملة فهم مخالفون بنظر غيرهم، وأما عند أنفسهم فغيرهم هو المخالف وهم ~~الموافقون، وحاشا لمؤمن عالم أن يخالف كتابا أو سنة عامدا متعمدا، فهم ~~مجتهدون مثابون؛ إذ لم يألوا جهدا فيما ذهبوا إليه، وإن كنت لا تقول به ~~وترى الحجة فيما أنت عليه، على أن ما ms13 تسميه أنت نصا هم يرونه ظاهرا، إذ ~~دعوى نصية الشيء ليست بالأمر اليسير، لأن النص هو القاطع في معناه، المفيد ~~لليقين في فحواه، وهذا إنما يكون في محكمات الدين، وأصوله التي لم يختلف ~~فيها الفرق كلها، وأما ما عداه فكلها ظواهر، وقد يراها البعض باجتهاده نصا، ~~وليس اجتهاد مجتهد بقاض على اجتهاد آخر. وعلى من يريد تحقيق هذا أن يراجع ~~مطولات الخلاف، ويطالع مآخذ المجتهدين، ومن أنفع ما ألف في هذا الباب كتاب ~~" رفع الملام عن الأئمة الأعلام " لشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - رحمه ~~الله - فإنه جدير لو كان في الصين أن يرحل إليه، وأن يعض بالنواجذ عليه، ~~فرحم الله من أقام المعاذير للأئمة، وعلم أن سعيهم إنما هو إلى الحق ~~والهدى، كما أسلفنا وبالله التوفيق. ### $ 11 - جواب شبهة أخرى: # يزعم بعضهم بأنه: يحتمل أن يكون الراوي تحمل عن # PageV01P026 # المبدع قبل تمذهبه بذلك المذهب، وهذا جهل بمذاهب الرواة، ومشارب الرجال، ~~فإن كل من ألف في نقد الرجال لم يذكر في المشاهير منهم أنه كان على مذهب ~~كذا، أو أن الحافظ الفلاني تحمل عن فلان قبل تمذهبه بمذهب كذا، ومثل هذا ~~إنما يؤخذ عن النقلة الأثبات كالمصنفين في أحوال الرجال، ولا يمكن الاجتهاد ~~فيه بحال من الأحوال، ولذا تراهم يقولون في ترجمة الراوي: كان خارجيا. ونحو ~~ذلك قولا واحدا. وحبذا أن يكون ما ذكره مأثورا عن إمام مؤرخ مشهور، وأما ~~القول بالاحتمال، فإذا فتح أورث الاضمحلال، لكل ما يعول عليه في الاستدلال، ~~ومثل ذلك ما يقال: يحتمل أن يكون روى عنه وهو غير عالم بما هو عليه من فساد ~~العقيدة! فهذا يزيد عما قدمنا من الجهل بمذاهب الرواة تجهيل أئمة الحديث، ~~ووصمهم بما هم برآء من الغباوة والبلاهة، وأنهم يتحملون عمن لا يعرفون ~~مذهبه ولا مشربه، وأنهم كحاطب ليل، نعوذ بالله من ذلك، وأي عاقل يجرؤ على ~~مثل ذلك في البخاري صاحب " التاريخ " في الرجال؟ بل من دونه من أرباب السنن ~~وغيرهم ممن تكلم في الجرح والتعديل، وميز بين صحيح ms14 الحديث وضعيفه، لثقة ~~رجاله أو ضعفهم، وهل يعقل في صحاح، وسنن، ومسانيد، وموطآت، عليها مدار أدلة ~~الأحكام، وحجج الفروع، صنفت على الأسانيد المنوعة والمكررة بالأسماء والكنى # PageV01P027 # والألقاب - أن يكون جامعوها لا يدرون مشرب رجالها ولا ما يتحملونه - مع ~~أن العامي والأمي نراه إذا خدم عالما لا يخفى عليه مشربه ومذهبه ورأيه ~~وفكره، فكيف بعالم مؤلف، لا بل بإمام مجتهد يستنبط الأحكام من الأحاديث ~~ويترجم عليها، ويزاحم من تقدمه من الأئمة في التخريج والرد والاستدراك ~~والتفريع والتأصيل؟ ألا يدري مذهب رجال إسناده ونحلتهم، وهم عمدته في ~~الاستدلال، وركنه في الاحتجاج؟؟ بلى! ثم بلى! وهو أجلى من أن يبرهن عليه، ~~أو يرد على من كابر فيه، ولقد كان علم الجرح والتعديل، ومعرفة طبقات الرجال ~~وتراجمهم من أوئل ما يدريه طلاب الحديث ومريدو التحمل عن الحفاظ، ولكن من ~~أين يدري أبناء هذا الجيل، ما كان عليه السلف من فنون التحصيل، وقد اندرست ~~تلك العلوم، ولم يبق منها ولا الرسوم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. # وأما قول بعضهم: فكيف يستدل بإخراج الشيخين على عدم جواز المعاداة مع ~~قيام هذه الاحتمالات؟ وكيف يسوغ للإنسان أن يتمسك بالمحتمل الذي لا تقوم به ~~حجة؟ فقد علمت سقوط هذه الاحتمالات،وأنها أشبه بالأوهام والخيالات، ~~والتلاعب في الحقائق الواضحات، والمحتمل الذي تقوم به حجة هو الذي يتطرق ~~إليه احتمال معقول، أو تأويل مقبول، جار على قوانين التأويلات، والأوجه ~~المعروفة في نظائره. # PageV01P028 # وأما احتمال في مقابلة حقيقة ثابتة، وأمر واضح، فلا يقال له احتمال، ~~وإنما هو تلاعب وهوس خيال، يقول أئمة الجرح والتعديل في كتبهم عن راو - ممن ~~خرج له الشيخان أو أحدهما -: إنه شيعي، أو خارجي، أو قدري، أو مرجئ، ثم ~~يأتي من يريد أن ينقض هذا بالاحتمال، وهو لم يضرب في هذا الفن بسهم، ولا ~~يمكن أن يرجع إليه في رأي ولا علم، كيف لا وقد اجتمعوا على الرجوع إلى أئمة ~~الفن في هذا الباب، لأنه أمر لم يبق فيه مجال ولا نظر ولا احتمال، وهذا من ~~البديهيات الغنية ms15 عن الحجة والبرهان. ### $ 12 - رفع وهم في عبارة للبخاري: # وأما زعم أن قول البخاري في " جزء رفع اليدين ": «كان زائدة (1) لا يحدث ~~إلا أهل السنة اقتداء بالسلف» يخالف ما استنبطناه - فعجيب جدا لأنه لا شاهد ~~فيه، ولا يناسب بحثنا حتى يخالفه، لأن زائدة - رحمه الله - كان يمتنع عن ~~تحديث غير أهل السنة، أي إسماعهم الحديث وإقرائهم إياه - وذلك في التلاميذ ~~منهم والمبتدئين في طلب الحديث الذين يبغون التلقي والسماع، وقد انتموا إلى ~~غير مذهب أهل السنة، فكان زائدة يتجافى تحديثهم اقتداء بمن رآه من سلفه ~~كذلك، ولا منازعة في الوجدانيات ولا يكلف المرء ما لا يطيقه، فمن كانت نفسه ~~PageV01P029 # لا تحب إسماع من كان كذلك، فله الخيرة ولا جناح عليه في ترك الإسماع، لا ~~سيما لتلاميذ لم يتأهلوا بعد للنظر والوقوف على التحقيق، فمثلهم إنما يكون ~~مقلدا لا مجتهدا، وأما حفاظ شيوخ، ذوو علم ورسوخ، أوتوا من العلم والفضل ما ~~أهلهم للتحمل عنهم، والاستفادة من علمهم، بحيث طارت شهرتهم، وتفوقوا على ~~غيرهم، فلا دخل لكلام زائدة فيهم، ولا يشملهم مشربه، وهكذا نحن نقول: لا ~~ينبغي لأستاذ أن يشرح صدره لتلاميذ أغرار، انتحلوا غير ما يراه الحق بدون ~~نظر أو فكر، بل تقليدا أو اتباعا لكل ناعق. # وأما من بلغ مرتبة الرسوخ والإفادة، وكان على جانب عظيم من العلم، وانتحل ~~ما انتحل عن اجتهاد ونظر، فلا يرتاب أحد في العناية بالأخذ عنه، والتلقي ~~منه، كما فعل الأئمة أمثال البخاري، وأشياخه، فكلام زائدة من واد، وما ~~نقوله من واد آخر. وهكذا يقال فيمن حكى عنهم من المرجئة من أهل بلخ، وأما ~~قوله: ولقد رأينا غير واحد من أهل العلم يستتيبون أهل الخلاف، وإلا أخرجوهم ~~من مجالسهم، فهو يعني به من ذكرناه من التلاميذ لقوله: # «وإلا أخرجوهم»، وهل يخرج إلا المتعلم الضعيف في العلم والفهم، المتطفل ~~على ما ليس له بأهل؟ وشتان بين من يخرج من مجلس الحديث من أهل الخلاف وبين ~~من يرحل إليه ويتحمل عنه منهم - كرجال # PageV01P030 # الشيخين وغيرهما من هؤلاء، ms16 ولو أطرد الابتعاد عن هؤلاء أو إبعادهم لما ~~تلقى عنهم أمثال الشيخين، وخلد أسماءهم ومرويهم في أصح الكتب بعد التنزيل ~~الكريم، وقد يكون مراد البخاري بأهل الخلاف أهل الرأي جمودا وتقليدا ~~المؤثرين آراء الفقهاء على صحيح السنة، لأن كتابه المذكور وهو " جزء رفع ~~اليدين " في مناقشة أهل الرأي وحجهم بصحيح السنة على رأيهم. وقد تجافى ~~أرباب الصحاح الرواية عن أهل الرأي (1)، فلا تكاد تجد اسما لهم في سند من ~~كتب الصحاح أو المسانيد أو السنن، وإن كنت أعد ذلك في البعض تعصبا، إذ يرى ~~المنصف عند هذا البعض من العلم والفقه ما يجدر أن يتحمل عنه، ويستفاد من ~~عقله وعلمه، ولكن لكل دولة من دول العلم سلطة وعصبة ذات عصبية، تسعى في ~~القضاء على من لا يوافقها ولا يقلدها في PageV01P031 # جميع مآتيها، وتستعمل في سبيل ذلك كل ما قدر لها من مستطاعها كما عرف ذلك ~~من سبر طبقات دول العلم، ومظاهر ما أوتيته من سلطان وقوة، ولقد وجد لبعض ~~المحدثين تراجم لأئمة أهل الرأي يخجل المرء من قراءتها فضلا عن تدوينها، ~~وما السبب إلا تخالف المشرب على توهم التخالف، ورفض النظر في المآخذ ~~والمدارك، التي قد يكون معهم الحق في الذهاب إليها، فإن الحق يستحيل أن ~~يكون وقفا على فئة معينة دون غيرها، والمنصف من دقق في المدارك غاية ~~التدقيق ثم حكم بعد. # ومما نعده تعصبا ما حكام الإمام البخاري في " جزء رفع اليدين " المذكور ~~من إخراج أهل الخلاف من مجالس الحديث حتى يستتابوا، وحمل قاضي مكة سليمان ~~بن حرب على الحجر على بعض علماء الرأي من الفتوى، وما ذلك إلا من سلطة دولة ~~الأثريين وقتئذ، وقيامهم بالتشديد ضد غيرهم، ونبذ التسامح الذي كان عليه ~~الصحابة والتابعون في أن يفتي كل بما يراه بعد بذل جهده في المسألة دون ~~تعنيف أو اضطهاد - لا جرم أن سنة كل قوم - آنسوا من أنفسهم قوة وسلطانا أن ~~يستعملوا لبث مذهبهم ونشره هيمنة الحاكم وسيطرته، ولا سيما إذا كان منهم ~~وعلى شاكلتهم وهو مستبد ms17 في علمه وما يمضيه فحدث هناك ولا حرج. انظر إلى ~~القدرية لما دالت لهم دولة # PageV01P032 # العلم أيام المأمون ماذا جرى منهم مع من لم يقل بمشربهم ولم يستجب ~~لدعوتهم، فقد ضربت أئمة وأهينوا وسجنوا الأعوام وأوذوا مما دونه التاريخ ~~وأحصاه على هؤلاء المتعصبين، وكان نقطة سوداء في تاريخ حياتهم، وإن كانوا ~~يزعمون مقاومة الحشو والجمود، وتنوير الأذهان بعلوم الأوائل مما أخذوا ~~بتعريبه، وجهدوا في نشره، إلا أن الغلو كان رائدهم، والبطش قائدهم، ولكن هي ~~السكرة، التي يذهب معها صحيح الفكرة، (أعني سكرة الدولة والغلبة، والسلطة ~~والقوة)، فما من دولة إلا ونقم عليها شيء من ذلك، كما يدريه من سبر أخبار ~~الدول وفلسفة حياتهم، ومظهر آرائهم وآمالهم. # وكذلك قل عن الفتنة التي فر من أجلها إمام الحرمين من العراق إلى الحجاز ~~حينما دالت دولة الحنفية، وثارت عصبيتهم على الشافعية والأشعرية. قال التاج ~~السبكي في " طبقاته " (1) في ترجمة الإمام أبي سهل الشافعي: «إنه لما بلغ ~~من سمو المقام أن أرسل إليه السلطان الخلع وظهر له القبول عند الخاص ~~والعام، حسده الأكابر وخاصموه، فكان يخصمهم ويتسلط عليهم». (قال): «فبدا له ~~خصوم واستظهروا له بالسلطان عليه وعلى أصحابه»، (قال): «وصارت الأشعرية ~~مقصودين بالإهانة والمنع عن الوعظ PageV01P033 # والتدريس، وعزلوا من خطابة الجامع»، (قال): «وتبع من الحنفية طائفة ~~أشربوا في قلوبهم الاعتزال والتشيع، فخيلوا إلى أولي الأمر الإزراء بمذهب ~~الشافعي عموما، وبالأشعرية خصوصا»، (قال): «وهذه هي الفتنة التي طار شررها، ~~وطال ضررها، وعظم خطبها، وقام في سب أهل السنة خطيبها، فإن هذا الأمر أدى ~~إلى التصريح بلعن أهل السنة في الجمع، وتوظيف سبهم على المنابر، وصار لأبي ~~الحسن الأشعري بها أسوة بعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، واستعلى أولئك ~~في المجامع، فقام أبو سهل في نصر السنة قياما مؤزرا، وتردد إلى المعسكر في ~~ذلك ولم يفد، وجاء الأمر من قبل السلطان (طغرلبك) بالقبض على الرئيس ~~الفراتي، والأستاذ أبي القاسم القشيري، وإمام الحرمين، وأبي سهل بن الموفق، ~~ونفيهم ومنعهم عن المحافل، وكان أبو سهل غائبا في ms18 بعض النواحي، فلما قرأ ~~الكتاب بنفيهم أغرى بهم الغاغة والأوباش، فأخذوا بالأستاذ أبي القاسم ~~القشيري والفراتي يجرونهما ويستخفون بهما، وحبسا بالقهندر. وأما إمام ~~الحرمين فإنه كان أحس بالأمر فاختفى وخرج على طريق كرمان إلى الحجاز، وبقيا ~~في السجن متفرقين أكثر من شهر» (1). # وفي " شرح الإقناع " (2) قال ابن عقيل: «رأيت الناس لا PageV01P034 # يعصمهم من الظلم إلا العجز، ولا أقول العوام بل العلماء، كانت أيدي ~~الحنابلة مبسوطة في أيام ابن يونس، فكانوا يستطيلون بالبغي على أصحاب ~~الشافعي في الفروع حتى ما يمكنوهم من الجهر بالبسملة والقنوت - وهي مسألة ~~اجتهادية - فلما جاءت أيام النظام، ومات ابن يونس وزالت شوكة الحنابلة، ~~استطال عليهم أصحاب الشافعي استطالة السلاطين الظلمة، فاستعدوا بالسجن، ~~وآذوا العوام بالسعايات والفقهاء بالنبذ بالتجسيم، (قال): «فتدبرت أمر ~~الفريقين، فإذا بهم لم تعمل فيهم آداب العلم، وهل هذه إلا أفعال الأجناد ~~يصولون في دولتهم، ويلزمون المساجد في بطالتهم». اه. # ولدينا من القصص في عجائب ما روى التاريخ من التعصب ما لا يسعنا إلا ~~إمساك القلم عن نشره إبقاء على هذه البقية الباقية، وفي الإشارة ما يغني عن ~~الكلم ولا حول ولا قوة إلا بالله. # وكل ذلك من التفرق الذي نهى عنه الدين لما يستتبعه من الإزراء التي تعمل ~~في أساسه المتين، ويكفي ما جنت وتجني الأمة من ويلاته إلى هذا الحين، حتى ~~فشلت وذهب ريحها أمام أعدائها الكافرين، والمستعان بالله. ### $ 13 - درء وهم واشتباه: # يقول بعضهم: إن مسلما روى عن ابن عباس أنه قال في # PageV01P035 # نجدة الحروري: «[والله] لولا أن أرده عن نتن يقع فيه ما كتبت إليه، ولا ~~نعمة عين». قال النووي: «كان ابن عباس يكرهه لبدعته وهي كونه من الخوارج». # والجواب: أنه لا يلزم من كراهة الفرد كراهة المجموع، وإلا لما خرج ~~لثقاتهم وعلمائهم الشيخان وغيرهما، وهل يؤخذ الجميع بجريرة الفرد؟ على أن ~~نجدة ليس من رجال الرواية عند المحدثين، فقد ضعفه الذهبي في " ميزان ~~الاعتدال " وقال عنه: ذكر في " الضعفاء " للجوزجاني، على أن الحال وصل إليه ~~في قومه أن يختلفوا ms19 عليه وينبزوه بالكفر كما تراه في كتاب " الفرق " للإمام ~~أبي منصور البغدادي، و" الملل والنحل " للشهرستاني وغيرهما، فلا نعمة عين - ~~كما قال ابن عباس - ولو كان يكره كل خارجي لبدعته لما أخرج لأثباتهم أئمة ~~السنة في الصحاح والمسانيد، ويكفي أن الإمام مالكا - رضي الله عنه - عد ممن ~~يرى رأيهم، كما رواه الإمام المبرد في " كامله " (1). ومن عزا لك ما يأثره، ~~وأراك مصدره، فقد أوقفك من المسالك على الصراط المستقيم. # ومن الغريب أن يستدل بعضهم على معاداة المبدعين بأمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بهجر الثلاثة الذين خلفوا، ورفض تكليمهم حتى تيب عليهم، مع أنه ~~لا تناسب بين دليله والدعوى بوجه ما، لأن PageV01P036 # البحث في الرواة المجتهدين الثقات المتقنين الذين ما نبذ السلف مرويهم ~~لرأي رأوه أو مذهب انتحلوه، فهل كان المخلفون كذلك؟ وما المناسبة بين قوم ~~هجرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - لذنب محقق اعترفوا به حتى تيب عليهم، ~~وقوم لا يرون ما هم عليه إلا طاعة وعقدا صحيحا يدان الله به، وتنال النجاة ~~والزلفى بسببه؟ فالإنصاف يا أولي الألباب الإنصاف، وحذار من الجري وراء ~~التعصب والاعتساف. # غريب أمر المتعصبين والغلاة الجافين، تراهم سراعا إلى التكفير والتضليل ~~والتفسيق والتبديع، وإن كان عند التحقيق لا أثر لشيء من ذلك إلا ما دعا ~~إليه الحسد، أو حمل عليه الجمود وضعف العلم، وجهل مشرب البخاري ومسلم، ~~وأصحاب المسانيد والسنن هداة الأمة، ولا قوة إلا بالله. ### $ 14 - ثمرة الرفق بالمخالفين: # قال بعض علماء الاجتماع: يختلف فكر عن آخر باختلاف المنشأ والعادة والعلم ~~والغاية، وهذا الاختلاف طبيعي في الناس، وما كانوا قط متفقين في مسائل ~~الدين والدنيا، ومن عادة صاحب كل فكر أن يحب تكثير سواد القائلين بفكره، ~~ويعتقد أنه يعمل صالحا ويسدي معروفا وينقذ من جهالة ويزع عن ضلالة، ومن ~~العدل أن لا يكون الاختلاف داعيا للتنافر ما # PageV01P037 # دام صاحب الفكر يعتقد ما يدعو إليه، ولو كان على خطأ في غيره، لأن ~~الاعتقاد في شيء أثر الإخلاص، والمخلص في فكر ما إذا أخلص فيه ms20 يناقش ~~بالحسنى؛ ليتغلب عليه بالبرهان، لا بالطعن وإغلاظ القول وهجر الكلام، وما ~~ضر صاحب الفكر لو رفق بمن لا يوافقه على فكره ريثما يهتدي إلى ما يراه ~~صوابا، ويراه غيره خطأ، أو يقرب منه، وفي ذلك من امتثال الأوامر الربانية، ~~والفوائد الاجتماعية ما لا يحصى، فإن أهل الوطن الواحد لا يحيون حياة طيبة ~~إلا إذا قل تعاديهم، واتفقت على الخير كلمتهم، وتناصفوا وتعاطفوا، فكيف ~~تريد مني أن أكون شريكك، ولا تعاملني معاملة الكفؤ على قدم المساواة؟ # دع مخالفك - إن كنت تحب الحق - يصرح بما يعتقد، فإما أن يقنعك وإما أن ~~تقنعه، ولا تعامله بالقسر، فما قط انتشر فكر بالعنف، أو تفاهم قوم بالطيش ~~والرعونة، من خرج في معاملة مخالفه عن حد التي هي أحسن، يحرجه فيخرجه عن ~~الأدب ويحوجه إليه، لأن ذلك من طبع البشر مهما تثقفت أخلاقهم وعلت في ~~الآداب مراتبهم. # وبعد فإن اختلاف الآراء من سنن هذا الكون، هو من أهم العوامل في رقي ~~البشر، والأدب مع من يقول فكره باللطف قاعدة لا يجب التخلف عنها في كل ~~مجتمع، والتعادي على المنازع الدينية وغيرها # PageV01P038 # من شأن الجاهلين لا العالمين، والمهوسين لا المعتدلين. اه. مع تلخيص ~~وزيادة. # ولا يخفى أن الأصل في هذا الباب قوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا ~~بالتي هي أحسن} (1) وقوله سبحانه: {وقولوا للناس حسنا} (2) وقوله - جل ذكره ~~-: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا ~~نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ~~بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} (3) ولا تنس ~~ما أسلفنا عن السلف في تفسيرها. ### $ 15 - حملة الأعلام المحققين على المتفقهة المكفرين: # لما استفحل الرمي بالتكفير والتضليل لخيار العلماء في منتصف قرون الألف ~~الأولى من الهجرة ضجت عقلاء الفقهاء، وصوبت سهام الردود في وجوه زاعمي ذلك، ~~حتى قالت الحنفية - عليهم الرحمة - ما معناه: «لو أمكن أن يكفر المرء في ~~أمر من تسعة وتسعين وجها، ms21 ومن وجه واحد لا يكفر، يرجح عدم التكفير على ~~التكفير لخطره في الدين». # ولم يشتد الرمي بالتكفير والإرهاق لأجله والإرجاف به في عصر من العصور ~~مثل القرن الثامن للهجرة. ومن سبر تاريخ PageV01P039 # الحافظ ابن حجر المسمى ب " الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة " أخذه ~~من ذلك المقيم المقعد، إذ يرى أن العالم الجليل الذي هو زينة عصره وتاج ~~دهره، كان لا يأمن على نفسه من الإفك عليه، والسعاية به فيما يكفره ويحل ~~دمه، حتى صار يخشى على نفسه من أخذت منه السن، وأقعده الهرم، وأفلجته ~~الشيخوخة، ولا من راحم أو منصف - كما تقرأ ذلك في ترجمة علاء الدين العطار ~~تلميذ الإمام النووي، وأنه مع زمانته، وكونه صار حلس بيته، يتأبط دائما ~~وثيقة أحد القضاة بصحة إيمانه وبراءته من كل ما يكفره، ولقد أريقت دماء ~~محرمة، وعذبت أبرياء بالسجون والنفي والإهانات باسم الدين، وروعت شيوخ ~~وشبان أعواما وسنين، حتى عج لسان حالها وقالها بالدعاء إلى فاطر الأرض ~~والسموات، بكشف هذه الغمم والظلمات، ولم يزل سبحانه يملي لها ويستدرجها في ~~غيها، ولم تحسب للأيام ما خبئ لها في طيها، إلى أن امتلأ إناؤها، وحان ~~حصدها وإفناؤها، فأخذها الله وهي ظالمة جائرة، ودارت على دولتها الدائرة، ~~ومحق الله بفضله تلك الدولة المجنونة الجاهلة، وأورثها للدولة الصالحة ~~العاقلة، فأمنت الناس على أنفسها ودمائها، وذهبت عصبة الجمود بزبدها ~~وغثائها. # سيقول بعض الناس ممن تغره القشور، ولم تقف مداركه على لباب روح العصور: ~~إن تلك الدماء المراقة والأرواح المهدرة، لم يحكم عليها إلا بالبينة # PageV01P040 # والشهود، التي بمثلها تقام الحدود، وهل بعد ذلك من ملام أو جحود؟ يقول ~~ويجهل أو يتجاهل أن التعصب يحمل على الأخذ بالظنة، أو الإيقاع بالشبهة، وأن ~~المتطوعة بالشهادة قد يحملهم على اختلاقها ظن الأجر بنصرة الدين بقتل هؤلاء ~~المساكين، لا سيما إذا دفعوا بتشويق المتصولحين والمتمفقرين (1)، والحشوية ~~البكائين، احتيالا وقنصا للمغفلين. # ولقد استفيض عن كثير من هؤلاء الضالين المضلين الإغراء بقتل الداعين إلى ~~الكتاب والسنة، والمجاهدين في الإصلاح العاملين، على أن قاعدة ms22 المحققين هي ~~عدم البت في أمر تاريخي إلا بعد تعرفه من أطرافه، ومراجعة عدة أسفار للوقوف ~~على كنهه وحقيقته، والإشراف على غثه وسمينه، ووزنه بميزان العقول السليمة، ~~والقواعد الاجتماعية المعقولة، كما أشار إليه الإمام ابن خلدون في " مقدمته ~~". # نحن لم نصم أعمال أولئك بالظلم والجور والبغي إلا لما فضح نبذا منها ~~الإمام زين الدين ابن الوردي الشهير صاحب " البهجة "، و" اللامية "، و" ~~الديوان "، و " المقامات " فقد شفى بالحقيقة الأوام، وأوضح عن مكر أولئك ~~بالتمويه والإيهام في مقالة بديعة PageV01P041 # أنشأها في القاضي الرباحي المالكي (1) سماها " الحرقة للخرقة ". ولا بأس ~~بنقل جمل منها تأييدا لما قلناه، قال - رضي الله عنه -: # «أما بعد، حمدا لله الذي لا يحمد على المكاره سواه، والصلاة والسلام على ~~نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي خاف مقام ربه وعصم من اتباع هواه، ~~وعلى آله وصحبه الذين بذل كل منهم في صون الأمة قواه، وسلمت صدورهم من فساد ~~النيات، وإنما لكل امرئ ما نواه، فإن نصيحة أولي الأمر تلزم، والتنبيه على ~~مصالح العباد قبل حلول الفساد أحزم، والمتكلم لله تعالى مأجور، والظالم ~~ممقوت مهجور، وتحسين الكلام لدفع الضرر عن الإسلام عبادة، والنثر والنظم ~~للذب عن أهل الإسلام من باب الحسنى وزيادة، وجرحة الحاكم الأعراض بالأغراض ~~صعبة؛ إذ نص الحديث النبوي: أن حرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة، ومخرق ~~خرقته مذموم، ولحم العلماء مسموم،" وهذه رسالة " أخلصت فيها النية، وقصدت ~~بها النصيحة للرعاة والرعية، أودعتها من جوهر فكري كل ثمين، وناديت بها على ~~هزيل ظلم أبناء جنسي PageV01P042 # مناداة اللحم السمين، لكن جنبتها فحش القول، إذ لست من أهله، وخلدتها في ~~ديوان الدهر شاهدة على المسيء بفعله، ورجوت بها الثواب، نصرة للمظلوم، ~~وغيرة على حملة العلوم، وسميتها: " الحرقة للخرقة " فقلت: اعلموا يا ولاة ~~الأمر، ويا ذوي الكرم الغمر، أبقاكم الله بمصر (1) للأمة، ووفقكم لدفع ~~الإصر وبراءة الذمة، أن حلب قد نزعت للزبدة، ووقعت من ولاية التاجر الرباحي ~~في خسر وشدة، قاض سلب الهجوع وسكب الدموع، وأخاف السرب، وكدر الشرب، ~~بجراءته ms23 التي طمت وطمت، وعمايته التي عمت وغمت، وفتنته التي بلغت الفراقد، ~~وأسهرت ألف راقد، ووقاحته التي أدهشت الألباب، وأخافت النطف في الأصلاب، ~~فكم لطخ من زاهد، وكم أسقط من شاهد، وكم رعب بريا، وكم قرب جريا، وكم سعى ~~في تكفير سليم، وكم عاقب بعذاب أليم، وكم قلب ذائب، بنائبة توسط بها عند ~~النائب، فامتنعت الأمراء عن الشفاعة، وظنوا هم والنائب أن هذا امتثال لأمر ~~الشرع وطاعة: # يا حامل النائب في حكمه * ... * ... * أن يقتل النفس التي حرمت # غششته والله في دينه * ... * ... * بشراك بالنار التي أضرمت PageV01P043 # (إلى أن قال الزين ابن الوردي): ثم إنه فسق مفتيا في الدين، وفضح خطيبا ~~على رؤوس المسلمين، ثم قال: يحب إثبات الردة والكفر كحب الدنانير الصفر. # حاكم يصدر منه * ... * ... * خلف كل الناس حفر # يتمنى كفر شخص * ... * ... * والرضا بالكفر كفر # (ثم قال): إذا وقع عنده عالم فقد وقع بين مخالب الأسود، وأنياب الأفاعي ~~السود: # أدركوا العلم وصونوا أهله * ... * ... * من جهول حاد عن تبجيله # إنما يعرف قدر العلم من * ... * ... * سهرت عيناه في تحصيله # ثم قال: ما أقدره على السفير، وما أسهل عليه التفسيق والتكفير، كم دعى ~~إلى بابلة فما ارتاح إلى الباب، ونراه حيران لعدم الرقة، فإذا قيل له: فلان ~~قد كفر، طاب، يحبس على الردة بمجرد الدعوى، ويقوي شوكته على أهل التقوى، قد ~~ذلل الفقهاء والأخيار، وجرأ عليهم السفهاء والأغيار: # يحبس في الردة من * ... * ... * شاء بغير شاهد # لا كان من قاض حكى ال * ... * ... * فقاع جد بادر # PageV01P044 # أراح الله من تعرضه، وصان عراض الأعراض من تعرضه، يقصد بذلك أهل الدين، ~~والقراء المجودين: # جرحت الأبرياء فأنت قاض * ... * ... * على الأعراض بالأغراض ضاري # ألم تعلم بأن الله عادل * ... * ... * (ويعلم ما جرحتم بالنهار) # هذا بعض ما جاء في رسالة الإمام ابن الوردي التي هي أشبه بمقامة بديعية، ~~وكلها حقائق صادقة ناطقة بما كان عليه تعصب قضاة ذلك الوقت، ولا سيما ~~المالكية منهم، ولقد كان قضاة المذاهب يحيلون الأمر في التعزير والتأديب ~~إلى القاضي المالكي لما اشتهر في الفقه المالكي من مضاعفة النكال، ms24 وشدة ~~التأديب في باب التعزير؛ إذ بسط للقاضي يده فيه بسطا لم يوجد في مذهب غيره، ~~فلذا كان محبو الانتقام والتشفي يعمدون إلى إحالة القضية إلى القاضي ~~المالكي لما يعلمون ما وراء قضائه، مما فصل بعضه الإمام ابن الوردي كما ~~قرأت، على أن الأمر في التعصب لم يقف عند القاضي المالكي وحده لنتعصب ضده، ~~وإنما كان هو الأقوى تعصبا والأشد تصلبا، وإلا فإن مظهر ذاك العصر كان ~~التعصب لجميعهم، فقد حكى الشيخ الشعراني - رحمه الله - تعالى في مقدمة " ~~طبقاته الكبرى " المسماة ب " لواقح الأنوار " # PageV01P045 # ما مثاله: وقد أخبرني شيخنا الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري بمصر ~~المحروسة أن شخصا وقع في عبارة موهمة للتكفير، فأفتى علماء مصر بتكفيره، ~~فلما أرادوا قتله قال السلطان جقمق: هل بقي أحد من العلماء لم يحضر؟ ~~فقالوا: نعم، الشيخ جلال الدين المحلي شارح " المنهاج "، فأرسل وراءه فحضر، ~~فوجد الرجل في الحديد بين يدي السلطان، فقال الشيخ: ما لهذا؟ قالوا: كفر، ~~فقال: ما مستند من أفتى بتكفيره، فبادر الشيخ صالح البلقيني من مشاهير ~~الشافعية، وقال: قد أفتى والدي شيخ الإسلام الشيخ سراج الدين في مثل ذلك ~~بالتكفير، فقال الشيخ جلال الدين - رضي الله عنه -: يا ولدي أتريد أن تقتل ~~رجلا مسلما موحدا يحب الله ورسوله بفتوى أبيك؟ حلوا عنه الحديد، فجردوه، ~~وأخذه الشيخ جلال الدين بيده وخرج والسلطان ينظر، فما تجرأ أحد يتبعه - رضي ~~الله تعالى عنه -. # وقد عد الشعراني من الأعلام الذين أكفرهم الجامدون المتعصبون ما يقرب من ~~الثلاثين، فمنهم القاضي عياض، اتهموه بأنه يهودي؛ لملازمته بيته للتأليف ~~نهار السبت، وذكر أن المهدي قتله. # ومنهم الإمام الغزالي كفره قضاة المغرب وأحرقوا كتبه، ومنهم التاج السبكي ~~رموه بالكفر مرارا، وسجن أربعة أشهر (1)، وكل هذا إنما كان بزعم المتعصبين ~~بشهادات PageV01P046 # وأقضية وفتاوى، ولكن سرعان ما فضحهم التاريخ وكشف عوارهم، كما حكاه ~~الشعراني وغيره، والحمد لله الذي جعل الباطل زهوقا. # وهكذا يمر بتواريخ تلك القرون ما لا يحصى من حوادث من أقيمت عليهم الفتن، ~~واتهموا بما اتهموا به، ms25 مع أن الحدود تدرأ بالشبهات، ونعني بالحدود ما نص ~~عليه في الكتاب العزيز والسنة الغراء، فإذا كانت في تلك المكانة وقد شرع ~~فيها محاولة درئها بالشبهات، فكيف بحدود لا سند لها إلا بالاجتهاد، وليس ~~لها أصل قاطع، ولا نص محكم، فلا ريب أنها أولى بالدرء، وأجدر بالدفع، ولا ~~يدري المرء ما الذي حملهم على نسيان هذه الموعظة حتى عكسوا القضية، وأصبحوا ~~يكبرون الصغير، ويعظمون الحقير، ويهولون الأمور، ويدعون بالويل والثبور، ~~مما لا يقومون بعشره للمنكرات المجمع عليها، والكبائر التي يجاهر بها، فلا ~~حول ولا قوة إلا بالله. # ولما تشددت القضاة المالكية في هذا الباب، أصبحوا هدفا لأولي الألباب، ~~حتى قال الإمام ابن الوردي في ذاك القاضي المتقدم الرباحي: إن المالكية ~~بدمشق كتبوا إليه: «يا مغلوب، لقد بغضت مذهب مالك إلى القلوب، وقطعت ~~المذاهب الأربعة عليه بالخطأ، وزالت بهجته عند الناس # PageV01P047 # وانكشف الغطا ... إلخ». # والسبب في ذلك ما ابتدعه الملك الظاهر برقوق من توظيف قضاة أربعة على ~~المذاهب الأربعة مما لم يعهد قبله في دولة من الدول، حتى نشأ من ذلك ما ~~نقمه عليه الأعلام، وعدوه من التفرقة في الإسلام، قال التاج السبكي في " ~~طبقاته " (1)، في ترجمة قاضي القضاة بالديار المصرية تاج الدين عبد الوهاب ~~ابن بنت الأعز الشافعي المتوفى سنة 566، ما مثاله: وفي أيامه جدد الملك ~~الظاهر القضاة الثلاثة في القاهرة، ثم تبعتها دمشق وكان الأمر متمحضا ~~للشافعية، فلا يعرف أن غيرهم حكم في الديار المصرية منذ وليها أبو زرعة ~~محمد بن عثمان الدمشقي في سنة 284 إلى زمان الظاهر إلا أن يكون نائب ~~يستنيبه بعض قضاة الشافعية في جزئية خاصة، وكذا دمشق لم يلها بعد أبي زرعة ~~المشار إليه إلا شافعي غير التلاشا عوني التركي، الذي وليها يويمات وأراد ~~أن يجدد في جامع بني أمية إماما حنفيا، فأغلق أهل دمشق الجامع، وعزل القاضي ~~(2). (قال السبكي) PageV01P048 # واستمر جامع بني أمية في يد الشافعية، كما كان في زمن الشافعي - رضي الله ~~عنه -، قال: ولم يكن يلي قضاء الشام والخطابة والإمامة بجامع ms26 بني أمية إلا ~~من يكون على مذهب الأوزاعي إلى أن انتشر مذهب الشافعي، فصار لا يلي ذلك إلا ~~الشافعية. (ثم قال السبكي): وقد حكي أن الملك الظاهر رؤي في النوم فقيل: ما ~~فعل الله بك؟ قال: عذبني عذابا شديدا بجعل القضاة أربعة، وقال: فرقت كلمة ~~المسلمين. اه. # ولا يخفى على ذي بصيرة ما حصل من تفرق الكلمة، وتعدد الأمراء واضطراب ~~الآراء، وقد قال أبو شامة لما حكى ضم القضاة، أنه ما يعتقد أن هذا وقع قط. ~~قال السبكي: وصدق فلم يقع هذا في وقت من الأوقات، قال: وبه حصلت تعصبات ~~المذاهب، والفتن بين الفقهاء، فإنه يؤيد ما قدمناه من اتخاذ هذه آلة للفتن ~~والتشفي من المخالفين، حتى أدال الله من تلك الدولة للسلطان سليم خان، فنسخ ~~كل ذلك، وقصر الأمر على قاض حنفي واحد، ولا ريب أن هذا كان من النعم ~~الكبيرة، إذ قمعت به فتن خطيرة، وحسمت به شرور وفيرة، نعم لم يزل في الأمر ~~حاجة إلى الكمال، وهو سعي أولي الحل والعقد بعقد مؤتمر علمي من كبار فقهاء ~~المذاهب المعروفة، وتأليف مجلة تستمد من فقه سائر الأئمة الأربعة وغيرهم ~~مما فيه # PageV01P049 # رحمة ويسر، ومشي مع المصالح والمنافع، ودفع المضار في أبواب المعاملات، ~~فبذلك تظهر محاسن الدين في الأقضية والأحكام، ويعرف أنه دين المدنية في كل ~~زمان ومكان إلى قيام الساعة وساعة القيام، وإن اليوم الذي تتحقق فيه هذه ~~الأمنية لهو أسعد الأيام، والمستعان بالله ذي الجلال والإكرام. اه. # PageV01P050 ms27